← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ناصر الدين بن النشاشيبي باستمراره في النظر على عادته، وكل ذلك في مدة متقاربة في أوائل سنة ٨٧٨ هـ، وكان القاضي غرس الدين خليل الكناني، الذي كان شيخ الصلاحية وقاضي القدس، قد شكى القاضي شهاب الدين بن عبية للسلطان بسبب ما وقع في حقه من النهب، وما تقدم شرحه في سنة ٨٧٥ هـ، وزعم أن غريمه القاضي شهاب الدين بن عبية وأنه هو الآمر بذلك وشهد له بذلك الشيخ جمال الدين بن غانم شيخ الحرم في حضرة السلطان في وجه القاضي شهاب الدين بن عبية، فرسم له السلطان بألف دينار، مائتا دينار على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، ومائتا دينار على القاضي شهاب الدين بن عبية، وعلى الخزائن الشريفة أربعمائة دينار، فقبض ما رسم له من القاضي شهاب الدين بن عبية، ولم يقبض من غيره شيء ثم وقع بعد ذلك ما تقدم من استمرار (١) القاضي الشافعي، وناظر الحرمين، وولاية شيخ الصلاحية وأخيه القاضي الحنفي، وأذن لهم في السفر، فدخل إلى القدس الشريف ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، والقاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، وعلى كل منهما خلعة السلطان، وكذلك الأمير جقمق نائب السلطنة ألبس خلعة الاستمرار، ووردت عليه من القاهرة ودخل الثلاثة إلى القدس الشريف في يوم الاثنين ثاني (٢) عشر ربيع الأول، وكان يوما حافلا، ثم دخل القاضي جمال الدين الديري الحنفي إلى القدس الشريف في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر، وهو لابس تشريف الولاية، وهو ضعيف متوعك، وكان حمل في محفة (٣) من الرملة إلى قصر ابن عمه الشيخ تاج الدين الديري عند خان الظاهر، ثم ألبس الخلعة، ودخل وهو في غاية الانزعاج، فأقام أربعة عشر يوما، وتوفي في يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الآخر، ولم يقدر أنه حكم حكما ولا جلس للحكم، بعد مال كثير بذله في الولاية، وصلي عليه بالمسجد الأقصى الشريف، ودفن بماملا إلى جانب والده من جهة القبلة، وضبط موجوده، وكان من حضره قاضي القضاة المالكي نور الدين اليدرشي، ثم توفي بعده بعشرة أيام في ليلة السبت ثاني جمادى الأولى، ودفن بباب الرحمة، وتقدم ذكر ذلك مفصلا عند ذكر التراجم، وإنما ذكرت ذلك هنا لينتظم ذكر الحوادث الواقعة في زمن مولانا السلطان، وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الأولى، توفي شمس الدين محمد بن قطيبا الأنصاري المشهور بالعجمي (٤)، أحد أعيان المباشرين بالقدس

стр. 982

الشريف والخليل، ﵇، ودفن بماملا، وفي يوم الخميس سابع جمادى الأولى، وصل الخطيب محب الدين بن جماعة، ودخل هو وأخيه شيخ الإسلام النجمي (١) وعلى كل منهما خلعة السلطان بولاية ما تقدم ذكره من مشيخة الصلاحية، ودخلا إلى المسجد الأقصى الشريف والناس معهما، وجلسا في المحراب، وقرئ توقيع كل منهما وهما جالسان، وكان القارئ لهما شمس الدين بن عجور، وهذا خلاف المصطلح المعروف، فإن العادة جرت بتأخير قراءة التوقيع إلى بعد صلاة الجمعة، واستقر القاضي خير الدين بن عمران في قضاء الحنفية بالقدس الشريف والرملة، بحكم وفاة القاضي جمال الدين الديري، وكتب توقيعه في خامس عشر جمادى الأولى، وورد عليه التوقيع والتشريف، فلبس من المسجد الأقصى الشريف في صبيحة يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة، ومشى الناس في خدمته إلى منزله بباب الحديد، وقرئ توقيعه في يوم الجمعة. واقعة بلد سيدنا الخليل ﵊ (٢) وفيها وقعت حادثة بمدينة سيدنا الخليل وهي فتنة جرت بين طائفة الدارية (٣)، وطائفة الأكراد (٤) فحصل بينهما تشاجر وانتشر الكلام بينهما، فقتل من الفريقين ثمانية عشر نفرا، واستنفر كل من الطائفتين من ينتصر (٥) لها من العشير، فدخلوا إلى المدينة ونهبوا ما فيها عن آخره إلا القليل منها، وخربت أماكن واجتمع أهل البلد من الأكراد وأدخلوا أولادهم ونسائهم إلى المسجد الشريف، وأغلقوا الأبواب، ودخل جماعة الدارية إلى القلعة وتحصنوا بها، وكانت حادثة فاحشة لم يسمع بمثلها أحد (٦) في هذه الأزمنة، ورفع الأمر للسلطان، فسير الأمير على باي الخاصكي للكشف عن ذلك وتحريره، فحضر إلى القدس الشريف في يوم الثلاثاء من عشر جمادى الآخرة، ونزل بدار طوغان برأس (٧) درج المولة، وكان ظالما غشوما جبارا عنيدا لا يقرأ ولا يحسن الكلام بالعربي، فوقع له أنه صلى الصبح بقبة

стр. 983

الصخرة في يوم كثير المطر، فرأى الشيخ زين الدين عبد القادر بن قطلوشاه المغربي (١) يمشي على صحن الصخرة بالقبقاب، فأخذه وتوجه به إلى منزله وضربه ضربا مبرحا، ورسم عليه ولم يفلته إلا بمشقة بمساعدة ناظر الحرمين ابن النشاشيبي، والقاضي الشافعي شهاب الدين بن عبية (٢) والقاضي خير الدين الحنفي بن عمران، والقاضي الحنبلي كمال الدين النابلسي، وكان القاضي نور الدين البدرشي المالكي قد توفي إلى رحمة الله تعالى فتوجهوا إلى بلد سيدنا الخليل، ﵇، وجلسوا ومعهم أكابر بلد سيدنا الخليل، وكتبوا محضرا (٣) بما وقع في النهب والقتل، والسبب في ذلك، ثم قبض الخاصكي على أكابر بلد سيدنا الخليل من القضاة والمشايخ وطلب منهم اثنى عشر ألف دينار، وتوجه وهم معه معتقلا عليهم إلى أن وصل إلى مدينة غزة، فقتله (٤) يشبك العلائي نائب غزة بمرسوم شريف (٥) ورد عليه من السلطان خفية، وأشاع أنه دخل إلى الاصطبل ليأخذ فرسا طلبها النائب، فوقع عليه حائط فمات، وكان يوم موته (٦) في الأربعاء حادي عشر رجب، وثارت فتنة بسببه في القاهرة من المماليك الجلبان، واعتذر لهم السلطان، وأنكر أن يكون أمر نائب غزة بقتله، وحلف على ذلك. ومما وقع أنه لما ضرب زين الدين عبد القادر بن قلطو شاه كما تقدم، وكان من أهل القرآن، وضرب بغير حق، فكان يتضرع إلى الله ويدعو عليه، فبينما هو ذات ليلة نائم في فراشه، وإلى جانبه زوجته، وهي ابنة عمه، إذ سمعته وهو نائم (٧) يتكلم ويقول: اللهم خلص حقي عاجلا فإني لا أصبر للآخرة، لا أصبر للآخرة، كررها ثلاثا، ثم استيقظ من نومه فأخبرته زوجته بما سمعته منه، فصدقها على أنه تكلم بذلك في رؤيا رآها. ففي صبيحة تلك الليلة ورد الخبر إلى القدس بهلاكه بغزة، فسبحان قاسم الجبابرة، ثم توجه أهل الخليل إلى حضرة السلطان فلم يحصل لهم إلا الخير ببركة سيدنا الخليل، ﵇، وعادوا إلى أوطانهم وتراجع أمر مدينة الخليل إلى العمارة، وصلح حالها، ولله الحمد.

стр. 984

واقعة كنيسة اليهود (١) وفيها وقعت حادثة بالقدس الشريف، وهي أن بحارة اليهود مسجدا للمسلمين عليه منارة، وهو بلصق كنيسة اليهود من جهة القبلة، ويتوصل إلى المسجد من زقاق مستطيل من جهة القبلة، وبجوار المسجد من جهة الغرب دار من جملة أوقاف اليهود، فوقع المطر في زمن الشتاء، ولعله في شهر جمادى الآخرة، فهدمت الدار المذكورة فكشف باب المسجد من جهة الشارع المسلوك فيكون أقرب للمصلين، فقصد المسلمون الاستيلاء على الدار المنهدمة وأن الاستطراق إلى المسجد منها لكونها على الشارع المسلوك، فيكون أقرب للمصلين من الاستطراق من ذلك الزقاق القبلي، لبعده بالنسبة إلى هذا المكان، وامتنع (٢) اليهود من ذلك، ورفعوا أمرهم للقضاة، وأظهروا من أيديهم (٣) المستند الشاهد لهم باستحقاقهم الدار المذكورة، واتصل ثبوته بحكام الشريعة، فنازعهم المسلمون في ذلك وزعموا أن الدار المذكورة من حقوق المسجد، وانتهى الحال إلى أن القضاة توجهوا بأنفسهم لكشف (٤) ذلك وتحريره، فجلسوا بالمسجد المذكور، وهم: القاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، والقاضي خير الدين بن عمران الحنفي، والقاضي كمال الدين النابلسي الحنبلي، وكنت حاضرا (٥) ذلك المجلس، فحرر أمر الدار بالمهندسين (٦) وقرئ المكتوب المحضر من أيدي اليهود، فتبين أن الدار من جملة أوقاف اليهود، وأن الحق لهم فيها، وانفصل المجلس على ذلك، وكان في شهر رجب، فلم يرض المسلمون بذلك، واعتصب (٧) بعض العوام، وتوجه إلى القاهرة، ووقف للسلطان، فأنهى أن الكنيسة التي لليهود بالقدس محدثة، وأن الدار المذكورة من جملة حقوق المسجد، وهي بأيدي اليهود بغير حق، فبرز مرسوم السلطان بالنظر في ذلك وتحريره، وورد الأمر بذلك إلى القدس الشريف في شهر رمضان، فعقد مجلس بالمدرسة التنكزية بمجلس ناظر الحرمين ابن النشاشيبي،

стр. 985

بحضور القاضي الشافعي شهاب الدين بن عبية، والقاضي الحنفي خير الدين بن عمران، وكان المالكي قد توفي كما تقدم، والحنبلي قد عزل من شهر شعبان ولزم بيته، وحضر بالمجلس شيخ الإسلام نجم الدين (١) بن جماعة، شيخ الصلاحية، والشيخ برهان الدين الأنصاري، والشيخ شهاب الدين العميري، وجمع من الفقهاء، وقرئ المرسوم الشريف، ودار الكلام بين الحاضرين، وأقيمت بينة شهدت عند القاضي الشافعي أن كنيسة اليهود محدثة في دار الإسلام، فأشهد عليه القاضي أنه منع اليهود من اتخاذها كنيسة، لما صح عنده أنها محدثة في دار الإسلام، إذ لا دار لهم، فتكلم كبير اليهود، واسمه يعقوب بكلام يقتضي العناد لما أمر به القاضي، فانتهره القاضي وقال له: «يا ملعون تنازع (٢) في الأحكام الشرعية»، والله أحضر لك الجلاد يضرب عنقك، فهم المسلمون بالبطش باليهود (٣)، فنهاهم القاضي عن ذلك. وكان من لفظه «يا أمة التوحيد لا يعارضهم أحد، فإن هؤلاء ذمة الله وذمة رسوله، وذمة أمير المؤمنين». ثم كتب محضرا بما وقع، وكتب فيه (٤) العلماء والمشايخ خطوطهم، وكتب الموثق فيه ما صدر من القاضي الشافعي من منعهم، وكتب أن القاضي الحنفي نفذ المنع المذكور، فلما وقف القاضي الحنفي على المحضر أنكر أن يكون نفذ ذلك (٥)، ولم يضع خطه على المحضر، وأغلقت الكنيسة ومنع اليهود من دخولها والتعبد فيها على عادتهم، فرفع اليهود أمرهم إلى (٦) السلطان وأنهوا ما وقع لهم بالقدس، ومنعهم من كنيستهم، فرسم السلطان بعقد مجلس قضاة القضاة بالديار المصرية، وهم قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي (٧) الشافعي، والقاضي شمس الدين الأمشاطي الحنفي، وقاضي القضاة برهان الدين اللقاني المالكي، وقاضي القضاة بدر الدين السعدي الحنبلي، ومن العلماء: الشيخ سراج الدين العبادي، والشيخ جلال الدين البكري، والشيخ جلال بن الأمانة، وجمع من مشايخ الإسلام، والنواب والقضاة، وجمع من الفقهاء، وقرئ المحضر المكتتب بالقدس الشريف،

