← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الرسل، ﵈، آدم، وآخرهم محمد، ﷺ ، ومن الأنبياء أربعة سريانيون وهم: آدم وشيث وأخنوخ - وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم - ونوح، وأربعة من العرب هم: هود وشعيب وصالح ومحمد، ﷺ ، وأول أنبياء بني إسرائيل: موسى، وآخرهم: عيسى. وأما أسماء رسول الله، ﷺ ، فهي ثلاثة وعشرون اسما: محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملاحم والشاهد والمبشر (١) والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى والرسول والنبي والأمي (٢) والقثم (٣)، قاله ابن الجوزي (٤) (٥)، وذكر غيره أسماء كثيرة منها: طه ويس والمزمل والمدثر، وله أسماء غير ذلك وفيما ذكرته كفاية طلبا للاختصار. وأول من أرضعه (٦)، ﷺ ، ثويبة (٧) بلبن ابن لها يقال له مروح أياما، وكانت أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وهو (٨) عم رسول الله، ﷺ ، وأخوه من الرضاعة. ثم قدمت حليمة (٩) إلى مكة فأخذته ومضت به إلى بلادها وهي بادية بني سعد، وأتاه الملكان (١٠) هناك فشقا بطنه واستخرجا علقة سوداء فطرحاها وغسلا بطنه بماء الثلج في طشت (١١) من ذهب. والقصة مشهورة، فلما علمت حليمة بذلك رجعت (١٢) به إلى مكة لأهله وهو ابن خمس،

стр. 282

وتوفيت (١) أمه آمنة وله ست سنين. ولما صار لرسول الله، ﷺ ، اثني عشر سنة وشهران ارتحل به أبو طالب إلى الشام. فلما نزل ببصرى (٢) من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرا (٣) في صومعته، فرأى رسول الله، ﷺ ، وغمامة تظله من بين القوم، ورأى فيه إمارات النبوة، وبشر به (٤)، وقال لأبي طالب: إن لابن أخيك شأنا عظيما. وشب رسول الله، ﷺ ، حتى بلغ، وكان أعظم الناس مروءة وحلما، وأحسنهم جوابا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة حتى صار اسمه في قومه الأمين (٥)، لما جمع الله (٦) فيه الأمور الصالحة. وفي سنة خمس وعشرين (٧) من مولده تزوج خديجة بنت خويلد، ﵂، ولها أربعون سنة، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، ولم يتزوج بكرا غير عائشة. وولدت له خديجة أولاده كلهم إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية (٨)، ويأتي ذكر مولده ووفاته، وبقية الأولاد (٩) من خديجة وهم: زينب (١٠) ورقية (١١) وأم كلثوم (١٢) وفاطمة الزهراء والقاسم (١٣) وبه كان يكنى، توفي بمكة وله من العمر سنة، والطاهر (١٤) وهو عبد الله توفي بمكة بعد النبوة قبل الهجرة، والطيب (١٥) توفي بمكة.

стр. 283

وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه، فرقية ماتت في سنة اثنتين من الهجرة، وزينب ماتت في سنة ثمان (١) من الهجرة، وأم كلثوم ماتت بعد مرجع النبي، ﷺ ، من حجة الوداع، وفاطمة ماتت بعد رسول الله، ﷺ ، بستة أشهر (٢)، وقيل: أقل من ذلك، وروي: أن عائشة، ﵂، أسقطت سقطا اسمه عبد الله. وفي سنة خمس وثلاثين من مولده هدمت قريش الكعبة (٣)، وكان سبب هدمها: أنها كانت قصيرة البناء فأرادوا رفعها وسقفها فهدموها، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود فاختصموا فيه، لأن كل قبيلة أرادت رفعه إلى موضعه. ثم اتفقوا على أن يحكموا أول من دخل باب الحرم، فكان (٤) أول من دخل رسول الله، ﷺ . فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به وأخبروه الخبر. فقال: «هلموا إليّ ثوبا»، فأتي به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية (٥) من الثوب ثم ارفعوه جميعا»، ففعلوا فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده الشريفة (٦)، ﷺ ، ثم أتموا بناء الكعبة (٧)، والله أعلم. ذكر مبعثه ﷺ ، وابتداء الوحي إليه (٨) (٩) بعث (١٠) رسول الله، ﷺ ، ونزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، وكان يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وأول ما بدئ (١١) به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١٢)، ثم حبب إليه الخلاء.

стр. 284

وكان يخلو بغار حراء (١)، فيتعبد فيه، فجاءه الملك وأقرأه كما في الحديث الشريف والقصة مشهورة. فعاد إلى خديجة وأخبرها الخبر (٢)، فانطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل (٣)، فأخبرته خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل (٤) الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله، ﷺ : «أو مخرجي هم؟» قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي وإن أدركني (٥) يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي. وفتر الوحي. ثم كان أول ما نزل عليه القرآن بعد: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٦)، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ (١) (٧)، ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (١) (٨)، ﴿وَالضُّحى﴾ (١) (٩). وأول من آمن به من النساء خديجة زوجته. ثم أول شيء فرض الله عليه من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان، الصلاة، أتاه جبريل فعلمه الوضوء والصلاة، ورميت الشياطين بالشهب (١٠) لمبعثه، وأسلم علي بن أبي طالب، وكان عمره إحدى عشرة سنة، ثم زيد بن حارثة، ثم أسلم أبو بكر، ﵁، وقيل: إنه أول من أسلم، وأسلم على يده عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله، ﷺ ، فأسلموا وصلوا، وكان هؤلاء النفرهم الذين سبقوا إلى الإسلام فأسلم بعدهم من أسلم. وأمر الله نبيه، ﷺ ، بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما يؤمر، وأن يظهر دعوته، وكان قبل ذلك في السنين الثلاث مستترا بدعوته لا يظهرها إلا لمن يثق (١١) إليه، وكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا.

стр. 285

ثم إن رسول الله، ﷺ ، صدع بأمر الله تعالى (١)، وأمر قومه بالإسلام، فكان المشركون يحصل منهم الضرر للمستضعفين من المسلمين فمن لا عشيرة له تمنعه يعذبونه بإلقائه في الرمضاء على ظهره وقت الظهيرة، وبإلقاء الصخرة العظيمة على صدره ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، وكانوا يفعلون بهم غير ذلك من أنواع التعذيب، ومن المسلمين من مات من فعل المشركين، وكان بعض المشركين يؤذي رسول الله، ﷺ ، ويستهزئ به. ثم أسلم حمزة على النبي، ﷺ ، فعرفت قريش أن رسول الله، ﷺ ، قد عز وامتنع فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. ثم أسلم عمر بن الخطاب، ﵁، فأعز الله بإسلامه وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: «أي والذي بعثني بالحق نبيا» (٢)، قال: أما والذي بعثك بالحق نبيا لا يعبد الله بعد اليوم سرا (٣) فأظهر الله الدين بإيمانه (٤). الهجرة الأولى (٥) لما رأى رسول الله، ﷺ ، ما يصيب أصحابه من البلاء أمرهم بالخروج (٦) إلى أرض الحبشة، فخرج جماعة منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله، ﷺ ، وقدموا على النجاشي (٧) وكان ملكا عادلا اسمه أصحمة ومعناه بالعربي (٨): عطية، فأكرمهم وأقاموا عنده بخير، ثم أسلم النجاشي بعد ذلك. وكان السبب (٩) في ولايته عليهم بعد قتل أمير الحبشة: أن أباه كان أميرا عليهم فكرهوه، وكان له أخ فقصدوا ولايته عليه بعد قتل أخيه فقتلوه، وقصدوا قتل النجاشي فقال لهم عمه: أنتم قتلتم أباه وتقتلوه، أخرجوه من بلادكم. فأخذوه إلى البحر فرأوا سفينة فباعوه ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا عمه مات، فقالوا: ذلك من خطيئة النجاشي فأدركوه وأتوا به ليكون أميرا مكان أبيه فجاءوا به أميرا مكان أبيه،

