← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

منها وهي على تلك الحالة (١) حتى أتت امرأة حائض واغترفت منها فغاض (٢) ماؤها. ورحل إبراهيم، ﵇، ونزل اللجون (٣)، فأقام (٤) بها ما شاء الله (٥)، ثم أوحى الله إليه أن انزل حبرى، فرحل ونزل عليه جبريل، ﵇، وميكائيل، ﵇، بحبرى وهما يريدان قوم لوط، ﵇، فخرج إبراهيم، ﵇، ليذبح (٦) العجل، فانفلت منه، ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون (٧)، فنودي: يا إبراهيم سلم على عظام أبيك آدم، ﵇، فوقع ذلك في نفسه (٨)، ثم ذبح العجل وقربه إليهم، وكان من شأنه ما نص الله، ، في كتابه (٩)، وسنذكر ملخص القصة عند ذكر سيدنا إسحاق، ﵇. فمضى إبراهيم معهم إلى قرب ديار قوم لوط، فقالوا له: أقعدها هنا، فقعد وسمع صوت الديكة (١٠) في السماء، فقال: هذا هو الحق اليقين، فأيقن بهلاك القوم، فسمي ذلك الموضع مسجد اليقين (١١)، وهو على نحو فرسخ من بلد سيدنا الخليل (١٢)، ﵇، ثم رجع إبراهيم، ﵇، ويأتي (١٣) ذكر القصة ملخصا عند ذكر سيدنا لوط، ﵇.

стр. 107

قصة بناء الكعبة المشرفة وذكر إسماعيل ﵇ قد تقدم أن إبراهيم الخليل، ﵇، لما سار إلى مصر ومعه زوجته سارة، ووهبها (١) فرعون مصر هاجر، فلما قدم إلى الشام، وأقام بين الرملة وإيلياء (٢)، وكانت سارة لا تحمل، فوهبت هاجر لإبراهيم، ﵇، فوقع عليها (٣)، فولدت إسماعيل، ﵇، ومعنى إسماعيل بالعبراني: مطيع الله، وكانت ولادته لمضي ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم (٤). فحزنت (٥) سارة لذلك، ووهبها الله إسحاق ولدته ولها تسعون سنة، ثم غارت سارة من هاجر وابنها (٦)، وطلبت من إبراهيم أن يخرجهما عنها، فسار بهما إلى الحجاز (٧)، وتركهما بمكة بإذن الله تعالى، وليس بمكة يومئذ أحد ولا بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء (٨) فيه ماء، ثم قفل إبراهيم، ﵇، منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ وقالت له ذلك مرارا، وهو لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذا لا يضيعنا الله، ثم رجعت فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل القبلة بوجهه، ثم دعا بهذه لدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣٧) (٩). وجعلت أم إسماعيل، ﵇، ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهة أن تنظر

стр. 108

إليه (١)، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر (٢) إليه، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس (٣): قال النبي، ﷺ : «فلذلك سعى الناس بينهما» (٤)، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه (٥)، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا (٦)، فقالت: قد سمعت إن كان عندك غوث فأغث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها (٧) هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تقول بعد ما تغرف: زم زم. قال ابن عباس، ﵁: قال النبي، ﷺ : «رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عينا معينا» (٨). قال: فشربت وأرضعت ولدها (٩) فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيت الله، (١٠)، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه (١١) وشماله. ثم نزل هناك أبيات من جرهم، وشب إسماعيل، ﵇، وتعلم العربية منهم، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت هاجر (١٢)، فجاء إبراهيم، ﵇، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا الصيد، ثم سألهم (١٣) عن عيشتهم فقالت: نحن بشر وشكت إليه بعلها، فقال لها: إذا جاء

стр. 109

زوجك اقرئي ﵇ (١) وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل أخبرته بما كان، قال: ذلك كان أبي (٢) قد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (٣). فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده، فسأله امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا رزقا (٤)، قال: كيف أنتم؟ فقالت: نحن بسعة وخير من الله تعالى (٥)، وأثنت على بعلها خيرا، وشكرت الله تعالى، فقال (٦): ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ثم قال لها (٧): فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه (٨) السلام وامريه أن [١٠/ أ] يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل أخبرته بما كان (٩)، قال: ذلك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم (١٠) ما شاء الله، ثم جاء وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد (١١) والولد بالوالد (١٢)، ثم شرعا في بناء الكعبة. وقد اختلف في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة بإذن الله تعالى، وقيل: آدم، ﵇، واندرس (١٣) زمن الطوفان، ثم أظهره الله، ،

стр. 110

لإبراهيم (١)، ﵇، وقصة بناء إبراهيم، ﵇، مشهورة وملخصها: إن إبراهيم لما سار من الشام وقدم مكة قال: يا إسماعيل إن الله أمرني أن أبني له هنا بيتا (٢)، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فقال إسماعيل: أطع ربك (٣)، فقال إبراهيم: وقد أمرك أن تعينني، فقال: إذا أفعل، فجعل (٤) إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة وكانا كلما بنيا دعيا فقالا: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٢٧) (٥)، وكان وقوف إبراهيم (٦) على حجر وهو يبني، وذلك الموضع هو مقام إبراهيم، واستمر البيت على ما بناه (٧) إبراهيم إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله، ﷺ ، وبنوه. وكان بناء الكعبة بعد مضي مائة سنة من عمر إبراهيم (٨)، فيكون بالتقريب بين بناء الكعبة وبين الهجرة الشريفة ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة، وقد مضى (٩) من الهجرة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة كاملة، فيكون الماضي من بناء إبراهيم الخليل الكعبة الشريفة (١٠) إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وستمائة وثلاث وتسعين سنة، والله أعلم. وسيأتي ذكر ما وقع في الكعبة الشريفة من الهدم والبناء في السيرة الشريفة المحمدية، وفي ذكر بناء عبد الملك بن مروان مسجد (١١) بيت المقدس، إن شاء الله تعالى. قصة الذبيح ثم أمر الله، ، إبراهيم، ﵇، أن يذبح ولده، وفداه الله بكبش، وقد اختلف في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟. فأهل

стр. 111

الكتابين (١) يقولون: على أنه إسحاق وهو قول علي وابن مسعود (٢) وكعب ومقاتل (٣) وقتادة (٤) وعكرمة (٥) والسدي (٦). وقال ابن عباس (٧)، ﵄: هو إسماعيل وهو قول سعيد بن المسيب (٨)، والشعبي (٩)، والحسن (١٠)، ومجاهد (١١)، وكلا القولين يروي عن

стр. 112

الرسول (١)، ﷺ ، فمن قال إن الذبيح إسحاق فقد احتج بقوله، : ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١) (٢)، فلما بلغ معه السعي أمره بذبح من بشر به وليس في القرآن أنه بشر بولد غير إسحاق. ومن قال إنه إسماعيل (٣) احتج له بما قيل إن ذكر البشرى بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح، قال (٤) تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٢) (٥)، فدل على أن المذبوح غيره. وأما قصة الذبيح (٦)، فقال البغوي (٧): قال السدي: لما دعا إبراهيم، ﵇، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٠٠) (٨)، وبشر به، فقال: هو إذا ذبيح، فلما ولد وبلغ معه السعي، قال له: أوف بنذرك. هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه، فقال عند ذلك (٩) لابنه: انطلق نقرب قربانا لله، . فأخذ سكينا وحبلا وانطلق معه حتى ذهب بين الجبال، فقال له (١٠) الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال له: ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. (١٠٣) (١١)، - انقادا وخضعا لأمر الله (١٢) - أي صرعه على الأرض، فقال له ابنه الذي أراد ذبحه، يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فينقص أجري وتراه أمي فتحزن عليّ، واستحد شفرتك، واسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون عليّ [١٠/ ب] فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي، فاقريء ﵍ مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي، فافعل فإنه عسى أن يكون (١٣) إسلاء لها عني، فقال له

