← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

متنكرين، فبيتوا خزاعة ليلا، فقتلوا منهم عشرين. ثم ندمت قريش على ما فعلوا وعلموا أن هذا نقض للعهد (١) الذي بينهم وبين رسول الله، ﷺ . وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه فقدموا على رسول الله، ﷺ ، مستغيثين به. فوقف عمرو عليه وهو جالس في المسجد، وأنشد (٢) أبياتا يسأله أن ينصره. فقال رسول الله، ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم» (٣). ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعي (٤) في نفر من خزاعة على النبي، ﷺ ، فقال: كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم (٥) يشد العقد ويزيد في المدة. فكان كذلك. ثم قدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين زوج رسول الله، ﷺ . فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله، ﷺ ، طوته عنه وقال: ما أدري أرغبت لي (٦) عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله، ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس. قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر. ثم خرج وأتى النبي، ﷺ ، فكلمه فلم يرد عليه شيئا. فذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر ثم إلى علي، ﵃ (٧)، على أن يكلموا النبي، ﷺ ، في أمره وتشفع بهم، فلم يفعلوا. فقال لعلي: يا أبا الحسن إني أرى الأمور (٨) قد اشتدت عليّ فانصحني. فقال: والله لا أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس (٩) والحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك يغني عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق فلما قدم على قريش قالوا له: ما وراءك؟ فقص شأنه وأنه قد أجار (١٠) بين الناس، قالوا: فهل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله إن زاد

стр. 317

الرجل على أن لعب بك (١). ثم أمر رسول الله، ﷺ ، بالجهاد وأمر أهله أن يجهزوه. ثم أعلم (٢) الناس بأنه يريد مكة، فقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم في بلادهم (٣) (٤)، ثم مضى رسول الله، ﷺ ، لسفره هذا، واستخلف على المدينة كلثوم بن الحصين الغفاري (٥)، فخرج رسول الله (٦)، ﷺ ، لعشر مضين من شهر رمضان ومعه المهاجرون والأنصار وطوائف من العرب، فكان جيشه عشرة آلاف، فصام وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد (٧)، وهو الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر. وبلغ ذلك قريشا فخرج، أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، يتجسسون الأخبار. وكان العباس، ﵁، أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرا، فلقي رسول الله، ﷺ ، بالجحفة (٨)، وقيل: بذي الحليفة. ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي، ﷺ ، بعد أن استأمن له: فأسلم وأسلم معه حكيم بن حزام (٩) وبديل بن ورقاء وممن أسلم يوم الفتح (١٠) معاوية بن أبي سفيان وأخوه يزيد (١١) وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية فكتم إسلامه عن أبيه وأمه. وقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في

стр. 318

قومه. فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن (١). وكان فيمن خرج ولقي رسول الله، ﷺ ، ببعض الطريق (٢) أبو سفيان بن الحارث (٣) وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة (٤) بالأبواء، فأعرض (٥) عنهما، فجاء إليه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله فقبلا وجهه، فقال رسول الله، ﷺ : ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٩٢) (٦). وقبل منهما إسلامهما. فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه أبياتا فضرب رسول الله، ﵇ (٧)، صدره (٨) وقال: أنت طردتني كل مطرد (٩). وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه ويقال (١٠): إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله، ﷺ ، منذ أسلم حياء منه، وكان رسول الله، ﷺ ، يحبه ويشهد له بالجنة ويقول: «أرجو أن يكون خلفا من حمزة» (١١). ثم أمر النبي، ﷺ ، أن تركز راية سعد (١٢) بن عبادة (١٣) بالحجون (١٤) لما بلغه أنه قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. فقال: كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة (١٥). وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء (١٦) في بعض الناس.

стр. 319

فكل هؤلاء (١) الجنود لم يقاتلوا لأن النبي، ﷺ ، نهى عن القتال، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد فقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلا (٢). فلما ظهر النبي، ﷺ ، على ذلك قال: «ألم أنهكم عن القتال»؟ فقالوا له: إن خالد قوتل فقاتل وقتل من المسلمين رجلان. ودخل النبي، ﷺ ، من كداء وهو على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ويرجع. وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، ودخل رسول الله، ﷺ ، مكة وملكها عنوة بالسيف، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه وهو الصحيح من مذهب أحمد، ﵁ (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي، ﵄: أنها فتحت صلحا. والله أعلم. ولما دخل النبي، ﷺ ، مكة كان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنما قد شد لهم إبليس أقدامها برصاص، فجاء ومعه قضيب، فجعل يومئ إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٨١) (٤) حتى مر عليها كلها. وأتى إلى النبي (٥)، ﷺ ، وحشي (٦) بن حرب قاتل حمزة، ﵁، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال رسول الله، ﷺ : «أوحشي»؟ قال: نعم، قال: «أخبرني كيف قتلت عمي»؟ فأخبره فبكى وقال: «غيب وجهك عني» (٧). ولما دخل رسول الله، ﷺ ، مكة كانت عليه عمامة سوداء فوقف على باب الكعبة وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له (٨) صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده». ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٩)، فأعتقهم رسول الله، ﷺ ،

стр. 320

وكان الله تعالى قد أمكنه منهم، فكانوا له فيئا، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء. ولما اطمأن الناس خرج رسول الله، ﷺ ، إلى الطواف، فطاف بالبيت سبعا على راحلته واستلم الركن بمحجن (١) كان في يده، ودخل الكعبة ورأى فيه الشخوص على صور الملائكة، وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام (٢) يستقسم بها فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام (٣)، ثم أمر بتلك الصور (٤) فطمست، وصلى في البيت (٥)، ثم جلس، ﷺ ، على الصفا واجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال ثم النساء. ولما جاء وقت الظهر يوم الفتح أذن بلال (٦) على ظهر الكعبة، فقال الحارث بن هشام (٧): ليتني مت قبل هذا. وقال خالد بن أسيد (٨): لقد أكرم الله أبي فلم ير هذا اليوم. فخرج عليهما رسول الله، ﷺ ، ثم ذكر لهما ما قالاه، فقال الحارث بن هشام: أشهد أنك لرسول (٩) الله، ما اطلع على هذا أحد فيقول (١٠) أخبرك. وقام (١١) علي، ﵁، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال رسول الله، ﷺ : «أين عثمان بن طلحة» (١٢)؟ فدعي له، فقال: «هاك مفتاحك اليوم يا عثمان (١٣) يوم بر ووفاء»، وقال: «خذوها

стр. 321

تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم (١)، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» (٢). وذكر أن فضالة (٣) بن عمير أراد قتل النبي، ﵇ (٤)، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله، ﷺ : «أفضالة»؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال: «ماذا كنت تحدث به نفسك»؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله تعالى، فضحك النبي، ﷺ ، ثم قال: «أستغفر الله» ووضع يده على صدره وسكن (٥) قلبه، فقال فضالة: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله تعالى شيئا أحب إليّ منه. وبعث رسول الله، ﷺ ، السرايا إلى الأصنام التي حول مكة فكسروها (٦). ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره، ولما بعث السرايا حول مكة إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام ولم يأمرهم بقتال وكان من السرايا سرية مع خالد بن الوليد فنزل على ماء لبني خزيمة (٧) (٨) فأقبلوا بالسلاح فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فوضعوه فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا. فقتل منهم من قتل. فلما بلغ ذلك النبي، ﷺ ، رفع يده (٩) وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد - مرتين -. ثم أرسل علي بن أبي طالب، ﵁، بمال وأمره أن يؤدي لهم الدماء والأموال، ففعل ذلك. ثم سألهم هل بقي (١٠) لكم مال أو دم؟ فقالوا: لا، وكان قد فضل مع علي، ﵁، قليل مال فدفعه إليهم زيادة تطييبا لقلوبهم، وأخبر النبي، ﷺ ، بذلك فأعجبه (١١).

