← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تسخير الرياح (١) والشياطين بدليل ما بعده. وروى أبو هريرة، ﵁ (٢)، عن النبي، ﷺ ، قال: «إن غفريتا من الجن تفلت البارحة عليّ (٣) ليقطع صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٤) فرددته خاسئا» (٥). ولما رد الله على سليمان ملكه وبهاءه، وحامت عليه الطير، وعرف الناس أنه سليمان قاموا يعتذرون إليه مما صنعوا فقال: ما أحمدكم على غدركم (٦) ولا ألومكم على ما كان منكم هذا أمر كان لا بد منه، ثم جاء حتى أتى ملكه، وأطاع سليمان (٧) جميع ملوك الأرض، وحملوا إليه نفائس أموالهم، واستمر سليمان على ذلك حتى توفي. ذكر وفاته ﵇ (٨) وقد روي في وفاة سيدنا (٩) سليمان، ﵇، ما قاله أهل العلم: إنه كان [٣٤/ ب] يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل فيه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها. وكان بدء (١٠) ذلك أنه لا يصبح يوما إلا نبتت في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمك؟ فتقول اسمي كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها (١١)، وإن كانت لدواء كتب (١٢)، حتى نبتت الخروبة فقال لها: ما أنت؟ قالت الخروبة، قال: لأي شيء تنبتين (١٣)؟ قالت: لخراب مسجدك،

стр. 247

فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط، ثم قال: اللهم غمم (١) على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئا على عصاه، نقل أنه نحتها من الخروب، فمات قائما، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكان الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون (٢) في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ميتا فعلموا بموته فشكرت الجن الأرضة، فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب، فذلك قوله تعالى: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ - وهي الأرضة - ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ - يعني عصاه - ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ - أي سقط على الأرض - ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤) (٣) أي علمت الجن (٤) وأيقنت أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي في التعب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ميت، أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم يظنون حياته، وقيل: إن معنى تبينت الجن، أي ظهرت (٥) وانكشفت الجن للأنس، أي ظهر أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك. وتوفي سليمان وعمره اثنتان (٦) وخمسون سنة، فكانت مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٧) لوفاة موسى، ﵇، وذلك بعد فراغ بناء (٨) بيت المقدس بسبع وعشرين سنة، فيكون الماضي من وفاته إلى عصرنا وهو أواخر سنة تسعمائة (٩) من الهجرة الشريفة النبوية ألفين وستمائة وثلاثا وسبعين سنة، والله أعلم.

стр. 248

ونقل أن قبره بالبيت المقدس عند الجسمانية (١)، وأنه هو وأبوه داود في قبر واحد، واستمر بيت المقدس على العمارة السليمانية أربعمائة وثلاثا (٢) وخمسين سنة. ذكر خراب بيت المقدس على يد بخت نصر (٣) لما توفي سليمان، ﵇، ملك بعده ابنه رحبعم (٤)، بضم الراء والحاء المهملتين وسكون الباء الموحدة وفتح العين المهملة ثم ميم، وفي أيامه اختل نظام الملك، وخرج عن طاعته عشرة أسباط، ولم يبق تحت طاعته سوى سبطين، وصار الأسباط العشرة ملوكا تعرف بملوك الأسباط، واستمر الحال على ذلك نحو مائتين وإحدى وستين سنة. وكان ولد سليمان في بني إسرائيل بمنزلة الخلفاء للإسلام، لأنهم أهل الولاية، وكان الأسباط مثل ملوك الأطراف والخوارج، وارتحل الأسباط إلى جهات (٥) فلسطين وغيرها بالشام، واستقر ولد داود ببيت المقدس. واستمر رحبعم على ما استقر له من الملك، وزاد في عمارة بيت لحم وغزة وصور (٦) (٧)، وعمر أيلة وجددها وملك سبع عشرة سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه أفيّا، بفتح الهمزة وكسر الفاء التي هي بين الألف والياء على مقتضى اللغة العبرانية وتشديد الياء المثناة من تحتها ثم ألف، وكانت مدة ملكه ثلاث سنين ومات. ثم ملك بعده ابنه أسا، بفتح الهمزة والسين المهملة ثم ألف، وكانت مدة ملكه إحدى وأربعين سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه يهوشافاط (٨)، بفتح الياء المثناة من تحتها وضم الهاء

стр. 249

وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وبعدها ألف ثم فاء وألف وطاء مهملة، وكان رجلا صالحا كثير العناية بعلماء بني إسرائيل وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين [٣٥/ أ] سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه يهورام، بفتح الياء المثناة من تحتها وضم الهاء وسكون الواو ثم راء مهملة ثم ألف وميم، وكانت مدة ملكه ثماني سنين (١) ومات. ثم كان (٢) بعده ابنه أهزياهو، بفتح الهمزة والهاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ثم مثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو، وكانت مدة ملكه سنتين ومات. ثم كان (٣) بعده أهزياهو فترة بغير ملك، وحكمت في الفترة المذكورة امرأة ساحرة أصلها من جواري سليمان، ﵇، واسمها عثلياهو (٤)، بفتح العين المهملة والثاء المثلثة وسكون اللام وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف ثم هاء مضمومة ثم واو، ويقال عثليا بغير هاء ولا واو، وتتبعت (٥) بني داود، فأفنتهم وسلم منها طفل أخفوه عنها، وكان اسم ذلك الطفل يواش بن أحزبوا (٦)، واستولت عثلياهو سبع سنين، فيكون آخر الفترة وعدمت عثلياهو في أواخر سنة ثمان وسبعين وسبتمائة لوفاة موسى، ﵇. ثم ملك بعد عثلياه ويؤاش وهو ابن سبع سنين، ويؤاش، بضم الياء المثناة من تحتها ثم همزة وألف وشين معجمة، وفي السنة الثالثة والعشرين من ملكه رمم بيت المقدس وجدد عمارته، وملك أربعين سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه أمصياهو (٧)، بفتح الهمزة والميم وسكون الصاد المهملة ومثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو، وملك تسعا وعشرين سنة، وقيل: خمس عشرة وقتل. ثم ملك بعده عزياهو (٨) (٩)، بضم العين المهملة وتشديد الزاي المعجمة ثم

стр. 250

مثناة من تحتها ثم ألف وهاء ثم واو، وملك اثنتين وخمسين سنة ولحقه البرص، وتنغصت عليه أيامه، وضعف أمره في آخر وقته (١)، وتغلب عليه ولده يوثم ومات. ثم ملك بعده ابنه يوثم، بضم المثناة من (٢) تحتها وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة ثم ميم، وفي أيامه كان يونس النبي، ﵇، وملك ست عشرة سنة ومات. ثم ملك بعده (٣) ابنه آحز بهمزة ممدودة ممالة أيضا وحاء مهملة مفتوحة ثم زاي معجمة، وملك (٤) ست عشرة سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه حزقيا (٥)، بكسر الحاء المهملة (٦) وسكون الزاي المعجمة وكسر القاف وتشديد الياء المثناة من تحتها ثم ألف، وكان رجلا صالحا مظفرا، ولما دخلت السنة السادسة من ملكه انقرضت دولة الخوارج ملوك الأسباط، الذين نبهنا عليهم عند ذكر رحبعم بن سليمان، وانضم من بقي من الأسباط إلى حزقيا، ودخلوا تحت طاعته، وكان من الصلحاء الكبار وكان قد خرج عليه سنحاريب (٧) ملك بابل (٨) والموصل (٩)، ونزل حول بيت المقدس في ستمائة ألف راية (١٠)، فنصره الله وأهلك عسكر سنحاريب، ووقع سنحاريب في أسره ثم أطلقه وسيره إلى بلاده، وكان قد فرغ عمر حزقيا قبل موته بخمس عشرة سنة، فزاده الله في عمره خمس عشرة سنة، وأمره أن يتزوج، وأخبره بذلك نبي كان في زمانه (١١)، وهو أشعيا، وأشعيا (١٢) هو الذي بشر بالنبي، ﷺ ، وبشر بعيسى، ﵇، وملك

стр. 251

حزقيا تسعا وعشرين سنة ومات. ثم ملك (١) بعده ابنه منشا، بميم ونون مفتوحتين وشين معجمة مشددة وألف وملك خمسا وخمسين سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه آمون (٢)، بهمزة ممالة وميم مضمومة ثم واو ونون، وملك سنتين، ومات. ثم ملك بعده ابنه يوشيا، بضم المثناة من تحتها وسكون الواو وكسر الشين المعجمة وتشديد المثناة من تحتها ثم ألف، ولما ملك أظهر الطاعة والعبادة وجدد عمارة بيت المقدس وأصلحه، وملك يوشيا إحدى وثلاثين سنة ومات. ثم ملك بعده ابنه يهوياخين، بياء مثناة (٣) من تحتها مفتوحة وهاء مضمومة وبعدها واو ثم ياء مثناة من تحتها مفتوحة وبعدها ألف ثم خاء معجمة مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون، ولما ملك غزاه فرعون مصر، وهو الأعرج، فأخذ يهوياخين (٤) أسيرا إلى مصر فمات بها، وكانت مدة ملكه ثلاثة أشهر. ولما أسر يهوياخين ملك بعده أخوه يهوياقيم، بفتح المثناة من تحتها وضم الهاء ثم واو ساكنة وياء مثناة من تحتها وألف وقاف مكسورة وياء مثناة من تحتها [٣٥/ ب] ساكنة وميم، وفي السنة الرابعة من ملكه تولى بخت نصر على بابل، وكان ابتداء ولايته في سنة تسع وسبعين وتسعمائة لوفاة موسى، ﵇، وتفسير بخت نصر بالعبرانية - عطارد (٥) وهو ينطق - سمي بذلك لتقريبه العلماء والحكماء وحبه أهل العلم. واختلف المؤرخون فيه هل كان ملكا مستقلا بنفسه أم كان نائبا للفرس، والأصح عند الأكثر (٦): أنه كان نائبا للملك اسمه لهراسف، وبين ولاية بخت نصر والهجرة الشريفة ألف وثلثمائة وتسع وستون سنة ومائة وسبعة عشر يوما، وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة، فيكون الماضي من ولاية بخت نصر إلى آخر تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفين ومائتين وتسعا وستين سنة وأياما.

