← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

له مثل جميع حسنات المؤمنين والمؤمنات ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه في كل يوم وليلة سبعون مغفرة (١). فضل الدفن فيه (٢) قد سأل موسى، ﵇، ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، وتقدم ذكر ذلك عند ذكره، ﵇، وعن كعب أن ببيت المقدس ألف قبر من قبور الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام (٣). وعن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «من مات في بيت (٤) المقدس فكأنما مات في السماء» (٥). فضل الصخرة روي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة (٦)، وعن عبادة بن الصامت (٧)، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران تنظمان (٨) سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة» (٩)، وعن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «سيدة البقاع (١٠) بيت المقدس وسيد الصخور صخرة بيت المقدس» (١١)، وعن أم عبد الله ابنة خالد بن معدان (١٢) عن أبيها: لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة، فيتعلق بها جميع من حجها واعتمرها فإذا رأتها

стр. 352

الصخرة قالت: مرحبا بالزائرة والمزورة (١). وروي أن الله، ، يجعل الصخرة يوم القيامة مرجانة بيضاء ثم يبسطها عرض السماء والأرض. فضل الصلاة عن يمين الصخرة عن أبي هريرة، ﵁، عن أبي سعيد (٢) قال: قال رسول الله، ﷺ : «صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس عن يمين الصخرة» (٣). قال المشرف: ولم يختلف اثنان أنه عرج به من عند القبة التي يقال لها قبة المعراج (٤). البلاطة السوداء وهي التي من داخل الباب الشمالي (٥) من أبواب الصخرة، ويعرف هذا الباب بباب الجنة، يحكي أنه رؤي الخضر، ﵇، يصلي هناك، والله أعلم. ويقال: إن قبر سليمان، ﵇، بهذا الباب، وتقدم عند ذكر وفاته ما قيل أن قبره بالبيت المقدس (٦) عند الجيسمانية وأنه هو وأبوه داود في قبر واحد. اليمين عند الصخرة وحكى عن عمر بن عبد العزيز، ﵁، أنه أمر أن يحمل عمال سليمان بن عبد الملك يستحلفون عند الصخرة فحلفوا إلا رجلا واحدا فدى يمينه بألف دينار، يقال له: أهيب بن جندب (٧) فما حال عليهم الحول حتى ماتوا (٨)، والله أعلم. فضل الصخرة ليلة الرجفة روى أبو عمير عن جندب عن رستم الفارسي قال: أتت الرجفة فقيل لي: قم فأذن، فاستهنت بذلك، فأبيت، ثم أتت الثانية فقيل لي: قم فأذن، فاستهنت بذلك، ثم أتت الثالثة فانتهزت انتهازة شديدة وقيل لي: قم فأذن، فأتيت المسجد، فإذا

стр. 353

الدور قد تهدمت. قال: فخرج إليّ بعض حرس (١) الصخرة فقال لي: اذهب فأتني بخبر أهلي وتعال حتى أخبرك بالعجب قال: فأتيت منزله فإذا هو قد تهدم (٢)، فرجعت فأعلمته، فقال: لما كان من الأمر ما كان أتي إليها، فحملت حتى نظرنا إلى السماء والنجوم، ثم أعيدت فسمعناهم يقولون: ساووها عدلوها. حتى أعيدت على حالها (٣). ورواه عبيد الله بن محمد القرماني عن ضمرة عن رستم بنحوه وفيه: أن الذي خرج إليه رجل من حرس (٤) الصخرة الشريفة وكان على كل باب عشرة، وفيه: لما أخبره عن أهله قال: لم نعلم في أول الليل إلا وقد قلعت القبة من موضعها حتى بدت لنا الكواكب، فلما كان قبل مجيئك سمعنا حفيفا وجلبة (٥)، ثم سمعنا قائلا يقول: ساووها عدلوها ثلاث مرات، فأعيدت على حالها (٦). ورواه (٧) الوليد بن حماد عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن أبا عثمان الأنصاري (٨) كان يحيي الليل بعد انصرافه من القيام في شهر رمضان على البلاطة السوداء، قال: فبينما هو قائم في الصلاة حتى سمع صوت الهدة في المدينة وصراخ الناس واستغاثتهم. وكانت ليلة باردة مظلمة كثيرة الرياح والأمطار، قال فسمعت قائلا يقول - اسمع الصوت ولا أرى الشخص -: ارفعوها رويدا بسم الله. فقلعت القبة قلعا حتى تبدى لنا بياض السماء والنجوم، فأصاب وجهه من رش المطر حتى أذن رستم الفارسي، فسمع قائلا يقول: ردوها رويدا بسم الله ساووها عدلوها، فردت القبة على حالة (٩) ما كانت عليه، وكان هذا في الرجفة الأولى وكانت هذه الرجفة في شهر رمضان سنة ثلاثين ومائة (١٠)، والله أعلم.

стр. 354

نبذة مما ذكر من فضائل بيت المقدس (١) قد تقدم ما رواه أبو هريرة، ﵁، عن رسول الله، ﷺ ، قال: «أربع من مدائن الجنة مكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس» (٢). وروى المشرف بسنده عن عمران بن الحصين (٣) قال: قلت: يا رسول الله ما أحسن المدينة، قال: «لو رأيت بيت المقدس»، قال: قلت: أهي أحسن منها؟ فقال: كيف لا تكون أحسن منها وكل من فيها يزار ولا يزور وتهدى إليها (٤) الأرواح ولا يهدي روح بيت المقدس لغيرها، إلا أن الله أكرم المدينة الشريفة وطيبها بي فأنا فيها حي (٥)، وأنا فيها ميت، ولولا ذلك ما هاجرت من مكة فإني ما رأيت القمر في بلاد إلا وهو بمكة أحسن (٦). وروى أن موسى، ﵇، نظر وهو ببيت المقدس إلى نور رب العزة ينزل ويصعد إلى بيت المقدس (٧). وعن كعب قال: باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة تنزل منه الرحمة (٨) على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة، والطل الذي ينزل على بيت القدس شفاء من كل داء لأنه من الجنة. وعن مقاتل بن سليمان: كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك من السماء إلى مسجد بيت المقدس يهللون الله ويسبحون الله ويقدسون الله ويحمدون الله لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة (٩). وعن ابن عباس، ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : «من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس» (١٠). وقال كعب (١١): إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين. وقال أنس بن مالك، ﵁: إن الجنة (١٢) لتحن شوقا إلى بيت المقدس وبيت المقدس من جنة

стр. 355

الفردوس والفردوس بالسريانية: البستان، وقيل: الكرم. وعن خالد بن معدان: إن حذو بيت المقدس باب من السماء (١) يهبط منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن يجدونه يصلي فيه. وقال عبد الله بن عمر، ﵄: بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه نبي أو قام عليه ملك. وقال مقاتل: إن الله تعالى تكفل لمن سكن بيت المقدس بالرزق إن فاته المال، ومن مات مقيما محتسبا في بيت المقدس، فكأنما مات في السماء، ومن مات حول بيت المقدس فكأنما مات في بيت المقدس، وأول أرض بارك الله فيها بيت المقدس والأرض المقدسة التي ذكرها الله تعالى في القرآن فقال: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ (٧١) (٢) هي أرض بيت المقدس. وكلم الله موسى في أرض بيت المقدس. وتاب الله على داود وسليمان، ﵉، في أرض بيت المقدس. ورد الله على سليمان ملكه في بيت المقدس. وبشر الله زكريا بيحيى في بيت المقدس. وسخر الله لداود الجبال والطير ببيت المقدس، وكان (٣) الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يقربون القرابين ببيت (٤) المقدس، وتتغلب يأجوج ومأجوج (٥) على الأرض كلها غير بيت المقدس. ويهلكهم الله في أرض بيت المقدس، وينظر الله في كل يوم بخير إلى بيت المقدس. وأوصى، آدم، ﵇، لما ماتا بأرض الهند أن يدفنا في بيت المقدس. وأوتيت مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء في بيت المقدس. وولد عيسى (٦) وتكلم في المهد في بيت المقدس، وأنزلت عليه المائدة في أرض بيت المقدس، ورفعه الله إلى السماء من بيت المقدس، وينزل من السماء إلى الأرض ببيت المقدس. وماتت مريم، ﵍، ببيت المقدس. وهاجر إبراهيم، ﵇، من كوثا (٧) (٨) إلى بيت المقدس. وصلى النبي، ﷺ ، زمانا إلى بيت المقدس، وأسري به إلى بيت المقدس.