стр. 322

غزوة هوزان وهي غزوة حنين (١) (٢) وكانت في شوال سنة ثمان من الهجرة الشريفة، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال، ولما فتحت (٣) مكة تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحرب رسول الله، ﷺ ، ومقدمهم مالك بن عوف النضري (٤)، وانضمت إليه ثقيف وهم أهل الطائف، وبنو سعد وهم الذين كان رسول الله، ﷺ ، مرتضعا عندهم، فلما سمع النبي، ﵇، باجتماعهم خرج من مكة لست خلون من شوال وخرج معه اثني عشر ألفا: ألفان من أهل مكة. وعشرة آلاف كانت معه، وحضرها جماعة كثيرة (٥) من المشركين وهم مع رسول الله، ﷺ ، وانتهى إلى حنين وركب بغلته الدلدل وقال رجل من المسلمين - لما رأى كثرة من مع النبي، ﷺ : لن يغلب هؤلاء من قلة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ (٦) ولما التقوا انكشف المسلمون (٧) لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله، ﷺ ، في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، واستمر، ﷺ ، ثابتا، وتراجع المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا، وقال النبي، ﷺ ، لبغلته: «إلبدي» فوضعت بطنها على الأرض، وأخذ حفنة تراب، فرمى بها في وجه المشركين فكانت الهزيمة عليهم، ونصر الله المسلمين، واتبع المسلمون المشركين يقتلونهم ويأسرونهم (٨). ولما فرغ (٩) النبي، ﷺ ، من حنين، بعث أبا عامر (١٠) على جيش لغزوة أوطاس (١١) فاستشهد، ﵁، وانهزمت ثقيف إلى الطائف، وأغلقوا (١٢) باب مدينتهم، فسار النبي، ﷺ ، إليه وحاصرهم نيفا وعشرين يوما وقاتلهم

стр. 323

بالمنجنيق، وأمر بقطع أعناقهم، ثم رحل عنهم فنزل بالجعرانة (١) (٢)، وأتى إليه بعض هوازن ودخلوا عليه، فرد عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، ورد الناس أبناءهم ونساءهم، ثم لحق مالك بن عوف (٣) - مقدم هوازن - برسول الله، ﷺ ، وأسلم وحسن إسلامه، واستعمله رسول الله، ﷺ ، على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل. وكانت عدة السبي الذي أطلقه ستة آلاف. ثم قسم الأموال وكانت عدة الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة (٤) أربعة آلاف أوقية، وأعطى المؤلفة قلوبهم مثل: أبي سفيان وابنيه يزيد ومعاوية، وسهل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل (٥)، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وصفوان بن أمية وهؤلاء من قريش، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي (٦)، وعيينة بن حصن (٧)، ومالك بن عوف - مقدم هوازن - وأمثالهم، فأعطى لكل واحد (٨) من الأشراف مائة من الإبل، وأعطى الآخرين أربعين أربعين، وأعطى العباس بن مرداس السلمي (٩) أباعر لم يرضها (١٠) وقال في ذلك أبيات شعر: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لم يرفع (١١) فروي أن النبي، ﷺ ، قال: «اقطعوا عني لسانه» (١٢)، فأعطي حتى رضي، ولما فرق رسول الله، ﷺ ، الغنائم لم يعط الأنصار شيئا، فوجدوا في أنفسهم، فدعاهم رسول الله، ﷺ ، فقال: «إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصبئة وإني أردت أن أحبوهم (١٣)

стр. 324

وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟»، قالوا: بلى، قال: «والله لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار» (١). ثم اعتمر رسول الله، ﷺ ، وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد (٢)، وهو شاب لم يبلغ عشرين سنة، وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس، وحج بالناس في هذه السنة عتاب بن أسيد على ما كانت العرب (٣) تحج، وفي ذي الحجة سنة ثمان (٤) ولد إبراهيم بن النبي، ﷺ ، من مارية القبطية، وفي السنة المذكورة مات حاتم الطائي، وكان يضرب بجوده وكرمه (٥) المثل، وكان من الشعراء المجيدين. ثم دخلت السنة التاسعة (٦) من الهجرة، فيها فرض الحج (٧) على الصحيح، وفيها ترادفت وفود العرب على رسول الله، ﷺ ، ووفد كعب بن زهير بن أبي سلمي (٨) بعد أن كان النبي، ﷺ ، أهدر دمه ومدحه بقصيدته المشهورة وهي: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»، وأعطاه النبي، ﷺ ، بردته. فلما كان زمن (٩) معاوية أرسل إلى كعب: أن بعنا بردة رسول الله، ﷺ ، فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله (١٠)، ﷺ ، أحد فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرة آلاف درهم، ونقل الملك المؤيد صاحب حماة في تاريخه (١١): أنه اشتراها بأربعين ألف درهم، ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون حتى أخذها التتر (١٢) (١٣).

стр. 325

وفيها كانت غزوة تبوك (١) وهي غزوة العسرة لوقوعها في زمن الحر والبلاد مجدبة والناس في عسرة، فأنفق أبو بكر جميع ماله، وأنفق عثمان نفقة عظيمة، وسار النبي، ﷺ ، إلى تبوك واستخلف عليا، ﵁، فقال علي: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي (٢)، وتخلف عبد الله بن أبي المنافق (٣) ومن تبعه من أهل النفاق، وتخلف ثلاثة من الصحابة وهم: كعب بن مالك (٤) ومرارة بن الربيع (٥) وهلال بن أمية (٦) ولم يكن لهم عذر. ثم رجع النبي، ﷺ ، إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه (٧) المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون (٨)، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله، ﷺ ، علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله (٩)، ثم جاءه كعب، وكان تقدمه مرارة وهلال، فسألهم عن تخلفهم، فاعترفوا أن لا عذر لهم، فأمرهم بالمضي حتى يقضي الله فيهم، ونهى النبي، ﷺ ، المسلمين عن كلامهم من بين من تخلف عنه، فاجتنبهم الناس، فلبثوا على ذلك خمسين ليلة. ولما مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرهم النبي، ﷺ ، باعتزال نسائهم، وجاءت امرأة هلال لرسول الله (١٠)، ﷺ ، تستأذنه في خدمته، فأذن لها من غير أن يقربها، فلما كملت لهم خمسون ليلة من حين نهي رسول الله، ﷺ ، عن كلامهم، أذن لهم رسول الله، ﷺ ، بتوبة الله عليهم، وذهب الناس يبشرونهم، وجاء كعب إلى النبي، ﷺ ، فسلم عليه (١١)، فقال له، وهو يبرق وجهه من

стр. 326

السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك»، فقال: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا بل من عند الله» (١). وأنزل الله على رسوله، ﵇ (٢): ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿(١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿(١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩) (٣) (٤). قال كعب (٥): فو الله ما أنعم الله عليّ نعمة (٦) قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله، ﷺ ، أن لا أكون كذبته (٧) فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٩٦) (٨). وفي ذي القعدة من سنة تسع هلك رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، والله أعلم. حج أبي بكر الصديق، ﵁ بالناس (٩) بعث النبي، ﷺ ، أبا بكر الصديق، ﵁، في سنة تسع ليحج بالناس ومعه عشرون بدنة لرسول الله، ﷺ ، ومعه ثلاثمائة رجل، فلما كان بذي الحليفة، أرسل النبي، ﷺ ، علي بن أبي طالب، ﵁، وأمره بقراءة آيات من أول سورة براءة على الناس وأن ينادي: أن لا يحج بعد العام (١٠) مشرك ولا يطوف (١١) بالبيت عريان (١٢).

