← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم قال له داود: أتطيب نفسك عن حقك فتبيعه بحكمك؟ فقال: ما تعطيني، فقال: أملأه لك إن شئت غنما وإن شئت بقرا وإن شئت إبلا، فقال: يا نبي الله زدني فإنما تشتريه لله (١) فلا تبخل عليّ، فقال له داود: احتكم فإنك لا تسألني (٢) شيئا إلا أعطيتك، فقال: ابن لي حائطا قدر قامتي، ثم املأه لي ذهبا، فقال له داود، ﵇: نعم وهو في الله قليل. فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل فقال: هذا والله التائب الصادق والمخلص (٣)، ثم قال: يا نبي الله قد علم الله، ، مني لمغفرة ذنب من ذنوبي وذنوب هؤلاء أحب إليّ من ملء الأرض ذهبا فكيف يظن هؤلاء أني أبخل عليهم وعلى نفسي بما أرجو به المغفرة لذنوبي وذنوبهم ولكني جربتهم رحمة لهم وشفقة عليهم وقد جعلته لله تعالى. فأقبلوا على عمل مسجد بيت المقدس، وباشر داود العمل بنفسه وجعل الحجر (٤) على عاتقه ويضعه بيده في مواضعه ومعه أحبار بني إسرائيل. وروي (٥) أن داود لما ابتدأه ورفعه قامة رجل أوحى الله إليه أني لم أقض ذلك على يديك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يده (٦)، وتوفي داود قبل إتمامه وله سبعون سنة، وقيل غير ذلك. وأنزل الله عليه الزبور، وهو مائة وخمسون سورة بالعبرانية في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود (٧) ولا أحكام. وكانت وفاته في يوم السبت أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى، ﵇ (٨)، وملك داود أربعين سنة، وأوصى قبل موته بالملك إلى سليمان (٩) ولده وأوصاه بعمارة بيت المقدس، وعين لذلك عدة بيوت أموال تحتوي

стр. 212

على جملة كثيرة (١) من الذهب. وعن كعب ووهب (٢): أن داود، ﵇، أعد لبناء بيت المقدس مائة ألف بدرة (٣) ذهبا وألف ألف بدرة ورقا (٤) وثلثمائة ألف دينار لطلي (٥) البيت، وذكر أن هذا مال لا تفي به المعادن. قال وهب: ودفن (٦) داود بالكنيسة المعروفة بالجسمانية شرقي بيت المقدس في الوادي، ويقال: إن قبر داود، ﵇، بكنيسة صهيون وهي التي بظاهر القدس من جهة القبلة بأيدي طائفة الفرنج لأنها كانت داره، وفي كنيسة صهيون (٧) المذكورة موضع تعظمه النصارى، ويقال: إن قبر داود فيه وهذا الموضع هو الآن بأيدي المسلمين. وسنذكر ما وقع في ذلك في عصرنا من التنازع بين المسلمين والنصارى فيما بعد، في حوادث سنة خمس وتسعين وثمانمائة إن شاء الله تعالى. ذكر (٨) ملك سليمان ﵇ (٩) لما توفي داود ملك ابنه سليمان وعمره اثنتا عشرة سنة، ومولد سليمان بغزة، وأتاه الله الحكمة والعلم والملك ما لم يؤته لأحد سواه على ما أخبر الله، ، به في محكم كتابه العزيز، فأطاع الله له الأنس والجن والشياطين والرياح والطيور والوحوش (١٠) والهوام وكل المخلوقات على اختلاف أجناسها فسبحان المتفضل بما شاء على من يشاء (١١).

стр. 213

ذكر بناء سليمان ﵇ مدينة بيت المقدس ومسجدها (١) لما كان في السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار وهي سنة ٥٣٩ (٢) لوفاة موسى، ﵇، ابتدأ سليمان، ﵇، في عمارة بيت المقدس حسبما تقدم به وصيه أبيه إليه. وكانت مدينة بيت المقدس في زمن إسرائيل عظيمة البناء، متسعة العمران، فكانت أكبر من مصر ومن بغداد، على ما يوصف (٣) فيقال: إن العمارة والمنازل كانت متصلة من جهة القبلة إلى القرية المعروفة يومئذ بدير السنة (٤)، ومن جهة الشرق إلى جبل طور زيتا (٥)، واستمرت العمارة بطور زيتا إلى حين الفتح العمري (٦)، ومن جهة (٧) الغرب إلى ماميلا (٨)، ومن جهة الشمال إلى القرية التي بها قبر النبي شموئيل (٩)، ﵇، واسمها عند اليهود رامة (١٠) ومسافتها عن بيت (١١) المقدس تقرب من ربع بريد (١٢) لعمارة داود وسليمان، ﵉، لمدينة القدس إنما هي تجديد للبناء (١٣) القديم. وتقدم في أول الكتاب ذكر أول من عمر المدينة (١٤) واختطها وأنه سام بن

стр. 214

نوح، ﵉، وكان محل المسجد بين عمران المدينة وهو صعيد واحد والصخرة الشريفة قائمة في وسط حتى بناه داود، ثم سليمان، ﵉. وكان من خبر ذلك ما روي أن الله، ، لما أوحى إلى سليمان، ﵇، أن ابن بيت المقدس جمع حكماء الأنس والجن وعفاريت الأرض وعظماء الشياطين وجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام (١)، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان (٢)، وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة وبيضة الدجاجة، وأخذ في بناء بيت المقدس وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح (٣) وجعلها اثني عشر ربضا (٤)، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فلم يثبت البناء، فأمر بهدمه ثم حفر الأرض (٥) حتى بلغ الماء، فأسسه على الماء وألقوا فيه الحجارة، فكان الماء يلفظها فدعا سليمان، ﵇، الحكماء الأخيار (٦) ورئيسهم آصف بن برخيا واستشارهم فقالوا: إنا نرى أن نتخذ (٧) قلالا من نحاس ثم نملأها حجارة ثم نكتب عليها الكتاب الذي في خاتمك (٨) ثم نلقي القلال في الماء، وكان الكتاب الذي على الخاتم لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبده ورسوله. ففعلوا فثبتت القلال، فألقوا المؤن والحجارة عليها، وبنى حتى ارتفع بناؤه، وفرق الشياطين في أنواع العمل، فدأبوا (٩) في عمله وجعل فرقة منهم يقطعون معادن الياقوت والزمرد ويأتون بأنواع الجواهر، وجعل الشياطين صفا مرصوفا (١٠) من معادن الرخام إلى حائط المسجد، فإذا قطعوا من المعادن حجرا أو أسطوانة