стр. 356

وتكون الهجرة في آخر الزمان إلى بيت المقدس. والمحشر والمنشر إلى بيت المقدس والحساب يوم القيامة ببيت المقدس (١)، وينصب الصراط على جهنم إلى الجنة ببيت المقدس. وينفخ إسرافيل في الصور ببيت المقدس. والحوت الذي الأرضون على ظهره رأسه في مطلع الشمس وذنبه في المغرب (٢) ووسطه تحت بيت المقدس (٣)، ومن صلى في بيت المقدس فكأنما صلى في السماء الدنيا (٤)، وتخرب الأرض كلها وتعمر ببيت المقدس. ومن صبر ببيت المقدس (٥) سنة على بلائها وشدتها جاءه الله برزقه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن تحته ومن فوقه يأكل رغدا ويدخل الجنة إن شاء الله تعالى. وأول بقعة بنيت من الأرض كلها موضع صخرة بيت المقدس، وتظهر عين موسى، ﵇ (٦)، في آخر الزمان في بيت المقدس. وقال النبي، ﷺ : «إن خيار أمتي من هاجر هجرة إلى بيت المقدس ومن صلى ببيت المقدس بعد أن يتوضأ (٧) ويسبغ الوضوء ركعتين أو أربعا غفر له ما كان قبل ذلك» (٨). وقال ﷺ ، لأبي عبيدة بن الجراح، ﵁: «النجاء النجاء إلى بيت المقدس إذا ظهرت الفتن، قال: يا رسول الله فإن لم أدرك بيت المقدس، قال: فأبذل وأحرز دينك، وفي لفظ آخر: فابذل مالك وأحرز دينك» (٩). وقال علي، ﵁، لصعصعة: نعم المسكن عند ظهور الفتن بيت المقدس القائم فيها كالمجاهد في سبيل الله وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم: يا ليتني تبنة في لبنة من لبنات (١٠) بيت المقدس وأحب الشام إلى الله تعالى بيت المقدس، وأحب جبالها إليه الصخرة، وهي آخر الأرض (١١) خرابا بأربعين عاما،

стр. 357

قال: وهي روضة من رياض الجنة (١). وروي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني (٢) أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يضرب على بيت المقدس سبعة أحياط: حائط من فضة وحائط من ذهب وحائط من لؤلؤ وحائط من ياقوت وحائط من زمرد وحائط من نور وحائط من غمام. وأما ما يقال إن بيت المقدس طشت من ذهب مملوء عقارب وأنه كأجمة الأسد فداخله إما أن يسلم وإما أن يدركه العطب. فقد حمل ذلك على زمان بني إسرائيل الذين كانوا يعملون فيه بمعاصي الله تعالى، فإن اللفظ المذكور قيل: إنه مكتوب في التوراة. قال بعض العلماء: وظاهر الخطاب يدل على أنهم - يعني العقارب - كانوا موجودين في ذلك الوقت ولو أراد قوما من هذه الأمة قال: املؤها عقارب متى يكون للمستقبل، والله أعلم. وأما اليوم فالحمد لله فإنما به وبأفنائه (٣) الطائفة المنصورة - كما تقدم (٤) -. وعن ابن عمرو الشيباني قال: ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجد الحرام ومسجد (٥) بيت المقدس الشريف، وقد أجمعت الطوائف كلها على تعظيم بيت المقدس ما عدا السامرة فإنهم يقولون: إن القدس جبل نابلس (٦) وخالفوا جميع الأمم في ذلك. وقد كان بنو إسرائيل إذا نزل بهم خوف من عدو أو أجدبوا صوروا القدس وجعلوه هيكلا وصوروا أبوابه ومحاربيه واستقبلوا به العدو، فيهزمه الله تعالى، وكذلك في الجدب إذا سوروه واستقبلوا به فلا تزال السماء تمطرهم (٧) حتى يرفعوا الهيكل وكانوا يفعلون ذلك في كل أمر يدهمهم، والله (٨) أعلم.

стр. 358

ذكر ما يستحب أن يدعى به عند دخول المسجد الشريف والصخرة الشريفة وآداب دخولها ومن أين يدخل يستحب (١) لمن أراد دخول المسجد الأقصى أن يبدأ برجله اليمنى ويؤخر اليسرى ويقول: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج صلى على النبي، ﷺ ، وقال: اللهم اغفرلي ذنبي (٢)، وافتح لي أبواب فضلك. ويستحب لمن أراد دخول الصخرة (٣) أن يجعلها عن يمينه حتى يكون بخلاف الطواف حول البيت الحرام ويقدم النية ويعقد التوبة بالإخلاص مع الله تعالى. وإن أحب أن ينزل تحت الصخرة (٤) في المغارة فليفعل. فإذا نزل يكون بأدب وخشوع ويصلي ما بدا له ويدعو بدعاء سليمان، ﵇، الذي دعا به لما فرغ من بنائه وقرب القربان وهو قوله: «اللهم من أتاه من ذي ذنب فاغفر ذنبه أوذي ضر (٥) فاكشف ضره، ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ويجتهد في الدعاء تحت الصخرة، فإن الدعاء في ذلك الموضع مقطوع له بالإجابة (٦)، إن شاء الله تعالى». وحكى جماعة من العلماء: أن الأدعية التي يدعى بها ليس فيها خصوصية بهذا الموضع فإن الإنسان مأمور بالدعاء موعود عليه بالإجابة لقوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ (٨) والمراد من الأدعية: ما وردت به السنة الشريفة النبوية. فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك، ﵁، عن النبي، ﷺ ، أنه قال لأبي عياش (٩) زيد بن الصامت الزرقي حين رآه يصلي ويقول: اللهم إني أسألك يا ذا الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، فقال

стр. 359

رسول الله، ﷺ : «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» (١). ومن ذلك ما رواه عبد الله بن يزيد (٢) عن أبيه: أن رسول الله، ﷺ ، سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال ﷺ : «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» (٣). ومن ذلك ما روي عنه، ﷺ ، أنه كان يدعو به ويقول: إنه لن يدعو به ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح إلا كان من دعائه (٤). اللهم بعلمك الغيب وبقدرك على الخلق أحيني ما علمت أن الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت أن الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع وبرد العيش بعد الموت وأسألك النظر إلى وجهك (٥) والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين (٦). وروى أن إدريس النبي، ﷺ ، كان يدعو بدعوة ويأمر أن لا يعلموها السفهاء فيدعو (٧) بها، فكان يقول: «يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مقترا عليّ في رزقي، فامح اللهم بفضلك (٨) شقاوتي وحرماني وإقتار رزقي وأثبتني عندك (٩) في أم الكتاب سعيدا مرزوقا موفقا إلى الخير مستورا مكفيا مؤنة من يؤذيني إنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل على لسان (١٠) نبيك المرسل: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩) (١١).

стр. 360

وقد رأيت منقولا: أنه يستحب الدعاء بهذا في ليلة النصف من شعبان، وقد ورد في الأحاديث والأخبار (١) غير ذلك، والمراد هنا الاختصار، والله الموفق (٢). ذكر الفتح العمري (٣) الذي يسره الله تعالى على يد أمير المؤمنين وسيدنا عمر بن الخطاب، ﵁، وعمارة المسجد الأقصى الشريف على يده. روى عن عوف بن مالك (٤) قال: قال رسول الله، ﷺ : «اعدد ستا (٥) بين يدي الساعة موتي». قال: فوجمت عندها وجمة قال: «قل إحدى»، قال: «ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يكون فيكم كقعاص (٦) الغنم واستفاضة المال فيكم حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل له سلخطا، ثم تكون فيكم فتنة فلا يبقى بيت من بيوت (٧) العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم (٨) وبين بني الأصفر فيغدرون بكم، ثم يأتونكم في ثمانين راية تحت كل راية (٩) اثنا عشر ألفا» (١٠). قوله: فوجمت وجمة، قال الجوهري (١١): الواجم (١٢) الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام. والموتان - تضم الميم وسكون الواو - وهو الموت الكثير السريع وقوعه ولذلك شبهه النبي، ﷺ ، بقعاص (١٣) الغنم فهو داء يأخذها لا يلبثها أن تموت والقعص (١٤): أن يضرب الإنسان فيموت مكانه سريعا، فقيل: لهذا الدعاء قعاص لسرعة الموت ثم شبه به الموتان.

