← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ريحانة ببيت المقدس وكان يعظ في المسجد الأقصى (١). الشريد بن سويد (٢)، قدم بيت المقدس لأنه كان قد نذر أن يصلي فيه إن فتح الله مكة على رسول الله، ﷺ ، واستأذنه في ذلك، فأذن له. ابن أبي الجدعاء، وهو عبد الله بن أبي الجدعاء التميمي (٣)، ويقال له: الكناني، ويقال له: العبدي. فيروز الديلمي (٤)، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الضحاك، ويقال: الحميري لنزوله بحمير، وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء، وفيروز من الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، فنفوا الحبشة منها وغلبوا عليها، سكن بيت المقدس، ويقال: إنه مات (٥) بها وقبره به، مات في خلافة عثمان. ذو الأصابع التميمي (٦)، ويقال: الخزاعي، ويقال: الجهني، سكن بيت المقدس وهو من أهل اليمن من المدد الذين نزلوا الشام ببيت المقدس. أبو محمد النجاري (٧) (٨) - بالجيم - الأنصاري البدري، قال صاحب (مثير الغرام): أظنه مسعود بن أويس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك النجار، كذا نسبه الواقدي (٩) وغيره، وهو الذي زعم أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد. قيل: توفي في خلافة عمر بن الخطاب، ﵁ (١٠)، وقيل: شهد صفين (١١) مع علي، ﵁.

стр. 387

سلام بن قيصر (١)، وقيل: سلامة، له صحبة وكان واليا لمعاوية على بيت المقدس وله عقب به، وأنكر بعضهم صحبته، والله أعلم. أبو أبي بن أم حرام (٢) بن عمرو، ويقال: أبي، ويقال: عبد الله بن أبي (٣)، وقيل: عبد الله بن كعب، وقيل: عبد الله بن عمرو بن شمعون بن خليفة بن قيس. وأمه أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم. أسلم قديما ويعد في الشاميين، سكن بيت المقدس، وكان ربيب (٤) عبادة بن الصامت، وهو آخر من مات من الصحابة ببيت المقدس. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب (٥) فيمن ذكر: أنه كان ببيت المقدس من الصحابة والتابعين، ومات به عبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي بن أم حرام وأبو ريحانة وسلامة بن قيصر وفيروز الديلمي وذو الأصابع وأبو محمد النجاري (٦)، وهؤلاء من أهل بيت المقدس، ماتوا به، وأعقب منهم: عبادة (٧) وشداد وسلامة وفيروز، وهؤلاء الذين أعقبوا وأولادهم ببيت المقدس وقبورهم به، ولم يعقب أبو ريحانة ولا ذو الأصابع ولا أبو محمد النجاري، والله أعلم. غطيف (٨) بن الحارث (٩)، وهو الصواب في اسمه، قدم بيت المقدس هو وأهله فصلى فيه وجماعة من الصحابة. صفية بنت حيي، أم المؤمنين، ﵂، قدمت بيت المقدس، فصلت فيه، وصعدت على طور زيتا فصلت، وقامت على طرف الجبل فقالت: من هاهنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة والنار (١٠) (١١)، توفيت صفية في سنة

стр. 388

خمسين (١)، وقيل: اثنتين وخمسين (٢) (٣)، وقيل: ستة وثلاثين (٤)، ودفنت بالبقيع، ﵂. وحكى صاحب (مثير الغرام) (٥): أن حبرا من أحبار بيت المقدس قدم المدينة بعد موت النبي، ﷺ ، وقال: يروى عن أبي هريرة، ﵁ (٦)، قال: لما توفي رسول الله، ﷺ ، لاثنتي (٧) عشرة خلت من ربيع الأول، فلما كانت صبيحة الخميس إذا نحن بشيخ أبيض الرأس واللحية ملثم (٨) بعمامة على قعود له فجاء ونزل فعقل قعوده بباب المسجد فنادى: السلام عليكم ورحمة الله هل فيكم محمد رسول الله؟ ثم قال (٩) علي: ما تريد؟ فقال: أنا حبر من أحبار بيت المقدس، قرأت التوراة ثمانين سنة وتدبرتها أربعين سنة صفاحا (١٠)، فوجدت فيها ذكر محمد وأنه ليس بكذاب (١١) ولا قوال للكذب وقد جئت أطلب الإسلام على يديه، فذكر أثرا طويلا مع علي، ﵁. ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان بالقدس الشريف روى صاحب (مثير الغرام) (١٢) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله، ﷺ : «ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع الناس ببلاء أشد