стр. 113

إبراهيم (١)، ﵇: نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى، ففعل (٢) ما أمره به ابنه، وقبله بين عينيه، وقد ربطه وهو يبكي ثم وضع السكين، وكان (٣) يجرها على حلقه فلا تقطع، فقال الابن عند ذلك: يا أبتي كبني (٤) لوجهي على جبيني، فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك الرأفة فتحول بينك وبين (٥) أمر الله تعالى، وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم، ﵇ (٦)، ثم وضع السكين على قفاه، فانقلبت السكين (٧)، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل، ﵇، ومعه كبش أكلح أقرن، فقال (٨): هذا فداء ابنك فاذبحه دونه، فكبّر جبريل، ﵇، وكبّر الكبش، وكبّر إبراهيم، ﵇، وكبّر ابنه فأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحر من منى فذبحه، وكان ذلك الذبح (٩) كبشا، رعى في الجنة أربعين خريفا. قال القرطبي: سأل (١٠) عمر بن عبد العزيز، ﵁، رجلا كان من علماء اليهود - أسلم وحسن إسلامه - أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معاشر العرب على أن يكون أبوكم (١١) هو الذي أمر الله بذبحه ويزعمون أنه إسحاق أبوهم. وروى الثعلبي عن الصنابحي (١٢) (١٣) قال: كنا عند معاوية، فذكروا إسماعيل

стр. 114

الذبيح أو إسحاق، فقال (١): على الخبير سقطتم، كنت عند رسول الله، ﷺ ، فجاء رجل فقال له: يا ابن الذبيحين، فضحك رسول الله، ﷺ ، فقال له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: «إن عبد المطلب لما حفر زمزم، نذر لئن سهل الله تعالى له أمرها ليذبحن أحد أولاده، فخرج السهم على عبد الله (٢)، فمنعه أخواله، قالوا له: بل افد ابنك بمائة من الإبل ففداه، والثاني إسماعيل، ﵇ (٣)، فمن (٤) زعم أن الذبيح إسحاق فيقول: كان موضع الذبح بالشام على ميلين من إيلياء وهي بيت المقدس، وزعمت اليهود أنه كان على صخرة بيت المقدس، ومن يقول إنه إسماعيل فيقول: إن ذلك كان بمكة (٥)، وأرسل الله إسماعيل إلى قبائل اليمن وإلى العماليق. وزوج إسماعيل ابنته من ابن أخيه العيص بن إسحاق وعاش إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة، ومات بمكة، ودفن عند قبر أمه هاجر بالحجر (٦)، وكانت وفاته بعد وفاة أبيه إبراهيم، ﵇ (٧)، بثمان وأربعين سنة. ولما ماتت سارة بعد وفاة هاجر، تزوج إبراهيم (٨) امرأة من الكنعانيين، وولدت منه ستة نفر (٩) وهم: يقشان، وزمران، ومدان، ومديان، ويشق، وشوخ (١٠)؛ ثم تزوج امرأة أخرى فولدت له خمسة بنين، وكان جميع أولاد إبراهيم، ﵇، ثلاثة عشر ولدا مع إسماعيل وإسحاق، وكان (١١) إسماعيل أكبر ولده (١٢)، فأنزل الله إسماعيل أرض الحجاز، وإسحاق أرض الشام، وفرق سائر ولده في البلاد، والله أعلم.

стр. 115

ذكر شراء المغارة عن كعب الأحبار (١) أنه قال: أول من مات ودفن في حبرى سارة، وذلك أنها لما ماتت خرج الخليل، ﵇، يطلب موضعا ليقبرها فيه ورجا أن يجد (٢) بقرب حبرى موضعا، فمضى إلى عفرون، وكان ملك الموضع، وكان مسكنه حبرى، فقال له إبراهيم: بعني موضعا أقبر فيه من مات من أهلي. فقال له عفرون الملك: قد أبحتك، ادفن (٣) حيث شئت من أرضي، قال: إني لا أحب إلا بثمن (٤)، فقال له: أيها الشيخ الصالح ادفن حيث شئت من أرضي، فأبى عليه (٥). وطلب منه المغارة فقال له: أبيعها بأربعمائة (٦) (٧) درهم كل درهم وزن خمسة دراهم وكل مائة درهم ضرب ملك. وأراد بذلك التشديد عليه كي لا يجد شيئا من ذلك فيرجع إلى قوله، وخرج (٨) من عنده فإذا جبريل، ﵇ (٩)، فقال له: إن الله قد سمع مقالة الجبار لك وهذه الدراهم ادفعها إليه، فأخذها إبراهيم، ﵇ (١٠)، ودفعها إلى الجبار، فقال له: من أين لك هذه الدراهم؟ فقال له: من عند إلهي وخالقي ورازقي، فأخذها منه. وحمل إبراهيم (١١) سارة، ﵍، ودفنها في المغارة، فكانت أول من دفن فيها، وتوفيت ولها من العمر مائة وسبع عشرة سنة. وقيل: مائة وسبع وعشرون سنة. ثم لما توفي الخليل، ﵇، دفن بحذائها من جهة الغرب، وسنذكر تاريخ وفاته فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ثم توفيت ربقة (١٢) زوجة إسحاق، فدفنت

стр. 116

فيها بحذاء سارة من جهة القبلة، ثم توفي إسحاق، ﵇، فدفن بحذاء زوجته من جهة الغرب، ثم توفي يعقوب، ﵇، فدفن عند باب المغارة وهو بحذاء قبر الخليل، ﵇، من جهة الشمال، ثم توفيت ليقا زوجته فدفنت بحذائه من جهة الشرق، فاجتمع أولاد يعقوب والعيص وأخوته وقالوا: ندع باب المغارة مفتوحا، وكل من مات منا دفناه فيها، فتشاجروا فرفع واحد من أخوة العيص، وفي رواية أحد أولاد يعقوب (١) يده (٢) ولطم العيص لطمة، فسقط رأسه في المغارة، فحملوا (٣) جثته ودفن بغير رأس وبقي الرأس في المغارة، وحوطوا عليها حائطا، وعملوا فيها علامات القبور في كل موضع، وكتبوا عليه: هذا قبر إبراهيم، ﵇ (٤)، هذا قبر سارة، هذا قبر إسحاق، هذا قبر ربقة، هذا قبر يعقوب، وهذا قبر زوجته ليقا. وخرجوا منه وأطبقوا بابه (٥)، فكل من جاء إليه يطوف به ولا يصل إليه أحد حتى جاءت الروم بعد ذلك ففتحوا له بابا ودخلوا إليه وبنوا فيه كنيسة. ثم أظهر الله الإسلام بعد ذلك، وملك المسلمون تلك الديار، وهدموا الكنيسة، وبالقرب من مدينة سيدنا (٦) الخليل، ﵇، قرية تسمى سعير، وهي الفاصلة بين عمل الخليل (٧) وعمل القدس بها قبر بداخل مسجدها يقال إنه قبر العيص، ﵇، وقد اشتهر ذلك عند الناس، فصار يقصد (٨)، للزيارة، والله أعلم. وروي عن وهب بن منبه قال: أصبت على قبر إبراهيم، ﵇، مكتوبا حلقة في حجر: غر جهولا أمله يموت من جاء أجله لن تغني عنه حيله زاد بعض أهل العلم:

стр. 117

والمرء لا يصحبه … في القبر إلا عمله (١) وحدث محمد بن بكران بن محمد، خطيب مسجد الخليل، ﵇، قال: سمعت محمد بن إسحاق النحوي (٢) يقول: خرجت مع القاضي أبي عمر وعثمان بن جعفر بن شاذان (٣) إلى قبر إبراهيم (٤)، ﵇، فأقمنا به ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع جاء إلى النقش المقابل لقبر ربقة (٥) زوجة إسحاق، ﵇، فأمر بغسله حتى ظهرت كتابته، وتقدم إليّ بأن أنقل ما هو مكتوب في الحجر إلى درج كان معنا على التمثيل فنقلته، ورجعنا إلى الرملة، فأحضر أهل كل لسان ليقرأه، عليه فلم يكن أحد يقرأه، ولكنهم أجمعوا على أن هذا بلسان اليوناني القديم، وأنهم لا يعلمون أن أحدا بقي (٦) يقرأه غير شيخ بحلب، فعمدوا إلى إحضاره، فلما أحضره عنده أحضرني فإذا هو شيخ (٧)، فأملى عليّ الشيخ المحضر من حلب ما نقلته في الدرج على التمثيل (٨): باسم إلهي وإله العرش القاهر الهادي الشديد البطش، العليم الذي لا يحد، هذا قبر ربقة زوجة إسحاق، ﵇ (٩)، والذي يوازيه قبر إسحاق، ﵇، والعلم الأعظم الذي يوازيه قبر إبراهيم، ﵇، والعلم الذي بحذائه من الشرق قبر زوجته سارة، والعلم الأقصى الموازي (١٠) لقبر إبراهيم الخليل قبر يعقوب، والعلم الذي يليه من الشرق (١١) قبر زوجة يعقوب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكتب العيص بخطه، واسم زوجة يعقوب إليا، والمشهور ليقا، والله أعلم. وهذا الحجر موجود إلى يومنا هذا، وقد اشتهر عند الناس مكانه بمقام آدم، ويقال إن عنده رأس آدم، ﵇.