стр. 252

وفي السنة الرابعة من ملكه، وهي السابعة (١) من ملك يهوياقيم، سار بخت نصر بالجيوش إلى الشام، وغزا بني إسرائيل لما حصل منهم من التغيير (٢) والتبديل وفعل القبيح فلم يحاربه يهوياقيم ودخل تحت طاعته فأبقاه بخت نصر على ملكه، ورجع بنو إسرائيل (٣) إلى الله تعالى، وتابوا عن المعاصي، فرد الله عنهم بخت نصر وبقي يهوياقيم تحت طاعة بخت نصر ثلاث سنين، ثم خرج عن طاعته وعصى عليه (٤)، فأرسل بخت نصر وأمسك يهوياقيم، وأمر بإحضاره، فمات يهوياقيم في الطريق من الخوف، فكانت مدة ولايته نحو إحدى عشرة سنة، وانقضى ملكه في أوائل (٥) سنة ثمان لابتداء ملك بخت نصر. ولما أخذ يهوياقيم المذكور إلى العراق استخلف مكانه ابنه يخنيو، بفتح المثناة من تحتها والخاء المعجمة وسكون النون وضم المثناة من تحتها ثم واو، فأقام موضع أبيه مائة يوم، ثم أرسل بخت نصر من أخذه إلى بابل وأخذ معه أيضا جماعة منعلماء بني إسرائيل من جملتهم: دانيال النبي، وحزقيل (٦) النبي، وهو من نسل هارون، ﵇، وحال وصول يخنيو سجنه بخت نصر. ولم يبرح مسجونا حتى مات بخت نصر. ولما أمسك بخت نصر يخنيو نصب مكانه على بني إسرائيل عم يخنيو المذكور، وهو صدقيا، بكسر الصاد المهملة وسكون الدال المهملة وكسر القاف وفتح الياء المثناة من تحتها مع التشديد وبعدها ألف، واستمر صدقيا تحت طاعة (٧) بخت نصر، وكان أرميا النبي، ﵇، في أيام صدقيا فبقي يعظه ويعظ بني إسرائيل لما أحدثوا من المعاصي والطغيان ونقض التوبة، ويهددهم ببخت نصر وهم لا يلتفتون إلى وعظه. وفي السنة التاسعة من ملك صدقيا عصى على بخت نصر، وكان أرميا، ﵇، قد رأى بخت نصر قديما، وهو صبي أقرع، ورآه (٨) يأكل ويتغوط

стр. 253

ويقتل القمل، فقال له: ما هذا؟ فقال: أذى يخرج ومنفعة تدخل وعدو يقتل، فقال له: سيكون لك شأن، فأخذ أرميا من بخت نصر أمانا لبيت المقدس ومن فيها، وكتب له الأمان في جلد، فلما صار الملك إلى بخت نصر وعصى عليه صدقيا، كما تقدم، قصد بخت نصر بيت المقدس، فلما بلغ سهول الرملة وأعلم أرميا بذلك سار إليه وأعطاه الأمان، فنظره وقال: هو أماني ولكني مبعوث، وقد أمرت أن أرمي بسهمي (١) فحيثما وقع سهمي طلبت الموضع، فرمى بسهمه فوقع في قبة بيت المقدس، فرجع أرميا إلى أهل (٢) بيت المقدس وأخبرهم بذلك. ثم سار بخت نصر بالجيوش، وكان معه ستمائة (٣) ألف راية، ودخل بيت المقدس، وأعانهم على ذلك النصارى (٤) (٥) قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾ (٦). قال: وهم النصارى، لا يدخلون (٧) المسجد إلا مسارقة إن قدر عليهم عوقبوا ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ (٨) قال: يعطون الجزية عن يد ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٢٩) (٩). ذكر عمارة بيت المقدس الثانية (١٠) لما جرى ما ذكر من تخريب بيت المقدس ولبثه على التخريب سبعين سنة، عمّره بعد ذلك بعض ملوك الفرس واسمه عند اليهود، كورش (١١). وقيل: اختلف فيه، فقيل: هو دارا بن بهمن، وقيل: هو بهمن المذكور وهو الأصح. وكان كريما متواضعا علامته على كتبه: من أردشير بهمن، عبد الله، وخادم الله، والسائس لأمركم (١٢)، وتفسير بهمن بالعبرانية: الحسن النية.

стр. 254

وكان قد امره الله على لسان عبده أرميا النبي، ﵇ (١)، أن يبني بيت المقدس. ففعل ذلك، وأصعد إليها من بني إسرائيل أربعين ألفا، وقربوا القرابين على رسومهم الأولى، ورجعت إليهم دولتهم، وعظم محلهم عند الأمم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ ﴿(٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ (٢)، وعاد البلد أحسن مما كان. وحكى بعض المؤرخين: إن الله تعالى أوحى إلى أشعيا النبي، ﵇، أن كورش يعمر بيت المقدس، ذكر لفظ أشعيا الذي قال (٣) في الفصل الثاني والعشرين (٤) من كتابه حكاية عن الله، ، وهو أن القائل لكورش راعى الذي يتمم جميع محياي، ويقول لأورشليم عودي مبنية، ولهيكلها كن زخرفا مزينا، هكذا قال الرب لمسبحه كورش الذي أخذ بيمينه لتدبير الأمم، وينحي ظهور [٣٦/ أ] الملوك، سائرا يفتح الأبواب أمامه فلا تغلق (٥)، وأسهل لك الوعر، وأكسر أبواب النحاس، وأحبوا لك بالدخائر التي في الظلمات، انتهى. ولما عادت عمارة بيت المقدس تراجع (٦) إليه بنو إسرائيل من العراق وغيره، وكانت عمارته في أول سنة تسعين لابتداء ولاية بخت نصر. ولما تراجع بنو إسرائيل إلى القدس كان من جملتهم عزير، ﵇ (٧)، وكان بالعراق، وقدم معه من بني إسرائيل ما يزيد على ألفين من العلماء وغيرهم، وترتب (٨) مع عزير في القدس مائة وعشرون شيخا من علماء بني إسرائيل، وكانت التوراة (٩) قد عدمت منهم إذ ذاك، فمثلها الله تعالى (١٠) في صدر العزير ووضعها لبني إسرائيل يعرفونها بحلالها وحرامها، فأحبوه حبا شديدا، وأصلح العزير أمرهم، وأقام بينهم على ذلك.

стр. 255

ولبث مع بني إسرائيل في القدس يدبر أمرهم حتى توفي بعد مضي أربعين سنة لعمارة بيت المقدس. فتكون وفاته سنة ثلاثين ومائة لابتداء ولاية بخت نصر، واسم العزير بالعبرانية: عزرا وهو من ذرية هارون بن عمران، ثم تولى رئاسة بني إسرائيل ببيت المقدس بعد العزير شمعون الصديق (١) وهو أيضا من نسل هارون. ولما تراجع بنو إسرائيل إلى القدس بعد عمارته، صار لهم حكام (٢) منهم، وكانوا تحت حكم ملوك الفرس، واستمروا كذلك حتى ظهر الإسكندر (٣) ملك اليونان في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة لولاية بخت نصر، وغلب اليونان على الفرس، ودخل حينئذ بنو إسرائيل تحت حكم اليونان. وبين غلبة الإسكندر على ملك الفرس (٤) وبين الهجرة الشريفة تسعمائة وأربع وثلاثون سنة. ومات الإسكندر بعد غلبته على الفرس (٥) بقريب سبع سنين، فيكون بين موته وبين الهجرة الشريفة تسعمائة وقريب ثمان وعشرين سنة، وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة، فيكون الماضي من وفاة الإسكندر إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفا وثمانمائة وقريب ثمان وعشرين سنة. وهذا الإسكندر ليس هو ذو القرنين (٦) الذي ذكره الله (٧) في القرآن، فإن ذلك ملك قديم كان على زمن إبراهيم الخليل، ﵇، وقد تقدم (٨) ذكره. ولما دخل بنو إسرائيل تحت حكم اليونان أقام اليونان من بني إسرائيل ولاة عليهم، وكان يقال للمتولي عليهم: هردوس (٩). واستمر بنو إسرائيل على ذلك حتى خرب بيت المقدس الخراب الثاني، وتشتت منه بنو إسرائيل على

