← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأشهر الثلاثة، وذلك في شهر (١) رمضان سنة ست وتسعين وسبعمائة (٢)، وبآخر الساحة (٣) التي بداخل السور السليماني من جهة الشمال الضريح المنسوب لسيدنا يعقوب، ﵇ (٤)، وهو من جهة الغرب بحذاء قبر إبراهيم (٥)، ﵇، ويقابله من جهة الشرق قبر زوجته ليقا. وصحن المسجد المكشوف تحت السماء بين مقام الخليل ومقام يعقوب، ﵉، والقباب المبنية على الأضرحة المنسوبة للخليل وزوجته سارة ويعقوب وزوجته ليقا، أخبرت أنهما من بناء بني أمية، وجميع الأرض التي بداخل السور مما هو تحت السقف وبالساحة السماوية مفروشة بالبلاط السليماني الذي رؤيته من العجائب لكبره وهيئته، وبجوار قبر الخليل، ﵇، من داخل البناء المعقود سفل الأرض مغارة تعرف بالسرداب (٦) بداخلها باب لطيف ينتهي إلى المنبر، وقد نزل إليه بعض الخدام من مدة قريبة نحو السنة بسبب أوجب ذلك، وهو أن شخصا معتوها من الفقراء سقط فيه، فنزل إليه جماعة من الخدام، ودخلوا من هذا الباب، فانتهى بهم الحال إلى المنبر تحت القبة التي على عمد من رخام (٧) بجوار بيت الخطابة. وأخبرني من نزل (٨) هناك، أنه عاين سلما من حجر عدته خمس عشرة درجة، مبني عند آخر هذا المغارة من جهة القبلة، وقد سد بالبناء من آخره، والظاهر (٩) أن هذا الباب كان عند المنبر يتوصل منه إلى السرداب. وبظاهر السور السليماني من جهة الشرق مسجد في غاية الحسن وبين هذا المسجد والسور السليماين الدهليز (١٠) (١١)، وهو معقود مستطيل عليه الأبهة

стр. 142

والوقار، والذي عمر المسجد والدهليز (١) الأمير أبو السعيد سنجر الجاولي (٢) ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة، فعرف هذا المسجد بالجاولية، وهو من العجائب قطع في جبل، ويقال: إنه كان مقبرة يهود على هذا الجبل فقطعه الجاولي وجوفه وبنى السقف عليه والقبة، وهو مرتفع على اثنتي (٣) عشرة سارية قائمة في وسطه، وفرش أرض المسجد وحيطانه وسواريه بالرخام، وعمل شبابيك حديد على آخره من جهة الغرب، وهذا المسجد طوله قبلة (٤) بشام ثلاثة وأربعون ذراعا، وعرضه شرقا بغرب خمسة وعشرون ذراعا بذراع العمل، وكان الابتداء في عمارة هذا المسجد في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة، وانتهت العمارة في ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة (٥) في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومكتوب في حائطه أن سنجر عمر ذلك من خالص ماله لم ينفق عليه شيئا من مال الحرمين الشريفين، رحمه الله تعالى (٦). وبجوار المسجد الجاولي من جهة القبلة المطبخ الذي يعمل به الجريشة (٧) للمجاورين والواردين وعلى باب المطبخ تدق الطبلخانات في كل يوم بعد العصر عند تفرقة السماط الكريم. وهذا السماط من عجائب الدنيا يأكل منه أهل البلد والواردين (٨)، وهو خبز يعمل في كل يوم، ويفرق في ثلاثة أوقات بكرة النهار وبعد الظهر لأهل المدينة وبعد العصر تفرقة عامة لأهل البلد، والواردين، ومقدار ما يمل فيه من الخبز كل يوم أربعة عشر ألف رغيف، ويبلغ إلى خمسة عشر ألف رغيف في بعض الأوقات (٩). وأما سعة وقفه: فلا تكاد تنضبط، ولا يمتنع من سماطه الكريم (١٠) أحد لا

стр. 143

من الأغنياء ولا من الفقراء. وأما السبب في دق الطبلخانة في كل يوم عند تفرقة السماط بعد العصر فيقال: أن الأصل في ذلك أن سيدنا إبراهيم الخليل (١)، ﵇، كان لما يأتي إليه الضيوف (٢)، ويصنع لهم ما يأكلونه ويكونون جماعة متفرقين في المنازل التي أنزلهم فيها، فإذا قصد إطعامهم دق الطبل لإعلامهم (٣) أنه هيأ لهم ما يأكلونه ليجتمعوا، فإذا سمعوا بادروا واجتمعوا لأكل سماطه الكريم (٤)، فصارت سنة بعده تعمل في كل يوم عند تفرقة السماط بحضرته الشريفة، ﷺ (٥)، وعلى باب المسجد الذي تدق عنده الطبلخانات (٦) المكان الذي يصنع فيه السماط من الأفران والطواحين، وهو مكان متسع يشتمل على ثلاثة أفران وستة أحجار للطحن، وخلف (٧) هذا المكان الحاصل التي يوضع فيها القمح والشعير ورؤية هذا المكان علوا وسفلا (٨) من العجائب فإنه يدخل إليه بالقمح فلا يخرج منه إلا وقد صار خبزا. وأما الاهتمام بعمل سمطاه وكثرة (٩) الرجال في تعاطي أسبابه من طحن القمح وعجنه وخبزه وتجهيز آلاته (١٠) من الحطب وغيره والاعتناء بأمره، فذلك من العجائب لا يكاد يوجد مثل ذلك عند ملوك الأرض، ولا يستكثر مثل ذلك في معجزات هذا النبي الكريم، عليه (١١) أفضل الصلاة والتسليم (١٢). ذكر إسحاق ﵇ هو إسحاق بن إبراهيم (١٣) خليل الرحمن النبي بن النبي بن النبيين، صلوات

стр. 144

الله وسلامه عليهم أجمعين، وأمه سارة حملت به في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط فيها، وولدته ولها من العمر تسعون سنة، ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم بنو إسرائيل. وكان إبراهيم، صلوات الله عليه (١)، يضيف من نزل به، وقد أوسع الله تعالى عليه وبسط له في (٢) الرزق والخدم. فلما (٣) أراد الله هلاك قوم لوط، أمر رسله من الملائكة أن ينزلوا بإبراهيم، فيبشروه (٤) هو وسارة بإسحاق ومن وراء إسحاق بعقوب، فلما نزلوا على إبراهيم، ﵇، كان الضيف قد حبس عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه، وكان لا يأكل إلا مع الضيف ما أمكنه، فلما رآهم على صورة الرجال سرّ بهم، ورأى أضيافا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا. فقال: لا يخدم هؤلاء القوم إلا أنا، فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين حنيذ (٥)، وهو المشوي بالحجارة، فلما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل أنكرهم وأوجس منهم خيفة، وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم (٦) يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت (٧) بخير وإنما جاء بشر، قالوا: لا تخف يا إبراهيم إنا ملائكة الله تعالى، أرسلنا إلى قوم لوط، وامرأته (٨) سارة قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم، وإبراهيم جالس معهم، فضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم (٩) حين قالوا (١٠): لا تخف، وقيل: فضحكت بالبشارة. وقال ابن عباس ووهب: فضحكت تعجبا من أن يكون (١١) لها ولد على كبر سنها وسن زوجها وعلى هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير تقديره: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (١٢)، وكان سن إبراهيم، ﵇، مائة وعشرين سنة،

стр. 145

وفي قول ابن إسحاق (١): (إن هذا الشيء عجيب - قالوا: يعني الملائكة - أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد). وسنذكر ما تكلم به إبراهيم، ﵇، في أمر قوم لوط عند ذكره، ﵇. ثم إن إسحاق (٢) تزوج بنت عمه ربقة بنت بتويل، ﵇، وكان إسحاق ضريرا، فولدت (٣) له العيص ويعقوب ولم يمت إبراهيم، ﵇، حتى بعث الله إسحاق، ﵇، إلى أرض الشام، وبعث يعقوب إلى أرض كنعان، وإسماعيل إلى جرهم، ولوطا إلى سدوم، وكانوا (٤) أنبياء على عهد إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وعاش إسحاق (٥) مائة سنة وثمانين سنة ومات بالأرض المقدسة، ودفن عند أبيه إبراهيم، ﵉. ذكر يعقوب ﵇ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النبي بن النبي أبو (٦) الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم (٧)، وهو الذي يسمى إسرائيل، قيل: معناه صفوة الله، وهو أخ (٨) العيص، وسمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين، فخرج من بطن أمه آخذا بعقب أخيه العيص، قيل: وفيه نظر لأن هذا الاشتقاق (٩) عربي ويعقوب اسم أعجمي (١٠). وكان مولده بعد مضي ستين سنة من عمر أبيه إسحاق، ورزق يعقوب من