стр. 118

وقال ابن عساكر (١) (٢): قرأت في بعض كتب أصحاب الحديث ونقلت منها قال محمد بن بكران (٣) بن محمد خطيب مسجد إبراهيم، ﵇، وكان قاضيا بالرملة في أيام الراضي بالله (٤) في سنة اثنتين (٥) وعشرين وثلاثمائة وما بعدها، وله زاوية في الحديث، سمع من جماعة من أهل العلم قال: سمعت محمد بن أحمد بن على بن جعفر الإنباري (٦) يقول: سمعت أبا بكر الإسكافي (٧) (٨) يقول: صح عندي أن قبر إبراهيم، ﷺ (٩)، في الموضع الذي هو الآن فيه لما رأيت وعاينت، وذلك أنني وقفت على السدنة وعلى الموضع أوقافا كثيرة بنحو (١٠) من أربعة آلاف دينار، رجاء ثواب الله، ، وطلبت أن أعلم صحة ذلك حتى ملكت قلوبهم بما كنت أعمل (١١) معهم من الجميل والكرامة والملاطفة والإحسان إليهم، وأطلب بذلك أن أصل إلى ما يصح، وحاك في صدري فقلت لهم يوما من الأيام، وقد جمعتهم عندي بأجمعهم: أسألكم أن توصلوني إلى باب المغارة كي أنزل إلى حضرة الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، وأشاهدهم.

стр. 119

فقالوا: قد أجبناك إلى ذلك لأن لك علينا حقا واجبا، ولكن ما يمكن (١) في هذا الوقت، لأن الطارق لنا كثير، ولكن حتى يدخل الشتاء. فلما دخل كانون الثاني خرجت إليهم وقالوا: أقم عندنا حتى يقع الثلج، فأقمت عندهم حتى وقع الثلج، وانقطع الطارق عنهم، فجاءوا إلى صخرة (٢) ما بين قبر إبراهيم الخليل وإسحاق (٣)، ﵉، فقلعوا البلاطة ونزل رجل منهم يقال له: صعلوك، وكان رجلا صالحا فيه خير ودين (٤)، ونزلت معه، ومشى (٥) وأنا من ورائه، فنزلنا اثنتين وسبعين درجة، فإذا عن يميني دكان عظيمة (٦) من حجر أسود فإذا عليه شيخ خفيف العارضين، طويل اللحية، ملقى على ظهره، وعليه ثوب أخضر، فقال لي صعلوك: هذا إسحاق، ﵇. ثم سرنا غير بعيد فإذا (٧) دكان أكبر من الأولى وعليها شيخ ملقى على ظهره، وله شيبة قد أخذت ما بين منكبيه، أبيض الرأس واللحية والحاجبين وأشفار العينين، وتحت شيبته ثوب أخضر قد جلل بدنه، والرياح تلعب بشيبته (٨) يمينا وشمالا، فقال لي صعلوك: هذا إبراهيم الخليل، ﵇، فسقطت على وجهي ودعوت الله (٩)، ، بما فتح عليّ. ثم سرنا وإذا بدكان لطيفة وعليها شيخ آدم (١٠)، شديد الآدمة، كث اللحية، وتحت منكبيه ثوب أخضر قد جلله، فقال لي صعلوك: هذا يعقوب النبي، ﷺ (١١)، ثم إننا عدلنا يسارا لننظر إلى الحرم، فحلف أبو بكر الإسكافي ما إن تممت (١٢) الحديث.

стр. 120

قال (١): قمت من عنده في الوقت الذي حدثني فيه من وقتي إلى مسجد إبراهيم، ﵇، فلما وصلت إلى المسجد سألت عن صعلوك فقيل لي الساعة يحضر، فلما جاء قمت إليه، وجلست عنده، وطارحته بعض الحديث، فنظر إليّ بعين منكر للحديث الذي سمع (٢)، فأومأت إليه بلطف تخلصت به من الإثم، ثم قلت له: إن أبا بكر الإسكافي عمي، فأنس عند ذلك، فقلت: يا صعلوك بالله عليك لما عدلتما (٣) إلى نحو الحرم، فماذا كان؟ وماذا رأيتما؟ فقال: ما حدثك أبو بكر، فقلت: أريد أن أسمعه (٤) منك أيضا. فقال: سمعنا من نحو الحرم صائحا يصيح (٥): تجنبوا الحرم يرحمكم الله فوقعنا مغشيا علينا، ثم إنا بعد وقت (٦) أفقنا وقمنا وقد أيسنا من الحياة وأيست الجماعة منا، قال: فقال لي الشيخ (٧): فعاش أبو بكر الإسكافي بعد ما حدثني أياما يسيرة (٨) وتوفي وكذلك صعلوك رحمهما الله تعالى، وروى الحسن بن عبد الواحد بن رزق الرازي (٩) قال: قدم أبو زرعة (١٠) القاضي بفلسطين إلى مسجد إبراهيم، ﵇، فجئت أسلم (١١) عليه، وقد قعد عند قبر سارة، ﵍ (١٢)، في وقت الصلاة فدخل شيخ فدعاه، فقال: يا شيخ أيما هو قبر إبراهيم من (١٣) هؤلاء؟ [١٢/ أ] فأومأ له الشيخ إلى قبر إبراهيم، ﵇، ومضى، وجاء شاب فدعاه، فقال

стр. 121

له (١) مثل ذلك فأشار إليه ومضى (٢)، ثم جاء صبي فدعاه، وقال له مثل ذلك فأومأ إليه، فقال أبو زرعة: أشهد أن هذا قبر إبراهيم، ﵇ (٣)، لا شك فيه نقله الخلف عن السلف، كما قال مالك بن أنس، ﵁، إن نقل الخلف عن السلف، أصح الحديث لأن الحديث ربما يقع فيه الخطأ والنقل لا يقع فيه خطأ ولا يطعن فيه إلا صاحب بدعة ومخالف، ثم قام ودخل إلى داخل، فصلى الظهر، ثم رحل من الغد. وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدس (٤) (٥) في كتاب البديع (٦) في تفصيل مملكة الإسلام (٧): وحبرى هي قرية إبراهيم، ﵇، فيها حصن عظيم يزعمون أنه من بناء الجن من حجارة (٨) عظيمة منقوشة ووسطه فيه من الحجارة الإسلامية على قبر إبراهيم، وقبر إسحاق قدام في المغطى، وقبر يعقوب في المؤخر، حذاء (٩) كل نبي امرأته، وقد جعل الحصن مسجدا وبنى حوله دور للمجاورين (١٠) له واتصلت العمارة به من كل جانب، ولهم قناة (١١) ماء ضعيفة، وهذه القرية على نصف مرحلة، ومن كل جانب قرى وكروم وأعناب وتفاح وعامتها تحمل إلى مصر، وفي هذه القرية ضيافة دائمة وطباخ وخباز وخدام مرتبون يقدمون (١٢) العدس بالزيت لكل من يحضر (١٣) من الفقراء ويدفع إلى الأغنياء إذا أخذوا.