стр. 256

ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. قصة أرميا ﵇ (١) قد تقدم عند ذكر صدقيا، الذي هو آخر ملوك بني إسرائيل، أن أرميا النبي، ﵇، كان فيه أيامه وكان يأمر بني إسرائيل بالتوبة ويهددهم ببخت نصر وهم لا يلتفتون إليه. فلما رأى أنهم لا يرجعون عما هم فيه فارقهم أيضا واختفى حتى غزاهم بخت نصر وخرب (٢) القدس، كما تقدم ذكره، ثم إن الله تعالى أوحى إلى أرميا النبي (٣): أني عامر بيت المقدس فاخرج إليها. فخرج أرميا وقدم إلى القدس وهي خراب فقال: سبحان الله، أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها فمتى يعمرها ومتى يحييها الله بعد موتها. ثم وضع رأسه فنام (٤)، ومعه حماره وسلة فيها طعام وهو تين وركوة فيها عصير عنب. وكان من قصته ما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ - أي لم يتغير - ﴿وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ (٥). وقد قيل: إن صاحب القصة هو العزير (٦) والأصح أنه أرميا. وقد أهلك الله بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل، ولم [٣٧/ أ] يمت أحد منهم (٧) ببابل، وردهم الله جميعا (٨) إلى بيت المقدس ونواحيه. قال البغوي في تفسيره: وعمر الله أرميا فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله

стр. 257

تعالى: ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (١) أي أحياه، وبعثه الله على السن الذي توفاه عليه بعد مائة سنة وهو أربعون سنة ولابنه عشر ومائة سنة، ولا بن ابنه تسعون سنة، وأنشد في ذلك: واسود رأس شاب من قبل ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر (٢) ترى ابنه شيخا يأتي على عصا … ولحيته سوداء والرأس أشقر (٣) وما لابنه حيل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصبي فيعثر يعد ابنه في الناس تسعين حجة … وعشرين لا يجري ولا يتبختر (٤) وعمر أبيه أربعون أمرها … ولابن ابنه في الناس تسعون غير (٥) فما هو في المعقول إن كنت داريا … وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر فصل لما (٦) ملك الإسكندر وقهر الفرس، وعظمت مملكة اليونان صار بنو إسرائيل وغيرهم تحت طاعتهم، وتولت (٧) ملوك اليونان بعد الإسكندر وكان يقال لكل واحد منهم بطليموس (٨). فلما مات الإسكندر ملك بعده بطليموس بن لاغوس (٩) (١٠) عشرين سنة، ثم ملك بعده بطليموس (١١) تخت أخيه واسمه عند اليهود ثلماي - بثاء مثناة (١٢) من فوقها ثم لام ساكنة ثم ميم مفتوحة وبعدها ألف ثم ياء آخر الحروف، وهو الذي نقلت له (١٣) التوراة وغيرها من كتب الأنبياء من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية (١٤). وكان نقل التوراة بعد عشرين سنة مضت من موت الإسكندر.

стр. 258

ولما تولى بطليموس (١) الثاني تخت أخيه المسمى عند اليهود - ثلماي - وجد جملة (٢) من الأسرى منهم نحو ثلاثين ألفا من اليهود، فأعتقهم كلهم، وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم. ففرحوا بذلك وأكثروا له بالدعاء والشكر. فأرسل رسولا وهدايا إلى بني إسرائيل المقيمين بالقدس الشريف وطلب منهم أن يرسلوا إليه عدة (٣) من علماء بني إسرائيل لنقل التوراة وغيرها إلى اللغة اليونانية. فسارعوا إلى امتثال أمره، ثم إن بني إسرائيل تزاحموا على الرواح إليه، وبقي كل منهم يختار ذلك واختلفوا، ثم اتفقوا على أن يبعثوا إليه من كل سبط من أسباطهم ستة. فبلغ ذلك من عددهم اثنين وسبعين رجلا. فلما وصلوا إلى بطليموس المذكور المسمى عندهم ثلماي، أحسن إليهم، قراهم، وصيرهم ستا وثلاثين فرقة، وخالف بين أسباطهم، وأمرهم، فترجموا له ستا وثلاثين نسخة من التوراة، وقابل بعضها إلى بعض، فوجدها مستوية لم تختلف اختلافا يعتد به، وفرق النسخ المذكورة في بلاده. وبعد فراغهم من الترجمة، أكثر لهم الصلاة وجهزهم إلى بلدهم (٤). وسأله المذكورون في نسخة من تلك النسخ، فأسعفهم بنسخة، فأخذها المذكورون وعادوا بها إلى بني إسرائيل ببيت المقدس. فنسخة التوراة المنقولة لبطليموس (٥) المسمى ثلماي، أصح نسخ التوراة وأثبتها، وهي التوراة اليونانية التي عليها عمل المؤرخين. وأما التوراة العبرانية وهي التي بأيدي اليهود، والتوراة السامرية (٦) فكل واحدة منهما مبدلة لا عمل عليها، والله أعلم. ذكر سيدنا يونس بن متى ﵇ (٧) ومتى أبو يونس، وقيل: إن متى (٨) أمه، والذي عليه أكثر العلماء، إنه أبوه.

стр. 259

وقد ورد في الحديث الشريف: أن رسول الله، ﷺ ، قال: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (١) ونسبه إلى أبيه، ولكن نقل الملك المؤيد صاحب حماة في تاريخه (٢): إن متى أمه، قال: ولم يشتهر نبي بأمه غير عيسى ويونس، ﵉. وقيل: إن يونس من بني إسرائيل، وأنه من سبط بنيامين، وتزوج بنت رجل من الأولياء اسمه زكريا، وكان زكريا (٣) مقيما بالرملة فأقام يونس عنده، ثم بعد وفاة زكريا توجه إلى بيت المقدس يعبد الله تعالى (٤)، وكانت بعثته في أيام يوثم بن عزياهو أحد ملوك بني إسرائيل، وتقدم ذكر ذلك عند ذكر يوثم المذكور. وبعث الله يونس إلى أهل نينوى (٥) - وهي قبالة الموصل بينهما دجلة - وكانوا يعبدون الأصنام فنهاهم وأوعدهم العذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا وضمن ذلك عن ربه، . فلما أظلهم العذاب آمنوا، فكشف الله عنهم، فجاء (٦) يونس [٣٧/ ب] لذلك اليوم، فلم ير العذاب حل، ولا علم بإيمانهم، فذهب مغضبا، ودخل في سفينة من سفن دجلة (٧)، فوقفت السفينة ولم تتحرك، فقال رئيسها: فيكم من له ذنب، فتساهموا على من يلقونه في البحر (٨)، فوقعت المساهمة على يونس، فرموه في البحر ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (١٤٢) (٩) وسار به (١٠). وكان من شأنه ما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز وملخص قصته: إن الحوت التقمه، فكان (١١) يونس يسبح على قلب الحوت، والحوت يقول: يا يونس اسمعني تسبيح المقمومين، وهو يقول: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧) (١٢)، فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا إنا نسمع تسبيح مكروب كان

стр. 260

لك شاكرا، اللهم فارحمه في كربته وغربته (١)، قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧) (٢) يعني ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ (٣). وروي أنه ما قرأ هذه الآية مكروب إلازال كربه (٤) وهي سورة الأنبياء. واختلف (٥) في مدة لبثه، فمنهم من قال: أربعين يوما، وقيل: ثلاثة أيام، فلما انقضت المدة التي قدرها الله تعالى (٦) له أمر الحوت، أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه. فشق ذلك على الحوت لاستثناسه بذكر الله تعالى، فقيل له: اقذفه، فقذفه في الساحل، فذلك قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (١٤٥) (٧) واسم الحوت: النون. وخرج يونس مثل الفرخ المنتوف وقد ذهب بصره وهو لا يقدر على القيام فأنبت الله شجرة من يقطين لها أربعة آلاف غصن، فكانت فراشه وغطاءه، وأمر الله الظبية فجاءته وأرضعته حتى قوي، وهبط جبريل، ﵇، فسلم عليه وأمرّ يده على رأسه وجسده، فأنبت الله لحيته، ورد عليه بصره، وأوحى الله بإيمان قومه حين رأوا العذاب، ثم هبط إليه ملك ودفع إليه حلتين وقال: سر إلى قومك فإنهم يتمنوك (٨)، فاتزر بواحدة وارتدي بالأخرى، وسار يونس، ﵇، واجتمع بزوجته وولديه قبل وصوله إلى قومه، ثم وصل الخبر إلى قومه بوصوله، فوثب الملك عن سريره وخرجوا كلهم إلى يونس، ﵇، وسلموا عليه، وفرحوا به، فحملوه (٩) إلى المدينة. وأقام فيهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فمات الملك وماتت زوجة يونس وأولاده (١٠). ومات يونس (١١) في سنة خمس عشر وثمانمائة لوفاة موسى، ﵇،