стр. 361

وعن عوف قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال لي: يا عوف أعدد ستا بين يدي الساعة. موتي ثم فتح بيت المقدس (١). وروي أنه ﷺ ، قال لشداد بن أوس (٢): ألا إن الشام ستفتح وبيت المقدس ستفتح (٣)، إن شاء الله تعالى، وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها، إن شاء الله تعالى (٤). ثم إن الست المذكورة قد وقع بعضها، فموته، ﷺ ، وفتح بيت المقدس قد وجدا، ووقع الطاعون وهم بالجابية (٥). ويقال: إنه طاعون عمواس (٦) الواقع في سنة ثماني عشرة (٧) من الهجرة الشريفة. ثم استفاض المال في خلافة عثمان. قال الوليد بن مسلم (٨): قال سعيد (٩) بن عبد العزيز (١٠): زاد عثمان (١١) للناس عامة الديوان مائة دينار بزيادة دينار في عطائهم، وكانت الفتنة وهي مقتل الحسين (١٢) وما وقع بين الناس بالشام والعراق وخراسان (١٣) من الفرقة والعصبة ولا تزال متتابعة حتى تقع هدنة الروم. ولما توفي رسول الله، ﷺ ، استقر الإمام أبو بكر الصديق، ﵁، بعده في الخلافة واسمه عبد الله، ولقبه عتيق الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن

стр. 362

عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب (١) بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله، ﷺ ، في مرة بن كعب. وهو أول خليفة في الإسلام وكان يدعى خليفة رسول الله، ﷺ ، وله المواقف الرفيعة في الإسلام. ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله وهو استخلافه على المسلمين عمر بن الخطاب، ﵁، فمهد به الإسلام وأعز به الدين، وذلك أنه لما حضر الوفاة شاور الصحابة في ذلك فأشاروا به، ثم دعا أبو بكر عثمان بن عفان، ﵄، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر (٢) بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها. وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني مستخلف عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢٢٧) (٣) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٤)، ثم أمره فختم الكتاب وخرج به إلى الناس فبايعوا عمر ورضوا به. ولما أراد أبو بكر أن يقلد عمر الخلافة قال له عمر: اعفني يا خليفة رسول الله فإني غني عنها، قال: بل هي فقيرة إليك، قال: ليس لي بها حاجة، قال: هي محتاجة إليك. فقلده الخلافة على كره منه، ثم أوصاه بما أوصاه، فلما خرج رفع أبو بكر يديه وقال: اللهم إني لا أريد (٥) بذلك إلا صلاحهم (٦) وخفت عليهم الفتنة فوليت عليهم خيارهم، وقد حضرني من أمرك ما حضرني فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم في يديك (٧) وأصلح لهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبي الرحمة وأصلح له رعيته. ثم توفي (٨) أبو بكر، ﵁، ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان

стр. 363

ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة (١) من الهجرة الشريفة، وله ثلاث وستون سنة، ودفن عند رسول الله، ﷺ ، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال (٢). وبويع عمر، ﵁، بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، ﵁، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين. وأما نسبه: فهو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى. بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح (٣) بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب رسول الله، ﷺ ، القرشي العدوي. وأول خطبة خطبها قال: يا أيها الناس والله ما فيكم أحد أقوى من الضعيف عندي حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه. ثم أول شيء أمر به أن عزل خالد بن الوليد (٤) عن الإمرة وولى أبا عبيدة بن الجراح على الجيش والشام، وأرسل بذلك إليهما فإنهما كانا قبل وفاة أبي بكر، ﵁، في وقعة اليرموك، وفرغا منها وقصدا دمشق. فلما ورد عليهما كتاب عمر بن الخطاب، ﵁، سار أبو عبيدة ونزل دمشق (٥) الشام من جهة باب الجابية (٦)، ونزل خالد من جهة الباب الشرقي (٧)، ونزل عمرو بن العاص من جهة باب توما (٨)، ويزيد بن أبي سفيان من جهة الباب الصغير (٩) إلى باب كيسان (١٠)، وحاصروها قريبا من سبعين ليلة، وفتح خالد ما يليه بالسيف. فخرج أهل دمشق وبذلوا الصلح لأبي عبيدة من الجانب الآخر وفتحوا له الباب فأمنهم ودخل والتقى مع خالد في وسط البلد. وبعث أبو عبيدة بالفتح (١١) إلى عمر، ثم فتح بعد دمشق بيسير حمص بعد

стр. 364

حصار طويل، ثم فتح حماه صلحا، وكذلك المعرة، ثم فتح اللاذقية (١) عنوة، وفتح جبلة (٢) والطرطوس (٣) (٤) ثم فتح حلب (٥) وأنطاكية (٦)، وفتح بلادا أخرى منها: قيسارية (٧) وسبسطية (٨)، ويقال: إن بها قبر يحيى وزكريا، ونابلس ولد ويافا وتلك البلاد جميعها حتى دخلت سنة خمس عشرة (٩) من الهجرة الشريفة. ثم سار أبو عبيدة بن الجراح، ﵁، حتى أتى الأردن (١٠) فعسكر بها، وبعث الرسل إلى أهل إيلياء وكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وبالرسول (١١)، أما بعد: فإنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فإذا (١٢) شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم وكنتم لنا إخوانا، وإن أبيتم (١٣) فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإن أنتم أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبا للموت منكم لشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم، إن شاء الله تعالى أبدا حتى أقتل مقاتليكم وأسبي ذراريكم (١٤). وكتب إلى عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين (١٥)، ﵁: بسم الله

стр. 365

الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فالحمد لله الذي أهلك المشركين ونصر المسلمين، وقد نما ما تولى الله أمرهم وأظهر فلاحهم وأعز دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنا لقينا الروم وهم جموع (١) لم تلق العرب مثلها جموعا، فأتونا وهم يرون لا غالب لهم من الناس أحد، فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا ما قوتل المسلمين مثله في موطن قط، ورزق الله المؤمنين النصر وأنزل عليهم الصبر، فقتلهم الله تعالى في كل قرية وفي كل شعب وواد وجبل وسهل وغنم الله المسلمين عسكرهم، وما كان فيهم من أموالهم ومتاعهم، ثم إني تبعتهم بالمسلمين حتى بلغت أقصى بلاد الشام، وقد بعثت إلى أهل الشام عمالي، وقد بعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا وإلا فليؤدوا الجزية إلينا عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا سرت إليهم حتى أنزل بهم ثم لا أزال (٢) حتى يفتح الله تعالى على المسلمين، إن شاء الله تعالى (٣) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب (٤) عمر إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك فإني أحمد إليك (٥) الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله تعالى للمشركين ونصر (٦) المؤمنين وما صنع الله بأوليائه وأهل طاعته، والحمد لله على حسن صنيعه إلينا وسيتم الله ذلك بشكره، ثم اعلموا إنكم لم تظهروا على عدوكم بعدد ولا قوة ولا عدة ولا حول، ولكن بعون الله ونصره ومنه وفضله، فلله الطول والمن (٧) والفضل العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم (٨). ثم إن أبا عبيدة انتظر أهل إيلياء، فأبوا أن يأتوه وأن يصالحوه، فأقبل سائرا إليهم حتى نزل بهم، فحاصرهم (٩) حصارا شديدا، وضيق عليهم، فخرجوا إليه ذات

