← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يوم الجمعة تاسع الشهر بحضور ناظر الحرمين الشريفين وشيخ الصلاحية والقضاة، وهو مؤرخ في ثاني المحرم. وفيها في نهاية الأحد خامس عشري ربيع الآخر ورد مثال القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف إلى ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين النشاشيبي، بمنع القاضي زين الدين عبد الباسط الحنبلي من تعاطي الأحكام الشرعية، فخالف أمره واستمر يحكم أياما فأنكر عليه ذلك، فامتنع من الحكم، واستمر معزولا إلى أن تشفع (١) بناظر الحرمين الأمير ناصر الدين النشاشيبي، والقاضي فخر الدين بن نسيبة، وكتب له توقيع شريف بالاستمرار، ووصل إليه في شهر شوال. وفيها في عشرين من شهر رجب دخلت عين العروب إلى القدس الشريف، وخلع الأمير قانصوه اليحياوي على المعلمين، وزينت المدينة ثلاثة أيام، وكتب الأمير قانصوه محاضر وعليها خطوط العلماء (٢) والأعيان، لتعرض على المسامع الشريفة، وجهزها على يد ولده الشهابي أحمد ودواداره، وكانت مدة عمارتها خمسة أشهر وخمسة عشر يوما، وقد أنفق السلطان في عمارتها مبلغا كبيرا. وفيها في شهر شوال قدم شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف من القاهرة المحروسة إلى القدس الشريف، لقصد الزيارة بعد غيبة عنه في سنة إحدى وثمانين كما تقدم ذكره. ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثمانمائة (٣) في يوم السبت، خامس عشر شهر صفر، دخل إلى القدس الشريف قاضي القضاة شرف الدين يحيى بن محمد الأندلسي الأنصاري المالكي، متوليا قضاء المالكية (٤) بعد شغوره عن القاضي علاء الدين بن المزوار نحو سبع سنين، فإن ابن المزوار (٥) سافر من القدس في جمادى الأولى سنة اثنين وثمانين وثمانمائة، وأقام بالقاهرة وهو باق على الولاية إلى أن توفي في آخر جمادى الأولى (٦) سنة ٨٨٥ هـ. واستمرت الوظيفة شاغرة إلى أن ولي القاضي شرف الدين يحيى، المشار

стр. 1017

إليه، في أواخر ذي الحجة سنة ٨٨٥ هـ، ودخل إلى القدس في التاريخ المذكور. وفي يوم السبت خامس عشر شهر صفر أيضا، توفي أمين الدين محمد بن أحمد الحنبلي (١)، المشهور بابن قطيا مباشر الأوقاف، ومولده في سنة ٨١٦ هـ، وكانت له معرفة تامة بمصطلح المباشرة والحساب، وكان منور الشيبة، حسن الشكل. وفيها في مستهل جمادى الأولى، ورد جراد كثير على بيت المقدس، فأكل غالب ثمر الكروم والزروع والخضروات، واستمر يذهب ويعود. وفيها (٢) عاد شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف من القدس إلى القاهرة فوصل إليها في جمادى الآخرة. وفيها كان ابتداء الفتنة بين السلطان (٣) الملك الأشرف قايتباي وبين السلطان بايزيد بن عثمان، ملك الروم، وجهز السلطان التجريد لقتال (٤) ابن عثمان، وكان المقدم على العسكر الأمير تمراز (٥) أمير سلاح (٦)، وكان سفره من القاهرة في جمادى الأولى، فلما وصل إلى الرملة توجه إليه الأمير جانم نائب القدس الشريف، وصحبته العشير (٧) المجتمع من جبل القدس، بعد أن عرض الرجال في يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة، وتوجهوا في يوم السبت. وفيها توجه ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين محمد بن النشاشيبي وصحبته جماعة المباشرين إلى القاهرة المحروسة بمرسوم شريف ورد بطلبهم وحصل لبعض المباشرين محنة من السلطان في شهر شعبان، ثم لطف الله (٨) بهم، وعادوا إلى القدس الشريف ودخل ناظر الحرمين بخلعة السلطان في يوم الخميس (٩) رابع عشري رمضان، وكان يوما مشهودا.

стр. 1018

ثم دخلت سنة ٨٩٠ هـ (١) (٢) فيها توفي الشيخ شهاب الدين العميري، في شهر ربيع الأول كما تقدم في ترجمته، وكان قد حصل له السرور بعمارة المدرسة الأشرفية، لأنه اجتهد في عمارتها وراجع السلطان فيها، واحتفل بأمرها فلما انتهت عمارتها أدركته المنية قبل بلوغ أمله، فسبحان من يتصرف في عباده بما شاء. وفيها توفي الشيخ سعد الله الحنفي إمام الصخرة الشريفة، وترك ولدا صغيرا، فحمل الولد إلى السلطان وساعده جماعة في استقراره في إمامة الصخرة الشريفة عوضا عن والده، وتوجه ناصر الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن حبشني، المشهور بابن الشنتير للسعي في الإمامة، وساعده الأمير تمراز أمير سلاح، فاقتضى الحال المشاركة بينهما، فاستقر ناصر الدين بن حبشني في نصف الإمامة، وهو الذي كان قرره والده فيه الأمير ناصر الدين ابن النشاشيبي، كما تقدم ذكره في حوادث سنة ٨٧٦ هـ (٣)، واستقر إمام الدين محمد بن الشيخ سعد الله، في النصف وكتب لكل منهما توقيع شريف بما استقر فيه. وفيها توجه القاضي شهاب الدين (٤) يحيى المالكي قاضي القدس إلى الديار المصرية ليشكو حاله من جماعة القدس الشريف، فرسم له باستمراره في الوظيفة، وتقوية يده وشد عضده، وكتب له مرسوم شريف بذلك. ذكر إقامة نظام المدرسة الأشرفية وفيها عين السلطان لمشيخة مدرسته في القدس الشريف شيخ الإسلام الكمالي ابن أبي شريف بحكم وفاة الشيخ شهاب الدين العميري، وطلبه إلى حضرته وشافهه بالولاية وسأله في القبول فأجاب لذلك، وألبسه كامليه، وتوجه من القاهرة المحروسة إلى القدس الشريف وصحبته القاضي بدر الدين أبو البقاء بن الجيعان (٥)، والأمير (٦) جان بلاط، ومامي والمهتار رمضان، وجماعة من القراء السلطانية،

стр. 1019

ودخلوا إلى بيت المقدس في يوم الأحد سادس شهر رجب، ومعهم أكابر المقادسة، وأنعم في ذلك اليوم على جماعة بلبس الخلع الواردة من الأبواب الشريفة، منهم نائب الشام الأمير قانصوه اليحياوي وأولاده، ونائب القدس الأمير (١) جانم، والناظر الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، والقاضي فخر (٢) الدين بن نسيبة، والإمام ناصر الدين بن الشنتير، حضر معهم من القاهرة وألبس التشريف بطرحة، وممن حضر معهم من القاهرة القاضي شرف الدين يحيى المالكي، ودخل (٣) بغير خلعة وكان يوما مشهودا. ثم في يوم الجمعة جلس شيخ الإسلام الكمالي بالمدرسة وعمل درسا حضره شيخ الإسلام نجم الدين بن جماعة، والقضاة والأعيان ومن حضر من أركان الدولة السلطانية، والخاص والعام، وكان يوما حافلا، ورتبت (٤) الوظائف بالمدرسة وقرر أمرها واستوطن شيخ الإسلام الكمالي بيت المقدس، وسنذكر ترجمته فيما بعد إن شاء الله تعالى، ثم توجه القاضي أبو البقاء وأركان الدولة إلى الديار المصرية في الشهر المذكور. وفيها طلب القاضي بدر الدين بن الحمامي الشافعي إلى الأبواب الشريفة، وتوجه في شهر جمادى الآخرة وغرم مالا وأنعم عليه بالاستمرار في وظيفته بالقدس الشريف والرملة، وعاد بعد أن خلع عليه كاملية بسمور، ودخل إلى القدس في خامس عشري شهر رمضان. وفيها وردت مكاتبات القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف إلى الأمير قانصوه اليحياوي نائب الشام، وإلى ناظر الحرمين والقضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي، يعلمهم أنه بلغهم أن القاضي زين الدين عبد الباسط الحنبلي بالقدس الشريف يعتمد أمورا لا تليق بمن هو راكب لهذا المنصب الشريف، بل تسقط العدالة، وسألهم في الكشف عليه وتحرير أمره وإعادة الجواب بحقيقة حاله من غير مراعاة (٥)، ليراجع في أمره المسامع الشريفة، ليترتب على كل شيء مقتضاه، ووردت المكاتبات بذلك في شهر ذي القعدة، فقدر أن القاضي كان غائبا بنابلس، فلما حضر إلى القدس الشريف، حصل له محنة في الطريق بخروج

стр. 1020

اللصوص عليه، وأخذ جميع ما معه، وكان ذلك سببا لعدم الكشف عليه اكتفاء بما حصل له من المحنة، ثم كان من أمره ما سنذكره في حوادث السنة الآتية، إن شاء الله تعالى. وفيها في شهر ذي الحجة، توفي الشيخ جمال الدين عبد الله بن غانم شيخ حرم القدس الشريف، واستقر ولده الشيخ ناصر الدين محمد فيما كان بيد والده في مشيخة الحرم، ونصف مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف. ثم دخلت سنة ٨٩١ هـ (١) في يوم الاثنين ثالث المحرم، دخل الأمير ماماي الخاصكي (٢) إلى القدس الشريف بخلعة السلطان والناس في خدمته، ورسم على أكابر البلد وأخذ منهم مالا (٣)، فأخذ من ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي أربعة بغال وحصانا، ومن النائب الأمير جانم مائتي دينار، ومن شيخ الصلاحية ثلاثين دينارا، ومن القاضي فخر الدين بن نسيبة أربعمائة دينار، ومن القاضي شهاب الدين الجوهري ثلاثمائة دينار، وحصل للناس من ذلك شدة، وتوجه في يوم السبت ثامن شهر المحرم. وفيها في يوم الاثنين سابع ربيع الأول، توجه القاضي فخر الدين بن نسيبة إلى القاهرة بمرسوم شريف ورد بطلبه. وفيها حضر الأمير أقبردي الدوادار الكبير (٤) من القاهرة (٥) المحروسة إلى جهة نابلس، لتجهيز الرجال للتجريدة لقتال بايزيد (٦) بن عثمان ملك الروم، ووصل إلى مدينة الرملة في خامس عشري ربيع الأول، وهو أول قدومه إلى هذه الأرض، فنصب مخيمه (٧) على تل العوجا، وشرع ينتقل تارة ينزل بأرض قاقون، وتارة بأرض اللجون، وتارة بالرملة، وألبس خليل بن إسماعيل خلعة (٨) مشيخة جبل نابلس على عادته، وشرع في تجهيز الرجال وعرضهم ودفع النفقة لهم.

