← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فارتحلوا وهو يومئذ ستمائة ألف. فلما سمع فرعون بذلك نادى في جنوده، وكان في كثرة لا يحصون عددا، وسار (١) بهم في أتباع موسى، فإنه كان يعتقد أنه خرج هاربا منه، فسار حتى قرب من بني إسرائيل (٢)، فقالوا: يا موسى قد لحقنا فرعون وجنوده، فقال موسى: ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٦٢) (٣)، فقالوا (٤): قد قرب القوم وليس بين أيدينا إلا البحر (٥) وما خلفنا إلا السيوف وقد هلكنا، فأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣) (٦)، وصار فيه اثنا عشر طريقا للأسباط (٧) الإثنى عشر، فجعلوا يسيرون فيه ويحدث بعضهم بعضا وموسى بين أيديهم وهارون (٨) من ورائهم. فأقبل فرعون وهامان عن يمينه (٩) ووزراؤه وجنوده، فنظروا إلى البحر يابسا وإلى تلك الطريق (١٠)، فأحب لحوق موسى، فتقدم وهو على فرسه، فتأخر الفرس ونفر، فهبط جبريل على فرسه، ثم تقدم جبريل إلى جنب فرس فرعون، فاشتم رائحة فرس جبريل، فاتبعها (١١) فرعون وجنوده وجبريل يقول: أيها الملك لا تعجل، وجعل ميكائيل يسوق الناس خلفه، فأخرج جبريل الصحيفة وقال (١٢): أيها الملك أتعرف هذه الصحيفة؟ فلما فتحها علم أنه هالك. وجعل البحر ينضم بعضه إلى بعض والناس يغرقون وفرعون ناظر (١٣) إليهم، فلما استيقن بالموت قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ﴾

стр. 177

﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩٠) (١)، فقال له جبريل، ﵇: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٩١) (٢)، فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه، قال بنو إسرائيل: ما مات فرعون، فأمر الله البحر فألقاه على الساحل فرآه بنو إسرائيل، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا بل يلقيه (٣)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (٤)، عبرة وعظة (٥)، فغرق القوم كلهم وبنو إسرائيل ينظرون إليهم كيف يغرقون. ولما عبر (٦) موسى البحر ببني إسرائيل إذ رأوا في طريقهم قوما يعبدون الأصنام فقال سفهاء بني إسرائيل (٧): ﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿(١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ (٨). ثم قال: ﴿قالَ أَ غَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٤٠) (٩)، ثم قال لهم: استغفروا الله مما قلتم، فساروا وفي قلوبهم حب الأصنام، فلما قرب موسى من الطور (١٠)، استخلف أخاه هارون على قومه (١١)، وخرج موسى إلى البقعة التي كلم الله فيها وهو صائم، فتطهر وطمع أن يكلمه الله وهو في ذلك يكثر (١٢) التسبيح والتقديس والتمجيد. قصة السامري (١٣) ثم إن السامري عمل لبني إسرائيل بعد رواح موسى لمناجاة (١٤) ربه،

стр. 178

وأخذ (١) منهم ما كان معهم من الزينة والحلي، واتخذ لهم عجلا، وكان معه قبضة من الرمل من الساحل من تحت فرس جبريل، وطرحها في جوف ذلك العجل فصار له خوار، فقال (٢) لبني إسرائيل هذا إلهكم وإله موسى، فمال إليه خلق وامتنع آخرون، وبلغ هارون ذلك فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)﴾ (٣)، واهتم لذلك (٤) ولم يمكنه التغير عليهم خشية الفتنة وموسى لا يعلم. فأوحى الله (٥)، إلى موسى: ﴿* وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿(٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾ ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ (٦)، واحتمل جبريل موسى إلى الموضع الذي كلمه (٧) فيه ربه، فوقف (٨) وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ (٥٢) (٩)، فسمع موسى في ذلك الوقت صرير القلم يجري في اللوح، واللوح من الزمرد الأخضر، فأوحى (١٠) الله إلى القلم أن اكتب فقال القلم: يا رب وما أكتب؟ فنودي يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ولا تشرك بي شيئا فمن أشرك بي أدخلته النار (١١)، لا تسرق مال غيرك فيحل عليك عذابي في الدنيا والآخرة وكتب غير ذلك. قصة (١٢) طلب الرؤية (١٣) وسار (١٤) موسى ببني إسرائيل مستقبلين الأرض المقدسة، فلما أتوا إلى جانب الطور أمره الله تعالى أن يقيم ببني إسرائيل في ذلك المكان وأن يستخلف

стр. 179

عليهم هارون، وظلل الغمام الجبل (١) كله، ثم دنا منه موسى فأمره الله أن يقطع الألواح من صخرة صماء فقطعها، وكتب الله فيها التوراة بيد القدرة (٢)، وكان موسى يسمع جريان القلم، فحدث نفسه بالرؤية لله ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٣) فأنت الحنان المنان ذو الفضل والإحسان متفضل عليّ بكرمك فلا تحرمني النظر إلى وجهك الكريم، يا ذا الجلال والإكرام فأوحى الله إليه: يا موسى سألت شيئا لم يسأله أحد من خلقي فهل تستطيع ذلك يا موسى؟ فإنه لا يراني أحد من خلقه إلا خر صعقا، فقال موسى: يا رب أراك وأموت أحب إليّ من أن لا أراك وأحيا. فأوحى الله إليه: ﴿لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ (٤)، لا يعقل من أمره شيئا، ثم أزال الله خوفه فذلك قوله تعالى: ﴿صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) (٥)، معناه: أنا أول المصدقين بأنه لا يراك أحد في الدنيا. ثم أوحى الله إليه: ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) (٦). ثم أوحى الله إليه: ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥)، بعبادة العجل، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ (٧)، واشتد غضبه عليهم وقال: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ (٨). ثم ألقى الألواح وعمد إلى أخيه هارون، وأخذ بلحيته وبرأسه (٩) وقال له: لم لا تبعتني لما رأيتهم ضلوا، أفعصيت أمري؟ فبكى هارون وقال: ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ (١٠)، وارفق (١١) بي فإني أكبر منك سنا ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا﴾

стр. 180

﴿يَقْتُلُونَنِي﴾ (١)، فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين، فاستحيا موسى منه ثم خلاه وضمه إلى صدره، وسأل الله المغفرة والرحمة له ولأخيه. وأقبل (٢) موسى على بني إسرائيل يعاتبهم فأخبروه بقول السامري، فأقبل السامري وهو مغضب، وسأل (٣) عن أمره فأخبره بما كان، فهم موسى بقتله، فأوحى الله إليه: أن (٤) لا تقتله فإنه سخي في قومه، ولكن أخرجه من عسكرك، ثم عمد موسى إلى صخرة عظيمة فلم (٥) يزل يضرب بها العجل حتى تقطع، ثم أحرقه بالنار حتى صار رمادا وذراه في البحر فقال: لو كان هذا إلها كان يدفع عن نفسه، وسكت عن موسى الغضب، فأقبل على بني إسرائيل وقال لهم: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (٦)، فقالوا: يا موسى اسأل ربك لنتوب. فأوحى الله إليه: إنه لا توبة لهم لأن في قلوبهم مرضا من حب العجل، فأخرج من رماد العجل وألقاه (٧) في الماء، ثم أمرهم ليشربوا منه، فإنه يظهر ما في قلوبهم على وجوههم، فلما فعل ذلك لم يبق أحد ممن في قلبه مرض أو غم من كسر العجل إلا أصبح مصفرا لونه، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالموت، فقالوا: يا موسى ما لنا غير التوبة الخالصة، وقد أخلصنا في توبتنا حتى أنك لو تسأل ربنا (٨) أن نقتل أنفسنا فنقتلها. فأوحى الله لموسى (٩) إني قد رضيت عليهم بحكمهم في أنفسهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٠)، فقالوا (١١): كيف نقتل أنفسنا ونحن أهل وأقارب، فأنزل الله عليهم ظلمة، فلم يبصر بعضهم بعضا حتى أن الرجل كان يأتي إلى أخيه وابن عمه وهو لا يعرفه فيقتله (١٢)، والسلاح لم يعمل فيمن لم