стр. 327

فسار أبو بكر، ﵁، أميرا على الموسم وعلي بن أبي طالب، ﵁، يؤذن ببراءة يوم الأضحى وأن لا يحج مشرك، ولا يطوف عريان. ثم دخلت السنة العاشرة (١) من الهجرة الشريفة (٢)، وفيها كان قدوم الوفود (٣) على رسول الله، ﷺ ، بالمدينة وجاءته وفود العرب قاطبة، ودخل الناس في الدين أفواجا كما قال تعالى (٤): ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ (٣) (٥)، فقدم عليه وفد بني تميم، ووفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة وغيرهم (٦)، وفشا الإسلام في جميع القبائل، وفيها توفي إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، في يوم الثلاثاء لعشر ليال خلت من ربيع الأول. حجة الوداع (٧) خرج رسول الله (٨)، ﷺ ، حاجا لخمس بقين من ذي القعدة، وقد اختلف في حجه هل كان قرانا (٩) أم تمتعا أم أفرادا، قال صاحب حماه: والأظهر (١٠) الذي اشتهر أنه كان قارنا، وحج رسول الله، ﷺ ، بالناس ولقي علي بن أبي طالب، ﵁، محرما فقال: حل كما حل أصحابك، فقال: إني أهللت بما أهل به رسول الله، ﷺ ، فبقي على إحرامه، ونحر رسول الله، ﷺ ، الهدي عنه، وعلم رسول الله، ﷺ ، الناس مناسك الحج والسنن، ونزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (١١). فبكى أبو بكر، ﵁، لما سمعها وكأنه استشعر أن ليس بعد الكمال

стр. 328

إلا النقصان، وأنه قد نعيت إلى النبي، ﷺ ، نفسه. وخطب رسول الله، ﷺ ، الناس (١) بعرفة خطبة بيّن فيها الأحكام منها: «أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر، وأن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، وأن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا» (٢)، وتمم حجه وسميت حجة الوداع لأنه لم يحج بعدها، ولم يحج من المدينة (٣) إلى مكة غير حجة الوداع، ثم رجع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وأقام بها حتى خرجت السنة. وكانت غزواته، ﷺ ، تسع عشرة غزوة (٤)، قاتل في تسع منها وهذه الغزوات غير السرايا. ثم دخلت السنة الحادية عشرة (٥) من الهجرة الشريفة والنبي، ﷺ ، بالمدينة، وكان قد قدم من حجة الوداع فأقام بها حتى خرجت سنة عشر والمحرم ومعظم صفر من سنة إحدى عشرة، والله أعلم. ذكر وفاته ﵇ (٦) (٧) قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٣١) (٨)، وعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي، ﷺ ، يقول في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم» (٩). بدأ برسول الله، ﷺ ، مرضه الذي مات فيه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة، ﵂. وعن ابن عباس قال: لما احتضر (١٠) رسول الله، ﷺ ، وفي البيت رجال،

стр. 329

فقال النبي، ﷺ : «هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوه بعده أبدا» (١)، فقال بعضهم: إن رسول الله، ﷺ ، قد غلبه الوجع (٢) وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا له يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف. قال رسول الله، ﷺ : «قوموا» (٣). فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية (٤) ما حال بين رسول الله، ﷺ ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. وعن عائشة، ﵂، قالت: دعا النبي، ﷺ ، فاطمة ﵍، في شكواه (٥) الذي قبض فيه، فسارّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت، فسألنا (٦) عن ذلك، فقالت: سارني النبي (٧)، ﷺ ، أنه يقبض في وجهه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني النبي، ﷺ ، فأخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت (٨). ولما ثقل وجع (٩) رسول الله، ﷺ ، جاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، قالت (١٠) عائشة، ﵂: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وأنه حتى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فقالت عائشة لحفصة قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس». فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله، ﷺ ، في نفسه خفة فقام يتهادى (١١) بين رجلين ورجلاه تحطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر، ﵁، حسه، ذهب أبو بكر يتأخر فأومأ إليه رسول الله، ﷺ ، فجاء إلى رسول الله، ﷺ ، حتى جلس عن يسار أبي بكر (١٢)، فكان أبو بكر يصلي قائما وكان

стр. 330

رسول الله، ﷺ ، يصلي قاعدا. يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله، ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر، ﵁ (١). وعن عائشة، ﵂، كانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله، ﷺ ، توفي في بيتي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، ودخل عبد الرحمن (٢) وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله، ﷺ ، قرأيته (٣) ينظر إليه فعرفت (٤) أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك فأشار برأسه أن نعم، فناولته له فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينته، وبين يديه ركوة أو علبة وفيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»، ثم نصب يده الكريمة فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يده (٥). وعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي، ﷺ ، يقول وهو صحيح: «أنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده (٦) في الجنة ثم يخير، فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى» (٧)، فقلت: إذا لا يختارنا، فعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح قالت: وكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى. وتوفي رسول الله، ﷺ ، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ونزل عليه جبريل، ﵇، أربعا وعشرين ألف مرة، وتوفي ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين وسقا (٨) (٩) من شعير، ولما مات قالت فاطمة، ﵂: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل (١٠) ننعاه (١١). فلما دفن قالت: يا أنس أطابت نفوسكم إن تحثوا على نبيكم التراب؟.

стр. 331

ولما توفي دهش الناس وطاشت عقولهم واختلفت أحوالهم في ذلك. فقال عمر بن الخطاب، ﵁، من قال إن رسول الله، ﷺ ، مات علوت رأسه سيفي هذا (١)، وإنما ارتفع إلى السماء، فقرأ أبو بكر، ﵁: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) (٢)، فرجع الناس (٣) إلى قوله وبادروا سقيفة بني ساعدة (٤)، فبايع عمر أبا بكر ثم بايعه الناس خلا جماعة. وغسله ﷺ ، علي والعباس وابناه الفضل (٥) وقثم (٦)، وغسلوه وعليه قميصه لم ينزع. فكان علي بن أبي طالب يحتضنه إلى صدره والعباس يصب الماء، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (٧). وصلى عليه المسلمون أفرادا لم يؤمهم أحد وحفر له أبو طلحة الأنصاري (٨)، ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه. وكانت وفاته يوم الاثنين، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء (٩) في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة الشريفة، وكان مرضه ثلاث عشرة ليلة. قال أنس بن مالك، ﵁: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله، ﷺ ، - يعني المدينة -، أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم (١٠) كل شيء، ورثاه جماعة منهم أبو بكر وعلي وفاطمة وعمته صفية، ﵃ أجمعين (١١).