стр. 986

ودار الكلام بينهم، وتأملوا ما صدر من القاضي الشافعي بالقدس من منع اليهود من اتخاذها كنيسة، وتكلم العلماء في ذلك، فأفاد كل من قاضي القضاة الشافعي وقاضي القضاة الحنفي، أن المنع المذكور ليس بكاف في رفع اليد ووافقهما على ذلك كل من العلماء الثلاثة المشار إليهم، وأما المالكي والحنبلي فإنهما قالا: هذا أمر يتعلق بالشافعية، وليس لنا فيه تكلم، وكتب على ظاهر المحضر المكتوب بالقدس صورة عقد مجلس بالصالحية (١)، وما وقع من قضاة مصر وعلمائها على هذه الحالة، ثم برز مرسوم السلطان إلى ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف، والقضاة بعقد مجلس بالقدس، والعمل بما أفاده قضاة مصر وعلمائها، وجهز المرسوم والمحضر على يد بشير الساعي، وهو عبد أسود، فحضر إلى القدس الشريف وعرض الأمر الصادر من الحكام بالديار المصرية، فعقد مجلس بالقدس بالمسجد الأقصى، اتجاه باب الناظر عند شجرة الميس (٢) التي عليها السلسلة الحديد، وجلس ناظر الحرمين ناصر الدين بن النشاشيبي، ونائب السلطنة الأمير جقمق، والقاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، والقاضي خير الدين بن عمران الحنفي، والشيخ برهان الدين الأنصاري، والشيخ أبو العزم الحلاوي (٣)، وهو الذي كان قائما في هذه الحادثة، وجمع من الفقهاء والأعيان، والخاص والعام، وكان يوما مشهودا، فقرئ المرسوم الشريف، ثم فتح المحضر (٤)، وقرئ ما كتب على ظاهره بالديار المصرية، ومن قول العلماء بها أن المنع الصادر من الحاكم الشافعي بالقدس الشريف ليس بكاف في رفع اليد، فلما سمع القاضي شهاب الدين ابن عبية هذا اللفظ انتهر اليهود، وكانوا قد دخلوا إلى المسجد، بإذن لهم في ذلك، ووقفوا في الحلقة بين المسلمين، وقال القاضي: أما قول علماء مصر إن هذا المنع ليس (٥) بكاف في رفع اليد فأنا موافق على ذلك، أنا ما رفعت أيديهم عنها، وإنما منعتهم من اتخاذها كنيسة، وهي مستمرة في أيديهم، وأذنت لهم أن يتصرفوا فيها حانوتا، وصمم على ذلك ومن جملة لفظه: «أنا منعتهم من اتخاذها كنيسة، وأنا باق على هذا المنع إلى أن ألقى (٦) الله»، وأحضر الشهود بالمجلس وهم الشيخ أبو العزم بن الحلاوي، وشمس الدين محمد بن ناصر الصبان، وناصر الدين محمد بن

стр. 987

الدمشقي، وعلي بن نصير البنا، وخليل بن عليان وغيرهم، وشهدوا عند القاضي الشافعي أن الكنيسة محدثة في دار الإسلام، فأشهد عليه القاضي مرة ثانية، أنه منع (١) اليهود من اتخاذها كنيسة، وكتب الجواب للسلطان بذلك، وتوجه القاصد من القدس الشريف بالجواب، كان ذلك في شهر ذي القعدة، وتأتي تتمة (٢) هذه الحادثة في السنة الآتية، إن شاء الله تعالى. وفيها في الشهر المذكور (٣) وهو شهر ذي القعدة الحرام، توفي الشيخ زين الدين أبو البركات بن غانم شيخ الخانقاه الصلاحية، واستقر بعده في نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية القاضي برهان الدين بن ثابت، وكيل المقام الشريف، وورد إلى القدس الشريف مرسوم السلطان، فحضر بالخانقاه الصلاحية، ناظر الحرمين ونائب السلطنة، والقاضي الشافعي والحنفي، وقرئ المرسوم الشريف بعد فراغ الحضور، مضمونه أن الصدقات الشريفة شملت القاضي برهان الدين بن ثابت باستقراره في نصف مشيخة الخانقاه ونظرها، عوضا عن أبي البركات بن غانم، وأنه استناب به عنه في المباشرة، شريكه الخطيب محب الدين بن جماعة، فتمكن من المباشرة مع مساعدته وشد عضده، وكان المتولي لقراءة المرسوم، العدل شمس الدين محمد بن عجور. وفيها عمّر سوق الطباخين بالقدس الشريف، ببناء القناطر المعقودة على الحوانيت، فكان ابتداء العمارة من شهر رجب سنة ٨٧٨ هـ وكان قبل ذلك يقف على الحوانيت بالقواصر (٤) (٥)، ويحصل من ذلك مشقة في الشتاء من الوحل، وسقوط الماء من ظهر السقف، فعملت القنطرة وابتدائها من درج الحرافيش إلى قنطرة خان الجبيلي، فحصل الرفق للناس في ذلك في زمن الشتاء. ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثمانمائة فيها ورد مرسوم السلطان على الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، ناظر الحرمين، بتمكين اليهود من كنيستهم، وعدم معارضتهم على عادتهم، فمكنوا منها ودخلوا إليها لعنة الله عليهم، وحصل للمسلمين بذلك نكاية (٦)، فإن اليهود أظهروا

стр. 988

السرور بذلك، وعلقوا بها الستور وأوقدوا القناديل، ومضى الأمر على ذلك. وفيها في يوم السبت (١) سابع عشر صفر، ورد مرسوم السلطان بالترسيم على القاضي فخر الدين بن نسيبة، فأخذه نائب السلطنة الأمير جقمق عنده بمنزلة، وأقام مدة، ثم ورد الأمر الشريف بالإفراج عنه. وفيها في عشية يوم الأربعاء تاسع عشر صفر، ورد مرسوم شريف بولاية قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن شيخ الإسلام شمس الدين بن الديري (٢) الحنفي، وهو أخو القاضي جمال الدين الديري، المتقدم ذكره، بوظيفة قضاء الحنفية بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل والرملة، وعزل القاضي خير الدين بن عمران، وأصبح القاضي شمس الدين الديري في يوم الخميس (٣) آخر شهر صفر، جلس بإصطبل أخيه الكائن برأس عقبة الست عند سوق الزيت، وسلم الناس عليه، ثم في نهار الاثنين رابع ربيع الأول ألبس التشريف من ظاهر البلد وقرئ توقيعه في يوم الخميس ثامن ربيع الأول بالمسجد الأقصى نهار الاثنين ثامن عشر ربيع الأول، توجه القاضي فخر الدين بن نسيبة إلى القاهرة مطلوبا. وفيها في أحد الأربعين، توفي خاير (٤) بك الظاهري الخشقدمي الذي تسلطن ليلة واحدة من غير عهد ولا مبايعة، وكان قدومه من مكة في أول سنة ٨٧٨ هـ، واستمر إلى أن توفي في التاريخ المذكور بالمدرسة الخاتونية، ودفن بالقلندرية بماملا، ﵀. وفيها في شهر ربيع الأخر ورد مرسوم السلطان إلى ناظر الحرمين (٥) ناصر الدين محمد بن النشاشيبي، ونظيره للأمير جقمق، أن نائب الفقهاء بالقدس، كتب كتابا إلى القاهرة يذكر فيه أن كنيسة اليهود بالقدس الشريف محدثة، وأن علماء المسلمين أفتوا بعدم إبقائها، وأن اليهود قاموا بمبلغ له صورة للخزائن الشريفة حتى مكنوا من كنيستهم، والدخول إليها بسبب بذلة (٦) من المال للخزائن الشريفة، فعز ذلك على خواطرنا الشريفة ومرسومنا أن يتقدم المجلس بتحرير

стр. 989

هذا الأمر ومن تكلم به، وتجهز (١) القاضي الشافعي، والشهود الذين شهدوا فيها إلى الأبواب الشريفة للنظر (٢) في ذلك، وأحضر كل من المرسومين على يد بشير الساعي، فعقد مجلس بالمجلس الأقصى على المصطبة الكائنة عند باب جامع المغاربة، وكان إذ ذاك عليها شجرة ميس فقلعت، ونبت مكانها الآن شجرة تين، وحضر بالمجلس ناظر الحرمين، ونائب السلطنة، وشيخ الصلاحية الشيخ نجم الدين ابن جماعة، والشيخ برهان الدين الأنصاري والقاضي الشافعي شهاب الدين بن عبية، والقاضي الحنفي شمس الدين الديري وجمع من الفقهاء والصوفية (٣)، وكنت حاضرا ذلك المجلس، فطلب جماعة من مشايخ الصوفية، منهم الشيخ موسى بن الصامت وغيره، وسئلوا عن هذا الكتاب المحكي لفظه في مرسوم السلطان، فأنكر كل منهم أنه كتب هذا الكتاب، وحلف بالله العظيم أنه لم يكن سمعه إلا من لفظة (٤) المرسوم الشريف، وكتب محضرا بإعادة الجواب على السلطان، وكان المسطر له القاضي كما الدين أبو البركات محمد بن الشيخ خليفة المالكي الذي ولى قضاء المالكية فيما بعد وكتب فيه أن العلماء والفقهاء حلفوا بالله العظيم أنهم لم يكونوا كتبوا ذلك، ولا علموا به، وكتب العلماء والقضاة خطوطهم على المحضر (٥)، وكل منهم يحلف بالله على ذلك، ومن جملة لفظ شيخ الصلاحية فيما كتبه، أنه «يقسم بالله الذي خلق الحب وبرأ النسمة، ما كتبت ذلك ولا علمت من كتبه»، ومن جملة ما كتبه القاضي الشافعي «ولو علمت بهذا القائل لعزرته تعزيرا ولأقعدت به من الدجالين خلقا كثيرا»، وجهز هذا المحضر إلى السلطان (٦) على يد قاصده بشير الساعي، فلم يرض السلطان بذلك، ورسم بطلب القاضي الشافعي إلى القاهرة وحضر هجان يطلبه بسبب ذلك ويطلب ناظر الحرمين، فتوجها من القدس الشريف في نهار الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة وكان الشيخ أبو العز ابن الحلاوي خال القاضي الشافعي بالقاهرة يتكلم في أمر (٧) الكنيسة، فإنه هو الذي أثار هذه الفتنة من أولها، فلما وصل ناظر الحرمين والقاضي الشافعي إلى منزل بير العبد (٨) قبل