стр. 181

يعبد العجل، فلم يزالوا في ذلك (١) حتى غاصوا في الدماء، فاستغاثوا يا موسى العفو العفو، فبكى موسى، ودعا إلى الله سبحانه (٢) بالعفو عنهم، فارتفعت عنهم الظلمة. ثم أقبل عليهم موسى بالتوراة وقال: هذا كتاب ربكم فيه الحلال والحرام والأحكام (٣) والسنن والفرائض والرجم للزاني والزانية المحصنين والقطع للسارق والقصاص من كل ذنب يكون منكم، فضجوا من ذلك وقالوا: لا حاجة لنا بهذه الأحكام، وما كنا فيه (٤) من عبادة العجل كان أرفق بنا فلم يكن في عبادته علينا قطع ولا رجم ولا قصاص. قصة الجبل (٥) فقال موسى: يا رب إنك تعلم أنهم قد ردوا كتابك وكذبوا بآياتك، فأمر الله جبريل برفع طور سيناء في الهواء على عسكر بني إسرائيل، فرفعه على رؤوسهم في الهواء حتى (٦) لم يروا السماء ونودوا: أن قبلتم هذا الكتاب وإلا ألقي عليكم هذا الجبل، فلما نظروا إلى الجبل (٧) يدنو منهم حتى ظنوا أنه سيسقط (٨) عليهم، وأيقنوا بالموت فخروا سجدا، فلما قبلوا الكتاب رد الله عنهم الجبل. قصة الحجر وكان بنو إسرائيل إذا اغتسلوا في مواضعهم يكشفون (٩) عوراتهم، وكان يرون موسى في اغتساله مستترا (١٠)، فاعتقدوا فيه أن ببدنه عيبا، وكان إذا اغتسل وضع ثوبه على حجر هناك، ثم قرع (١١) الحجر بعصاه حتى ينفجر منه الماء فيغتسل، ففعل

стр. 182

ذلك يوما (١) فانقلع الحجر من مكانه، بإذن الله تعالى، ومر (٢) على وجه الأرض، فعدا موسى خلفه عريانا وهو يقول: أيها الحجر قف (٣) حتى وقف على جماعة من بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ولا عيب فيه (٤)، فندموا على ما قالوا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٥). قصة طلب بني إسرائيل الرؤية (٦) (٧) ثم طلب بنو إسرائيل من موسى الرؤية: ﴿فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ (٨)، فأوحى الله إليه: أن اختر من قومك سبعين رجلا وسر بهم إلى الطور، واحمل معك أخاك هارون، واستخلف على عسكرك (٩) يوشع بن نون ففعل ذلك، وسار بهم نحو الجبل، فنودوا من السماء: يا بني إسرائيل فصعقوا كلهم وماتوا، فحزن موسى عليهم (١٠)، وقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ - يعني الذين عبدوا العجل - ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ - يعني ابتلاؤك - ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا﴾ (١١). فرد الله عليهم أرواحهم، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (١٢)، ورجعوا إلى عسكرهم (١٣) فرحين، وأخبروا قومهم بما رأوه، ثم أنهم بدلوا التوراة بعد ذلك وزادوا فيها (١٤)، ونقصوا منها، فذلك قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) (١٥) (١٦).

стр. 183

قصة الجبارين (١) والتيه والحطة (٢) ثم أوحى الله (٣) أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة، فإذا أردتم دخولها فلا تدخلوا (٤) إلا ساجدين شاكرين بربكم على تبليغكم إياها، فقاتلوا الجبارين وجاهدوهم، فاستثقلوا ذلك (٥)، واستبعدوا الأرض المقدسة، واختاروا أيام فرعون على هذه الأيام. فأوحى الله إلى موسى: إني ممطر عليهم المن وأمرت (٦) الريح أن تأتيهم بالسلوى، والحجر أن ينفجر لهم بماء عذب، والغمام (٧) أن يسير معهم، وأخفافهم أن لا تنثقب، وثيابهم تكون (٨) بقدر صغارهم وكبارهم، فلما سمعوا ذلك طابت نفوسهم وساروا والأمر على ذلك. ثم اختار موسى اثني عشر رجلا بإذن الله تعالى ووجههم إلى أريحا (٩)، مدينة الجبارين (١٠)، ليأتوه بخبرها وصفة أهلها، فخرجوا ومعهم يوشع بن نون، فلما قربوا من المدينة استقبلهم رجل من الجبارين، فساقهم بين يديه إلى أريحا، فاجتمعوا عليهم يتعجبون من ضعف أبدانهم، وقالوا: هؤلاء الذين يزعمون أنهم يخرجونا (١١) من مدينتنا، وهموا بقتلهم، ثم اقتضى رأيهم أن يدعوهم ليكونوا عبيدا لهم، فلما أقبل الليل هربوا على وجوههم حتى صاروا (١٢) إلى عسكر بني إسرائيل، وأخبروهم بذلك.

стр. 184

وبلغ (١) موسى صنيعهم، فدعاهم وقال لهم: ألم أقل لكم اكتموا ما ترون فلم تقبلوا حتى هولتم عليهم وأرعبتم قلوبهم، ثم دعا عليهم فمات منهم عشرة وبقي رجلان يوشع (٢) وكالب (٣) فإنهما كانا كتماه. ووقع (٤) الخوف في بني إسرائيل من الجبارين، وقالوا: يا موسى إن مملكة فرعون كانت علينا أخف (٥) مما نحن فيه ودخول مدينة الجبارين و ﴿إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)﴾ (٦)، واختلفوا عليه وهو يقول لهم: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (٢١) (٧)، فقال عند ذلك يوشع (٨) وكالب: ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ (٩)، فلم يلتفتوا (١٠) إلى قول موسى ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٥) (١١)، فأوحى الله إليه بقوله: ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦) (١٢) (١٣). فلم (١٤) يدخل الأرض المقدسة أحد من ولد بمصر. وسلط (١٥) الله عليهم التيهان، فكان كلما خرج واحد منهم يتيه في الأرض فلا يهتدي إلى أن يرجع حتى يموتوا، وأما المؤمنون فلا يموتوا (١٦) وإن تاهوا، فلم يزالوا (١٧) كذلك حتى انقرض آخرهم على رأس أربعين سنة.

стр. 185

وسار موسى إلى باب حطة (١) وعليه مكتوب اسم الله الأعظم، وأقبل المؤمنون فسجدوا عند الباب، ودخل أولاد الفاسقين، وهم يقولون حنطة حمراء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥٩) (٢) يعني أخذهم الطاعون حتى ماتوا جميعا. ثم غلب موسى، ﵇، على مدينة أريحا (٣)، وأسر من كان فيها من الجبارين، وتفرقوا على البلاد حتى أهلكهم الله (٤). وسار موسى ببني إسرائيل يريد مدينة البلقاء (٥) (٦) فقتل ملكها وغنم بنو إسرائيل من أرض البلقاء من النساء والولدان شيئا كثيرا. ثم إن بني إسرائيل ملّوا (٧) أكل المن والسلوى فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفولها وعدسها وبصلها فإنا لا نصبر (٨) على طعام واحد، فقال لهم موى: ﴿أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٩)، فأبدلهم الله بالمن والسلوى ما سألوا، ورفع عنهم ذلك بقوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ (١٠)، وهم يزيدون على أربعين ألفا. قصة قارون (١١) وكان لموسى رجل يقال له قارون بن مصعب، وهو ابن عم موسى، وكان فقيرا جدا، فتعلم صنعة الكيمياء من كلثوم أخت موسى، وكانت (١٢) تعرف ذلك، فرزق مالا عظيما يضرب به المثل على طول الدهر، وكانت مفاتيح كنوزه تحمل