стр. 215

تلقاه (١) الأول منهم، ثم الذي يليه ويلقيه بعضهم إلى بعض حتى ينتهي إلى المسجد، وجعل فرقة لقطع الرخام الأبيض الذي منه ما هو مثل بياض اللبن بمعدن يقال له السامور والذي دلهم على معدن السامور عفريت من الشياطين كان في جزيرة من جزائر البحر، فدلوا سليمان، ﵇، فأرسل إليه بطابع من حديد، وكان خاتمه يرسخ في الحديد والنحاس فيطبع إلى الجن بالنحاس وإلى الشياطين بالحديد ولا يجيبه أقصاهم إلا بذلك، وكان خاتما (٢) نزل عليه من السماء حلقته بيضاء وطابعه كالبرق لا يستطيع أحد أن يملأ بصره منه فلما وصل الطابع إلى العفريت وجيء به قال له: هل عندك من حيلة أقطع بها الصخر فإني لأكره (٣) صوت الحديد في مسجدنا هذا، والذي أمرنا الله به من ذلك هو الوقار والسكينة. فقال له العفريت: إني لا أعلم في السماء طيرا أشد من العقاب ولا أكثر حيلة منه، وذهب يبتغي وكر عقاب، فوجد وكرا (٤)، فغطى عليه بترس عظيم من حديد، فجاء العقاب إلى وكره، فوجد الترس مسدودا، فنفخه (٥) برجله ليزيحه أو ليقطعه، فلم يقدر عليه فحلق في السماء، ولبث يومه وليلته، ثم أقبل ومعه قطعة من السامور، فتعرفت (٦) عليه الشياطين حتى أخذوها منه، وأتوا بها سليمان، ﵇، فكان (٧) يقطع بها الصخرة العظيمة. وكان (٨) عدد من عمل معه في بناء بيت المقدس ثلاثين ألف رجل وعشرة آلاف يتراوحون عليهم قطع الخشب (٩) في كل شهر عشرة آلاف خشبة وكان الذين يعملون في الحجارة سبعين (١٠) ألف رجل، وعدد الأمناء عليهم ثلاثمائة غير المسخرين من الجن والشياطين، وعمل فيه سليمان (١١) عملا لا يوصف وزينه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمرجان وأنواع الجواهر في سمائه وأرضه وأبوابه

стр. 216

وجدرانه وأركانه ما لم ير مثله وسقفه بالعود اليلنجوج (١) (٢)، وصنع له مائتي سكرة من الذهب زنة كل سكرة منها عشرة أرطال وأولج فيه تابوت موسى وهارون، ﵉. ولما فرغ سليمان، ﵇، من بناء بيت المقدس أنبت الله شجرتين عند باب الرحمة إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة فكان في كل يوم ينزع من كل واحدة مائتي رطل ذهبا وفضة، وفرش المسجد بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة، فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر. وكانت صخرة بيت المقدس أيام سليمان، ﵇، ارتفاعها اثني عشر ذراعا، وكان الذراع ذراع الأمان ذراعا وشبرا وقبضة، وكان ارتفاع القبة التي عليها (٣) ثمانية عشر ميلا، وروي اثني عشر ميلا، وفوق القبة غزال (٤) من ذهب بين عينيه درة أو ياقوتة حمراء، تغزل نساء البلقاء على ضوئها بالليل (٥) (٦) - وهي فوق مرحلتين (٧) من القدس - وكان أهل عمواس (٨) يستظلون بظل القبة إذا طلعت الشمس من المشرق (٩)، وعمواس بفتح الميم وسكونها، وهي التي سمي بها الطاعون على الراجح لأنه منها ابتداء، وكان في سنة ١٨ (١٠) من الهجرة (١١)، وهي بالقرب من رملة فلسطين مسافتها عن بيت المقدس نحو بريد ونصف، وإذا غربت الشمس استظل بها أهل بيت الرامة وغيرهم من الغور، ومسافتها عن

стр. 217

بيت المقدس أبعد من عمواس. قال بعض المؤرخين: وعمل خارج البيت سورا محيطا به (١) امتداده خمسمائة ذراع وأقام سليمان في عمارة بيت المقدس سبع سنين، وفرغ منه في السنة الحادية عشر من ملكه، فيكون الفراغ من عمارة بيت المقدس في أواخر سنة ٥٤٦ (٢) لوفاة موسى، ﵇، ومن هبوط آدم، ﵇، إلى ابتداء سليمان ببناء بيت المقدس ٤٤١٤ (٣) سنة، وبين عمارة بيت المقدس والهجرة الشريفة (٤) المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ألف وثمانمائة وقريب ستين، وقد مضى (٥) من الهجرة الشريفة إلى عصرنا هذا ٩٠٠ سنة كاملة، فيكون الماضي من عمارة بيت المقدس على يد سليمان إلى عصرنا هذا أواخر ذي الحجة ختام عام ٩٠٠ هـ ألفين وسبعمائة سنة وقريب ستين. وأما بناء بيت المقدس (٦) الأول فقد تقدم أن أول من بناها سام بن نوح، وكانت وفاته بعد الطوفان بخمسمائة سنة، ومن وفاة سام إلى بناء سليمان (٧) ألف وستمائة واثنتان وسبعون سنة، وبين الطوفان والهجرة الشريفة ثلاث آلاف وتسعمائة أربع وسبعون (٨) سنة، فيكون الماضي من وفاة سام إلى آخر سنة ٩٠٠ (٩) من الهجرة الشريفة ٤٣٧٤ سنة، فيعلم من ذلك تاريخ بناء مدينة القدس (١٠) الأول تقريبا، والله أعلم. وملخص القول: إن من هبوط آدم، ﵇، إلى الطوفان ألفين ومائتين واثنتين وأربعين سنة، ومن الطوفان إلى وفاة سام بن نوح خمسمائة سنة، ومن وفاة سام إلى بناء سليمان بيت المقدس ألف وستمائة واثنتين وسبعين سنة، ومن بناء سليمان إلى الهجرة الشريفة ألفا وثمانمائة (١١) وقريب ستين، ومن الهجرة الشريفة

стр. 218

إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة. فهذه المدة التي تقدم تفصيلها قبل ذلك في أماكن متفرقة وجملتها: من هبوط آدم إلى آخر سنة تسعمائة (١) من الهجرة الشريفة سبعة آلاف سنة ومائة سنة وستة عشر سنة على اختيار المؤرخين كما تقدم عند ذكر سيدنا آدم، ﵇، والخلاف في ذلك كثير ويأتي ذكر بناء مدينة سيدنا الخليل، ﵇، وأول من اختطها فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ولما فرغ (٢) سليمان من بناء مسجد بيت المقدس سأل الله ثلاثا: سأله حكما يوافق حكمه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله أن لا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولهذا كان عبد الله بن عمر، ﵄، يأتي بيت المقدس فيدخل (٣) فيصلي ركعتين، ثم يخرج ولا يشرب فيه، كأنه يطلب دعوة سليمان. وروي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «إن سليمان بن داود، ﵉ (٤)، سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة: سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه (٥)، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل يخرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون قد أعطاه إياه» (٦). ولما رفع سليمان (٧)، ﵇، يده من البناء بعد الفراغ منه وإحكامه، جمع الناس وأخبرهم أنه مسجد لله تعالى، وهو أمره ببنائه، وأن كل شيء فيه لله من انتقصه (٨) أو شيئا منه فقد خان الله تعالى، وأن داود عهد إليه ببنائه وأوصاه بذلك من بعده، ثم اتخذ طعاما وجمع الناس جمعا لم ير مثله قط، ولا طعاما أكثر منه، ثم أمر بالقرابين (٩) فقربت إلى الله تعالى، وجعل القربان في رحبة المسجد وميز ثورين وأوقفهما قريبا من