стр. 286

فأول ما حكم أن الذين اشتروه قالوا: إن هؤلاء باعونا عبدا وأخذوه منا، فقال لهم: إما أن تعطوهم ما أخذتم منهم وإما أن تسلموهم عبدهم، فهذا أول حكمه فيهم، ثم بعد ذلك وقع من الحبشة تعصب على أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقالوا له: إن هؤلاء لهم دين غير ديننا. فأرسل وراءهم وقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: نؤمن به ونصدقه فيما جاء به، فقال للحبشة: ما تقولون في نبيهم؟ فلم يؤمنوا به، فقال لهم: هؤلاء يؤمنون بنبيكم وأنتم لا تؤمنون بنبيهم فأنتم الآن ظلمة فكل منكم على دينه ولا أحد منكم يعارض هؤلاء، فاستمروا في بلاده مدة، وعادوا إلى أوطانهم. ومات النجاشي، فقال النبي ﷺ : «مات اليوم رجل صالح فصلوا على أخيكم أصحمة» (١) فصلى عليه النبي، ﷺ ، وأصحابه. أمر الصحيفة (٢) ولما رأى المشركون أن الإسلام يفشو (٣) ويزيد ائتمروا أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا منهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة (٤). وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا، هذا ورسول الله، ﷺ ، يدعو الناس سرا وجهرا، والوحي يتتابع (٥). ثم قام نفر من قريش وتعاهدوا في نقض (٦) الصحيفة، ووقع بينهم خلاف (٧)، فقام مطعم بن عدي (٨) إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان باسمك اللهم، وكانت قريش تستفتح بها كتابها، وأكلت الأرضة ما فيها من ظلم وقطع رحم، وتركت ما فيها من اسم الله تعالى. وكان النبي، ﷺ ، أخبر بذلك، فاجتمعت قريش (٩) وأحضروا الصحيفة،

стр. 287

فوجدوا الأمر كما قاله، فنكسوا رؤوسهم، واتفق جماعة من قريش ونقضوا ما تعاهدوا عليه في الصحيفة من قطيعة بني عبد المطلب (١) وبني هاشم (٢). قصة المعراج وما وقع لنبينا محمد، ﷺ ، ليلة الإسراء بالمسجد الأقصى (٣) لما بعث الله رسوله، ﷺ ، وأنزل (٤) عليه الوحي وأمره بإظهار دينه وأيده بالمعجزات (٥) الظاهرة والآيات الباهرة، أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله (٦) وهو بيت المقدس من إيلياء وقد فشا الإسلام في قريش وفي القبائل كلها. وكان (٧) الإسراء ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. وقال ابن الجوزي (٨): وقد قيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب، واختلف الناس في الإسراء برسول الله، ﷺ ، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده، ﷺ ، يقظة، لأن قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٩) تدل على ذلك ولو كانت الرؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد كثير ممن كان أسلم. وقال الكفار: يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس ورجع إلى مكة في ليلة واحدة والعير تطرد إليه شهرا مقبلة وشهرا مدبرة. ولو كانت (١٠) رؤيا نوم لم يستبعدوا (١١) ذلك منه، قال ابن عباس (١٢)، ﵄: هي رؤيا عين رآها النبي، ﷺ ،

стр. 288

رؤيا منام، قال الله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ (١٧) (١) أضاف الأمر إلى البصر (٢)، وقوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (١١) (٣) أي لم يوهم القلب العين غير الحقيقة بل صدق رؤيتها. واختلف السلف والخلف: هل رأى محمد (٤)، ﷺ ، ربه ليلة الإسراء، فأنكرته (٥) (٦) عائشة، ﵂. وروي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: رآه بعينيه (٧) ومثله عن أبي ذر وكعب والحسن وكان يحلف على ذلك. وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة والإمام أحمد بن حنبل، ﵃ (٨)، وحكى النقاش (٩) عن الإمام أحمد أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس بعينيه رآه، رآه، رآه، حتى انقطع نفس الإمام أحمد. واختلفوا في أن نبينا هل كلم ربه ، ليلة الإسراء، فذكر عن جعفر بن محمد الصادق (١٠) أنه قال: أوحي (١١) إليه بلا واسطة. وإلى هذا ذهب المتكلمون (١٢) أن محمدا كلم ربه، ، في ليلة الإسراء، وحكوه عن ابن عباس وابن مسعود. واختلف في المكان الذي أسرى به ربه منه: فروي عنه، ﷺ ، أنه قال: «بينما أنا نائم في بيت أم هانئ (١٣) بنت أبي طالب - وفي رواية: بينما أنا في الحطيم وربما قال: في الحجر مضطجعا، ومنهم من قال: بينما أنا بين النائم واليقظان، وكانت ليلة الاثنين إذ هبط عليّ الأمين جبريل، ﵇ (١٤)»، وذكر القصة.

стр. 289

وكان من حديث المعراج الشريف ما روي عن النبي، ﵇ (١)، أنه قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته متى أتيت بيت المقدس (٢) فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين» (٣). وفي رواية: فلما دخلت المسجد إذا أنا بالأنبياء والمرسلين قد حشروا إليّ من قبورهم، ومثلوا لي وقد قعدوا صفوفا صفوفا ينتظرونني فسلموا عليّ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء القوم؟ قال: إخوانك الأنبياء والمرسلين (٤)، زعمت قريش أن لله شريكا، وزعمت النصارى أن لله ولدا، إسأل هؤلاء النبيين هل كان لله، (٥)، شريك؟ ثم قرأ: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥) (٦). قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (٧) المفسر في كتاب التنزيل له: إن هذه الآية أنزلت (٨) على النبيّ، ﷺ ، ببيت المقدس ليلة الإسراء (٩)، وقد عدها غيره من العلماء في الشامي والذي قاله أبو القاسم أخص مما ذكروه، فلما أنزلت وسمعها الأنبياء، ﵈، أقروا لله بالوحدانية. قال ﵊: «ثم جمعهم جبريل وقدمني فصليت بهم ركعتين، قال ﷺ : ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا بآدم، ﵇ (١٠)، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث

стр. 290

إليه، ففتح لنا فإذا أنا ببني (١) الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، ﵈، فرحبا بي، ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فذكر مثل الأول، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي، ودعا لي بالخير (٢). ثم عرج إلى السماء الرابعة، وذكر مثله، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي، ودعا لي بالخير (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ (٥٧) (٤). ثم عرج بي إلى السماء الخامسة، فذكر مثله (٥)، فإذا أنا بهارون، فرحب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فذكر مثله - فإذا أنا بموسى، فرحب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم، ﵇ (٦)، مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة (٧)، وإذا ثمرها كالقلال. قال: فلما غشيها (٨) من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله تعالى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك (٩) على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك واسأله (١٠) التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا ربي (١١) خفف عن أمتي