стр. 186

على أربعين بغلا، وبنى دارا وصفحها بالذهب، وجعل أبوابها ذهبا (١)، فتكبر بسبب كثرة ماله على موسى، وقذفه وخرج عن طاعته، وأحضر امرأة بغيا وأمرها بقذف موسى بنفسها. فبلغ (٢) موسى فغضب وقال: يا رب إن قارون قد بغى عليّ فانصرني عليه، فأوحى الله إليه: إني قد أمرت الأرض بالطاعة لك وسلطتك عليه، فأقبل موسى حتى دخل على قارون وقال: يا عدو الله تبعث إليّ المرأة واتهمتني (٣) على رؤوس بني إسرائيل، تريد فضيحتي! أيا أرض خذيه، فساخت داره في الأرض ذراعا، وسقط قارون عن سريره (٤)، فأخذته الأرض إلى ركبتيه فقال: يا موسى أغثني، فقال له (٥): يا عدو الله تبني مثل هذه الدار، وتشرب في آنية الذهب والفضة، وأنا أدعوك إلى حظك فلا تقبله (٦) وتقول إنما أوتيته على علم عندي. أيا أرض خذيه، فأخذته فذلك (٧) قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ (٨) الآية، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٨٣) (٩). قصة الخضر ﵇ (١٠) (١١) وأذن (١٢) الله لموسى، ﵇، في الاجتماع بالخضر، ﵇،

стр. 187

وكان (١) مسكنه في جزيرة من جزائر البحر، فانطلق إليه موسى واجتمع به، وكان من شأنهما ما نص الله عليه في كتابه العزيز. وعن ابن عباس (٢)، ﵄، في قوله تعالى: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ (٣) قال كان لوح (٤) من ذهب مكتوب عليه بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله، عجبا لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبا لمن يعلم أن الموت (٥) حق كيف يفرح، وعجبا لمن يرى الدنيا وتصاريف أهلها كيف يطمئن إليها، ولما فارق موسى الخضر، ﵉، وودعه سار عنه حتى عاد إلى بني إسرائيل. قصة البقرة (٦) وكان في زمان (٧) بني إسرائيل في أيام موسى عبد صالح، فمات وترك امرأته حاملا، فولدت بعده غلاما فسمته أمه ميشا، فكبر وكان صالحا بارا بأمه، فأعلمته أمه أن أباه خلف عجلة، وأنها دفعتها إلى الراعي (٨) وهي عنده وأمرته بأخذها منه، فتوجه إلى الراعي وأخذها منه. فلما عاد، قالت (٩) له: هذه بقرتك بارك الله لك فيها فانطلق إلى السوق، فتعرض له ملك من الملائكة فقال له (١٠): يا أيها الفتى البار لأمه! بكم تبيعها؟ فقال الفتى: بثلاثة دنانير على (١١) أن أستأذن أمي، فقال له: خذ لك خمسة دنانير ولا تستأذن أمك، فأبى وعاد لأمه (١٢) فأخبرها، فقالت له: يا بني ارجع وبعها بخمسة دنانير، فعاد بها إلى السوق وجاء (١٣) الملك فقال له: بكم تبيعها؟ فقال: بخمسة دنانير على أن أستأذن أمي، فقال له (١٤) الملك: خذ لك

стр. 188

عشرة دنانير ولا تستأذن أمك، فلم يفعل وعاد لأمه (١) وأخبرها، فقالت له: يا بني غدا (٢) بعها بعشرة دنانير على إذني، واعلم يا بني أنها لا تساوي عشرة دنانير غير أن الذي يعرض لك في شرائها ملك يستخبرك (٣) كيف برك لأمك وطاعتك إياها (٤)، فإذا جاءك فقل له: أيها الملك المقرب فبكم أبيعها؟ وافعل ما يقول لك الملك. فلما كان من الغد جاء الملك وقال له: قد جئتك أطلب بقرتك ثلاث (٥) مرات فلم تبعني إياها، فقال: إن أمي أخبرتني أنك لست بآدمي وإنما أنت ملك من الملائكة، فأخبرني ما أعمل بها (٦)؟ فقال له: ردها إلى منزلك فإنه سيقتل من (٧) بني إسرائيل قتيل، ولا يعرفون قاتله، فيشترون بقرتك ليحيى القتيل بها، فتبيعها بما تريد، فانصرف الفتى إلى أمه وأخبرها بذلك. فقتل (٨) في بني إسرائيل قتيل دعوه أقاربه إلى ضيافة لهم، فقتلوه، ثم حملوه إلى قرية أخرى، وألقوه على باب من أبواب أهل القرية، واستعدوا إلى موسى، وادعوا على الذين وجدوا القتيل على بابه، فحلف الرجل (٩) بين يدي موسى (١٠) أربعين يمينا أنه ما قتل وشهد من بني إسرائيل أربعون رجلا بصلاح المتهم. فتحير موسى من ذلك، فأوحى الله إليه: أن قل لأولياء (١١) المقتول يشتروا بقرة ويذبحوها ويضربوا ببعضها بدن المقتول حتى يحييه الله تعالى لهم ويخبرهم بالذي قتله، فقال لهم موسى ذلك: ﴿قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ (١٢)، فقال لهم: ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٦٧) (١٣)، فقالوا (١٤) لموسى: ادع لنا

стр. 189

ربك يبين لنا ما صفة البقرة فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ (١)، يعني لا كبيرة ولا صغيرة، فقال لهم موسى ذلك ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ (٦٩) (٢) (٣). فلما قال لهم ذلك، قالوا له: ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٧٠) (٤)، فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ (٥) أي لا مذللة للعمل تثير الأرض، تقلبها للزراعة ولا تسقي الحرث، أي ليست بساقية ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ - بريئة من العيوب - ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ (٦) وإنما لونها واحد (٧). فلما سمعوا ذلك من موسى، اشتدوا (٨) في طلبها فلم يجدوا هذه الصفة إلا عند ميشا البار بأمه (٩)، ولو كان في ابتداء الأمر ذبحوا بقرة سواها، كانت أغنت عنهم بظاهر الأمر الأول غير أنهم شددوا على أنفسهم، فشدد (١٠) الله عليهم. فجاءوا إلى ميشا ليبيعهم البقرة فامتنع وقال: أنا أبيعها لموسى، فرضوا بذلك، وأخرج ميشا بقرته، وسار بها إلى موسى، ﵇، فقال له موسى: بكم تبيعها؟ (١١) فقال لهم: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا لا يزيد ولا ينقص، فقالوا له (١٢): هذا شيء كبير لا قدرة لنا عليه، فأقبل موسى، ﵇، على بني إسرائيل فقال لهم: إن ذلك من أجل تشديدكم في الأمر، فضمن موسى ثمن (١٣) البقرة على بني إسرائيل، وسلم إليهم البقرة، قال الله تعالى:

стр. 190

﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا﴾ (١)، يعني ما كادوا معتقدين بوفاء ثمنها. فلما ذبحوها قطعوا أذنيها (٢) وضربوا بها القتيل، فاستوى قاعدا فسألوه من الذي قتله، فقال لهم: قتلني فلان وفلان، ثم خر ميتا، فقتلهما موسى، ﵇، بذلك القتيل، ثم أمرهم بسلخ البقرة فلما سلخوها (٣) ملأوا جلدها ذهبا وأعطاه موسى لميشا (٤)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٧٣) (٥). ذكر وفاة هارون ﵇ (٦) ثم نظر هارون إلى جبل بالتيه بعيد (٧) عن معسكر بني إسرائيل فقال لموسى (٨): ألا تنظر إلى ذلك الجبل وما فيه من الخضرة؟ فقال له: بلى ولكن إلى غد إن شاء الله تعالى تمضي إليه، فلما كان من الغد مضيا عليه ومع هارون أولاده، فلما وصلوا الجبل وإذا فيه كهوف كثيرة، وإذا بكهف منها يسطع منه النور، فتبادروا إليه، فلما دخلوا إلى الكهف، إذ نظروا (٩) إلى سرير من ذهب وعليه أنواع الفرش ومكتوب على حافته بالعبرانية: هذا السرير لمن كان على طوله. فصعد موسى على السرير، فلما مد رجليه فضلت من طوله، فنزل موسى عنه. وصعد هارون واضطجع عليه فإذا هو على طوله فهمّ أن ينزل فإذا هو بملك الموت قد دخل عليهم فسلم عليهم، وأعلمهم أنه ملك الموت أرسله الله ليقبض روح هارون، فدمعت عيناه، وقال لموسى (١٠): أوصيك يا أخي بأولادي (١١) وتقربهم إليك، وتقرئ سلامي على بني إسرائيل، ثم أمر ملك الموت موسى أن