стр. 332

ذكر صفاته (١) ونبذة عن معجزاته (٢) كان النبي (٣)، ﷺ ، مليح الوجه، حسن الخلق معتدل القامة، ليس بالقصير ولا بالطويل، أبيض اللون مشربا بحمرة، يتلألأ وجهه تلألأ (٤) القمر ليلة البدر، كث اللحية، واسع الجبين، بعيد ما بين المنكبين، لم يبلغ الشيب في رأسه ولحيته عشرين شعرة، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب، بين كتفيه خاتم النبوة، ريح عرقه أطيب من ريح المسك الإذفر، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله. وأما معجزاته، ﷺ ، فأفضلها القرآن الكريم الذي أعجز الفصحاء وأخرس البلغاء، ومنها انشقاق الصدر والتئامه، ومنها انشقاق القمر فرقتين، ومنها: نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وكلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة، وإجابتها دعوته، وسلام الحجر والشجر عليه، وحنين الجذع إليه، وتسبيح الحصى في كفه، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى، ولا يحاط به ولا يستقصي، ومن ذا يحيط بالبحر الزاخر ولو أجهد نفسه آناء الليل وأطراف النهار. وكان ﷺ ، لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله تعالى، فينتقم لله، وكان أحسن الناس خلقا، وأرجحهم علما، وأعظمهم عفوا، وأسخاهم كفا، وأوسعهم صدرا، وأصدقهم لهجة، وكان أشد الناس حياء من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئا عرف في وجهه، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويجيب الدعوة، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها ويأكلها (٥)، ولا يأكل الصدقة، ويعود المريض، ويشهد الجنائز، متواضعا، يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك من غير قهقهة، وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس عن ذلك. مولده بمكة وهجرته لطيبة (٦) وملكه بالشام، أرأف الناس وخيرهم، لا ترتفع في مجلس الأصوات، إذا قام من مجلسه قال: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن

стр. 333

لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك»، طويل السكوت (١) لا يتكلم في غير حاجة، وأحب الطعام إليه ما كثرت عليه الأيدي، وإذا وضعت المائدة قال: «بسم الله اللهم اجعلها نعمة دائمة (٢) مشكورة نصل بها نعيم الجنة»، وإذا فرغ منها: «اللهم لك الحمد أطعمت وأسقيت وآويت لك الحمد غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا» (٣). وكان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسميات وفي آخرها ثلاث تحميدات، وكان يعجبه الثياب اخضر، وأكثر ثيابه البياض (٤) ويقول: «ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم»، وكان، ﷺ ، تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان زاهدا في الدنيا، مات ولم يخلف دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، وعرض عليه أن يجعل له (٥) بطحاء مكة ذهبا فقال: «لا يا رب أجوع يوما وأشبع يوما»، فأما اليوم (٦) الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك. وكان، ﷺ ، خاتم النبيين وسيد المرسلين، وآتاه الله علم الأولين والأخرين وفضله على سائر الخلق أجمعين، ولا يحصى أحد مناقبه من العالمين، ﷺ ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. ذكر أزواجه، ﷺ (٧) أول من تزوج خديجة بنت خويلد، ﵂، ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق، ﵄، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب، ﵄، ثم زينب بنت خزيمة (٨)، وكانت تدعى أم المساكين لرأفتها بهم، ومكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت وقد بلغت ثلاثين سنة، ودفنت بالبقيع (٩)، ولم

стр. 334

يمت من أزواجه في حياته إلا هي وخديجة، ﵄، ثم أم سلمة (١)، واسمها: هند بنت أبي أمية بن المغيرة، ثم زينب بنت جحش (٢)، وكان اسمها: برة فسماها، ﷺ ، زينب وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولاه فطلقها، فلما حلت زوّجها الله تعالى إياه من السماء، وهي التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ (٣)، وأو لم عليها وأطعم المساكين خبزا ولحما. وفيها أنزلت (٤) آية الحجاب، وكانت كثيرة الصدقة والإيثار، ﵂، ثم جويرية بنت الحارث، وكان اسمها: برة فسماها جويرية، ثم أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان، أصدقها عنه النجاشي - كما تقدم - ثم صفية بنت حيي من سبي خيبر، اصطفاها لنفسه، وتزوجها وجعل عتقها صداقها - كما تقدم - ثم ميمونة بنت الحارث (٥) وكان اسمها: برة فسماها ميمونة، وهي التي وهبت نفسها للنبي، ﷺ ، فهؤلاء نساؤه المدخول بهن إحدى عشرة امرأة، ومات عن تسع منهن، وتزوج وخطب، ﷺ ، نساء غير هؤلاء ولم يدخل بهن فمنهن أسماء بنت النعمان الجوينية (٦) (٧) تزوج بها ثم فارقها، فقيل: إن سبب فراقها أنه لما دخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: قد عذت بعظيم أو بمعاذ، إلحقي بأهلك، فطلقها (٨) فكانت تسمي نفسها بالشقية، وقيل: إن صاحبة هذه القصة امرأة غير أسماء هذه. وخولة بنت الهذيل (٩)، تزوجها رسول الله، ﷺ ، فماتت في الطريق قبل وصولها إليها، وأم شريك (١٠) هي عرفة بنت دودان (١١)، تزوجها ولم يدخل بها. وصفية بنت هشام العبدية (١٢) (١٣)، وشراف الكلبية (١٤) أخت دحية، والعالية

стр. 335

الكلابية (١). روى أنها مكثت عند رسول الله، ﷺ ، ما شاء الله ثم طلقها، وسبا السلمية، ماتت قبل أن يصل إليها، وقتيلة بنت قيس الكندية (٢) قبض رسول الله، ﷺ ، قبل خروجها إليه من اليمن، وعمرة بنت يزيد الكلابية (٣) طلقها، وضباعة بنت عامر القسيرية (٤) خطبها ثم أمسك، وليلى بنت الحطيم (٥) الأوسية (٦) تخطت منكبه وهو غافل فقال: «من هذه أكلها الأسد»؟ فقالت: أنا ليلى بنت الحطيم بن مطعم الطير قد جئتك أعرض عليك نفسي، فقال: «قد قبلتك». فرجعت إلى أهلها فقالوا: إن رسول الله، ﷺ ، كثير الضرائر وأنت امرأة غيورة ولسنا نأمن أن تغيظيه فيدعو عليك فاستقيليه. فأتته فأقالها، فدخلت بعد ذلك حيطان المدينة، فشد عليها الأسد فأكلها. وأما سراريه (٧) فكن أربعا: مارية بنت شمعون (٨) القبطية أهداها له المقوقس، صاحب مصر، وريحانة بنت شمعون (٩) النضرية (١٠)، وأخرى جميلة (١١) أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش، وتقدم ذكر أولاده، ﷺ . ذكر الأسود العنسي ومسيلمة وسجاح وطليحة وما جرى منهم أما الأسود (١٢) فاسمه عبهلة وهو ممن ارتد وتنبأ، وكان من الكاذبين (١٣)، وكان باليمن. وادعى النبوة قبل وفاة رسول الله، ﷺ ، بأربعة أشهر، فلما بلغه، ﷺ ، ذلك أرسل إلى نفر من اليمن يأمرهم بقتله وأرسلوا إلى رسول الله، ﷺ (١٤)، خبره، فسبق خبر السماء إليه فأخبر الناس بذلك قبل وفاته بقليل (١٥)، ووصل

стр. 336

الكتاب بقتل الأسود في خلافة أبي بكر، ﵁، فكان كما أخبر به الرسول (١)، ﷺ ، وكان قتله قبل وفاة النبي، ﷺ ، بيوم وليلة. وأما مسيلمة فإنه قدم على رسول الله، ﷺ ، في وفد بني حنيفة، ثم ارتد، وادعى النبوة، وتسمى: رحمان اليمامة (٢)، وخاف أن لا يتم له مراده فقال: إن محمدا قد أشركني معه. وشرع يسجع لقومه ويضاهي القرآن وذلك في حياة رسول الله، ﷺ ، وكانت له فتنة فاحشة. وقتله أبو بكر، ﵁، في خلافته، وكان قاتله وحشي (٣) بالحربة التي قتل بها حمزة عم النبي، ﷺ ، وشاركه في قتله رجل من الأنصار. وأما سجاح بنت الحارث (٤) (٥) التميمية كانت قد ادعت النبوة في الردة وتبعها جماعة، وقصدت قتال أبي بكر. ثم ذهبت إلى اليمامة واجتمعت بمسيلمة وتزوجت به. وتنقلت بها الأحوال إلى زمن (٦) معاوية، فأسلمت وحسن إسلامها، وانتقلت إلى البصرة (٧)، وماتت بها. وأما طليحة (٨) الأسدي فإنه ادعى النبوة وتبعه جماعة وقوي أمره. وقاتله خالد بن الوليد في الردة ثم أسلم وخرج نحو مكة معتمرا في خلافة أبي بكر، ﵁، وقاتل في الفتوحات، فقتل يوم وقعة نهاوند (٩) مع الأعاجم في سنة إحدى وعشرين (١٠) في خلافة عمر بن الخطاب، ﵁.