стр. 146

زوجته ليقة (١) روبيل، وهو أكبر أولاده، ثم شمعون ولاوي ويهودا، ثم تزوج أختها راحيل (٢) فرزق منها يوسف وبنيامين وولد له من سريتين ستة أولاد. فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا، وهم الأسباط الإثنا (٣) عشر، وهم: روبيل وشمعون ولاوي ويهودا ويسافر وزيلون ويوسف وبنيامين ودان ونفتالي (٤) وكاد وأشر. وسموا بالأسباط لأنه ولد لكل منهم جماعة، وعاش لاوي بن يعقوب مائة وسبعا وثلاثين سنة، وولد له فاهت وعاش مائة وسبعا وعشرين سنة، ثم ولد لفاهت عمران وعاش مائة وستا وثلاثين سنة، ثم ولد لعمران موسى، ﵇ (٥)، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وعاش يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، ومات بمصر، وأوصى بأن يحمل إلى الأرض المقدسة، ويدفن عند أبيه وجده، فحمله ابنه يوسف ودفنه عندهما، وسنذكر ذلك في قصة ولده يوسف، إن شاء الله تعالى. وتقدم ذكر الخلاف في أن يعقوب، ﵇ (٦)، أول من بنى مسجد بيت المقدس، وأري (٧) موضعه بوحي من الله تعالى، وتقدم لفظ الأثر الوارد في ذلك، ونقل بلفظ آخر غير المتقدم وهو: أن والده إسحاق أوصى (٨) إليه أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين، وأن ينكح من بنات خاله - وكان مسكن يعقوب، ﵇، القدس - فتوجه إلى خاله، وأدركه (٩) الليل في بعض الطريق، وبات (١٠) متوسدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم: أن سلما منصوبا إلى باب (١١) من أبواب السماء عند رأسه والملائكة تنزل فيه وتعرج منه، فأوحى الله إليه أني إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق (١٢)، وقدر ورثك هذه الأرض المقدسة لك ولذريتك من بعدك، وباركت

стр. 147

فيك وفيهم وجعلت لكم الكتاب والحكم والنبوة، ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا المكان، فأجعله بيتا تعبدني فيه أنت وذريتك (١)، وقد حكى الحافظ أبو محمد (٢) هذا الأثر (٣) المتقدم قبله، وليس في أحدهما ما ينافي الآخر سوى اختلاف في بعض اللفظ. ذكر يوسف ﵇ (٤) هو يوسف الصديق بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهو نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله وخليله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولد يوسف، ﵇، لما كان ليعقوب إحدى وتسعون سنة. ولما كان (٥) يوسف ثماني عشرة سنة، كان فراقه ليعقوب وبقيا مفترقين (٦) إحدى وعشرين سنة، ثم اجتمع يعقوب بيوسف في مصر وليعقوب من العمر (٧) مائة وثلاثون سنة، وبقيا مجتمعين سبع عشرة سنة، وقيل غير ذلك. وسبب فراقه (٨) عن أبيه حسد إخوته، فألقوه في الجب كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز، واختلف في الجب فقال قتادة: هو في بيت المقدس، وقال وهب: بأرض (٩) الأردن، وقال مقاتل: هو على بعد ثلاثة فراسخ من منزل أبيه (١٠) يعقوب. وكان بالجب ماء وبه صخرة فآوى إليها، وأقام في الجب ثلاثة أيام، فمرت به

стр. 148

السيارة فأخرجته (١)، وأخذوه، فجاء أخوه يهودا إلى الجب بطعام ليوسف، فلم يجده في الجب ورآه عند تلك السيارة، فأخبر يهودا بقية إخوته، بذلك، فأتوا السيارة وقالوا: هذا عبدنا أبق منا، فاشتروه من أخوته بثمن بخس، قيل: عشرون درهما، وقيل: أربعون درهما، ثم ذهبوا به إلى مصر، فباعوه (٢) لأستاذهم الذي على خزائن مصر واسمه العزيز. وكان فرعون مصر حين ذلك الريان بن الوليد رجلا من العماليق، والعماليق من ولد (٣) عملاق بن سام بن نوح، فهويته امرأته راعيل، وراودته عن نفسها، فأبى وهرب، فلحقته من خلفه، وأمسكته بقميصه فانقد، ووصل أمرها (٤) إلى زوجها العزيز وابن عمها بتحقيق وبيان، فظهر لهما براءة يوسف، ثم بعد ذلك ما زالت تشكو إلى زوجها وتقول إنه يقول للناس: أني راودته عن نفسه وفضحني، فحبسه زوجها سبع سنين، ثم أخرجه (٥) فرعون مصر بسبب تعبير الرؤيا التي رآها. ثم مات العزيز فجعل (٦) فرعون يوسف موضعه على خزائنه، وجعل القضاء إليه، ودعا (٧) يوسف الريان فرعون مصر إلى الإيمان، فآمن به. وبقي كذلك إلى أن مات الريان، وملك بعده مصر قابوس بن مصعب من العمالقة أيضا ولم يؤمن. وكان يوسف إذ سار في أزقة (٨) مصر يتلألأ نور وجهه على الجدران، وكان من صفته، ﵇، أنه أبيض اللون، حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العين (٩)، مستوي الخلقة، غليظ الساعدين والعضدين والساقين، أقنى الأنف، صغير السرة، بخده الأيمن خال أسود، وكان ذلك الخال يزين وجهه، وبين عينيه شامة تزيده حسنا وجمالا، كأنه القمر ليلة البدر، وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور يثور من بين ثناياه، ﷺ . ووصل إلى يوسف أبوه يعقوب وأخوته جميعا من كنعان، وهي الشام (١٠)،

стр. 149

وقد ذكر الله قصته في القرآن مبسوطة مفصلة، ومات يعقوب، وأوصى إلى يوسف (١) أن يدفنه مع أبيه إسحاق، فسار به إلى حبرون، ودفنه مع أبيه (٢)، وقبره بحذاء قبر الخليل، ﵇، من جهة الشمال وهو مشهور. وكان عمر يوسف لما توفي والده يعقوب ستا وخمسين سنة، فلما دفنه (٣) عاد إلى مصر، وعاش يوسف مائة وعشرين سنة، وبينه وبين موسى (٤) أربعمائة سنة، ونزل جبريل، ﵇، أربع مرات، وتوفي بمصر، ودفن بها حتى كان زمن (٥) موسى، ﵇، وفرعون. فلما سار موسى من مصر ببني إسرائيل إلى التيه نبش قبر يوسف (٦)، ﵇ (٧)، وحمله معه في التيه (٨) حتى مات موسى، فلما قدم يوشع (٩) ببني إسرائيل إلى الشام، دفنه بالقرب من نابلس، وقيل: عند الخليل وهو المشهور، عند الناس فإن قبره عند الخليل، ظاهر مشهور، وقد استفاض عند الناس (١٠) فلم ينكر. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى، ﵇، أن أحمل يوسف إلى بيت المقدس عند آبائه فلم يدر أين هو، فسأل بني (١١) إسرائيل، فلم يعرف أحد منهم أين هو (١٢)، فقال شيخ له ثلاثمائة سنة: يا نبي الله ما يعرف قبر يوسف إلا والدتي، قال له (١٣): قم معي إلى والدتك، فقام الرجل ودخل منزله، فأتاه (١٤) بقفة