стр. 122

وحكى (١) الملك المؤيد إسماعيل (٢) صاحب حماه (٣) في تاريخه في وقائع سنة ثلاث (٤) عشرة وخمسمائة أن في تلك السنة ظهر قبر إبراهيم الخليل وقبر ولديه إسحاق ويعقوب (٥) بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، ولم يذكر كيف ظهر ذلك (٦)، وفيه إشكال لأن في التاريخ المذكور كانت بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل، ﵇، في يد الفرنج وليس للمسلمين عليه (٧) تكلم، ولا أعلم أن الفرنج كانوا يمكنون المسلمين من البلاد حتى استيلائهم عليها، والله أعلم بحقيقة الحال. ذكر ختانه وتسروله وشيبته ﵇ (٨) روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «اختتن إبراهيم، ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم» (٩) (١٠) بالتخفيف والتشديد، وروي عن النبي، ﷺ (١١)، أنه قال: «ربط إبراهيم، ﵇، غزلته وجمعها إليه وحدّ قدومه (١٢) وضرب قدومه بعود كان معه فندرت بين يديه (١٣) بلا ألم ولا دم» (١٤)، وختن إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام.

стр. 123

وعن عكرمة أنه اختتن إبراهيم (١) وهو ابن ثمانين سنة، فأوحى الله إليه إنك قد أكملت أيمانك إلا بضعة من جسدك فالقها، فختن نفسه بالفأس، وسبب ختانه أنه أمر بقتال العمالقة، فقاتلهم فقتل خلق كثير من الفريقين فلم يعرف إبراهيم أصحابه (٢) ليدفنهم فأمر بالختان ليكون علامة المسلم، وختن نفسه بالقدوم. وقال (٣) ابن عباس: كان إبراهيم أول من لبس السراويل، وذلك أنه كان كثير الحياء، وكان من حيائه (٤) يستحي أن ترى الأرض مذاكيره فاشتكى إلى الله تعالى (٥)، فأوحى الله إلى جبريل، ﵇، فهبط عليه بخرقة من الجنة، ففصلها جبريل، ﵇، سراويل وقال له: ادفعها إلى سارة وكان اسمها - يساره - فلتخطه (٦)، فلما خاطته سارة ولبسه إبراهيم قال: ما أحسن هذا وأستره (٧) يا جبريل، فإنه نعم الستر للمؤمن، فكان إبراهيم، ﵇، أول من لبس السراويل، وأول من فصل جبريل، وأول من خاط سارة بعد إدريس، ﵇. وعن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: كان الرجل يبلغ الهرم (٨) ولم يشب، وكان الرجل يأتي القوم وفيهم الوالد والولد فيقول: أيكم الأب؟ لا يعرف الأب من الابن. فقال إبراهيم: رب اجعل لي شيئا أعرف به، فأصبح رأسه ولحيته أبيضين. وروي عن ابن عباس (٩) أنه قال: أول من سمانا مسلمين إبراهيم، ﵇، وهو أول من ضرب بالسيف من الأنبياء، وكسر الأصنام، واختتن، ولبس السراويل والنعلين، ورفع اليدين (١٠) في الصلاة في كل خفض ورفع، وصلّى أول النهار أربع ركعات جعلهن على نفسه، فسماه الله وفيا، فقال تعالى: [١٢/ ب] ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٣٧) (١١).

стр. 124

قال ابن عباس (١): هي الأربع في أول النهار، وهو أول من أضاف الضيف، وثرد الثريد، وفرق الشعر، واستنجى بالماء، وقلم الظفر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وأول من استاك وتمضمض واستنشق بالماء وحلق العانة، وأول من صافح وعانق وقبّل بين العينين موضع السجود، وأول من شاب، فقال: ما هذا؟ فقال الله تعالى: وقارا، فقال: رب زدني وقارا (٢)، فما برح حتى ابيضت لحيته، وأول من جر الذيل هاجر امرأته، فصارت سنة من النساء، فغارت (٣) سارة وحلفت أن تملأ يدها من دمها، فقال إبراهيم، ﵇: خذيها فاختنيها (٤) كيف يكون ذلك سنة بعدكما، وتخلصي من يمينك، ففعلت فكانت هاجر أول من اختتن من النساء، وإبراهيم أول من اختتن من الرجال. ذكر رأفته بهذه الأمة (٥) روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لقيت إبراهيم، ﵇ (٦)، ليلة الإسراء، فقال: يا محمد أقريء أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة (٧) التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» (٨). وفي رواية: «فرأيت إبراهيم (٩) فرحب بي وسهل وقال (١٠): مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقال: وما غراس الجنة؟ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي رواية فقال لي (١١) إبراهيم: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته يا نبي الله (١٢): إنك لاق ربك الليلة وإن أمتك هي آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك (١٣) في أمتك فافعل) (١٤).

стр. 125

ذكر ضيافته وإكرامه للضيف وأخلاقه الكريمة وروي أن إبراهيم، ﵇، كان إذا أراد أن يأكل خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يأكل معه، وكان يكنى أبا (١) الضيفان، ولصدق نيته في الضيافة دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا (٢)، فلا ينقضي يوم ولا ليلة إلا ويأكل عنده جماعة. وحكي: أن رجلا شريف القدر من أهل دمشق ذا وجاهة كان يزور الخليل، ﵇، في كل حين (٣)، وكان يؤتي بالضيافة التي جرت العادة بها لزواره فيردها ولا يأكل منها شيئا، فجاء مرة وهو ملهوف فجعل يطلبها ويجد في طلبها حتى قيل: إنه كان يتتبع ما بقي في القصاع (٤) ويلتقط ما يجد من لباب (٥) الخبز وفتاته فيأكله، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت الخليل، ﵇ (٦)، فقال لي: ما أكلت ضيافتنا ونحن ما قبلنا زيارتك. وعن ابن (٧) عباس، ﵄، قال: إن الله تعالى وسع على إبراهيم الخليل، ﵇، في المال والخدم، فاتخذ بيت ضيافة له (٨) بابان، يدخل الغريب من أحدهما، ويخرج من الآخر، ووضع في ذلك البيت كسوة الشتاء (٩)، وكسوة الصيف، ومائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيوف، ويلبس إن كان عريانا، ويجدد إبراهيم (١٠)، ﵇، كل حين ذلك، وروي أن إبراهيم (١١)، ﵇، لما قرب العجل إلى الضيوف ورأى أيديهم لا تصل إليه قال: لم لا تأكلون؟ قالوا: لا نأكل طعاما إلا بثمنه؟ قال: أو ليس معكم

стр. 126

ثمنه (١)؟ قالوا: وأنّي لنا بثمنه، قال: تسمّون الله ﵎ إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم. قالوا: سبحان الله! لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلا من خلقه لا تخذك خليلا يا إبراهيم، فاتخذ الله إبراهيم خليلا (٢). وقيل: إن الملائكة لما رأت ازدياد إبراهيم، ﵇، في الخير، وإقبال الدنيا عليه، ولم يشغله ذلك عن الله طرفة عين، عجبت (٣) من ذلك، وقالت: إن ظاهره حسن، وإنه لا يؤثر على ربه شيئا (٤) فهل هو في قلبه هكذا؟ فعلم الله منهم قبل ما تكلموا به (٥) فأمر ملكين من أجلاء الملائكة، وقيل: إنهما جبريل وميكائيل، ﵉، أن ينزلا عليه ويستضيفانه (٦)، ويذكراه بربه، ويرفعا صوتهما عنده بالتسبيح والتقديس لله تعالى، فنزلا على صورة بني آدم فسألاه الإذن لهما بالمبيت، عنده فأذن لهما، وأكرم نزلهما، ورفع محلهما، فلما كان في [١٣/ أ] بعض الليل، وهو يسامرهما (٧)، إذ رفع أحدهما صوته، وقال: سبحان ذي الملك والملكوت، ثم رفع الآخر صوته وقال: سبحان الملك القدوس، بصوت لم يسمع مثله. قال: فأغمي على إبراهيم، ﵇، ولم يملك نفسه من الوجد والطرب، ثم أفاق بعد ساعة، وقال لهما: أعيدا عليّ ذكركما، فقالا (٨): لا نفعل حتى تجعل لنا شيئا معلوما، فقال لهما (٩): خذا ما تختارا من مالي، فقالا له: أعطيناما شئت، فقال: لكما جميع مالي من الغنم، وكان شيئا كثيرا فرضيا بذلك، ثم رفعا صوتهما، وقالا كالأول (١٠)، فأغمي عليه، فلما أفاق وعلم أنهما لا يقولون شيئا إلا بمعلوم قال لهما: لكما جميع مالي من البقر، فرضيا وأعادا، ولم يزالا يكرران عليه الذكر ويتجلى ويستغرق (١١) في لذاته حتى أعطاهما جميع موجوداته من ماله وأهله، ولم يبق إلا نفسه، فباعها لهما، ورضي أن يكون في رقهما، وجعل في