стр. 219

الصخرة (١)، ثم قام على الصخرة، فدعا بدعائه المتقدم ذكره، وزاد عليه زيادة وهي: اللهم أنت وهبت لي هذا الملك منّا منك وطولا عليّ (٢) وعلى والدي، وأنت ابتدأتني وإياه بالنعمة والكرامة، وجعلته حكما بين عبادك وخليفة في أرضك، وجعلتني وارثه من بعده وخليفة في قومه، وأنت الذي خصصتني بولاية مسجدك هذا، وأكرمتني به قبل أن تخلقني، فلك الحمد على ذلك، ولك المن ولك الطول، اللهم وأسألك (٣) لمن دخل هذا المسجد خمس خصال (٤): أن لا يدخل إليه مذنب لا يعمده إلا لطلب التوبة أن تتقبل منه توبته وتغفر له، ولا يدخله خائف لا يعمده إلا لطلب الأمن أن تؤمنه (٥) من خوفه وتغفر له ذنبه، ولا يدخله (٦) سقيم لم يعمده إلا لطلب الشفاء أن تشفي سقمه وتغفر ذنبه ولا يدخله مقحط لا يعمده إلا للاستسقاء أن تسقي (٧) بلاده، وأن لا تصرف بصرك عن من دخله حتى يخرج منه، اللهم إن أجبت دعوتي وأعطيتني مسألتي، فاجعل علامة ذلك أن تتقبل مني قرباني، فتقبل القربان، ونزلت نار من السماء فامتدت بين (٨) الأفقين، ثم امتد عنق منها فأخذ القربان وصعد به إلى السماء. وروي أن نبي الله سليمان، ﵇، لما فرغ من بنائه، ذبح ثلاثة آلاف بقرة وسبعة آلاف شاة، ثم أتى المكان الذي في مؤخرة المسجد مما يلي باب الأسباط وهو الموضع الذي يقال له كرسي سليمان (٩) وقال: اللهم من أتاه من ذي ذنب فاغفر له، أو ذي ضر فاكشف ضره، فلا يأتيه أحد إلا أصاب من دعوة سليمان، ﵇. وهذا الموضع الذي هو معروف بكرسي سليمان من الأماكن المعروفة بإجابة الدعاء وهو داخل القبة المعروفة بقبة سليمان (١٠) عند باب

стр. 220

الدويدارية (١)، ورتب له سليمان، ﵇، عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل خمسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار حتى لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله تعالى يعبد فيه. وكان سليمان، ﵇، إذا دخل مسجد بيت المقدس، وهو ملك الأرض، يقلب بصره ليرى أين يجلس المسكين (٢) من العمي والخرس، والمجذوبين، فيدع الناس وينطلق (٣) فيجلس معهم تواضعا، ويرفع طرفه إلى السماء، ثم يقول: مسكين مع المساكين. وروي أن مفتاح بيت المقدس كان يكون عند سليمان (٤) ولا يأمن عليه أحد، فقام ذات ليلة ليفتحه فعسر عليه (٥)، فاستعان عليه بالأنس فعسر عليهم، ثم استعان عليه بالجن فعسر عليهم، فجلس كثيبا حزينا يظن أن ربه قد منعه منه، فبينما هو كذلك إذ أقبل شيخ يتكئ على عصا له (٦) وقد طعن في السن، وكان من جلساء داود، ﵇، فقال: يا نبي الله أراك حزينا؟ فقال: قمت إلى هذا الباب لأفتحه (٧)، فعسر عليّ، فاستعنت عليه بالأنس والجن فلم ينفتح، فقال الشيخ: ألا أعلمك كلمات كان أبوك يقولهن عند كربه فيكشف الله عنه (٨)؟ قال: بلى، قال: قل اللهم بنورك اهتديت، وبفضلك استعنت، وبك أصبحت وأمسيت، ذنوبي بين يديك، أستغفرك وأتوب إليك، يا حنان يا منان، فلما قالها فتح له الباب، فيستحب أن يدعو الزائر وغيره بهذا الدعاء إذا دخل من باب الصخرة وكذلك من باب المسجد. ومن العجائب التي كانت ببيت المقدس السلسلة (٩) التي جعلها سليمان بن

стр. 221

داود، ﵉، معلقة من السماء إلى الأرض شرقي الصخرة مكان قبة السلسلة (١)، الموجودة الآن وفيها يقول الشاعر: لقد مضى الوحي ومات العلا (٢) … وارتفع الجود مع السلسلة وكانت هذه السلسلة لا يأتيها رجلان إلا نالها المحق منهما ومن كان مبطلا ارتفعت فلم ينلها، وملخص حكايتها مع اختلاف فيه: أن رجلا يهوديا كان قد استودعه رجل مائة دينار، فلما طلب الرجل وديعته جحده ذلك اليهودي فترافعا (٣) إلى ذلك المقام عند السلسلة، فأخذ اليهودي بمكره ودهائه، فسبك تلك الدنانير، وحفر لها (٤) في عصاه وجعلها فيه، فلما أتى ذلك المقام دفع العصا إلى صاحب الدنانير، وقبض على السلسلة، ثم حلف بالله لقد أعطاه دنانيره، ثم دفع إليه صاحب الدنانير العصا، وأقبل حتى أخذ السلسلة، فحلف أنه لم يأخذها منه ومسك (٥) كلاهما السلسلة، فعجب الناس من ذلك، فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم لخبث الطويات (٦) وحكى غير ذلك. وعمل (٧) سليمان، ﵇، تحت الأرض بركة وجعل فيها ماء وجعل على وجه ذلك الماء بساطا وجلس رجل عظيم أو قاض جليل فمن كان على الباطل إذا وقع في ذلك الماء غرق، ومن كان على الحق لا يغرق. ومن العجائب التي كانت أيضا في بيت المقدس في الزمان (٨) الأول ما حكاه (٩) صاحب (مثير الغرام) (١٠) أن الضحاك بن قيس (١١) صنع فيه العجائب:

стр. 222

الأولى: أنه صنع به في ذلك الزمان نارا عظيمة اللهب، فمن عصى الله في تلك الليلة أحرقته تلك النار حين ينظر إليها. الثانية (١): من رمى بيت المقدس بنشابة، رجعت النشابة إليه. الثالثة (٢): وضع كلبا من خشب على باب بيت المقدس فمن كان عنده شيء [٣٠/ أ] من السحر إذا مرّ بذلك الكلب، فإذا نبح (٣) عليه نسي ما عنده من السحر. الرابعة (٤): وضع بابا فمن دخل من ذلك الباب إذا كان ظالما من اليهود ضغطه ذلك الباب حتى يعترف بظلمه. الخامسة (٥): وضع عصا في محراب بيت المقدس فلم يقدر أحد يمس تلك العصا إلا من كان من ولد الأنبياء ومن كان سوى ذلك أحرقت يده. السادسة (٦): كانوا يحبسون أولاد الملوك عندهم في محراب بيت المقدس فمن كان من أهل المملكة إذا أصبح أصابوا يده مطلية بالدهن. وكان ولد هارون يجيئون إلى الصخرة ويسمونها الهيكل بالعبرانية وكانت تنزل عليهم عين زيت من السماء، فتدور في القناديل فتملأها من غير أن تمس، وكانت تنزل نار من السماء فتدور على مثال سبع على جبل طور زيتا، ثم تمتد حتى تدخل من باب الرحمة (٧)، ثم تصير على الصخرة فيقول ولد هارون: تبارك الرحمن لا إله إلا هو. فغفلوا ذات ليلة عن الوقت الذي كانت تنزل النار فيه، فنزلت وليس هم حضورا، ثم ارتفعت النار، فجاءوا فقال الكبير للصغير: يا أخي قد كتبت الخطيئة أي شيء ينجينا من بني إسرائيل إن تركنا هذا البيت الليلة بلا نور ولا سراج، فقال

стр. 223

الصغير للكبير: تعال حتى نأخذ من نار الدنيا فنسرج القناديل لئلا يبقى هذا البيت في هذه الليلة بلا نور ولا سراج، فأخذا (١) من نار الدنيا وأسرجا فنزلت عليها النار في ذلك الوقت، فأحرقت نار السماء نار الدنيا وأحرقت ولدي هارون، فناجى نبي ذلك الزمان، فقال: يا رب أحرقت ولدي هارون وقد علمت مكانهما فأوحى الله تعالى إليه (٢) هكذا أفعل بأوليائي إذا عصوني فكيف بأعدائي (٣)؟؟!!. قصة طلسم الحيات (٤) قال الحافظ ابن عساكر: قرأت في كتاب قديم فيه: وفي بيت المقدس حيات عظيمة قاتلة إلا أن الله تعالى قد تفضل على عباده بمسجد على ظهر الطريق أخذه عمر بن الخطاب، ﵁، من كنيسة هناك تعرف بمقامة وفيه أسطوانتان كبيرتان من حجارة على رأسهما صورة (٥) حيات يقال إنه (٦) طلسم لها فمتى لسعت إنسانا حية في بيت المقدس لم يضره شيئا، وإن خرج عن بيت المقدس شبرا من الأرض مات في الحال، ودواؤه من ذلكأن يقيم بيت المقدس ثلاثمائة وستين يوما، فإن خرج وقد بقي من العدة يوم واحد هلك. وذكر (٧) الهروي (٨) أيضا نحو هذا في كتاب الزيارات له، قال صاحب مثير الغرام (٩) ﵀: وقد أخبرني الفقيه شمس الدين محمد بن علي بن عقبة وهو معدل (١٠) فاضل ثقة: أن ذلك اتفق لشخص سماه هو وأنسيت اسمه كان يلقب بآكل الحيات، فلدغته حية فخرج من القدس فمات وهذا يؤيد ما ذكراه. وقلت (١١): وهذا المسجد معروف وهو بحارة النصارى بالقدس الشريف،

стр. 224

بجوار كنيسة (١) قمامة من جهة الغرب وعن يمنة السالك من درج القمامة إلى الخانقاه الصلاحية، والذي يظهر أن طلسم الحيات بطل منه، والله أعلم. ولما انتهت عمارة مسجد بيت المقدس شرع سليمان، ﵇، في بناء دار مملكته بالقدس الشريف، واجتهد في عمارتها وتشييدها، وفرغ منها في مدة ثلاث عشرة سنة، وانتهت عمارتها في السنة الرابعة والعشرين من ملكه. قصة بلقيس (٢) وفي السنة الخامسة والعشرين من ملكه (٣) جاءته بلقيس ملكة اليمن ومن معها وقصتها معه مشهورة وملخصها: أن سيدنا سليمان (٤) لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى مكة، فتجهز للسير واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره (٥) مائة فرسخ، فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم طول مقامة بمكة، خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف [٣٠/ ب] قومه: إن هذا (٦) مكان يخرج منه نبي عربي (٧) صفته كذا وكذا، يعطي النصر على من عاداه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله (٨)؟ قال: يدين بدين الحنيفية فطوبى لمن آمن به وأدركه، فقالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: مقدار ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل. فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا وسار حتى لحق اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال (٩)، فرأى أرضا حسناء، تزهى خضرتها، فأحب النزول بها ليتغدى ويصلي. وكان الهدهد دليل سليمان على الماء فإنه كان يعرف موضع

стр. 225

الماء (١) ويراه تحت الأرض كما يرى في الزجاجة (٢)، فيعرف قربه من بعده. فينقر الأرض حتى تجيء الشياطين فيسلخونها ويستخرجون الماء، فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء حتى نظر إلى طول الدنيا وعرضها، فنظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا (٣) لبلقيس، فمال إلى الخضرة، فوقع فيه فإذا هو هدهد، فهبط عليه، وكان اسم هدهد (٤) سليمان يعفور واسم هدهد اليمن عنفير. فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، فقال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس (٥) والشياطين والوحوش والطيور والرياح، فقال يعفور لعفير: من (٦) أين أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس وإن لصاحبكم ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها وتحت يديها اثنا عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخلف أن يفتقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبكم يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر (٧) إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلى وقت (٨) العصر، فلما نزل ودخل عليه وقت الصلاة، وكان نزل على غير ماء، فسأل الجن والإنس والشياطين عن الماء فلم يعلموا، فتفقد الطير ففقد الهدهد فدعى عريف الطير (٩) وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح (١٠) الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ (١١).

стр. 226

واختلف في العذاب الذي أوعد به (١)، فأظهر الأقوال أن عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس طعاما لا يمتنع من النحل ولا من هوام الأرض، أو لأذبحنه أي لأقطعن حلقه (٢)، أو ليأتيني بسلطان مبين: بحجة بينه في غيبته وعذر ظاهر، ثم دعي (٣) العقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التصق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من ناحية اليمن، فانقض العقاب عنوة يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء، فناشده فقال: بالذي قواك وأقدرك عليّ ألا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فولى العقاب وقال: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان. فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له: ويلك أين غبت في يومك هذا القدر توعدك سليمان نبي الله، وأخبروه بما قال (٤)، فقال الهدهد: وما استثنى رسول الله، ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٢١) (٥)، قال: نجوت إذا. ثم لما انطلق العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان، وكان قاعدا على كرسيه، فقال العقاب: وقد أتيتك به يا نبي الله، فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه [٣١/ أ] وأرخي ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان فلما دنا منه أخذ برأسه، فمده إليه فقال: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله، ، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه. ثم سأله فقال: ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر (٦) الله تعالى في قوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ - أي غير طويل - ﴿فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (٧) والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول علمت ما لم تعلم وبلغني ما لم