стр. 990

وصولهما إلى قطيا (١) لقيهما الشيخ أبو العزم والسيد الشريف محمد بن عفيف الدين محمد الأبجي الحسني، وهما متوجهان إلى القدس الشريف، فتكلما مع القاضي الشافعي فقالا له إن السلطان لم يطلبك، وقد فوض النظر في أمر الكنيسة للسيد الشريف المشار إليه، وهو متوجه إلى القدس الشريف لتحرير أمرها، فرجع القاضي صحبتهما من بير العبد، ودخلوا إلى القدس في يوم السبت ثاني شهر رجب. ذكر هدم الكنيسة ثم في يوم الاثنين، رابع شهر رجب، عقد مجلس بالمدرسة التنكزية بحضرة شيخ الإسلام كمال الدين (٢) بن أبي شريف، والشيخ برهان الدين الأنصاري، والأمير جقمق نائب السلطنة، والقاضي الشافعي شهاب الدين بن عبية، والقاضي الحنفي شمس الدين الديري، والسيد الشريف محمد بن عفيف الدين، ودار الكلام بينهم وحصل البحث بين الشيخ كمال الدين بن أبي شريف، والشيخ برهان الدين الأنصاري الخليلي (٣)، وانتشر الكلام بينهما، فإن شيخ الإسلام يقول لا وجه لمنع اليهود من كنيستهم بغير مسوغ شرعي، ويرى شهادة من شهد بحدوثها بغير مستند شرعي يستند إليه في الشهادة لا تقبل، والشيخ برهان الدين الأنصاري كان من جملة القائمين في منع اليهود، وترجيح شهادة من شهد بحدوثها، فلما حصل البحث بينهما قصد الشيخ برهان الدين الأنصاري نصرة قوله، فكان من جملة لفظ شيخ الإسلام له: «لا تبحث معي بحث خليلي»، وكان مجلسا حافلا، آخره أن القاضي الشافعي أشهد عليه بمنع اليهود من اتخاذها كنيسة كما تقدم أولا وثانيا، واتصل إشهاده بذلك بالقاضي شمس الدين الديري (٤) الحنفي، وكتب محضر بذلك، ثم في أواخر ذلك اليوم بعد العصر، توجه الشيخ محمد بن عفيف الدين السيد (٥) ومن معه إلى كنيسة اليهود، وأمر بهدمها فشرع المسلمون في هدمها، فهدم غالبها، ثم في ثاني ذلك اليوم هدم باقيها، وكان يوما مشهودا، وشرع الشيخ أبو العزم يحرض الناس على الهدم ويقوي عزمهم، وكلما ثار الغبار من التراب على رؤوس الناس وأثوابهم ينفض عنهم بمنديل في يده، ويقول غبار الجنة تثابون على هذا الفعل في الجنة، ثم توجه الشيخ أبو العزم بالمحضر إلى القاهرة، وتوجه اليهود للشكوى

стр. 991

للسلطان، فلما علم السلطان بذلك، وأنهم أفتوا (١) عليه، وهدموا الكنيسة بغير مرسوم، غضب غضبا شديدا، وأمر بالقبض على الشيخ أبو العزم، وكان يوم وصوله للقاهرة فبلغه الخبر فاختفى من حينه، واستمر مختفيا إلى أن توجه إلى مكة المشرفة، وأقام بها بقية عمره إلى أن توفي بها في شهور سنة ٨٩٣ هـ، ﵀. ثم رسم السلطان بطلب القاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، والشيخ برهان الدين الأنصاري، والشهود إلى القاهرة، فبادر القاضي الشافعي، وسافر من القدس قبل وصول المرسوم (٢) فلما وصل إلى مدينة غزة صادف وصول المرسوم لنائب غزة الأمير يشبك العلائي، وعلم أن القاضي الشافعي وصل إلى غزة فقبض عليه وتركه في الترسيم بغزة، ثم ركب وحضر إلى القدس في يوم الأحد تاسع شعبان، وجلس بالرواق العلوي الذي عند دار النيابة بجوار منارة الغوانمة، وأبرز من يده المرسوم الشريف، يتضمن إعلامه أنه اتصل بالمسامع الشريفة وما وقع من هدم كنيسة اليهود بالقدس الشريف، فالجناب العالي يتقدم من فوره قبل وضع هذا المثال الشريف من يده، ويتوجه بنفسه إلى القدس الشريف، ويقبض على القاضي الشافعي، والشيخ برهان الدين (٣) إبراهيم الأنصاري وولديه، وأبي العزم وشمس الدين بن ناصر الدين، وناصر الدين الدمشقي، وعلي بن نصير، وخليل بن عليان والشيخ حسن الشويخ والشيخ (٤) علي بن الحوراني وتجهيزهم إلى الأبواب الشريفة محتفظا بهم، فطلب الجماعة فهرب ابن أبي العزم وهو المكنى (٥) بأبي اليمن، وقبض على بقية الجماعة المذكورين، وهم: الشيخ برهان الدين الأنصاري (٦) ومن ذكر في المرسوم، ووضعوا في الحديد ما عدا الشيخ برهان الدين الأنصاري، وتوجه بهم من القدس إلى غزة، ثم جهزهم وصحبتهم القاضي الشافعي إلى القاهرة، صحبة القاصد وهو رجل من أعوان الظلم اسمه إسماعيل الكافري (٧)، فوصلوا إلى القاهرة في أواخر شعبان، ووقفوا للسلطان وهو جالس بالحوش في محل خلوته، فأمر بضربهم فضرب القاضي أولا، ثم الشيخ برهان الدين

стр. 992

الأنصاري (١) ومن معهم ضربا مؤلما، ما عدا ابن الدمشقي وابن عليان وابن نصير فإن السلطان رآهم من الشيوخ الهرم فعفى عنهم، فلما ضرب الشيخ برهان الدين الأنصاري شرع يقول: سبحان الله، والحمد لله (٢)، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يزيد على ذلك، فقال له السلطان: قل الحق كيف وقع، فلم يجبه بغير سبحان الله إلى آخره … فألح السلطان بقوله: «قل لي الحق» فقال له: «الحق ما أقول»، وشرع في التسبيح والتهليل على (٣) ما هو فيه إلى أن فرغ من ضربه، ونهض وهو يذكر الله، ولم يسلم (٤) من الضرب سوى ابن الدمشقي وابن عليان وابن نصير رآهم شيخ هرم، ثم سلمهم للوالي الأمير يشبك بن حيدر، وتركهم عنده في الترسيم، ثم في أوائل شهر رمضان عقد المجلس بمنزل الأمير يشبك بن مهدي الدوادار الكبير، وحضر قضاة القضاة (٥) الأربعة بالديار المصرية المتقدم ذكرهم، وحضر من العلماء الشيخ أمين القصراوي (٦) الحنفي، وهو من المساعدين للمسلمين، وحضر جماعة من العلماء ممن أفتى بعدم جواز هدم الكنيسة، وتعزير من أفتى على الإمام بالهدم بغير إذن شريف، منهم: الشيخ سراج الدين العبادي الشافعي، والشيخ جلال الدين البكري الشافعي، والقاضي شهاب الدين المغربي المالكي قاضي الجماعة بالمغرب (٧)، وهو الذي أظهر التعصب لليهود وأفحش، وحضر خلق كثير من الفقهاء وغيرهم، وكان يوما مهولا لنصرة اليهود على المسلمين، ودار الكلام بين العلماء، وحصل البحث بينهم، وبقي الفقهاء أحزابا فيهم من ينتصر للمسلمين، ومنهم من يساعد اليهود، وأصحاب الأهواء كل يتكلم بما يوافق هواه، وكان الأمر بالقدس الشريف كذلك، وخرج الشيخ أمين الدين الأقصراني (٨) من المجلس، وهو مغضب، فلم يلتفت إليه وتكلم رجلان من طلبة (٩) العلم بما فيه إعانة المسلمين فانتهرهما الدوادار الكبير ووضعهما في زنجير، ثم سأل القاضي شهاب الدين بن أبي عبيه عن المنع الصادر منه ما وجهه، وما

стр. 993

مستنده (١) فيه؟ فقال: ما أدري ما أقول، فقال القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف: قطع الله يدك، ورجلك، وأغلظ عليه في القول، وشرع الأمير يشبك الدوادار (٢) يهدد، وطال الكلام والنزاع بين الفقهاء، وآخر الأمر أن القاضي الشافعي بالديار المصرية ولي الدين الأسيوطي استخلف القاضي شهاب الدين بن عبية في الحكم، ورجع عن المنع الصادر منه لما تبين له من فساده، وحكم بصحة الرجوع الصادر من نفسه، ونفذ على خلفاء (٣) الحكم العزيز بالديار المصرية من المذاهب الأربعة، أفتى جماعة من علماء الشافعية (٤) والحنفية بمصر بجواز إعادة الكنيسة، ومن جملة من أفتى قاضي (٥) الجماعة المغربي فأنشد فيه بعضهم: تفتبي بعود كنيس … وكان ذلك جهلا وتدعي فرط علم … والله ما أنت إلا وأنشد بعض الناس أبياتا كثيرة في معنى ذلك، ووقع القدح في الشيخ سراج الدين العبادي (٦)، وأنشدوا فيه أبياتا، وأخبرت أن بعضهم كتب على باب منزله: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٧) (٨)، وكانت فتنة فاحشة والحكم لله العلي الكبير، واستمر المسلمون في الترسيم عند الوالي إلى أن روجع السلطان في أمرهم، فرسم بإخراج القاضي الشافعي، والشيخ برهان الدين من القدس وعدم سكانهما به، وإذن للباقين في عودهم إلى القدس، وكتب على القاضي والشيخ برهان الدين أنهما لا يسكنان في القدس إلا بإذن شريف، وأفرج عنهم أجمعين، فالقاضي سافر من القاهرة بعد أن صرح السلطان بعزله في وجه، ووصل إلى مدينة الرملة في يوم السبت رابع عشرين ذي القعدة، وتوجه إلى دمشق وأقاليمها، وأقام بها إلى يومنا وهو حي يرزق، والشيخ برهان الدين استمر بالقاهرة إلى سنة ٨٨٨ (٩) هـ، ثم سافر إلى مدينة سيدنا الخليل، ﵇، وأقام بها إلى أن توفي

стр. 994

في شهر المحرم سنة ٨٩٣ هـ (١)، كما تقدم في ترجمته، ويأتي ذكر إعادة الكنيسة وبناؤها وما وقع في تلك (٢) السنة الآتية، إن شاء الله تعالى. وفيها أعني سنة ٨٧٩ هـ (٣) أعيد القاضي كمال الدين النابلسي الحنبلي إلى قضاء القدس والرملة ونابلس على عادته، ودخل إلى القدس الشريف في شهر شعبان عائدا من القاهرة بعد كلفة مال كبير بذله في المنصب لم تجر به عادة قبله في قضاء الحنابلة، وسببه جور وكيل السلطان ابن ثابت (٤). وفيها في ثامن شهر رمضان، حضر خاصكي (٥) إلى القدس الشريف، بتوجه نائب غزة ونائب القدس إلى الرملة بسبب غازي وأولاد شبانة، فتوجه نائب القدس الأمير جقمق إلى الرملة، فورد عليه مرسوم السلطان وهو بها (٦)، أن يحضر إلى الأبواب الشريفة، طيب القلب، منشرح الصدر، واستقر في نيابة القدس الشريف الأمير جار قطلي الظاهري وفي يوم الاثنين تاسع عشر رمضان، دخل القاضي فخر الدين بن نسيبة إلى القدس الشريف، بخلعة السلطان وفي يوم الأربعاء (٧) مستهل شوال، حضر متسلم جار قطلي النائب، وفي يوم الخميس خامس عشر ذي القعدة، دخل الأمير جارقطلي (٨) إلى القدس الشريف نائبا عوضا عن جقمق، وكان يوما مشهودا، وقرئ (٩) توقيعه يوم الجمعة ثاني يوم دخوله، وفي يوم الاثنين تاسع عشري ذي القعدة، دخل ناظر الحرمين إلى القدس عائدا من القاهرة بخلعة السلطان. وفيها قدم القاضي غرس الدين خليل الكناني ابن شيخ الصلاحية بالقدس، ونزل بالأرغونية وأقام بها، لأن جارقطلي كان صاحبه، فلما ولي بيت المقدس قصد استيطانه في زمنه، فحضر إلى القدس في شهر شوال (١٠).