стр. 127

عنقه شدادا (١) (٢)، وأسلمهما (٣) نفسه وقال: لعلكما تجودان عليّ بالذكر مرة أخرى. فلما رأيا منه ذلك، قالا: يحق لك أن يتخذك الله خليلا، ثم حكيا له ما كان من الملائكة. فتبسم وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، ثم قالا له (٤): أمسك عليك بارك الله لك وعليك (٥) وعلى ذريتك. فمن الله عليه بإبقاء ذريته وسماطه، وزاده بركة وخيرا، وجعل سماطه ممدودا من يومه إلى يومنا هذا، جعله الله دائما إلى يوم القيامة، إن شاء الله تعالى. وأما أخلاقه الكريمة فقد سماه الله (٦) حليما آواها منيبا، والحليم الرشيد الذي يملك نفسه عند الغضب، والأواه الذي يكثر التأوه من الذنوب، والمنيب المقبل على ربه في شأنه كله. روى الثعلبي عن أبي إدريس الخولاني (٧) عن أبي ذر الغفاري، ﵁، قال: قلت (٨): يا رسول الله كم من كتاب أنزل الله ؟ قال (٩): مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على آدم عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. قلت (١٠): يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا: (أيها الملك (١١) المبتلى، المسلط المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى

стр. 128

بعض، ولكن بعثتك لترد عني (١) دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر) وكان فيها أمثال (٢) ومنها: (وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله، أن يكون له أربع ساعات (٣): ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يتفكر فيها (٤) في صنع الله، وساعة يحاسب فيها نفسه على ما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها لحاجته (٥) من الحلال لا من الحرام في المطعم والمشرب وغيرهما (٦)، وعلى العاقل ألا يكون طاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاده، ومؤنة لمعاشه، ولذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه) (٧)، والله أعلم. ذكر (٨) معنى الخلة أصل الخلة الاستصفاء، وسمي إبراهيم خليل الله لأنه يوالي في الله ويعادي في الله، وخلة الله نصره وجعله إماما لمن بعده، والخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع، مأخوذ من الخلة وهي الحاجة، سمي بها لأنه قصر حاجته على ربه، وانقطع إليه بهمته، ولم يجعل وليا غيره، حيث قال له جبريل، ﵇، وهو في المنجنيق ليرمي به في النار، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وروي (٩) عن النبي، ﷺ ، أنه قال لجبريل: «يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام»، وفي الصحيحين: «أنه ﷺ قال: أيها الناس إن الله تعالى اتخذني (١٠) خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» (١١). واختلف في تفسير الخلة واشتقاقها، فقيل: المنقطع إلى الله تعالى الذي ليس له في انقطاعه إليه ومحبته له

стр. 129

اختلال، واختلف أيضا هل الخلة والمحبة بمعنى واحد؟ أو إحداهما أرفع من الأخرى؟ فقيل بمعنى واحد (١)، والحبيب خليل وعكسه، لكن خص إبراهيم بالخلة ومحمد بالمحبة، وقيل: الخلة أرفع للحديث الوارد عنه ﷺ : (لو كنت متخذا خليلا غير ربي لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة في الإسلام» (٢). فلم يتخذ أبا بكر خليلا وأطلق على نفسه الشريفة المحبة له ولعائشة وفاطمة وابنيها وأسامة [١٣/ ب] وغيرهم. والأكثر على أن المحبة أرفع، لأن درجة نبينا الحبيب، ﷺ ، أرفع من درجة إبراهيم الخليل (٣)، وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب، وهذا فيمن يتأتى منه الميل وهي درجة المخلوقين، أما الخالق، ﷻ ، فمنزه عن ذلك، فمحبته لعبده، تمكينه من سعادته وعصمته، وتوفيقه لطاعته وإفاضة رحمته عليه، . ذكر وفاته ﵇ قد تقدم أن بين مولده (٤) والهجرة الشريفة النبوية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (٥) ألفين وثمانمائة وثلاثا وتسعين سنة، على اختيار المؤرخين، واختلف في عمره: فقيل (٦): عاش مائة وخمسا وسبعين سنة، وهو الذي ذكره (٧) الملك المؤيد صاحب حماة في تاريخه (٨)، وقيل: مائة وخمسا وتسعين، وقيل: مائتي سنة، ونزل عليه جبريل، ﵇، اثنتين وأربعين مرة. قال أهل السير: لما أراد الله، ، قبض روح خليله إبراهيم، ﵇، أرسل إليه ملك الموت في صورة رجل شيخ هرم، وقال (٩) الثعلبي (١٠): قال السدي بإسناده قال: كان إبراهيم كثير الإطعام يطعم الناس،

стр. 130

ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشي في الحرة (١) فبعث إليه بحماره وأركبه حتى أتاه وأطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليدخلها فاه، فيدخلها في عينه وأذنه، ثم يدخلها فاه فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأل (٢) الموت، فقال الشيخ حين رأى حاله: يا شيخ ما لك تصنع هكذا؟ قال: يا إبراهيم من الكبر، فقال: ابن كم أنت؟ قال: فزاد على عمر إبراهيم سنتين، فقال إبراهيم: أنا بيني وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك، قال: نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك فقام الشيخ فقبض (٣) نفسه وكان ملك الموت، صلوات الله وسلامه عليهما، وحكي غير ذلك. فيكون بين وفاة الخليل، ﵇، والهجرة الشريفة (٤) على القول الأول في عمره الذي ذكره صاحب حماة ألفان وسبعمائة وثمانية عشر سنة، ومضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعنمائة سنة، فيكون الماضي من وفاته (٥) إلى سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف سنة وستمائة وثماني عشرة سنة، وقيل غير ذلك. وروي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: قال رسول الله، ﷺ (٦): «أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، ﷺ ، بخلته، ثم أنا بصفوتي، ثم علي بن أبي طالب يزف بيني وبين إبراهيم زفا إلى الجنة»، وفي الصحيحين عن ابن عباس، ﵄، أنه ﷺ ، قال: «أول الخلائق (٧) يكسى يوم القيامة إبراهيم (٨)، ﵇»، وروي أنه قال: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا، فيقول الله تعالى: لا أرى (٩) خليلي عريانا فيكسى ثوب أبيض، فهو أول من يكسى، ﷺ » (١٠).