стр. 261

وقبره في قرية بالقرب من بلد سيدنا الخليل، ﵇، على مسافة قرية، وهذه القرية تسمى حلحول (١)، وهي على طريق بيت المقدس، وصار على قبره منارة ومسجد (٢) والذي بنى المنارة الملك المعظم عيسى (٣) بولاية الأمير رشيد الدين فرج بن عبد الله المعظم (٤) في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة (٥)، وقد اشتهر أمره والناس يقصدونه للزيارة، ﷺ ، ومتى مدفون بالقرب منه بقرية يقال لها بيت أمر (٦)، وكان رجلا صالحا من أهل بيت النبوة، والله أعلم. ذكر زكريا ويحيى وعيسى ﵈ (٧) وما وقع لسيدنا عيسى بن مريم، ﵇، وصعوده إلى السماء وملخص ما وقع لزكريا ويحيى، ﵉. أقول - وبالله التوفيق - أن سيدنا زكريا من ولد سليمان بن داود، ﵈ (٨)، وكان نبيا ذكره الله تعالى (٩) في القرآن، وكان نجارا، وهو الذي كفل مريم أم عيسى. وكانت مريم بنت عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وكانت أم مريم اسمها حنة، وكان زكريا متزوجا أخت حنة واسمها إيساع، فكانت زوج (١٠) زكريا خالة مريم، ولذلك كفل زكريا مريم، وسنذكر ذلك.

стр. 262

وأرسل الله تعالى جبريل، ﵇، فبشر زكريا بيحيى مصدقا بكلمة من الله يعني عيسى بن مريم، ثم أرسل الله تعالى، جبريل، ﵇، ونفخ (١) في جيب مريم، فحملت بعيسى، ﵇، وكانت قد حملت خالتها إيساع، بيحيى [٣٨/ أ] وولد يحيى، قبل عيسى بستة أشهر، ثم ولدت مريم عيسى. فلما علمت اليهود أن مريم ولدت من غير بعل اتهموا زكريا بها وطلبوه فهرب واختفى في شجرة عظيمة، فقطعوا الشجرة وقطعوا زكريا معها (٢). وكان عمر زكريا حينئذ نحو مائة سنة، وكان قتله بعد ولادة المسيح، وكانت ولادة المسيح (٣) لمضى ثلاثمائة وثلاث سنين للإسكندر، ويأتي تحرير تاريخ مولده قريبا، فيكون مقتل زكريا بعد ذلك بقليل (٤). وأما يحيى ابنه فإنه نبي وهو صغير، ودعا الناس إلى عبادة الله، ولبس الشعر، واجتهد في العبادة حتى نحل جسمه. وكان عيسى بن مريم قد حرم نكاح بنت الأخ. وكان لهرودوس (٥) - وهو الحاكم على بني إسرائيل - بنت أخ وأراد أن يتزوجها كما هو جائز في ملة اليهود، فنهاه يحيى عن ذلك، فطلبت أم البنت من هرودوس (٦) أن يقتل يحيى، فلم يجبها إلى ذلك، فعاودته. وسألته البنت أيضا وألحت عليه فأجابها إلى ذلك، وأمر بيحيى فذبح (٧) ووضع رأسه بين يدي هرودوس، وكان الرأس (٨) يتكلم ويقول: لا تحل لك، واستمر غليان دمه، فأمر بتراب فألقي عليه فما ازداد إلا انبعاثا، فبعث الله عليهم ملكا من جهة المشرق يقال له خرودوش (٩)، فقتل منهم على دم يحيى سبعين ألفا إلى أن سكن دمه. وزعم قومه: أن بخت نصر هو الذي غزاهم وقتلهم على دم يحيى. وليس بصحيح: لأن بخت نصر خرب بيت المقدس قبل (١٠) ولادة يحيى بنحو خمسمائة

стр. 263

سنة، وكان قتل يحيى قبل رفع المسيح (١) بمدة يسيرة، لأن عيسى، ﵇، إنما ابتدأ بالدعوة لما صار له ثلاثون سنة، ولما أمره الله تعالى أن يدعو الناس إلى دين النصارى غمسه يحيى في نهر الأردن، ولعيسى نحو ثلاثين سنة، وخرج من نهر الأردن (٢) وابتدأ بالدعوة، وجميع ما لبث المسيح (٣) بعد ذلك ثلاث سنين، فذبح يحيى كان قبل رفع عيسى بسنة ونصف (٤). قال قتادة: وكان رفع عيسى بعد نبوته بثلاث سنين. والنصارى تسمي سيدنا يحيى يوحنا المعمدان، لكونه عمد المسيح، كما ذكر، وكان يحيى، ﵇، لا يأتي النساء لأنه لم يكن له ما للرجال (٥)، فلذلك سماه الله تعالى: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ (٦) كذا قيل، وهو غير مرضي. وقد تكلم القاضي عياض (٧) في الشفاء (٨) على معنى كون يحيى حصورا بما حاصله: إن هذا الذي قيل نقيصة وعيب لا يليق بالأنبياء وإنما معناه أنه معصوم عن الذنوب لا يأتيها (٩)، فكأنه حصر عنها، أو أنه حصر نفسه عن الشهوات فمنعها (١٠)، ويأتي ذكر الخلاف في محل قبره وقبر والده زكريا عند ذكر قبر مريم، ﵈ (١١)، إن شاء الله تعالى. وأما مريم فاسم أمها حنة زوجة عمران (١٢)، وكان حنة لا تلد، واشتهت الولد فدعت بذلك ونذرت إن رزقها الله ولدا جعلته من خدمة بيت المقدس. فحملت حنة

стр. 264

وهلك زوجها عمران وهي حامل (١)، فولدت بنتا وسمتها مريم، ومعناه (٢) العابدة، قال الله تعالى مخبرا عن أمها: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ (٣) أي لخدمة بيت المقدس، لما يلحقها من الحيض والنفاس وعدم الصيانة عن التبرج للناس، ثم حملتها وأتت بها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه المنذورة. فتنافسوا فيها لأنها بنت عمران - وكان من أئمتهم - فقال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها زوجتي، فأخذها زكريا، وضمها إلى إيساع (٤) (٥) خالتها (٦)، فلما كبرت (٧) مريم، بنى لها زكريا غرفة في المسجد، وانقطعت في تلك الغرفة للعبادة: وكان لا يدخل على مريم غير زكريا فقط، قال الله تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً﴾ - فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف - ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٧) (٨). وأرسل الله جبريل فنفخ في جيب مريم فحملت بعيسى، وولدته في بيت لحم، وهي قرية قريبة من القدس (٩) سنة أربع وثلاثمائة لغلبة الإسكندر (١٠). وبين مولد سيدنا عيسى، ﵇، والهجرة الشريفة النبوية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام (١١)، ستمائة وإحدى وثلاثون سنة، وقد مضى من الهجرة [٣٨/ ب] الشريفة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة، فيكون الماضي من مولد المسيح إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفا وخمسمائة وإحدى وثلاثين سنة. ولما جاءت مريم بعيسى تحمله قال لها قومها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ (١٢)، وأخذوا الحجارة ليرجموها، فتكلم عيسى وهو في المهد معلقا في منكبها، فقال:

стр. 265

﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ﴾ (١) (٢)، فلما سمعوا كلام ابنها تركوها. ثم إن مريم أخذت عيسى وسارت به إلى مصر، وسار معها ابن عمها (٣) يوسف بن يعقوب بن ماثان النجار (٤)، وكان حكيما، ويزعم بعضهم: إن يوسف المذكور قد تزوج بمريم لكنه لم يقربها، وهو أول من أنكر حملها، ثم علم وتحقق براءتها، وسار معها إلى مصر، وأقاما (٥) هناك اثنتي عشرة سنة. ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام ونزلا الناصرة (٦) وبها سميت النصارى، وأقام بها عيسى حتى بلغ ثلاثين سنة. فأوحى الله تعالى (٧) إليه، وأرسله إلى الناس، وسار إلى الأردن وهو نهر الغور المسمى بالشريعة، فاعتمد (٨) وابتدأ بالدعوة، وكان يحيى بن زكريا هو الذي عمده كما تقدم، وكان ذلك لستة أيام خلت (٩) من كانون الثاني لمضي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة للإسكندر، وأظهر عيسى، ﵇، المعجزات (١٠) وأحيا ميتا يقال له: عازر، بعد ثلاثة أيام من موته، وجعل من الطين طائرا، قيل: هو الخفاش، وأبرأ الأكمه والأبرص، وكان يمشي على الماء، ﷺ . نزول المائدة (١١) وأنزل الله تعالى (١٢) عليه المائدة، وأوحى الله إليه الإنجيل، وكان عيسى، ﵇، يلبس الصوف والشعر ويأكل من نبات الأرض، وربما تقوت من غزل أمه.