стр. 291

فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين يدي ربي (١) وبين موسى حتى صارت خمس صلوات، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم (٢) وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها (٣) كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت (٤) إلى موسى، فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله، ﷺ ، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه، وفي رواية: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما أختلف إليه (٥)، قال: فأهبط الله جبريل (٦). قال، ﷺ : ثم حملني جبريل حتى أنزلني على جبل بيت المقدس، وإذا أنا بالبراق واقف على حاله في موضعه، فسميت الله، واستويت على ظهره، فما كان بأسرع من أن أشرفت على مكة ومعي جبريل، قال ﷺ ، لما كانت صبيحة (٧) ليلة أسري بي أصبحت بمكة متحيرا في أمري، وعلمت أن الناس يكذبونني فقعدت معتزلا حزينا إلى ناحية من نواحي المسجد فمر بي أبو جهل عدو الله، فجاء حتى جلس إليّ فقال كالمستهزئ: هل كان من شيء يا محمد؟ فقلت: نعم، قال: وما هو؟ قلت: إني أسري بي الليلة، قال: إلى أين؟ قلت: إلى بيت المقدس، ثم قال (٨): ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قلت: نعم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش يا معشر بني كعب، يا معشر بني لؤي، هلموا. فانقضت المجالس (٩) وجاءوا

стр. 292

حتى جلسوا إلى النبي، ﷺ . فقال أبو جهل: حدث قومك يا محمد بما حدثتني، فقال رسول الله، ﷺ : إني أسري بي (١) الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم، فبقي منهم المتعجب، ومنهم المصفق ومنهم الواضع يده إلى رأسه (٢). ثم قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد (٣)؟ قلت: نعم، قال: فذهبت أنعته حتى التبس عليّ بعض النعت لكوني دخلته ليلا، فجيء بالمسجد أنظر إليه حتى وضع (٤) دون دار عقيل فجعلت أنظر إليهم وأخبرهم عن آياته، قال ﷺ : وآية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا فأنفرهم حس الدابة فندّ لهم (٥) بعير فدللتم عليه، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان (٦) (٧) مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه شيء، فكشفت غطاءه (٨) وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان وأن عيرهم الآن تصوب من البيضاء ثنية التنعيم (٩) يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية فلم يلقوا أولا إلا الجمل الذي وصف لهم، وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوا (١٠) مملوء ماء ثم غطوه، وأنهم افتقدوه من الليل، فوجدوه كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء، وسألوا القوم الذين ندّلهم البعير فقالوا: صدق والله لقد ندّ لنا بعير بالوادي الذي ذكره، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه وأنه لأشبه الأصوات بصوت محمد بن عبد الله، ﷺ ، فجئنا حتى أخذناه (١١). وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا: هل لك يا أبا بكر في صاحبك أنه يزعم أنه

стр. 293

قد جاء هذه الليلة ببيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة، فقال أبو بكر، ﵁: والله لئن كان قال لكم ذلك لقد صدق فما تعجبكم من ذلك فو الله إنه ليخبرنا عن الوحي من الله يأتيه من السماء الأرض في ساعة واحدة من ليل أو نهار فتصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا نبي الله، أحدث هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة: قال: نعم، قال: صدقت، فصفه لي با نبي الله فإني جئته. قال رسول الله (١): فرفع لي حتى نظرت إليه. وجعل يصفه لأبي بكر وهو يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى انتهى. فقال النبي، ﷺ (٢): وأنت يا أبا بكر الصديق. فسمي من ذلك اليوم صديقا (٣). قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣) (٤). ثم أنزل الله تعالى سورة النجم تصديقا له ﷺ . ثم توفي أبو طالب عم النبي، ﵇ (٥)، وخديجة، ﵂ (٦)، قبل الهجرة الشريفة، وماتت خديجة قبل أبي طالب بخمسة وثمانين يوما، وقيل: بخمس وعشرين، وقيل: بثلاثة أيام، فعظمت المصيبة على رسول الله، ﷺ ، بموتهما (٧)، وقال: «ما نالت (٨) قريش مني شيئا (٩) أكرهه حتى مات أبو طالب» (١٠)، وذلك أن قريش وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته. وتزوج بعد خديجة عائشة، ﵂، ولها (١١) ست سنين، وتزوج رسول الله (١٢) بسودة (١٣) وخرج رسول الله، ﷺ ، إلى قبائل العرب

стр. 294

يلتمس منهم نصرته والقيام معه على من خالفه (١) ويدعوهم إلى الله، فلم يجيبوه (٢). ابتداء أمر الأنصار (٣) ولما أراد الله إظهار دينه خرج رسول الله، ﷺ ، إلى الموسم فعرض نفسه على القبائل كما كان يفعل، فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج فدعاهم إلى الله تعالى. فأجابوه وصدقوه وانصرفوا راجعين إلى بلادهم، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله، ﷺ ، ودعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم الإسلام (٤). بيعة العقبة الأولى (٥) فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثني عشر رجلا فلقوه بالعقبة فبايعوه أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، وبعث رسول الله، ﷺ ، معهم (٦) مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، فنزل بالمدينة. بيعة العقبة الثانية (٧) ولما فشا الإسلام في الأنصار اتفق جماعة منهم على المسير لرسول الله (٨)، ﷺ ، مستخفين. فساروا في ذي الحجة مع كبار قومهم (٩) واجتمعوا برسول الله، ﵊، وأوعدوه أواسط أيام التشريق بالعقبة. فلما كان الليل خرجوا حتى اجتمعوا بالعقبة، وهم سبعون رجلا معهم امرأتان (١٠)، وجاءهم رسول الله، ﷺ ، فبايعوه، فتكلم رسول الله، ﷺ ، وتلا القرآن. ثم قال: «لأبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم»، ودار الكلام بينهم، واستوثق كل فريق من الآخر، ثم سألوا رسول الله، ﷺ ، فقالوا: إن قتلنا دونك ما لنا؟ قال:

стр. 295

«الجنة» (١)، قالوا: فابسط يدك فبسط يده وبايعوه (٢) (٣)، ثم رجعوا إلى المدينة، وكان قدومهم في ذي الحجة، فأقام رسول الله، ﷺ ، بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، والله أعلم. ذكر الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (٤) (٥) وهي ابتداء التاريخ الإسلامي. وأما لفظة التاريخ فإنها محدثة في لغة العرب لأنه لفظ معرب من ماه روز، لأن عمر، ﵁، قصد التوصل إلى الضبط (٦) من رسوم الفرس فاستحضر الهرمزان وسأله عن ذلك، فقال: إن لنا به حسابا نسميه ماه روز ومعناه حساب الشهور والأيام، فعربوا الكلمة فقالوا: مؤرخ، ثم جعلوا اسمه التاريخ واستعملوه (٧)، ثم طلبوا وقتا يجعلونه أولا لتاريخ دولة الإسلام، واتفقوا أن يكون المبدأ سنة هذه الهجرة، فكانت الهجرة (٨) من مكة إلى المدينة شرفها الله تعالى، وقد تصرم من شهور هذه السنة وأيامها المحرم فصفر (٩) وثمانية أيام من ربيع الأول. فلما عزموا على تأسيس الهجرة رجعوا القهقرى ثمانية وستين يوما وجعلوا مبدأ التاريخ أول محرم (١٠) من هذه السنة. ثم أحصوا من أول يوم من المحرم إلى آخر يوم من عمر النبي، ﷺ ، فكان عشر سنين وشهرين وأياما، وإذا حسب عمره من الهجرة، فيكون قد عاش بعدها تسع سنين وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما، وأما التاريخ القديم (١١) (١٢) فكانت الأمم السالفة تؤرخ بالأحداث العظام وتملك الملوك. فأرخوا بهبوط آدم ثم ببعث نوح (١٣)، ثم بالطوفان، وأرّخ بنو