стр. 150

فيها والدته، فقال لها موسى، ﵇: ألك علم بقبر يوسف؟ قالت: نعم (١)، أدلك على قبره على أن تدعو الله أن يرد عليّ شبابي إلى سبعة عشر سنة، ويزيد (٢) في عمري مثل ما مضى، فدعا موسى، ﵇، لها (٣) وقال: كم عشت؟ فقالت: تسعمائة سنة، فعاشت ألفا وثمانمائة سنة، وأرته (٤) قبر يوسف، ﵇، وكان في وسط نيل مصر في صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات تشاحن (٥) عليه الناس، وكل يحب أن يدفن في محله (٦) لما يرجون من بركته، ﵇، فاختلف رأيهم في ذلك حتى هموا أن يقتتلوا (٧)، فرأوا أن يدفن في النيل، فيمر عليه الماء، ثم يصل جميع مصر، فيكونون كلهم شركاء في بركته (٨)، ففعلوا ذلك. فلما (٩) علم موسى مكانه أخرجه وهو في التابوت، فحمله على عجل من حديد إلى بيت المقدس، وقبره في البقيع خلف الحير السليماني حذاء قبر يعقوب وجوار جديه إبراهيم وإسحاق، ﵈ (١٠). وعن إبراهيم بن أحمد الخلنجي (١١) أنه لما سألته جارية المقتدر (١٢)، وكانت تعرف بالعجوز، وكانت مقيمة ببيت المقدس، الخروج إلى الموضع الذي روي أن قبر يوسف، ﵇ (١٣)، فيه وإظهاره والبناء عليه، قال: فخرجت والعمال

стр. 151

معي لكشف (١) البقيع الذي روي أنه فيه خارج الحير حذاء قبر أبيه يعقوب، ﵇ (٢). قال: فاشترى البقيع من صاحبه وأخذ في كشفه فخرج في الموضع الذي روي أنه فيه حجر عظيم وأمر (٣) بكسره فكسر منه قطعة قال: وكنت معهم في الحفر، فلما شالوا القطعة من الحجر، فإذا (٤) هو بيوسف، ﵇، على الصفة من الحسن والجمال (٥)، وصارت روائح الموضع مسكا، ثم جاء ريح عظيم فأطبق العمال الحجر على ما كان (٦)، ثم بنى عليه القبة التي هي عليه الآن على صحة من رؤيته، ﷺ ، وهو خارج السور السليماني من جهة الغرب بداخل مدرسة منسوبة للسلطان الملك الناصر حسن (٧)، وتسمى الآن بالقلعة، ويدخل إليه من عند باب المسجد الذي عند السوق تجاه عين الطواشي (٨)، وهو موضع مأنوس وفيه الضريح. ثم إن بعض النظار على مسجد الخليل (٩)، ﵇، وهو شهاب الدين أحمد اليغموري فتح بابا في السور السليماني من جهة الغرب بحذاء القبر المنسوب لسيدنا يوسف الصديق (١٠)، وجعل فوق القبر السفلي إشارة تدل عليه كبقية الأضرحة (١١) الكائنة بمسجد الخليل، ﵇، وذلك في سلطنة الملك الظاهر برقوق. وروي عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: قال رسول الله، ﷺ : «إن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ولو لبثت في

стр. 152

السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت» (١) (٢). وسئل رسول الله، ﷺ : من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم لله»، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرم الناس يوسف (٣) نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله» (٤). فهؤلاء الأنبياء الأربعة وهم: إبراهيم الخليل، وولده إسحاق، وولده يعقوب، وولده يوسف، قبورهم في محل واحد وعليهم من الوقار والجلالة ما لا يكاد يوصف، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ذكر لوط ﵇ هو لوط ابن أخي إبراهيم الخليل، ﵇ (٥)، وهو لوط بن هازان بن آزر، قال الثعلبي (٦): وإنما سمي لوطا لأن حبه ليط (٧) بقلب إبراهيم أي تعلق به ولصق. وكان إبراهيم، ﵇ (٨)، يحبه حبا شديدا، وكان ممن آمن بعمه إبراهيم، وهاجر معه إلى مصر (٩)، وعاد معه إلى الشام. فأرسله الله إلى أهل سدوم وكانوا أهل كفر وفاحشة. ودام لوط يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم فلم يلتفتوا إليه، وكانوا على ما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ ﴿(٢٨) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (١٠)، وكانوا يقطعون الطريق، وإذا مر بهم المسافر (١١) أمسكوه، وفعلوا به اللواط (١٢)، فنهاهم فلم ينتهوا، ولا يزيدهم

стр. 153

وعظه إلا تماديا وضلالا، فسأل الله النصرة عليهم، فأرسل الله الملائكة لقلب سدوم وقراها المؤتفكات وهي خمس مدائن. وكان الملائكة (١) قد أعلموا إبراهيم الخليل بما أمرهم الله تعالى به من الخسف بقوم لوط حين قدموا عليه وبشروه بإسحاق، كما تقدم، فسأل إبراهيم جبريل فيهم وقال له: أرأيت إن كان فيهم خمسون (٢) من المسلمين؟ فقال جبريل: إن كان فيهم خمسون من المسلمين لا يعذبهم الله فقال إبراهيم؟ وأربعون؟ قال (٣): وأربعون، قال إبراهيم، وثلاثون، قال: وثلاثون، وكذلك حتى قال إبراهيم: وعشرة، قال جبريل: وعشرة، فقال إبراهيم (٤): إن هناك لوطا، فقال جبريل والملائكة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٢) (٥). فلما وصلت الملائكة إلى لوط هم قومه أن يلوطوا بهم، لأن الملائكة جاؤوا إليه على صورة غلمان مرد (٦)، حسان الوجوه، فقال لهم لوط: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، يعني بالتزويج، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد؟ فلم يرضوا بقوله، وقالوا: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ (٧) أي من حاجة وشهوة، وإنك لتعلم ما نريد من إتيان الرجال فعالجهم وناشدهم وهم على العناد والبغي (٨)، فأعماهم جبريل بجناحه، وقالت الملائكة للوط: ﴿إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ﴾ (٩) (١٠). فلما خرج لوط بأهله قال للملائكة: أهلكوهم الساعة، فقالوا: لم نؤمر إلا بالصبح: ﴿أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٨١) (١١).

стр. 154

فلما كان الصبح قلبت (١) الملائكة سدوم وقراها الخمس بمن فيها، وكان فيها أربعمائة ألف (٢)، فرفعوا المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، فلم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم، ثم قلبوها فجعلوا عاليها سافلها، وسمعت (٣) امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه، فأدركها حجر فقتلها، وأمطر الله الحجارة على من لم يكن بالقرى فأهلكهم. وأما قبر لوط، ﵇، فهو في قرية تسمى كفر بريك (٤) (٥)، تبعد من مسجد الخليل، ﵇، نحوا من فرسخ، ونقل أن في المغارة الغربية تحت المسجد العتيق ستين نبيا منهم عشرون مرسلا، وصار (٦) هذا المكان مشهورا، يقصد ويزار (٧). وعلى فرسخ من حبرى (٨) جبل صغير مشرف على بحيرة زغر وموضع قريات (٩) لوط، ثم مسجد بناه أبو بكر محمد بن إسماعيل الصياحي (١٠) فيه مرقد إبراهيم، ﵇، قد غاص في الصخر نحوا من ذراع يقال إن إبراهيم، ﵇ (١١)، لما رأى قريات لوط في الهواء وقف، أو رقد، ثم قال: أشهد (١٢) أن هذا لهو الحق اليقين، فلذلك سمي ذلك المسجد مسجد اليقين، وكان بناء ذلك المسجد في شهر شعبان سنة اثنتين (١٣) وخمسين وثلاثمائة (١٤)، وبظاهر المسجد مغارة به قبر فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، وعند قبرها رخامة مكتوب عليها بالكوفي:

стр. 155

أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه … بالرغم من بيت الترب والحجر أفديك فاطمة بنت ابن فاطمة … بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر ذكر أيوب ﵇ وهو رجل من أمة الروم، لأنه من ولد العيص وهو أيوب بن موص بن رازح (١) بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ﵇، وكانت له زوجة يقال لها رحمة، وكان (٢) صاحب أموال عظيمة، وكان له الثنية جميعها، وهي من أعمال دمشق، ملكا، فابتلاه الله تعالى بأن أذهب أمواله حتى صار (٣) فقيرا، ثم ابتلاه في جسده حتى تجذم ودود، وبقي مرميا على مزبلة (٤)، لا يطيق أحدا أن يشم رائحته وزوجته صابرة عليه تخدمه فتراءى لها إبليس اللعين، وقال لها: اسجدي لي لأرد مالكم (٥)، فاستأذنت أيوب، فغضب، وحلف ليضربها (٦) مائة سوط. ثم عافاه الله تعالى ورزقه ورد على امرأته شبابها وحسنها (٧)، وولدت له ستة وعشرون ذكرا (٨)، ولما عوفي أمره الله أن يأخذ عرجونا (٩) من النخل فيه مائة شمراخ (١٠) فيضرب به زوجته رحمة، ليبر في يمينه (١١) ففعل. وكان أيوب نبيا في عهد (١٢) يعقوب وعاش ثلاثا وتسعين سنة، ومن ولد أيوب ابنه بشر، وبعث الله بشرا بعد أيوب، وسماه ذا الكفل، وكان مقامه بالشام، وقبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس.