стр. 131

ذكر قصة الإسكندر وكان زمن إبراهيم (١)، ﵇، الإسكندر المشهور بذي القرنين الذي ذكره الله في القرآن، وهو من ذرية نوح، ﵇، ومما ورد في أمره: أنه إنما سمي ذا القرنين (٢) أنه كان عبدا صالحا بعثه الله، ، إلى قومه ولم يكن نبيا، فضربوه على قرنه، فمات فأحياه الله تعالى، ثم بعثه مرة أخرى إليهم فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله تعالى، فسمي ذا القرنين (٣)، وقيل غير ذلك. وتوفي الإسكندر بناحية السواد في موضع يقال له شهر زور (٤) بعد أن غزا الهند، حتى انتهى إلى البحر المحيط فهال ذلك ملوك الغرب فوفدت عليه رسلهم بالانقياد والطاعة، ودخل بحر الظلمات (٥) مما يلي القطب الشمالي، وبحر الشمس (٦) في الجنوب في أربعمائة رجل من أصحابه، يطلب عن الحياة فلم يصبها، فسار فيه ثمانية عشر (٧) يوما وبنى اثنتي عشر مدينة، سماها كلها بالإسكندرية (٨)، ولما مات عرض الملك بعده على ابنه فأبى واختار النسك والعبادة، وكانت مملكته (٩) اثنتي عشر سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: أربع عشرة سنة، والله أعلم؛ وكان عمره ستا وثلاثين سنة باتفاق (١٠)، والله أعلم. ذكر بناء سليمان، ﵇، الحير (١١) الذي على المغارة بوحي من الله تعالى روي أن سليمان، ﵇، لما فرغ من بناء بيت المقدس، أوحى الله

стр. 132

تعالى إليه: يا ابن داود ابن (١) على قبر خليلي حيرا حتى يكون لمن يأتي بعدك، لكي يعرف، فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بين المقدس حتى قدم أرض كنعان وطاف فلم يصبه، فرجع إلى بيت المقدس، فأوحى الله تعالى إليه: يا سليمان خالفت أمري. فقال: يا رب عني الموضع، فأوحى الله إليه امض فإنك ترى نورا من السماء إلى الأرض فإنه موضع قبر خليلي إبراهيم. فخرج سليمان مرة ثانية فنظر وأمر الجن فبنوا في الموضع الذي يقال له الرامة (٢)، وهو بالقرب من مدينة سيدنا الخليل، ﵇ (٣)، من جهة الشمال قبلي قرية حلحول (٤) التي بها قبر يونس، ﵇، فأوحى الله تعالى إليه أن هذا ليس هو الموضع ولكن انظر، إلى النور المتدلي من السماء إلى الأرض فابن، فخرج سليمان، ﵇، فنظر (٥) فإذا النور على بقعة من بقاع حبرون فعلم أن ذلك الموضع هو المقصود، فبنى الحير على البقعة. وسنذكر وصف هذا البناء وذرعه وطولا وعرضا فيما بعد، إن شاء الله تعالى، ويأتي ذكر ما مضى من تاريخ سليمان، ﵇، مسجد بيت المقدس، فيعلم منه تاريخ بناء الحير الذي (٦) على مقام سيدنا الخليل، ﵊. ذكر فضل سيدنا الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام وفضل زيارته قد نص الله تعالى في كتابه العزيز على فضله بقوله تعالى (٧): ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ (١٢٥) (٨) إلى غير ذلك مما أنزل الله في حقه من الآيات المخصوصة به.

стр. 133

وعن أنس بن مالك (١)، ﵁، قال: قال رجل (٢) للنبي، ﷺ : يا خير الناس، قال: «ذلك أبي إبراهيم (٣)، ﵇»، وفي لفظ (٤) مسلم قال له: يا خير البرية، قال: «ذلك إبراهيم، ﵇» (٥). وروي عنه (٦)، ﷺ ، أنه قال: «لما أسري بي إلى بيت المقدس مر بي جبريل، ﵇، إلى قبر إبراهيم، ﵇، فقال: انزل فصل ها هنا ركعتين (٧)، فإن ها هنا قبر أبيك إبراهيم الخليل، ﵇» (٨). وعنه ﷺ أنه قال: «من لم يمكنه زيارتي، فليزر قبر أبي إبراهيم الخليل، ﵇» (٩). وعن كعب (١٠) قال: أكثروا من الزيارة إلى قبر رسول الله، ﷺ ، وأظهروا الصلاة عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر، رضوان الله عليهما، قبل أن تمنعوا ذلك، ويحال بينكم وبين ذلك بالفتن وفساد السبيل (١١)، فمن منع ذلك أو حيل بينه وبين الزيارة إلى قبر رسول الله، ﷺ ، فليجعل رحلته وإتيانه إلى قبر إبراهيم (١٢)، ﵇، وليظهر الصلاة عليه، وليكثر الدعاء عنده (١٣)، فإن الدعاء عنده مستجاب، ولم يتوسل به أحد إلى الله، جل ثناؤه، في شيء (١٤)، إلا لم يبرح حتى يرى الإجابة في ذلك عاجلا أو آجلا.

стр. 134

قلت: هذا مما لا شك فيه فإنني (١) جربته بأمر وقع لي من أمور الدنيا، فكنت أتوقع الهلاك منه، فتوجهت من بيت المقدس إلى بلد سيدنا الخليل، ﵇، في ضرورة اقتضت سفري (٢)، فلما دخلت مسجده، ودخلت إلى الضريح المشهور بأنه قبر إبراهيم الخليل، ﵇، وتعلقت (٣) بأستاره، ودعوت الله تعالى، فيما كنت أرجوه (٤)، فما كان بأسرع أن فرج الله كربتي، ولطف بي، وأزال عني كل ما أزعجني، فله الفضل سبحانه (٥). وحكي عن رجل من أهل بعلبك، أنه قال: زرنا قبر إبراهيم الخليل، ﵇، وكان معنا رجل مغفل من أهل بعلبك فسمعناه وقد زار القبر وهو يبكي ويقول: حبيبي إبراهيم، سل ربك يكفيني فلانا وفلانا فإنهم يؤذونني، ونحن نضحك منه ونتعجب، ثم رجعنا بعد مدة إلى يافا (٦) فوصل قارب من بيروت وفيه رجل من أهل بعلبك، فخبرنا (٧) أن الثلاثة الذي سماهم ماتوا. آداب الزيارة (٨) يستحب لمن قصد زيارة إبراهيم الخليل، ﵇ (٩)، أن يقلع عن الذنوب ويتوب (١٠) إلى الله تعالى، توبة نصوحا، ثم ينوي زيارته، ويتوجه نحوه بعزم ورغبة (١١)، ويكثر في طريقه من الصلاة على النبي، ﷺ ، وعلى سائر (١٢) النبيين والمرسلين. فإذا أتى باب المسجد وقف يسيرا، ثم يقدم رجله اليمنى، ويدعو بما يستحب أن يدعى به إذا دخل المساجد، فيقول (١٣): بسم الله، اللهم صل على محمد، وافتح

стр. 135

لي أبواب رحمتك، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يقصد قبر الخليل (١)، ﵇، فيقف على باب حجرته مطرقا رأسه، ثم يستغفر الله، ويصلي على محمد (٢)، ﷺ ، ثم يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله (٣)، وأنك عبد الله ورسوله وخليله، جزاك الله عنا خيرا (٤) كما هو أهله. ثم يقول: صلوات الله (٥) البر الرحيم والملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين من أهل السموات وأهل الأرض عليك يا أبا الأنبياء يا خليل الله، وعلى ولدك السيد الكامل، الفاتح الخاتم، سيد الأولين والآخرين، محمد المصطفى، حبيب الله، وعلى آلكما وأصحابكما (٦) كما ذكركما الذاكرون، وغفل عن ذكركما الغافلون، ثم يدعو بما شاء من خير (٧) الدنيا والآخرة. ثم يلتفت نحو السيدة سارة ويقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة الله وبركاته، ثم يقول (٨): ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣) (٩)، ثم يتوجه إلى قبر السيد إسحاق، ﵇، ويقول: السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته ويدعو عنده (١٠)، ثم يلتفت عن شماله ويسلم على زوجته السيدة الجليلة ربقة ويقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة الله وبركاته، ثم يمضي بأدب وسكون ويقصد السيد الجليل نبي الله يعقوب، ﵇، ويفعل عنده كما فعل عند أبيه إسحاق، وكذلك عند زوجته ليقا، ثم يقصد نبي الله يوسف الصديق، ﵇، ويفعل كما سبق (١١)، ثم يقصد شباك الخليل (١٢)، ﵇، الذي تجاه قبر سيدنا