стр. 296

إسحاق بنار إبراهيم إلى يوسف، ومن يوسف إلى مبعث موسى (١)، ومن موسى إلى ملك سليمان بن داود، ثم بما كان من الكوائن، ومنهم من أرخ بوفاة يعقوب، ﵇، ثم بخروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم بخراب بيت المقدس، وأما بنو إسماعيل فأرّخوا ببناء الكعبة، ولم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقوا. وكان كل من خرج منهم من تهامه (٢) يؤرخ بخروجه. ثم أرخوا بعام الفيل، ثم أرخوا بأيام الحروب. وكانت (٣) حمير يؤرخون بملوكهم التبابعة (٤)، وأما اليونان والروم فأرخوا بظهور الإسكندر. وأما النبط (٥) فكانوا يؤرخون بملك بخت نصر، وأما المجوس فكانوا يؤرخون بقتل دارا وظهور الإسكندر، ثم بظهور أردشير (٦) (٧)، ثم بملك يزدجرد (٨) وولد سيدنا محمد، ﷺ ، والعرب تؤرخ بعام الفيل. ولم يزل التاريخ كذلك إلى أن ولي عمر بن الخطاب، ﵁، الخلافة فقرر الأمر على أن يؤرخوا بهجرة النبي، ﷺ ، من مكة إلى المدينة فجعلوا التاريخ من المحرم أول عام الهجرة. وقد ورد في حديث المعراج الشريف أن جبريل، ﵇ (٩)، قال للنبي، ﷺ ، حين أسري به: انزل فصلّ هنا، ففعل، فقال: أتدرين أين صليت؟ صليت بطينة (١٠) وإليها المهاجرة (١١). وأما ما كان من حديث الهجرة، فإن رسول الله، ﵊، هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول وأمر أصحابه بالمهاجرة إلى المدينة. فخرج جماعة وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب، ﵁، وأقام النبي، عليه

стр. 297

والسلام (١)، بمكة ينتظر ما يؤمر به، وتخلف معه أبو بكر وعلي، ﵄، واجتمعت (٢) قريش على مكيدة يفعلونها مع رسول الله، ﷺ ، فنجاه الله من مكرهم، وأنزل عليه في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) الآية، وأمر بالهجرة. فأمر عليا أن يتخلف عنه ويؤدي ما عنده من الودائع لأربابها (٤)، وخرج (٥) هو وأبو بكر إلى غار ثور، وهو جبل أسفل مكة، فأقاما فيه ثم خرجا بعد ثلاثة أيام وتوجها إلى المدينة وقدماها لاثني عشر ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى، وكان الاثنين (٦) الظهر. فنزل بقباء (٧) وأقام بها الاثنين، والثلاثاء والأربعاء، وأسس مسجد قباء، وهو الذي نزل فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ﴾ (٨) (٩)، ثم خرج من قباء يوم الجمعة، وأدركته الجمعة في بنى عمرو بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي. وكانت (١٠) أول جمعة (١١) صلاها بالمدينة. فولد ﷺ ، يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وقبض ﷺ ، يوم الاثنين. واختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحى إليه فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وهو الصحيح. ولعل الذي قال عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة فإنه بقي ثلاث سنين يسرها، والله أعلم. ذكر بناء المسجد الشريف النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام (١٢) ثم إن رسول الله، ﷺ ، رحل من قباء يريد المدينة فما مر عن دار (١٣) من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة. ويعترضون ناقته، فيقول:

стр. 298

«خلّوا سبيلها فإنها مأمورة»، حتى انتهت إلى موضع مسجد النبي، ﷺ ، فبركت هناك، فنزل عنها النبي، ﷺ ، وأخذ (١) أبو أيوب الأنصاري (٢) الناقة إلى بيته. وكان موضع (٣) المسجد مربدا للتمر لسهل وسهيل ابني عمر، يتيمين في حجر أسعد بن زرارة (٤)، فقال رسول الله، ﷺ ، حين بركت ناقته: «هذا إن شاء الله المنزل». ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد (٥) ليتخذه مسجدا، فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا. وطفق رسول الله، ﷺ ، ينقل معهم اللبن في بنائه. وقيل: بل كان الموضع لبني النجار، وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل، فأراد النبي، ﷺ ، أن يشتريه من بني النجار فقال لهم: «يا بني النجار ثامنوني حائطكم»، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأمر رسول الله، ﵇ (٦)، بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، والنخل فقطع. قال: «فصفوا النخل قبلة المسجد» وجعلوا عضادتيه (٧) حجارة، وجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله، ﷺ ، يقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة … فانصر الأنصار والمهاجرة (٨) (٩) وأقام رسول الله، ﷺ ، عند أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه. وكان قبله يصلي (١٠) حيث أدركته الصلاة. وبناه هو والمهاجرون والأنصار، رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 299

وكان المسجد الشريف على عهد رسول الله، ﷺ ، مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل. فلم يزد (١) فيه أبو بكر شيئا، وزاد عمر فيه وبناه على بنائه في عهد رسول الله، ﷺ ، باللبن والجريد وأعاد (٢) عمده (٣) خشبا، ثم غيره عثمان بن عفان، ﵁، في خلافته، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (٤). ثم لما صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك، الذي عمر مسجد دمشق، استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز وكتب إليه في سنة سبع وثمانين (٥) من الهجرة الشريفة يأمره (٦) بهدم مسجد رسول الله، ﷺ ، وهدم بيوت أزواج النبي، ﷺ ورضي عنهن، وأن يدخل البيوت في المسجد بحيث تصير مساحة المسجد مائتي ذراع في مائتي ذراع، وأن يضع أثمان البيوت من بيت المال، فأجابه أهل المدينة إلى ذلك، وقدم الصناع من عند الوليد لعمارة المسجد، وتجرد لذلك عمر بن عبد العزيز، وشيد مسجد رسول الله، ﷺ ، وأدخل فيه ما حوله من المنازل. ثم لما صارت الخلافة لبني العباس ووليها المهدي - أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور - وسع (٧) المسجد الشريف، وزاد فيه، وحمل إليه العمد الرخام، ورفع سقفه، وألبس خارج القبر الشريف الرخام، وذلك في سنة سبع وستين ومائة (٨)، وأمر بتقصير المنابر (٩) (١٠) في البلاد وجعلها بمقدار منبر رسول الله، ﷺ . وقد عمر في المسجد الشريف جماعة من ملوك الإسلام من الخلفاء والسلاطين وجددوا فيه أشياء من المحاسن. وكان قد احترق المسجد الشريف في زمن (١١) الملك الظاهر ببيرس، رحمه

стр. 300

الله، فاهتم بعمارته (١)، ووضع الدرابزينات (٢) حول الحجرة الشريفة، وعمل فيه منبر وسقفه بالذهب (٣). ثم في عصرنا جرت حادثة وهي في ليلة الثالث عشر من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة (٤)، وقعت صاعقة بالليل في المدينة الشريفة (٥) فاحترق (٦) منها المسجد الشريف النبوي والحجرة الشريفة (٧) وجميع ما بالمسجد الشريف من المصاحف والكتب وغير ذلك. ووردت الأخبار بذلك إلى السلطان الملك الأشرف قايتباي، نصره الله تعالى (٨)، وكتب أهل المدينة محضرا بما وقع، وجهزوه إلى القاهرة في أسرع وقت، وجزع الناس لذلك. ثم اهتم السلطان بعمارته، وقام في ذلك (٩) أعظم قيام، وأنشأه وجدد عمارته فجاءت في غاية الحسن، ولله الحمد والمنة (١٠). وأما المسجد الشريف فله أربعة أبواب من جهتي المشرق والمغرب، فمن جهة المشرق باب جبريل وباب النساء، ومن جهة الغرب باب السلام وباب الرحمة، وعليه خمسة منائر (١١): أربعة قديمة والخامسة مستجدة بمدرسة السلطان الملك الأشرف قايتباي، وقد وقف السلطان المشار إليه، على المدينة الشريفة أوقافا كثيرة وأكثرها عقارات بالقاهرة، ورتب قمحا يحمل في كل سنة، يصرف لأهلها والواردين إليها، وكان ذلك في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة (١٢) عند انتهاء عمارة المسجد الشريف، وإنما ذكرت هذه الحوادث هنا (١٣) استطرادا على وجه الاختصار ولتعلقها بالمسجد الشريف. ولنرجع إلى ذكر أخبار الهجرة الشريفة فأقول وبالله التوفيق: ولما أقام النبي،