стр. 156

ذكر شعيب ﵇ وهو نبي بعثه الله إلى أصحاب الأيكة وأهل مدين، وقد اختلف في نسب شعيب، فقيل: إنه من ولد إبراهيم، وقيل: من ولد بعض الذين (١) آمنوا بإبراهيم، وكانت الأيكة من شجر ملتف فلم يؤمنوا به. فأهلك الله أصحاب الأيكة بسحابة أمطرت عليهم نارا يوم الظّلة، وذلك أنهم رأوا حرا شديدا فدخلوا الأسراب (٢) فوجدوها أشر حرا، فخرجوا منها فرأوا سحابة، فاستظلوا بها، فأمطرت عليهم نارا (٣)، فاحترقوا، وأهلك الله أهل مدين بالزلزلة. وجاء في الخبر: أن شعيبا كان خطيب الأنبياء، ﵈، وكان ضرير البصر، وقبر شعيب بقرية يقال لها: حطين من أعمال مدينة صفد وهو يبعد عن بيت المقدس نحو ثلاثة أيام. ذكر سيدنا موسى الكليم (٤) عليه أفضل الصلاة والتسليم وأخيه هارون ﵇ أقول، وبالله التوفيق، موسى نبي الله وكليمه وهو ابن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵇ (٥)، ولد لمضي ألف وخمسمائة وست وستين من الطوفان واسم أمه يوحانذ بنت لاوي بن يعقوب، وكان فرعون مصر الوليد بن مصعب، وكان قد تزوج آسية بنت مزاحم. وقد روي أن الله تعالى لما خلق الحور العين في نهاية الحسن والجمال قالت الملائكة: آلهنا وسيدنا هل خلقت خلقا هو (٦) أحسن منهن؟ فجاءهم النداء (٧): إني خلقت سيدات نساء العالمين وفضلتهن على الحور كفضل الشمس على الكواكب وهن: آسية بنت مزاحم، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خوليد، وفاطمة بنت رسول الله، ﷺ .

стр. 157

فلما وصفت آسية لفرعون أحب أن يتزوج منها، فتزوجها على كره منها ومن أبيها، وبذل لها أموالا (١) جزيلة وزفت إليه ودخل عليها، فلما همّ بها أخذه الله عنها فلم يقدر عليها، وكان ذلك (٢) حاله معها، وكان قد رضي منها بالنظر إليها. فبينما هو معها في قبتها إذ سمع هاتفا يقول: ويلك يا فرعون لقد قرب زوال ملكك (٣) على يدي فتى من بني إسرائيل، فقال فرعون لآسية: سمعت (٤)؟ هذا من عمل النساء. ثم (٥) رأى عدة منامات أزعجته فاستدعى بالمعبرين وقص عليهم ما رآه، فقال أحدهم: إن (٦) هذه الرؤيا تدل على مولود يولد، يسلبك ملكك، ويزعم أنه رسول إله السماء والأرض (٧)، فيكون هلاكك وهلاك قومك على يديه. فلحقه (٨) من ذلك أمر شديد، استشار وزراءه وأهل مملكته، فأشاروا عليه أنه يوكل بالحبالى (٩) من يحملهن إلى داره حتى تكون ولادتهن عنده، فإذا كان الولد (١٠) ذكرا قتله، وإن كانت أنثى تركها، ففعل ذلك، فقتل اثني عشر ألف مولود وكان يعذب الحبالى (١١) حتى يسقطن، فضجت الملائكة من ذلك إلى ربهم، فأوحى الله إليهم: أن اسكنوا فإن له أجلا محدودا (١٢) إلى وقت محدود، ثم بشرهم الله، (١٣)، بمولود هو موسى، ﵇، وحملت أمه به (١٤). وكان (١٥) فرعون قد منع وزراءه وكبراء مملكته من الاجتماع بأهلهم، لأنه كان

стр. 158

قد بلغه أن ذلك (١) المولود يكون من أقرب الناس إليه، وكان عمران من أقرب الناس إليه لا يفارقه (٢)، فبينما عمران قاعد عند رأس فرعون إذ نظر إلى امرأته، وقد حملت إليه على جناح ملك، فلما نظر إليها فزع فزعا شديدا، وقام على قدميه، وقال لها: ما الذي جاء بك (٣)؟ فقال له الملك: إن الله يأمرك أن تواقع أهلك (٤) على فراش فرعون ليكون ذلك هوانا لفرعون (٥)، ثم جذب الملك فراش فرعون من تحته، وألقاه لعمران، وتوارى الملك، فواقعها فحملت بموسى، ﵇، ثم احتملها الملك إلى دارها، هذا وكان على باب فرعون ألف من الحرس (٦) والأعوان. فلما أصبح دخل عليه المنجمون والكهنة وقالوا لفرعون: إن المولود الذي كنا نحذرك منه قد حملت به أمه (٧)، وقد ظهر نجمه وعلا شعاعه، فاشتد فزعه (٨) وزاد احتياطه. ولما مضت مدة الحمل، أخذ أمه الطلق في نصف الليل، وليس عندها (٩) أحد إلا أختها، فلما وضعته ونوره يتلألأ (١٠)، فرحت به إلا أنها مكروبة لخوفها من فرعون وأعوانه، فسألت الله (١١) أن يحفظه عليها وأن يرزقها الصبر، فاستوى موسى قاعدا (١٢) وقال لها: يا أمي لا تخافي ولا تحزني إن الله معنا. وسمع فرعون (١٣) في تلك الليلة هاتفا في قصره وهو يقول: ولد موسى وهلك فرعون. فصار كل صنم في تلك الليلة منكوسا (١٤)، وأصبح فرعون ممتلئا

стр. 159

غضبا (١) وشدد في طلب المولودين. وكانت أم موسى إذ خرجت في حاجة تعمد (٢) إلى موسى، فتضعه في مهده في التنور (٣)، وتغطيه، فاتفق أنها خرجت يوما وكانت أختها قد عجنت عجينا وأرادت الخبز (٤)، فأمرت بسجر التنور، فسجروه ولم يعلم أحد أن موسى في التنور، وكان قد وقع (٥) في قلب هامان أن الولد في بيت عمران، فكبس داره فقال (٦): ها هنا مولود، فقالت أختها: كيف يكون ها هنا مولود وعمران محبوس عندكم؟ فجعل هامان يفتش حتى جاء إلى التنور (٧) يسجر نارا فانصرف، وعلم أنه لا يكون مولود في التنور. فرجعت (٨) أم موسى فإذا بالأعوان والحرس قد خرجوا من دارها، فكادت تزهق روحها من الغم (٩)، فدخلت منزلها وقالت: هل نظر هامان إلى ولدي في التنور (١٠)؟ وأسرعت نحو التنور فإذا هو مسجور والنار تعلو منه، فلطمت وجهها (١١) وقالت: ما ينفعني الحذر قد أحرقتم ولدي، فناداها موسى: لا تخافي عليّ يا أماه فإن الله، (١٢)، منعني من النار فلم تحرقني فأدخلت يدها (١٣) وأخرجته ولم تمسها النار.