стр. 136

يعقوب، ﵇، ويقف بالقرب منه ثم يسلم (١) ويدعو الله بما شاء فإن الدعاء هناك مستجاب، ثم يتوجه إلى الله تعالى بجميع أنبيائه خصوصا بسيد الأولين والآخرين ثم يمسح وجهه، ويمضي مسرورا مقبولا، إن شاء الله تعالى. وكل ما ذكره العلماء، ﵃، في مناسكهم من آداب (٢) الزيارة في حق النبي، ﷺ ، فهو سائغ في حق، هذا النبي (٣) الكريم خليل الله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه وعلى أبنائه الأكرمين (٤). فصل في حكم السور السليماني هذا البناء المنسوب لسيدنا سليمان، ﵇، المحيط بقبر إبراهيم، ﵊ (٥)، قد صار مسجدا ويثبت له أحكام المساجد. وقد روي عن ابن عمر (٦) (٧)، ﵄، أنه قال: إن آدم، ﵇، رأسه عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل (٨)، ﵇، فسماه مسجدا. وفي رواية: أن قبره في مغارة بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، رجلاه عند الصخرة ورأسه عند مسجد إبراهيم (٩)، ﷺ (١٠)، وإذا كان مسجدا جاز الدخول إليه، وسماه السبكى (١١)، وكتب بخطه في آخر حديث يسمى تحفة أهل

стр. 137

الحديث (١) في سماعه على الشيخ برهان الدين الجعبري، وذكر جماعة سمعوه (٢) معه بالحرم، ثم قال: وصح وثبت في يوم السبت ثامن عشر صفر لسنة (٣) ثمان وسبعمائة بحرم الخليل، ﵇، وأطلق على المسجد المذكور حرما، وكلامه صريح في أنه دخله هو والشيخ برهان الدين الجعبري (٤) والسامعون معه، فدل على جواز دخوله، وعمل الناس اليوم على دخوله وزيارة (٥) القبور الشريفة والوقوف عند الإشارات التي عليها وصلاة الجماعات والجمعات (٦) هناك، فإنه بني فيه محراب شريف، ووضع إلى جانبه منبر، وقد مضى على ذلك أزمنة متطاولة، والعلماء وأعيان الإسلام (٧) مطلعون على ذلك، وقد أقره الخلفاء وملوك الإسلام ولم ينكره منكر، فصار كالإجماع. وإذا تقرر هذا يثبت (٨) له أحكام المساجد من جواز الاعتكاف فيه، وتحريم المكث على الحائض والجنب فيه، وفعل التحية، ولا يقال إنه مقبرة، فإن الأنبياء الذين فيه، صلوات الله سلامه عليهم، أحياء في قبورهم، وأما النساء فعلى خلاف فيه، والله أعلم. ذكر ذرعه طولا وعرضا وهذا المقام الكريم الذي هو دخل السور السليماني، طوله في سعته قبلة بشام (٩) من صدر المحراب الذي عند المنبر إلى صدر المشهد الذي به ضريح سيدنا يعقوب، ﵇، ثمانون ذراعا بذراع العمل (١٠) ينقص يسيرا نحو نصف ذراع

стр. 138

أو ثلثي ذراع تقريبا، وعرضه شرقا بغرب من السور الذي به باب الدخول إلى صدر الرواق (١) الغربي الذي به شباك يتوصل منه إلى ضريح سيدنا يوسف، ﵇، أحد وأربعون ذراعا، ويزيد على ذلك يسيرا نحو ثلث ذراع أو نصف ذراع تقريبا بذراع العمل المذكور، وهو الذي تذرع به الأبنية في عصرنا (٢)، وسمك السور ثلاثة أذرع ونصف من جانب، وعدد (٣) مداميكه في البناء خمسة عشر مدماكا من الأماكن وهو الذي عند باب القلعة من جهة الغرب إلى القبلة، وارتفاع البناء عن الأرض من البناء المذكور ستة (٤) وعشرون ذراعا بذراع العمل غير البناء الرومي الذي فوق السليماني، ومن حملة الأحجار بالبناء السليماني حجر عند مكان الطبلخانة (٥)، طوله أحد عشر ذراعا بالعمل، وعرض كل مدماك (٦) من البناء السليماني نحو ذراع وثلثي ذراع بالعمل (٧)، وعلى السور المذكور منارتان إحداهما من جهة (٨) الشرق مما يلي القبلة، والثانية من جهة الغرب مما يلي الشمال، وبناؤهما في غاية اللطف. وأما صفة البناء الموجود بداخل السور على ما هو عليه في عصرنا وقد صار مسجدا، كما تقدم القول فيه، فهو يشتمل على بناء معقود من داخل السور على نحو النصف من جهة القبلة إلى جهة الشمال، والبناء من عهد الروم وهو ثلاثة أكوار (٩): الأوسط منها مرتفع عن الكورين (١٠) الملاصقين له من جهتي (١١) المشرق والمغرب، والسقف مرتفع على أربعة أسوار محكمة البناء وبصدد هذا البناء المعقود

стр. 139

تحت الكور الأعلى المحراب وإلى جانبه المنبر، وهو من الخشب وهو في غاية الإتقان والحسن، وهذا المنبر عمل في زمن (١) المستنصر بالله أبي تميم معد الفاطمي (٢)، خليفة مصر بأمر بدر الجمالي (٣)، مدبر دولته برسم مشهد عسقلان (٤)، الذي زعمت الفاطمية أن به رأس الحسين بن علي بن أبي طالب (٥)، ﵄. وكان عمل المنبر في شهور سنة أربع وثمانية وأربعمائة (٦) وعليه تاريخ عمله مكتوب (٧) بالكوفي، والظاهر أن الذي نقله ووضعه بمسجد الخليل، ﵇، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ﵀، لما هدم عسقلان، وهذا المنبر موجود إلى عصرنا هذا، ويقابله دكة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن، والرخام مستدير على حيطان المسجد من الجهات الأربع وهو من عمارة تنكز (٨)، نائب الشام في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (٩)

стр. 140

في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. والقبور الشريفة بداخل السور من تحت البناء المذكور قبر سيدنا إسحاق، ﵇، إلى جانب السارية التي عند المنبر ويقابله قبر زوجته ربقة إلى جانب السارية الشرقية. وهذا البناء له ثلاثة أبواب تنتهي إلى صحن المسجد أحدهما وهو (١) الأوسط ينتهي إلى الحضرة الشريفة الخليلية، وهي مكان معقود والرخام مستدير على حيطانه (٢) الأربعة به إلى جهة الغرب الحجرة الشريفة التي بداخلها القبر المنسوب لسيدنا إبراهيم الخليل، ﵇ (٣)، ويقابله من جهة الشرق قبر زوجته سارة، والباب الثاني من جهة الشرق عند باب السور السليماني خلف قبر سارة، والباب الثالث من جهة الغرب خلف قبر إبراهيم، ﵇. وإلى جانبه محراب المالكية وينتهي هذا الباب إلى الرواق، وفتح هذا الباب (٤)، وعمر محراب المالكية الأمير شهاب الدين اليغموري (٥)، ناظر الحرمين الشريفين (٦) ونائب السلطنة في دولة الملك الظاهر برقوق (٧)، وفتح الشباك بالسور السليماني المتوصل منه إلى مقام السيد (٨) يوسف الصديق، وعمر الأروقة مكان القلال التي كانت هناك ورتب قراءة سبع، وشيخا لقراءة البخاري (٩) ومسلم (١٠) في