стр. 366

يوم فقاتلوا المسلمين ساعة، ثم إن المسلمين شدوا عليهم من كل جانب فقاتلوهم ساعة ثم انهزموا فدخلوا حصنهم، وكان الذي ولي قتالهم يومئذ خالد بن الوليد، ﵁، ويزيد بن أبي سفيان، كل رجل منهم بجانب. فبلغ ذلك سعيد بن زيد وهو على أهل دمشق، فكتب إلى أبي عبيدة (١) بن الجراح: بسم الله الرحمن الرحيم لأبي عبيدة بن الجراح من سعيد بن زيد سلام عليك فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد (٢): فإني لعمري ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يدنيني من مرضاة ربي فإذا (٣) أتاك كتابي هذا فابعث إلى عملك من هو أرغب فيه فليليه ما بدا لك، فإني قادم عليك (٤) وشيكا، إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (٥). فقال أبو عبيدة حين جاء الكتاب ليتركنها خلوفا (٦). ثم دعا يزيد (٧) بن أبي سفيان وقال: اكفني دمشق. فقال له يزيد: أكفيكها، إن شاء الله تعالى، وسار إليها فولاها له. ولما حضر أبو عبيدة أهل إيلياء وأوجب على نفسه أنه غير مقلع عنهم ولم يجدوا لهم طاقة بحربه قالوا: نصالحك، قال: فإني (٨) قابل منكم، قالوا: فأرسل إلى خليفتكم فيكون هو الذي يعطينا هذا العهد ويكتب لنا الأمان. فقبل أبو عبيدة، رضي الله تعالى عنه، وهم أن يكتب ذلك (٩). وكان أبو عبيدة قد بعث معاذ بن جبل على الأردن ولم يكن سار. فقال معاذ لأبي عبيدة: أتكتب لأمير المؤمنين تأمره بالقدوم عليك فلعله يقدم، ثم يأبى هؤلاء الصلح فيكون مجيئه فضلا وعناء فلا تكتب حتى يوثقوا لك (١٠) واستحلفهم بالإيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة إن أنت بعثت إلى أمير المؤمنين، فقدم عليهم وأعطاهم

стр. 367

الأمان على أنفسهم وأموالهم، وكتب لهم بذلك كتابا ليقبلن وليؤذن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام. فبعث بذلك إليهم أبو عبيدة فأجابوا إليه (١) (٢). فلما فعلوا ذلك كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب، ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك، «فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فإنا أقمنا على أهل إيلياء (٣) وظنوا أن لهم في مطاولتهم فرجا فلم يزدهم الله بها إلا ضيقا ونقصا وهزلا (٤) وذلا، فلما رأوا ذلك سألوا أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو الموثق (٥) لهم والكاتب، فخشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيغدر القوم ويرجعوا فيكون مسيرك - أصلحك الله - عناء وفضلا، فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بإيمانهم ليقبلن وليؤدن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة ففعلوا، فإن رأيت أن تقدم فافعل فإن في مسيرك أجرا وصلاحا أتاك الله رشدك ويسر أمرك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعث المسلمون إليه وفدا وبعث الروم (٦) وفدا مع المسلمين حتى أتوا المدينة، فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين. فقال الروم لترجمانهم عمن يسألون. فقال: عن أمير المؤمنين. فاشتد عليهم وقالوا: هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر ليس له مكان مخصوص بهذا (٧) غلب الأمم، فوجدوه وقد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائما فازدادوا تعجبا. فلما قدم الكتاب على عمر، ﵁، دعا برؤساء المسلمين إليه وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة، ﵁، واستشارهم في الذي كتب إليه. فقال له عثمان، ﵁: إن الله تعالى قد أذلهم وحصرهم وضيق عليهم وهم في كل يوم يزدادون نقصا وهزلا (٨) وضعفا ورعبا، فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولشأنهم حاقر غير معظم، فلا يلبثون إلا قليلا حتى ينزلوا على الحكم ويعطوا الجزية. فقال عمر: ماذا ترون (٩)؟ هل عند أحد منكم رأي غير هذا؟

стр. 368

فقال علي بن أبي طالب ﵁: نعم، عندي غير هذا الرأي، قال (١): ما هو؟ فقال: إنهم قد سألوا المنزلة التي فيها لهم الذل والصغار وهو على المسلمين فتح، ولهم فيه عز وهم يعطونكها الآن في العاجل في عافية ليس بينك وبين ذلك إلا أن تقدم عليهم ولك في القدوم عليهم الأجر في كل ظمأ ومخمصة وفي قطع كل واد وفي كل نفقة حتى تقدم عليهم فإذا أنت (٢) قدمت عليهم كان الأمن والعافية والصلاح والفتح، ولست آمن إن أيسوا من قبولك الصلح منهم أن يتمسكوا بحصنهم فيأتيهم عدو لنا أو يأتيهم منهم مدد فيدخل على المسلمين بلاء، ويطول بهم حصار، فيصيب المسلمين من الجهد والجوع نحو ما يصيبهم، ولعل المسلمين يدنون من حصنهم فيرشقونهم بالنشاب أو يقذفونهم بالمناجيق فإن أصاب بعض المسلمين تمنيتم أنكم افتديتم قتل رجل من المسلمين بمشرك إلى منقطع التراب فكان (٣) المسلم لذلك من إخوانه أهلا. فقال عمر، ﵁: قد أحسن عثمان النظر في مكيدة العدو، وقد (٤) أحسن علي بن أبي طالب النظر لأهل السلام، سيروا على اسم الله تعالى، فإني سائر. فخرج فعسكر خارج المدينة، ونودي في الناس بالعسكر (٥) والمسير، فعسكر العباس بن عبد المطلب (٦) بأصحاب النبي، ﷺ ، ووجوه قريش والأنصار والعرب، ﵃، حتى إذا تكامل عنده الناس استخلف على المدينة علي بن أبي طالب (٧)، ﵁، وسار. فكل غداة (٨) إلا وهو يقبل على المسلمين بوجهه ويقول: الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه محمد، ﷺ ، فهدانا (٩) به من الضلالة، وجمعنا به من بعد الشتات، وألف بين قلوبنا، ونصرنا به على الأعداء، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا إخوانا متحابين، فاحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة، واسألوه المزيد منها، والشكر عليها وتمام ما أصبحتم

стр. 369

متقلبين فيه منها، فإن الله تعالى (١) يزيد المزيدين من الراغبين، ويتم نعمته على الشاكرين، وكان لا يدع هذا القول في كل غداة في سفره كله. فلما دنا من الشام عسكر حتى تتام إليه (٢) من تخلف من العسكر، فما هو إلا أن طلعت الشمس فإذا الرايات والرماح والجنود قد أقبلوا على الخيول يستقبلون عمر بن الخطاب، ﵁. قال الراوي: فكان أول مقنب (٣) لقينا من الناس فسألنا (٤) عن المدينة، وأخبرناه بصلاح الناس. فنادوا: هل لكم (٥) بأمير المؤمنين من علم؟ فسكتنا، ومضوا فأقبل مقنب آخر فسلموا، ثم سألوا عن أمير المؤمنين هل لكم به علم، فقال لنا: ألا تخبرون القوم عن صاحبكم؟ فقلنا: هذا أمير المؤمنين، فذهبوا يرجعون يقتحمون (٦) عن خيولهم. فناداهم عمر، ﵁: لا تفعلوا. ورجع الآخرون الذين مضوا فساروا معنا. وأقبل المسلمون يصفون الخيل ويشرعون الرماح في طريق عمر حتى طلع أبو عبيدة في عظيم الناس فإذا هو على قلوص (٧) مكتنفها (٨) بعباءة خطامها من شعر لابس سلاحه متنكب قوسه، فلما نظر إلى عمر (٩) أناخ قلوصه (١٠)، وأناخ عمر بعيره، فنزل أبو عبيدة، وأقبل إلى عمر، وأقبل عمر إلى أبي عبيدة، فلما دنا (١١) من أبي عبيدة مد أبو عبيدة يده إلى عمر ليصافحه، فمد عمر يده، فأخذها أبو عبيدة وأهوى ليقبلها يريد أن يعظمه في العامة، فأهوى عمر إلى رجل أبي عبيدة ليقبلها، فقال أبو عبيدة: مه يا أمير المؤمنين، وتنحى. فقال عمر: مه يا أبا عبيدة فتعانق الشيخان، ثم ركبا يتسامران (١٢)، وسار الناس أمامهما.