стр. 337

فصل في الصلاة (١) على النبي، ﷺ ، وكيفيتها روي عن الرسول، ﷺ ، أنه قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ مرة واحدة، صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الوسيلة فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا هو (٢)، فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة (٣)». وقال عمر بن الخطاب، ﵁: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصل على نبيك، ﷺ ، فإذا فعلت انخرقت (٤) الحجب، ودخل الدعاء، وإن لم تفعل ذلك، رجع ذلك الدعاء. وعنه، ﷺ ، أنه قال: «إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم عليّ صلاة (٥)، ﷺ » (٦). وروي عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: حدثني رسول الله، ﷺ ، وعدهن في يدي قال: «عدهن في يدي جبريل، ﵇، وقال جبريل: هكذا أنزلت بهن من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وترحم (٧) على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد، كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد، كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وعن أبي بكر، ﵁، أنه قال: الصلاة على النبي، ﷺ ، أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، والسلام عليه أفضل من عتق الرقاب (٨).

стр. 338

قال ابن الفاكهاني (١) (٢)، قلت: وإنما كان أفضل من عتق الرقاب - والله أعلم - لأن عتق الرقاب في مقابلته (٣) العتق من النار ودخول الجنة، والسلام عليه في مقابلته سلام الله تعالى وسلام من الله أفضل من مائة ألف ألف جنة (٤)، فناهيك بها من جنة، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا مرافقته في الجنة بمنه وكرمه وجوده وإحسانه آمين. فصل (٥) في زيارة النبي، ﷺ ، وما يستحب أن يفعله الزائر ويدعو به (٦) يستحب لمن قدم المدينة الشريفة أن يغتسل قبل دخوله إليها ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويدخل بسكينة ووقار، ويقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله، ﷺ ، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. ويكره له (٧) الركوب في أزقتها إلا لعذر، فإذا وصل إلى أحد أبواب المسجد الشريف قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وكف عني أبواب سخطك، الحمد لله الذي بلغني هذا الموضع الشريف وجعلني أهلا لحضور هذا المسجد العظيم وزيارة قبر رسوله الكريم، فالحمد لله على ذلك عدد نعمه التي لا تحصى وإفضاله الذي لا يستقصى ولا يفنى، ثم يقدم رجله اليمنى قائلا (٨): بسم الله الرحمن الرحيم، وبالله ومن الله وإلى الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، ﷺ ، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. وكذا يتلو إذا خرج ويصلي على النبي، ﷺ . ثم يأتي المنبر مستديما للذكر والثناء والصلاة على رسول الله، ﷺ ، فيصلي عنده ركعتين تحية المسجد ويتحرى لصلاته جانب المنبر تجاه صندوق المصاحف، ويجعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق،

стр. 339

وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف النبي، ﷺ ، الذي كان يؤم الناس فيه. ثم يقول بعد فراغهما: الحمد لله الذي بلغني هذا المكان ووفقني لإتيانه وأوصلينه في يسر وعافية، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت (١) وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام والطول والإنعام، فلك الحمد ملء السموات والأرض، وملء (٢) ما شئت من شيء بعد. ويأتي القبر الشريف من باب المقصورة القبلي، فإذا وصل المقصورة استقبل وجهه/ الكريم، ﷺ ، وذلك بأن يستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر الشريف على نحو أربعة أذرع من السارية التي في زاوية المقصورة، ويجعل القنديل على رأسه ولا يمس الجدار بيده ولا بشيء من بدنه، ويقف متأدبا بين يديه كما لو كان حيا مظهرا لاحترامه، ويستحضر في نفسه أن رسول الله، ﷺ ، عالم بحضوره وقيامه تجاهه وسلامه عليه، وأنه يجيب من سلم عليه من بعيد فكيف (٣) بالقريب، ويسلم على رسول الله، ﷺ ، ويصلي عليه. وقد ورد أشياء كثيرة في صفة الصلاة (٤) عليه فأيها فعل أجزأه. ثم يتقدم يسيرا فيقف ويسلم على خليفته سيدنا أبي بكر الصديق، ﵁، ثم يتقدم يسيرا فيسلم على سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁. ثم يأتي الروضة فيصلي بها ما تيسر له (٥) ويصلي عند المنبر أيضا، ثم يدعو عند انصرافه فيقول: اللهم إني أتيت قبر نبيك، ﷺ ، متقربا إليك بزيارته، متوسلا لديك به، وأنت قلت وقولك الحق ولا تخلف الميعاد: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (٦)، اللهم اجعلها زيارة مقبولة، وسعيا مشكورا، وعملا متقبلا مبرورا، ودعاء تدخلنا به جنتك، وتسبغ به علينا رحمتك، اللهم (٧) اجعل سيدنا محمدا أنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين، اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه، فأدخلنا

стр. 340

مدخله، واحشرنا محشره، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربا رويا سائغا هنيا لا نظمأ بعده (١) أبدا. ويستحب له زيارة البقيع، فيبدأ بقبر سيد إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، فيزوره، ويزور العباس، وعثمان بن عفان، والحسن بن علي، وبنات رسول الله، ﷺ ، وغيرهم ويستحب زيارة ما بتلك الأرض الشريفة من الأماكن المشهورة. ثم إذا قصد الذهاب إلى وطنه اغتسل ولبس أحسن ثيابه، وأتى المسجد الشريف مكررا للصلاة على النبي (٢)، ﷺ ، ويأتي القبر الشريف، ويسلم على رسول الله، ﵇، وعلى ضجيعيه ويكثر من الصلاة عليه وعليهما، ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. ثم يخرج غير مستدبر القبر الشريف، ويبدأ برجله اليسرى قائلا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وافتح لي أبواب فضلك، وحط عني أوزاري بزيارة نبيك، واحسن منقلبي إلى أهلي ووطني ببركته، ﷺ ، يا أرحم الراحمين، أدخلنا في شفاعته أجمعين (٣). ذكر فضائل المسجد الأقصى الشريف وما ورد في ذلك من آيات وأحاديث (٤) قد تقدم في أول الكتاب الكلام على (٥) سورة الإسراء، فلو لم يكن له من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية فيه، لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة. وقال تعالى - إخبارا عن نبيه موسى، ﵇: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مّا لم يؤت أحدا من العالمين (٢٠) ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ (٦) أي المطهرة، والتقديس هو التطهير. وسمي البيت المقدس مقدسا لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وتقدم ذلك عند أسماء بيت المقدس. قال ابن عباس: بيت المقدس (٧) عليه الطل والمطر منذ خلق الله السنين