стр. 160

قصة التابوت (١) فلما كان بعد أربعين يوما صنعت له تابوتا، وكان عمران توفي قبل أن يتم لموسى أربعون يوما، فعمدت إلى ذلك التابوت وفرشته وأرضعت موسى وكحلته ودهنته وألقته في التابوت وأغلقت عليه بابه وهي تبكي، ثم احتملت التابوت في نصف الليل ومعها أختها وجاءت إلى شاطئ النيل فألقته في اليم (٢) وبكت فسمعت النداء: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧) (٣). وبقي التابوت في النيل أربعين يوما، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: ليلة واحدة. وصعد فرعون إلى صرح له، فجلس وهو مشرف على النيل، فألقت الريح التابوت حذاء قصره (٤)، وكان له سبع بنات ليس فيهن واحدة إلا فيها (٥) أنواع الأمراض، وكان في داره حوض عظيم يركد فيه الماء، فكن يغتسلن فيه، فلم يزل (٦) التابوت يجري حتى ركض في ذلك الحوض، فبادرت الكبيرة وأخذت التابوت وفتحته فإذا فيه موسى، ﵇، وله شعاع ونور كنور (٧) الشمس، فأخرجته فلما لمسته ذهب ما كان بها من البلاء، وتناولنه (٨) ما بينهن حتى شفين مما كن فيه من الأمراض، وصرن صحاحا من بلائهن ببركته، فأخذنه ودخلن به إلى آسية وذكرن لها القصة، فنظرت (٩) إليه وأخرجته وقبلته وحملته إلى فرعون. فلما رآه (١٠) فزع فقالت له: أيها الملك، لا تخف وذكرت له حديث التابوت وكيف ذهب بلاء البنات (١١) ببركته فلما رآه قال: يا آسية أخاف أن يكون هذا عدوي

стр. 161

ولا بد (١) من قتله، وقالت له: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ (٢)، وقالت (٣): أيها الملك أنت من قتله متمكن في أي وقت شئت، وأنت ليس لك ولد (٤) فأطعم الناس لأجله، ولم تزل به حتى فعل ذلك، فجاع الطفل وأتي (٥) بالمراضع فلم يقبل ثدي واحدة منهن، وذلك قوله تعالى: ﴿* وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦) يعني (٧) لا يرضع من غير أمه. قصة الرضاع (٨) (٩) ثم بلغ أمه وصول التابوت إلى قصر فرعون فقالت لبنتها كلثوم: أخرجي فقصي أمره، فجاءت قصر فرعون فإذا هو في حجر آسية، فقالت لها: ﴿أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ (١٢) (١٠)، فلم تعرفها (١١) آسية أنها ابنة عمها لرثاثة ثيابها، فقال فرعون: من هؤلاء القوم؟ فقالت: هم من آل إبراهيم، فأمر بإتيانهم، فحضرت أم موسى فعرفتها آسية أنها امرأة عمها عمران، فأعطتها الصبي، فلما أخذته ضحك وارتضع منها (١٢). فقال لها فرعون: إني أرى لك لبنا كثيرا فهل لك ولد؟ فقالت: هل ترك أهلك (١٣) ولدا لم يقتلوه؟ فقال لها فرعون: ويلك من قتل ولدك؟ فقالت: الملك أعلم بذلك، ولا يعلم فرعون أنها امرأة عمران، واستمرت عند آسية سنة (١٤)، ثم

стр. 162

انصرفت مسرورة مستبشرة. فلما صار لموسى ثلاث سنين دعا به فرعون، وأقعده في حجره، وجعل يلاعبه، فقبض موسى، ﵇، بيده (١) لحية فرعون ولطمه بالأخرى، فقال فرعون في نفسه: لا شك أن يكون هذا (٢) عدوي، فهم بقتله فأسرعت إليه آسية، وقالت له (٣): إن الصبيان لهم حركة ولعب من غير معرفة ولا عقل وأنا أريك أنه لا يعقل، فأمرت بإحضار طشت من فضة، ووضعت فيه تمرة (٤) وجمرة، وقدمته لموسى، ﵇، وقالت: خذ يا ولدي أيهما شئت، فأراد موسى أن يأخذ التمرة (٥)، فضرب جبريل بيده على الجمرة، فأخذ موسى بيده (٦) الجمرة، ورفعها إلى فيه فاحترق لسانه، فرماها من فيه، وبكى بكاء شديدا. فقالت له: الآن علمت ذلك (٧) ولو كان له عقل لم يؤثر الجمرة على التمرة؟ فسكت فرعون عند ذلك، ثم أظهر الله آياته وبانت معجزات موسى، ﵇، وأنبته الله نباتا حسنا، وأعطاه الله حلما وعلما في دينه ودين آبائه. ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى﴾ (٨). قال ابن عباس: الأشد: ما بين الثمان (٩) والعشرين سنة إلى ثلاثين سنة (١٠)، واستوى: إذا صار ابن أربعين سنة، وكان يذكر لبني إسرائيل ما في فرعون وما هو عليه من الضلالة، وكان موسى (١١) يأمر فرعون بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويبغضه في الكفر حتى شاع ذلك في البلد وأنه مخالف رأي فرعون.

стр. 163

قصة القبطي (١) وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) (٣)، وذلك أن موسى، ﵇، كان يمشي في بعض الأيام، فوجد إسرائيليا وقبطيا يختصمان، فاستغاث به (٤) الإسرائيلي، فوكز (٥) القبطي في صدره فمات، فندم موسى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٦) فأعلم أهل المدينة فرعون بفعل موسى (٧)، فلم يصدق. ثم أصبح موسى وهو خائف أن يأخذ بدم القتيل، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر من القبط، والقبطي يقول: قتل ابن عمي بالأمس، فقال: يا موسى أعنّي على هذا القبطي، فإنه يريد أن يحملني إلى فرعون، فقال له موسى، كما أخبر الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨) (٨)، فحزن الفتى من كلامه، وعلم (٩) أن موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس. ثم إن موسى لم يجد بدا من نصرته لأنه قد استغاث به فدنا موسى من القبطي ونزع الإسرائيلي من يده، فظن القبطي أنه يريد قتله، فقال، كما أخبر الله تعالى: ﴿يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١٩) (١٠). ثم دخل القبطي على فرعون، فأخبره (١١) أن موسى قتل رجلا، فأرسل فرعون في طلبه، وأذن لأولياء المقتول أن يقتلوه حيثما وجدوه، فسمعه رجل مؤمن من آل

стр. 164

فرعون، فأقبل إلى موسى (١) فقال، كما أخبر الله تعالى بينهما: ﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿(٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ (٢) (٣). قصة أرض مدين (٤) فلم يزل موسى، ﵇، يسير حتى صار إلى أرض مدين في اليوم السادس أو السابع وبه جهد من الجوع والعطش، فإذا (٥) بجماعة من أهل مدين على بئر لهم يسقون أغنامهم، ونظر (٦) امرأتين تذودان، أي تمنعان، أغنامهما عن الماء من بين الرعاة وهم ما بين العشرة إلى الأربعين، فقال موسى (٧) للمرأتين: ما خطبكما؟ يعني ما قصتكما: ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ (٨) (٩)، يعني يصرفوا مواشيهم عن الماء، لأننا امرأتان (١٠) لا نطيق أن نسقي ولا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبونا شيخ كبير وهو (١١) شعيب وهو نبي القوم، وكلهم يحسدونه على ما أتاه الله، قال لهما موسى: وهذا الماء لهم خاصة؟ قالتا: لا، بل لجميع الخلق، وكانوا إذا فرغوا عمدوا إلى حجر عظيم (١٢) يطبقونه على رأس البئر لئلا يقدر أحد على تنحيته. فسكت موسى، ﵇، حتى فرغ الناس من سقي أغنامهم، فأطبقوا (١٣) الحجر وانصرفوا، فقام موسى وقال للمرأتين: قربا أغنامكما من الحوض، ثم إنه تقدم إلى البئر وضرب الصخرة برجله، فرماها أربعين ذراعا على ضعفه من الجوع، فسقى أغنامهما (١٤)، فلما فرغ من ذلك تولى إلى الظل وهي شجرة

стр. 165

كانت (١) هناك، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤) (٢). فانصرفت المرأتان إلى أبيهما شعيب، فأخبرتاه (٣) بما كان، فقال لإحداهما (٤): اذهبي فأتيني به، فأقبلت إلى موسى، وأومأت إليه فقالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فقام موسى ومرت المرأة بين يديه، فكشف الريح عن ساقيها (٥)، فقال لها موسى: تأخري ورائي ودليني على الطريق، فتأخرت وكانت تقول: عن يمينك وشمالك (٦) وقدامك حتى وقف على باب شعيب، فبادرت المرأة لأبيها (٧) وأخبرته، فأذن له بالدخول، وشعيب يومئذ شيخ كبير وقد كف بصره، فسلم موسى عليه (٨)، فرد ﵇ وعانقه، ثم أجلسه بين يديه، وسأله عن حاله وقصته، فأخبره الخبر (٩)، فقال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، ودعا له بطعام، فأكل على اسم الله، فلما (١٠) فرغ من أكله حمد الله وأثنى عليه بالجميل، فقالت بنت شعيب، واسمها صافورا: ﴿يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٢٦) (١١). فرغب شعيب فيه لأجل قوته (١٢) وأمانته، فقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ فرضي موسى و ﴿قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢٨) (١٣)، فرضي شعيب وجمع المؤمنين من أهل مدين وزوجه ابنته صافورا، ودخل موسى البيت، وأقام (١٤) يرعى غنم شعيب عشر حجج وهي عشر سنين.