стр. 370

وحكي أنهم تلقوا عمر ببرذون وثياب بيض وكلموه أن يركب البرذون ليراه العدو فهو أهيب له عندهم وأن يلبس الثياب البيض ويطرح الفروة عنه، فأبى، ثم ألحوا عليه فركب البرذون بفروة (١) وثيابه، فهملج (٢) به البرذون وخطام راحلته بعد في يده، فنزل، وركب راحلته (٣)، وقال: لقد غيرني هذا حتى خفت أن أتكبر وأنكر نفسي، فعليكم يا معشر المسلمين بالصدق (٤) وإنما أعزكم الله، ، به. وروي عن طارق بن شهاب (٥) قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع جرموقيه (٦) فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره. فقال أبو عبيدة له (٧): لقد صنعت اليوم صنعا عظيما عند أهل الأرض، فصكه عمر في صدره وقال له: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام، ومهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله تعالى (٨). وروي أنه لما قدم عمر من المدينة ناهضوهم القتال بعد قدومه، فظهر المسلمون على أماكن لم يكونوا ظهروا عليها قبل ذلك (٩). وظهروا يومئذ على كرم كان في أيديهم لرجل من النصارى له ذمة مع المسلمين في كرمه عنب فجعلوا يأكلونه. فأتى الذمي عمر بن الخطاب، ﵁، فقال له: يا أمير المؤمنين كرمي كان في أيديهم فلم يستبيحوه، ولم يتعرضوا له (١٠)، وأنا رجل لي ذمة مع المسلمين، فلما ظهر عليه المسلمون وقعوا فيه فدعا عمر، ﵁، ببرذون له فركبه عريانا من العجلة، ثم خرج يركض في أعراض المسلمين فكان أول من لقيه أبو هريرة يحمل فوق رأسه عنبا فقال له: وأنت أيضا يا أبا هريرة، فقال له: يا أمير

стр. 371

المؤمنين أصابتنا مخمصة (١) شديدة فكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا من ورائه (٢). فتركه عمر، ثم أتى إلى الكرم فنظر فإذا الناس قد أسرعوا فيه، فدعا عمر، ﵁، الذمي فقال له: كم كنت ترجو من غلة كرمك هذا؟ فقال له: شيئا، قال: فخل سبيله، ثم أخرج عمر، ﵁، الذي قال له الذمي (٣) فأعطاه إيه ثم أباحه للمسلمين (٤). وعن سيف (٥) عن أبي حازم وأبي عثمان عن خالد وعبادة قالا: صالح عمر بن الخطاب، ﵁، أهل إيلياء بالجابية، وكتب لهم فيه الصلح لكل كورة كتابا واحدا ما خلا أهل إيلياء: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى (٦) عبد الله أمير المؤمنين عمر أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبانهم، ومقيمها وبريها وسائر أمتها إنها لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص (٧) منها ولا من حدها، ولا من صليبهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعلى أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم (٨) فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم. ومن كان فيها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أرضه فإنه لا يؤخذ منه شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله (٩)، ﷺ ،

стр. 372

وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذين عليهم من الجزية. شهد (١) على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان (٢). وعن عبد الرحمن بن غنم (٣)، قال: كتب لعمر بن الخطاب، ﵁، حين صالح نصارى أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا، وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث على مدائننا (٤) ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نحيي منها ما كان في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا (٥) أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نؤوي (٦) في منازلنا، ولا كنائسنا جاسوسا، ولا نكتم غشا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا، ولا ندعو إليه أحدا، ولا نمنع أحد من ذوي (٧) قرابتنا الدخول في الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد زنانير على أوساطنا، ولا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين، ولا في أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران (٨) معهم في شيء من طرق المسلمين، ولا

стр. 373

أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرت به (١) عليه سهام المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم. قال: فلما أتيت عمر، ﵁، بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب (٢) أحدا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا، وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا شيئا مما شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق (٣). رواه الإمام البيهقي (٤) وغيره وقد اعتمد أئمة الإسلام هذه الشروط وعمل بها الخلفاء الراشدون. وروي أن عمر، ﵁، أمر في أهل الذمة أن تجز نواصيهم وأن يركبوا على الأكف عرضا ولا يركبوا كما يركب المسلمون، وأن يوثقوا المناطق أي الزنانير. ولما قدم عمر بن الخطاب، ﵁، ببيت المقدس نزل على الجبل الشرقي وهو طور زيتا، وأتى رسول - بطريقها إليه - بالترحيب، وقال: إنا سنعطي بحضورك (٥) ما لم نكن نعطيه لأحد دونك. وسأله أن يقبل منه الصلح والجزية، وأن يعطيه (٦) الأمان على دمائهم وأموالهم وكنائسهم، فأنعم له عمر بذلك. فسأله الرسول الأمان لصاحبه ليتولى مصالحته ومكاتبته فأنعم وخرج إليه بطريقها في جماعة فصالحهم وأشهد على ذلك (٧). والبطريق هو الأمير وأما البطرك فهو الكاهن وكان اسم البطرك يوم ذاك (٨) صفرونيوس. وكان قد أخبر النصارى أن الله يفتح البيت المقدس على يد عمر بغير (٩) قتال. فلما فرغ عمر من كتاب الصلح بينه وبين أهل القدس (١٠) قال لبطريقها: دلني

стр. 374

على مسجد داود. قال: نعم، وخرج عمر مقلدا بسيفه في أربعة آلاف من الصحابة الذين قدموا معه متقلدين بسيوفهم وطائفة ممن كان عليهم ليس عليهم (١) من السلاح إلا السيوف والبطريق بين يدي عمر في أصحابه حتى دخلوا بيت المقدس فأدخلهم الكنيسة التي يقال لها: القمامة، وقال: هذا مسجد داود. فنظر عمر وتأمل فقال له: كذبت ولقد وصف لي رسول الله، ﷺ ، مسجد داود بصفة ما هي هذه. فمضى به إلى كنيسة يقال لها صهيون، وقال له: هذا مسجد داود، فقال له: كذبت، فمضى به إلى مسجد بيت المقدس حتى انتهى به إلى بابه (٢) الذي يقال له باب محمد، ﷺ ، وقد انحدر ما في المسجد من الزبالة على درج الباب حتى خرج إلى الزقاق الذي فيه الباب وكثر على الدرج حتى كاد أن يلصق بسقف الرواق فقال له: لا نقدر أن ندخل إلا حبوا، فقال عمر: ولو حبوا، فحبا بين يدي عمر وحبا عمر ومن معه خلفه حتى ظهروا إلى صحنه واستووا فيه قياما، فنظر عمر وتأمل مليا، ونظر يمينا وشمالا، ثم قال: الله أكبر هذا والذي نفسي بيده مسجد داود، ﵇، الذي أخبرنا رسول الله، ﷺ ، أنه أسري به إليه (٣). ووجد على الصخرة زبلا كثيرا مما طرحته الروم غيظا لبني إسرائيل، فبسط عمر رداءه، وجعل يكنس ذلك الزبل، وجعل المسلمون يكنسون معه الزبل (٤)، ومضى نحو محراب داود وهو الذي على باب البلد في القلعة فصلى فيه، ثم قرأ سورة (ص) وسجد. وروى أنه لما جلا المزبلة عن الصخرة قال: لا تصلوا فيها حتى يصيبها ثلاث مطرات. وروي أنه لما فتح عمر، ﵁، بيت المقدس قال لكعب: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: أذرع من الحائط الذي يلي واد جهنم كذا وكذا ذراعا، ثم احفر فإنك تجدها. وكانت يومئذ مزبلة فحفروا فظهرت لهم (٥)، فقال عمر لكعب: أين ترى أن نجعل المسجد - أو قال: القبلة؟ - فقال: أجعله خلف الصخرة فتجتمع القبلتان قبلة موسى وقبلة محمد، ﷺ ، فقال له: ضاهيت (٦) اليهودية يا أبا إسحاق، خير المساجد مقدمها فبناها في مقدم المسجد (٧).