стр. 341

والأيام (١). وروي في قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ (٧١) (٢). قال: هي الأرض المقدسة بارك الله فيها للعالمين، لأن كل ماء في الأرض عذب منها يخرج من أصل الصخرة الشريفة، ثم يتفرق في الأرض (٣). وقال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ (١٠٥) (٤)، قيل في أحد الأقوال: إنها الأرض المقدسة ترثها أمة محمد، ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٥٠) (٥). قال ابن عباس: هي بيت المقدس (٦)، وهو قول قتادة وكعب، وقال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، يعني لأن الربوة المكان المرتفع من الأرض. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٧)، المنادي: هو إسرافيل، ﵇، ينادي من صخرة بيت المقدس بالحشر وهي في وسط الأرض (٨). وروي أن المكان القريب هو صخرة بيت المقدس. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ (٩) يعني به بيت المقدس. وقال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١٣) (١٠) يعني بين المؤمنين وبين المنافقين وهو حائط بين الجنة والنار - له أي لذلك السور - باب فيه الرحمة وهي الجنة، وظاهره - أي من خارج ذلك السور - من قبله - أي من قبل ذلك الظاهر العذاب -. وعن أبي العوام (١١) (١٢)، سمعت عبد الله بن عمر قال (١٣): إن السور الذي ذكره الله في القرآن بقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ (١٣) (١٤) هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة المسجد، وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم.

стр. 342

وروى الإمام أحمد، ﵁، في مسنده من حديث أمامة قال: قال رسول الله، ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (١). وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله (٢)، ﷺ : «أربع من مدائن الجنة: مكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس» (٣). وعن معاذ، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي من كان مولده فيك فاختار عليك غيرك فبذنب يصيبه، ومن كان مولده في غيرك فاختارك على غيرك فبرحمة مني، يا شام اتسعي لأهلك بالرزق كما يتسع الرحم للولد، وعيني عليك بالطل والمطر منذ (٤) خلقت السنين والأيام، ومن يعدم فيك المال لا يعدم فيك الخير. يا روشلم أنت مقدسة بنوري وفيك المحشر والمنشر (٥) أزفك يوم القيامة كما تزف العروس إلى بعلها، ومن دخلك استغنى عن الزيت والقمح (٦)». وعن معاذ، قال: قال رسول الله، ﷺ : «يا معاذ إن الله، ، سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش (٧) إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم (٨) مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة (٩)». وعن كعب (١٠) قال: قال الله تعالى لبيت المقدس: أنت جنتي وقدسي

стр. 343

وصفوتي من بلادي من يسكنك فبرحمة مني ومن خرج منك فبسخط مني عليه (١). فضل الصلاة في بيت المقدس روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «إن سليمان، ﵇، سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة: سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه، وسأله أيما رجل يخرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد أن يخرج من خطيئة كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون قد أعطاه إياه» (٢). وعن مكحول (٣) قال: من خرج إلى بيت المقدس لغير حاجة إلا للصلاة (٤)، فصلى فيه خمس صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء، خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه (٥). وعن كعب الأحبار (٦) قال: شكا بيت المقدس إلى ربه الخراب، فأوحى الله إليه: لأملأنك خدودا سجدا يزفون إليك زفيف النسور إلى أوكارها ويحنون إليك حنين الحمام إلى بيضها. فقال رجل لكعب (٧): اتق الله يا كعب وأن له لسانا قال: نعم وقلبا كقلب أحدكم (٨). وعن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «من زار بيت المقدس محتسبا أعطاه الله أجر ألف شهيد» (٩). وعنه ﷺ : «من زار عالما، فكأنما زار بيت المقدس، ومن زار بيت المقدس محتسبا، حرم الله لحمه وجسده على النار». وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «من صلى في بيت المقدس غفرت ذنوبه كلها» (١٠).

стр. 344

وعن كعب الأحبار من أتى بيت المقدس، فصلى عن يمين الصخرة، وعن شمالها، ودعا عند موضع السلسلة، وتصدق بما قل أو كثر، استجيب له دعاؤه، وكشف الله عنه حزنه، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وإن سأل الله الشهادة أعطاه إياها (١)، والله أعلم. مضاعفة الصلاة في بيت المقدس روي عن أبي الدرداء (٢) عن النبي، ﷺ ، قال: «فضلت الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدي بألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة»، رواه الإمام أحمد، ﵁. مضاعفة الحسنات والسيئات في مسجد بيت المقدس روي عن جرير بن عثمان (٣) وصفوان بن عمرو (٤) أنهما قالا: الحسنة في بيت المقدس بألف والسيئة بألف وعن الليث بن سعد (٥) عن نافع (٦) قال: قال لي ابن عمر - ونحن ببيت المقدس -: يا نافع اخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات (٧) تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات، وأحرم وخرج من بيت المقدس. قال العلماء: معنى ذلك أن عقوبة من اقترف ذنبا في أحد المساجد الثلاثة أعظم عقوبة (٨) ممن اقترف في غيرها لشرف هذه المساجد وفضلها، والذنب الواحد في أحدها أعظم من ذنوب كثيرة في غيرها من المواضع، ولذلك تضاعف فيه السيئات ومعناه: تغليظ عقوبتها: لأن الإنسان يعمل ذنبا واحدا فيكتب عليه عشرة ذنوب، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ﴾

стр. 345

﴿بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ (١)، فقد غلظت الدية على من قتل في الحرم أو في الأشهر الحرم، أو قتل ذي رحم (٢) محرم، لحرمة هذه الأشياء وعظم محلها. فالتعدد في المعنى من حيث إنه انتهك حرمة بيوت الله، وقد قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ ﴿(٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). وقد ارتكب المعصية فيها فهذا معنى التضعيف (٤). شد الرحال إليه (٥) عن أبي سعيد الخدري (٦)، ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (٧). كراهية استقبال الصخرة ببول أو غائط روى أبو داود (٨)، ﵀، في سننه: أن رسول الله، ﷺ ، نهى أن تستقبل القبلتان ببول أو غائط. وعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ : «لا تستقبلوا واحدة من القبلتين ببول أو غائط» (٩). وروي تحريم ذلك عن الشعبي. فضل الإهلال بالحج والعمرة من بيت المقدس عن أم سلمة زوج النبي، ﷺ ، أنها سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «من أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله له ما تقدم من ذنبه

стр. 346

وما تأخر ووجبت له الجنة» (١). وقد أحرم منه عمر بن الخطاب، ﵁، ثم قال: لوددت أني ما جئت بيت المقدس (٢)، كذلك أهل ابن عمر من بيت المقدس بعمرة (٣). الماء تخرج والرياح (٤) من تحت صخرة بيت المقدس وروي عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «المياه العذبة والرياح اللواقح تخرج (٥) من تحت صخرة بيت المقدس (٦)، وعن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله، ﷺ : «الأنهار الأربعة (٧): سيحان وجيحان والنيل والفرات، فأما سيحان فنهر بلخ (٨)، وأما جيحان فدجلة، وأما النيل، فنيل مصر، وأما الفرات، ففرات الكوفة (٩). وكل ماء يشربه (١٠) ابن آدم فهو من هذه الأربعة، وتخرج من تحت الصخرة» (١١) (١٢). وقد نقل في فضل ماء بيت المقدس وما فيه من المنفعة وأن من أراد أن يشرب ماء في جوف الليل: فليقل يا ماء ماء بيت المقدس يقرئك السلام، ثم يشرب فإنه أمان بإذن الله، . بيت المقدس أرض المحشر والمنشر عن أبي ذر (١٣) قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة في مسجدك أفضل من الصلاة في بيت المقدس؟ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه،