стр. 191

يخرج من الكهف، فخرج ثم قبض (١) روح هارون قبضة الملائكة. ثم دخل موسى وأولاد هارون (٢) الكهف فصلوا عليه، ثم خرجوا وأغلقوا أبواب الكهف. وانصرف موسى إلى عسكره (٣)، وأخبرهم بموت هارون، فاتهموه بقتله، فقال لهم موسى: يا سفهاء بني إسرائيل ماذا لقيت منكم؟ أقتل أخي وشقيقي وعضدي (٤)؟ ودعا ربه أن يبرئه عندهم، فأمر الله الملائكة ليحملوا سرير هارون فحملوه في الهواء (٥)، حتى نظر إليه بنو إسرائيل، ونادت الملائكة: يا بني إسرائيل لا تتهموا موسى بقتل أخيه فهذا سرير هارون (٦) قد قبضه الله إليه، وحزن بنو إسرائيل على موت هارون لأنه كان محبوبا عندهم. ثم خلفه من بعده ابنه العيزار، وأعطاه الله وقار هارون ولينه (٧) وسكونه وشبهه، فكانوا لا يشكون أنه هارون، فأحبوه حبا شديدا. وفاة موسى ﵇ (٨) ثم لما قرب أجل موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فخطب (٩) لهم وخوفهم وأنذرهم وحذرهم وأشهدهم (١٠) على أنفسهم، وأشهد الله عليه بالإبلاغ وأمرهم بالطاعة والتقوى (١١). واستخلف يوشع بن نون على بني إسرائيل، ولما فرغ من وصيته أوحى الله

стр. 192

إليه: إني قابض روحك، وذكره بما أنعم عليه من النبوة والرسالة والتكليم، فاعترف بنعمة الله وحده (١) وأثنى عليه، ثم نزل عليه ملك الموت وهو جالس (٢) يتلو التوراة فسلم عليه وقبض روحه، ﷺ . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: «أرسل الله ملك الموت إلى موسى، ﵇، فلما جاءه صكه وقلع عينه (٣)، فرجع إلى ربه، ، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال (٤): ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة (٥)، قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال (٦): فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة برمية حجر، قال رسول الله، ﷺ : «فلو (٧) كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» (٨). وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف وستمائة وست وعشرين سنة (٩) من الطوفان، وكان موته بعد أخيه هارون بأحد عشر شهرا، وقيل غير ذلك، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وعاش موسى مائة وعشرين سنة، ونزل عليه جبريل (١٠) أربعمائة مرة. وكان جملة مقام بني إسرائيل بمصر حتى أخرجهم موسى ٢١٥ سنة، وبين وفاة موسى والهجرة الشريفة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (١١)، ٢٣٤٨ سنة على اختيار المؤرخين وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا ٩٠٠ (١٢) سنة كاملة، فيكون الماضي من وفاة موسى، ﵇ (١٣)، إلى آخر

стр. 193

سنة ٩٠٠ من الهجرة ٣٢٤٨ سنة. ومات موسى ولم يدر أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه، فماج (١) الناس في أمره ولبثوا لذلك ثلاثة أيام لا ينامون الليل، فلما كان ثالث ليلة غشيتهم سحابة على قدر بني إسرائيل، فسمعوا (٢) منها مناديا يقول بأعلى صوته: مات موسى وأي نفس لا تموت؟! ولم يزل (٣) يكرر ذلك القول حتى فهمه الناس كلهم، وعلموا أنه قد مات، ولم (٤) يعرف أحد من الخلائق أين قبره، ونقل أنه دفن في الوادي من الأرض التي مات فيها. واختلف الناس في محل قبره، فقيل وهو المشهور عند الناس: إنه شرقي بيت المقدس، بينهما (٥) مرحلة ودربه عسر لكثرة الوعر وعليه بناء وداخله مسجد وعلى (٦) يمينه قبة معقودة بالحجارة وفيها ضريح يوضع عليه (٧) في أيام موسم زيارته ستر من حرير أسود عليه طراز أحمر مزركش، دائر على جميع أطرافه بالذهب، والأكثرون على أن هذا قبره، وفي الصحيح، أن النبي، ﷺ ، «مر به ليلة أسري (٨) به وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر» (٩). والذي بنى القبة المذكورة الملك الظاهر بيبرس (١٠)، ﵀ (١١) تعالى، عند عوده من الحج وزيارة بيت المقدس في سنة ٦٦٨ هـ (١٢)، ثم بنى (١٣) أهل

стр. 194

الخير، وزادوا زيادات في المسجد وحوله، فحصل النفع (١) للزائر بذلك، ثم في سنة ٨٧٥ هـ (٢) وسع داخل المسجد من جهة القبلة، ولم تكمل عمارته إلى سنة ٨٨٥ هـ (٣)، ثم بنى به منارة بعد الثمانين والثمان مائة (٤)، وهذا المكان بالقرب (٥) من أريحا الغور، من أعمال بيت المقدس وأهل بيت المقدس، يقصدونه (٦) في كل سنة عقب الشتاء ويقيمون عنده أياما. وقد ظهر في هذا المكان (٧) من أنواع المعجزات (٨) منها: أنه عند الضريح الذي بداخل القبة لا يزال يرى فوق المحراب خيال (٩) أشباح ألوانهم مختلفة، منهم صفة الراكب، ومنهم صفة الماشي، ومنهم من على كتفه رمح، ومنهم لابس أبيض، ومنهم لابس أخضر ويصافح بعضهم بعضا وغير ذلك من الصفات، وللناس في ذلك أقوال مختلفة (١٠)، فيقال: إنهم الملائكة، ويقال: إنهم الصالحون، وينظرهم كل الناس من الرجال والنساء والأطفال ولا يخفون على أحد. وإذا دخل إلى المسجد امرأة (١١) عليها حيض أو جنابه أو فعل أحد حول المسجد منكرا من المعاصي، يثور هواء في تلك البرية حتى لا يقدر الرجل على رؤية (١٢) من بجانبه، وتنقطع حبال الخيام وتقلع الخيام من مكانها وغير ذلك من الخوارق الباهرات التي يستدل بها على أنه (١٣) مدفون في هذا المكان، ﷺ (١٤).

стр. 195

فائدة فإن قيل: لم سأل موسى، ﵇ (١)، الدنو من الأرض المقدسة ولم يسأل بيت المقدس ولا مكانا مخصوصا معروفا عند الناس؟. فالجواب عنه: ما رواه القرطبي (٢) في تفسيره: بأنه إنما سأل الدنو (٣) منها لشرفها ولم يسأل مكانا معروفا: خوفا من أن يعبد ولا ينافي سؤاله الدنو منها القول بأن قبره بيت المقدس، فإنه سأل شيئا أعطاه الله فوقه وهذا شأن الكريم يعطي فوق المسؤول (٤)، وأما صلاته في قبره فلم تكن بحكم التكليف بل بحكم الإكرام والتشريف لأن الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام (٥)، حبب إليهم في الدنيا عبادة الله تعالى، فكانوا يلازمون ذلك وتوافوا (٦) عليه، فشرفهم الله تعالى بإبقائهم على ما كانوا يحبون (٧) فعله في الدنيا، فعبادتهم إلهامية كعبادة الملائكة لا تكليفية (٨)، وأما رأفته بهذه الأمة فيأتي طرف منها في قصة الإسراء على نبينا محمد، ﷺ . ذكر السبب في ملك سيدنا داود ﵇ أقول - وبالله التوفيق - كما توفي سيدنا موسى الكليم، على نبينا (٩) محمد وعليه أفضل الصلاة والسلام، قام بعد وفاته بتدبير بني إسرائيل يوشع (١٠)، ﵇ (١١)، وهو من ذرية يوسف بن يعقوب، ﵉، وبعثه الله نبيا وأمره بقتل الجبابرة، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا الغور، وأحاط بها ستة أشهر