стр. 166

قصة رجوعه من أرض مدين (١) ثم قصد موسى، ﵇، المسير (٢) إلى أهله، فبكى شعيب وقال: يا موسى كيف تخرج عني وقد ضعفت وكبرت؟ فقال له (٣): قد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي فإنهم في مملكة (٤) فرعون، فقام شعيب وبسط يديه (٥)، وقال: يا رب إبراهيم الخليل، وإسماعيل الصفي، وإسحاق الذبيح، ويعقوب الكظيم، ويوسف الصديق، رد قوتي وبصري، فأمن موسى على دعائه، فرد الله عليه بصره وقوته ثم أوصاه بابنته. وسار موسى وأهله وضرب خيمته على الوادي وأدخل أهله فيها، وهطلت السماء بالمطر والثلج، وكانت امرأته حاملا فأخذها الطلق، فأراد أن يقدح فلم يظهر له نار، فاغتم لذلك، فإذا (٦) هو بنار من بعيد ﴿قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٢٩) (٧)، فلما دنا (٨) منها رأى نارا (٩) ممتدة من السماء إلى شجرة عظيمة من العوسج (١٠) وقيل: من العناب، فتحير وخاف، فلما أتاها نودي من جانب الواد (١١) الأيمن من الشجرة أن: ﴿يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ (١٦) (١٢)، ثم قال: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧)﴾ ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)﴾ (١٣).

стр. 167

قال تعالى (١)، : ﴿أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٢٠) (٢). فلما رآها ولى مدبرا ولم يعقب فسمع النداء: أيملك (٣) أحد الموت والحياة إلا الله، (٤)؟ فرجع موسى إلى موضعه والحية على حالها، فقال : ﴿خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)﴾ (٥)، وأدخل (٦) يده في كمه ليأخذها فسمع النداء: أرأيت لو آذنت لها أن تضربك أكان يغنيك كمك (٧)؟ فكشف يده وأدخلها في فيها (٨) فإذا هي عصى، قال الله : ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (٩)، أي من غير برص، آية أخرى مع العصى، فعند ذلك أنس موسى وذهب عنه الخوف، قال الله تعالى (١٠): يا موسى إني اخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي لأبعثك لعبد من عبيدي كفر بنعمتي وتسمى باسمي واستعبد عبيدي ولولا حلمي (١١) لأهلكته، ولكن هان عليّ وأنا مستغن عنه أمهله لأقيم عليه حجتي فبلغه رسالاتي وادعه إلى عبادتي. فقال موسى: ﴿قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٢٨) - يعني ليعرفوا كلامي - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ (١٢) (١٣) يعني (١٤) عونا لي على الرسالة، قال تعالى: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ (٣٦) (١٥)، ثم ذكر ما كان منه من قتل النفس فخافهم فقال: رب إني قتلت منهم نفسا: ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥) (١٦)، ثم قال اذهبا، يعني هو وهارون (١٧) ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٤٣)

стр. 168

﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١). وهذه المخاطبة له وحده (٢)، والرسالة له ولأخيه هارون. ومر موسى في المخاطبة مع ربه وصافورا (٣) بنت شعيب قد اشتد بها الأمر (٤) في الطلق، فسمع بأنينها سكان ذلك الوادي، فأتوا إليها وأوقدوا عندها نارا وجلسوا إليها (٥)، ثم أقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا. قصة دخوله إلى مصر وأوحى (٦) الله تعالى إلى هارون بقدوم أخيه موسى وهو يومئذ وزيرا من وزراء فرعون لا يفارقه ليلا ولا نهارا، وكانت الأبواب مغلقة فاحتمله الملك إلى قارعة الطريق ثم قال له: امض يا هارون واستقبل أخاك فقال له هارون: كيف (٧) أسلك الطريق في هذا الليل وأنا لا أعرفه، فنزل عليه جبريل وبشره بالرسالة بأخيه موسى إلى فرعون (٨) ثم احتمله الملك حتى أتى به إلى شاطئ النيل فالتقيا وتعانقا وبشره بالرسالة، ثم أقبلا يريدان أمهما فاجتمعا بها وأخبرها موسى بما كان من أمره، ثم حمل جبريل هارون من عند أمه إلى منزل فرعون. ثم خرج موسى متنكرا ونظر (٩) ما أحدثه فرعون بأرض مصر من البنيان، ثم قصد الاجتماع بفرعون، فحضر إلى بابه، فمنهم من يعرفه، ومنهم من ينكره، ثم علم به فرعون فتغير لونه (١٠) وارتعدت مفاصله، ثم إن هامان أمسكه

стр. 169

وحبسه وأخبر فرعون بأمره وأنه حبسه، فدعا فرعون بالفراشين وزين قصره واستحضره (١). فلما نظر فرعون إلى موسى (٢) عرفه ولكنه قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله ورسوله وكليمه، قال فرعون (٣): إنك عبدي وابن أمتي، قال موسى: إن الله (٤) أعز من أن يكون له ندا أو ضدا، قال له فرعون: فأنت رسول إليّ وحدي؟ قال (٥): إليك وإلى جميع أهل مصر، قال له: فبماذا أرسلت، قال: لتقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن موسى عبده ورسوله، قال له فرعون: فما حجتك فإنك لكل مدع بينة (٦)، فقال موسى: إن أتيتك ببينة واحدة تؤمن بي؟ قال: نعم، قال موسى: يا هارون انزل عن الكرسي (٧)، فنزل هارون ثم قال: يا فرعون ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ - يعني بالبناء ونقل الحجارة (٨) - ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٩)، فتحير (١٠) فرعون لأنه كان عنده أن هارون شاهد على أخيه لاختصاصه به وقربه منه. ثم قال: فمن ربكما يا موسى؟ ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (١١)، وكان هارون كلما تكلم أخوه موسى بشيء صدقه فيه فأعانه (١٢) عليه، فغضب فرعون على هارون وخلع ما عليه من اللباس حتى بقي (١٣) بالسراويل، فبادر موسى ونزع مدرعة (١٤) مما عليه فألبسها هارون، ثم نزل

стр. 170

جبريل (١) بقميص من الجنة فأفرغه على هارون، فتحير من أمره، ثم أمر هامان بحملهما إلى داره ومداراتهما على أن يرجعا إلى طاعته ويشركهما (٢) فيما هو فيه، فلم يلتفتا لقوله، فجاء هامان وأخبر فرعون بامتناعهما (٣). فأمر بإحضارهما (٤) وقال لموسى: ﴿قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿(١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ - يعني القتل - ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢١) (٥)، يعني إليك يا فرعون، ثم قال له: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢) (٦)، يعني أنك جعلت بني إسرائيل عبيدا لك تذبح أبناءهم وتستحيي نساءهم، وكان فرعون متكئا، فاستوى جالسا (٧)، فقال: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٣) (٨)، قال موسى: ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (٢٤) (٩)، فالتفت فرعون وقال لمن حوله (١٠): ألا تسمعون؟ يعني إلى قول موسى، قال موسى: ﴿قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٦) - قال فرعون - ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٢٧) - قال موسى - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٨) قال - فرعون - ﴿لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠) - يعني آية بينة - ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١)﴾ (١١) (١٢). قصة الحية واليد البيضاء (١٣) فبينما هما في المجادلة إذا بالعصا قد اضطربت في كف موسى فناداه جبريل:

стр. 171

أن ألقها يا نبي الله (١) ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٢٠) (٢) يعني ثعبان مبين أعظم ثعبان (٣)، والناس ينظرون إليه، وقام على رجليه حتى أشرف على الحائط، وجعل يقلع الصخور من قصر فرعون ويهدمها، ثم تتنفس (٤) في البيوت والمخازن (٥)، فاشتعلت نارا، وجعلت تهيج كما يهيج الجمل ولها صوت كالرعد (٦)، والناس يهربون منها، وآسية تنظر وتتعجب من ذلك، فلما نظر فرعون إلى ذلك وثب عن سريره، وقد أحدث في ثيابه، وأخذت الحية ذيل ثيابه حتى رمى بنفسه خلف السرير، وقال: يا موسى بحق التربية والرضاع وبحق آسية، قال: فلما سمع موسى بذكر آسية صاح بالحية فأقبلت نحوه كالكلب، فأدخل يده في فمها، وقبض على لسانها، فإذا هي عصا كما كانت بقدرة الله، (٧). فلما نظر فرعون إلى ذلك قال: يا موسى! لقد تعلمت (٨) سحرا عظيما هل عندك غير هذا؟ قال: نعم وأدخل يده في جيبه ثم أخرجها وإذا هي بيضاء ولها نورا (٩)، ثم ردها إلى جيبه وأخرجها على لونها الأول، فأقبل فرعون على قومه وقال: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ (١٠). قصة السحرة (١١) ثم أقبل الملأ من قوم فرعون عليه وقالوا: أيها الملك (١٢) ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ (٦٣) (١٣)، وقالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿(٣٦) بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ (١٤) (١٥). فأمر فرعون بذلك

стр. 172

وأرسل قصاده (١) إلى جميع البلاد، فاجتمع إليه سبعون ألف ساحر وهم أحذق الخلق، ثم بعث إلى موسى ودعاه، وقال فرعون للسحرة: اجتهدوا أن تغلبوا موسى. ثم اجتمع الناس في صعيد واحد لينظروا من يكون الغالب. وخرج فرعون بجنده. وأقبل (٢) موسى وهارون وقد أحدقت بهم الملائكة، وكان السحرة قد أخرجوا ثلاثمائة وقر (٣) من الحبال والعصي، وسحروا أعين الناس، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فامتلأ الوادي من العصي والحبال وجعلت تركض بعضها على بعض: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٦٧) - وأوحى الله إليه - ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ ﴿(٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)﴾ (٤)، فزال عن موسى الخوف وقال: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨١) (٥) ثم ألقى عصاه في وسط الوادي، وبطل ما أظهروه من السحر، فإذا (٦) حبال وعصي، وصارت عصا موسى ثعبان لها سبع رؤوس، ثم أتت على حبالهم وعصيهم، فابتلعتها عن آخرها وجميع ما في الوادي (٧) من زينة فرعون، ثم حملت على السحرة، فولوا هاربين على وجوههم، ثم اجتمعوا في موضع واحد وقالوا: ما هذا بسحر (٨) إنا آمنا بربنا، ثم خرجوا جميعهم ساجدين، فاغتم فرعون لذلك، وقال للسحرة (٩): ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ (١٠)، فقطع (١١) أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأمر بصلبهم أجمعين.

стр. 173

قصة الصرح (١) ثم أقبل فرعون على هامان (٢)، وقال له (٣): ﴿اِبْنِ لِي صَرْحاً﴾ - يعني قصرا مشيدا - ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً﴾ (٤) - يعني في الرسالة (٥)، فجمع هامان خمسين ألف بناء وصانع، وأخذوا (٦) في ذلك، وأسسوه حتى بنوا الصرح، وارتفع في الهواء ارتفاعا لم يبلغه أحد من الخلق (٧)، أراد الله أن يفتنهم فيه. واشتد (٨) ذلك على موسى وهارون لأن بني إسرائيل كانوا معذبين في بنائه، فلما فرغوا منه (٩) ارتقى فرعون فوقه، وأخذ سهما فرمى به نحو السماء فرد إليه وهو ملطخ دما (١٠)، قال: قد قتلت إله موسى، ثم أمر الله جبريل، ﵇ (١١)، أن يهدم الصرح، فجعل عاليه سافله، ومات كل من كان فيه من الفعلة ممن كان على دين فرعون. قصة الآيات التسع (١٢) ثم أخذ الله قوم فرعون بالآيات التسع وهي أنه (١٣) حبس عنهم المطر، فأجدبت الأرض (١٤)، وماتت المواشي، وخرب الصرح، وجاءهم الطوفان، فدام عليهم ثمانية أيام بلياليها، وبعث الله عليهم الجراد، فأكل جميع ما عندهم، ثم

стр. 174

القمل (١) حتى أكل جميع ما على وجه الأرض، ووقع في ثيابهم يقرضها، ويقرض (٢) أيديهم، ثم أرسل الله عليهم الضفادع، وكانت أشد عليهم من جميع ذلك (٣)، لأنها كانت تقتحم في الطعام وفي دورهم وفي ثيابهم، ثم أوحى الله لموسى (٤): ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ (٥)، فصار دما عبيطا (٦) من وقته، فاشتد بهم العطش. وكان الفرعوني والإسرائيلي يعمدان إلى موضع واحد يستقيان (٧)، فإذا أخذ الإسرائيلي يكون ماء، وإذا أخذ القبطي (٨) يكون دما، فدام ذلك ثمانية أيام حتى أجهدهم (٩) العطش، وكان بين كل آية أربعون يوما فهذه التسع آيات. قصة المسخ وقتل آسية ثم دعا موسى (١٠) عليهم وأمن هارون على دعائه، فمسخ الله كثيرا منهم حتى أصبح الرجال والنساء والصبيان حجارة، ثم إن آسية أظهرت الإنكار على فرعون، وواجهته (١١) بقبح القول، فقتلها لعنه الله، ثم بعث الله الظلمة على أهل مصر ثلاثة أيام (١٢)، فلم يعرفوا الليل من النهار. قصة النيل وانقطع عنهم النيل فضجوا إلى فرعون، فخرج بهم على أن يجري لهم النيل، فلما قرب من النيل أوقفهم وانفرد عنهم بحيث لا يرونه فنزل عن فرسه (١٣) ورفع

стр. 175

يديه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، علمت أنك إله السماء والأرض لا إله فيهما سواك، حلمك الذي يحملني (١) أن أسألك ما ليس لي (٢) بحق، وأنت المتكفل بأرزاقهم، اللهم إني أسألك أن تجري لهم النيل. فأجرى (٣) الله لهم النيل، فلما رآه القوم سجدوا له وازدادوا كفرا وقالوا: قد أتانا بالماء والنيل في طاعته وعلم الله منه أنه لا يزداد إلا كفرا (٤) لكن أراد الله أن يؤكد الحجة عليه بذلك، وبلغ ذلك موسى وهارون، فتعجبا (٥) واشتد عليهما. قصة غرق (٦) فرعون (٧) وخروج موسى من مصر ثم أوحى الله (٨) إلى موسى: أنه قد اقترب أجل فرعون وهلاكه، وأهبط الله جبريل (٩) على صورة آدمي حسن الوجه، فدخل على فرعون فقال له فرعون (١٠): من أنت؟ قال: أنا عبد من عبيد الملك جئتك مستغيثا على عبد من عبيدي مكنته من نعمتي، فاستكبر وبغى وجحد حقي وتسمى باسمي وادعى في جميع ما أنعمت عليه أنه له، فقال فرعون: بئس ذلك العبد بين العبيد، فقال جبريل، ﵇: فما جزاؤه؟ قال: يغرق في هذا (١١) البحر، قال جبريل، ﵇: إني أسألك أن تكتب لي خطا بيدك، فكتب له خطا (١٢). فأخذه جبريل وخرج من عنده حتى صار إلى موسى، فأخبره بذلك (١٣) وقال له: إن الله يأمرك أن ترحل من موضعك، فنادى موسى في بني إسرائيل بالرحيل،