стр. 266

وكان الحواريون الذين اتبعوه اثني عشر رجلا وهم: شمعون، الصفا، وبطرس وأخوه أندراوس، ويعقوب بن ريردي، وفيلبس، وبرطولومادس، وأندريوس، ومرقص، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى، وهؤلاء الذين سألوه نزول المائدة (١)، فلما سألوه ذلك قام عيسى، فألقى الصوف عنه ولبس الشعر ووضع يمينه على شماله ووضعهما على صدره وصف بين قدميه وألصق الكعب بالكعب والإبهام بالإبهام وخفض رأسه (٢) خاشعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء حتى سألت الدموع على لحيته وجعلت تقطر على صدره، وقال: ﴿اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا﴾ - أي تكون عطية منك لنا وعلامة بيننا وبينك وارزقنا عليها طعاما نأكله - ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (١١٤) (٣). فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون إليها تهوي منقضة في الهواء، وعيسى، ﵇، يبكي ويقول: إلهي اجعلنا (٤) لك من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، إلهي (٥) كم أسألك من العجائب فتعطيني. إلهي أعوذ بك أن يكون إنزالها غضبا ورجزا، اللهم اجعلها عافية وسلاما (٦) ولا تجعلها فتنة ولا مثلة. حتى استقرت بين يدي (٧) عيسى، ﵇، والناس حوله يجدون ريحا طيبة لم يجدوا مثلها، وخر عيسى (٨) ساجدا لله تعالى، وخر الحواريون معه. قال الحواريون: يا روح الله وكلمته لو أريتنا اليوم آية من هذه السمكة؟ فقال عيسى، ﵇: يا سمكة أحيي بإذن الله تعالى فاضطربت السمكة طربة تدور عيناها، لها بصيص تتلمظ بفيها كما يتلمظ السبع وعاد عليها فلوسها (٩)، ففزع القوم، فقال عيسى: ما لكم تسألون الشيء إذا (١٠) أعطيتموه كرهتموه، فما أخوفني أن تعذبوا بهذه السمكة. ثم قال: عودي كما كنت بإذن الله

стр. 267

تعالى (١)، فعادت مشوية على حالها، قالوا: كن أنت يا روح الله أول من يأكل ثم نأكل بعدك، قال عيسى: معاذ الله أن يأكل منها إلا من طلبها وسألها. ففرق الحواريون أن تكون إنما أنزلت (٢) سخطه فيها مثلة، فلم يأكلوا منها. ودعا لها عيسى، ﵇، أهل الفاقة (٣) والزمانة من العميان والمجذومين (٤) والبرصى والمقعدين وأصحاب الماء الأصفر والمجانين. فقال: كلوا من رزق الله هو ربكم ودعوة نبيكم فإنه رزق ربكم فتكون المهنأة لكم والبلاء لغيركم واذكروا اسم ربكم، وكلوا (٥) ففعلوا. وصدر عن تلك السمكة والأرغفة والرمانات والتمرات والبقول ألف وثلاثمائة من رجل وامرأة بين فقير جائع وزمن ومبتلى بآفة كلهم شبعان (٦) يتجشى (٧)، فنظر عيسى فإذا ما عليها كهيئته حين نزل (٨) من السماء. ورفعت السفرة إلى السماء، وهم ينظرون إليها. واستغنى كل فقير أكل منها يومئذ، فلم يزل غنيا حتى مات، وبرئ كل زمن من زمانته فلم يزل بريئا حتى مات. وندم الحواريون وسائر الناس ممن أبى أن يأكل منها حسرة (٩)، وشابت منها شعورهم، وكانت إذا نزلت بعد ذلك أقبلوا إليها حبورا من كل مكان يركب بعضهم بعضا الأغنياء والفقراء والرجال والنساء، فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوبا بينهم. وكانت تنزل غبا (١٠) يوما وتغيب، يوما كناقة ثمود ترعى يوما وترد يوما، فلبثت كذلك أربعين صباحا تغيب يوما وتنزل يوما، حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا ينظرون إليها وإلى ظلها في الأرض حتى توارت عنهم، فأوحى الله إلى عيسى: أن اجعل مائدتي رزقا لليتامى والزمنى دون الأغنياء من الإنس، فلما فعل ذلك (١١)

стр. 268

بهم، عظم ذلك على الأغنياء (١) وأذاعوا القبيح حتى شكوا وشككوا فيه الناس، فوقعت فيه الفتنة في قلوب المرتدين، قال قائلهم: يا روح الله وكلمته إن المائدة لحق أنها تنزل من عند الله، قال عيسى: ويحكم هلكتم إن لم يرحمكم الله. فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ بشرطي (٢) من المكذبين قد اشترطت عليهم إني معذب من كفر منهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين بعد نزولها، قال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) (٣) فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثين خنازير (٤) من ليلتهم، فأصبحوا يأكلون القذرات في الحشوش، ويتبعون ما في الكناسة والطرق، وكانوا قد باتوا أول الليل على فرشهم (٥) عند نسائهم في ديارهم بأحسن صورة، وأوسع رزق، فأصبح الناس يفرون إلى عيسى فزعا وخوفا من عقوبة الله تعالى، وعيسى يبكي عليهم ويبكون معه عليهم. وجاءت الخنازير بين يديه تسعى إليه حين أبصرته (٦) ينظرون إليه، ويمشون (٧) ويشمون ريحه ويسجدون له وأعينهم تسيل دموعا لا يستطيعون الكلام، ثم قام عيسى يناديهم بأسمائهم فيقول: يا فلان فيقول برأسه نعم، يا فلان ابن فلان، قد كنت خوفتكم عذاب الله وعقوبته، وكأني (٨) قد كنت أنظر إليكم ممثلا بكم في غير صوركم. قال الله تعالى لمحمد، ﷺ : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ (٩)، وقال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ﴾ [٣٩/ ب] ﴿داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٧٨) (١٠). فسأل عيسى، ﵇، ربه أن يميتهم (١١)، فأماتهم بعد ثلاثة أيام، فما

стр. 269

رأى (١) أحد من الناس منهم جيفة في الأرض، والله أعلم (٢)، ونسأله العافية. ذكر صعود عيسى (٣) ﵇ إلى السماء (٤) ولما أعلم الله ، المسيح أنه خارج من الدنيا، جزع من ذلك، ودعا الحواريين (٥)، فصنع لهم طعاما وقال: أحضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا بالليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا (٦) من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويمسحها بثيابه، فتعاظموا ذلك. فقال: من رد عليّ شيئا مما أصنع فليس مني. فتركوه (٧) حتى فرغ، فقال لهم: إنما فعلت هذا اليوم ليكون أسوة بي (٨) في خدمة بعضكم بعضا. وأما حاجتي إليكم فإن تجتهدوا في الدعاء إلى الله تعالى، أن يؤخر أجلي. فلما أرادوا ذلك ألقى الله عليهم النوم حتى لم يستطيعوا الدعاء، وجعل المسيح يوقظهم وينبههم، فلم يزدادوا (٩) إلا نوما وتكاسلا، وأعلموه أنهم مغلوبون على ذلك، فقال المسيح: سبحان الله يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. ثم قال لهم: الحق أقول لكم ليكفرن (١٠) بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، وليبغي أحدكم بدراهم يسيرة ويأكل ثمني (١١). وكان اليهود قد جدوا في طلبه، فحضر بعض (١٢) الحواريين إلى هرودوس (١٣) الحاكم على اليهود وإلى جماعة من اليهود وقال: ما تجعلون لي إذا دللتم على المسيح، فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه. فرفع الله

стр. 270

تعالى (١) المسيح إليه وألقى شبهه على الذي دلهم عليه. فإن اليهود لما قصدوه أظلمت الدنيا حتى صارت كالليل، وأظلمت الشمس، وظهرت الكواكب، وانشقت الصخور (٢)، فلذلك لم يتحققوا المشبه به من شدة الظلمة وحصول الإرجاف (٣). وقد اختلف العلماء في موته قبل رفعه، فقيل: رفع ولم يمت، وقيل: بل توفاه الله ثلاث ساعات، وقيل: سبع ساعات (٤)، ثم أحياه (٥)، وتأوّل قائل هذا قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٦). ولما أمسك اليهود الشخص المشبه به ربطوه وجعلوا يقودونه بحبل ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل، ويقبضون يديه (٧)، ويبصقون في وجه، ويلقون عليه الشوك، فصلبوه على الخشب. فمكث عليه ست ساعات، ثم استوهبه يوسف النجار من الحاكم الذي على اليهود، وكان اسمه فيلاطوس (٨)، ولقبه هرودوس (٩)، ودفنه في قبر، كان يوسف المذكور قد أعده لنفسه. وأنزل الله المسيح من السماء إلى أمه مريم وهي تبكي عليه، فقال لها: إن الله رفعني إليه ولم يصبني إلا الخير، وأمرها فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض رسلا عن الله، وأمرهم (١٠) أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله به، وتفرق الحواريون حيث أمرهم. وكان رفع المسيح لمضي ثلاثمائة وست وثلاثين سنة من غلبة الإسكندر على دارا (١١) (١٢)، ثم إن أربعة من الحواريين وهم: متّى وثلاثة معه اجتمعوا وجمع كل واحد منهم إنجيلا. وخاتمة إنجيل متى أن المسيح قال: إني أرسلتكم إلى