стр. 196

فلما كان السابع نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط السور، ودخلوا (١) فقاتلوهم وهجموا على الجبارين فهزموهم وقتلوهم، وكان يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم اردد الشمس عليّ، وسأل الشمس أن تقف والقمر (٢) أن يقيم حتى ينتقم من أعداء [٢٥/ أ] الله تعالى، قبل دخول السبت، فوقفت الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، وتتبع ملوك الشام واستباحهم، وملك يوشع الشام وفرق عماله واستمر يدبر بني إسرائيل ثمانية وعشرين سنة. ثم توفي يوشع ودفن في كفل حارس (٣) (٤)، وهي قرية من أعمال نابلس، وله من العمر مائة وعشرين سنة (٥)، وكانت وفاته سنة ٢٨ لوفاة موسى، وقيل: إنه مدفون في المعرة. ثم ولي على بني إسرائيل جماعة من الملوك واحد بعد واحد، لا (٦) حاجة إلى ذكر أسمائهم، لأن المراد هنا الاختصار. ثم ولي عليهم شموئيل (٧)، ﵇، ومولده بقرية يقال لها شيلوا (٨) ويقال (٩) إنها القرية المشهورة الآن بالسيلة (١٠) من أعمال جبل نابلس، وتنبأ لما صار له من العمر أربعون (١١) سنة، فدبر شموئيل بني إسرائيل إحدى عشر سنة، ومنتهى هذه الإحدى عشرة سنة هي آخر

стр. 197

سنين (١) أحكام بني إسرائيل وقضاتهم، فيكون انقضاء سنين حكامهم في سنة ٤٩٣ لوفاة موسى، ﵇. ثم حضر بنو إسرائيل إلى شمويل (٢) وسألوه أن يقيم فيهم ملكا، فأقام فيهم شاؤل وهو طالوت بن قيس وسبط بنيامين، ولم يكن طالوت من أعيانهم قيل: أنه كان راعيا، وقيل (٣): سقاء، وقيل: دباغا، فملك طالوت سنتين واقتتل هو جالوت، وكان جالوت من جبابرة الكنعانيين، وكان ملكه بجهات فلسطين، وكان من الشدة وطول القامة بمكان عظيم. فلما برز (٤) للقتال طلب طالوت داود، ﵇، وكان أصغر بني أبيه، وأمره بمبارزة جالوت بعد أن رأى فيه العلائم التي يستدل بها على أنه هو الذي يقتل جالوت وهي دهن، كان يستدير على رأس من يكون فيه السر، وأحضر أيضا تنورا حديدا وقال: الشخص الذي يقتل جالوت يكون ملأ هذا التنور، فلما اعتبر داود ملأ التنور (٥)، واستدار الدهن على رأسه، ولما تحقق ذلك منه بالعلامة، أمره طالوت بمبارزة (٦) جالوت، فبارزه وقتل داود جالوت، وكان عمر داود إذ ذاك ثلاثين سنة. ثم بعد ذلك مات شموئيل (٧)، فدفنه بنو إسرائيل في الليل، وناحوا عليه، وكان عمره اثنين وخمسين سنة. وأحب الناس داود ومالوا إليه بالمحبة (٨)، فحسده طالوت حسدا عظيما، وقصد قتله مرة بعد أخرى، فهرب داود منه، وبقي متحرزا على نفسه، وندم طالوت (٩) بعد ذلك على ما كان منه من قصد قتل داود، ثم إن طالوت قصد فلسطين للعزاة وقاتلهم حتى قتل هو وأولاده في الغزاة، فيكون موته في أواخر سنة خمس وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى، ﵇.

стр. 198

ثم ملك بعده (١) ولده أشر يوشت ثلاث سنين، وكان ملكه على أحد عشر سبطا من بني إسرائيل وخرج من حكمه سبط يهوذا بن يعقوب فقط، فملكوا عليهم سيدنا داود وهو من ذرية يهودا المذكور. ثم ملك عليهم جميعهم داود، ﵇، وهو داود بن بيشي بن عوفيد (٢) بن يوعز بن سلمون بن فخشون بن عيناراب بن رم بن حطرون بن يارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ﵇، وكان مقام داود بحبرون، فلما استوثق له الملك، ودخلت جميع الأسباط تحت طاعته، وذلك في سنة ثمان وثلاثين من عمره، انتقل إلى القدس الشريفة (٣)، ثم فتح في الشام فتوحات كثيرة من أرض فلسطين وغيرها من الأقاليم. وكان لقمان الحكيم على عهد داود، ﵇، قاضيا في بني إسرائيل، وآتاه الله الحكمة، ولم يكن نبيا، وقبره بقرية صرفند (٤)، ظاهر مدينة الرملة، وعليه مشهد وهو مقصود للزيارة، وقال قتادة: قبره بالرملة ما بين مسجدها وسوقها، وهناك قبور سبعين (٥) نبيا ماتوا بعد لقمان جوعا في يوم واحد أخرجهم بنو إسرائيل من القدس فألجأوهم إلى الرملة، ثم أحاطوا بهم هناك، فتلك قبورهم. وقد (٦) آتى الله داود ما نص عليه في كتابه العزيز، قال الله تعالى: ﴿* وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ (٧) يعني النبوة والكتاب، وقيل: الملك، وقيل: جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به، وقوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ - أي سبحي معه، وقيل: نوحي معه - ﴿وَالطَّيْرَ﴾ (٨) عطف على موضع الجبال وقيل: معناه وسخرنا وأمرنا (٩) الطير أن تسبح (١٠) معه فكان داود إذا نادى

стр. 199

بالنياحة، أجابت الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه (١) من فوقه، فصدى [٢٥/ ب] الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك: وقيل، كان داود، ﵇، إذا تخلل الجبال (٢) فسبح الله، جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١٠) (٣) حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما شاء (٤) من غير نار ولا ضرب مطرقة، وكان سبب ذلك: أن داود لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا، وإذا (٥) رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه ويسأله (٦) عن داود ويقول له: ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو؟ فيثنون عليه ويقولون خيرا، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود، تقدم إليه على عادته، فسأله (٧) فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة واحدة فيه، فراع ذلك داود وقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله (٨) من بيت المال، فتنبه لذلك، وسأل الله أن يسبب له شيئا يستغني به عن بيت المال، فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله تعالى (٩) له الحديد وعلمه صنعة الدروع، وهو أول من اتخذها، ويقال (١٠): إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف (١١)، فيأكل ويطعم عياله، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين، ويقال: إنه كان يعمل في كل يوم درعا يبيعه بستة آلاف درهم فينفق ألفقين منها على نفسه وعياله (١٢)، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل، قال رسول الله، ﷺ : «كان داود لا يأكل إلا من عمل يده».