стр. 1021

وفيها في أواخر ربيع الأول حصل للسلطان عارض، وهو أنه ركب فرسا في الحوش بالقلعة فرماه ووقع فوقه فكسر فخذ السلطان، واستمر نحو شهرين، وانزعجت المملكة لذلك، ثم عوفي ولله الحمد وزينت مدينة القدس الشريف وغيرها من البلاد لعافيته. وفيها عزل القاضي زين الدين عبد الباسط الحنبلي من قضاء القدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل، ﵇، ونابلس، وكان بروز الأمر بعزله في رابع عشري ربيع الآخر، وورد علم ذلك إلى بيت المقدس في العشر الأول من جمادى الأولى، وخرج مختفيا في ليلة خامس عشر الشهر المذكور، بعد محن حصلت عليه من الشكاوى الواقعة عليه إلى دوادار السلطان وهو بمخيمه بأرض اللجون (١)، وانحراف نائب القدس عليه، وغيره من الأكابر والأعيان ببيت المقدس، والله الموفق. وفيها في يوم السبت سابع عشر رجب حضر الأمير أقبردي الدوادار (٢) الكبير إلى القدس الشريف، بعد فراغه من المهم السلطاني، وقصده التوجه إلى الأبواب الشريفة، وفرش له نائب القدس (٣) الأمير جانم الشقق الحرير، ونثر على رأسه الفضة، وأوقد له المسجد الأقصى، وقدم له النائب عشرين فرسا وقطار بغال (٤)، وعمل له سماطا (٥) عظيما، فخلع عليه وعلى الأمير قانصوه اليحياوي نائب الشام، وسافر من القدس الشريف عشية يوم الأحد، وتوجه إلى بلد سيدنا الخليل، ﵇، للزيارة، ثم توجه إلى مدينة غزة، وأقام بها مدة يسيرة، ثم توجه إلى الديار المصرية. وفيها في أواخر شعبان، حضر سيدنا ولي الله تعالى الشيخ شمس الدين أبو العون محمد الغزي القادري الشافعي، نزيل جلجوليا، أعاد الله (٦) علينا من بركاته إلى القدس الشريف زائرا، ثم توجه لزيارة سيدنا الخليل، ﵇، وكان السماط قد قطع مدة أيام، فلما قدم إلى بلد الخليل تلقاه الفقراء والفقهاء ودخلوا معه بتلاوة القرآن والذكر وأعيد السماط ببركته، ثم عاد إلى القدس الشريف في سلخ

стр. 1022

شهر شعبان، وصام أياما في شهر رمضان، ثم عاد إلى محل وطنه، عامله الله بلطفه. وفيها استقر الأمير خضر بك في نيابة القدس الشريف، ووصل متسلمه السيفي كمشبغا مملوك الأمير قانصوه اليحياوي في يوم الجمعة ثالث عشر رمضان، فقرأ المرسوم الشريف بالمسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة، ودخل النائب للقدس الشريف في يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة، بعد كبس قرية حلحول (١) (٢) وقبض جماعة من أهلها ودخلوا معه إلى القدس بعد ضربهم وإشهارهم على الجمال، وقصد قتلهم عند باب الخليل فوقعت فيهم الشفاعة، وقرئ توقيعه يوم الجمعة ثاني عشري ذي القعدة. وفيها احتبس المطر حتى دخل أكثر الشتاء ووقع الحرب، وانزعج الناس لذلك، وتزايد ظلم النائب وإفحاشه في حق الرعية، بالجور (٣) وقلّ القوت لاحتباس المطر، ومضت السنة والأمر على ذلك. ثم دخلت سنة ٨٩٢ هـ (٤) فيها عمّر الأمير خضر بك نائب القدس الشريف بدار النيابة المقعد الملاصق لإيوان الحكم (٥) من جهة الشمال، وجعله على طريقة مجالس الحكام بالديار المصرية، وسقفه بالخشب المدهون، وكان قبل ذلك جلوس النائب بصدر الإيوان، فصار جلوسه بالمقعد، وهو أولى (٦) من النظام الأول، وقد (٧) كتبت بأعلى المقعد تاريخ عمارته في المحرم سنة ٨٩١ هـ، وهو خطأ وإنما عمر في المحرم سنة ٨٩٢ هـ. وفيها فشا الغلاء في جميع المملكة، واشتد الأمر ببيت المقدس، وتزايد ظلم النائب وجوره فورد (٨) مرسوم شريف بالكشف عليه وما يعتمده في حق الرعية، وأن

стр. 1023

يكون المتولي لذلك الأمير طومان باي الخاصكي، وكان الخاصكي إذ ذاك بالمملكة الشامية، فانتظر حضوره، وكان من تقدير الله تعالى أن الذي تسبب في بروز المرسوم الشريف بالكشف على النائب جمال الدين يوسف بن ربيع، أمين الحكم بالقدس الشريف، فلما وصل المرسوم بذلك وشرع في تدبير الأمور، وترتيب الشكاة إلى أن حضر الخاصكي للقدس، وقدر الله وفاة جمال الدين بن ربيع في ثالث عشري جمادى الأولى قبل حضور الخاصكي، وصادف يوم وفاته ورود خلعة من الأبواب الشريفة للنائب، فخرجت جنازته الذي هو جمال الدين بن ربيع إلى ماملا، والأسواق قد زينت والبشائر دقت لورود خلعة النائب ولبسها، ودخل إلى القدس في ثاني يوم وفاة ابن ربيع، وقد رأيت في ذلك اليوم العجب من حال الدنيا، فإن الناس كانوا قد اختلفوا للكشف على النائب، والقيام في نصرة جمال الدين بن ربيع من الأكابر والعوام لبغضهم في النائب، فانقلب الأمر بضده، وشرع الناس في الاحتفال بأمر النائب والركوب في خدمته وتهنئته بالخلع الواردة عليه، وشرع أهل جمال الدين بن ربيع من أولاده وعائلته وأصحابه فيما هم فيه من عقد عزائه والنياحة عليه، وتعاطى أسباب تكفينه ودفنه، والأمران في يوم واحد في ساعة واحدة (١)، فسبحان ناقض العزائم الذي لا يسأل عما يفعل. فلما حضر الخاصكي إلى القدس خمدت الأمور بوفاة جمال الدين بن ربيع، وحضر النائب عند شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف وتلطف به، وعاهد الله أن لا يعود لما صدر منه، فكتب محضر للسلطان أن النائب عائد الله على سلوك الطريق المحمودة، وأن لا يعود لما صدر منه، وكتب أهل بيت المقدس من القضاة والأعيان خطوطهم بالمحضر، وجهز على يد الخاصكي ومضى الأمر على ذلك. وفيها حضر إلى القدس الشريف الأمير جان بلاط وعلى يده مرسوم شريف بالكشف على الأوقاف وتحرير أمرها، وحضر صحبته ملك الأمراء أقباي نائب غزة (٢) المحروسة، ودخل إلى القدس الشريف في يوم الأحد ثاني عشر شهر شعبان وجلس بالمدرسة الأشرفية بحضور شيخي الإسلام الكمالي بن أبي شريف، والنجمي بن جماعة، والناظر والنائب، والقضاة والخاص والعام، وقرئ المرسوم الشريف، وانتهى الحال على أن جمع له من الأوقاف أكثر من ألف دينار، فأخذها

стр. 1024

وأخذ (١) معه نائب القدس وناظره وجماعة الأعيان. ثم في يوم الخميس سادس عشري شعبان، توجه وصحبته ملك الأمراء بغزة، وشيخ الإسلام الكمالي والناظر والنائب والقضاة إلى ظاهر القدس، وجلسوا على تل الفول (٢) لإيقاع الصلح بين نائب القدس السيفي خضر، وخليل بن إسماعيل، شيخ جبل نابلس، بسبب ما وقع بينهما من التنافر، فحصل الصلح بينهما وكتب الجواب للسلطان بذلك، وتوجه المشار إليه إلى نابلس. وفيها في شهر شعبان، ورد مرسوم شريف بالإفراج عن الأمير قانصوه اليحياوي، وأن يتوجه من القدس الشريف إلى القاهرة المحروسة، فتوجه في يوم الأربعاء يوم عيد الفطر، فلما وصل إلى غزة ورد خبر بوفاة الأمير قجماس (٣) نائب الشام (٤)، فتباشر الأمير قانصوه وجماعته بولايته نيابة الشام على عادته، فلما قدم إلى القاهرة المحروسة أكرمه السلطان وأنعم عليه، وأقام أياما، ثم استقر في نيابة الشام في أواخر السنة (٥). وفيها اشتد (٦) الأمر بالقدس والخليل وغيرها، وغلت الأسعار فوصل سعر القمح بالقدس كل مد بثلاثين درهما، والشعير كل مد باثني عشر درهما، والخبز كل رطل بأربعة دراهم، وكان الغلاء عاما في جميع المملكة. واقعة خضر بك (٧) وفيها فحش أمر خضر بك النائب بالقدس الشريف، وتزايد ظلمه وسفكه الدماء، وأخذه أموال الناس، وكثر شاكوه (٨) وساءت سيرته، فكتب شيخ الصلاحية النجمي بن جماعة في أمره للسلطان، فورد مرسوم السلطان على الأمير تغري (٩) ورمش، دوادار المقر الأشرف السيفي أقبردي الدوادار الكبير وهو بمدينة نابلس بالتوجه إلى القدس الشريف، للكشف على النائب وتحرير أمره، فحضر الأمير تغري

стр. 1025

ورمش إلى القدس في يوم الخميس ثالث عشر شهر ذي الحجة، وقرأ المرسوم الشريف بالكشف على النائب، فعقد له عدة مجالس، بعضها وأولها عقب صلاة الجمعة رابع عشري ذي الحجة، بمحراب المسجد الأقصى الشريف، ثم تكرر عقود المجالس في عدة أماكن (١) بعضها بالمجمع الكائن أسفل المدرسة الأشرفية، وبعضها على المصطبة الكائنة عند باب جامع المغاربة، وبعضها بالمدرسة الأشرفية، وبعضها بالمدرسة العثمانية، وأكثر الناس من الشكوى عليه، وكتبت القصص في حقه، وحضر أهل مدينة سيدنا الخليل، ﵇، بأعلام المسجد الشريف والطبلخانة، وأقيمت الغوغائية واستمر الأمر على ذلك أكثر من عشرة أيام، وكانت أياما مهولة مزعجة، ثم كتب (٢) الجواب للسلطان بما صدر من الكشف على النائب، وما هو مرتكبه من الظلم وسوء السيرة، وكتب العلماء والقضاة بالمدينتين على المحضر ليعرض (٣) على السلطان، ومما وقع أن القاضي المالكي بالقدس الشريف، شرف الدين يحيى المغربي الأندلسي كان في باطن الأمر يساعد النائب ويلطف أمره، فلما وقع الكشف ورد على ناظر الحرمين ناصر الدين بن النشاشيبي مطالعة المقر الزيني أبي بكر بن مزهر كاتب السر الشريف، يعلمه أنه اتصل بالمسامع الشريفة أن القاضي المالكي بالقدس كانت سيرته أولا حسنة، وكان يباشر بعفة، ثم ساءت سيرته، وشرع يأخذ الرشوة، وقد اقتضت الآراء الشريفة عزله ومنعه من تعاطي الأحكام، فالمخدوم يعلمه بذلك ويمنعه من تعاطي الأحكام، مؤرخ في أواخر ذي القعدة، فلما وصلت المطالعة لناظر الحرمين كتم أمرها حتى يفرغ أهل الكشف على النائب، ثم يتلطف في عود الجواب من القاضي، والسعي في إعادته. فلما كان في يوم الأحد سادس عشر شهر ذي الحجة، عقد مجلس الكشف بالمدرسة العثمانية، وجلس الأمير (٤) تغري ورمش، وناظر الحرمين، وشيخ الإسلام الكمالي، وشيخ الإسلام النجمي، والقضاة ومن جملتهم المالكي، فأذّن العصر فقام القاضي المالكي ليصلي، والناس جالسون (٥) خلفه، فوقع كلام من الناظر عرض فيه بذكر القاضي المالكي، وأنه يساعد النائب في أمره، وأنه يأخذ الرشوة، وكان