стр. 271

جميع (١) الأمم، كما أرسلني ربي إليكم، فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس (٢)، وكان بين رفع المسيح ومولد النبي، ﷺ ، خمسمائة وخمس وأربعون سنة تقريبا. وعاش المسيح إلى أن رفع ثلاثا وثلاثين سنة، وبين رفعه والهجرة الشريفة خمسمائة وثمان وتسعون سنة، وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا تسعمائة سنة، فيكون الماضي (٣) من رفعه إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ألفا وأربعمائة وثمان وتسعين سنة. ونزل عليه جبريل عشر مرات. وأمته النصارى على اختلافهم، وأما أمه مريم فإنها عاشت نحو ثلاث وخمسين سنة. لأنها حملت به لما صار لها من العمر ثلاثة عشر سنة، وعاشت معه مجتمعة ثلاثا وثلاثين سنة (٤)، وبقيت بعد رفعه ست سنين (٥)، والله أعلم. ويأتي ذكر قبرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وكان رفع عيسى (٦)، ﵇، من طور زيتا - جبل شرقي بيت المقدس -. وروي أنه دعا وقت رفعه الله (٧) تعالى بهذا الدعاء وهو دعاء مستجاب: [٤٠/ أ] اللهم أنت القريب في علوك المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، الذي نفذ بصرك في خلقك، وحسرت الأبصار دون النظر إليك، وغشيت دونك، وسبح لك الفلق في النور، وأنت الذي جليت الظلم في النور فتباركت اللهم أنت خالق الخلق بقدرتك، مقدر الأمور بحكمتك، مبدع الخلق بعظمتك، القاضي في كل شيء بعلمك، الذي خلقت سبعا طباقا في الهواء بكلماتك، مستويات الطباق مذعنات لطاعتك، سماعين لعلو سلطانك، فأجبن وهن دخان من خوفك فأتين طائعين لأمورك فيهن الملائكة يسبحونك ويقدسونك، وجعلت فيهن نورا يجلو الظلام، وضياء أضوأ من الشمس، وجعلت فيهن مصابيحا يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، ورجوما للشياطين، فتباركت اللهم في مفطور سماواتك. وفيما دحوت (٨) من الأرض ودحوتها على الماء، فأذلك لها الماء الطاهر فذل لطاعتك،

стр. 272

وأذعن لأمرك، وخضع لقوتك (١) أمواج البحار، ففجرت فيها بعد البحار الأنهار، وبعد الأنهار العيون الغزار والينابيع، ثم أخرجت منها الأشجار بالثمار (٢)، ثم جعلت على ظهرها الجبال أوتادا فأطاعتك أطوادها، فتبارك اللهم صفاتك، ومن يبلغ صفة قدرتك ومن ينعت بنعتك، ومن بعد تنزل الغيث (٣)، وتنشئ السحاب، وتفك الرقاب، وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين لا إله إلا أنت وإنما يخشى الله من عباده العلماء (٤)، وأشهد أنك لست بإله استحدثناك (٥)، وأشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت جل ثناؤك ولا رب لنا سواك نذكره، ولا كان لك شركاء يقضون معك فندعوهم وندعك، ولا أعانك أحد على خلقك فنشك فيك أشهد أنك أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له (٦) كفوا أحد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، فلما أتم (٧) دعاءه رفعه الله إليه، ولما ماتت أمه مريم، ﵍، دفنت بالكنيسة المعروفة بالجيسمانية (٨) خارج باب الأسباط في ذيل جبل طور زيتا، وهو مكان مشهور يقصده الناس للزيارة من المسلمين والنصارى، واستمر (٩) بيت المقدس عامرا بعد رفع المسيح أربعين سنة، فيكون لبثه على عمارة بيت المقدس (١٠) الثانية التي عمرها كورش سبعمائة وإحدى وعشرين سنة (١١). ذكر خراب بيت المقدس الخراب الثاني وهلاك اليهود (١٢) وزوال دولتهم زوالا لا رجوع بعده لما جرى ما تقدم شرحه من رفع المسيح إلى السماء استمرت بيت المقدس بعده عامرا بعده أربعين سنة، وتولى على بني إسرائيل جماعة من الملوك واحدا بعد

стр. 273

واحد إلى أن ملك طيطوس (١) (٢) الرومي، وكان محل ملكه مدينة روما من بلاد الفرنج ففي السنة الأولى من ملكه، قصد بيت المقدس، وأوقع باليهود، فقتلهم (٣) وأسرهم عن آخرهم إلا من اختفى، ونهب القدس وخربه، وأحرق الهيكل وأحرق كتبهم، وأخلى (٤) القدس من بني إسرائيل: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٥)، ولم يعد لهم بعد ذلك رئاسة ولا حكم. وكان ذلك بعد رفع المسيح بنحو أربعين سنة كما تقدم وهو لمضي ثلاثمائة وست وسبعين سنة من غلبة الإسكندر ولثمانمائة وإحدى عشرة سنة مضت لابتداء ملك بخت نصر. وهذه المرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن العظيم (٦)، فقال: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ (٧) من إفسادكم وذلك قصدهم قتل عيسى، ﵇، حين رفع، وقتلهم يحيى، ﵇، فسلط الله (٨) عليهم الفرس والروم وخردوش وطيطوش حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم فذلك قوله تعالى: ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ - بإدخال الهم والغم والحزن - ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ (٩)، بعد انتقامه منكم فيرد الدولة إليكم وإن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة. قال قتادة: فعادوا، فبعث الله محمدا، ﷺ ، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وبين مدة التخريب (١٠) [٤٠/ ب] الثاني والهجرة الشريفة خمسمائة وثمان وخمسون سنة بالتقريب، فيكون الماضي من خراب بيت المقدس الثاني إلى آخر سنة تسعمائة هجرية (١١) ألفا وأربعمائة وثمان وخمسين سنة بالتقريب وهو تاريخ تشتت اليهود إلى البلاد (١٢)، والله أعلم.

стр. 274

ذكر عمارة بيت المقدس الشريف المرة الثالثة (١) لما جرى ما ذكر (٢) من تخريب طيطوس بيت المقدس وما فعله في اليهود تراجع إلى العمارة قليلا (٣) وترمم شعثه واستمر عامرا حتى سارت هيلانة (٤) أم قسطنطين (٥) المظفر إلى القدس وابنها قسطنس، كان ملكا في رومية (٦)، ثم انتقل منها إلى قسطنطينية وبنى سورها وتنصر، وكان اسمخا بزنطية فسماها القسطنطينية (٧). وزعمت النصارى أنه بعد ست سنين خلت من ملكه ظهر له في السماء شبه الصليب فأمر بالنصرانية، وكان قبل ذلك هو ومن تقدمه على دين الصابئة (٨) يعبدون أصناما على أسماء الكواكب السبعة، ولمضي عشرين سنة من ملك قسطنطين المذكور اجتمع ألفان وثمانمائة وأربعون أسقفا، ثم اختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، فحرموا آريوس (٩) (١٠) الإسكندري لكونه يقول إن المسيح كان مخلوقا، واتفق (١١) الأساقفة المذكورون لدى قسطنطين ووضعوا شرائع النصرانية بعد أن لم تكن، وكان رئيس هذه البطارقة (١٢) بطريق الإسكندرية ومن هنا كان أصل النصرانية في الروم.