стр. 375

وفي رواية (١): أن عمر قال لكعب: أين ترى نجعل المصلى؟ قال: إلى الصخرة، فقال: ضاهيت والله يا كعب اليهودية، بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله، ﷺ ، قبلة مساجدنا صدورها، اذهب إليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكن أمرنا بالكعبة. ولما فرغ عمر من فتح إيلياء وعزل الصخرة من القمامة، وأبقى النصارى على حالهم بأداء الجزية، فسمى المسلمون كنيسة النصارى العظمى (٢) عندهم قمامة تشبيها بالمزابل وتعظيما للصخرة الشريفة، ثم ارتحل من القدس إلى أرض فلسطين. وكان هذا الفتح في سنة خمس عشرة (٣) (٤) من الهجرة الشريفة، قاله ابن الجوزي (٥)، ﵁، وغيره من المؤرخين. وقيل: كان في سنة ستة عشر (٦) في ربيع الأول. وقيل: لخمس خلون من ذي القعدة، والله أعلم. ووجد على رأس بعض التصاوير التي كانت في المسجد الأقصى عقب ما استنقذه المسلمون منهم هذه الأبيات ويقال إنها لابن ضامن الضبعي بعكا: أدمى الكنائس أن تكن عبثت … بكم أيدي الحوادث أو تغير حال فلطالما سجدت لكن شمامس … شم الأنوف ضراغم أبطال بعدا على هذا المصاب لأنه … يوم بيوم والحرب سجال (٧) روي أن أمير المؤمنين عمر لما فتح بيت المقدس وكتب كتاب الأمان والصلح وقبضوا كتابهم وأمنوا الناس بعضهم في بعض وأقام عمر أياما، ثم قال لأبي عبيدة: لم يبق (٨) أمير من أمراء الأجناد غيرك إلا استزارني، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين إني أخاف أن أستزيرك فتعصب عينيك في بيتي. قال: فاستزرني، قال: فزرني، فلما أتاه عمر في بيته فإذا ليس فيه (٩) إلا لبد فرسه، وإذا هو فراشه وسرجه ووسادته، وإذا كسر يابسة في كوة بيته فجاء بها فوضعها (١٠) على الأرض بين يديه

стр. 376

وأتاه بملح جريش وكوز خزف فيه ماء. فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، ثم التزمه وقال: أنت أخي، وما من أحد من أصحابي إلا وقد نال من الدنيا ونالت منه غيرك، فقال له أبو عبيدة: ألم أخبرك أنك ستعصب عينيك. ثم إن عمر قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي، ﷺ ، ثم قال: «يا أهل الإسلام إن الله تعالى قد صدقكم الوعد ونصركم على الأعداء وورثكم (١) البلاد، ومكن لكم في الأرض فلا يكونن جزاؤه منكم إلا الشكر وإياكم والعمل بالمعاصي فإن العمل بالمعاصي كفر النعم. وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم». ثم نزل، وحضرت (٢) الصلاة فقال: يا بلال ألا تؤذن لنا رحمك الله، قال بلال: يا أمير المؤمنين والله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله، ﷺ ، ولكن سأطيعك إذا (٣) أمرتني في هذه الصلاة وحدها. فلما أذن بلال وسمعت الصحابة صوته ذكروا نبيهم، ﷺ ، فبكوا بكاء شديدا (٤) ولم يكن من المسلمين يومئذ أطول بكاء من أبي عبيدة (٥) ومعاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر: حسبكما رحمكما الله. فلما قضى صلاته انصرف أمير المؤمنين راجعا (٦) إلى المدينة واجتهد فيما هو بصدده من إقامة شعائر الإسلام والنظر في مصالح المسلمين والجهاد في سبيل الله. ولم يزل كذلك حتى توفي، ﵁، وجمعنا به وجمع بيننا وبينه في دار الكرامة إنه ولي الحسنات وغافر السيئات عنه وكرمه. وقد حكى المصنفون بفضائل (٧) بيت المقدس قصة الفتح من طرق كثيرة بروايات وألفاظ مختلفة وأحسن ما رأيت منها ما نقلته هنا، والله الموفق.

стр. 377

ذكر وفاة عمر ﵁ روي أنه خرج لصلاة الصبح في جماعة فضربه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، لما وقف يصلي - بخنجر برأسين وطعنه ثلاث طعنات إحداها (١) تحت سرته وهي التي قتلته، وطعن اثني عشر رجلا من أهل المسجد. فمات منهم ستة. ثم نحر نفسه بخنجره، فمات لعنه الله. ولما طعنه أبو لؤلؤة وقع على الأرض ثم قال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم، قال: مروه يصلي بالناس، وقال لولده عبد الله: انظر من الذي قتلني؟ فقال: يا أمير المؤمنين (٢) ذلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل سجد لله سجدة واحدة. ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة، ﵂، فقال: قل لها: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل لها (٣) أمير المؤمنين، فإني لست اليوم أمير المؤمنين - ويقول لك أنه لا حق بربه أفتأذنين له أن يدفن مع صاحبيه (٤)، فجاء عبد الله إلى عائشة فاستأذن عليها فأذنت له، فبلغها رسالة أمير المؤمنين عمر، ﵁ (٥)، فتأوهت وبكت، وقالت: لقد كنت أشم رائحة رسول الله، ﷺ ، في أبي بكر، فلما مات أبو بكر كنت أشم رائحته في أمير المؤمنين عمر، ما لي وللدنيا أفقد فيها الأحباب واحدا واحدا (٦)، ثم قالت: بلغ أمير المؤمنين مني السلام، وقل له: ألا إنها كانت (٧) ادخرت ذلك لنفسها ولكنها آثرتك اليوم على نفسها. فلما رجع عبد الله، قال له عمر: ما ورائك يا عبد الله؟ قال: الذي تحب قد أذنت لك عائشة، قال: الحمد لله ما كان شيء أهم إليّ من ذلك، فإذا أنا قبضت فارجع إلى عائشة فاستأذنها ثانيا فربما تكون استحيت مني وأنا حي، فلا تستحي مني وأنا ميت، وأوصاهم أن يقتصروا في كفنه، ولا يتغالوا. وتوفي يوم السبت خلت ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (٨) للهجرة الشريفة.

стр. 378

ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين (١)، وغسله ابنه عبد الله وحمل على سرير رسول الله، ﷺ ، وصلى عليه صهيب وكبر عليه أربعا ونزل في قبره (٢) ابنه عبد الله وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وكانت خلافته، ﵁، عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور (٣). والصحيح: أن عمر رسول الله، ﷺ ، وعمر أبي بكر، ﵁، وعمر وعلي وعائشة، ﵃، ثلاث وستون سنة، وكان عمر، ﵁، طوالا (٤) أصلع أبيض يعلوه حمره. وقيل: كان طويل الأصابع (٥) شديد الأدمة كث اللحية. وعليه أكثر العلماء وفضائله أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر: جاهد في الله حق جهاده، فجيش الجيوش وفتح البلاد ومصر الأمصار وأعز الإسلام وأذل الكفر وأجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز (٦)، وفي أيامه فتح العراق والموصل ومصر والإسكندرية وغيرها (٧). وهو الذي اختط الكوفة ووسع في المسجد الحرام، وعمر مسجد النبي، ﷺ ، والمسجد الأقصى، وهو أول من جمع الناس لصلاة التراويح، وأول من كتب التاريخ وأرخ من السنة التي هاجر فيها رسول الله، ﷺ (٨)، وأول من عسس بالليل، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات وكانوا يكبرون أربعا وخمسا وستا، وأول من حمل الدرة وضرب بها، ودون الدواوين (٩) ولو لم يكن من فضائله إلا فتح هذا البيت المقدس وتطهيره من الشرك لكفاه، ﵁ (١٠)، ونفعنا ببركته وبركات علومه في الدنيا والآخرة.

стр. 379

وأما من دخل بيت المقدس من الصحابة، ﵃، فهم خلق كثير لا يحصيهم إلا الله ، ولنذكر جماعة من أعيانهم تبركا بذكرهم ونجعل ترتيب أسمائهم على الوفيات من غير استقصاء في ذكر تراجمهم فأقول وبالله التوفيق: أبو عبيدة بن الجراح (١) واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، أحد العشرة المبشرة والمشهود لهم بالجنة، وتقدم ذكره عند ابتداء الفتح، توفي في طاعون عمواس في سنة ثمان عشرة (٢) (٣) من الهجرة الشريفة وقبره في قرية يقال لها عثما تحت جبل عجلون (٤) بين فقارس والعادلية بزاوية دير علاّ (٥) من الغور (٦) الغربي. ووفاته في خلافة عمر وله ثمان وخمسون سنة. معاذ بن جبل الأنصاري، استخلفه أبو عبيدة على الناس عند موته. فمات أيضا بالطاعون بناحية الأردن في سنة ثمان عشرة وله ثمان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة (٧)، والله أعلم. وقبره بالقصر الذي من الغور ومات من الناس (٨) في هذا الطاعون خمسة وعشرون ألف نفس، وطال مكثه شهرا وطمع العدو في المسلمين. بلال بن رباح، مولى أبي بكر الصديق، وهو مؤذن رسول الله، ﷺ ، شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب، ﵁، ولم يؤذن بعد رسول الله، ﷺ ، سوى مرة واحدة لما أمره عمر بالأذان بعد الفتح - كما تقدم - توفي بدمشق في سنة تسعة عشر (٩) من الهجرة، ودفن عند الباب الصغير وهو ابن بضع وستين سنة. وقيل: مات بحلب سنة عشرين (١٠). وقيل: ثماني عشرة، والله أعلم.