стр. 389

منه، حتى تضيق عليهم الأرض الرحبة (١)، وحتى تملأ الأرض جورا وظلما، ثم إن الله تعالى يبعث رجلا يملأ الله به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض (٢)، لا تدخر الأرض من بذرها شيئا إلا أخرجته، ولا السماء من قطرها شيئا إلا صبه الله عليهم مدرارا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان (٣) أو تسعا، يتمنى الأحياء الأموات بما صنع الله بأهل الأرض من الخير (٤)، ورواه أبو القاسم البغوي بنحوه وفيه: وينزل بيت المقدس (٥). وروي عن علي قال: المهدي يولد بالمدينة من أهل بيت النبي، ﷺ ، واسمه اسم نبي، ويهاجر بيت (٦) المقدس (٧). وعن محمد بن الحنفية (٨) قال: تخرج راية سوداء لبني العباس، وتخرج (٩) من خراسان أخرى سوداء وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح، مولى بني تميم، يهزمون أصحاب السفياني (١٠) حتى ينزل بيت المقدس، يوطئ للمهدي سلطانه، ويفد إليه ثلاثمائة من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يسلم إليه الأمر ثلاثة وسبعون شهرا (١١). وعن شريح بن عبيد عن راشد بن سعد (١٢) وحمزة (١٣) بن حبيب (١٤)

стр. 390

ومشايخهم قالوا: يخرج شعيب بن صالح، مولى بني تميم مختفيا إلى بيت المقدس يوطئ للمهدي منزله، إذا بلغه خروجه إلى الشام (١). وعن محمد بن علي قال: إذا سمع العابد الذي بمكة بالخسف، خرج مع اثني عشر ألفا فيهم الأبدال (٢) حتى ينزلوا بإيلياء (٣) - يعني بيت المقدس - الأثر. وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : «إذا رأيتم خليفتين خليفة بيت المقدس يقتل الذي هو دونه، يعني بالخليفة الذي ببيت المقدس المهدي والذي دونه السفياني» (٤). وعن سليمان بن عيسى قال: بلغني أنه على يد المهدي يظهر تابوت السكينة من بحيرة طبرية (٥) حتى يحمل، فيوضع بين يديه في بيت المقدس، فإذا نظرت إليه اليهود (٦) أسلموا إلا قليلا منهم، ثم يموت المهدي. وأما ما روي عن أنس بن مالك عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الناس إلا شحا، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم» (٧)، فقال الحافظ أبو محمد؛ أنه حديث واه جدا لا يعارض ما تقدم. وعن هشام بن عمار قال: سمعت أن رجلا انتقل إلى بيت المقدس فقيل له: ما نقلك إليها؟ قال: بلغني أنه لا يزال في بيت المقدس رجل يعمل (٨) بعمل آل داود (٩)، والله أعلم.