стр. 200

ذكر قصة أوريا (١) ولما صار لداود ٥٨ سنة، وهي السنة الثانية والعشرين من ملكه، كانت قصته مع أوريا وزوجته، وهي واقعة مشهورة، وملخصها ما نقله المفسرون في قوله تعالى: ﴿* وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ (٢١) (٢) هذه الآية من قصة امتحان داود، ﵇، واختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سببه فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأل (٣) ربه أن يمتحنه كما امتحنهم، ويعطيه من الفضل ما أعطاهم، فروي أن داود كان قد قسم الدهر ثلاثة أيام (٤) يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب المتقدمة (٥) فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب أرني الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه: أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها (٦)، فصبروا عليها، ابتلي إبراهيم بنمروذ (٧) وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وذهاب بصره، وابتلي يعقوب بالحزن وذهاب بصره (٨) على فقد ولده يوسف، فقال: رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت (٩) أيضا، فأوحى الله إليه: إني مبتليك في شهر كذا في يوم كذا فاحترس. فلما كان ذلك اليوم الذي وعد (١٠) الله، ، دخل داود محرابه وغلّق بابه (١١)، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينما هو كذلك إذ جاء الشيطان قد تمثل (١٢)

стр. 201

في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، وقيل: كان جناحاها من الدر والزبرجد، فوقعت بين رجليه فأعجبه (١) حسنها، فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل، فينظرون (٢) إلى قدرة الله تعالى، فلما قصد أخذها، طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها، فتنحت (٣) فتبعها فطارت حتى وقفت في كوة، فذهب ليأخذها، فطارت من الكوة فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل (٤)، وقيل: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقا، فتعجب داود (٥) من حسنها وحانت منها التفاتة، فأبصرت ظله فنفظت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها، فسأل عنها فقيل له: هي بشارع (٦) زوجة أوريا بن حنانا وزوجها في غزاة بالبلقاء (٧) مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا، وقدمه قبل التابوت (٨)، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدمه ففتح (٩) له فكتب إلى داود كتابا (١٠) يعلمه بما فتح على يديه، فكتب إليه أيضا أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا (١١) ليفتحه أيضا، فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه (١٢) أيضا أن ابعثه إلى عدو كذا أشد منه بأسا، فبعثه فقتل في المرة الثالثة.

стр. 202

فلما انقضت عدة المرأة (١) تزوجها داود فهي أم سليمان، ﵇، فلما دخل داود بامرأة (٢) أوريا لم يلبث إلا يسيرا: حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين في يوم، عبادته، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما الحرس، فتسوروا (٣) المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي في المحراب إلا وهما بين يديه جالسين، يقال كانا جبرائيل (٤) وميكائيل، فذلك قوله تعالى: ﴿* وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ (٢١) (٥) صعدوا وعلوا، يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته (٦)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ (٧) خاف منهم حين هجما (٨) عليه في محرابه بغير إذنه فقال: ما أدخلكما عليّ ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ - أي نحن خصمان - ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ - جئناك لتقضي بيننا - ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ - أي لا تجر (٩) - ﴿وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ (١٠)، أي ارشدنا إلى طريق الصواب. فقال داود لهما: تكلما، فقال أحدهما: إن هذا أخي - أي على ديني وطريقتي (١١) - له ٩٩ نعجة - يعني امرأة - ولي نعجة واحدة - أي امرأة واحدة والعرب تكنى بالنعجة عن المرأة فقال اكفلينها - والمعنى طلقها لأتزوجها وعزني - أي غلبني في الخطاب - أي في القول، وقيل: قهرني لقوة ملكه، وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها إلى نسائه. قال داود: ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ﴾ - أي الشركاء - ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ - أي يظلم على بعض - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ - فإنهم لا يظلمون أحدا - ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ (١٢) أي قليل هم، يعني الصالحين (١٣)، الذين لا

стр. 203

يظلمون قليل. فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك (١) وصعدا في السماء، فعلم داود أن الله (٢) ابتلاه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ داوُدُ﴾ - أيقن وعلم - ﴿أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ (٣) أي ابتليناه. وعن ابن عباس كعب ووهب قالوا جميعا: إن داود، ﵇، لما دخل عليه الملكان، فقضى على نفسه (٤)، فتحولا في صورتهما فعرجا إلى السماء (٥)، فسمعهما وهما يقولان: قد قضى الرجل على نفسه، فعلم داود أنه عني بذلك فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة (٦) أو لوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا إلى تمام الأربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو يناجي ربه، (٧)، ويسأله التوبة. وكان دعائه (٨) في سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين القلوب (٩)، سبحان خالق النور، إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس، فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان (١٠) خالق النور، إلهي أنت الذي خلقني، وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء، فيقال (١١) هذا داود الخاطيء، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي (١٢)، إلهي بأي قدم أقدم أمامك يوم القيامة، يوم تزل أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة (١٣) إلا من عند سيده،

стр. 204

سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق (١) حر نارك، سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابني (٢)، سبحان خالق النور (٣)، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان خالق النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي، ولا تباعدني من رحمتك لهواني (٤)، سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، سبحان خالق النور (٥)، إلهي أقررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني (٦) من القانطين [٢٦/ ب] ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور. قال مجاهد: مكث داود أربعين يوما لا يرفع رأسه (٧) حتى نبت المرعى (٨) من دموع عينيه حتى غطى رأسه، فنودي: يا داود أجائع فتطعم؟ أم ظمآن فتسقى؟ أو عار فتكسى؟ فأجيب في غير (٩) ما طلب، قال: فنحب نحبة هاج منها العود (١٠) فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل الله التوبة والمغفرة. قال وهب: إن داود أتاه نداء من العلي الأعلى (١١) قد غفرت لك، قال يا رب (١٢) كيف وأنت لا تظلم أحدا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه. قال: فانطلق (١٣) وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره (١٤)، ثم نادى أوريا فقال: لبيك من هذا الذي قطع عليّ لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: فما

стр. 205

حاجتك (١) يا نبي الله؟ قال: جئت أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إليّ؟ قال: عرضتك للقتل، قال: عرضتني للجنة فأنت في حل مني. فأوحى الله إليه: يا داود ألم تعلم أني حكم عدل (٢) لا أقضي بالتعنت، ألا أعلمته (٣) أنك قد تزوجت بامرأته؟ قال: فرجع إليه فناداه فأجابه، فقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله أليس (٤) حللتك (٥) وعفوت عنك؟ قال: نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك إلا بمكان امرأتك وتزوجتها، قال: فسكت ولم يجبه (٦)، فدعاه فلم يجبه، وثالثا فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل يبكي (٧) ويحثو التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود إذا نصب الميزان (٨) بالقسط، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور. فأتاه نداء من السماء (٩): يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكائك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك، قال: يا رب كيف وصاحبي (١٠) لم يعف عني؟ قال: يا داود أعطيه (١١) يوم القيامة من الثواب ما لم تره عيناه ولم تسمع أذناه، فأقول له رضي عبدي فيقول: يا رب أنّي لي هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول هذا عوض عن عبدي داود فاستوهبك (١٢) منه فيهبك لي. قال: يا رب (١٣) الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله تعالى:

стр. 206

﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ (٢٤) (١) أي ساجدا عبر عن السجود بالركوع، لأن كل واحد فيه انحناء ومعناه فخر بعدما كان راكعا، أي سجد وأناب - أي رجع - فغفرنا له ذلك - يعني ذلك الذنب - وأن له عندنا (٢) بعد المغفرة يوم القيامة ﴿لَزُلْفى﴾ - لقربه ومكانه - ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٣) حسن مرجع ومنقلب. قال وهب: إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه، ليلا ولا نهارا، وكان أصاب (٤) الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد تلك الخطيئة على أربعة أقسام (٥): يوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لنسائه، ويوما يسيح في الفيافي والجبال والساحل (٦)، ويوما يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان، فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه (٧) على ذلك، فإذا كان يوم سياحته، يخرج في الفيافي، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي (٨) معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال (٩)، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي وتبكي (١٠) الجبال والحجارة والطير والدواب حتى تسيل أودية من بكائهم، ثم يجيء إلى الساحل، فيرفع صوته فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر (١١) وطير الماء والسباع، فإذا أمسى رجع. فإذا كان يوم نواحه (١٢) على نفسه نادى مناديه: إن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده فيدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط له ثلاثة فرش من مسوح (١٣) حشوها ليف فيجلس عليها، ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانس (١٤)