стр. 301

ﷺ ، بالمدينة الشريفة، ففي السنة الأولى من هجرته، ﷺ ، بني (١) بعائشة ﵂، في شهر ذي القعدة وهي بنت تسع سنين، وفيها كانت المؤاخاة (٢) بين المسلمين آخى بينهم رسول الله، ﷺ ، فاتخذ هو علي بن أبي طالب، ﵁، أخا، وصار أبو بكر وخارجة (٣) بن زيد بن أبي زهير الأنصاري أخوين، وتواخى أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، وعمر بن الخطاب وعتبان (٤) بن مالك (٥)، وطلحة بن عبد الله، وكعب بن مالك (٦)، وسعيد بن زيد (٧)، وأبي بن كعب الأنصاري (٨)، ﵃. وفيها كانت غزوة الأبواء (٩) وهي أول غزواته ثم غزواته ثم غزوة بواط (١٠) ثم غزوة العشيرة (١١). ثم دخلت السنة الثانية من الهجرة الشريفة (١٢) على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكان تحويل القبلة من صخرة بيت المقدس (١٣) إلى المسجد الحرام، قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١٤)، وروى الليث (١٥) عن

стр. 302

يونس (١) عن الزهري قال: لم يبعث الله عند هبوط آدم إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بين المقدس. وعن ابن عباس، ﵄، قال: أول ما نسخ من القرآن القبلة وذلك أن النبي (٢)، ﷺ ، وأصحابه، كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة، أمره الله تعالى (٣) أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة، فصلى بعد الهجرة الشريفة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم، ﵇، فأنزل الله عليه الآية وأمره باستقبال الكعبة. ولما حولت القبلة كان النبي، ﷺ ، في مسجد القبلتين في بني سلمة، وكان يصلي فيه الظهر إلى بيت المقدس، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين. وعن البراء (٤): أن النبي، ﷺ ، صلى إلى البيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت الحرام (٥)، فإنه، ﷺ ، أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه (٦)، فمر على أهل مسجد وهم راكعون (٧) فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله، ﵇، قبل مكة، فداروا كلهم (٨) وجوههم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس. فلما ولى (٩) وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.

стр. 303

وقال البراء في حديثه هذا: إنه مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله : ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣) (١) وكان تحويل القبلة (٢) في يوم الثلاثاء منتصف شعبان (٣)، وقيل: في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين من السنة الثانية (٤) من الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وفيها - أعني السنة الثانية في شعبان - فرض صوم شهر رمضان، وأمر الناس بإخراج زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين، فصام ﷺ ، تسع رمضانات إجماعا، وفيها رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري (٥) صورة الآذان في النوم، وورد الوحي به (٦). وفيها تزوج علي (٧) بفاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، وقال: «إن الله (٨) عقد عقد فاطمة لعلي في السماء فنزل الوحي بذلك»، فجمع الصحابة لذلك وأرسل وراء علي بن أبي طالب وأخبره بالخبر، فعقد النبي، ﷺ ، عقد علي على فاطمة، فقيل لعلي: أولم يا علي، فنزل بدرعه يبيعه، فعرفه عبد الرحمن فاشتراه بألف درهم ودفعها لعلي، ثم أوهبه الدرع. وفيها كانت غزوة بدر الكبرى (٩) التي أظهر الله بها الدين، وسببها قتل عمر بن الحضرمي، وإقبال أبي سفيان بن حرب في عير لقريش عظيمة (١٠) من الشام، وفيها أموال كثيرة، فانتدب المسلمون بأمر النبي، ﷺ ، وخرجوا إليهم، فبلغ أبا سفيان (١١) ذلك فبعث إلى مكة وأعلم قريشا بذلك، فخرج المشركون من مكة، وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين رجلا فيهم مائة فرس، وخرج رسول الله، ﷺ ، من

стр. 304

المدينة ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ولم يكن فيهم إلا فارسان، وكانت الإبل سبعين يتعاقبون عليها، ونزل في بدر وبنى له عريش وجلس عليه ومعه أبو بكر. وأقبلت قريش، فلما رآهم رسول الله، ﷺ ، قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها (١) وفخرها تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني به (٢)»، ولم يزل كذلك (٣)، والتقى الصفان وتزاحف القوم، ورسول الله، ﷺ ، ومعه أبو بكر في العريش وهو يدعو ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني به»، ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فوضعه أبو بكر عليه، وخفق رسول الله، ﷺ ، ثم انتبه فقال: «أبشر أبا بكر فقد أتى نصر الله». ثم خرج رسول الله، ﷺ ، من العريش يحرض المسلمين على القتال، وأخذ حفنة من الحصا (٤) ورمى بها قريش وقال: «شاهت الوجوه»، وقال لأصحابه: «شدوا عليهم»، فكانت الهزيمة على المشركين، وكانت الوقعة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان (٥)، وحمل عبد الله بن مسعود رأس أبي جهل بن هشام إلى النبي، ﷺ ، فسجد شكرا لله تعالى. ونصر الله نبيه بالملائكة قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠) (٦). وكانت عدة قتلى بدر من المشركين سبعين رجلا والأسرى كذلك (٧) وكان من جملة الأسرى العباس (٨) عم النبي (٩)، ﷺ ، ولما انقضى القتال أمر النبي، عليه

стр. 305

السلام (١)، بسحب القتلى إلى القليب (٢) وكانوا أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا فيه وجميع من استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، وعاد النبي، ﷺ ، إلى المدينة، وكانت غيبته تسعة عشر يوما، وماتت ابنته رقية، زوجة عثمان، في غيبته. وكان عثمان تخلف في المدينة بأمره، ﷺ ، بسببها (٣)، وفيها هلك (٤) أبو لهب. ثم كانت غزوة بني قينقاع (٥)، من اليهود، وأمر بإجلائهم، ثم كانت غزوة السويق (٦)، ثم كانت غزوة قرقرة الكدر (٧)، وقرقرة الكدر: ماء مما يلي جادة العراق إلى مكة، وقتل كعب (٨) بن الأشرف اليهودي بأمر النبي، ﷺ . ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة فيها كانت غزوة بني النضير (٩) من اليهود، وكانت على رأس ستة أشهر من بدر قبل أحد (١٠) فأجلاهم النبي، ﷺ ، وحرق نخلهم (١١). وفيها كانت غزوة أحد (١٢) وسببها: وقعة بدر. فاجتمع المشركون وكانوا ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع (١٣)، ومائتا فارس وقائدهم أبو سفيان، وساروا من مكة حتى نزلوا ذا الحليفة (١٤) مقابل المدينة يوم الأربعاء لأربع مضين من شوال، وخرج النبي، ﷺ ، في ألف من الصحابة إلى أن صار بين المدينة وأحد ونزل الشعب من أحد، ثم كانت الوقعة بين السبت لسبع مضين من شوال وعدة أصحاب النبي، ﷺ ، سبعمائة وفيهم مائة دارع، ولم يكن معه من الخيل سوى فرسين، والتقى الناس ودنا بعضهم من بعض. وقامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وضربن بالدفوف خلف الرجال يحرضن المشركين على القتال (١٥) وحرب المسلمين. وقاتل