стр. 141

الأشهر الثلاثة، وذلك في شهر (١) رمضان سنة ست وتسعين وسبعمائة (٢)، وبآخر الساحة (٣) التي بداخل السور السليماني من جهة الشمال الضريح المنسوب لسيدنا يعقوب، ﵇ (٤)، وهو من جهة الغرب بحذاء قبر إبراهيم (٥)، ﵇، ويقابله من جهة الشرق قبر زوجته ليقا. وصحن المسجد المكشوف تحت السماء بين مقام الخليل ومقام يعقوب، ﵉، والقباب المبنية على الأضرحة المنسوبة للخليل وزوجته سارة ويعقوب وزوجته ليقا، أخبرت أنهما من بناء بني أمية، وجميع الأرض التي بداخل السور مما هو تحت السقف وبالساحة السماوية مفروشة بالبلاط السليماني الذي رؤيته من العجائب لكبره وهيئته، وبجوار قبر الخليل، ﵇، من داخل البناء المعقود سفل الأرض مغارة تعرف بالسرداب (٦) بداخلها باب لطيف ينتهي إلى المنبر، وقد نزل إليه بعض الخدام من مدة قريبة نحو السنة بسبب أوجب ذلك، وهو أن شخصا معتوها من الفقراء سقط فيه، فنزل إليه جماعة من الخدام، ودخلوا من هذا الباب، فانتهى بهم الحال إلى المنبر تحت القبة التي على عمد من رخام (٧) بجوار بيت الخطابة. وأخبرني من نزل (٨) هناك، أنه عاين سلما من حجر عدته خمس عشرة درجة، مبني عند آخر هذا المغارة من جهة القبلة، وقد سد بالبناء من آخره، والظاهر (٩) أن هذا الباب كان عند المنبر يتوصل منه إلى السرداب. وبظاهر السور السليماني من جهة الشرق مسجد في غاية الحسن وبين هذا المسجد والسور السليماين الدهليز (١٠) (١١)، وهو معقود مستطيل عليه الأبهة

стр. 142

والوقار، والذي عمر المسجد والدهليز (١) الأمير أبو السعيد سنجر الجاولي (٢) ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة، فعرف هذا المسجد بالجاولية، وهو من العجائب قطع في جبل، ويقال: إنه كان مقبرة يهود على هذا الجبل فقطعه الجاولي وجوفه وبنى السقف عليه والقبة، وهو مرتفع على اثنتي (٣) عشرة سارية قائمة في وسطه، وفرش أرض المسجد وحيطانه وسواريه بالرخام، وعمل شبابيك حديد على آخره من جهة الغرب، وهذا المسجد طوله قبلة (٤) بشام ثلاثة وأربعون ذراعا، وعرضه شرقا بغرب خمسة وعشرون ذراعا بذراع العمل، وكان الابتداء في عمارة هذا المسجد في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة، وانتهت العمارة في ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة (٥) في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومكتوب في حائطه أن سنجر عمر ذلك من خالص ماله لم ينفق عليه شيئا من مال الحرمين الشريفين، رحمه الله تعالى (٦). وبجوار المسجد الجاولي من جهة القبلة المطبخ الذي يعمل به الجريشة (٧) للمجاورين والواردين وعلى باب المطبخ تدق الطبلخانات في كل يوم بعد العصر عند تفرقة السماط الكريم. وهذا السماط من عجائب الدنيا يأكل منه أهل البلد والواردين (٨)، وهو خبز يعمل في كل يوم، ويفرق في ثلاثة أوقات بكرة النهار وبعد الظهر لأهل المدينة وبعد العصر تفرقة عامة لأهل البلد، والواردين، ومقدار ما يمل فيه من الخبز كل يوم أربعة عشر ألف رغيف، ويبلغ إلى خمسة عشر ألف رغيف في بعض الأوقات (٩). وأما سعة وقفه: فلا تكاد تنضبط، ولا يمتنع من سماطه الكريم (١٠) أحد لا

стр. 143

من الأغنياء ولا من الفقراء. وأما السبب في دق الطبلخانة في كل يوم عند تفرقة السماط بعد العصر فيقال: أن الأصل في ذلك أن سيدنا إبراهيم الخليل (١)، ﵇، كان لما يأتي إليه الضيوف (٢)، ويصنع لهم ما يأكلونه ويكونون جماعة متفرقين في المنازل التي أنزلهم فيها، فإذا قصد إطعامهم دق الطبل لإعلامهم (٣) أنه هيأ لهم ما يأكلونه ليجتمعوا، فإذا سمعوا بادروا واجتمعوا لأكل سماطه الكريم (٤)، فصارت سنة بعده تعمل في كل يوم عند تفرقة السماط بحضرته الشريفة، ﷺ (٥)، وعلى باب المسجد الذي تدق عنده الطبلخانات (٦) المكان الذي يصنع فيه السماط من الأفران والطواحين، وهو مكان متسع يشتمل على ثلاثة أفران وستة أحجار للطحن، وخلف (٧) هذا المكان الحاصل التي يوضع فيها القمح والشعير ورؤية هذا المكان علوا وسفلا (٨) من العجائب فإنه يدخل إليه بالقمح فلا يخرج منه إلا وقد صار خبزا. وأما الاهتمام بعمل سمطاه وكثرة (٩) الرجال في تعاطي أسبابه من طحن القمح وعجنه وخبزه وتجهيز آلاته (١٠) من الحطب وغيره والاعتناء بأمره، فذلك من العجائب لا يكاد يوجد مثل ذلك عند ملوك الأرض، ولا يستكثر مثل ذلك في معجزات هذا النبي الكريم، عليه (١١) أفضل الصلاة والتسليم (١٢). ذكر إسحاق ﵇ هو إسحاق بن إبراهيم (١٣) خليل الرحمن النبي بن النبي بن النبيين، صلوات

стр. 144

الله وسلامه عليهم أجمعين، وأمه سارة حملت به في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط فيها، وولدته ولها من العمر تسعون سنة، ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم بنو إسرائيل. وكان إبراهيم، صلوات الله عليه (١)، يضيف من نزل به، وقد أوسع الله تعالى عليه وبسط له في (٢) الرزق والخدم. فلما (٣) أراد الله هلاك قوم لوط، أمر رسله من الملائكة أن ينزلوا بإبراهيم، فيبشروه (٤) هو وسارة بإسحاق ومن وراء إسحاق بعقوب، فلما نزلوا على إبراهيم، ﵇، كان الضيف قد حبس عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه، وكان لا يأكل إلا مع الضيف ما أمكنه، فلما رآهم على صورة الرجال سرّ بهم، ورأى أضيافا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا. فقال: لا يخدم هؤلاء القوم إلا أنا، فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين حنيذ (٥)، وهو المشوي بالحجارة، فلما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل أنكرهم وأوجس منهم خيفة، وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم (٦) يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت (٧) بخير وإنما جاء بشر، قالوا: لا تخف يا إبراهيم إنا ملائكة الله تعالى، أرسلنا إلى قوم لوط، وامرأته (٨) سارة قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم، وإبراهيم جالس معهم، فضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم (٩) حين قالوا (١٠): لا تخف، وقيل: فضحكت بالبشارة. وقال ابن عباس ووهب: فضحكت تعجبا من أن يكون (١١) لها ولد على كبر سنها وسن زوجها وعلى هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير تقديره: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (١٢)، وكان سن إبراهيم، ﵇، مائة وعشرين سنة،

стр. 145

وفي قول ابن إسحاق (١): (إن هذا الشيء عجيب - قالوا: يعني الملائكة - أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد). وسنذكر ما تكلم به إبراهيم، ﵇، في أمر قوم لوط عند ذكره، ﵇. ثم إن إسحاق (٢) تزوج بنت عمه ربقة بنت بتويل، ﵇، وكان إسحاق ضريرا، فولدت (٣) له العيص ويعقوب ولم يمت إبراهيم، ﵇، حتى بعث الله إسحاق، ﵇، إلى أرض الشام، وبعث يعقوب إلى أرض كنعان، وإسماعيل إلى جرهم، ولوطا إلى سدوم، وكانوا (٤) أنبياء على عهد إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وعاش إسحاق (٥) مائة سنة وثمانين سنة ومات بالأرض المقدسة، ودفن عند أبيه إبراهيم، ﵉. ذكر يعقوب ﵇ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النبي بن النبي أبو (٦) الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم (٧)، وهو الذي يسمى إسرائيل، قيل: معناه صفوة الله، وهو أخ (٨) العيص، وسمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين، فخرج من بطن أمه آخذا بعقب أخيه العيص، قيل: وفيه نظر لأن هذا الاشتقاق (٩) عربي ويعقوب اسم أعجمي (١٠). وكان مولده بعد مضي ستين سنة من عمر أبيه إسحاق، ورزق يعقوب من
следующие страницы →