стр. 347

ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر (١). وعن كعب قال: إن الكعبة بميزان البيت المعمور في السماء السابعة الذي تحجه ملائكة الله تعالى، لو وقعت (٢) منه أحجار وقعت على أحجار البيت الحرام (٣)، وأن الجنة في السماء السابعة بميزان بيت المقدس لو وقع منها حجر لوقع على الصخرة الشريفة، ولذلك دعيت أورشلم، ودعيت الجنة دار السلام (٤). وقال مقاتل بن سليمان عن بيت المقدس: ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى عليه نبي مرسل، أو قام عليه ملك مقرب. وقال وهب بن منبه: أهل بيت المقدس جيران الله، وحق على الله أن لا يعذب جيرانه. وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إن الحرم المحرم في السماوات السبع بمقداره في الأرض، وإن بيت المقدس لمقدس (٥) في السماوات السبع بمقداره في الأرض (٦). توكل (٧) الملائكة بالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «ثلاثة أملاك: ملك موكل بالكعبة، وملك موكل بمسجدي، وملك موكل بالمسجد الأقصى. فأما الموكل بالكعبة فينادي في كل يوم (٨): من ترك فرائض الله خرج من أمان الله، وأما الموكل بمسجدي هذا فينادي في كل يوم: من ترك سنة رسول الله، ﷺ ، لا يرد حوضه (٩) ولا تدركه شفاعة محمد، ﷺ ، وأما الموكل بالمسجد الأقصى فينادي في كل يوم: من كانت طعمته حراما كان عمله مضروبا به وجهه» (١٠).

стр. 348

فضل إسراج بيت المقدس الشريف عند العجز عن الوصول إليه (١) فإنه يقوم مقام الصلاة فيه وفضل عمارته روي عن ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله، ﷺ ، أنها قالت: يا رسول الله افتنا في بيت المقدس، فقال: «أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه، فإن كل صلاة فيه كألف صلاة». قلنا: يا رسول الله فمن لم يستطع أن يصلي إليه؟ قال: «فمن لم يستطع أن يأتيه فليهد إليه زيتا يسرج في قناديله، فإن من أهدى إليه زيتا كان كمن أتاه» (٢). وقال ﷺ : «من أسرج في بيت المقدس سراجا لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام ضوءه في المسجد» (٣)، وفي نبوة يحيى، ﵇، من بنى في بيت المقدس بناء، أو أثر فيه أثرا حسنا، أو عمر فيه شيئا، زاد الله في عمره خمس عشرة سنة، وزاد له من المال والولد، وإن كان ملكا ملكه الله إياها - يعني الأرض -. صفة الدجال قاتله الله (٤) - الدجال لا يدخل بيت المقدس - روى عن الضحاك أنه قال: الدجال ليس له لحية وافر الشارب طول وجهه ذراعان وقامته في السماء ثمانون ذراعا وعرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعا، ثيابه وخفاه وسرجه ولجامه بالذهب والجواهر، على رأسه تاج مرصع بالذهب والجوهر في يده طبرزن (٥) (٦) هيئته هيئة المجوس ترسه فارسية وكلامه الفارسية، تطوى له الأرض ولأصحابه طيا طيا، يطأ مجامعها، ويرد مناهلها إلا المساجد الأربعة، مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد الطور. وعن عبد الله بن مسعود قال: يدخل الدجال (٧) الأرض كلها إلا أربعة مساجد وأربع قرى مكة والمدينة وبيت المقدس وطور سيناء (٨)، وروي نحوه عن عبد الله بن

стр. 349

عمرو بن العاص (١)، وروى ثور (٢) عن خالد بن معدان (٣) (٤) أنه قال: عصمة المؤمنين من مسيح الدجال (٥) ببيت المقدس. وعن ربيعة بن يزيد (٦) قال رسول الله، ﷺ : «لا تزالون تقاتلون الكفار حتى تقاتل بقيتكم جنود (٧) الدجال ببطن الأردن بينكم النهر أنتم غربيه وهم شرقيه»، قال ربيعة: فقال المحدث من أصحاب رسول الله، ﷺ : فمات سمعت بنهر الأردن إلا من رسول الله، ﷺ . وروي أن نبي الله عيسى، ﵇، يأخذ من حجارة بيت المقدس ثلاثة أحجار: الأول: منها يقول: باسم إله إبراهيم، والثاني (٨): باسم إله إسحاق، والثالث: باسم إله يعقوب، ثم يخرج بمن تبعه من المسلمين إلى الدجال، فإذا رآه انهزم عنه، فيدركه عند باب لد (٩)، فيرميه بأول حجر، فيصيبه (١٠) بين عينيه، ثم الثاني، ثم الثالث، فيقع فيضربه سيدنا عيسى فيقتله ويقتل اليهود حتى أن الحجر والشجر ليقولان يا مؤمن هذا (١١) تحتي يهودي فأته فاقتله (١٢). قال ﷺ : «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم إماما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير» (١٣).

стр. 350

فضل الأذان فيه (١) روى جابر (٢)، ﵁، أن رجلا قال: يا رسول الله أي الخلق أول دخولا إلى الجنة؟ قال: «الأنبياء»، قال: ثم من؟ قال: «الشهداء»، قال: ثم من؟ قال: «مؤذنو بيت المقدس»، قال: ثم من؟ قال: «مؤذنو المسجد الحرام»، قال: ثم من؟ قال: «مؤذنو (٣) مسجدي»، قال: ثم من؟ قال: «سائر المؤذنين» (٤). وعن العلاء بن هارون قال: بلغني أن الشهداء يسمعون آذان مؤذني بيت المقدس لصلاة الغداة يوم الجمعة، وعن كعب قال: لم يستشهد عبد قط في بر ولا بحر إلا وهو يسمع آذان مؤذني بيت المقدس، وأنه يسمع آذان مؤذني بيت المقدس من السماء. فضل الصدقة فيه (٥) روي عن الحسن البصري (٦)، ﵁ (٧)، أنه قال: من تصدق في بيت المقدس بدرهم كان له براءة من النار، من (٨) تصدق برغيف كان كمن تصدق بجبال الأرض ذهبا (٩). فضل الصيام فيه والاستغفار روي عن كعب (١٠) أنه قال: من صام يوما ببيت المقدس أعطاه الله براءة من النار، ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات كتب الله (١١)

стр. 351

له مثل جميع حسنات المؤمنين والمؤمنات ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه في كل يوم وليلة سبعون مغفرة (١). فضل الدفن فيه (٢) قد سأل موسى، ﵇، ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، وتقدم ذكر ذلك عند ذكره، ﵇، وعن كعب أن ببيت المقدس ألف قبر من قبور الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام (٣). وعن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «من مات في بيت (٤) المقدس فكأنما مات في السماء» (٥). فضل الصخرة روي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة (٦)، وعن عبادة بن الصامت (٧)، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران تنظمان (٨) سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة» (٩)، وعن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «سيدة البقاع (١٠) بيت المقدس وسيد الصخور صخرة بيت المقدس» (١١)، وعن أم عبد الله ابنة خالد بن معدان (١٢) عن أبيها: لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة، فيتعلق بها جميع من حجها واعتمرها فإذا رأتها