стр. 227

تبلغه أنت ولا جنودك ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٢٢) (١)، واختلف في سبأ فقيل: اسم البلد، وقيل: اسم رجل. فقال (٢) سليمان: وما ذاك؟ فقال: إني وجدت امرأة تملكهم، وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن وقد ولد له أربعون ملكا، وهي آخرهم، وكان يملك أرض اليمن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبي أن يتزوج فيهم فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس ولم يكن له ولد غيرها. وجاء في الحديث: أن أحد أبوي بلقيس كان جنيا (٣)، فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها، فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فملكوا عليهم رجلا فافترقوا فرقتين كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن (٤)، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم (٥) رعيته فيفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه. فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك وقال: ما منعن أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس (٦) منك، فقالت: لا أرغب عنك، كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا. فقال لهم: إنها طلبت ذلك، وأنا أحب أن تسمعوا قولها، فجاءوها فذكروا لها ذلك، فقالت: نعم أحببت الولد، فزوجوها منه. فلما زفت إليه خرجت بأناس كثيرة من حشمها، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ثم حزت رأسه، فانصرفت (٧) من الليل إلى منزلها. فلما أصبحوا ورأوا الملك قتيلا ورأسه منصوب على باب دارها، علموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها، وقالوا: أنت بهذا الملك أحق من غيرك، فملكوها وقد جاء في الحديث الشريف أن رسول الله، ﷺ ، لما

стр. 228

بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى (١) قال: «لا أفلح قوم ولو أمرهم امرأة» (٢). قال الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ - أي تحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة - ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) سرير ضخم كان مضروبا من الذهب مكللا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر قوائمه (٤) من الياقوت ومن الزمرد وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق (٥). قال ابن عباس: كان عرش بلقيس (٦) ثلاثين ذراعا، في ثلاثين ذراعا وطوله في السماء ثلاثون ذراعا، وقيل غير ذلك. ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَ﴾ ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿(٢٤) أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ - فخبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات - ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٧) أي هو المستحق للعباده والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن عظيما فعو صغير حقير في جنب عرشه، . فلما فرغ الهدهد من كلامه قال سليمان: ﴿سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ﴾ - فيما أخبرت (٨) - ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٩)، فدلهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا (١٠) وروي الناس والدواب، ثم كتب سليمان كتابا: من عند سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣١) (١١)، ولم يزد سليمان [٣١/ ب] على ما قص الله في كتابه، وكذلك كانت تكتب الأنبياء جملا لا يطيلون ولا

стр. 229

يكثرون، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه فقال (١) للهدهد: ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ - تنح عنهم، وكن قريبا منهم - ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ (٢) يردون من الجواب. فأخذ الهدهد الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض (٣) يقال لها مأرب (٤) بأرض صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها، وقد أغلقت (٥) الأبواب وأخذت المفاتيح، فوضعتها تحت رأسها، فأتاها وهي نائمة مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، فأخذت بلقيس الكتاب، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد. فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها، وجمعت الملأ من قومها وهو اثنا عشر ألف قائد (٦) مع كل قائد مائة ألف مقاتل، فجاءوا وأخذوا مجالسهم، فقالت لهم بلقيس: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا﴾ - وهم أشراف الناس وكبراؤهم - ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٩) (٧) سمته كريما لأنه كان مختوما (٨). وروي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «كرامة الكتاب ختمه». ثم بينت ممن الكتاب وقالت (٩): ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ﴾ (١٠) وبينت المكتوب

стр. 230

وقالت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ (١)، قال ابن عباس: لا تتكبروا عليّ: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣١) (٢) طائعين. قيل: هو من الإسلام، وقيل: من الاستسلام قالت (٣): أيها الملأ أفتوني في أمري - أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني ما كنت قاطعة وقاضية وفاصلة أمرا - حتى تشهدون - أي تحضرون قالوا - مجيبين لها نحن أولوا قوة في المال - وأولوا بأس شديد، عند الحرب (٤). ثم قالوا: والأمر إليك أيتها الملكة في القتال وتركه، فانظري من الرأي ماذا تأمرين تجدينا لأمرك مطيعين. قالت بلقيس، مجيبة لهم عند التعريض بالقتال: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ - عنوة - أفسدوها - خربوها - ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ - أي أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر. تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، تناهي (٥) الخبر عنها هاهنا، فصدق الله قولها فقال: ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٦)، أي كما قالت هي يفعلون، ثم قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥) (٧) والهدية هي العطية على ظهر الملاطفة. وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ (٨) من قومها: إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية أصانعه بها عن ملكي وأختبره بها أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان (٩) نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه. وذلك قوله تعالى: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥) (١٠). فأهدت له وصفاء ووصائف وألبستهم لباسا واحدا كي لا يعرف ذكر من

стр. 231

أنثى (١)، وقيل: ألبست الغلمان لباس الجواري وعكسه، وكان في لباسهم ما هو مرصع بأنواع الجواهر، وأركبتهم الخيول بلجم ذهب (٢) مرصعة بالجواهر والغواشي (٣) من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة (٤) مكسوة بالدر والياقوت، وأرسلت إليه المسك والعنبر العود اليلنجوج (٥) وعمدت إلى حقة (٦) فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية (٧) مثقوبة معوجة (٨) الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب رأى وعقل، وكتبت معه (٩) كتابا بنسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيا فميّز بين الوصفاء والوصائف، واخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقبا مستويا وادخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير علاج أنس ولا جن. وأمرت بلقيس الغلمان وقالت (١٠): إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول (١١): انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب، فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره (١٢) فإنه أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا، فاعلم أنه نبي مرسل فافهم قوله ورد الجواب. فانطلق الرسول (١٣) [٣٢/ أ] بالهدايا، وأتى الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله. فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة، ففعلوا، ثم أمرهم

стр. 232

أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه، وكان تسع فراسخ، ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر اللبنات خاليا وباقي الأرض (١) مفروشة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها (٢) من الذهب والفضة. ثم قال: أي الدواب أحسن (٣) ما رأيتم في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنا رأينا دواب في بحر كذا وكذا منقطة (٤) مختلفة ألوانها على صفات الخيل لها (٥) أجنحة وأعراف ونواصي، قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها فقال: شدوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة، والقوا لها علوفها (٦) فيها. ثم قال (٧) للجن: عليّ بأولادكم فاجتمع خلق كبير فأقامهم على يمين الميدان ويساره (٨)، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا (٩) صفوفا، فاصطفوا فراسخ، وأمر (١٠) الإنس أن يصطفوا، فاصطفوا فراسخ، وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير (١١)، فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلما دنا (١٢) القوم من الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب البحرية التي لم تر أعينهم مثلها تروث (١٣) على لبن الذهب والفضة، تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم (١٤) من الهدايا خوفا أن يتهموا بذلك. وطرحوا ما معهم في ذلك المكان (١٥). فلما رأوا الشياطين، نظروا إلى منظر