стр. 275

وكان قبل ذلك في سنة إحدى عشرة خلت من ملكه سارت أمه هيلانة، المتقدم ذكرها، إلى القدس في طلب خشبة المسيح (١) التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، ولما وصلت إلى القدس أخرجت خشبة الصليب، وأقامت لذلك عيد الصليب، وبنت كنيسة قمامة (٢) على القبر الذي تزعم النصارى أن عيسى دفن فيه (٣)، وبنت المكان المقابل لقمامة (٤) المعروف (٥) يومئذ بالدركاه، وكنيسة بيت لحم والكنيسة بطور زيتا بمصعد سيدنا عيسى، ﵇ (٦)، وكنيسة الجيسمانية التي بها قبر مريم، ﵍، وغير ذلك، وخربت هيكل بيت المقدس إلى الأرض وهو الذي كان في المسجد، وأمرت أن يلقى في موضعه قمامات البلد وزبالته (٧)، فصار موضع الصخرة الشريفة (٨) مزبلة. وبقي الحال على ذلك حتى قدم عمر بن الخطاب، ﵁، وفتح بيت المقدس الشريف (٩) على ما سنذكره عند ذكر الفتح العمري إن شاء الله تعالى. قال المشرّف عن كعب قال: كانت قبة صخرة بيت المقدس طولها في السماء اثني عشر ميلا (١٠) وكان أهل أريحا وعمواس يستظلون بظلها، وكان عليها ياقوتة تضيء بالليل كضوء الشمس، فإذا كان النهار طمس الله ضوءها، فلم تزل كذلك حتى أتت الروم فغلبوا عليها. فلما صارت في أيديهم قالوا: تعالوا نبني عليها أفضل من البناء الذي كان عليها فبنوا عليها على قدر طولها في السماء وزخرفوه بالذهب والفضة. فلما فرغوا من البناء دخله سبعون ألفا من الرهبان (١١) وشمامسهم في أيديهم مجامر الذهب والفضة وأشركوا فيها فانقلبت عليهم فما خرج منهم أحد. فلما رأى ملك الروم ذلك جمع البطارقة والشمامسة ورؤساء الروم فقال لهم:

стр. 276

ما ترون؟ قالوا: نرى أنا لم نرض إلهنا، فلذلك (١) لم يقبل بناءه، قال: فأمر (٢) به الثانية فبنوها وأضعفوا فيها النفقة ودخلوها سبعين ألفا مثل ما دخلوا أول مرة، ففعلوا كفعلهم. فلما أشركوا انقلبت عليهم. ولم يكن الملك معهم، فلما رأى (٣) ذلك جمعهم ثالثة وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: لم نرض ربنا كما ينبغي فلذلك خربت ونحب أن تبنى ثالثة، فبنوا الثالثة حتى إذا رأوا أنهم قد أتقنوها وفرغوا منها جمع النصارى وقال: هل ترون من العيب شيئا؟ قالوا: لا، فكلها بصليب الذهب والفضة، ثم دخلها قوم قد اغتسلوا وتطيبوا، فلما دخلوا أشركوا كما أشرك أصحابهم فخرت عليهم ثالثة، فجمعهم ملكهم رابعة واستشارهم، وكثر خوضهم في ذلك. فبينما هم على ذلك إذ أقبل عليهم شيخ كبير عليه برانس سود وعمامة سوداء قد انحنى ظهره يتوكأ على عصا (٤) وقال: يا معشر النصارى إلىّ فإني أكبركم سنا وقد خرجت من متعبدي لأخبركم الموضع الذي بنوا فيه كنيسة القمامة - وأنا أريكم الموضع إن هذا المكان قد لعن أصحابه وأن القدس قد نزع وتحول إلى هذا الموضع - وأشار إلى الموضع الذي بنوا فيه كنيسة القمامة وأنا أريكم الموضع ولستم تروني بعد هذا اليوم أبدا اقبلوا (٥) مني ما أقول لكم وأغواهم وزادهم طغيانا [٤١/ أ] وأمرهم أن يقلعوا الصخرة ويبنوا بحجارتها الموضع الذي أمرهم به، فبينما هو يكلمهم ويقول لهم ذلك إذ خفي فلم يروه وازدادوا كفرا وقالوا فيه قولا عظيما، فخربوا المسجد (٦)، وحملوا العمد وغيرها وبنوا بها كنيستهم الكنيسة التي في وادي جهنم (٧). وقال لهم: إذا فرغتم من هذه فأفرغوه واتخذوه مزبلة لعذراتكم. ففعلوا ذلك حتى كانت المرأة الحائض (٨) تطرح خرق حيضها عليه من القسطنطينية. واكبوا على ذلك حتى بعث الله محمدا، ﷺ ، وأسري به إليها (٩) وذكر فضلها. حكى ذلك صاحب (مثير الغرام) وقال (١٠): وقد تقدم إن بخت نصر هو

стр. 277

الذي خرب عمارة سليمان، وهذا الذي رواه المشرف عن كعب الأحبار يقتضي أن الذي خرب عمارة سليمان وتغلب عليها إنما هم الروم، وهذا غير مستقيم اللهم إلا أن نجعل ملك الفرس المتقدم الباني لها بعد تخريب بخت نصر بناء المكان على نعت بناء سليمان، ﵇ (١). قصة الفيل (٢) وهي أن الحبشة ملكوا اليمن بعد حمير (٣)، فلما صار الملك إلى أبرهة (٤) منهم بنى كنيسة عظيمة وقصد أن يصرف حج العرب إليها ويبطل الكعبة الحرام. فجاء شخص من العرب وأحدث في تلك الكنيسة، فغضب أبرهة لذلك وسار بجيشه ومعه الفيل، وقد (٥) كان معه ثلاثة عشر فيلا لهدم الكعبة. فلما وصل إلى الطائف (٦) بعث الأسود بن مقصود إلى مكة (٧) فساق أموالها (٨) وأحضرها إلى أبرهة، وأرسل أبرهة إلى قريش وقال لهم: لست أقصد الحرب بل جئت لأهدم الكعبة (٩). فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه، هذا بيت الله فإن منع عنه فهو بيته وحرمه، وإن خلى بينه وبينه فو الله ما عندنا من دفع (١٠) (١١). ثم انطلق مع رسول أبرهة إليه. فلما استأذن عبد المطلب، قالوا لأبرهة: هذا سيد قريش، فأذن له أبرهة وأكرمه ونزل عن سريره وجلس معه وسأله عن حاجته، فذكر عبد المطلب أباعره التي أخذت له فقال له أبرهة: إني كنت أظن أنك تطلب مني أن لا أخرب

стр. 278

الكعبة (١) التي هي دينك. فقال عبد المطلب: أنا رب الأباعر فأطلبها وللبيت رب يمنعه (٢)، فأمر أبرهة برد الأباعر عليه، فأخذها عبد المطلب وانصرف إلى قريش. ولما قارب (٣) أبرهة مكة وتهيأ لدخولها بقي كلما أقبل فيله من مكة ينام ويرمي نفسه إلى الأرض ولم يسير، فإذا قبلوه (٤) غير مكة قام يهرول، وكان اسم الفيل محمودا (٥). فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرا أبابيل أمثال الخطاطيف (٦) مع كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه فقذفتهم بها، وهي مثل الحمص والعدس، فلم تصب منهم أحدا (٧) إلا هلك وليس كلهم أصابت (٨). ثم أرسل الله تعالى سيلا فألقاهم في البحر والذي سلم منهم ولى هاربا مع أبرهة إلى اليمن يبتدر الطريق (٩)، وصاروا يتساقطون بكل منهل وأصيب أبرهة في جسده، وسقطت أعضاؤه، ووصل إلى صنعاء كذلك ومات (١٠). ولما جرى ذلك خرجت قريش إلى منازلهم وغنموا من أموالهم شيئا كثيرا، فسبحان القادر على ما يشاء بعظمته (١١). ذكر سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب رب العالمين محمد النبي (١٢) البشير النذير الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، ﷺ ، ورضوانه على أصحابه أجمعين هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن

стр. 279

قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وفهر (١) المذكور هو قريش فكل من كان من ولده فهو قرشي ومن لم يكن من ولده فليس قرشيا، وقيل: سمي قريشا لشدة شبهه بدابة من دواب البحر يقال لها: القرش تأكل دواب البحر وتقهرهم (٢). وقيل: إن قصي بن كلاب لما استولى على البيت وجمع أشتات بني فهر، سموا قريشا، لأنه قرش بني فهر أي جمعهم حول الحرم فقيل لهم قريش (٣) وعلى يكون (٤) لفظ قريش اسما لبني فهر لا لفهر نفسه. وفهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة (٥) بن إلياس بن [٤١/ ب] مضر بن نزار بن معد بن عدنان (٦)، هذا هو النسب (٧) المتفق على صحته من غير خلاف. وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ﵉، من غير خلاف ولكن الخلاف في عدة الآباء الذين بين عدنان وإسماعيل، فعد بعضهم بينهما نحو أربعين رجلا وعدّ (٨) بعضهم سبعة والمختار أن: عدنان بن أدد بن اليسع بن الهميسع (٩) بن سلاط بن بتت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ﵇ (١٠)، بن تارخ، وهو آزر، بن ناخور بن ساروع بن رعون (١١) بن فالغ بن عابر بن شالح بن قينان بن أفرشخذ بن سام بن نوح، ﵉، بن لامخ - ويقال لامك - ابن متوشلح بن أخنوخ (١٢)، وهو إدريس، ﵇، بن بارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ﵇ (١٣).