стр. 995

وفيها في رابع شهر ذي (١) الحجة استقر قاضي القضاة شمس الدين محمد بن يونس النابلسي الشافعي قاضي الرملة ونابلس في قضاء القدس الشريف، عوضا عن القاضي شمس الدين بن عبية، ووصل إليه علم ذلك وهو بالرملة في شهر ذي الحجة (٢)، ومضت سنة ٧٩٠ هـ وكانت كثيرة الفتن والمحن (٣) بالقدس الشريف، فنسأل الله حسن الخاتمة. ثم دخلت سنة ٨٨٠ هـ (٤) في شهر المحرم فيها، دخل القاضي شمس الدين بن يونس (٥) الشافعي إلى القدس الشريف بخلعة السلطان، وركب له القضاة وناظر الحرمين ونائب السلطنة الأمير جارقطلي (٦)، ولكنه لم يمش أمامه وإنما مشى خلفه، وقرئ توقيعه بعد صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى، وفي يوم الخميس سابع عشر صفر، دخل القاضي علاء الدين بن المزوار (٧) متوليا قضاء المالكية بالقدس الشريف، عوضا عن القاضي نور الدين البدرشي (٨)، وكانت ولايته من مستهل شوال سنة ٨٧٨، فاستمر بالقاهرة بعد الولاية سنة وأربعة أشهر، إلى أن حضر في التاريخ المذكور (٩)، ودخل إلى القدس (١٠) بخلعة السلطان وقرئ توقيعه في المسجد الأقصى، بعد صلاة الجمعة، وكان يوما حافلا. ذكر إعادة كنيسة اليهود لما جرى ما تقدم ذكره من هدم الكنيسة، وحصول المحن بالقدس الشريف للمسلمين (١١) وللعلماء (١٢) وغيرهم، شر اليهود في السعي في إعادة الكنيسة،

стр. 996

وتمسكوا بما معهم من الفتاوى بجواز إعادتها، وتشفعوا للسلطان بمن لهم به اعتناء، وكان أعظم المساعدين لهم يشبك الدوادار الكبير بمال بذلوه له، ولم (١) يعلم السلطان بشيء من ذلك، فلم يزل يشبك الدوادار يسعى عند السلطان إلى أن رسم بإعادتها بآلاتها القديمة، وعين قاضيين من خلفاء الحكم بالديار المصرية، وهما القاضي شهاب الدين أحمد الخرمي الشافعي، المشهور بابن جبلات، والقاضي علاء الدين علي الميموني الحنفي، فحضرا إلى القدس الشريف في يوم الأربعاء عشري ربيع الآخر، وعقد مجلس (٢) بقبة موسى حضره قضاة القدس الأربعة ومن حضر من قضاة القاهرة، وقرئ المرسوم الشريف الوارد بمعنى ذلك، فقضاة القدس لم يحصل منهم معارضة ولا إذن، وأسندوا الأمر إلى من حضر من القاهرة، فأذن القاضي علاء الدين الميموني الحنفي لليهود في إعادة الكنيسة بآلاتها القديمة، وشرعوا في بنائها في يوم الخميس حادي عشري ربيع الآخر، وكان القاضي شهاب الدين بن جبلات حصل له توعك بالقدس، فبادر إلى الرجوع إلى القاهرة (٣) قبل انتهاء أمر الكنيسة، ولم يتكلم في أمرها بشيء، واستغفر الله تعالى مما وقع منه من السفر في هذه الحادثة، وحكى لي بالقاهرة أن السبب في رجوعه من القدس بسرعة، وعدم تكلمه في أمر الكنيسة، أنه لما حصل له التوعك بالقدس، كان في خلوة بالمدرسة الجوهرية، وإذا باليهود قد حضروا وجلسوا على باب الخلوة التي هو بها، وتكلموا في أمر الكنيسة، وما حصل لهم من إذن القاضي الحنفي في إعادتها، فقال بعضهم (٤) لبعض: «هذا عيد مبارك بإعادة هذه الكنيسة (٥)، فما نسمي هذا العيد؟ فقالوا: نسميه عيد النصر»، فلما سمع القاضي شهاب الدين ابن جبلات الشافعي ذلك اقشعر جلده (٦) وانزعج وبادر بالخروج من القدس، وتوجه إلى القاهرة، واستغفر الله فيما وقع منه، وقد سمعت هذا الكلام من لفظه بالقاهرة على هذه الصفة في سنة ٨٨٤ هـ، وأما الحنفي فإنه استمر مقيما بالقدس الشريف إلى أن كملت عمارتها (٧)، ولما أذن في عمارتها، امتنع شهود بيت المقدس من كتابة مستند بذلك، فكتب هو بخطه ورقة

стр. 997

بالإذن (١) لليهود في ذلك، وكان بالقدس رجل اسمه إسماعيل البنا تعين (٢) لبنائها، فبات تلك الليلة، فرأى النبي ﷺ ، فقال له: يا إسماعيل أنت تصلي عليّ في كل يوم وليلة، وتبني مكانا أسب فيه! فامتنع من بنائها، فوعد بمال له صورة، فلم يلتفت إليه، وتولى بناءها من كتب الله عليه الشقاوة، ولما (٣) وقع ذلك كنت مقيما بالقاهرة، وبلغني عن هذا البناء أنه رأى النبي ﷺ ، ونهاه عن البناء، ولم أتحقق كيف وقع القول، فلما قدمت بيت المقدس في أواخر سنة ٨٨٤ هـ (٤) وجدته حيا، فسألته عن حقيقة الرؤيا، فأخبرني بها من لفظه كما تقدم ذكره، فلما انتهى بناء الكنيسة عاد الحنفي إلى القاهرة، وقد أسكن الله مقته في قلوب العباد، وصار يدعى بقاضي الكنيسة، وبلغني أنه لما وصل إلى القاهرة استدعى كبير اليهود، وقال له: «أبشرك أنني بنيت لك الكنيسة أعلى مما كانت بكذا» وأشار بذراع يده، ومما وقع له أنه كان يكتب علامته على المستندات الشرعية الحمد لله الذي أعلى معالم العلوم وأعلامه، فنكت عليه بعض طرفاء الفقهاء، وقال له: ينبغي أن تكتب الحمد لله الذي أعلى معالم الدين، فرجع وكتب علامته الأولى، ولم يزل أمره يضمحل وأحواله تتناقص حتى وقع له محنة في شهر ربيع الآخر سنة ٨٨٣ هـ (٥) بسبب حكم حكم به (٦) في أيام قاضي القضاة سعد الدين الديري من مدة تقرب عشرين (٧) سنة قبل التاريخ المذكور، فأحضره السلطان بين يديه وضربه ضربا مؤلما، وهو بالحوش في المكان الذي ضرب فيه أهل بيت المقدس، ووضعه في زنجير (٨) وسلم للوالي الذي كان تسلم أهل بيت القدس، وأمر بإخراجه إلى حلب بعد أن كتب عليه أنه لا يعمل قاضيا ولا شاهدا، وعزله (٩) عزلا مؤبدا، فخرج من القاهرة إلى أن وصل إلى خانقاه سريا قوس (١٠)

стр. 998

فوقعت (١) فيه شفاعة، فأعيد إلى القاهرة، وتوجه من ليلته إلى بلده منية ميمون (٢)، وأقام بها مدة طويلة، ثم عاد إلى القاهرة، وصار فقيرا حقيرا لا يقدر على قوته، وقد اجتمعت به وتكلمت معه ولمته على ما صدر منه في أمر الكنيسة والاهتمام بإعادتها، فأشهدني عليه أن الإذن الصادر منه في إعادتها، إنما قصد به الفتوى، ولم يقصد به الحكم الشرعي الرافع للخلاف، والله متولي السرائر. ذكر قدوم السلطان إلى بيت المقدس (٣) وفي شهر رجب الفرد سنة ٨٨٠ هـ، سافر السلطان الملك الأشرف من القاهرة المحروسة، قاصدا زيارة سيدنا الخليل، ﵇، والمسجد الأقصى الشريف، فوصل إلى مدينة غزة المحروسة، وتوجه منها فوصل إلى مدينة الخليل في يوم السبت خامس عشرين رجب، ورفع إليه أمر الحسبة بمدينة الخليل (٤)، وأنه يؤخذ من المحتسب مالا لنواب القدس، فيلزم منه تسلطه على الفقراء من المتسببين (٥) فرسم السلطان بإبطال الحسبة من نائب القدس وإبطال ما هو مقرر عليها من الرشوة، وأن يكون المحتسب بمرسوم شريف بغير كلفة، واستمر الأمر على ذلك، ثم اختل النظام ورجع الأمر على ما كان عليه أولا، وتوجه السلطان من مدينة الخليل في يوم الأحد سابع عشري (٦) شهر رجب، ووصل إلى القدس في يوم الاثنين سابع عشر رجب، ونزل بمخيمه عند خان الظاهري، ثم ركب ودخل إلى المدينة وقت العصر، ونزل بمدرسته القديمة التي هدمت، فلما رآها لم تعجبه، وكان ذلك هو السبب لهدمها وبناء المدرسة الموجودة الآن، ثم بعد صلاة العصر (٧) من اليوم المذكور جلس بقبة موسى اتجاه باب السلسلة، وجلس على مدورة (٨) (٩) من الشباك المطلة من جهة الشرق، وجلس عنده من داخل القبة الأمير أزبك أمير

стр. 999

كبير، ومن ظاهر الشباك على المصطبة (١) الأمير يشبك الدوادار، والقاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف، وكان يوما مشهودا (٢) وحضر مع السلطان جماعة من أركان الدولة، منهم الأمير خشقدم الطواشي الوزير، والقاضي تاج الدين المفتي ناظر الخواص الشريفة، والقاضي شرف الدين الأنصاري، والقاضي برهان الدين بن ثابت وغيرهم، وشكا الناس على الأمير جارقطلي نائب القدس (٣)، ورفعت فيه القصص بسبب ما اعتمده من الظلم والجور، فطلبه وسمع فيه الشكوى (٤)، وأنصف الناس فيه، وأمره أن يدفع إليهم ما أخذه منهم وشكا الناس (٥) على القاضي غرس الدين خليل أخي بن العباس، وأنه يجتمع بالنائب، ويتكلم في حق الناس فطلبه السلطان وانتهره، ووضعه إلى الأرض ليضربه فشفع فيه الأمير يشبك الدوادار، ورسم بعدم إقامته بالقدس فسافر منه، فكان يقيم تارة بغزة وتارة ببلده المجدل (٦)، ولم يزل على ذلك إلى أن توجه إلى مكة، وتوفي بها وفي شهور سنة ٨٩٨ هـ (٧). ثم بعد (٨) فراغ السلطان من فصل الخصومات في اليوم الذي دخل فيه إلى القدس، ثم صلى المغرب بقبة الصخرة المشرفة خلف الإمام سعد الله الحنفي، ثم نزل إلى الجامع الأقصى، وقد أوقدت القناديل على العادة التي تكون في ليلة نصف شعبان، وكذلك قبة الصخرة الشريفة، وكانت ليلة مشهودة، وجلس في محراب المسجد (٩) الأقصى وإلى جانبه الأمير أزبك أمير كبير، والأمير يشبك الدوادار الكبير وغيرهما من أركان الدولة، وجلس معه شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وشيخ الإسلام النجمي بن جماعة، والقضاة والخاص والعام، وقرأت ختمات شريفة، وكان مع السلطان ثلاثة أنفار من رؤساء القراء بالقاهرة، فقرأوا وحصل بهم البهجة والأنس، ثم قرأ بعدهم القراء ببيت المقدس، وصلى السلطان عشاء الآخرة