стр. 391

ذكر بناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة الشريفة والمسجد الأقصى الشريف وما وقع في ذلك لما توفي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وعهد بالخلافة إلى النفر الذين مات رسول الله، ﷺ ، وهو راض عنهم (١) وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، ﵃، وشرط أن يكون ابنه عبد الله شريكا في الرأي ولا يكون له حظ في الخلافة. بويع بعده بالخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، واستقر فيها لثلاث مضين من المحرم سنة ٢٤ من الهجرة (٢)، واستمر إلى أن استشهد في يوم الأربعاء لثماني عشر ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة (٣)، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة (٤) إلا اثني عشر يوما وفضائله ومناقبه مشهورة. ثم استقر بعده في الخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، وبويع له بالخلافة في يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة. ووقع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، ﵁ (٥)، ما هو مشهور مما ليس في ذكره فائدة والسكوت عنه أولى. واستمر إلى أن استشهد بالكوفة، وكانت وفاته ليلة الأحد تاسع عشر من رمضان سنة ٤٠ من الهجرة (٦)، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. ثم استقر بعده في الخلافة ولده الحسن بن علي (٧)، ﵁، بويع له يوم وفاة والده، واستمر في الخلافة نحو ستة أشهر وهي تمام ثلاثين سنة لوفاة رسول الله، ﷺ . وقد روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تعود ملكا عضوضا» (٨).

стр. 392

وكان آخر ولاية الحسن تمام ثلاثين سنة، وسلم الأمر لمعاوية، فاستقر في الخلافة في شهر ربيع الأول سنة ٤١ من الهجرة الشريفة (١)، واستمر في الخلافة نحو عشرين سنة إلى أن توفي بدمشق في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة، وكان يلقب بالناصر لحق الله تعالى. فلما توفي استقر بعده في الخلافة ولده يزيد بن معاوية (٢) (٣) ولقب نفسه بالمستنصر على أهل الزيغ، وكان قد بويع له بالخلافة قبل وفاة أبيه، ثم جددت له البيعة بعد وفاته، فأساء السيرة، وجار على الرعية وتجاهر بالمعاصي. فلما اشتهر جوره وكثر ظلمه، وقتل آل الرسول، ﷺ ، اجتمع أهل المدينة، على إخراج عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومروان بن الحكم (٤) وسائر بني أمية، وذلك بإشارة عبد الله بن الزبير. فلما بلغ ذلك يزيد بن معاوية سير الجيوش لأهل المدينة وجهز مسلم بن عقبة المزني فانتهب المدينة الشريفة وقتل أهلها. ثم قصد مكة فمات قبل وصوله إليها، واستخلف على الجيش الحصين بن نمير. فأتى مكة وحصر (٥) ابن الزبير أربعين يوما، ونصب المجانيق وهدم الكعبة الشريفة وأحرقها (٦)، وكان ذلك قبل موت يزيد بأحد عشر يوما. فأهلك الله يزيد ومات وكان موته بحوارين من عمل حمص لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ٦٤ من الهجرة (٧)، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وكانت مدة خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر. وكانت سيرته أقبح السير، ولو لم يكن منها إلا قتل الحسين في أيامه وما وقع في حق (٨) ذرية النبي، ﷺ ، لكفاه ذلك في قبح السيرة. واستقر بعده في الخلافة بدمشق ولده معاوية بن يزيد بن معاوية، ولقب

стр. 393

بالراجع إلى الله، وكان صالحا فلم يعتن (١) بالخلافة ولا باشرها، وأقام ثلاثة أشهر وقيل دون ذلك، وتوفي ﵀، وكان الناس حين موت يزيد بايعوا عبد الله بن الزبير بمكة، وتلقب (٢) خادم بيت الله، وكان مروان بن الحكم بالمدينة فقصد المسير إلى عبد الله بن الزبير ومبايعته، ثم توجه مع من توجه من بني أمية إلى الشام. وبايع أهل البصرة ابن الزبير واجتمع له العراق والحجاز (٣) واليمن، وبعث إلى مصر فبايعه أهلها، وبايع له في الشام نمر الضحاك بن قيس (٤)، وبايع له بحمص النعمان بن بشير الأنصاري (٥)، وبايع له بقنسرين (٦) ذفر بن الحارث الكلابي (٧) (٨)، وكاد يتم له الأمر بالكلية. وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة شرفها الله تعالى، وكان ذلك في سنة ٦٤ من الهجرة (٩) الشريفة وكانت حيطانها قد مالت من ضرب المنجنيق، فهدمها وحفر أساسها وشهد عنده سبعون من شيوخ قريش وذلك أن قريشا حين بنوا الكعبة عجزت نفقتهم، فنقصوا من سعة بناء (١٠) البيت سبعة أذرع من أساس إبراهيم الخليل، ﵇، الذي أسسه هو وإسماعيل، ﵇، فبناه عبد الله بن الزبير وزاد فيه السبعة أذرع، وأدخل الحجر في الكعبة، وأعادها على ما كانت عليه أولا، وجعل لها بابين باب يدخل منه (١١) وباب يخرج منه. فلم يزل البيت على ذلك حتى قتل الحجاج ابن الزبير كما سنذكره، إن شاء الله تعالى. فلما مات معاوية بن يزيد بالشام، بويع بالخلافة لمروان بن الحكم ولقب