стр. 306

حمزة عم النبي، ﷺ ، يومئذ قتالا شديدا إلى أن قتل. ضربه وحشي، عبد جبير بن مطعم وكان حبشيا بحربة فقتله، وقتل مصعب (١) حامل لواء رسول الله، ﷺ ، وقد ظن قاتله أنه رسول الله، ﷺ ، فقال لقريش: إني قتلت محمدا. ولما قتل مصعب أعطى النبي ﷺ ، الراية لعلي بن أبي طالب، ﵁، وانهزم المشركون. فطمعت الرماة في الغنيمة (٢)، وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي، ﵇ (٣)، بملازمته، ووقع الصراخ أن محمدا قتل. وانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو. وكان يوم بلاء على المسلمين وكان عدة الشهداء، منهم سبعين رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلا. ووصل العدو إلى رسول الله، ﵇ (٤)، وأصابته حجارتهم حين وقع، وأصيبت رباعيته وشج وجهه، وجعل الدم يسيل على وجهه (٥)، وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعو إلى ربهم» (٦) فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٣٨) (٧). ودخلت حلقتان من المغفر في وجهه الشريف من الشجة، ونزع أبو عبيدة الجراح إحدى الحلقتين (٨) من وجهه فسقطت ثنيته الواحدة. ثم نزع الأخرى فسقطت الثنية الأخرى (٩). ومثلت هند وصواحبها بالقتلى من الصحابة فجدعن الآذان والأنوف وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها. وصعد زوجها أبو سفيان الجبل، فصرخ (١٠) بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر أعل هبل أي - أظهر دينك - فأجابه المسلمون: الله أعلى وأجل. ونادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال النبي، عليه

стр. 307

السلام (١)، لواحد: «قل هو بيننا وبينكم» (٢)، ثم التمس رسول الله، ﷺ ، عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه (٣) وجدع أنفه وأذناه، فقال: «لئن أظهرني الله على قريش لأمثلن بثلاثين منهم»، وجاء (٤) جبريل فأخبره أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله (٥)، ثم أمر رسول الله، ﵇ (٦)، فسجي ببردة، ثم صلى عليه، فكبر (٧) بسبع تكبيرات. ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه اثنتين وسبعين صلاة. وهذا دليل لأبي حنيفة فإنه يرى الصلاة على الشهيد بخلاف (٨) الشافعي وأحمد، رحمهم الله تعالى، ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل أناس من المسلمين إلى المدينة، فدفنوا بها. ثم نهاهم النبي (٩)، ﵇، فقال: «ادفنوهم حيث صرعوا»، وأصيبت عين قتادة (١٠) فردها رسول الله، ﷺ ، بيده، فكانت (١١) أحسن عينيه، واستشهد أنس بن النضر، عم أنس بن مالك وقد أبلى (١٢) بلاء حسنا وفيه نزلت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (١٣) الآية. وفيها تزوج النبي، ﷺ ، حفصة (١٤) بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵄، وبنى بها وكانت تحت خنيس بن حذافة (١٥) السهمي. ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة وفيها كانت غزوة بدر الثانية - وهي في شعبان، وفيها خرج النبي، ﷺ ، إلى بدر لميعاد أبي سفيان، وخرج أبو

стр. 308

سفيان (١) في أهل مكة، ثم رجع ورجعت قريش معه، وانصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة (٢). ثم دخلت السنة الخامسة من الهجرة الشريفة فيها كانت غزوة الخندق (٣) وهي غزوة الأحزاب، وكانت في شوال، وسببها: أن نفرا من اليهود حزبوا الأحزاب على رسول الله، ﷺ ، وقدموا على قريش بمكة يدعونهم (٤) إلى حربه. فلما بلغ النبي، ﷺ ، ذلك أمر بحفر الخندق حول المدينة وعمل فيه بنفسه وفرغ من الخندق (٥)، وأقبلت قريش ومن تبعها من بني قريظة، واشتد البلاء حتى ظن المؤمنون كل الظن. فأقام (٦) رسول الله، ﵇، والمشركون بضعا وعشرين ليلة، لم يكن بين القوم حرب إلا الرمي. ثم نصر الله نبيه على المشركين وخذلهم، وأخلف بين كلمتهم (٧)، وأهب الله ريح الصبا كما قال الله تعالى (٨): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ (٩)، فجعلت الريح تقلب أبنيتهم وتكفأ قدورهم وانقلبوا خاسرين. فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فقال: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (١٠)، فكان (١١) كذلك حتى فتح مكة. فيها، أي في ذي القعدة، كانت غزوة بني قريظة (١٢) عقيب (١٣) عود النبي، ﷺ ، إلى المدينة من غزوة الخندق بوحي من الله تعالى نزل على نبيه محمد، ﷺ ، فسار إليهم وحصرهم (١٤) خمسا وعشرين ليلة، وقذف في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، فرد الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ (١٥)، فحكم

стр. 309

بقتل المقاتلة وسبى الذرية والنساء، وقسم الأموال. ثم رجع النبي، ﷺ ، إلى المدينة فضرب أعناقهم (١)، وكانوا ستمائة أو تسعمائة، وقيل: ما بين الثمانمائة والسبعمائة. ثم قسم الأموال والسبايا واصطفى لنفسه ريحانة بنت شمعون (٢)، فكانت في ملكه حتى مات (٣). ولم يستشهد في هذه الغزوة سوى خلاد بن سويد بن ثعلبة (٤) ألقت عليه امرأة من بني قريظة رمحا شدقت رأسه فقال رسول الله، ﷺ ، «له أجر شهيدين» (٥) وقتلها بها. ثم دخلت السنة السادسة من الهجرة وفيها في شعبان كانت غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع (٦). وكان (٧) في جملة السبي جويرية (٨) بنت الحارث كان اسمها برة، فسماها رسول الله، ﷺ ، جويرية وكانت إحدى أزواجه، ﷺ . وفيها كانت قصة الإفك (٩) فرميت السيدة أم المؤمنين عائشة، ﵂، بالإفك مع صفوان بن المعطل. وكان صفوان حصورا لا يأتي النساء والقصة مشهورة في الحديث الشريف، فيها نزلت آية التيمم. وفيها كانت غزوة الحديبية (١٠) وهي أن رسول الله، ﷺ ، خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست معتمرا لا يريد حربا، وساق الهدي وأحرم بالعمرة، وسار حتى وصل إلى ثنية المرار (١١) مهبط الحديبية أسفل مكة والحديبية بئر. ووقع من معجزاته نبع الماء في ذلك المكان. وتأهبت قريش للقتال، وبعثوا رسولهم إلى النبي، ﷺ ، فبعث رسول الله، ﷺ ، عثمان بن عفان إليهم يعلمهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا ومعظما لهذا البيت (١٢). فلما وصل إليهم أمسكوه وحبسوه. وبلغ رسول الله، ﷺ ، أن عثمان (١٣)