стр. 1026

القاضي المالكي حين تكلم الناظر في المجلس كان في صلب الصلاة، فسمع كلامه فلما فرغ من الصلاة، وجه خطابه للأمير تغري ورمش، وقال له: يا خوند (١) إن كان هذا الرجل ينسبني لأخذ الرشوة على الأحكام الشرعية (٢)، فهو يأخذها على الأوقاف، فانتشر الكلام بينهما وأخذ شيخ الإسلام الكمالي ينتصر للناظر، وانتهر القاضي وقال له: تكذب، فبادر الناظر وأمر بإحضار المطالعة الواردة بعزل القاضي، فلما قرئت قال القاضي: أنا ولايتي من السلطان، وهذه مطالعة القاضي كاتب السر لا انعزل بها، فقيل له: أن كاتب السر هو لسان الملك، وقائم مقامه في العزل والولاية، وصرح الناظر بمنعه من تعاطي الأحكام الشرعية، فكثر الغوش على القاضي من الناس، وأفحشوا له بالقول، وخرج من المجلس معزولا، فتوجه من حينه إلى القاهرة ولم يقدر له ولاية بعد ذلك، ثم توجه إلى بلاد اليمن، فتوفي بها كما تقدم في ترجمته، ثم كتب الجواب للسلطان بما صدر من الكشف على النائب وما هو مرتكبه من الظلم وسوء السيرة، وكتب العلماء والقضاة والأعيان بالقدس خطوطهم على المحاضر، وكتب أهل الخليل أيضا محاضرة، وكتب عليها قاضي بلد الخليل وأعيانه، وجهزت لتعرض على المسامع الشريفة، ومضت السنة المذكورة والأحوال مضطربة لما وقع فيها من الكشف على النائب، وغير ذلك من اختلال النظام والله المدبر. ثم دخلت سنة ٨٩٣ هـ (٣) فيها شهر المحرم توجه نائب القدس الأمير خضر بك إلى الأبواب الشريفة بعد صدور الكشف عليه (٤) كما تقدم (٥)، وتوجه أيضا ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي في الشهر المذكور وتمثل كل منهما في الحضرة الشريفة، فلما وقف النائب للسلطان، وكان قد عرض عليه ما كتب في حقه من محاضر الكشف، ضربه السلطان وسجنه ورسم أن يدفع ما عليه من الحقوق لأربابها وعزله من النيابة، وأما الناظر فإنه استعفى من وظيفته، وسأل في عزل نفسه، فتوقف السلطان في ذلك فادعى العجز وألح عليه في الاستعفاء فاعفي، وشغرت كل من الوظيفتين النيابة

стр. 1027

والنظر، وبرز المرسوم الشريف لملك الأمراء أقباي نائب غزة بتجهيزه دواداره السيفي خشقدم، فقدم إلى القدس يوم السبت ثامن عشر المحرم وأحسن السياسة. وفيها في شهر صفر استقر الأمير دقماق دوادار إينال الأشقر في نظر الحرمين الشريفين ونيابة السلطنة بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل، ﵇، ببذل عشرة آلاف دينار للخزائن الشريفة غير ما تكلف لأركان (١) الدولة، وحضر متسلمه طرباي إلى القدس الشريف في يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر صفر، وكان ذلك من أقبح الأمور وأشنعها، فإن الناظر للحرمين الأمير (٢) ناصر الدين بن النشاشيبي، كان من أهل الخير والصلاح فأبدل بظالم عاجز، وهو كما قيل: «لا ذات ولا ذوات» (٣). وفيها قطع السماط الكريم بحضرة الخليل، ﵇، من أول السنة إلى عشري جمادى الأولى، ثم عمل من الشعير ولم يعلم (٤) أنه قطع مثل ذلك من تقادم السنين، فالحكم لله العلي الكبير. وفيها حضر دقماق (٥) إلى القدس من الرملة ثالث عشري جمادى الأولى. وفيها أنعم السلطان على القاضي فخر الدين بن نسيبة بالرضى وألبسه خلعة من الحضرة الشريفة، وأذن له في التوجه إلى محل وطنه بالقدس الشريف، فسافر هو والأمير أقبردي الدوادار الكبير وصحبته القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف من القاهرة المحروسة إلى جهة نابلس، لتجهيز الرجال للتجريدة لقتال (٦) بايزيد خان بن عثمان، خان ملك الروم، فوصلا (٧) إلى الرملة في يوم السبت حادي عشر جمادى الأولى، فسافر الأمير دقماق ناظر الحرمين الشريفين نائب السلطنة وصحبته جماعته المباشرين وتوجه الناس للقائهم من القدس الشريف إلى مدينة غزة، ودخلوا إلى الرملة في يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى، فاجتمعا بالمشار إليهما، وحضر أعيان أهل بيت المقدس للقاضي كاتب السر والدوادار الكبير بالرملة، منهم شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وشيخ الإسلام النجمي بن جماعة، والقضاة والأعيان، وتسلم الأمير دقماق والقاضي فخر الدين

стр. 1028

من مال الخزائن الشريفة الوارده على يد الأمير الدوادار الكبير، فدفع (١) إليهما خمسة آلاف دينار ليصرف ذلك على الرجال المعينين من جبل القدس والخليل، وأذن لهما في التوجه إلى القدس، فتوجها من الرملة في يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الأولى، ودخلا إلى القدس في يوم الخميس سادس عشري جمادى الأولى، والأمير دقماق بخلعة السلطان للنيابة والنظر وهو متوشح (٢) بأطلسين على العادة والقاضي فخر الدين بكاملية على سمور وكان يوما حافلا، وقرأ توقيع النائب في يوم الجمعة ثاني يوم دخوله، وحصل للنائب ضعف شديد عقب ذلك وانقطع، فتولى القاضي فخر الدين أمر تجهيز الرجال وصرف المبلغ عليهم، وتوجه بهم من القدس الشريف في يوم الجمعة ثالث رجب إلى الأمير الدوادار الكبير، وتوجه الدوادار الكبير وكاتب السر لجهة نابلس وجهزا (٣) الرجال من جبل نابلس، ثم توجه القاضي كاتب السر في شهر رجب وهو متوعك إلى الأبواب الشريفة فوصل إلى محل وطنه، واستمر متوعكا إلى أن توفي في يوم الخميس سادس شهر رمضان، وصلي عليه صلاة الغائب بالمسجد الأقصى في يوم الجمعة ثامن عشري رمضان ﵀ (٤)، وعفا عنه. ثم توجه بعده الدوادار الكبير في شهر شعبان وسارت العساكر الإسلامية لقتال بايزيد (٥) خان بن عثمان خان. وفيها منّ الله على عباده بحصول الرخاء وتيسر الأقوات وانحطاط الأسعار، وحصل الرفق للعباد في وجود الشدة بسبب التجاريد وذهاب الناس إلى بلاد الروم، فسبحان من يتصرف في عباده. وفيها استقر شيخ الشيوخ جلال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي شريف الشافعي، أخو شيخ الإسلام الكمالي في ربع وظيفة المشيخة بالخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف، بنزول (٦) شرعي صدر له من الشيخ ناصر الدين محمد بن غانم شيخ الحرم، وتوجه إلى الديار المصرية لإخراج توقيع شريف على حكم النزول فأجيب إلى ذلك وكتب له التوقيع الشريف، وحضر من

стр. 1029

القاهرة المحروسة وباشرها، وهي مستمرة بيده إلى يومنا. وفيها تزايد ظلم دقماق نائب القدس الشريف، وكثر طمعه وتلاشت أحوال المعاملة واختل نظامها، وكثر السراق وأفحشوا في قطع الطرق، وقتل الأنفس وبقي (١) الناس في شدة، فإن دقماق المذكور كانت مباشرته على طريقة النائب جقمق، المتقدم ذكره، يصدر منه كلمات مهملة في المجالس والمحافل توجب انتقاص الناس له (٢)، وكان يخاطب آحاد الناس بالترهات الفشرية ويعمل أفعالا لا تليق، منها أنه وزن نفسه في القبان، وكان يجالس السفهاء ويضحك معهم ويخاطبهم بالمزاح، وكان إذا مر بجماعة يقول سلام عليكم جماعة، فنقموا عليه بذلك وشرع بعض الناس يرتب ألفاظا ويسجعها، منها: سلام عليكم جماعة دقماق عنده سقاعة، فبلغه ذلك وطلب ذلك الرجل وقال له: تقول عني كذا، فقال: حاش لله إنما قلت سلام عليكم جماعة دقماق عنده شجاعة، فشرع النائب يضحك ويتكلم بالسخريات، وقع له أنه حكى عن نفسه (٣) حكاية معناها أنه كان في مكان مخوف، وأنه ظهر عليه جماعة وطردوه فهرب، فمن ألفاظه أنه قال: فأخذت فلسي في كفي وقمت القيام، وأشياء من هذا النسق أوجبت تلاشي أحواله واختلال نظامه فكان أمره (٤) بخلاف دقماق الإينالي، المتقدم ذكره، فإنه ولي مدة يسيرة، فكانت سطوته وهيبته تضرب بها الأمثال، فهو يوافقه في الاسم ويخالفه في الفعل. وفيها استقر القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم الرجبي، المشهور بابن مازن الغزي (٥) المغربي المالكي في وظيفة قضاء المالكية بالقدس الشريف، بعد شغورها عن القاضي شرف الدين يحيى الأندلسي، المتقدم ذكره، من أواخر سنة اثنتين وتسعين وكتب توقيعه بذلك في ثامن عشر شوال، وورد كتابه إلى القدس الشريف، باستخلاف القاضي كمال الدين أبي البركات محمد بن الشيخ خليفة، فباشر عنه من شهر ذي الحجة سنة ٨٩٣ هـ. وفيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن الغزي سبط الجوهري وفيه اشتهر (٦)، وكان عنده معرفة تامة بالحساب والمباشرة وأحوال الناس وباشر العمالة

стр. 1030

بالمسجد الأقصى الشريف، ثم نزل عنهما وكان له مروءة وقيام مع أصحابه مع لين جانب، وساد ورأس، وكان يترفه في الملبوس الحسن والمأكل، وعنده حشمة وتواضع، ووفاته في شهر ذي القعدة، وقد قارب الستين، ودفن بماملا، وكانت جنازته (١) حافلة، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ٨٩٤ هـ (٢) فيها حضر الأمير اقبردي (٣) الدوادار إلى جبل نابلس في شهر المحرم بسبب القبض على بني إسماعيل مشايخ جبل نابلس (٤)، لما حصل منهم التقصير في المهم الشريف ببلاد الروم، وبرز الأمر لنائب القدس دقماق باسترجاع مال (٥) التجريدة ممن كان دفع إليه من الرجال، لما نسب إليهم من التقصير وعودهم من بلاد الروم بغير إذن، فأحضر دقماق كل من أخذ شيئا واسترجع منه بالضرب والحبس وأفحش في الأمور، ومن الناس من تسحب فقبض على (٦) من يكون منسوبا إليه من أقاربه وأصحابه وجيرانه، وشرع يضرب الناس بالمقارع، ويضعهم في الحبس وفعل بهم فعلا لم يسمع (٧) بمثله في زمن الجاهلية، حتى أن بعض الناس باع ابنته كما يباع الرقيق، وتفاحش الأمر وبقي الناس في شدة شديدة ومحنة، لم تعهد (٨) بالأرض المقدسة قبل ذلك مثلها، فسبحان من يتصرف في عباده بما يشاء، وتوجه الدوادار (٩) الكبير في أوائل جمادى الأولى إلى محل وطنه بالديار المصرية. وفيها في شهر صفر أحدث النصارى المقيمون بدير صهيون ظاهر القدس الشريف قبة بالقرب من الدير، وزعموا أن مكانها مقام السيدة مريم، ﵍، وأحكموا بناءها وجعلوا بها (١٠) من جهة الشرق الهيكل الذي يعمل في الكنائس، وصارت كنيسة محدثة بدار الإسلام، وكان المساعد دقماق النائب، وأذن لهم في

стр. 1031

البناء بمال بذل له ولغيره (١) في ذلك، وحصل الوهن في الإسلام بذلك فمنّ الله بزوالها كما سنذكره في السنة التالية إن شاء الله تعالى. ذكر تجديد البيعة للسلطان (٢) (٣) وفيها غضب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي من مماليكه، فقصد خلع نفسه من الملك والخروج من الديار المصرية، وكان ذلك في يوم السبت رابع شهر ربيع الآخرة بحضرة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي العز عبد العزيز بن يعقوب (٤) أعز الله به الدين، وقضاة القضاة الأربعة وهم: شيخ الإسلام زين الدين أبو محمد زكريا الأنصاري الشافعي، وشيخ الإسلام ناصر الدين محمد الأخميمي الحنفي، وشيخ الإسلام محيى الدين عبد القادر بن تقي الدين المالكي، وشيخ الإسلام بدر الدين محمد السعدي الحنبلي، وغيرهم من الأمراء وأركان الدولة فوقع منه بحضرتهم ما يؤذن بخلعه بأن قام وخلع سلاريه (٥) عنه، ورمى (٦) به بعد أن تبرأ (٧) من السلطنة، وتنحى عن المرتبة وقال مخاطبا لعسكره: ها أنتم وها الخليفة الذي بيده ولاية السلطنة، وهؤلاء الأمراء ففيهم من هو أهل للسلطنة فاختاروا من شئتم، وأنا أتوجه من هنا إلى مكة في جماعة قليلة ولا أعارضكم في سلطنتكم، وكلمات أخرى نحوا من هذا، فجزع الناس لذلك، ثم استعطف خاطره واسترضى (٨) وجددت له البيعة بالسلطنة، وكان يوما مشهودا. وفيها حضر إلى القدس الشريف القاضي شمس الدين محمد بن مازن (٩) المالكي، وبيده التوقيع الشريف بولاية القضاء، وكان قدومه في يوم الأربعاء ثامن ربيع الأول (١٠).