стр. 233

عجيب ففزعوا (١)، فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كردوس (٢) (٣) من الجن والإنس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، ﵇، فنظر إليهم نظرا حسنا (٤) بوجه طلق (٥) وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له، وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه ثم قال: أين الحقة (٦)؟ فأتي بها فحركها، وجاء جبريل، ﵇، فأخبره (٧) بما فيها. فقال (٨): إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، فقال له الرسول: صدقت، فاثقب لنا الدرة وادخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان: من لي بثقبها، فسأل (٩) سليمان الأنس والجن، فلم يكن عندهم علم من ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: أرسل (١٠) إلى الأرضة (١١). فجاءت فأخذت شعرة في فمها فدخلت فيها (١٢)، ثم خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك (١٣)؟ فقالت: أن يصير رزقي في الشجر، فقال: لك ذلك، ثم قال من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فمها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر (١٤)، فقال لها سليمان: ما

стр. 234

حاجتك (١)؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه، قال: لك ذلك. ثم ميز الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد (٢) الأخرى، ثم تضرب به الوجه، وجعل الغلام كلما أخذ من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء صبا والغلام يحدر (٣) الماء على يديه حدرا، فميز بينهما (٤) بذلك. ثم رد سليمان الهدية كما قال الله تعالى (٥): ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ﴾ - من الدين والنبوة والحكمة والملك - ﴿مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ (٦) لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها تفرحون بإهداء بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله تعالى قد مكنني فيها، وأعطاني منها ما لم يعط أحدا (٧)، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة. ثم قال للمنذر بن عمرو، أمير الوفد (٨)، ارجع إليهم بالهدية ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها -﴾ - لا طاقة لهم بها - ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها﴾ - أي من أرضهم وبلادهم وهي سبأ - ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٣٧) (٩) ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. فلما رجعت رسل (١٠) بلقيس إليها قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك وما لنا من طاقة، فبعثت (١١) إلى سليمان أني قادمة عليك بملوك قومي أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك. [٣٢/ ب] ثم أمرت بعرشها في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من

стр. 235

سبعة قصور لها. ثم أغلقت (١) دونه الأبواب ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي لا يخلص (٢) إليه أحد ولا يدنيه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها تؤذنهم بالرحيل، وشخصت (٣) إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل (٤) من ملوك اليمن تحت يد كل قيل ألوف كثيرة. وكان سليمان رجلا مهيبا (٥) لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه، فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا (٦): بلقيس وقد نزلت بهذا المكان، وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان، فأقبل سليمان حينئذ على جنوده، فقال (٧): يا أيها الملأ آيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (٨)، أي مؤمنين. قال ابن عباس (٩): طائعين. واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه (١٠) أخذه بإسلامها. وقيل: ليريها قدرة الله، ، وعظيم سلطانه (١١) في معجزة يأتي بها عرشها. قال قتادة (١٢): لأنه أعجبه صفته بما وصفه الهدهد فأحب أن يراه، وقال زيد (١٣): أراد أن يأمر (١٤) بتنكيرها وتغييرها فيختبر بذلك عقلها

стр. 236

﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١)، وهو المارد القوي، قيل: اسمه كودي، وقيل: كودان (٢)، وقيل: صخر (٣) الجني، وكان بمنزلة حبل يضع قدمه عند منتهى طرفه ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ (٤) أي مجلسك الذي تقضي فيه (٥)، وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه إلى مفرغ النهار (٦) ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ - أي على حمله - ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (٧) على ما فيه من الجواهر (٨). فقال سليمان: أريد أسرع من هذا (٩) ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (١٠)، واختلفوا فيه، فقيل: هو جبريل، ﵇، وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به سليمان، ﵇، وقال الأكثر (١١): هو آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وروي عن ابن عباس قال: إن آصف قال لسليمان - حين صلى -: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان (١٢) عينيه ونظر نحو اليمن، فدعا آصف بين يدي سليمان، فبعث الله الملائكة، فحملوا السرير من تحت الأرض وهم يخدون خدا حتى انخرقت الأرض (١٣) بالسرير بين يدي سليمان، وقيل غير ذلك، وقيل: كانت المسافة مقدار شهرين. واختلفوا (١٤) في الدعاء الذي دعا به آصف، فقيل: يا ذا الجلال والإكرام،

стр. 237

وقيل: يا حي يا قيوم. وعن الزهري (١) قال: الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، وقيل: إنما هو سليمان، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٢)، قال سليمان: هات، قال: أنت النبي وليس أحد عند الله أوجه منك فإذا دعوت إليه وطلبت منه (٣) كان عندك، قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. وقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٤)، قال سعيد بن جبير (٥): يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك (٦) وقيل غير ذلك ﴿فَلَمّا رَآهُ﴾ - يعني سليمان العرض مستقرا عنده محمولا إليه من هذه المسافة البعيدة في قدر ارتداد الطرف - ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ - فلا أشكر - ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (٧) (٨) أي يعود نفع شكره إليه (٩)، وهو أن تستوجب به تمام النعمة ودوامها لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٤٠) (١٠) عن شكره كريم بالإفضال على من يكفر نعمته. قال (١١) : ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ (١٢) أي سريرها إلى حال تنكره إذا رأه، فقيل: جعل أسفله أعلاه وعكسه وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر (١٣)

стр. 238

وعكسه ﴿نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي﴾ - إلى عرشها فتعرفه - ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ (١) الذين لا [٣٣/ أ] يهتدون إليه وإنما حمل سليمان على ذلك أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار (٢) الجن، لأن أمها كانت جنية، وإذا ولدت له (٣) ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساءوا الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا له: إن في عقلها شيئا (٤) وإن رجليها كحافر الحمار وأنها مشعرة الساقين، فأراد سليمان أن يختبرها في عقلها بتنكير (٥) عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح. فلما جاءت قيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (٦)، عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولم تقل نعم خوفا من أن تكذب (٧)، ولم تقل لا خوفا من التكذيب، قالت (٨) كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقرر (٩) ولم تنكر، وحكي غير ذلك. فقالت: وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل من قبلها ومن قبل الآية في العرش: ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ (٤٢) (١٠) منقادين طائعين لأمر سليمان، وقيل غير ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (١١) أي منعها ما كانت تعبد من دون الله وهي (١٢) الشمس أن تعبد الله أي صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله تعالى (١٣)، وقيل غير ذلك. قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ﴾ (١٤) الآية، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر

стр. 239

إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها (١) لما قالت له الشياطين: أن رجلها كحافر الحمار (٢)، وهي مشعرة الساقين، فأمر الشياطين فبنوا صرحا أي قصرا من زجاج، وقيل: بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار وأجرى تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر حتى (٣) السمك والضفدع وغيرهما، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه، وعكفت (٤) الطير والجن والإنس وإنما بنى الصرح ليختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء (٥) والوصائف. فلما جلس على السرير دعا بلقيس، فلما جاءت ﴿قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ (٦) وهي معظم الماء، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ (٧) لتخوضه إلى سليمان. فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها شعرة الساقين (٨)، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداها (٩): إنه صرح ممرد أي مملس من قوارير، ثم دعاها سليمان (١٠) للإسلام. وكانت قد رأت حال العرش وعلمت أن ملك سليمان من الله تعالى، فأجابت وقالت: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ - بالكفر وعبادة غيرك - ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٤) (١١) أخلصت (١٢) له التوحيد. واختلف في أمرها هل تزوجها سليمان، ﵇، فقال بعضهم: تزوجها ولما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الأنس ما يذهب هذا، قالوا له: الموسى، فقال: إنها تجرح (١٣) ساقيها، فسأل الجن، فقالوا: لا ندري،

стр. 240

ثم سأل الشياطين، فقالوا: نحتال لك بحيلة (١) حتى تصير (٢) كالسبيكة الفضة من غير أذى، فقال: افعلوا، فاتخذوا النورة (٣) والحمام، فكانت (٤) النورة والحمام من يومها. ويقال: إن الحمام الذي (٥) بباب الأسباط بالقدس الشريف، بجوار المدرسة الصلاحية وهو من جملة الأوقاف (٦) عليها من الملك صلاح الدين، وإنما بنى لبلقيس، وإنه أول حمام بني على (٧) وجه الأرض، والله أعلم. فلما تزوجها (٨) سليمان، أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت له فيما يذكر، والله أعلم. فتنة (٩) سليمان ﵇ (١٠) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ (١١) أي اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه، وسبب ذلك ما روي عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان، ﵇، بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: صدوف (١٢)، ولها ملك عظيم الشأن لم يكن للناس عليه سبيل لمكانه بالبحر، وكان الله، ، قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر بما يركب إليه الريح.

стр. 241

فخرج (١) إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها (٢)، وأصاب فيما أصاب فيها أصاب بنتا (٣) لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى [٣٣/ ب] الإسلام (٤)، فأسلمت على جفاء منها وقلة موافقة، وأحبها حبا لم يحبه أحدا من نسائه، وكانت (٥) على منزلة عظيمة عنده ولا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان، فقال لها: ويحك (٦) ما هذا الحزن الذي لا يذهب (٧) والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إني أذكر أبي وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد (٨) أبدلك الله ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام (٩) وهو خير من ذلك، قالت: إن ذلك كذلك ولكني إذا ذكرته (١٠) أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فيصوروا صورته في داري التي أنا فيها فأراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي (١١) عني بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان الشياطين فقال: مثّلوا لها (١٢) صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا، فمثلوه لها (١٣) حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صفوه (١٤) فآزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبسها في حال

стр. 242

حياته، ثم كانت (١) إذا خرج سليمان، ﵇، من دارها تغدوا عليه (٢) في ولائدها حتى تسجد له ويسجدون له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح في كل عشية (٣) بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا. وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي (٤) ساعة أراد دخول شيء من بيوته، دخل حاضرا كان سليمان أم (٥) غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري، وقد حان مني ذهابه، وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله (٦)، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون كثيرا من أمورهم. فقال (٧): افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله تعالى، فذكر (٨) من مضى من أنبياء الله، وأثنى على كل نبي بما فيه، فذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأبعدك من كل ما يكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى امتلأ غيظا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال: يا آصف ذكرت ما مضى من أنبياء الله (٩)، فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري (١٠) في كبري، فما الذي أحدث في آخر أمري؟.

стр. 243

فقال له: إن غير الله ليعبد (١) في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال: في داري؟ فقال: نعم في دارك، فقال (٢) سليمان: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك. ثم رجع سليمان إلى داره، فكسر (٣) ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار (٤)، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسها (٥) امرأة قد رأت الدم، فلبسها، ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر (٦) برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى الله تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله وتضرعا إليه (٧)، يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره. وكانت له أم ولد يقال لها (٨) الأمينة، كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه، وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس (٩) خاتمه إلا وهو طاهر (١٠)، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يوما عندها، ثم دخل مذهبه، وأتاها (١١) الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: خاتمي (١٢) يا أمينة، فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه (١٣) الطير والجن والإنس. وخرج (١٤) سليمان فأتى أمينة، وقد تغيرت حالته وهيئته عند كل من يراه

стр. 244

[٣٤/ أ] فقال: يا أمينة خاتمي (١)، فقالت له: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت (٢): كذبت، فقد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئة (٣) قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيكذبوه، ويحثون عليه (٤) التراب، ويسبونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان. فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، وكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة (٥) وشوى الأخرى، فأكلها، فمكث كذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره. فأنكر آصف وعظماء (٦) بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين يوما، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود (٧) ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال آصف: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن (٨) هل أنكرن منه شيئا في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس، وعلانيته (٩)، فدخل على نسائه فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرناه؟ فقلن: أشد ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من الجنابة (١٠)! فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج (١١) على بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فأقبلوا حتى أحدقوا به ونشروا التوراة

стр. 245

فقرأوها، فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه (١) حوت، فأخذه بعض الصيادين. وقد عمل (٢) له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشاء أعطاه سمكتيه، فأعطي السمكة التي أخذت (٣) الخاتم، وخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة (٤)، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده، فرد الله عليه ملكه وبهاءه، فوقع ساجدا وعكفت عليه الطير (٥) والوحوش والأنس والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان، دخل عليه لما أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر، فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأتي به، فجاء له بصخرة، فأدخله فيها، ثم سد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به، فقذف به في البحر، هذا حديث وهب، وحكي غيره (٦). وأشهر الأقاويل: أن الجسد الذي ألقى على كرسيه هو صخر الجني فذلك قوله، : ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ﴾ (٣٤) (٧) أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما فلما رجع ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٨) يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في باقي عمري وتعطيه غيري كما سلبتنيه فيما مضى ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٣٥) (٩) قيل (١٠): سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه وزاد فيه. وقال مقاتل: كان سليمان ملكا ولكنه أراد بقوله: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (١١)

стр. 246

تسخير الرياح (١) والشياطين بدليل ما بعده. وروى أبو هريرة، ﵁ (٢)، عن النبي، ﷺ ، قال: «إن غفريتا من الجن تفلت البارحة عليّ (٣) ليقطع صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٤) فرددته خاسئا» (٥). ولما رد الله على سليمان ملكه وبهاءه، وحامت عليه الطير، وعرف الناس أنه سليمان قاموا يعتذرون إليه مما صنعوا فقال: ما أحمدكم على غدركم (٦) ولا ألومكم على ما كان منكم هذا أمر كان لا بد منه، ثم جاء حتى أتى ملكه، وأطاع سليمان (٧) جميع ملوك الأرض، وحملوا إليه نفائس أموالهم، واستمر سليمان على ذلك حتى توفي. ذكر وفاته ﵇ (٨) وقد روي في وفاة سيدنا (٩) سليمان، ﵇، ما قاله أهل العلم: إنه كان [٣٤/ ب] يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل فيه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها. وكان بدء (١٠) ذلك أنه لا يصبح يوما إلا نبتت في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمك؟ فتقول اسمي كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها (١١)، وإن كانت لدواء كتب (١٢)، حتى نبتت الخروبة فقال لها: ما أنت؟ قالت الخروبة، قال: لأي شيء تنبتين (١٣)؟ قالت: لخراب مسجدك،