стр. 310

قتل، فدعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان (١) تحت الشجرة، فبايع الناس على الموت، ثم أتاه الخبر أن عثمان لم يقتل. ثم وقع الصلح بين رسول الله، ﷺ ، وبين قريش. فإنهم بعثوا سهيل بن عمرو (٢) في الصلح، فأجاب (٣) النبي، ﷺ ، ثم دعا علي بن أبي طالب فقال: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن أكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله، ﷺ : «اكتب باسمك اللهم»، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله، ﷺ : «اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه»، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالا من المسلمين والمشركين، ولما فرغ رسول الله، ﷺ ، من ذلك نحر هدية وحلق رأسه وفعل الناس كذلك، ثم عاد إلى المدينة حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٤)، ودخل في الإسلام في هذه السنة مثل ما دخل فيه قبل ذلك وأكثر، والقصة مبسوطة (٥) ولكن المراد هنا الاختصار (٦). ثم دخلت السنة السابعة من الهجرة، وفيها كانت غزوة ذي قرد، وذو قرد: موضع على ميلين من المدينة على طريق خيبر (٧)، وهي الغزوة التي أغاروا (٨) فيها على لقاح النبي، ﷺ ، قبل خيبر بثلاث. وفيها كانت غزوة خيبر في منتصف المحرم. سار النبي، ﷺ ، إلى خيبر وهي على ثمان برد من المدينة وأشرف (٩) عليها وقال لأصحابه: قفوا ثم قال: «اللهم رب

стр. 311

السماوات وما أظللن، ورب الأرضين ما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله» (١). ونزل على خيبر ليلا ولم يعلم أهلها. فلما أصبحوا خرجوا إلى عملهم (٢)، فلما رأوه عادوا وقالوا: محمد والخميس - يعنون الجيش - فقال النبي، ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا أنزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (٣). ثم حاصرهم وضيق عليهم وأخذ الأموال وفتح الحصون، وأصاب سبايا منهن صفية بنت حيي (٤) فاصطفاها رسول الله، ﷺ ، لنفسه وتزوجها جعل عتقها صداقها. وهذا مذهب الإمام أحمد، ﵁، وهي (٥) من مفردات مذهبه، وكان علي بن أبي طالب، ﵁، قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما أصبحوا جاء علي فتفل النبي، ﷺ ، في عينيه (٦)، فما اشتكى رمدا بعدها، ثم أعطاه الراية فنهض بها وأتى خيبر. فأشرف عليه رجل من يهود خيبر وقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: غلبتم يا معشر اليهود فخرج مرحب من الحصن وعليه مغفر يماني وعلى رأسه بيضة عادية وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرّب (٧) أطعن أحيانا وحينا أضرب … إذا الليوث أقبلت تلتهب (٨) فخرج إليه علي، ﵁، وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرة … أكيلكم بالسيف كيل السندرة (٩) ليث بغابات شديد قسورة (١٠) واختلف بينهما ضربتان فسبقه علي، ﵁، فقد البيضة والمغفر ورأسه فسقط عدو الله ميتا. وكان فتح خيبر في صفر على

стр. 312

يد (١) علي بن أبي طالب، ﵁. ثم انصرف رسول الله، ﷺ ، إلى وادي القرى (٢) فحصره (٣) ليلة وفتحه عنوة، ثم سار إلى المدينة. وكان قد كتب إلى النجاشي يطلب منه بقية المهاجرين ويخطب أم حبيبة (٤) بنت أبي سفيان. فزوجها للنبي، ﷺ ، ابن عمها خالد بن سعيد (٥)، وأصدقها النجاشي عن النبي، ﷺ ، أربعمائة دينار. وفي غزوة خيبر أهديت للنبي، ﷺ ، الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة ولاكها، ثم لفظها وقال: «تخبرني هذه الشاة أنها مسمومة» (٦)، ثم بعد غزوة خيبر كانت غزوة ذات الرقاع (٧) فتقارب (٨) الناس ولم يكن بينهم حرب. وقال أبو موسى (٩): سميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب بالخرق (١٠) على أرجلنا (١١). وفي هذه السنة أرسل النبي، ﷺ ، رسله (١٢) إلى الملوك. فأرسل إلى كسرى، فمزق كتاب النبي، ﷺ ، فلما بلغه ذلك قال: «مزق الله ملكه» (١٣)، فسلط الله عليه ابنه شيرويه (١٤) فقتله.

стр. 313

وأرسل إلى قيصر - وهو هرقل - وكان إذ ذاك ببيت المقدس فإنه مشى من حمص (١) إلى إيلياء شكرا لما كشف الله عنه جنود فارس. وكان على الصخرة مزبلة قد حاذت محراب داود (٢) مما ألقته النصارى عليها مضارة لليهود، حتى كانت المرأة تبعث بخرق حيضها من رومية فتلقى عليها. فلما قرأ قيصر كتاب رسول الله، ﷺ ، قال: إنكم يا معشر الروم لحقيق (٣) أن تقتلوا، على هذه المزبلة بما انتهكتم من حرمة هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا، ﵉، فأمر بكشفها، فأخذوا في ذلك، فقدم المسلمون الشام ولم يكشفوا منها إلا ثلثها. فلما قدم عمر، ﵁، بيت المقدس وفتحه ورأى ما عليها من المزبلة، أعظم ذلك، فأمر بكشفها وسخر لها أنباط فلسطين (٤)، وأكرم هرقل قاصد رسول الله، ﷺ ، وهو دحية الكلبي (٥)، ووضع كتاب النبي (٦)، ﷺ ، على فخذه وقصد أن يسلم فمنعه بطارقته، فخاف على نفسه واعتذر ورد دحية ردا جميلا. وأرسل إلى المقوقس - صاحب مصر - فأكرم القاصد وقبل كتاب رسول الله، ﷺ ، وأهدى إليه أربع جوار (٧) إحداهن مارية أم ولده إبراهيم، وأهدى إليه بغلته دلدل وحماره يعفور وكسوة (٨). وأرسل إلى النجاشي بالحبشة فقبل كتاب النبي، ﷺ ، وآمن به واتبعه وأسلم (٩). وأرسل إلى الحارث الغساني بدمشق. فلما قرأ الكتاب قال: ها أنا سائر إليه، فلما بلغ رسول الله، ﷺ ، قوله (١٠) (١١) قال: «باد ملكه» (١٢).

стр. 314

وأرسل إلى هوذة ملك اليمامة (١) وكان نصرانيا. فقال: إن جعل الأمر لي من بعده سرت إليه وأسلمت ونصرته وإلا قصدت حربه. فقال النبي، ﷺ : «لا»، ولا كرامة اللهم اكفنيه» (٢) فمات بعد قليل. وأرسل إلى المنذر ملك البحرين (٣) فأسلم، وأسلم جميع العرب بالبحرين. عمرة القضاء (٤) ثم خرج رسول الله، ﷺ ، في ذي القعدة سنة سبع معتمرا عمرة القضاء وساق معه (٥) سبعين بدنة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلما كتبوا الكتاب (٦)، كتبوا هذا ما قضى عليه محمد رسول الله، ﷺ ، قالوا (٧): لا نقر بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله. ثم قال لعلي: امح رسول الله. فقال علي: لا والله (٨) لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله، ﷺ ، الكتاب - وليس يحسن أن يكتب - فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وأنه لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها». فلما دخل المسجد اضطجع بردائه، ورمل في أربعة أشواط من الطواف، ثم خرج إلى الصفا والمروة فسعى بينهما وتزوج في سفره هذا ميمونة بنت الحارث (٩) - وهو محرم - وهذا من خصائصه، ﷺ ، وهي آخر امرأة تزوجها. وأقام بها، ثلاثا فأرسل المشركون إليه مع علي بن أبي طالب: ليخرج عنهم، فخرج وبنى (١٠)