стр. 380

عياض بن غنم، ﵁، ابن عم أبي عبيدة دخل بيت المقدس، وبنى فيها حماما، وله رواية عن النبي، ﷺ ، توفي في سنة عشرين للهجرة (١). خالد بن الوليد (٢)، سيف الله المسلول، توفي سنة إحدى وعشرين (٣) للهجرة، واختلف في موضع قبره، فقيل: بحمص، وقيل: بالمدينة. أبو ذر الغفاري، واسمه جندب بن جنادة، دخل بيت المقدس وكانت وفاته بالربذة (٤) في سنة اثنتين وثلاثين (٥)، والله أعلم. أبو الدرداء عويمر (٦)، ﵁، توفي بدمشق سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين في خلافة عثمان، ﵁. عبادة بن الصامت الأنصاري، أبو الوليد (٧)، وجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلما، وأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي قضاءها (٨). سكن بيت المقدس، ومات بفلسطين، ودفن ببيت المقدس، وقيل: بالرملة (٩) والأول أشهر. وكانت وفاته في سنة أربع وثلاثين (١٠) للهجرة، والآن قبره لا يعرف ببيت المقدس ولا بالرملة، واندثر (١١) لاستيلاء الفرنج على تلك الناحية. سلمان الفارسي، توفي سنة ست وثلاثين للهجرة، ودفن بالمدائن عن مائتين وخمسين سنة، ويقال أكثر، ذكره النووي (١٢) في التهذيب (١٣) (١٤)، وابن

стр. 381

الجوزي (١)، في صفوة الصفوة (٢). قال العلماء (٣) بالسير: كان سلمان من المعمرين أدرك وصي عيسى بن مريم. ورد بعض العلماء هذا القول وقال: إنه لم يبلغ المائة، والله أعلم. أبو مسعود الأنصاري، عقبة بن عمرو البدري، سكن بدرا ولم يشهدها على الراجح (٤)، توفي سنة تسع وثلاثين (٥) للهجرة، وقيل: سنة أربعين (٦). تميم بن أوس الداري (٧)، وفد هو وأخوه نعيم على رسول الله، ﷺ ، سنة تسع (٨) وآسلما، وصحب تميم رسول الله، ﷺ ، وغزا معه. وروى عنه، ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان، ﵁، وكان أميرا على بيت المقدس، وهو الذي أقطعه النبي، ﷺ ، أرض حبرون (٩)، وسنذكر نسخة الإقطاع (١٠) فيما بعد عند ذكر بلد سيدنا الخليل، ﵊، إن شاء الله تعالى. توفي سنة أربعين للهجرة الشريفة. عمرو بن العاص السهمي، توفي سنة ثلاث وأربعين (١١) للهجرة (١٢) في خلافة معاوية. عبد الله بن سلام، أبو الحارث، الإمام الحبر الإسرائيلي المشهود له بالجنة، قدم بيت المقدس، من خواص الصحابة، كان اسمه الحصيب (١٣)، فغيره

стр. 382

النبي، ﷺ ، بعبد الله، شهد فتح بيت المقدس، توفي سنة ثلاث وأربعين من الهجرة. سعيد بن زيد (١)، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قدم بيت المقدس زمن الفتح، توفي سنة إحدى وخمسين (٢) من الهجرة بالعقيق (٣)، وقيل: بالكوفة، وله بضع وسبعون سنة. أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسمه مالك بن وهب، ﵁، قدم بيت المقدس وأحرم منه بعمرة، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل إلى المدينة، وصلت (٤) عليه أزواج النبي، ﷺ ، في حجرهن، ودفن بالبقيع في سنة خمس وقيل: ست وخمسين (٥) للهجرة (٦) وهو ابن بضع وسبعين سنة. مرة بن كعب الفهري، ﵁، نزل الشام، وتوفي سنة سبع وخمسين (٧) للهجرة بالأردن. شداد بن أوس بن أخي حسان بن ثابت، نزل بالشام ناحية فلسطين، وكان ممن أوتي العلم والحلم (٨) والحكمة، روي أنه لما دنت وفاة رسول الله، ﷺ ، قام ثم جلس ثم قام ثم جلس، فقال رسول الله، ﷺ : «يا شداد ما سبب قلقك؟» فقال: يا رسول الله ضاقت بي الأرض، فقال: «ألا إن الشام ستفتح وبيت المقدس سيفتح، إن شاء الله تعالى، وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها إن شاء الله» (٩)، فكان كما أخبر النبي، ﵇ (١٠)، وكان ذا عبادة واجتهاد، توفي سنة ثمان

стр. 383

وخمسين (١) من الهجرة (٢) وله خمس وسبعون سنة. وقيل: مات سنة إحدى وأربعين (٣)، وقبره ظاهر ببيت المقدس يزار في مقبرة باب الرحمة تحت سور المسجد الأقصى (٤)، ﵁. أبو هريرة، ﵁، اسمه عبد الرحمن بن صخر، قدم بيت المقدس وشهد فتحه، مات بمدينة رسول الله، ﷺ ، سنة تسع وخمسين (٥) للهجرة (٦)، وهو ممن لازم خدمة رسول الله، ﷺ ، وروى عنه الكثير، وليس هو المدفون بقرية يبنى (٧) التي هي من أعمال مدينة غزة وإنما بها بعض ولده. معاوية بن أبي سفيان، أمير المؤمنين، ﵁ (٨)، قدم بيت المقدس، وقدم عليه عمرو بن العاص، فبايعه على طلب دم عثمان، وكتبا (٩) كتابا بينهما: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تعاهد عليه معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ببيت المقدس بعد قتل عثمان وحمل كل واحد منهما صاحبه الأمانة أن بيننا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح في أمر الله والإسلام، ولا يخذل أحدنا صاحبه بشيء، ولا يتخذ من دونه وليجة ولا يحول بيننا ولد ولا والد أبدا ما حيينا فيما استطعنا، توفي بدمشق في النصف من رجب في سنة ستين للهجرة (١٠) (١١)، وله ثمان وسبعون سنة، وقيل: ست وثمانون، وقيل غير ذلك، وصلى عليه الضحاك (١٢)، ودفن بمقبرة دمشق. عبد الله بن عمرو بن العاص، أسلم قبل أبيه ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وكان يقرأ القرآن والتوراة، ويصوم يوما ويفطر يوما، توفي في سنة

стр. 384

خمس وستين للهجرة (١). عبد الله بن عباس، ﵄، مولده قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي، ﷺ ، فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٢)، فكان كذلك، وكان يسمى الحبر لكثرة علومه، وأهل من بيت المقدس في الشتاء، توفي سنة ثمان وستين (٣)، من الهجرة بالطائف بقرية تدعى السلامة وقبره ظاهر معروف بها عليه قبة مبنية وحولها مسجد جامع. عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄، قدم بيت المقدس وأهل منه بعمرة، توفي في سنة ثلاث وسبعين (٤) للهجرة (٥)، بعد قتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر، وله سبع وثمانون سنة. عوف بن مالك بن عوف الأشجعي، أبو محمد شهد فتح بيت المقدس ونزل حمص (٦) وهو صحابي جليل، توفي سنة ثلاث وسبعين للهجرة (٧)، بايع رسول الله، ﷺ ، على أن يعبد الله لا يشرك به شيئا، والصلوات الخمس، وأن لا يسأل الناس شيئا. أبو جمعة الأنصاري، واسمه جندب بن سباع، وقيل: جنيد بن سباع، وقيل: ابن وهب، وقيل: ابن فديك، قدم بيت المقدس ليصلي فيه (٨)، مات بالشام أول محرم سنة سبع وسبعين (٩) من الهجرة. وائلة بن الأسقع الهوازني (١٠)، أسلم والنبي، ﷺ ، متوجه إلى تبوك، ويقال: إنه خدمه ثلاث سنين وهو من أهل الصفة (١١)، سكن البصرة ثم الشام، وشهد