стр. 352

الصخرة قالت: مرحبا بالزائرة والمزورة (١). وروي أن الله، ، يجعل الصخرة يوم القيامة مرجانة بيضاء ثم يبسطها عرض السماء والأرض. فضل الصلاة عن يمين الصخرة عن أبي هريرة، ﵁، عن أبي سعيد (٢) قال: قال رسول الله، ﷺ : «صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس عن يمين الصخرة» (٣). قال المشرف: ولم يختلف اثنان أنه عرج به من عند القبة التي يقال لها قبة المعراج (٤). البلاطة السوداء وهي التي من داخل الباب الشمالي (٥) من أبواب الصخرة، ويعرف هذا الباب بباب الجنة، يحكي أنه رؤي الخضر، ﵇، يصلي هناك، والله أعلم. ويقال: إن قبر سليمان، ﵇، بهذا الباب، وتقدم عند ذكر وفاته ما قيل أن قبره بالبيت المقدس (٦) عند الجيسمانية وأنه هو وأبوه داود في قبر واحد. اليمين عند الصخرة وحكى عن عمر بن عبد العزيز، ﵁، أنه أمر أن يحمل عمال سليمان بن عبد الملك يستحلفون عند الصخرة فحلفوا إلا رجلا واحدا فدى يمينه بألف دينار، يقال له: أهيب بن جندب (٧) فما حال عليهم الحول حتى ماتوا (٨)، والله أعلم. فضل الصخرة ليلة الرجفة روى أبو عمير عن جندب عن رستم الفارسي قال: أتت الرجفة فقيل لي: قم فأذن، فاستهنت بذلك، فأبيت، ثم أتت الثانية فقيل لي: قم فأذن، فاستهنت بذلك، ثم أتت الثالثة فانتهزت انتهازة شديدة وقيل لي: قم فأذن، فأتيت المسجد، فإذا

стр. 353

الدور قد تهدمت. قال: فخرج إليّ بعض حرس (١) الصخرة فقال لي: اذهب فأتني بخبر أهلي وتعال حتى أخبرك بالعجب قال: فأتيت منزله فإذا هو قد تهدم (٢)، فرجعت فأعلمته، فقال: لما كان من الأمر ما كان أتي إليها، فحملت حتى نظرنا إلى السماء والنجوم، ثم أعيدت فسمعناهم يقولون: ساووها عدلوها. حتى أعيدت على حالها (٣). ورواه عبيد الله بن محمد القرماني عن ضمرة عن رستم بنحوه وفيه: أن الذي خرج إليه رجل من حرس (٤) الصخرة الشريفة وكان على كل باب عشرة، وفيه: لما أخبره عن أهله قال: لم نعلم في أول الليل إلا وقد قلعت القبة من موضعها حتى بدت لنا الكواكب، فلما كان قبل مجيئك سمعنا حفيفا وجلبة (٥)، ثم سمعنا قائلا يقول: ساووها عدلوها ثلاث مرات، فأعيدت على حالها (٦). ورواه (٧) الوليد بن حماد عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن أبا عثمان الأنصاري (٨) كان يحيي الليل بعد انصرافه من القيام في شهر رمضان على البلاطة السوداء، قال: فبينما هو قائم في الصلاة حتى سمع صوت الهدة في المدينة وصراخ الناس واستغاثتهم. وكانت ليلة باردة مظلمة كثيرة الرياح والأمطار، قال فسمعت قائلا يقول - اسمع الصوت ولا أرى الشخص -: ارفعوها رويدا بسم الله. فقلعت القبة قلعا حتى تبدى لنا بياض السماء والنجوم، فأصاب وجهه من رش المطر حتى أذن رستم الفارسي، فسمع قائلا يقول: ردوها رويدا بسم الله ساووها عدلوها، فردت القبة على حالة (٩) ما كانت عليه، وكان هذا في الرجفة الأولى وكانت هذه الرجفة في شهر رمضان سنة ثلاثين ومائة (١٠)، والله أعلم.

стр. 354

نبذة مما ذكر من فضائل بيت المقدس (١) قد تقدم ما رواه أبو هريرة، ﵁، عن رسول الله، ﷺ ، قال: «أربع من مدائن الجنة مكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس» (٢). وروى المشرف بسنده عن عمران بن الحصين (٣) قال: قلت: يا رسول الله ما أحسن المدينة، قال: «لو رأيت بيت المقدس»، قال: قلت: أهي أحسن منها؟ فقال: كيف لا تكون أحسن منها وكل من فيها يزار ولا يزور وتهدى إليها (٤) الأرواح ولا يهدي روح بيت المقدس لغيرها، إلا أن الله أكرم المدينة الشريفة وطيبها بي فأنا فيها حي (٥)، وأنا فيها ميت، ولولا ذلك ما هاجرت من مكة فإني ما رأيت القمر في بلاد إلا وهو بمكة أحسن (٦). وروى أن موسى، ﵇، نظر وهو ببيت المقدس إلى نور رب العزة ينزل ويصعد إلى بيت المقدس (٧). وعن كعب قال: باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة تنزل منه الرحمة (٨) على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة، والطل الذي ينزل على بيت القدس شفاء من كل داء لأنه من الجنة. وعن مقاتل بن سليمان: كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك من السماء إلى مسجد بيت المقدس يهللون الله ويسبحون الله ويقدسون الله ويحمدون الله لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة (٩). وعن ابن عباس، ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : «من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس» (١٠). وقال كعب (١١): إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين. وقال أنس بن مالك، ﵁: إن الجنة (١٢) لتحن شوقا إلى بيت المقدس وبيت المقدس من جنة

стр. 355

الفردوس والفردوس بالسريانية: البستان، وقيل: الكرم. وعن خالد بن معدان: إن حذو بيت المقدس باب من السماء (١) يهبط منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن يجدونه يصلي فيه. وقال عبد الله بن عمر، ﵄: بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه نبي أو قام عليه ملك. وقال مقاتل: إن الله تعالى تكفل لمن سكن بيت المقدس بالرزق إن فاته المال، ومن مات مقيما محتسبا في بيت المقدس، فكأنما مات في السماء، ومن مات حول بيت المقدس فكأنما مات في بيت المقدس، وأول أرض بارك الله فيها بيت المقدس والأرض المقدسة التي ذكرها الله تعالى في القرآن فقال: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ (٧١) (٢) هي أرض بيت المقدس. وكلم الله موسى في أرض بيت المقدس. وتاب الله على داود وسليمان، ﵉، في أرض بيت المقدس. ورد الله على سليمان ملكه في بيت المقدس. وبشر الله زكريا بيحيى في بيت المقدس. وسخر الله لداود الجبال والطير ببيت المقدس، وكان (٣) الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يقربون القرابين ببيت (٤) المقدس، وتتغلب يأجوج ومأجوج (٥) على الأرض كلها غير بيت المقدس. ويهلكهم الله في أرض بيت المقدس، وينظر الله في كل يوم بخير إلى بيت المقدس. وأوصى، آدم، ﵇، لما ماتا بأرض الهند أن يدفنا في بيت المقدس. وأوتيت مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء في بيت المقدس. وولد عيسى (٦) وتكلم في المهد في بيت المقدس، وأنزلت عليه المائدة في أرض بيت المقدس، ورفعه الله إلى السماء من بيت المقدس، وينزل من السماء إلى الأرض ببيت المقدس. وماتت مريم، ﵍، ببيت المقدس. وهاجر إبراهيم، ﵇، من كوثا (٧) (٨) إلى بيت المقدس. وصلى النبي، ﷺ ، زمانا إلى بيت المقدس، وأسري به إلى بيت المقدس.
следующие страницы →