стр. 1032

وفيها قصد أمير عربان جرم وهو أبو العويسر أن يجدد مظلمة على الفلاحين بجبل نابلس والقدس الشريف ويأخذ منهم مالا، وكان أبو العويسر (١) صغيرا دون البلوغ وكان صاحبه هو المدبر لأمره، فقام في ذلك شيخ الإسلام نجم الدين بن جماعة شيخ المدرسة الصلاحية، ومنعه من ذلك، وجلس بالمسجد الأقصى عند الشباك المطل على عين سلوان، وجلس معه شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف والقضاة والمشايخ، وكتبوا محضرا ووضعوا خطوطهم به، أن ذلك لم تجر به عادة قبل اليوم، وجهز المحضر إلى الأمير أقبردي (٢) الكبير دوادار المقام الشريف وهو بمخيمه بالرملة، ولم يمكن أمير جرم من أخذ شيء من الفلاحين، وسطرت هذه المثوبة في صحائف شيخ الإسلام النجمي ابن جماعة. وفيها ورد مرسوم شريف في شهر شعبان على يد قاصد من باب الأمير أزبك (٣) أمير كبير يتضمن أن رهبان دير صهيون أنهوا أن من حقوق ديرهم جميع القبو المجاور له، وكان مدفنا لموتاهم وأن جماعة من المسلمين زعموا أنه به قبر داود ﵇ وبنوا به محرابا للقبلة وليس الأمر كذلك، وأن العلماء أفتوا أنه من استحقاق النصارى ولا يجوز أن يكون مسجدا لكونه مقبرة، وبرز الأمر بتحرير ذلك وتسلم القبو للنصارى، ومنع من يعارضهم، وعقد مجلس بدار النيابة حضره القضاة، وقصد بعض الناس إعانة النصارى على انتزاعه من المسلمين، فعز ذلك على أهل الإسلام (٤) لكونه بأيديهم، وفيه قبلة إلى الكعبة المشرفة، فخذل الله النصارى، وانصرف المجلس من غير شيء، وسنذكر تتمة هذه الحادثة في السنة الآتية، إن شاء الله تعالى. وفيها (٥) ورد مرسوم شريف على دقماق نائب القدس الشريف بطلب المباشرين إلى الأبواب الشريفة والحفظ (٦) عليهم، بسبب تقصيره في سماط سيدنا الخليل، ﵇، ومن جملة ألفاظ المرسوم يا ملعون أنت ما أنت مسلم، وقرئ المرسوم في مجلس حافل بحضرة (٧) الخاص والعام بدار النيابة في يوم

стр. 1033

الجمعة خامس عشري شعبان، ومما تضمنه المرسوم عزل القاضي شمس الدين الديري الحنفي من قضاء (١) الحنيفية بالقدس الشريف، وتجهيزه إلى الأبواب الشريفة فأعيد الجواب في التلطف (٢) في أمره واستمر مقيما إلى أن حصل الإنعام عليه بإعادته إلى وظيفته في أواخر شهر ذي القعدة، وفي شهر ذي الحجة بعد عيد الأضحى توجه القاضي شمس الدين محمد بن مبارك (٣) المالكي إلى محل وطنه بغزة، واستخلف عنه في الحكم القاضي كمال الدين أبو البركات ابن الشيخ خليفة على عادته. ثم دخلت سنة ٨٩٥ هـ (٤) فيها قحط المطر ببيت المقدس حتى مضى غالب الشتاء، وانزعج الناس لذلك وصاموا ثلاثة أيام ثم استسقوا في صبيحة يوم الأحد خامس عشر ربيع الآخرة بالصخرة الشريفة، وخطب الخطيب شرف الدين بن جماعة خطبة بليغة وتضرع وابتهل، وضج الناس إلى الله بالدعاء ودخلوا إلى الجامع الأقصى بالذكر والتهليل، ثم انصرفوا ولم يسقوا في يومهم (٥)، بجزع الناس لذلك وتضرعوا إلى الله تعالى فلما مضى النهار وأقبلت ليلة الاثنين أغاث الله عباده بالمطر الغزير، فامتلأت الآبار ورويت الأرض وأظهر الله إجابة الدعوة (٦) من عباده الضعفاء، فاطمأن الناس (٧) وحمدوا الله وأثنوا عليه وله الحمد والمنة، وقيل: أنه كان عبدا أسودا سند ظهره إلى زيتونة من زيتون المسجد الأقصى وهو يتضرع إلى الله تعالى ويبكي فما أتم دعاءه إلا وقد نزلت الرحمة، فرآه إنسان فاشتراه من سيده (٨) وأخبر بما رآه منه، فبات تلك الليلة وقد توفي إلى رحمة الله تعالى، فرأى سيده في ثاني ليلة في المنام العبد المذكور وهو يقول: روح للمكان الذي رأيتني به، وابحش فيه فما رأيت به فخذه، فانتبه ذلك الرجل وهو مذعور فلما أصبح الصباح راح إلى ذلك المكان وفعل كما قيل له في النوم، وإذا هو بصره بها المبلغ الذي وزنه في ثمن

стр. 1034

العبد المذكور لا يزيد ولا ينقص، فسبحان القادر على كل شيء، فاطمأن الناس وحمدوا الله وأثنوا عليه، وله الحمد والمنة. وفيها اشتد الأمر بسبب التجريدة لقتال بايزيد (١) خان بن عثمان، خان ملك الروم، وتجهز الرجال من قبل نابلس (٢) والقدس وجبل الخليل وغيرها، وتوجه الأمير أزبك أمير كبير الأمراء والعساكر فلما وصل إلى مدينة الرملة، وكتب مرسومه إلى شيخ الإسلام (٣) ببيت المقدس وإلى مشايخ الإسلام والقضاة بسبب رهبان دير صهيون وما أنهوه من جهة القبو الذي يقال أن به قبر داود ﵇، وأن يحرر الأمر فيه، وإذا تبين أنه (٤) من استحقاق النصارى بالطريق الشرعي يسلم إليهم، فعقد مجلس بذلك بالمدرسة التنكزية بحضرة شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف وشيخ الإسلام النجمي (٥) ابن جماعة، ودقماق ناظر الحرمين ونائب السلطنة والقضاة، ودار الكلام بينهم في تحرير أمره وكتبوا محاضر (٦) يتضمن أن هذا المكان به محراب إلى جهة القبلة، وأنه بأيدي المسلمين من تقادم السنين، وكتب العلماء والقضاة والفقهاء (٧) خطوطهم بالمحضر، ولم يلتفت إلى النصارى ولا إلى من يساعدهم (٨) في ذلك، وهم مستمرون على العناد، لعنة الله عليهم. واقعة قبر داود ﵇ والقبة المحدثة عند دير صهيون والكشف على دقماق (٩) ناظر الحرمين ونائب القدس الشريف. وفيها عقب ما تقدم ذكره من أمر النصارى كتب شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف للسلطان مكاتبتين، إحداهما ذكر فيها أن المسجد الأقصى قد اختل نظامه (١٠)

стр. 1035

واحتاج إلى العمارة وإقامة الشعائر، والثانية في قضية (١) القبة التي أحدثها النصارى عند دير صهيون، وأنها صارت كنيسة محدثة في (٢) دار الإسلام، وما وقع بسبب القبو الذي يقال أن به قبر داود ﵇، وجهز المكاتبتين للسلطان، فعرضتا عليه واقترن بذلك كثرة الشكاوى على دقماق نائب القدس الشريف لما يصدر منه من الظلم والجور وقطع الطريق (٣) في أيامه، فجهز السلطان خاصكيا اسمه أزبك بالكشف (٤) على النائب، وكتب مرسوما شريفا مطلقا بما وقع على النائب من شكوى الرعية، وما يعتمد في حقهم، وأن يحرر أمره ويعاد الجواب على المسامع الشريفة، ومرسوم ثاني مختص بالشيخ كمال الدين جوابا لمكاتبتيه، المتقدم ذكرهما، وأن يحرر أمر المسجد الأقصى الشريف وما هو محتاج إليه من العمارة، وأن ينظر في أمر القبة التي أحدثها النصارى عند دير صهيون، وإذا كان البناء مخالف للشرع يهدم، ويحرر أمر قبر داود ﵇، ويعمل بما يقتضيه الشرع الشريف وإعادة الجواب بما يتحرر من ذلك، فوصل الخاصكي إلى بلد سيدنا الخليل ﵇، وجلس (٥) بالمسجد الشريف الخليلي، وحصل الكشف على النائب بمدينة سيدنا الخليل فكثرت عليه الشكاوى بسبب سماط سيدنا الخليل ﵇، وما حصل منه من (٦) الضرر لأهل بلد الخليل، وكتب محاضر بذلك بخط قاضي الخليل وأهل البلد، ثم حضر الخاصكي والنائب صحبته فدخلا إلى القدس الشريف في يوم الخميس آخر جمادى الآخرة، وجلسا في محراب المسجد الأقصى، وجلس مشايخ الإسلام والقضاة والخاص والعام، وقرئ المرسوم الشريف الوارد بالكشف على النائب، والمرسوم الثاني (٧) بسبب النصارى وما أحدثوه، وضج الناس وأكثروا من الشكوى على النائب، وأفحشوا له في (٨) القول وأصبح الناس في يوم الجمعة جلسوا بالمجمع أسفل (٩) المدرسة الأشرفية، وشرعوا في الكشف على النائب وادعى عليه كثير من الناس