стр. 1000

خلف الشيخ نجم الدين بن جماعة، ثم انصرف ولم يسمع قراءة المعراج الشريف لعدم وجود من يقرأه، فإن الشيخ شهاب الدين العميري كان غائبا بالقاهرة، ثم حضر الشيخ أبو مدين وقراء المعراج بحضور (١) أركان الدولة، ثم في يوم الثلاثاء من عشري رجب، خرج السلطان إلى مخيمه بظاهر القدس، وطلب النائب وأمره أن يصالح جميع من شكا عليه فصالحهم، ودفع لكل من أخذ منه شيئا على جريمة نصف ما أخذه منه، ومن له ديّن (٢) شرعي دفعه له بكماله، ثم أعلم الدوادار الكبير السلطان أن النائب أرضى جميع خصومه (٣)، فقال له السلطان: «أحسن إلى الناس واحكم بينهم بالعدل والانصاف بالشرع الشريف، وإن شكا (٤) أحد عليك بعد اليوم قطعتك نصفين»، ثم قدّم (٥) النائب خدمته للسلطان، فألبسه خلعة الاستمرار، وتوجه السلطان في ليلة الأربعاء إلى الرملة، وكان زمن الشتاء، ووقع مطر كثير وهو بالمخيم على قبة الجاموس، ومما اتفق أن شخصا (٦) من اللصوص دخل على السلطان وهو نائم في المخيم في الليل، وسرق بقجة قماش من عند رأسه، فأصبح السلطان قبض على الشيخ حرب شيخ جبل نابلس بسبب ذلك، وقصد قتله وأغرمه مالا، ثم توجه (٧) السلطان إلى مدينة غزة، وعاد إلى القاهرة ودخل إليها في يوم الخميس الثاني والعشرين (٨) من شعبان، وكان يوما مشهودا لدخوله، وقدر أن اللص الذي دخل على السلطان قبض عليه وجهز إلى السلطان ووقف بين يديه، واعترف بدخوله عليه (٩) فطلب منه السلطان فرس من طائفة العرب من بني لام، وأوعده، فتوجه ذلك اللص إلى إحضار الفرس المذكورة، فوقع من التقدير أن صاحب الفرس أراد المسير في تلك الليلة من عند أهله إلى أمر له، فقال لزوجته عن مفتاح قيد تلك الفرس، فسمع اللص بذلك المقال، فصبر إلى دخول الليل، وأخذ الفرس وأحضرها إلى السلطان، فأمر بسجنه في المقشرة ولم يقتله (١٠).

стр. 1001

وفيها وقعت حادثة بالقدس الشريف، وهي أن شخصا نصرانيا وقع في حق سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، والسيدة فاطمة ابنة رسول الله ﷺ بقذف، ورفع أمره للقاضي علاء الدين بن المزوار المالكي، وعقد مجلس بدار (١) النيابة بحضور الأمير جار قطلي نائب السلطنة، وحضر بالمجلس شيخ الإسلام الكمالي ابن أبي شريف، وثبت ما نسب إلى النصراني عند القاضي علاء الدين المالكي، وحكم بسفك دمه وضرب عنقه بحضور الجماعة بدار النيابة. ثم دخلت سنة ٨٨١ هـ (٢) فيها في مستهل المحرم حضر (٣) هجان من القاهرة بمرسوم شريف بقبض الإفرنج المقيمين بدير صهيون وبيت لحم وكنيسة قمامة، وتجهزهم إلى الأبواب الشريفة، بمقتضى أن الإفرنج أسروا أربعين (٤) من إسكندرية وغدروا بهم، وأخذوهم إلى بلاد الإفرنج. وفيها استقر القاضي فتح الدين أبو الفتح محمد بن داود الأسيل الشافعي في قضاء الشافعية بالقدس الشريف والرملة ونابلس، عوضا عن القاضي شمس بن يونس، وورد عليه المرسوم الشريف بذلك في نهار الاثنين سابع ربيع الآخر، وفي يوم الخميس ثاني جمادى الأولى، ألبس التشريف الوارد عليه (٥) من الأبواب الشريفة، وألبس القاضي شمس الدين الديري خلعة الاستمرار بقضاء الحنفية، وهي كاملية صوف مرسيني بفرو (٦) سمور، وألبس جمال الدين يوسف بن ربيع خلعة الاستمرار (٧) في وظيفة إمامة الحكم ووكالة الغياب، وهي فوقاني حرير بوجهين وطراز (٨)، وقرئ توقيع الشافعي في يوم الجمعة ثاني يوم لبسه، ولم يقدر بعد ذلك لابن يونس ولاية قضاء بيت المقدس إلى أن حج إلى بيت الله الحرام في سنة سبع

стр. 1002

وسبعين (١)، وتوفي بعد خروجه من مكة بمنزلة (٢) بطن مر، وحمل إلى مكة فدفن بها ﵀. وفيها أعني سنة إحدى وثمانين فى يوم الجمعة عشري جمادى الآخرة، رحل شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف من القدس بأولاده وعائلته إلى القاهرة المحروسة واستوطنها، وكان دخوله إليها في أوائل رجب. وفيها دخل الوباء بالطاعون حتى عم جميع المملكة، وكان دخوله إليها في أوائل رجب، واستمر مدة طويلة، ولم يزل الطاعون بالقدس إلى مستهل ربيع الأول سنة ٨٨٢ هـ، وأفنى خلقا كثيرا من الشباب والنساء وأهل الذمة، ولم يكن طال ببلدة من البلاد أكثر من القدس، فسبحان القادر على ما يشاء. ثم دخلت سنة ٨٨٢ هـ وفيها وصل (٣) إلى القدس الشريف الأمير جانم الخاصكي قريب السلطان وناظر الحرم بعد عوده من المملكة الشامية، وكان دخوله إلى القدس الشريف في يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى، فإنه توجه إلى بلاد الشام لكشف الأوقاف، وحضر إلى القدس بسبب ذلك، وأوقد له المسجد الأقصى في ليلة السبت، وقبة الصخرة في ليلة الأحد، ومدرسته السلطانية في ليلة الاثنين، وفي كل ليلة كان يقرأ له ختمات شريفة، بحضرة جمع من المسلمين، وجمع له من جهة الأوقاف بالقدس الشريف تسعمائة دينار، وقيل ألف دينار، ومن أهل الذمة ثلاثمائة (٤) دينار، فلم يقبل شيئا من جهة الأوقاف، وأعاد المبلغ بكامله لمستحقيه، وأخذ ما جمع له من أهل الذمة، وحصل للمسلمين من مستحقي الأوقاف الخير بذلك، وتضاعف له الدعاء (٥) في صحائفه، وسافر من القدس ليلة الاثنين ثالث عشري جمادى الأولى. ذكر سفر السلطان إلى المملكة الشامية وفيها سافر السلطان الملك الأشرف من القاهرة قاصدا المملكة الشامية، فوصل إلى غزة في يوم الأربعاء تاسع شهر جمادى الآخرة، في جمع قليل دون مائة

стр. 1003

نفس، وولي الأمير ناصر الدين محمد بن أيوب نيابة القدس الشريف، وهو بغزة عوضا (١) عن جار قطلي وألبسه كاملية خضراء بفرو سمور، ودخل إلى القدس في نهار الجمعة حادي عشر الشهر المذكور، وعلى يده المرسوم الشريف التحقت بولاية بخط قاضي القضاة قطب الدين الخضيري (٢) الشافعي قاضي دمشق، ووصل السلطان إلى مدينة حلب، وتوجه للفرات، وحصل له توعك في السفر، وعاد إلى دمشق وهو متوعك، ثم عوفي وعاد إلى القاهرة، ولم يقدر له دخول بيت المقدس، وكان دخوله إلى القاهرة في يوم الخميس رابع شهر شوال، وكان يوما مشهودا لدخوله. وفيها استقر الخطيب أبو الحرم محمد شيخ الإسلام تقي الدين أبي بكر بن القلقشندي في نصف خطابة المسجد الأقصى الشريف، عوضا عن الخطيب محب الدين بن جماعة، وهو النصف الذي كان استقر فيه، ووقع فيه ما تقدم شرحه في حوادث سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، وخطب بالمسجد الأقصى في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة وقرأ في أول (٣) ركعة (٤): ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ (٥) وقرئ توقيعه، وتوجه إلى منزله وأعلام المسجد حوله، ومشى الناس في خدمته، وكان يوما مشهودا، واستقر الشيخ جمال الدين عبد الله بن غانم شيخ في مشيخة الحرم وفي جميع مشيخة الخانقاه الصلاحية (٦)، عوضا عن القاضي برهان الدين بن ثابت، وكيل السلطان بحكم وفاته، وعن الخطيب (٧) محب الدين بن جماعة بحكم عزله، فإن ابن ثابت هو الذي كان قائما بنظام الخطيب محب الدين بن جماعة، وعضده في تولية نصف الخطابة ونصف مشيخة الخانقاه. ثم استقر ابن ثابت في النصف الثاني من مشيخة الخانقاه كما تقدم ذكره، فلما توفي في أوائل سنة ٨٨٢ هـ (٨) بعد محن حصلت له، سعى الخطيب أبي الحرم في نصف الخطابة وشيخ الحرم في جميع مشيخة الخانقاه (٩) الصلاحية، وأعانهما

стр. 1004

القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف، فاستقر (١) في ذلك شهر جمادى الآخرة. وفيها في جمادى الآخرة عزل القاضي كمال الدين النابلسي الحنبلي من قضاء الحنابلة بالقدس الشريف والرملة ونابلس، عزله القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف، وهو بمنزلة قاقون (٢) (٣) صحبة السلطان، ووقع في عزله ما لم يقع لغيره، فإن العادة جرت إذا عزل القاضي يكتب مرسوم السلطان ومطالعة القاضي كاتب السر بعزله، وهذا القاضي إنما ثبت عزله ببينة شهدت عند القاضي كاتب السر أنه عزل من القضاء، فصرح القاضي الشافعي بثبوت عزله، وكان الحنبلي غائبا بالقاهرة لأنه توجه إليها في جمادى الأولى، وكتب القاضي الشافعي إلى نائبه بالرملة بمنع (٤) نائب الحنبلي بها من الحكم بمقتضى ثبوت عزل مستخلفه. وفيها في يوم الأحد (٥) حادي عشري رجب توفي الأمير غرس الدين خليل بن أبي والي، أحد أعيان بيت المقدس، وكان رئيسا كريما، وفيه الخير والإحسان إلى الخاص والعام، وكان الناس يردون (٦) إليه من الأعيان وغيرهم، ويأكلون على سماطه في كل وقت، وكان يطعم من عرف ومن لا يعرف في جميع السنة، وأما في شهر رمضان فمن العجائب في إطعام الطعام، وكان ذلك (٧) عن طيب نفس منه لا يتكره من ذلك، بل يفرح له، وكان قد اعتراه السمن وتزايد حتى كان لا يستطيع القيام إلا بمشقة، وكان من محاسن بيت المقدس، ومن أعظم محاسنه مع ما هو عليه من هذه المناقب الحسنة سلامة الناس من يده ولسانه، ولم يبق بعده منه هو في معناه، ﵀ وعفا عنه. ثم دخلت سنة ٨٨٣ هـ (٨) فيها في شهر ربيع الأول (٩) توجه المباشرون بالقدس الشريف إلى القاهرة