стр. 315

بميمونة وانصرف إلى المدينة، ﷺ . ثم دخلت السنة الثامنة (١) من الهجرة (٢)، فيها أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، ﵄. وفيها كانت (٣) غزوة مؤتة (٤)، وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم ومؤتة من أرض الشام وهي قبل الكرك (٥) وفيها اتخذ لرسول الله، ﷺ ، المنبر (٦) وكان يخطب إلى جذع نخلة (٧)، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر فإذا الجذع (٨) الذي كان يقوم عليه يئن كما يئن الصبي، فقال النبي (٩)، ﷺ : «إن هذا بكى لما فقده من الذكر»، فنزل فمسحه (١٠) بيده حتى سكن (١١). فلما هدم المسجد وتغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب (١٢)، فكان عنده في داره حتى بلي. نقض الصلح وفتح مكة (١٣) سبب ذلك أن بني بكر بن عبد مناف عدت على خزاعة وهم على ماء لهم (١٤) بأسفل مكة يقال له: الوثير. وكانت خزاعة في عهد رسول الله، ﷺ ، وبنو بكر في عهد قريش في صلح الحديبية. وكانت بينهم حروب في الجاهلية، فكلمت بنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فوعدوهم وأوفوهم (١٥)

стр. 316

متنكرين، فبيتوا خزاعة ليلا، فقتلوا منهم عشرين. ثم ندمت قريش على ما فعلوا وعلموا أن هذا نقض للعهد (١) الذي بينهم وبين رسول الله، ﷺ . وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه فقدموا على رسول الله، ﷺ ، مستغيثين به. فوقف عمرو عليه وهو جالس في المسجد، وأنشد (٢) أبياتا يسأله أن ينصره. فقال رسول الله، ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم» (٣). ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعي (٤) في نفر من خزاعة على النبي، ﷺ ، فقال: كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم (٥) يشد العقد ويزيد في المدة. فكان كذلك. ثم قدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين زوج رسول الله، ﷺ . فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله، ﷺ ، طوته عنه وقال: ما أدري أرغبت لي (٦) عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله، ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس. قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر. ثم خرج وأتى النبي، ﷺ ، فكلمه فلم يرد عليه شيئا. فذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر ثم إلى علي، ﵃ (٧)، على أن يكلموا النبي، ﷺ ، في أمره وتشفع بهم، فلم يفعلوا. فقال لعلي: يا أبا الحسن إني أرى الأمور (٨) قد اشتدت عليّ فانصحني. فقال: والله لا أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس (٩) والحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك يغني عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق فلما قدم على قريش قالوا له: ما وراءك؟ فقص شأنه وأنه قد أجار (١٠) بين الناس، قالوا: فهل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله إن زاد

стр. 317

الرجل على أن لعب بك (١). ثم أمر رسول الله، ﷺ ، بالجهاد وأمر أهله أن يجهزوه. ثم أعلم (٢) الناس بأنه يريد مكة، فقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم في بلادهم (٣) (٤)، ثم مضى رسول الله، ﷺ ، لسفره هذا، واستخلف على المدينة كلثوم بن الحصين الغفاري (٥)، فخرج رسول الله (٦)، ﷺ ، لعشر مضين من شهر رمضان ومعه المهاجرون والأنصار وطوائف من العرب، فكان جيشه عشرة آلاف، فصام وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد (٧)، وهو الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر. وبلغ ذلك قريشا فخرج، أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، يتجسسون الأخبار. وكان العباس، ﵁، أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرا، فلقي رسول الله، ﷺ ، بالجحفة (٨)، وقيل: بذي الحليفة. ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي، ﷺ ، بعد أن استأمن له: فأسلم وأسلم معه حكيم بن حزام (٩) وبديل بن ورقاء وممن أسلم يوم الفتح (١٠) معاوية بن أبي سفيان وأخوه يزيد (١١) وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية فكتم إسلامه عن أبيه وأمه. وقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في

стр. 318

قومه. فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن (١). وكان فيمن خرج ولقي رسول الله، ﷺ ، ببعض الطريق (٢) أبو سفيان بن الحارث (٣) وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة (٤) بالأبواء، فأعرض (٥) عنهما، فجاء إليه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله فقبلا وجهه، فقال رسول الله، ﷺ : ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٩٢) (٦). وقبل منهما إسلامهما. فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه أبياتا فضرب رسول الله، ﵇ (٧)، صدره (٨) وقال: أنت طردتني كل مطرد (٩). وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه ويقال (١٠): إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله، ﷺ ، منذ أسلم حياء منه، وكان رسول الله، ﷺ ، يحبه ويشهد له بالجنة ويقول: «أرجو أن يكون خلفا من حمزة» (١١). ثم أمر النبي، ﷺ ، أن تركز راية سعد (١٢) بن عبادة (١٣) بالحجون (١٤) لما بلغه أنه قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. فقال: كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة (١٥). وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء (١٦) في بعض الناس.

стр. 319

فكل هؤلاء (١) الجنود لم يقاتلوا لأن النبي، ﷺ ، نهى عن القتال، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد فقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلا (٢). فلما ظهر النبي، ﷺ ، على ذلك قال: «ألم أنهكم عن القتال»؟ فقالوا له: إن خالد قوتل فقاتل وقتل من المسلمين رجلان. ودخل النبي، ﷺ ، من كداء وهو على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ويرجع. وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، ودخل رسول الله، ﷺ ، مكة وملكها عنوة بالسيف، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه وهو الصحيح من مذهب أحمد، ﵁ (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي، ﵄: أنها فتحت صلحا. والله أعلم. ولما دخل النبي، ﷺ ، مكة كان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنما قد شد لهم إبليس أقدامها برصاص، فجاء ومعه قضيب، فجعل يومئ إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٨١) (٤) حتى مر عليها كلها. وأتى إلى النبي (٥)، ﷺ ، وحشي (٦) بن حرب قاتل حمزة، ﵁، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال رسول الله، ﷺ : «أوحشي»؟ قال: نعم، قال: «أخبرني كيف قتلت عمي»؟ فأخبره فبكى وقال: «غيب وجهك عني» (٧). ولما دخل رسول الله، ﷺ ، مكة كانت عليه عمامة سوداء فوقف على باب الكعبة وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له (٨) صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده». ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٩)، فأعتقهم رسول الله، ﷺ ،

стр. 320

وكان الله تعالى قد أمكنه منهم، فكانوا له فيئا، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء. ولما اطمأن الناس خرج رسول الله، ﷺ ، إلى الطواف، فطاف بالبيت سبعا على راحلته واستلم الركن بمحجن (١) كان في يده، ودخل الكعبة ورأى فيه الشخوص على صور الملائكة، وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام (٢) يستقسم بها فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام (٣)، ثم أمر بتلك الصور (٤) فطمست، وصلى في البيت (٥)، ثم جلس، ﷺ ، على الصفا واجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال ثم النساء. ولما جاء وقت الظهر يوم الفتح أذن بلال (٦) على ظهر الكعبة، فقال الحارث بن هشام (٧): ليتني مت قبل هذا. وقال خالد بن أسيد (٨): لقد أكرم الله أبي فلم ير هذا اليوم. فخرج عليهما رسول الله، ﷺ ، ثم ذكر لهما ما قالاه، فقال الحارث بن هشام: أشهد أنك لرسول (٩) الله، ما اطلع على هذا أحد فيقول (١٠) أخبرك. وقام (١١) علي، ﵁، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال رسول الله، ﷺ : «أين عثمان بن طلحة» (١٢)؟ فدعي له، فقال: «هاك مفتاحك اليوم يا عثمان (١٣) يوم بر ووفاء»، وقال: «خذوها
следующие страницы →