стр. 207

وفي أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب، ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح (١) على نفسه، ويرفع الرهبان معه أصواتهم فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود (٢) فيها مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان، فيحمله فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه، ثم يمسح بها وجهه ويقول: يا رب اغفر ما [٢٧/ أ] ترى فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله. قال وهب: ما رفع داود رأسه حتى قال له الملك: أول أمرك (٣) ذنب وآخره معصية ارفع رأسك، فرفع رأسه، فمكث حياته لا يشرب ماء إلا مزجه (٤) بدموعه، ولا يأكل طعاما إلا بله بدموعه. وذكر الأوزاعي (٥) مرفوعا إلى الرسول، ﷺ ، قال: «إن مثل عيني داود كالقربتين ينطفان (٦) ماء ولقد خدّت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض» (٧). قال وهب: لما تاب الله على داود قال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فاستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة قال: فوسم الله خطيئته في يده اليمنى، فما رفع طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها، وما قلم خطيبا في الناس إلا بسط راحتيه، فاستقبل (٨) الناس ليروا وسم خطيئته، واستغفر للخاطئين قبل نفسه. وعن الحسن: كان داود بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين يقول: تعالوا إلى داود الخاطئ ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته (٩)، فلا يزال يبكي حتى تبتل من عينيه، وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل (١٠) ويقول: هذا أكل الخاطئين، وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف

стр. 208

الليل ويصوم نصف الدهر (١)، فلما كان من خطيئته (٢) ما كان، صام الدهر كله، وقام الليل كله، وكان إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله، وإذا ذكر رحمة الله تراجعت، وفي القصة أن الوحوش والطير كانت تسمع إلى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي إلى قراءته، فروي أنها قالت: يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك. ذكر بناء سيدنا داود ﵇ مسجد بيت المقدس (٣) عن رافع بن عميرة (٤) قال: سمعت رسول الله (٥) يقول: «قال الله ﵎ لداود: يا داود ابن لي بيتا في الأرض، فبنى داود بيتا لنفسه قبل البيت الذي أمر الله به (٦)، فأوحى الله تعالى إليه: يا داود بنيت بيتك قبل بيتي، قال: أي رب هكذا قلت فيما قضيت من ملك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد، يعني مسجد بيت المقدس. وعن وهب: لما تاب الله (٧) على داود، ﵇، وكان قد بنى مدائن كثيرة وصلحت أمور بني إسرائيل أحب أن يبني بيت المقدس وعلى الصخرة الشريفة (٨) قبة في الموضع الذي قدسه الله تعالى في إيلياء (٩)، وكانت (١٠) قد حسنت حال بني إسرائيل وملأوا الشام وضاقت بهم فلسطين وما حولها، فأحب داود، ﵇، أن يعلم عددهم فأمر بإحصائهم في (١١) أنسابهم وقبائلهم، فكبر عليهم (١٢) فلم يطيقوا إحصائهم. وروي أن الله تعالى أوحى إلى داود، ﵇، لما كثر طغيان بني إسرائيل أني أقسمت بعزتي لأبتلينّهم بالقحط سنتين أو أسلط عليهم العدو شهرين أو الطاعون

стр. 209

ثلاثة أيام، فجمعهم داود وخيرهم بين إحدى الثلاث، فقالوا: أنت نبينا وأنت انظر إلينا (١) من أنفسنا، فاختر لنا، فقال: أما الجوع فإنه بلاء فاضح لا يصبر عليه أحد، وأما العدو والموت فإني أخبركم إن اخترتم تسليط العدو فإنه لا بقيه لكم، والموت بيد الله تعالى تموتون بآجالكم في بيوتكم ففوضوا ذلك إلى الله تعالى، فهو أرحم بكم (٢). فاختار لهم الطاعون، وأمرهم أن يتجهزوا (٣) له ويلبسوا أكفانهم ويخرجوا نساءهم وإماءهم وأولادهم أمامهم وهم خلفهم على الصخرة والصعيد الذي بنى عليه مسجد بيت المقدس، وهو يومئذ صعيد واحد، ففعلوا ثم نادى (٤): يا رب إنك أمرتنا بالصدقة وأنت تحب المتصدقين، فتصدق علينا برحمتك، اللهم إنك أمرتنا بعتق الرقاب فنسألك برحمتك أن تعتقنا اليوم، اللهم وقد أمرتنا أن لا نرد السائل إذا وقف بأبوابنا (٥)، وأنت تحب من لا يرد السائل، وقد جئناك سائلين فلا تردنا، ثم خروا سجدا (٦) من حين طلع (٧) الصبح. فسلط الله عليهم الطاعون من ذلك الوقت إلى أن زالت الشمس، ثم رفعه عنهم، ثم أوحى الله إلى داود، ﵇، أن ارفعوا رؤوسكم فقد شفعتك فيهم، فرفع داود رأسه ثم نادى: أن ارفعوا رؤوسكم فرفعوا رؤوسهم، وقد مات (٨) منهم مائة ألف وسبعون ألف، أصابهم الطاعون وهم سجود، فنظروا (٩) إلى الملائكة يمشون بينهم بأيديهم الخناجر. ثم عمد داود، ﵇، فارتقى (١٠) الصخرة رافعا يديه يحدث لله شكرا، ثم إنه جمع بني إسرائيل بعد ذلك، وقال: إن الله قد رحمكم وعفا عنكم، فأحدثوا لله شكرا بقدرما ابتلاكم، فقالوا له: مرنا (١١) بما شئت، قال: إني لا

стр. 210

أعلم أمرا أبلغ في شكركم من بناء مسجد على هذا الصعيد الذي رحمكم الله عليه، فنبنيه مسجدا يعبد الله فيه ويقدسه (١) أنتم ومن بعدكم، قالوا: نفعل، وسأل داود ربه فأذن له، وأقبلوا على بنائه. وروي (٢) أن الله تعالى لما أمر داود، ﵇، أن يبني مسجد بيت المقدس قال: يا رب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه، قال: فرآه داود في ذلك المكان فأسس قواعده ورفع حائطه (٣) فلما ارتفع انهدم، فقال داود: يا رب أمرتني أن أبني لك بيتا فلما ارتفع هدمته، فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي فلم أخذت المكان من صاحبه بغير ثمن؟ إنه سيبنيه رجل من ولدك (٤). وحكى في معنى هذا الأثر أن المكان كان لجماعة من بني إسرائيل ولكل واحد منهم فيه حق، فطلبه داود منهم، وأنعم به (٥) البعض باللفظ والبعض بالسكوت ففهم داود من الساكتين الرضا (٦)، وكان بعضهم غير راض في الباطل فحمل داود الأمر على ظاهره فبناه (٧). فجاء بعض أصحاب الحق (٨) إلى بني إسرائيل وقال لهم: إنكم تريدون أن تبنوا على حقي وأنا مسكين وأنه موضع بيدري أجمع فيه طعامي فارتفق (٩) بحمله إلى منزلي لقربه إن بنيتم عليه أضررتم بي، فانظروا في أمري فقالوا له: كل من بني إسرائيل له مثل حقك وأنت أبخلهم، فإن أعطيته (١٠) طوعا وإلا أخذناه على كره منك، فقال: أتجدون هذا في حكم داود؟ ثم انطلق وشكاهم إليه، فدعاهم وقال لهم: تريدون أن تبنوا بيت الله بالظلم (١١) ما أراكم يا بني إسرائيل تستكينون لله ولا أرى إلا أن البلاء يضغطكم.