стр. 1005

المحروسة، بمرسوم شريف ورد في ذلك، فأقاموا بمشهد الحسين بالقاهرة في ترسيم القاضي علاء الدين ابن الصابوني (١) وكيل المقام الشريف، ثم أفرج عنهم وعادوا إلى القدس. فيها طلب (٢) الأمير ناصر الدين محمد بن أيوب نائب القدس الشريف بسبب ما وقع عليه من الشكوى للسلطان، ثم خلع عليه بالاستمرار، وعاد إلى محل (٣) ولايته، وكان ذلك في جمادى الأولى. وفيها في شهر رجب توفي الأمير جاني بك الفقيه، أمير سلاح بالمدرسة الخاتونية بعد حضوره إلى القدس من شهر المحرم، حين عوده (٤) من الحجاز الشريف، ودفن بالقلندرية بماملا عفا الله عنه. ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثمانمائة (٥) وفيها في المحرم برز الأمر الشريف بطلب القاضي فتح الدين بن الأسيل الشافعي إلى الأبواب الشريفة، فتوجه إلى القاهرة ونزل عند الأمير جاني (٦) بك قرا الدوادار الثاني، وغرم مالا وعاد بعد (٧) الإنعام عليه بالاستمرار في وظيفته، ودخل إلى القدس الشريف في يوم السبت رابع عشر ربيع الأول بخلعة السلطان. وفيها حضر قاصد من الأبواب الشريفة بطلب المباشرين بالقدس الشريف، فتوجهوا في شهر ربيع الأول كما تقدم في السنة الماضية، ورسم عليهم من باب القاضي علاء الدين بن الصابوني، ثم أفرج عنهم، وعادوا إلى القدس. وفيها توفي أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن محمد العباسي واستقر بعده في الخلافة مولانا (٨) الأعظم والخليفة المكرم، أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين ووارث الخلفاء الراشدين، المتوكل على الله أبو العز (٩) عبد

стр. 1006

العزيز بن يعقوب أعز الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين، ودعي له على منبر بيت المقدس، وغيره من منابر الإسلام. وفيها جدد عمل الرصاص على ظاهر الجامع الأقصى، وفك الرصاص القديم، ثم ركب ولم يكن كالأول في حسن الصناعة والاتقان، وكان الصانع له رجلا من الروم، ثم قصد ناظر الحرمين ناصر الدين محمد بن النشاشيبي أن يفك الرصاص من ظاهر قبة (١) الصخرة ويجدده كما فعل بالجامع الأقصى، فمنعه الشيخ جمال الدين بن غانم شيخ الحرم، وقام في ذلك أعظم قيام، وكان توفيقا من الله تعالى، فإن الرصاص القديم الموجود إلى الآن أولى وأحسن من المستجد الذي عمل بالأقصى. وفيها استقر الأمير سنطباي (٢) البجاسي بنيابة السلطنة الشريفة بالقدس الشريف، عوضا عن الأمير ناصر الدين محمد بن أيوب، ودخل متسلمه إلى القدس في يوم السبت سادس عشر رجب، وقرئ توقيعه يوم الجمعة. وفيها توجه القاضي (٣) فتح الدين بن الأسيل الشافعي قاضي القدس إلى الحجاز الشريف خفية من حيث لم يعلم الناس بحاله، فإنه أظهر أنه متوجه إلى نابلس في شهر رمضان، فتوجه إليها، ثم توجه من نابلس إلى بلد الخليل، ﵇، وسافر صحبة الحجاج وهو مستمر على الولاية، وشغرت الوظيفة عنه من شهر رمضان سنة ٨٨٤ هـ إلى آخر سنة ٨٨٥ هـ، ولم يكن بالقدس إذ ذاك حاكم مالكي ولا حنبلي، وانفرد القاضي شمس الدين الديري الحنفي بالحكم في مدينة القدس، مدة سنة كاملة إلى أن ولي الحنبلي، ودخل إلى القدس في ثامن عشر (٤) شهر شعبان سنة ٨٨٥ هـ، وكان القاضي الحنفي كلما احتاج الأمر (٥) إلى مسألة خلافية استخلف فيها من أهل ذلك المذهب. وفيها - أعني سنة ٨٤ هـ - حج السلطان الملك الأشرف قايتباي إلى بيت الله الحرام، وزار قبر (٦) النبي، ﷺ ، في الذهاب، وأقام بالمدينة الشريفة أربعة أيام، ثم

стр. 1007

توجه منها إلى مكة المشرفة، وقضى (١) مناسكه وعاد إلى محل سلطنته بالديار المصرية، والله الموفق. ثم دخلت سنة ٨٨٥ (٢) فيها في المحرم وردت البشرى إلى القدس الشريف بوصول السلطان (٣) من مكة المشرفة، وكان دخوله إلى القاهرة في يوم الاثنين ثاني عشر المحرم، وكان يوما مشهودا لدخوله، وزينت مدينة القدس وغيرها من البلاد. وفيها بعد قدوم السلطان (٤) من الحجاز الشريف أنعم السلطان على الأمير ناصر الدين محمد بن أيوب باستقراره في نيابة السلطنة بالقدس الشريف، عوضا عن الأمير سنطباي البجاسي (٥)، ووصل متسلمه هو وأخوه الشهابي أحمد إلى القدس الشريف في يوم الأحد خامس صفر سنة ٨٥ هـ منها. وفيها ورد مرسوم شريف بطلب ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين محمد بن النشاشيبي، والمباشرين إلى الأبواب الشريفة، فتوجهوا في نهار الثلاثاء سادس ربيع الأول، ثم توجه القاضي فخر الدين بن نسيبة الخزرجي في نهار الاثنين عاشر ربيع الآخر، بمرسوم شريف ورد بحضوره، وفي يوم السبت ثاني عشري ربيع الآخر، دخل الأمير ناصر الدين بن أيوب إلى القدس بخلعة السلطان، وكان يوما حافلا، وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى، دخل الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، ناظر الحرمين الشريفين، إلى القدس الشريف عائدا من الأبواب الشريفة، وكان يوما مشهودا لدخوله، وفي يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة، كبس عمرو بن غانم البدوي (٦) ومن معه من العرب الأمير ناصر الدين محمد بن أيوب نائب القدس الشريف بأريحا الغور، وحصلت (٧) فتنة قتل فيها جماعة، وفي يوم الثلاثاء سابع رجب توجه الأمير ناصر الدين بن أيوب إلى حلب قاصدا الأمير يشبك الدوادار الكبير، وفي يوم الأحد ثاني عشر رجب، حضر ملك الأمراء سيباي نائب غزة إلى

стр. 1008

بركة المرجيع ونصب مخيمه هناك لعمارة (١) البرك، فأشرع في العمل بنفسه وعسكره، وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان، حضر الأمير ناصر الدين بن أيوب من مدينة حلب إلى القدس الشريف. وفيها استقر القاضي زين الدين عبد الباسط بن القاضي بدر الدين محمد الجعفري النابلسي الحنبلي في قضاء الحنابلة بالقدس الشريف، بلد سيدنا الخليل، ﵇، والرملة ونابلس، بعد شغور قضاء القدس عن أخيه القاضي كمال الدين من سنة ٨٨٢ هـ كما تقدم، وألبس القاضي فخر الدين بن نسيبة كاملية على فرو (٢) سمور، وأذن له في السفر، فتوجه هو والقاضي زين الدين عبد الباسط الحنبلي من القاهرة ودخل إلى القدس الشريف في يوم الاثنين ثامن (٣) شعبان وكل منهما لابس خلعة، وقرئ توقيع القاضي في يوم الجمعة ثاني عشر شعبان. وفيها في شهر رمضان ورد الخبر إلى القدس الشريف أن الأمير يشبك الدوادار (٤) الكبير قتل في التجريدة في مملكة الشرق، وأشاع ذلك رجل اسمه يحيى ابن جرار الفطايس (٥)، فبلغ النائب الأمير محمد بن أيوب ذلك فطلب يحيى المذكور وضربه بالمقارع لكونه أشاع ذلك، ثم تواترت (٦) الأخبار بقتله وصحت، وأرّخ يوم قتله فكان في ذلك اليوم الذي تحدث فيه الناس بالقدس الشريف، فكان قتله في أرض الرها (٧) من ملك العجم. وفيها وقعت فتنة بالقدس الشريف سببها أن الأمير ناصر الدين بن أيوب نائب القدس الشريف قبض على جماعة من بني زيد وقتلهم، فحضر إلى القدس جمع كبير من جماعة المقتولين وعصبتهم، وهجموا على المدينة في يوم الاثنين ثاني عشر (٨) شوال، فعلم بهم النائب فركب من منزله وتوجه إلى نحو باب الأسباط فأدركه القوم وقصدوه، فدخل وهو راكب إلى المسجد الأقصى من باب الأسباط واستمر راكبا إلى أن خرج من باب المغاربة، وكسر باب السجن، وهجم العشير إلى داخل

стр. 1009

المسجد والسلاح المشهور بأيديهم لقصد قتله، فنجا منهم بإسراعه بالخروج من باب المغاربة، وبادر التجار بتوزيع ما في حوانيتهم، وقتل ثلاث أنفار وجرح جماعة، وشرع العرب في قطع الطريق (١) وأذى الناس، وحصل الإرجاف في الناس، وأغلقت الأسواق والمنازل خشية النهب، وكانت فتنة فاحشة. ذكر بناء (٢) المدرسة الأشرفية المنسوبة لملك العصر والزمان، مولانا السلطان الملك الأشرف، أبي النصر قايتباي نصره الله تعالى قد تقدم أن الأمير حسن الظاهري كان قد بنى المدرسة القديمة للملك الظاهر خشقدم، ثم بعد وفاته سأل السلطان الملك الأشرف في قبولها فقبلها منه، ونسبت إليه، ورتب لها شيخا وصوفية وفقهاء وصرف لهم (٣) المعاليم، ثم حضر السلطان إلى القدس الشريف في سنة ٨٨٠ هـ (٤) فلم تعجبه، فلما كان في سنة ٨٨٤ هـ (٥) توجه (٦) القاضي أبو البقاء بن الجيعان من القاهرة إلى دمشق (٧) لضبط تركة ملك الأمراء جاني بك قجماس نائب دمشق، ودخل إلى بيت المقدس في يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر وصحبته خاصكي لهدم المدرسة المشار إليها، وتوسيعها بما يضاف إليها من العمارة، وسافر القاضي أبو البقاء في يوم الخميس ثاني يوم دخوله، ولم تهدم في ذلك التاريخ، فلما كان في يوم الأحد رابع عشري شعبان سنة ٨٥ هـ، كان الابتداء في حفر الأساس لعمارة (٨) المدرسة، وهدم البناء القديم الذي علو رواق المسجد، وشرع المهندسون في العمل، فبنى المجمع السفلي الملاصق لرواق المسجد من جهة الشرق ثم توجه الشيخ شهاب الدين العميري إلى الديار المصرية بسبب عمارة المدرسة، ليحرض السلطان على الاجتهاد في أمرها والاعتناء بالإسراع في عمارتها. وفيها استقر الأمير شهاب الدين أحمد بن مبارك شاه في نيابة السلطنة بالقدس