стр. 280

قال علماء السير: كانت آمنة (١) بنت وهب بن عبد مناف في حجر عمها وهيب (٢)، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بابنه عبد الله، وخطب منه آمنة وعقد عليها نكاحه (٣)، ودخل بها فحملت بسيد العالم وأشرف بني آدم. ثم خرج عبد الله إلى الشام، وعاد، فمر بالمدينة وهو مريض، فأقام عند أخواله بني عدي بن النجار مدة شهر، وتوفي (٤) ودفن في دار النابغة، وهو رجل من بني عدي بن النجار، ورسول الله (٥) يومئذ ابن شهرين، وقيل: كان حملا. وولد رسول الله، ﷺ ، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وقيل: لاثني عشر عام الفيل (٦). وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في نصف المحرم. وتقدم ذكر (٧) قصتهم، فبين الفيل وبين مولد رسول الله، ﷺ ، خمس وخمسون ليلة وهي سنة ستة آلاف ومائة وثلاث وستين سنة من هبوط آدم، ﵇، على حكم التوراة اليونانية المعتدة عند المؤرخين. وولد (٨)، ﷺ ، مختونا مسرورا (٩) ففرح به عبد المطلب وحظي عنده وقال: ليكونن لا بني هذا شأن عظيم. فكان له شأن (١٠) وأي شأن ﷺ . وخلق من الأنبياء أربعة عشر مختونين (١١) وهم: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى (١٢) وحنظلة بن صفوان، من أصحاب الرس، ونبينا محمد، ﷺ ، وأولو العزم من الرسل خمسة وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ﷺ (١٣)، وقيل غير ذلك. وأول

стр. 281

الرسل، ﵈، آدم، وآخرهم محمد، ﷺ ، ومن الأنبياء أربعة سريانيون وهم: آدم وشيث وأخنوخ - وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم - ونوح، وأربعة من العرب هم: هود وشعيب وصالح ومحمد، ﷺ ، وأول أنبياء بني إسرائيل: موسى، وآخرهم: عيسى. وأما أسماء رسول الله، ﷺ ، فهي ثلاثة وعشرون اسما: محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملاحم والشاهد والمبشر (١) والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى والرسول والنبي والأمي (٢) والقثم (٣)، قاله ابن الجوزي (٤) (٥)، وذكر غيره أسماء كثيرة منها: طه ويس والمزمل والمدثر، وله أسماء غير ذلك وفيما ذكرته كفاية طلبا للاختصار. وأول من أرضعه (٦)، ﷺ ، ثويبة (٧) بلبن ابن لها يقال له مروح أياما، وكانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وهو (٨) عم رسول الله، ﷺ ، وأخوه من الرضاعة. ثم قدمت حليمة (٩) إلى مكة فأخذته ومضت به إلى بلادها وهي بادية بني سعد، وأتاه الملكان (١٠) هناك فشقا بطنه واستخرجا علقة سوداء فطرحاها وغسلا بطنه بماء الثلج في طشت (١١) من ذهب. والقصة مشهورة، فلما علمت حليمة بذلك رجعت (١٢) به إلى مكة لأهله وهو ابن خمس،

стр. 282

وتوفيت (١) أمه آمنة وله ست سنين. ولما صار لرسول الله، ﷺ ، اثني عشر سنة وشهران ارتحل به أبو طالب إلى الشام. فلما نزل ببصرى (٢) من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا (٣) في صومعته، فرأى رسول الله، ﷺ ، وغمامة تظله من بين القوم، ورأى فيه إمارات النبوة، وبشر به (٤)، وقال لأبي طالب: إن لابن أخيك شأنا عظيما. وشب رسول الله، ﷺ ، حتى بلغ، وكان أعظم الناس مروءة وحلما، وأحسنهم جوابا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة حتى صار اسمه في قومه الأمين (٥)، لما جمع الله (٦) فيه الأمور الصالحة. وفي سنة خمس وعشرين (٧) من مولده تزوج خديجة بنت خويلد، ﵂، ولها أربعون سنة، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، ولم يتزوج بكرا غير عائشة. وولدت له خديجة أولاده كلهم إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية (٨)، ويأتي ذكر مولده ووفاته، وبقية الأولاد (٩) من خديجة وهم: زينب (١٠) ورقية (١١) وأم كلثوم (١٢) وفاطمة الزهراء والقاسم (١٣) وبه كان يكنى، توفي بمكة وله من العمر سنة، والطاهر (١٤) وهو عبد الله توفي بمكة بعد النبوة قبل الهجرة، والطيب (١٥) توفي بمكة.

стр. 283

وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه، فرقية ماتت في سنة اثنتين من الهجرة، وزينب ماتت في سنة ثمان (١) من الهجرة، وأم كلثوم ماتت بعد مرجع النبي، ﷺ ، من حجة الوداع، وفاطمة ماتت بعد رسول الله، ﷺ ، بستة أشهر (٢)، وقيل: أقل من ذلك، وروي: أن عائشة، ﵂، أسقطت سقطا اسمه عبد الله. وفي سنة خمس وثلاثين من مولده هدمت قريش الكعبة (٣)، وكان سبب هدمها: أنها كانت قصيرة البناء فأرادوا رفعها وسقفها فهدموها، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود فاختصموا فيه، لأن كل قبيلة أرادت رفعه إلى موضعه. ثم اتفقوا على أن يحكموا أول من دخل باب الحرم، فكان (٤) أول من دخل رسول الله، ﷺ . فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به وأخبروه الخبر. فقال: «هلموا إليّ ثوبا»، فأتي به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية (٥) من الثوب ثم ارفعوه جميعا»، ففعلوا فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده الشريفة (٦)، ﷺ ، ثم أتموا بناء الكعبة (٧)، والله أعلم. ذكر مبعثه ﷺ ، وابتداء الوحي إليه (٨) (٩) بعث (١٠) رسول الله، ﷺ ، ونزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، وكان يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وأول ما بدئ (١١) به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١٢)، ثم حبب إليه الخلاء.

стр. 284

وكان يخلو بغار حراء (١)، فيتعبد فيه، فجاءه الملك وأقرأه كما في الحديث الشريف والقصة مشهورة. فعاد إلى خديجة وأخبرها الخبر (٢)، فانطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل (٣)، فأخبرته خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل (٤) الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله، ﷺ : «أو مخرجي هم؟» قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي وإن أدركني (٥) يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي. وفتر الوحي. ثم كان أول ما نزل عليه القرآن بعد: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٦)، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ (١) (٧)، ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (١) (٨)، ﴿وَالضُّحى﴾ (١) (٩). وأول من آمن به من النساء خديجة زوجته. ثم أول شيء فرض الله عليه من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان، الصلاة، أتاه جبريل فعلمه الوضوء والصلاة، ورميت الشياطين بالشهب (١٠) لمبعثه، وأسلم علي بن أبي طالب، وكان عمره إحدى عشرة سنة، ثم زيد بن حارثة، ثم أسلم أبو بكر، ﵁، وقيل: إنه أول من أسلم، وأسلم على يده عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله، ﷺ ، فأسلموا وصلوا، وكان هؤلاء النفرهم الذين سبقوا إلى الإسلام فأسلم بعدهم من أسلم. وأمر الله نبيه، ﷺ ، بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما يؤمر، وأن يظهر دعوته، وكان قبل ذلك في السنين الثلاث مستترا بدعوته لا يظهرها إلا لمن يثق (١١) إليه، وكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا.

стр. 285

ثم إن رسول الله، ﷺ ، صدع بأمر الله تعالى (١)، وأمر قومه بالإسلام، فكان المشركون يحصل منهم الضرر للمستضعفين من المسلمين فمن لا عشيرة له تمنعه يعذبونه بإلقائه في الرمضاء على ظهره وقت الظهيرة، وبإلقاء الصخرة العظيمة على صدره ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، وكانوا يفعلون بهم غير ذلك من أنواع التعذيب، ومن المسلمين من مات من فعل المشركين، وكان بعض المشركين يؤذي رسول الله، ﷺ ، ويستهزئ به. ثم أسلم حمزة على النبي، ﷺ ، فعرفت قريش أن رسول الله، ﷺ ، قد عز وامتنع فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. ثم أسلم عمر بن الخطاب، ﵁، فأعز الله بإسلامه وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: «أي والذي بعثني بالحق نبيا» (٢)، قال: أما والذي بعثك بالحق نبيا لا يعبد الله بعد اليوم سرا (٣) فأظهر الله الدين بإيمانه (٤). الهجرة الأولى (٥) لما رأى رسول الله، ﷺ ، ما يصيب أصحابه من البلاء أمرهم بالخروج (٦) إلى أرض الحبشة، فخرج جماعة منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله، ﷺ ، وقدموا على النجاشي (٧) وكان ملكا عادلا اسمه أصحمة ومعناه بالعربي (٨): عطية، فأكرمهم وأقاموا عنده بخير، ثم أسلم النجاشي بعد ذلك. وكان السبب (٩) في ولايته عليهم بعد قتل أمير الحبشة: أن أباه كان أميرا عليهم فكرهوه، وكان له أخ فقصدوا ولايته عليه بعد قتل أخيه فقتلوه، وقصدوا قتل النجاشي فقال لهم عمه: أنتم قتلتم أباه وتقتلوه، أخرجوه من بلادكم. فأخذوه إلى البحر فرأوا سفينة فباعوه ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا عمه مات، فقالوا: ذلك من خطيئة النجاشي فأدركوه وأتوا به ليكون أميرا مكان أبيه فجاءوا به أميرا مكان أبيه،
следующие страницы →