стр. 1036

عند قضاة الشرع الشريف بأمور أنكر بعضها واعترف ببعض. هدم القبة (١) فلما كان في يوم السبت ثاني شهر رجب توجه الشيخ كمال الدين (٢) بن أبي شريف، وشيخ الإسلام النجمي بن جماعة، ودقماق النائب وأزبك الخاصكي، والقضاة والخاص والعام إلى دير صهيون، وجلسوا بداخل القبة التي أحدثها النصارى، وتكلموا في أمرها فتحرر من أمرها أن النصارى أنهوا أن بقرب دير صهيون قبرا يسمى القبر المنسي، وأنه يقصد للزيارة وأن مرادهم البناء عليه، وأثبتوا محضرا أن هذا المكان هو القبر المنسي، فبنوا القبة المذكورة اعتمادا على أن القبر المنسي تحتها، فلما جلس العلماء والقضاة لتحرير (٣) ذلك تبين الأمر بخلاف ما أنهوه، بمقتضى أن القبر المنسي في موضع آخر بالقرب من القبة في حاكورة هناك (٤)، وأمر مجهول لا يعلم ما هو، وأن المدفون به حيث كان مسلما فلا دخل للنصارى في البناء عليه، وتحرر أن محل القبة المذكورة إنما هو المكان الذي تزعم النصارى أنه مقام السيدة مريم، ﵍، وقد بنيت القبة على صفة الكنائس، وبها هيكل إلى جهة الشرق، فلما اتضح ذلك أقيمت البينة عند القاضي بدر الدين بن الحمامي الشافعي (٥)، أن القبة المذكورة محدثة في دار الإسلام، وأن المتولي لبنائها رئيس دير صهيون، ورجل آخر من النصارى بسعيهما (٦) في ذلك، وحضرا بالمجلس وسألهما القاضي عن ذلك، فاعترفا ببنائها وأنهما المتسببان في ذلك، فألزمهما هدمها (٧)، ونفذ له بقية القضاة ما صدر في الإلزام بالهدم. وأما القبو الذي يقال أن به قبر داود ﵇، فتحرر من أمره أنه كان قديما بأيدي النصارى، وحصل فيه نزاع كثير من المسلمين في الزمن السابق من نحو مائة سنة، ورفع أمره إلى الملوك السالفة منهم الملك المؤيد شيخ، والأشرف برسباي، وغيرهما وكتب مراسيم شريفة (٨) في أمره، وكثر النزاع في الزمن السالف

стр. 1037

بين المسلمين والنصارى بسببه، وكان تارة يأخذه المسلمون وتارة يسترجعه النصارى، ولم يزل (١) أمره في تخبيط إلى زمن الملك الظاهر جقمق، فرفع أمره إليه وكان من أمره ما تقدم شرحه في ترجمته في سنة ٨٥٦ هـ، واستقر قبر داود من ذلك التاريخ بأيدي المسلمين بمرسوم الملك الظاهر جقمق وبنى به قبلة إلى جهة الكعبة المشرفة، بالقبو المذكور محراب موجه إلى جهة صخرة بيت المقدس وبه صفة قبر يقال: أنه قبر داود، ﵇، وولي النظر (٢) عليه الشيخ يعقوب الرومي الحنفي عالم الحنفية بالقدس الشريف، وكتب له مربعات حبسية (٣) (٤) من الملك الأشرف إينال والملك الظاهر خشقدم، بمرتب يصرف للمكان المذكور، واستمر بأيدي المسلمين إلى عصرنا من غير منازع، وتحرر أمر ذلك على الصفة المذكور، ولم يتبين (٥) للنصارى ما يقتضي استحقاقهم له، ولا ما يسوغ انتزاعه من المسلمين، فعند ذلك جلس مشايخ الإسلام والقضاة والأعيان بالقبو المذكور وقرأوا القرآن (٦)، وذكروا الله تعالى ومدح النبي ﷺ ، وكان يوما مشهودا أعز الله فيه الإسلام وأعلى كلمة الإيمان، وقمع عبدة الصلبان، فلله الحمد والمنة. ثم انصرف الناس إلى داخل المدينة للكشف على النائب، وحصل الاتفاق مع النصارى أنهم في اليوم الثاني وهو نهار (٧) الأحد يهدمون ما أحدثوه من بناء القبة المذكورة، وانفصل الأمر على ذلك، فلما دخل (٨) الناس إلى المدينة ورد الخبر أن السلطان قدم إلى مدينة الرملة ونصب خيامه بها، فاضطرب الناس لذلك وشرع الناس (٩) من الأعيان والأكابر في التأهب للقاء السلطان، وبقي الخلق في هوج وموج فأشار شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بالمبادرة إلى هدم القبة المذكورة قبل التوجه إلى لقاء السلطان خشية من عارض يحدث. ثم ركب بنفسه وتوجه وصحبته الخاصكي والنائب والقضاة والجمع الغفير،

стр. 1038

وعادوا على الفور إلى دير صهيون وأمروا بهدمها وهم جلوس هناك، فأحضرت آلات الهدم، وانتهز أهل الإسلام الفرصة وهدموا القبة عن آخرها، ودكوها دكا (١) وأشبعوا الكافرين صكا، واستمر الهدم من ضحى النهار إلى آخره، وعمل فيه خلق من الفقراء والفقهاء والصوفية والزهاد والخاص والعام، كل ذلك والمسلمون تعلوا أصواتهم بالتسبيح والتهليل والتكبير، وكان يوما مشهودا يذكر ما سلف من الغزوات ونصرة الإسلام على ملة الكفر، وهذه المثوبة في صحائف شيخ الإسلام الكمالي فإنه هو الذي كان سببا لهذا المعروف، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، فلما انتهى الهدم ولم يبقى للقبة أثر، ورد الخبر من مدينة الرملة من جماعة حضروا منها في ذلك الوقت أن السلطان لم يكن حضر، ولا خرج من القاهرة، وأن الخبر الوارد بقدومه إلى الرملة لا أثر له، فعجب (٢) الناس لذلك، وعد ذلك من بركة شيخ الإسلام، فإنه لما ورد الخبر بقدوم السلطان كان السبب إلى الإسراع بهدم القبة، ووقع جميع ذلك في يوم السبت ثاني شهر رجب، كما تقدم ذكره، وكتب محضرا بما وقع في أمر القبة، وهدمها بحكم الشرع الشريف، وما تحرر من أمر قبة (٣) قبر داود ﵇، وأنه تبين أنه بأيدي المسلمين من تقادم السنين، وما وقع فيه (٤) من القراءة والذكر، وكتب شيوخ الإسلام والقضاة والفقهاء خطوطهم على المحاضر، ولما حضر الخاصكي (٥) بالكشف كان القاضي المالكي شمس الدين بن مازن بغزة، فحضر بعد الشروع في الكشف على النائب بنحو ثلاثة أيام، وكتب خطه مع الجماعة على المحاضر، وأصبح الناس في يوم الأحد في الشروع فيما يتعلق بالكشف على النائب، وحصل التشديد من الخاصكي عليه، وأغلظ عليه في القول، ووضع في الترسيم، وكتب الجواب للسلطان بمحاضر عليها خطوط أعيان بيت المقدس بما تحرر من أمر النائب وسوء سيرته، وما اعتمده في حق الرعية (٦) من الظلم وعدم سلوكه الطريق الحميدة، وخراب المسجد الأقصى الشريف، وجهزت المحاضر (٧) على يد الإمام ناصر الدين محمد بن الشنتير، إمام الصخرة الشريفة، فبادر النائب وجهز دواداره طرباي خفية إلى القاهرة، واجتمع

стр. 1039

بالأمير أقبردي (١) الدوادار الكبير، وأعلمه بما وقع في حق أستاذه ووعده بمال، فانتصر للنائب، ثم علم بوصول إمام الصخرة وما على يده من المحاضر، فجهز له من تلقاه إلى (٢) ظاهر القاهرة، وقبض عليه، ووضعه في الترسيم ومنعه من الاجتماع بالسلطان، واستمر الأمر بالقدس (٣) الشريف على ما هو عليه من الكشف على النائب، وعقدوا المجالس (٤) نحو ستة وعشرين يوما، وحصل للنائب شدة من الإساءة عليه من أقل (٥) العوام، فلما كان في اليوم السادس والعشرين من شهر رجب والناس مجتمعون بالمدرسة الأشرفية من المشايخ (٦) والقضاة والخاص والعام، إذ ورد مرسوم شريف على يد قاصد النائب طرباي، يتضمن الإنكار على الخاصكي لما وقع منه في حق النائب، لكونه رسم عليه بغير مرسوم شريف، وأن الآراء الشريفة اقتضت حضور النائب إلى الأبواب الشريفة (٧)، وشيخ الصلاحية والقاضي فخر الدين بن نسيبة، والخاصكي يعيد للنائب جميع ما وصل إليه منه حتى النفقة، فلما ورد هذا الخبر حصل للنائب الفرج بعد الشدة، ودق الطبلخانة، وشرع في تتبع من أساء الأدب في حقه، فاختفى كثير من الناس، وانزعج (٨) الأكابر، وانقلب (٩) الأمر بنصرة النائب على من خاصمه، واسترجع من الخاصكي كل ما دفعه إليه، وكانت فتنة فاحشة، ثم في أوائل شعبان توجه من القدس الشريف كل من النائب وشيخ الإسلام النجمي ابن جماعة، والقاضي فخر الدين بن نسيبة ودخلوا إلى القاهرة المحروسة، وورد مرسوم شريف لشيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف (١٠) بالتكلم على المسجد الأقصى الشريف، ومقام سيدنا الخليل ﵇، فتوجه إلى بلد (١١) سيدنا الخليل وأقام نظامه وأصلح أمر السماط الكريم، ولما وصل الجماعة المطلوبون للقاهرة، قدر أن الشيخ نجم الدين بن جماعة تكلّف مبلغا نحو ألف دينار ورسم له باستمراره في وظيفته، وعاد إلى بيت المقدس في شهر شوال ودخل في

стр. 1040

الليل، والقاضي فخر الدين بن نسيبة حصل له محنة من السلطان وأخرجه إلى اللواح (١)، فأقام بها نحو سنتين، ثم في سنة ٨٩٧ هـ (٢) رسم بعوده إلى القاهرة، فعاد وهو مقيم بها إلى يومنا هذا والله لطيف بعباده، وأما النائب فإنه انتمى إلى الدوادار الكبير وبذل مالا ورسم باستمراره في النيابة والنظر. ومما وقع في هذه الحادثة أنه لما توجه ناصر الدين (٣) إمام الصخرة بالمحاضرة كما تقدم أشهد عليه دقماق أنه عزل مما بيده من نصف إمامة الصخرة، وقرر فيها القاضي شهاب الدين بن المهندس، فلما وصل النائب إلى القاهرة ورسم له باستمراره في النيابة والنظر، حصل لإمام الصخرة ناصر الدين بن الشنتير الاجتماع بالسلطان، ولامه على ما صدر منه من التكلم فيما لا يعنيه من سفره بالمحاضر، وكونه يفعل قاصدا ووبخه بمثل ذلك، فاستغفر الله ، وكان لفظه للسلطان يا مولانا أعف عني عفا الله عنك، ووقع بينهما كلام لطيف من جملته أن السلطان أمره أن يرمي بحضرته النشاب، فرمى فأعجب السلطان رميه وأمره أن يجعل عمامته كعمامة الجند كما كانت أولا، وحصلت له عناية فرسم السلطان باستمراره في نصف الإمامة على عادته، وعزل القاضي شهاب الدين بن المهندس، وكتب له توقيع شريف بذلك معناه أن يستقر في نصف الإمامة على عادته، وعزل شهاب الدين بن المهندس الذي قرره المجلس العالي (٤) (٥) دقماق بغير طريق شرعي ولا مرسوم شريف، وحضر إمام الصخرة إلى القدس الشريف في شهر رمضان، وقرئ توقيعه بالمسجد الأقصى (٦) بعد صلاة الجمعة عقب ختم البخاري، وإهدائه في صحائف السلطان، وفي رابع شهر شوال توجه القاضي شمس الدين بن مازن المالكي إلى وطنه بغزة، واستخلف عنه في الحكم بالقدس القاضي تقي الدين أبا بكر ابن العلم المالكي، قاضي الرملة. وفيها استقر القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن المهندس، المقرئ الحنفي في وظيفة قضاء الحنيفية بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل، ﵇، عوضا عن القاضي شمس الدين الديري بمساعدة الأمير