стр. 1010

الشريف، عوضا عن الأمير ناصر الدين محمد (١) بن أيوب، ودخل متسلمه إلى القدس في تاسع عشر ذي الحجة، ثم دخل هو إلى القدس في يوم الثلاثاء ثاني عشري المحرم (٢) وصحبته جمع كبير من العرب والعشير، وكان يوما مشهودا، وقرئ توقيعه بعد الجمعة، وغضب السلطان على الأمير ناصر الدين بن أيوب وقبض عليه وامتحنه. ثم دخلت سنة ٨٨٦ هـ (٣) في يوم الخميس رابع عشر المحرم، دخل قاضي القضاة محيي الدين أبو الفضل عبد القادر بن جبريل الغزي الشافعي إلى القدس الشريف متوليا قضاء الشافعية بالقدس والرملة ونابلس، عوضا عن فتح الدين بن الأسيل بعد شغورها لغيبته من شهر رمضان سنة ٨٨٤ هـ، وكانت ولاية القاضي محيى الدين من أواخر سنة ٨٨٥ هـ، وقرئ توقيعه في يوم الجمعة ثاني يوم دخوله. سير السلطان إلى القدس الشريف من القاهرة جماعة من المعمارية والمهندسين والحجارين لعمارة مدرسته، فحضر معهم شخص نصراني من المهندسين بالقاهرة، له حذق في الهندسة، فلما رأى المجمع السفلي المبني بالمسجد بلصق (٤) الرواق لم تعجبه، فقصد هدمه بكامله، ثم اقتضى الحال هدم بعضه من القبلة، فهدم وهدم أيضا ثلاثة قناطر من الرواق مما (٥) هو ملاصق للباب المتوصل منه إلى المنارة، واجتهد المهندسون والصناع من المصريين في العمارة، وكان المتولي لذلك القاضي فخر الدين بن نسيبة الخزرجي (٦). وفيها في يوم الأربعاء ثامن عشري شهر صفر ورد إلى القدس قاصد (٧) سلطان الحبشة، وكان زمن عيد النصارى المسمى بسبت النور على يده مرسوم شريف بأن يمكن جميع النصارى من الدخول إلى قمامة، فمنعه المباشرون وخزندار نائب الشام، والأمير قجماس (٨) وسمحو له بالدخول هو وجماعته فامتنع من ذلك، ثم

стр. 1011

سلموه مفاتيح قمامة، ودخل هو وجماعته وجميع طوائف النصارى بغير كلفة ولا بذل. وفيها يوم السبت رابع عشر رجب، دخل إلى القدس الشريف السلطان (١) جم محمد بن عثمان ملك الروم، ودخل في خدمته ناظر الحرمين، ونائب السلطنة والجم الغفير. وفيها يوم الخميس رابع عشري (٢) شعبان، حضر إلى القدس الشريف نائب غزة سيباي (٣) (٤) وخليل بن إسماعيل شيخ جبل نابلس، ومعهما خاصكي بسبب العرب وكبسهم، وانصرفوا عن غير شيء. وفيها توجه الخطيب محب الدين بن جماعة إلى القاهرة، للسعي فيما كان بيده من مشيخة الخانقاه الصلاحية، ونصف خطابة المسجد الأقصى الشريف، وحضر إلى القاهرة الشيخ جمال الدين بن غانم شيخ الحرم القدسي، والخطيب فتح الدين أبو العزم القلقشندي، واتصل الأمر بالسلطان وأركان الدولة، وحصل بينهم تشاجر وتنازع (٥)، وطال الخصام بينهم، وكانوا بالقاهرة في شهر رجب، وآخر الأمر وقع الصلح بينهم بأن يكون الخطيب محب الدين ابن جماعة بيده نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية على عادته بمشاركة شيخ الحرم بالنصف الباقي، وأن يكون نصف الخطابة المنازع فيه وهو الذي كان بيد الخطيب إبراهيم القلقشندي لكل منهما الربع، وحصل الرضى على ذلك وتصادقوا عليه، وكتب لكل منهم توقيع شريف بما استقر فيه من ذلك، وعادوا إلى أوطانهم. وفيها حضر إلى القدس الشريف الأمير قانصوه اليحياوي نائب الشام بعد أن عاد من الأسر في بلاد العجم، فإنه كان قبض عليه مع يندور باش عسكر يعقوب بك بن حسن بك ببلاد العجم (٦)، لما توجه للتجريدة مع يشبك الدوادار الكبير، وانطلق من الأسر وحضر صحبته الأمير أزبك أمير كبير، فلما وصل إلى الرملة، ورد مرسوم السلطان بالقبض عليه وتجهيزه إلى القدس الشريف، فحضر إلى القدس في شهر شوال، وأقام بالمدرسة الخاتونية.

стр. 1012

وفيها في يوم الثلاثاء ثالث عشري ذي الحجة ثار جماعة مشايخ الفقهاء بمساعدة شيخ الصلاحية على نائب القدس، أحمد بن مبارك شاه بسبب جماعة قبض عليهم ليجهزهم إلى خليل بن إسماعيل (١) بن شيخ جبل نابلس، وحملوا عليه الأعلام وخلصوا منه الجماعة الذين قبض عليهم. ثم دخلت سنة ٨٨٧ هـ (٢) فيها تكاملت عمارة المدرسة الأشرفية التي أنشأها مولانا السلطان الملك الأشرف، بالمسجد الأقصى الشريف بجوار باب السلسلة وصارت قائمة البناء، وكان الفراغ من بنائها في شهر رجب الفرد، وشرع المرخمون (٣) في عمل الرخام لها إلى أن انتهت عمارتها. صفة المدرسة الأشرفية (٤) قد تقدم ذكر بناء المدرسة القديمة، وتقدم ذكر أوصافها التي كانت عليه أولا (٥)، وبرز أمر السلطان بهدمها وبنائها وتجهز لها الصناع من القاهرة لعمارتها، وما وقع في ذلك من الاهتمام إلى أن صارت قائمة البناء وتكامل الرخام بها، وركبت الأبواب الخشب وصارت تشمل على الأوصاف التي هي الآن عليها من البناء السفلي والعلوي، فالسفلي منها هو المجمع الملاصق لرواق المسجد من جهة الشرق المقابل لثلاث قناطر من الرواق، ولهذا المجمع باب الأول من جهة الشمال وبجواره شباك مطل على الرواق الذي هو أسفل (٦) المدرسة العثمانية، والباب الثاني من جهة الشرق، وإلى جانبه شباكان عن يمينه وشماله، وبصدر (٧) المجمع محراب مما يلي الغرب، وشباك مطل إلى القبلة مما يلي الشرق، وبلصق هذا المجمع (٨) من جهة القبلة دركاه (٩) محكمة البناء، بصدرها من جهة الغرب الباب المتوصل منه إلى

стр. 1013

المدرسة العلوية، ويدخل هذا الباب إلى دركاه ثانية مفروشة بالرخام بها عن يمنة الداخل خلوة (١) صغيرة، وبصدر الدركاه مصطبة مرخمة، عن يسرة الداخل باب يدخل يصعد منه إلى سلم متسع البناء، يتوصل منه إلى المدرسة العلوية إلى منارة باب السلسلة (٢)، وعند انتهاء السلم باب يدخل منه إلى ساحة سماوية مفروشة الأرض بالبلاط الأبيض، وبصدر هذه الساحة من جهة الشمال باب مربع يدخل منه إلى دركاه لطيفة، بها بيمنة الداخل دهليز يتوصل منه إلى المدرسة الراكبة على ظهر المجمع السفلي المبنية عليه أولا، وهذه المدرسة العلوية تشتمل على أربعة أواوين متقابلة، القبلي (٣) منها وهو الأكبر بصدره محراب، وإلى جانب المحراب من جهة الشرق شباكان مطلان على المسجد الشريف، ومن جهة الغرب شباكان مطلان على السلم المتوصل منه إلى المدرسة، وبالإيوان المذكور من جهة الشرق ثلاث شبابيك مطلة على المسجد إلى جهة صحن الصخرة الشريفة، ويقابلها ثلاث شبابيك على صحن المدرسة، والإيوان الشمالي به شباكان مطلان على المسجد الشريف من جهة الشمال، وشباكان من جهة الشرق، الإيوان الشرقي وهو الطارمة (٤) به ثلاثة قناطر على عمودين من الرخام وعلوها قمريات (٥) من الزجاج الإفرنجي في غاية البهجة والاتقان، ويقابله الإيوان الغربي، وبه شباك مطل على صحن المدرسة مفروش أرض جميع ذلك بالرخام الملون، وحيطان ذلك مستدير عليها الرخام والسقف على جميع ذلك من الخشب المدهون بورق الذهب واللازورد (٦)، وهو في غاية الإحكام والاتقان والارتفاع، وبجوار الإيوان الشمالي بيت (٧) معقود يدخل إليه من الدركاه المتقدم ذكرها، بابه عن يسرة الداخل، وهو مفروض الأرض بالرخام الملون وحيطانه مستدير عليها الرخام بشباكان مطلان على داخل الإيوان الشمالي من المدرسة، وعلى ظهر هذا البيت طبقة لطيفة بها شباك مطل على المدرسة، وشباك

стр. 1014

مطل على الساحة السماوية، وبالساحة المذكورة السماوية باب يدخل منه إلى ساحة أخرى بها الخلاوي المعقودة والمتوضأ (١) والمنافع، ركب جميع ذلك على الإيوانين القبلي والشرقي وغيرها من المدرسة البلدية، وبالمدرسة المشار إليها من آلات البسط والقناديل ما هو في غاية الحسن مما لا يوجد في غيرها، وعلى ظاهرها الرصاص المحكم كظاهر المسجد الأقصى الشريف، ومن أعظم محاسنها كونها في هذه البقعة الشريفة، ولو بنيت في غير هذا المحل لم يكن لها الرونق الموجود عليها (٢) ببنائها، فإن الناس كانوا يقولون قديما: مسجد بيت المقدس به جوهرتان، هما قبة الجامع الأقصى وقبة الصخرة الشريفة، قلت وهذه المدرسة صارت جوهرة ثالثة، فإنها من العجائب في حسن المنظر ولطف الهيئة، والله الموفق. ومن جملة ما عمّره السلطان حين عمارة (٣) المدرسة، السبيل المقابل لها من داخل المسجد فوق البئر المقابل لدرج الصخرة الغربي، وكان قديما على البئر المذكور قبة مبنية بالحجارة (٤) كغيره من الآبار الموجودة بالمسجد، فأزيلت تلك القبة وبني السبيل المقابل لها بداخل المسجد، وفرش أرضه بالرخام وصار (٥) في هيئة لطيفة وكذلك الفسقية (٦) التي بالقرب منه قبلي المصطبة المجاورة للسبيل، والفسقية التي هي بين باب السلسلة وباب السكينة، وكان قديما مكانها حوانيت، ويقابلها من جهة القبلة حوانيت أخرى، فأزيلت الحوانيت من الجانبين وعمرت الفسقية المذكورة والتي هي بداخل المسجد، فانتفع الناس بها في تيسير الوضوء، ولم يقع لنا في هذه السنة ما يصلح أن نؤرخ غير ذلك، وبالله التوفيق. ثم دخلت سنة ٨٨٨ هـ (٧) فيها استقر الأمير جانم الأشرفي في نيابة القدس، وحضر متسلمه خضر بك الذي (٨) ولي النيابة فيما بعد، في يوم الجمعة ثالث عشر المحرم، فتسحب أحمد بن

стр. 1015

مبارك شاه المنفصل وضبط موجوده (١)، وفي يوم السبت رابع عشر المحرم، توجه قاضي القضاة محيي الدين بن جبريل الشافعي إلى القاهرة بمطالعة (٢) القاضي زين الدين بن مزهر، كاتب السر الشريف، ووردت عليه مراسيم (٣) بالحضور، وأن يكون طيب النفس منشرح الصدر، والسبب في طلبه أنه سعى عليه القاضي بدر الدين بن جماعة، فتوقف الأمر على طلبه فتوجه إلى القاهرة فقبض عليه الأمير أقبردي الدوادار (٤) الكبير ووضعه في الترسيم، ثم دخل القدس قانصوه في حادي عشر ربيع الآخر. وفيها ورد مرسوم شريف إلى الأمير قانصوه اليحياوي بعمارة قناة (٥) العروب (٦)، وعمارة بركة المرجيع، وجهز له من الخزائن الشريفة خمسة آلاف دينار، ومنها نفقة الأمير قانصوه ألف دينار، وأربعة آلاف دينار للعمارة، فتوجه في عاشر صفر للعمارة وصحبته مئتا فاعل، ونصب مخيمه وشرع في العمارة إلى أن أكملها، وتوجه إليه أعيان بيت المقدس وأكابرها، وكل من توجه إليه يصحب معه شيئا من أنواع المأكول (٧) كالعسل والسمن والغنم وغير ذلك. وفيها استقر القاضي بدر الدين أبو البركات حسن بن علي الحمامي الرملي الشافعي في وظيفة قضاء الشافعية بالقدس الشريف، والرملة ونابلس عوضا (٨) عن القاضي محيى الدين بن جبريل الغزي، وألبس التشريف من حضرة السلطان في ثامن صفر، ودخل إلى القدس في يوم الاثنين سابع ربيع الأول، وقرئ (٩) توقيعه بالمسجد الأقصى في يوم الجمعة حادي عشر شهر ربيع الأول. وفي يوم الأحد رابع ربيع الآخر دخل الأمير جانم (١٠) نائب مدينة القدس الشريف إليها بخلعة السلطان وأوقد له السوق، وكان يوما حافلا، وقرئ توقيعه في