стр. 385

المغازي بدمشق وحمص، ثم تحول إلى بيت المقدس، ومات به وهو ابن مائة سنة، وقيل: توفي (١) بدمشق في آخر خلافة عبد الملك بن مروان، سنة خمس - أو ست - وثمانين (٢) للهجرة (٣)، ﵁ (٤). أبو أمامة، صدى بن عجلان الباهلي، سكن بيت المقدس ودمشق (٥) الشام، وكان آخر من مات (٦) بالشام من الصحابة، شهد حجة الوداع وهو ابن ثلاثين سنة، توفي سنة ثمان وثمانين (٧) (٨) للهجرة. محمود بن الربيع (٩)، أبو نعيم، وقيل: أبو محمد، وفي الصحيح من حديث الزهري عن محمود بن الربيع، كان يزعم أنه أدرك النبي، ﷺ ، وهو ابن خمس سنين، وزعم أنه عقل مجة مجها النبي، ﷺ ، في وجهه (١٠)، نزل بيت المقدس وأهل منه بحج وعمرة، وهو ختن عبادة بن الصامت، مات سنة تسع وتسعين (١١) للهجرة (١٢) وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. يزيد بن أبي سفيان، صخر بن حرب كان أميرا بالشام على جند من الأجناد ولما توفي (١٣) أمر عمر مكانه أخاه معاوية بن أبي سفيان. أبو ريحانة (١٤)، واسمه شمعون - بشين معجمة، وقيل: بالمهملة - القرظي من بني قريظة، ويقال: من بني النضير، ويقال له مولى رسول الله، ﷺ ، وسكن أبو

стр. 386

ريحانة ببيت المقدس وكان يعظ في المسجد الأقصى (١). الشريد بن سويد (٢)، قدم بيت المقدس لأنه كان قد نذر أن يصلي فيه إن فتح الله مكة على رسول الله، ﷺ ، واستأذنه في ذلك، فأذن له. ابن أبي الجدعاء، وهو عبد الله بن أبي الجدعاء التميمي (٣)، ويقال له: الكناني، ويقال له: العبدي. فيروز الديلمي (٤)، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الضحاك، ويقال: الحميري لنزوله بحمير، وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء، وفيروز من الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، فنفوا الحبشة منها وغلبوا عليها، سكن بيت المقدس، ويقال: إنه مات (٥) بها وقبره به، مات في خلافة عثمان. ذو الأصابع التميمي (٦)، ويقال: الخزاعي، ويقال: الجهني، سكن بيت المقدس وهو من أهل اليمن من المدد الذين نزلوا الشام ببيت المقدس. أبو محمد النجاري (٧) (٨) - بالجيم - الأنصاري البدري، قال صاحب (مثير الغرام): أظنه مسعود بن أويس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك النجار، كذا نسبه الواقدي (٩) وغيره، وهو الذي زعم أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد. قيل: توفي في خلافة عمر بن الخطاب، ﵁ (١٠)، وقيل: شهد صفين (١١) مع علي، ﵁.

стр. 387

سلام بن قيصر (١)، وقيل: سلامة، له صحبة وكان واليا لمعاوية على بيت المقدس وله عقب به، وأنكر بعضهم صحبته، والله أعلم. أبو أبي بن أم حرام (٢) بن عمرو، ويقال: أبي، ويقال: عبد الله بن أبي (٣)، وقيل: عبد الله بن كعب، وقيل: عبد الله بن عمرو بن شمعون بن خليفة بن قيس. وأمه أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم. أسلم قديما ويعد في الشاميين، سكن بيت المقدس، وكان ربيب (٤) عبادة بن الصامت، وهو آخر من مات من الصحابة ببيت المقدس. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب (٥) فيمن ذكر: أنه كان ببيت المقدس من الصحابة والتابعين، ومات به عبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي بن أم حرام وأبو ريحانة وسلامة بن قيصر وفيروز الديلمي وذو الأصابع وأبو محمد النجاري (٦)، وهؤلاء من أهل بيت المقدس، ماتوا به، وأعقب منهم: عبادة (٧) وشداد وسلامة وفيروز، وهؤلاء الذين أعقبوا وأولادهم ببيت المقدس وقبورهم به، ولم يعقب أبو ريحانة ولا ذو الأصابع ولا أبو محمد النجاري، والله أعلم. غطيف (٨) بن الحارث (٩)، وهو الصواب في اسمه، قدم بيت المقدس هو وأهله فصلى فيه وجماعة من الصحابة. صفية بنت حيي، أم المؤمنين، ﵂، قدمت بيت المقدس، فصلت فيه، وصعدت على طور زيتا فصلت، وقامت على طرف الجبل فقالت: من هاهنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة والنار (١٠) (١١)، توفيت صفية في سنة

стр. 388

خمسين (١)، وقيل: اثنتين وخمسين (٢) (٣)، وقيل: ستة وثلاثين (٤)، ودفنت بالبقيع، ﵂. وحكى صاحب (مثير الغرام) (٥): أن حبرا من أحبار بيت المقدس قدم المدينة بعد موت النبي، ﷺ ، وقال: يروى عن أبي هريرة، ﵁ (٦)، قال: لما توفي رسول الله، ﷺ ، لاثنتي (٧) عشرة خلت من ربيع الأول، فلما كانت صبيحة الخميس إذا نحن بشيخ أبيض الرأس واللحية ملثم (٨) بعمامة على قعود له فجاء ونزل فعقل قعوده بباب المسجد فنادى: السلام عليكم ورحمة الله هل فيكم محمد رسول الله؟ ثم قال (٩) علي: ما تريد؟ فقال: أنا حبر من أحبار بيت المقدس، قرأت التوراة ثمانين سنة وتدبرتها أربعين سنة صفاحا (١٠)، فوجدت فيها ذكر محمد وأنه ليس بكذاب (١١) ولا قوال للكذب وقد جئت أطلب الإسلام على يديه، فذكر أثرا طويلا مع علي، ﵁. ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان بالقدس الشريف روى صاحب (مثير الغرام) (١٢) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، ﷺ : «ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع الناس ببلاء أشد

стр. 389

منه، حتى تضيق عليهم الأرض الرحبة (١)، وحتى تملأ الأرض جورا وظلما، ثم إن الله تعالى يبعث رجلا يملأ الله به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض (٢)، لا تدخر الأرض من بذرها شيئا إلا أخرجته، ولا السماء من قطرها شيئا إلا صبه الله عليهم مدرارا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان (٣) أو تسعا، يتمنى الأحياء الأموات بما صنع الله بأهل الأرض من الخير (٤)، ورواه أبو القاسم البغوي بنحوه وفيه: وينزل بيت المقدس (٥). وروي عن علي قال: المهدي يولد بالمدينة من أهل بيت النبي، ﷺ ، واسمه اسم نبي، ويهاجر بيت (٦) المقدس (٧). وعن محمد بن الحنفية (٨) قال: تخرج راية سوداء لبني العباس، وتخرج (٩) من خراسان أخرى سوداء وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح، مولى بني تميم، يهزمون أصحاب السفياني (١٠) حتى ينزل بيت المقدس، يوطئ للمهدي سلطانه، ويفد إليه ثلاثمائة من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يسلم إليه الأمر ثلاثة وسبعون شهرا (١١). وعن شريح بن عبيد عن راشد بن سعد (١٢) وحمزة (١٣) بن حبيب (١٤)

стр. 390

ومشايخهم قالوا: يخرج شعيب بن صالح، مولى بني تميم مختفيا إلى بيت المقدس يوطئ للمهدي منزله، إذا بلغه خروجه إلى الشام (١). وعن محمد بن علي قال: إذا سمع العابد الذي بمكة بالخسف، خرج مع اثني عشر ألفا فيهم الأبدال (٢) حتى ينزلوا بإيلياء (٣) - يعني بيت المقدس - الأثر. وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «إذا رأيتم خليفتين خليفة بيت المقدس يقتل الذي هو دونه، يعني بالخليفة الذي ببيت المقدس المهدي والذي دونه السفياني» (٤). وعن سليمان بن عيسى قال: بلغني أنه على يد المهدي يظهر تابوت السكينة من بحيرة طبرية (٥) حتى يحمل، فيوضع بين يديه في بيت المقدس، فإذا نظرت إليه اليهود (٦) أسلموا إلا قليلا منهم، ثم يموت المهدي. وأما ما روي عن أنس بن مالك عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الناس إلا شحا، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم» (٧)، فقال الحافظ أبو محمد؛ أنه حديث واه جدا لا يعارض ما تقدم. وعن هشام بن عمار قال: سمعت أن رجلا انتقل إلى بيت المقدس فقيل له: ما نقلك إليها؟ قال: بلغني أنه لا يزال في بيت المقدس رجل يعمل (٨) بعمل آل داود (٩)، والله أعلم.
следующие страницы →