стр. 1041

دقماق ناظر الحرمين (١) ونائب القدس، والسبب في ذلك أنه لما حصل الكشف على النائب حصل له من القاضي شمس الدين الديري كلمات أغلظ فيها عليه فوجد في نفسه، فلما تقرر القاضي شهاب الدين بن المهندس في نصف إمامة الصخرة الشريفة، ولم يتم له الأمر في الإمامة، سعى (٢) له في قضاء الحنفية، لكونه سافر في خدمته مساعدا له، وأجيب (٣) إلى ذلك وبرز الأمر بولايته في ثاني عشري رمضان، ووصل مرسوم الإعلام إلى القدس الشريف في أواخر شهر ذي القعدة، ومنع القاضي شمس الدين الديري من الحكم. وفيها حضر الأمير أقبردي الدوادار الكبير إلى القدس الشريف متوجها إلى جهة (٤) الغور، ووصل إلى القدس في يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة، ونزل بخان الظاهر واستمر إلى يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر، ودخل إلى المسجد الأقصى فصلى ركعتين، ثم ركب من حينه إلى الغور. ثم دخلت سنة ٨٩٦ هـ (٥) في يوم الخميس خامس المحرم، دخل الأمير دقماق نائب السلطنة وناظر الحرمين إلى القدس، وهو لابس خلعة (٦) الاستمرار كاملية بسمور، وصحبته القاضي شهاب الدين بن المهندس الحنفي وهو لابس تشريف الولاية، وفي يوم الجمعة (٧) ثاني يوم دخولهما قرئ بالمسجد الأقصى مرسوم السلطان باستمرار النائب وتوقيع القاضي الحنفي، ثم في يوم الاثنين تاسع المحرم توجه النائب إلى الدوادار بالغور واستمر عنده إلى أواخر ربيع الأول، وحضر الدوادار من الغور ونزل بالرملة (٨) على قبة الجاموس، وحضر النائب إلى القدس. وفيها ورد مرسوم شريف بطلب القاضي بدر الدين بن الحمامي الشافعي والقاضي شمس الدين الديري الحنفي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن شرف

стр. 1042

الدين بن شروين (١) المقرئ إلى القاهرة، والسبب في ذلك دقماق نائب القدس الشريف بسبب كلام وقع منهم له وقت الكشف عليه في السنة الماضية، وتوجهوا من القدس الشريف في نصف شهر صفر، وتكلفوا مالا وعاد القاضي الشافعي وهو مستمر على الولاية، والقاضي شمس الدين الديري وهو مستمر على العزل، وكان عودهم إلى القدس الشريف في نصف شهر رمضان، وفي أول شهر ربيع الأول حضر القاضي المالكي شمس الدين بن مازن من غزة إلى القدس الشريف لمباشرة وظيفته. واقعة الزيت وفي أول شهر ربيع الآخر حضر السيفي قانصوه من مخيم الأمير أقبردي الدوادار الكبير، بمرسوم برمي الزيت المتحصل من جبل نابلس على أهل بيت المقدس الخاص والعام من المسلمين واليهود والنصارى، كل قنطار (٢) بخمسة عشر دينارا (٣) ذهبا، والسبب في ذلك دقماق نائب القدس الشريف لما حصل عنده من الحنق على أهالي (٤) بيت المقدس، مما وقع منهم حين الكشف عليه في السنة الماضية، وكان الزيت قبل ذلك من تقادم الزمان (٥) والسنين يرد من جبل نابلس ويباع بالقدس والرملة بالسعر الواقع من غير حرج على أحد، واستمر الأمر على ذلك إلى سنة تسعين وثمانمائة، فتسبب بعض وسائط السوء في أمره فصار يضبط الزيت ويرمي على أربابه (٦)، وهم التجار الذين يصنعون الصابون بالقدس الشريف ومدينة الرملة، ويدفع لهم بقدر معين من غير تعرض إلى أحد غير من يصنع (٧) الصابون، وحضر في أوائل الأمر الأمير تغري ورمش دوادار الدوادر (٨) لقبض ثمنه، ثم صار يعين كل سنة بعض المماليك بخدمة الأمير الدوادار الكبير للحضور إلى جبل نابلس، فيحضر ويضبط الزيت ويبيعه لأربابه ويقبض ثمنه.

стр. 1043

وفيها أخمد الله الفتنة بين مولانا السلطان الملك الأشرف، وبين بايزيد (١) خان بن عثمان خان، ملك الروم، وحضر قصاد ابن عثمان (٢) صحبه قاضي مدينة برصة (٣) بطلب الصلح مع مولانا السلطان، عز نصره، فأحسن إليهم وأكرمهم، وعاد القاضي والقصاد، المشار إليهم، وزاروا قبر (٤) سيدنا الخليل، ﵇، ودخلوا بيت المقدس في شهر رمضان، وركب للقائهم الأمير خضر بك ناظر الحرمين ونائب القدس (٥) الشريف، وشيخ الإسلام النجم ابن جماعة والقضاة الأربعة، والخاص والعام، ودخلوا إلى القدس الشريف، وكان يوما مشهودا وتوجهوا في الشهر المذكور قاصدين بلاد الروم، وحصل الصلح بين الملكين وحصل للرعية الطمأنينة بذلك، ولله الحمد والمنة. وجهز السلطان قاصده جان بلاط (٦) لابن عثمان لعود الجواب من الصلح، فحصل له الخير من ملك الروم وبالغ في إكرامه، وأكمل الله الصلح بين الملكين. وكان ابتداء الفتنة وتجهيز العساكر للتجريدة من أوائل سنة ٨٨٩ هـ (٧) (٨) إلى أن لطف الله تعالى بعباده، ووقع الصلح في هذا التاريخ بعد وقوع الحرب والفتن نحو ثمان سنين، وصرف في التجاريد لذلك ما لا يحصى كثرة، وكان عود الأمير جان بلاط من بلاد الروم في شهر ربيع الأول سنة ٨٩٩ هـ (٩). وفيها - أعني سنة ست وتسعين - ورد مرسوم شريف على شيخ الإسلام الكمالي (١٠)، يتضمن أنه اتصل بالمسامع الشريفة أن القبة التي أحدثها النصارى عند دير صهيون لما هدمت، بقي بعض (١١) بناء من أثرها، فتقدم بإكمال هدمها ومحو

стр. 1044

أثرها، فتوجه شيخ الإسلام الكمالي وناظر الحرمين ونائب السلطنة الأمير خضر بك، والقضاة إلى دير صهيون ومحي أثرها بهدم ما بقي منها، ونبش أساسها بحضورهم، وذلك في شهر رمضان، وكان يوما مشهودا أعظم من يوم هدمها الأول، كما تقدم في السنة الماضية. وفيها في يوم الاثنين سادس عشر شوال، دخل القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن علي بن الأزرق الأندلسي المالكي إلى القدس الشريف، متوليا قضاء المالكية، عوضا عن القاضي شمس الدين بن مازن الغزي، وباشر بعفة، وتوجه بن مازن إلى غزة في أوائل شهر ذي القعدة، واستمر معزولا إلى أن توفي في خامس عشر (١) ذي الحجة سنة تسعمائة، وكانت إقامة ابن الأزرق بالقدس الشريف مدة شهرين، وتوفي في خامس عشر ذي الحجة وتقدم ذكر ذلك في ترجمته. ثم دخلت سنة ٨٩٧ هـ فيها في شهر ربيع الأول، الموافق لكانون الثاني، وقع هدم فاحش بكنيسة قمامة بالقدس في الليل من المطر، وهلك تحته (٢) رجلان من طائفة الحبش، واستمر إلى يومنا لم يعمر، والمرجو من كرم الله هدم باقيها. وفيها ورد مرسوم شريف على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بالتوجه إلى مدينة غزة، وصحبته الأمير خضر بك ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف، وإيقاع الصلح بينه وبين المقر الأشرف السيفي (٣) أقباي كافل المملكة الغزية، بسبب ما بينهما من التنافر، وإزالة الكدر والوحشة من بينهما، والمعاهدة بينهما على ذلك، وكتابة صورته وعرضها على المسامع الشريفة، فتوجه من القدس الشريف إلى غزة امتثالا للمراسيم الشريفة، وحصل الصلح بين المشار إليهما على أحسن وجه، وكان ذلك في حادي عشري جمادى الآخرة، ودخل (٤) الأمير خضر بك إلى القدس الشريف بخلعة كاملية بسمور في بكرة يوم الأربعاء حادي (٥) عشر جمادى الآخرة، ودخل شيخ الإسلام الكمالي بعد العصر من يوم الخميس بكاملية صوف أبيض سمور.

стр. 1045

وفيها دخل الوباء بالطاعون حتى عم جميع المملكة، وابتدأ بالقدس الشريف من حادي عشر جمادى الآخرة، واستمر إلى آخر رجب، بلغ (١) عدد الأموات في كل يوم إلى ثلاثين وأربعين (٢) إلى نهار الجمعة حادي عشر رجب، بلغ نحو الخمسين، وهي أول جمعة ظهر فيها كثرة الأموات، واشتد الأمر في شهر شعبان، فبلغ العدد في كل يوم فوق المائة، وقيل أنه بلغ في اليوم إلى مائة وفي ثلاثين وبلغ العدد في مدينة سيدنا الخليل، ﵇، في اليوم دون الخمسين. وتوفي الأمير خضر بك ناظر الحرمين ونائب السلطنة في ليلة الأحد الحادي والعشرين من شعبان، وكان لما ولي النيابة في المرة الأولى سار سيرته ووقع في أمره ما تقدم شرحه في حوادث سنة ٨٩٢ هـ فلما ولي النيابة والنظر في المدة الثانية سنة ٨٩٦ هـ باشر مباشرة حسنة، وأظهر العدل في الرعية، واستعطف خواطر الناس، وشرع (٣) في سلوك طرق الرئاسة، واستمر على ذلك إلى أن دخل الوباء فتطير من ذلك. وخرج من مدينة القدس الشريف إلى ظاهرها وأقام بالكروم، وأظهر من الخوف الزائد، فأنكر الناس عليه ذلك فدخل إلى المدينة وأقام يسيرا، وتوفيت ابنة له، ثم بعد يومين أو ثلاثة توفيت زوجته، ثم بعد وفاتها بنحو ستة أيام توفي هو وصلى عليه بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر من يوم الأحد الحادي والعشرين من شعبان، ودفن بتربة ماملا، وكان أسند وصيته لشيخ الإسلام الكمال بن أبي شريف، أمتع الله بحياته، فتوجه إلى التربة وتولى أمره ووقف على دفنه، وصحبته جماعة من الأعيان وقضاة الشرع الشريف، واستمر الوباء بالقدس الشريف في قوته إلى سلخ شعبان، أفنى خلقا من الأطفال والشباب وأفنى طائفة الهنود (٤) عن آخرهم، وكذلك طائفة الحبش، ومات جماعة من الأخيار الصالحين منهم الشيخ عبد السلام بن الرضي الحنفي، وتقدم ذكره في ترجمته، ومنهم الشيخ الصالح الفاضل جبريل الكردي الشافعي، وكان من أهل الفضل، ومن أصحاب شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، ومنهم الشيخ الفاضل يوسف السليماني الحنفي نائب إمام الصخرة، وكان من أهل الخير والصلاح والفضل في مذهب أبي حنيفة، ﵁، وكان يصلي إماما بالصخرة وعلى قرائته الأنس والجمال، ومنهم الشيخ الصالح المقرئ علي الجزولي المغربي المالكي نائب إمام المالكية بالمسجد الأقصى الشريف، وكان من