стр. 1016

يوم الجمعة تاسع الشهر بحضور ناظر الحرمين الشريفين وشيخ الصلاحية والقضاة، وهو مؤرخ في ثاني المحرم. وفيها في نهاية الأحد خامس عشري ربيع الآخر ورد مثال القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف إلى ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين النشاشيبي، بمنع القاضي زين الدين عبد الباسط الحنبلي من تعاطي الأحكام الشرعية، فخالف أمره واستمر يحكم أياما فأنكر عليه ذلك، فامتنع من الحكم، واستمر معزولا إلى أن تشفع (١) بناظر الحرمين الأمير ناصر الدين النشاشيبي، والقاضي فخر الدين بن نسيبة، وكتب له توقيع شريف بالاستمرار، ووصل إليه في شهر شوال. وفيها في عشرين من شهر رجب دخلت عين العروب إلى القدس الشريف، وخلع الأمير قانصوه اليحياوي على المعلمين، وزينت المدينة ثلاثة أيام، وكتب الأمير قانصوه محاضر وعليها خطوط العلماء (٢) والأعيان، لتعرض على المسامع الشريفة، وجهزها على يد ولده الشهابي أحمد ودواداره، وكانت مدة عمارتها خمسة أشهر وخمسة عشر يوما، وقد أنفق السلطان في عمارتها مبلغا كبيرا. وفيها في شهر شوال قدم شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف من القاهرة المحروسة إلى القدس الشريف، لقصد الزيارة بعد غيبة عنه في سنة إحدى وثمانين كما تقدم ذكره. ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثمانمائة (٣) في يوم السبت، خامس عشر شهر صفر، دخل إلى القدس الشريف قاضي القضاة شرف الدين يحيى بن محمد الأندلسي الأنصاري المالكي، متوليا قضاء المالكية (٤) بعد شغوره عن القاضي علاء الدين بن المزوار نحو سبع سنين، فإن ابن المزوار (٥) سافر من القدس في جمادى الأولى سنة اثنين وثمانين وثمانمائة، وأقام بالقاهرة وهو باق على الولاية إلى أن توفي في آخر جمادى الأولى (٦) سنة ٨٨٥ هـ. واستمرت الوظيفة شاغرة إلى أن ولي القاضي شرف الدين يحيى، المشار

стр. 1017

إليه، في أواخر ذي الحجة سنة ٨٨٥ هـ، ودخل إلى القدس في التاريخ المذكور. وفي يوم السبت خامس عشر شهر صفر أيضا، توفي أمين الدين محمد بن أحمد الحنبلي (١)، المشهور بابن قطيا مباشر الأوقاف، ومولده في سنة ٨١٦ هـ، وكانت له معرفة تامة بمصطلح المباشرة والحساب، وكان منور الشيبة، حسن الشكل. وفيها في مستهل جمادى الأولى، ورد جراد كثير على بيت المقدس، فأكل غالب ثمر الكروم والزروع والخضروات، واستمر يذهب ويعود. وفيها (٢) عاد شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف من القدس إلى القاهرة فوصل إليها في جمادى الآخرة. وفيها كان ابتداء الفتنة بين السلطان (٣) الملك الأشرف قايتباي وبين السلطان بايزيد بن عثمان، ملك الروم، وجهز السلطان التجريد لقتال (٤) ابن عثمان، وكان المقدم على العسكر الأمير تمراز (٥) أمير سلاح (٦)، وكان سفره من القاهرة في جمادى الأولى، فلما وصل إلى الرملة توجه إليه الأمير جانم نائب القدس الشريف، وصحبته العشير (٧) المجتمع من جبل القدس، بعد أن عرض الرجال في يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة، وتوجهوا في يوم السبت. وفيها توجه ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين محمد بن النشاشيبي وصحبته جماعة المباشرين إلى القاهرة المحروسة بمرسوم شريف ورد بطلبهم وحصل لبعض المباشرين محنة من السلطان في شهر شعبان، ثم لطف الله (٨) بهم، وعادوا إلى القدس الشريف ودخل ناظر الحرمين بخلعة السلطان في يوم الخميس (٩) رابع عشري رمضان، وكان يوما مشهودا.

стр. 1018

ثم دخلت سنة ٨٩٠ هـ (١) (٢) فيها توفي الشيخ شهاب الدين العميري، في شهر ربيع الأول كما تقدم في ترجمته، وكان قد حصل له السرور بعمارة المدرسة الأشرفية، لأنه اجتهد في عمارتها وراجع السلطان فيها، واحتفل بأمرها فلما انتهت عمارتها أدركته المنية قبل بلوغ أمله، فسبحان من يتصرف في عباده بما شاء. وفيها توفي الشيخ سعد الله الحنفي إمام الصخرة الشريفة، وترك ولدا صغيرا، فحمل الولد إلى السلطان وساعده جماعة في استقراره في إمامة الصخرة الشريفة عوضا عن والده، وتوجه ناصر الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن حبشني، المشهور بابن الشنتير للسعي في الإمامة، وساعده الأمير تمراز أمير سلاح، فاقتضى الحال المشاركة بينهما، فاستقر ناصر الدين بن حبشني في نصف الإمامة، وهو الذي كان قرره والده فيه الأمير ناصر الدين ابن النشاشيبي، كما تقدم ذكره في حوادث سنة ٨٧٦ هـ (٣)، واستقر إمام الدين محمد بن الشيخ سعد الله، في النصف وكتب لكل منهما توقيع شريف بما استقر فيه. وفيها توجه القاضي شهاب الدين (٤) يحيى المالكي قاضي القدس إلى الديار المصرية ليشكو حاله من جماعة القدس الشريف، فرسم له باستمراره في الوظيفة، وتقوية يده وشد عضده، وكتب له مرسوم شريف بذلك. ذكر إقامة نظام المدرسة الأشرفية وفيها عين السلطان لمشيخة مدرسته في القدس الشريف شيخ الإسلام الكمالي ابن أبي شريف بحكم وفاة الشيخ شهاب الدين العميري، وطلبه إلى حضرته وشافهه بالولاية وسأله في القبول فأجاب لذلك، وألبسه كامليه، وتوجه من القاهرة المحروسة إلى القدس الشريف وصحبته القاضي بدر الدين أبو البقاء بن الجيعان (٥)، والأمير (٦) جان بلاط، ومامي والمهتار رمضان، وجماعة من القراء السلطانية،

стр. 1019

ودخلوا إلى بيت المقدس في يوم الأحد سادس شهر رجب، ومعهم أكابر المقادسة، وأنعم في ذلك اليوم على جماعة بلبس الخلع الواردة من الأبواب الشريفة، منهم نائب الشام الأمير قانصوه اليحياوي وأولاده، ونائب القدس الأمير (١) جانم، والناظر الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، والقاضي فخر (٢) الدين بن نسيبة، والإمام ناصر الدين بن الشنتير، حضر معهم من القاهرة وألبس التشريف بطرحة، وممن حضر معهم من القاهرة القاضي شرف الدين يحيى المالكي، ودخل (٣) بغير خلعة وكان يوما مشهودا. ثم في يوم الجمعة جلس شيخ الإسلام الكمالي بالمدرسة وعمل درسا حضره شيخ الإسلام نجم الدين بن جماعة، والقضاة والأعيان ومن حضر من أركان الدولة السلطانية، والخاص والعام، وكان يوما حافلا، ورتبت (٤) الوظائف بالمدرسة وقرر أمرها واستوطن شيخ الإسلام الكمالي بيت المقدس، وسنذكر ترجمته فيما بعد إن شاء الله تعالى، ثم توجه القاضي أبو البقاء وأركان الدولة إلى الديار المصرية في الشهر المذكور. وفيها طلب القاضي بدر الدين بن الحمامي الشافعي إلى الأبواب الشريفة، وتوجه في شهر جمادى الآخرة وغرم مالا وأنعم عليه بالاستمرار في وظيفته بالقدس الشريف والرملة، وعاد بعد أن خلع عليه كاملية بسمور، ودخل إلى القدس في خامس عشري شهر رمضان. وفيها وردت مكاتبات القاضي زين الدين بن مزهر كاتب السر الشريف إلى الأمير قانصوه اليحياوي نائب الشام، وإلى ناظر الحرمين والقضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي، يعلمهم أنه بلغهم أن القاضي زين الدين عبد الباسط الحنبلي بالقدس الشريف يعتمد أمورا لا تليق بمن هو راكب لهذا المنصب الشريف، بل تسقط العدالة، وسألهم في الكشف عليه وتحرير أمره وإعادة الجواب بحقيقة حاله من غير مراعاة (٥)، ليراجع في أمره المسامع الشريفة، ليترتب على كل شيء مقتضاه، ووردت المكاتبات بذلك في شهر ذي القعدة، فقدر أن القاضي كان غائبا بنابلس، فلما حضر إلى القدس الشريف، حصل له محنة في الطريق بخروج

стр. 1020

اللصوص عليه، وأخذ جميع ما معه، وكان ذلك سببا لعدم الكشف عليه اكتفاء بما حصل له من المحنة، ثم كان من أمره ما سنذكره في حوادث السنة الآتية، إن شاء الله تعالى. وفيها في شهر ذي الحجة، توفي الشيخ جمال الدين عبد الله بن غانم شيخ حرم القدس الشريف، واستقر ولده الشيخ ناصر الدين محمد فيما كان بيد والده في مشيخة الحرم، ونصف مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف. ثم دخلت سنة ٨٩١ هـ (١) في يوم الاثنين ثالث المحرم، دخل الأمير ماماي الخاصكي (٢) إلى القدس الشريف بخلعة السلطان والناس في خدمته، ورسم على أكابر البلد وأخذ منهم مالا (٣)، فأخذ من ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي أربعة بغال وحصانا، ومن النائب الأمير جانم مائتي دينار، ومن شيخ الصلاحية ثلاثين دينارا، ومن القاضي فخر الدين بن نسيبة أربعمائة دينار، ومن القاضي شهاب الدين الجوهري ثلاثمائة دينار، وحصل للناس من ذلك شدة، وتوجه في يوم السبت ثامن شهر المحرم. وفيها في يوم الاثنين سابع ربيع الأول، توجه القاضي فخر الدين بن نسيبة إلى القاهرة بمرسوم شريف ورد بطلبه. وفيها حضر الأمير أقبردي الدوادار الكبير (٤) من القاهرة (٥) المحروسة إلى جهة نابلس، لتجهيز الرجال للتجريدة لقتال بايزيد (٦) بن عثمان ملك الروم، ووصل إلى مدينة الرملة في خامس عشري ربيع الأول، وهو أول قدومه إلى هذه الأرض، فنصب مخيمه (٧) على تل العوجا، وشرع ينتقل تارة ينزل بأرض قاقون، وتارة بأرض اللجون، وتارة بالرملة، وألبس خليل بن إسماعيل خلعة (٨) مشيخة جبل نابلس على عادته، وشرع في تجهيز الرجال وعرضهم ودفع النفقة لهم.
следующие страницы →