стр. 211

ثم قال له داود: أتطيب نفسك عن حقك فتبيعه بحكمك؟ فقال: ما تعطيني، فقال: أملأه لك إن شئت غنما وإن شئت بقرا وإن شئت إبلا، فقال: يا نبي الله زدني فإنما تشتريه لله (١) فلا تبخل عليّ، فقال له داود: احتكم فإنك لا تسألني (٢) شيئا إلا أعطيتك، فقال: ابن لي حائطا قدر قامتي، ثم املأه لي ذهبا، فقال له داود، ﵇: نعم وهو في الله قليل. فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل فقال: هذا والله التائب الصادق والمخلص (٣)، ثم قال: يا نبي الله قد علم الله، ، مني لمغفرة ذنب من ذنوبي وذنوب هؤلاء أحب إليّ من ملء الأرض ذهبا فكيف يظن هؤلاء أني أبخل عليهم وعلى نفسي بما أرجو به المغفرة لذنوبي وذنوبهم ولكني جربتهم رحمة لهم وشفقة عليهم وقد جعلته لله تعالى. فأقبلوا على عمل مسجد بيت المقدس، وباشر داود العمل بنفسه وجعل الحجر (٤) على عاتقه ويضعه بيده في مواضعه ومعه أحبار بني إسرائيل. وروي (٥) أن داود لما ابتدأه ورفعه قامة رجل أوحى الله إليه أني لم أقض ذلك على يديك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يده (٦)، وتوفي داود قبل إتمامه وله سبعون سنة، وقيل غير ذلك. وأنزل الله عليه الزبور، وهو مائة وخمسون سورة بالعبرانية في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود (٧) ولا أحكام. وكانت وفاته في يوم السبت أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى، ﵇ (٨)، وملك داود أربعين سنة، وأوصى قبل موته بالملك إلى سليمان (٩) ولده وأوصاه بعمارة بيت المقدس، وعين لذلك عدة بيوت أموال تحتوي

стр. 212

على جملة كثيرة (١) من الذهب. وعن كعب ووهب (٢): أن داود، ﵇، أعد لبناء بيت المقدس مائة ألف بدرة (٣) ذهبا وألف ألف بدرة ورقا (٤) وثلثمائة ألف دينار لطلي (٥) البيت، وذكر أن هذا مال لا تفي به المعادن. قال وهب: ودفن (٦) داود بالكنيسة المعروفة بالجسمانية شرقي بيت المقدس في الوادي، ويقال: إن قبر داود، ﵇، بكنيسة صهيون وهي التي بظاهر القدس من جهة القبلة بأيدي طائفة الفرنج لأنها كانت داره، وفي كنيسة صهيون (٧) المذكورة موضع تعظمه النصارى، ويقال: إن قبر داود فيه وهذا الموضع هو الآن بأيدي المسلمين. وسنذكر ما وقع في ذلك في عصرنا من التنازع بين المسلمين والنصارى فيما بعد، في حوادث سنة خمس وتسعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى. ذكر (٨) ملك سليمان ﵇ (٩) لما توفي داود ملك ابنه سليمان وعمره اثنتا عشرة سنة، ومولد سليمان بغزة، وأتاه الله الحكمة والعلم والملك ما لم يؤته لأحد سواه على ما أخبر الله، ، به في محكم كتابه العزيز، فأطاع الله له الأنس والجن والشياطين والرياح والطيور والوحوش (١٠) والهوام وكل المخلوقات على اختلاف أجناسها فسبحان المتفضل بما شاء على من يشاء (١١).

стр. 213

ذكر بناء سليمان ﵇ مدينة بيت المقدس ومسجدها (١) لما كان في السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار وهي سنة ٥٣٩ (٢) لوفاة موسى، ﵇، ابتدأ سليمان، ﵇، في عمارة بيت المقدس حسبما تقدم به وصيه أبيه إليه. وكانت مدينة بيت المقدس في زمن إسرائيل عظيمة البناء، متسعة العمران، فكانت أكبر من مصر ومن بغداد، على ما يوصف (٣) فيقال: إن العمارة والمنازل كانت متصلة من جهة القبلة إلى القرية المعروفة يومئذ بدير السنة (٤)، ومن جهة الشرق إلى جبل طور زيتا (٥)، واستمرت العمارة بطور زيتا إلى حين الفتح العمري (٦)، ومن جهة (٧) الغرب إلى ماميلا (٨)، ومن جهة الشمال إلى القرية التي بها قبر النبي شموئيل (٩)، ﵇، واسمها عند اليهود رامة (١٠) ومسافتها عن بيت (١١) المقدس تقرب من ربع بريد (١٢) لعمارة داود وسليمان، ﵉، لمدينة القدس إنما هي تجديد للبناء (١٣) القديم. وتقدم في أول الكتاب ذكر أول من عمر المدينة (١٤) واختطها وأنه سام بن

стр. 214

نوح، ﵉، وكان محل المسجد بين عمران المدينة وهو صعيد واحد والصخرة الشريفة قائمة في وسط حتى بناه داود، ثم سليمان، ﵉. وكان من خبر ذلك ما روي أن الله، ، لما أوحى إلى سليمان، ﵇، أن ابن بيت المقدس جمع حكماء الأنس والجن وعفاريت الأرض وعظماء الشياطين وجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام (١)، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان (٢)، وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة وبيضة الدجاجة، وأخذ في بناء بيت المقدس وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح (٣) وجعلها اثني عشر ربضا (٤)، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فلم يثبت البناء، فأمر بهدمه ثم حفر الأرض (٥) حتى بلغ الماء، فأسسه على الماء وألقوا فيه الحجارة، فكان الماء يلفظها فدعا سليمان، ﵇، الحكماء الأخيار (٦) ورئيسهم آصف بن برخيا واستشارهم فقالوا: إنا نرى أن نتخذ (٧) قلالا من نحاس ثم نملأها حجارة ثم نكتب عليها الكتاب الذي في خاتمك (٨) ثم نلقي القلال في الماء، وكان الكتاب الذي على الخاتم لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبده ورسوله. ففعلوا فثبتت القلال، فألقوا المؤن والحجارة عليها، وبنى حتى ارتفع بناؤه، وفرق الشياطين في أنواع العمل، فدأبوا (٩) في عمله وجعل فرقة منهم يقطعون معادن الياقوت والزمرد ويأتون بأنواع الجواهر، وجعل الشياطين صفا مرصوفا (١٠) من معادن الرخام إلى حائط المسجد، فإذا قطعوا من المعادن حجرا أو أسطوانة

стр. 215

تلقاه (١) الأول منهم، ثم الذي يليه ويلقيه بعضهم إلى بعض حتى ينتهي إلى المسجد، وجعل فرقة لقطع الرخام الأبيض الذي منه ما هو مثل بياض اللبن بمعدن يقال له السامور والذي دلهم على معدن السامور عفريت من الشياطين كان في جزيرة من جزائر البحر، فدلوا سليمان، ﵇، فأرسل إليه بطابع من حديد، وكان خاتمه يرسخ في الحديد والنحاس فيطبع إلى الجن بالنحاس وإلى الشياطين بالحديد ولا يجيبه أقصاهم إلا بذلك، وكان خاتما (٢) نزل عليه من السماء حلقته بيضاء وطابعه كالبرق لا يستطيع أحد أن يملأ بصره منه فلما وصل الطابع إلى العفريت وجيء به قال له: هل عندك من حيلة أقطع بها الصخر فإني لأكره (٣) صوت الحديد في مسجدنا هذا، والذي أمرنا الله به من ذلك هو الوقار والسكينة. فقال له العفريت: إني لا أعلم في السماء طيرا أشد من العقاب ولا أكثر حيلة منه، وذهب يبتغي وكر عقاب، فوجد وكرا (٤)، فغطى عليه بترس عظيم من حديد، فجاء العقاب إلى وكره، فوجد الترس مسدودا، فنفخه (٥) برجله ليزيحه أو ليقطعه، فلم يقدر عليه فحلق في السماء، ولبث يومه وليلته، ثم أقبل ومعه قطعة من السامور، فتعرفت (٦) عليه الشياطين حتى أخذوها منه، وأتوا بها سليمان، ﵇، فكان (٧) يقطع بها الصخرة العظيمة. وكان (٨) عدد من عمل معه في بناء بيت المقدس ثلاثين ألف رجل وعشرة آلاف يتراوحون عليهم قطع الخشب (٩) في كل شهر عشرة آلاف خشبة وكان الذين يعملون في الحجارة سبعين (١٠) ألف رجل، وعدد الأمناء عليهم ثلاثمائة غير المسخرين من الجن والشياطين، وعمل فيه سليمان (١١) عملا لا يوصف وزينه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمرجان وأنواع الجواهر في سمائه وأرضه وأبوابه
следующие страницы →