стр. 1046

أهل الخير والصلاح، حافظا لكتاب الله تعالى، وكان يؤم بجامع المغاربة يؤدي الصلاة على أوضاعها من الطمأنينة في الركوع والسجود، ومنهم الشيخ الصالح موسى المغربي، وكان عبدا صالحا يقيم (١) بالخلوة (٢) التي تحت صور الصخرة الشريفة القبلي أسفل التاريخ، وكان يجلس على باب الخلوة، ويجتمع عنده أهل الخير يتلون كتاب الله، وكان يجلس غالبا ورأسه مكشوف، والصلاح ظاهر عليه، ومنهم الشيخ الصالح الناسك إسحق الجبرتي، وكان عبدا (٣) زاهدا منقطعا إلى الله تعالى في الخلوة التي بصدر جامع النساء بداخل المسجد الأقصى، والناس يترددون إليه ويتبركون به، وقد ظهر له كرامات ومكاشفات ومنهم العدل خير الدين أبو الخير أحمد بن شهاب الدين أحمد ابن شمس الدين محمد القلقيلي المقرئ الحنفي، وتقدم ذكر والده وجده مع الفقهاء الشافعية، وكان يحفظ القرآن ويؤديه بحسن صوت وطيب نغمة، واحترف بالشهادة مدة طويلة، وباشر عقود الأنكحة ولم يمت بالطاعون، وإنما ركب بغلة وتوجه إلى الكروم، فوقع بظاهر البلد فكسرت رجله من ركبته، وحمل إلى المدينة، فمرض أياما وتوفي في آخر يوم الاثنين (٤) سابع شهر رمضان، توفي الخطيب جلال الدين بن جماعة المتقدم ذكره (٥) مع والده عند ذكر خطباء المسجد الأقصى الشريف، وكان بيده نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية والربع والثمن من الخطابة (٦) بالمسجد الأقصى. والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن شروين المقرئ الخليلي التاجر، وكان رجلا من أهل القرآن، يتفقه بالروايات، وأجازه شمس الدين بن عمران، وكان حسن الصوت طيب النغمة بالقراءة وله دنيا واسعة، وكانت وفاته في الحادي والعشرين من شعبان رحمة الله عليهم، وتناقص الوباء من أول شهر شوال، واستقر بعد الخطيب جلال الدين فيما كان بيده من الوظيفتين أولاد عمه، وهم الخطيب برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن شيخ الإسلام النجمي بن جماعة، وأخوه لأبيه الخطيب العلامة زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن، وابن عمهما الخطيب محيى الدين بن الشيخ عبد الرحيم عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة برهان

стр. 1047

الدين بن جماعة، وأنعمت عليه الصدقات الشريفة باستقرارهم في ذلك بمال بذلوه (١)، وكان ارتفاع الوباء من القدس الشريف في أواخر شهر شوال بعد إقامته بها نحو أربعة أشهر وعشرة أيام، وبلغ عدد الأموات بالقاهرة المحروسة في كل يوم من عشرين ألفا، وبدمشق في كل يوم ثلاثة آلاف وبحلب في كل يوم ألف وخمسمائة، وبغزة في كل يوم نحو أربعمائة، وبالرملة في كل يوم نحو مائة وعشرين، ولم يمكث في بلد من البلاد أكثر من بيت المقدس، فسبحان من يتصرف في عباده بما يشاء. وفيها استقر قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة شمس الدين محمد الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف، عوضا عن القاضي شهاب الدين ابن المهندس، واستقر قاضي القضاة كمال الدين أبو البركات محمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ خليفة بن المالكي في وظيفة قضاء المالكية، بعد شغورها عن القاضي شمس الدين بن الأزرق، المتقدم ذكره في السنة الماضية، ووصلت الولاية إليهما معا على يد سعد الدين قاصد المقر البدري ابن مزهر (٢) كاتب السر الشريف في صبيحة يوم الخميس خامس عشر شوال، وحصل الجمع بين يدي شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بالمدرسة الأشرفية بعد صلاة العصر (٣) من اليوم المذكور، وقرئ توقيع كل منهما بين يديه بحضور قضاة الشرع الشريف، وجماعة من طلبة العلم الشريف الخاص والعام، فكان تاريخ توقيع القاضي (٤) المالكي خامس عشري رمضان، وتوقيع الحنفي (٥) خامس شهر شوال، ثم في يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة قرئ كل من التوقيعين بالمسجد الأقصى الشريف. وفيها حج إلى بيت الله تعالى الحرام سيدنا ولي الله الشيخ شمس الدين الغزي أبو العون، المقرئ القادري الشافعي، نزيل جلجوليا في يوم السبت سابع عشر شوال أعاد الله علينا من بركاته، ونفعنا ببركته، وعلومه وصالح دعواته، فدخل إلى القدس الشريف في التاريخ المذكور من جلجوليا (٦) في يوم السبت سابع عشر شوال، وتوجه من القدس الشريف إلى بلدة سيدنا الخليل، ﵇، قاصدا مكة

стр. 1048

المكرمة بعد الظهر من يوم الاثنين تاسع عشر، وقضى مناسكه، وزار النبي، ﷺ ، وعاد إلى محل وطنه، ولله الحمد، فسح (١) الله في مدته. وفيها استقر الأمير (٢) جان بلاط أخو الأمير خضر بك في وظيفة نظر الحرمين الشريفين، ونيابة السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل، ﵇، عوضا عن أخيه خضر بك، ووصل إلى بلد سيدنا الخليل، ﵇، ثم دخل إلى القدس الشريف في بكرة يوم السبت ثامن شهر ذي القعدة الحرام، وكان يوما مشهودا لدخوله، وسلك مسلكا حسنا، ومما وقع أن أخاه الأمير خضر بك لما توفى، ضبط موجودة من جملته سبعمائة دينارا ذهبا، ووضع المال في خزانة بمنزل أخيه بالمدرسة الأرغونية مع بعض الموجود المخلف عنه، فلما قدم الأمير جان بلاط حضر بالمدرسة الأرغونية، وحضر شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف والقضاة، وفتح المكان وأحضر الصندوق، فوجد وهو (٣) مكسور والمال قد فقد منه، واضطرب الحال لذلك، واتهم به جماعة ولم يثبت في جهة أحد منهم، ومضى أمره ولم يعلم حقيقة الحال فيه. ثم دخلت سنة ٨٩٨ هـ (٤) فيها في شهر الله (٥) الحرام تعين السيفي قائم الخاصكي للتوجه إلى المملكة الشامية لكشف الأوقاف (٦) والمدارس على عادة من تقدم في ذلك، فدخل إلى القدس الشريف في عشية يوم السبت ثالث شهر صفر، وجلس في بكرة النهار يوم الأحد بالمدرسة السلطانية بحضور شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وشيخ الإسلام النجمي بن جماعة، والأمير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة، وقضاة الشرع الشريف، وقرئ المرسوم الشريف الوارد على يده بمعنى الكشف على الأوقاف، وما يحصل من الترك المخلفة عن الأموات في الوباء، المختصة بجهة بيت المال المعمور، واستخرج من الأوقاف أموالا نحو ألف وخمسمائة دينارا، وحصل بذلك الضرر للفقراء والفقهاء، فالحكم لله العلي الكبير، وتوجه من القدس في صبيحة يوم السبت عاشر صفر.

стр. 1049

وفيها في العشر الأوسط من شهر صفر، حضر الأمير اقبردي الدوادار الكبير من الديار المصرية على حين غفلة، ولم يعلم به حتى دخل إلى مدينة غزة، ثم توجه إلى الرملة ووضع أثقاله بها، ثم توجه من فوره هو ومن معه على الخيول إلى جهة نابلس (١)، ثم عاد إلى الرملة وأقام بها بداخل البلد هو وجماعته، ولم ينصب (٢) مخيمه بظاهرها على ما جرت به العادة، ونادى بالأمان وأمر جماعته بعدم التعرض لأحد من الرعية، وكان مقامه بالرملة بدار الأمير منصور بن قرابغا يبيت بها ليلا، وجلوسه في النهار بدار ابن باكيش (٣) المعدة للحكام، وجماعته من الخدم وغيرهم نزلوا عند الناس في منازلهم متفرقين، ثم في عشية يوم الأحد عاشر شهر ربيع الآخر، حضر إلى القدس الشريف السيفي قانصوه وعلى يده مرسوم الأمير اقبردي الدوادار، برمي الزيت المتحصل من جبل نابلس على التجار المعتادين بعمل الصابون، كل قنطار بخمسة عشر دينارا ذهبا بعد أن ختم على ما اشتروه من القلي (٤)، ونودي في البلد بالأمان للعوام وأن الزيت لا يأخذه إلا أربابه، فمن الناس لم يصدق هذه المناداة وخرج هاربا، ومنهم من اطمأن، ثم شرع قانصوه بكتابة أسماء التجار ومن له عادة بعمل الصابون حتى اطمأن الناس، وشرع يقبض عليهم واحدا بعد واحد من التجار وغيرهم، ويلزمهم بشراء الزيت على حكم ما فعل بهم في سنة ست وتسعين، ورمى على اليهود والنصارى، وطلب بعض نساء الغائبين، وضرب بعض (٥) جماعة، ولكنه هذه المرة أخف وطأة من المرة الأولى التي كانت في سنة ست، بمقتضى أن ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف الأمير جان بلاط اعتنى بأهل بيت المقدس (٦) وتلطف بهم، فلم يقع فيهم الإفحاش كما تقدم في زمن دقماق النائب، وكان الزيت المرسوم برميه على أهل القدس وبلد الخليل ألف وخمسمائة قنطارا، من ذلك مائة وستون قنطارا مختصة بأهل بلد الخليل، والباقي على أهل القدس، ورمى على أهل غزة ألف قنطار، ثم رمى على أهل الرملة جانبا من الزيت وضيق عليهم بالضرب والحبس، وسافر السيفي قانصوه من مدينة القدس

стр. 1050

صحبة النائب بالمال (١) المقبوض بعد صلاة الجمعة العشرين من ربيع الآخر بعد إقامته بها أربعين يوما، وحضر إلى الأمير أقبردي الدوادار الكبير النواب والأمراء إلى الرملة من طرابلس وحماة وصفد والبيرة (٢)، وأهدي إليه من الأموال والمواشي ما لا يحصى. ثم حضر إليه ملك الأمراء قانصوه اليحياوي، كافل المملكة الشامية، والأمير يونس حاجب الحجاب بالشام وغيرها، وحضر الأمير قانصوه اليحياوي إلى القدس لقصد الزيارة، ونزل في تربته التي أنشأها بظاهر باب الأسباط في عشية يوم الخميس رابع جمادى الأولى، وتوجه من القدس الشريف في صبيحة يوم الأحد سابع الشهر إلى دمشق، وتوجه الأمير أقبردي الدوادار الكبير من الرملة إلى جهة الغور لقتال العرب، وتوجه الأمير جان بلاط نائب القدس في بكرة يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى، وتوجه إلى بلاد حوران (٣) وأذرعات وغيرهما، وحصل له من الأموال والمواشي ما لا يحصى كثرة، وحضر إليه عامر بن مقلد (٤) شيخ العرب فقبض عليه، وحضر (٥) إلى مدينة الرملة ثم في يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة توجه منها قاصدا الديار المصرية في ليلة الجمعة خامس عشري جمادى الآخرة، وصحبته من المواشي ما لا يحصى كثرة، فهلك منها في الطريق غالبها، ولم يصل معه منها إلى القاهرة إلا الأقل (٦). وفيها استقر القاضي كمال الدين أبو البركات محمد بن الشيخ (٧) خليفة المالكي في وظيفة مشيخة المغاربة بالقدس الشريف، عوضا عن قاسم المغربي بحكم وفاته، وورد التوقيع الشريف عليه بذلك في العشر الأول من شهر ربيع الآخر، وتاريخه في خامس (٨) عشري ربيع الأول. وفيها استقر القاضي شهاب الدين بن المهندس في ربع وظيفة