стр. 176

فارتحلوا وهو يومئذ ستمائة ألف. فلما سمع فرعون بذلك نادى في جنوده، وكان في كثرة لا يحصون عددا، وسار (١) بهم في أتباع موسى، فإنه كان يعتقد أنه خرج هاربا منه، فسار حتى قرب من بني إسرائيل (٢)، فقالوا: يا موسى قد لحقنا فرعون وجنوده، فقال موسى: ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٦٢) (٣)، فقالوا (٤): قد قرب القوم وليس بين أيدينا إلا البحر (٥) وما خلفنا إلا السيوف وقد هلكنا، فأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) (٦)، وصار فيه اثنا عشر طريقا للأسباط (٧) الإثنى عشر، فجعلوا يسيرون فيه ويحدث بعضهم بعضا وموسى بين أيديهم وهارون (٨) من ورائهم. فأقبل فرعون وهامان عن يمينه (٩) ووزراؤه وجنوده، فنظروا إلى البحر يابسا وإلى تلك الطريق (١٠)، فأحب لحوق موسى، فتقدم وهو على فرسه، فتأخر الفرس ونفر، فهبط جبريل على فرسه، ثم تقدم جبريل إلى جنب فرس فرعون، فاشتم رائحة فرس جبريل، فاتبعها (١١) فرعون وجنوده وجبريل يقول: أيها الملك لا تعجل، وجعل ميكائيل يسوق الناس خلفه، فأخرج جبريل الصحيفة وقال (١٢): أيها الملك أتعرف هذه الصحيفة؟ فلما فتحها علم أنه هالك. وجعل البحر ينضم بعضه إلى بعض والناس يغرقون وفرعون ناظر (١٣) إليهم، فلما استيقن بالموت قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ﴾

стр. 177

﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩٠) (١)، فقال له جبريل، ﵇: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٩١) (٢)، فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه، قال بنو إسرائيل: ما مات فرعون، فأمر الله البحر فألقاه على الساحل فرآه بنو إسرائيل، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا بل يلقيه (٣)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (٤)، عبرة وعظة (٥)، فغرق القوم كلهم وبنو إسرائيل ينظرون إليهم كيف يغرقون. ولما عبر (٦) موسى البحر ببني إسرائيل إذ رأوا في طريقهم قوما يعبدون الأصنام فقال سفهاء بني إسرائيل (٧): ﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿(١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ (٨). ثم قال: ﴿قالَ أَ غَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٤٠) (٩)، ثم قال لهم: استغفروا الله مما قلتم، فساروا وفي قلوبهم حب الأصنام، فلما قرب موسى من الطور (١٠)، استخلف أخاه هارون على قومه (١١)، وخرج موسى إلى البقعة التي كلم الله فيها وهو صائم، فتطهر وطمع أن يكلمه الله وهو في ذلك يكثر (١٢) التسبيح والتقديس والتمجيد. قصة السامري (١٣) ثم إن السامري عمل لبني إسرائيل بعد رواح موسى لمناجاة (١٤) ربه،

стр. 178

وأخذ (١) منهم ما كان معهم من الزينة والحلي، واتخذ لهم عجلا، وكان معه قبضة من الرمل من الساحل من تحت فرس جبريل، وطرحها في جوف ذلك العجل فصار له خوار، فقال (٢) لبني إسرائيل هذا إلهكم وإله موسى، فمال إليه خلق وامتنع آخرون، وبلغ هارون ذلك فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)﴾ (٣)، واهتم لذلك (٤) ولم يمكنه التغير عليهم خشية الفتنة وموسى لا يعلم. فأوحى الله (٥)، إلى موسى: ﴿* وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿(٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾ ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ (٦)، واحتمل جبريل موسى إلى الموضع الذي كلمه (٧) فيه ربه، فوقف (٨) وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢) (٩)، فسمع موسى في ذلك الوقت صرير القلم يجري في اللوح، واللوح من الزمرد الأخضر، فأوحى (١٠) الله إلى القلم أن اكتب فقال القلم: يا رب وما أكتب؟ فنودي يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ولا تشرك بي شيئا فمن أشرك بي أدخلته النار (١١)، لا تسرق مال غيرك فيحل عليك عذابي في الدنيا والآخرة وكتب غير ذلك. قصة (١٢) طلب الرؤية (١٣) وسار (١٤) موسى ببني إسرائيل مستقبلين الأرض المقدسة، فلما أتوا إلى جانب الطور أمره الله تعالى أن يقيم ببني إسرائيل في ذلك المكان وأن يستخلف

стр. 179

عليهم هارون، وظلل الغمام الجبل (١) كله، ثم دنا منه موسى فأمره الله أن يقطع الألواح من صخرة صماء فقطعها، وكتب الله فيها التوراة بيد القدرة (٢)، وكان موسى يسمع جريان القلم، فحدث نفسه بالرؤية لله ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٣) فأنت الحنان المنان ذو الفضل والإحسان متفضل عليّ بكرمك فلا تحرمني النظر إلى وجهك الكريم، يا ذا الجلال والإكرام فأوحى الله إليه: يا موسى سألت شيئا لم يسأله أحد من خلقي فهل تستطيع ذلك يا موسى؟ فإنه لا يراني أحد من خلقه إلا خر صعقا، فقال موسى: يا رب أراك وأموت أحب إليّ من أن لا أراك وأحيا. فأوحى الله إليه: ﴿لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ (٤)، لا يعقل من أمره شيئا، ثم أزال الله خوفه فذلك قوله تعالى: ﴿صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) (٥)، معناه: أنا أول المصدقين بأنه لا يراك أحد في الدنيا. ثم أوحى الله إليه: ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) (٦). ثم أوحى الله إليه: ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥)، بعبادة العجل، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ (٧)، واشتد غضبه عليهم وقال: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ (٨). ثم ألقى الألواح وعمد إلى أخيه هارون، وأخذ بلحيته وبرأسه (٩) وقال له: لم لا تبعتني لما رأيتهم ضلوا، أفعصيت أمري؟ فبكى هارون وقال: ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ (١٠)، وارفق (١١) بي فإني أكبر منك سنا ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا﴾

стр. 180

﴿يَقْتُلُونَنِي﴾ (١)، فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين، فاستحيا موسى منه ثم خلاه وضمه إلى صدره، وسأل الله المغفرة والرحمة له ولأخيه. وأقبل (٢) موسى على بني إسرائيل يعاتبهم فأخبروه بقول السامري، فأقبل السامري وهو مغضب، وسأل (٣) عن أمره فأخبره بما كان، فهم موسى بقتله، فأوحى الله إليه: أن (٤) لا تقتله فإنه سخي في قومه، ولكن أخرجه من عسكرك، ثم عمد موسى إلى صخرة عظيمة فلم (٥) يزل يضرب بها العجل حتى تقطع، ثم أحرقه بالنار حتى صار رمادا وذراه في البحر فقال: لو كان هذا إلها كان يدفع عن نفسه، وسكت عن موسى الغضب، فأقبل على بني إسرائيل وقال لهم: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (٦)، فقالوا: يا موسى اسأل ربك لنتوب. فأوحى الله إليه: إنه لا توبة لهم لأن في قلوبهم مرضا من حب العجل، فأخرج من رماد العجل وألقاه (٧) في الماء، ثم أمرهم ليشربوا منه، فإنه يظهر ما في قلوبهم على وجوههم، فلما فعل ذلك لم يبق أحد ممن في قلبه مرض أو غم من كسر العجل إلا أصبح مصفرا لونه، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالموت، فقالوا: يا موسى ما لنا غير التوبة الخالصة، وقد أخلصنا في توبتنا حتى أنك لو تسأل ربنا (٨) أن نقتل أنفسنا فنقتلها. فأوحى الله لموسى (٩) إني قد رضيت عليهم بحكمهم في أنفسهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٠)، فقالوا (١١): كيف نقتل أنفسنا ونحن أهل وأقارب، فأنزل الله عليهم ظلمة، فلم يبصر بعضهم بعضا حتى أن الرجل كان يأتي إلى أخيه وابن عمه وهو لا يعرفه فيقتله (١٢)، والسلاح لم يعمل فيمن لم
следующие страницы →