стр. 247

فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط، ثم قال: اللهم غمم (١) على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئا على عصاه، نقل أنه نحتها من الخروب، فمات قائما، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكان الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون (٢) في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ميتا فعلموا بموته فشكرت الجن الأرضة، فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب، فذلك قوله تعالى: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ - وهي الأرضة - ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ - يعني عصاه - ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ - أي سقط على الأرض - ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤) (٣) أي علمت الجن (٤) وأيقنت أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي في التعب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ميت، أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم يظنون حياته، وقيل: إن معنى تبينت الجن، أي ظهرت (٥) وانكشفت الجن للأنس، أي ظهر أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك. وتوفي سليمان وعمره اثنتان (٦) وخمسون سنة، فكانت مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٧) لوفاة موسى، ﵇، وذلك بعد فراغ بناء (٨) بيت المقدس بسبع وعشرين سنة، فيكون الماضي من وفاته إلى عصرنا وهو أواخر سنة تسعمائة (٩) من الهجرة الشريفة النبوية ألفين وستمائة وثلاثا وسبعين سنة، والله أعلم.

стр. 248

ونقل أن قبره بالبيت المقدس عند الجسمانية (١)، وأنه هو وأبوه داود في قبر واحد، واستمر بيت المقدس على العمارة السليمانية أربعمائة وثلاثا (٢) وخمسين سنة. ذكر خراب بيت المقدس على يد بخت نصر (٣) لما توفي سليمان، ﵇، ملك بعده ابنه رحبعم (٤)، بضم الراء والحاء المهملتين وسكون الباء الموحدة وفتح العين المهملة ثم ميم، وفي أيامه اختل نظام الملك، وخرج عن طاعته عشرة أسباط، ولم يبق تحت طاعته سوى سبطين، وصار الأسباط العشرة ملوكا تعرف بملوك الأسباط، واستمر الحال على ذلك نحو مائتين وإحدى وستين سنة. وكان ولد سليمان في بني إسرائيل بمنزلة الخلفاء للإسلام، لأنهم أهل الولاية، وكان الأسباط مثل ملوك الأطراف والخوارج، وارتحل الأسباط إلى جهات (٥) فلسطين وغيرها بالشام، واستقر ولد داود ببيت المقدس. واستمر رحبعم على ما استقر له من الملك، وزاد في عمارة بيت لحم وغزة وصور (٦) (٧)، وعمر أيلة وجددها وملك سبع عشرة سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه أفيّا، بفتح الهمزة وكسر الفاء التي هي بين الألف والياء على مقتضى اللغة العبرانية وتشديد الياء المثناة من تحتها ثم ألف، وكانت مدة ملكه ثلاث سنين ومات. ثم ملك بعده ابنه أسا، بفتح الهمزة والسين المهملة ثم ألف، وكانت مدة ملكه إحدى وأربعين سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه يهوشافاط (٨)، بفتح الياء المثناة من تحتها وضم الهاء

стр. 249

وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وبعدها ألف ثم فاء وألف وطاء مهملة، وكان رجلا صالحا كثير العناية بعلماء بني إسرائيل وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين [٣٥/ أ] سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه يهورام، بفتح الياء المثناة من تحتها وضم الهاء وسكون الواو ثم راء مهملة ثم ألف وميم، وكانت مدة ملكه ثماني سنين (١) ومات. ثم كان (٢) بعده ابنه أهزياهو، بفتح الهمزة والهاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ثم مثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو، وكانت مدة ملكه سنتين ومات. ثم كان (٣) بعده أهزياهو فترة بغير ملك، وحكمت في الفترة المذكورة امرأة ساحرة أصلها من جواري سليمان، ﵇، واسمها عثلياهو (٤)، بفتح العين المهملة والثاء المثلثة وسكون اللام وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف ثم هاء مضمومة ثم واو، ويقال عثليا بغير هاء ولا واو، وتتبعت (٥) بني داود، فأفنتهم وسلم منها طفل أخفوه عنها، وكان اسم ذلك الطفل يواش بن أحزبوا (٦)، واستولت عثلياهو سبع سنين، فيكون آخر الفترة وعدمت عثلياهو في أواخر سنة ثمان وسبعين وسبتمائة لوفاة موسى، ﵇. ثم ملك بعد عثلياه ويؤاش وهو ابن سبع سنين، ويؤاش، بضم الياء المثناة من تحتها ثم همزة وألف وشين معجمة، وفي السنة الثالثة والعشرين من ملكه رمم بيت المقدس وجدد عمارته، وملك أربعين سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه أمصياهو (٧)، بفتح الهمزة والميم وسكون الصاد المهملة ومثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو، وملك تسعا وعشرين سنة، وقيل: خمس عشرة وقتل. ثم ملك بعده عزياهو (٨) (٩)، بضم العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة ثم

стр. 250

مثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو، وملك اثنتين وخمسين سنة ولحقه البرص، وتنغصت عليه أيامه، وضعف أمره في آخر وقته (١)، وتغلب عليه ولده يوثم ومات. ثم ملك بعده ابنه يوثم، بضم المثناة من (٢) تحتها وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة ثم ميم، وفي أيامه كان يونس النبي، ﵇، وملك ست عشرة سنة ومات. ثم ملك بعده (٣) ابنه آحز بهمزة ممدودة ممالة أيضا وحاء مهملة مفتوحة ثم زاي معجمة، وملك (٤) ست عشرة سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه حزقيا (٥)، بكسر الحاء المهملة (٦) وسكون الزاي المعجمة وكسر القاف وتشديد الياء المثناة من تحتها ثم ألف، وكان رجلا صالحا مظفرا، ولما دخلت السنة السادسة من ملكه انقرضت دولة الخوارج ملوك الأسباط، الذين نبهنا عليهم عند ذكر رحبعم بن سليمان، وانضم من بقي من الأسباط إلى حزقيا، ودخلوا تحت طاعته، وكان من الصلحاء الكبار وكان قد خرج عليه سنحاريب (٧) ملك بابل (٨) والموصل (٩)، ونزل حول بيت المقدس في ستمائة ألف راية (١٠)، فنصره الله وأهلك عسكر سنحاريب، ووقع سنحاريب في أسره ثم أطلقه وسيره إلى بلاده، وكان قد فرغ عمر حزقيا قبل موته بخمس عشرة سنة، فزاده الله في عمره خمس عشرة سنة، وأمره أن يتزوج، وأخبره بذلك نبي كان في زمانه (١١)، وهو أشعيا، وأشعيا (١٢) هو الذي بشر بالنبي، ﷺ ، وبشر بعيسى، ﵇، وملك
следующие страницы →