стр. 1051

مشيخة (١) الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف، بنزول (٢) صدر له من الشيخ ناصر الدين محمد بن الشيخ جمال الدين عبد الله بن غانم شيخ حرم القدس الشريف (٣)، وهذا الربع هو الذي كان تأخر بيده من الوظيفة المذكورة، وبمقتضى هذا النزول من الشيخ ناصر الدين خرجت مشيخة الخانقاه من يد بني غانم، وكانت بأيديهم من زمن الواقف الملك صلاح الدين، ﵀، وحضر القاضي شهاب الدين بالصوفية في المجمع في شهر رمضان المعظم. وفيها في شهر شوال (٤) حل ركاب الأمير قانصوه نائب قلعة الجبل المنصورة بالديار المصرية إلى مدينة الرملة، متوجها إلى ملك الشرق من الأبواب الشريفة، وأوقع الصلح بين أخيه الأمير جان بلاط ناظر الحرمين الشريفين، ونائب القدس الشريف، وبين ملك الأمراء المقر السيفي أقباي كافل المملكة الغزية، بسبب ما كان بينهما من التنافر، وألبس الأمير جان بلاط كاملية بسمور، وكان ذلك بمدينة الرملة. ثم دخلت سنة ٨٩٩ هـ (٥) - فيها في العشر الأوسط من المحرم توجه الأمير جان بلاط نائب القدس إلى قرية القباب (٦) (٧) من أعمال الرملة الجارية تحت نظره، وكبسها وأخذ موجود الفلاحين بها، واحتج بأنهم عصوا عليه وأنهم تحت نظره، وحصل التنافر بينه وبين ملك الأمراء أقباي نائب غزة، لكون القرية المذكورة في معاملته، دخل إليها بغير إذنه وحصل بذلك التخبيط (٨) في الطرق. وفيها عقب الواقعة المذكورة ورد مرسوم بطلب الأمير جان بلاط المذكور إلى الأبواب الشريفة، بسبب شكوى عليه، فتوجه من القدس في ليلة السبت تاسع عشري شهر الله المحرم، ولم يعلم أحد بسفره إلا بعد يومين أو ثلاثة فوصل إلى القاهرة المحروسة وغرم مالا، ورسم له في الاستمرار في وظيفته.

стр. 1052

وفيها في يوم الثلاثاء تاسع عشري ربيع الأول، الموافق لسابع كانون الثاني، وقع الثلج بالقدس واستمر ينزل من ظهر يوم الثلاثاء إلى عشية يوم الخميس مستهل ربيع الآخر ليلا ونهارا حتى امتلأت الشوارع والأسطحة والأماكن، وحكى الكبار (١) أنهم لم يروا مثل ذلك في هذه الأزمنة من نحو سبعين سنة، وكان حجمه فوق الأرض في بعض الأماكن أكثر من أربعة أذرع، وأخبرت أنه كان في بعض الأماكن أكثر من خمسة أذرع، وتقطعت السبل وسدت الشوارع، وأصبح الناس يوم الجمعة ثاني ربيع الآخر في شدة شديدة، وأقيمت صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى فلم يحضرها من أهل بيت المقدس النصف بل ولا الثلث، ووقع الثلج بمدينة الرملة، ولم يعهد وقوعه بها في هذه الأزمنة، إلا ما يحكى أنه من مدة طويلة نحو ثمانين سنة، وقع بها الثلج في سنة من السنين فسماها أهل الرملة سنة الثلجة (٢)، ولم يعلم أنه بلغ قدر ما بلغ في هذه المرة، فإنه وصل إلى البحر واستمر في الشوارع أكثر من عشرين يوما، واشتد حتى صار كالأحجار، ثم وقع البرد الشديد بعد وقوع الثلج بنحو خمسة عشر يوما حتى جمد الماء وصار جليدا. ثم عشية الخميس ليلة الجمعة السادس عشر من ربيع الآخر عاد الثلج ونزل حتى عم الأرض لكنه كان خفيفا، ومن الاتفاق (٣) أن الثلج كان قد وقع بالقدس في السنة الماضية، وهي سنة ٨٩٨ هـ (٤) في يوم تاسع عشري ربيع الأول، ثم وقع في السنة وفي هذا العام في يوم الثلاثاء. ثم وقع بغزة المحروسة ولم يعلم وقوعه بها قبل الآن فسبحان القادر على ما يشاء. وأما الأمير جان بلاط نائب القدس فقد تقدم توجهه إلى الأبواب الشريفة، والإنعام عليه باستمراره في وظيفته، ثم لبس التشريف المستمر بالحضرة الشريفة، في يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول حضر إلى مدينة القدس الشريف، ودخله في بكرة يوم الخميس في عشري ربيع الآخر، وكان يوما كثير المطر، ولم ير مثله في شتاء هذا العام، وركب الناس للقائه من القضاة والأعيان، واستمر المطر ينزل عليهم من عند خان الظاهر إلى دار النيابة، ودخل صحبته القاضي برهان الدين الجوهري

стр. 1053

وعليه خلعة كاملية بسمور، ولم يعهد دخول حاكم لبيت المقدس في مثل هذا اليوم لآخر يوم من كانون الثاني وقع الثلج بالقدس الشريف مرة ثالثة، واستمر ينزل من وقت صلاة الجمعة إلى بعد صلاة الظهر من يوم السبت حتى بقي حجمه فوق الأرض أكثر من ذراع، وامتلأت الشوارع والأسطحة منه، وانزعج الناس لذلك خشية الضرر منه، وأصبح إلى يوم الأحد، فأغاث الله عباده بنزول المطر الغزير بعد الظهر من يوم الأحد إلى آخر ليلة الاثنين، فأزال الله الثلج حتى لم يبق منه إلا القليل، ثم وقع منه الهدم في الأماكن، فسقط كثير من الدور والأبنية. وفيها استقر ملك الأمراء أقباي نائب غزة في نيابة صفد، وتوجه إليها في ربيع الآخر واستقر الأمير قاني بك (١) في نيابة غزة، وقدم إليها في جمادى الآخرة، وأضيف إليه كشف الرملة في شهر رجب بعد استيلاء نائب الشام عليها، وحضر نائب غزة إليها (٢) في يوم الثلاثاء ثامن شعبان، وحضر إليه الأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف وصحبته قضاة بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل، ﵇، والرملة، وورد توقيع مؤرخ في ثامن عشر رجب وألبس التشريف من ظاهر مدينة القدس الشريف في يوم الاثنين سابع شعبان، وكانت ولايته لبيت المقدس عوضا عن القاضي عز الدين الديري، والرملة عوضا عن القاضي كمال الدين محمد بن الأخرم النابلسي، وحضر إلى محل ولايته بالرملة صحبة ناظر الحرمين الأمير جان بلاط في التاريخ المتقدم ذكره قريبا. وفيها استقر محمد بن إبراهيم الودياني في إمارة (٣) جرم عوضا عن ثابت الرميني بمساعدة الأمير جان بلاط، ومكاتبته مع السلطان وأركان الدولة، وقدم إلى مدينة غزة فورد مرسوم شريف لنائب غزة (٤) الأمير قاني بك وقرينه مرسوما شريفا لناظر الحرمين ونائب القدس الأمير جان بلاط، يعلمهما أن مكاتبة نائب غزة وردت للأبواب الشريف تتضمن أن أمير جرم محمود (٥) الودياني لا يصلح للإمارة لعجزه عن القيام بالقود (٦) وما هو مقرر عليه للخزائن الشريفة، وأن نائب القدس يتوجه

стр. 1054

وصحبته قضاة القدس الشريف ويجتمع نائب (١) غزة وقضائها وأركان الدولة بها (٢)، وجمع أمراء جرم ومن كان يصلح للولاية ممن ترضى به الرعية ويقدر على ما هو مقرر، ويكتب به محضر شرعي ويعرض على المسامع الشريفة، فتوجه ناظر الحرمين وصحبته قضاة القدس الشريف الأربعة من القدس الشريف في ليلة الأحد سابع عشري شعبان، ووصلوا إلى غزة في بكرة يوم الاثنين، وحصل الاجتماع بنائب غزة وقضائها بدار النيابة بغزة بعد العصر من يوم الثلاثاء، ودار الكلام بينهم فيمن يصلح، فنائب غزة قصد أن يستقر في الإمارة أبو العويس ابن أبي بكر ونائب القدس قصد استمرار محمود الودياني لكونه هو الذي سعى في توليته، ثم التزم (٣) ناظر الحرمين ونائب القدس بما على محمد الودياني من القود والعادة في مدة ولايته، وبمبلغ خمسمائة دينار زيادة على ما هو مقرر عليه، فلم يحصل اتفاق بين نائب غزة ونائب القدس، وانفصل المجلس على غير رضى، وكل من النائبين كتب للسلطان بما يختاره وتوجه نائب القدس والقضاة من غزة في بكرة يوم الأربعاء سلخ شعبان وصحبتهم محمود (٤) الودياني أمير جرم مكنه نائب القدس من الإمارة وألبسه خلعة السلطان بقرية قرتيا (٥) في بكرة يوم الأربعاء (٦) سلخ شعبان وقام بنصرته كل ما أمكن. وفيها ورد مرسوم شريف على الأمير قاني بك نائب غزة بالتوجه إلى القدس الشريف والصلح مع نائب القدس، والسبب فيه حادثة وقعت قتل فيها جانم دوادار نائب القدس في قرية بيت لقيا في شهر شوال، ونسب قتله لمن هو من جهة نائب غزة، فحضر إلى القدس في ضحى يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة، وحصل الاجتماع بينه وبين الأمير جان بلاط ناظر الحرمين ونائب القدس، بحضور شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف بمنزله بالمدرسة التنكزية، ووقع الصلح بينهما وحصلت الموافقة والمعاهدة بينهما على زوال ما حصل من التنافر، وتوجه نائب غزة من القدس في عشية يوم الأربعاء (٧) حادي عشر ذي القعدة الحرام إلى محل ولايته.

стр. 1055

ثم دخلت سنة ٩٠٠ هـ (١) من الهجرة الشريفة، فيها في ثامن المحرم أعيد (٢) شمس الدين محمد بن عثمان أبي الطيب التميمي إلى قضاء الحنفية بمدينة سيدنا الخليل ﵇، وهي ولايته الثانية، وكتب توقيعه بذلك وبإبطال ما كتب للقاضي برهان الدين الشافعي بما ينافي ذلك، فكان استمرار منعه من قضاء الحنفية ببلد الخليل وإضافتها للشافعي دون شهرين. وفيها في شهر المحرم أخذ العرب من بني لام (٣) (٤) وبني إبراهيم (٥) ركّب الحج الشريف الشامي بالقرب من الكرك، ونهبوا الحجاج عن آخرهم وكان عدة جمال الركب ثلاثة عشر ألف جملا (٦)، لم يسلم من ذلك سوى ستة عشر جملا من غير أحمال، وهلك من الرجال والأطفال والنساء خلقا لا يحصيهم إلا الله، وأخذت (٧) الأموال وسبي الحريم وكانت حادثة فاحشة، وقد اشتهر أمرها، فاعتصب جماعة من أهل بلد سيدنا الخليل، ﵇، وجماعة من الكرك، وتوجهوا إلى جهة الأغوار (٨) وغيرها، وأحضروا جماعة من الحجاج إلى بلد سيدنا الخليل وإلى القدس الشريف، وتسبب شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف وجماعة من أهل الخير في جمع مال من أهل القدس الشريف، ودفع لكل واحد من الحجاج ما يكتري به وينفقه عليه إلى أن يصل إلى وطنه، فالحكم لله العلي الكبير. وفيها استقر القاضي عز الدين الديري الحنفي في وظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف، عوضا عن القاضي/ شهاب الدين بن المهندس، وتقدم أن القاضي شهاب الدين استقر في قضاء القدس وبلد سيدنا الخليل ﵇ والرملة، وأن توقيعه مؤرخ في ثامن عشر رجب سنة ٨٩٩ هـ، وتقدم أن قضاء بلد سيدنا الخليل،
следующие страницы →