стр. 394

بالمؤتمن بالله (١)، وافترق الناس فريقين (٢): فريق يهوى بني أمية وفريقا (٣) يهوى ابن الزبير، ووقع بينهم الخلاف، وجرى بينهم وقائع وحروب. ثم استقر أمر الشام لمروان، ودخلت مصر في طاعته (٤)، ثم أمر الناس بالبيعة لابنه (٥). عبد الملك ومن بعده لأخيه عبد العزيز (٦). فما كان بأسرع من أن انقضت مدة مروان، فمات بالطاعون بدمشق فجأة لثلاث خلون من رمضان سنة ٦٥ من الهجرة (٧)، وكانت مدة ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوما وعمره ثلاث وستون سنة (٨). فلما مات بويع لولده عبد الملك بالخلافة في ثالث شهر رمضان سنة ٦٥ هـ، ولقب بالموفق لأمر الله، وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام، وأول من ضرب الدرهم والدينار (٩) في الإسلام، وكان النقش على الجانب الواحد الله أحد، وعلى الآخر الله الصمد. وكانت الدنانير والدراهم قبل ذلك رومية وكسروية (١٠). ولما ولي الخلافة وعد الناس - يوم بويع - خيرا (١١)، ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة وإقامة العدل، فلما دخلت سنة ٦٦ (١٢) ابتدأ ببناء القبة على الصخرة الشريفة (١٣)، وعمارة المسجد الأقصى الشريف، فكان ابن الزبير يشنع على عبد الملك بذلك، وذلك لأنه منع الناس عن الحج لئلا يميلوا مع ابن الزبير فضجوا، فقصد أن يشغل الناس بعمارة هذا المسجد عن الحج. وكان من خبر البناء أن عبد الملك بن مروان حين حضر إلى بيت المقدس،

стр. 395

وأمر ببناء القبة على صخرة بيت المقدس (١)، وبعث الكتب في جميع عمله وسائر (٢) الأنصار أن عبد الملك قد أراد أن يبني قبة على صخرة بيت المقدس تقي المسلمين من الحر والبرد، وأن يبني المسجد وكره أن يفعل ذلك دون رأي رعيته (٣)، فلتكتب الرعية إليه برأيهم وما هم عليه. فوردت الكتب عليه من سائر الأمصار: نرى أمير المؤمنين رأيه (٤) موفقا (٥) رشيدا، إن شاء الله، يتم له ما نوى من بناء بيته وصخرته ومسجده ويجري ذلك على يديه ويجعله تكرمة (٦) له ولمن مضى من سلفه (٧). فجمع الصناع لعمله (٨)، وأرصد للعمارة مالا كثيرا يقال: إنه خراج مصر سبع سنين (٩) ووضعه بالقبة الكائنة أمام الصخرة من جهة الشرق بعد أن أمر ببنائها وهي من جهة الزيتون، وجعلها حاصلا وشحنها بالأموال، ووكل على صرف المال في عمارة المسجد والقبة وما يحتاج إليه أبا المقدام رجاء بن حيوة (١٠) بن جرول الكندي (١١). وكان من العلماء الأعلام ومن جلساء عمر بن عبد العزيز، ﵁، وضم إليه رجلا يدعى يزيد بن سلام (١٢)، مولى عبد الملك بن مروان من أهل بيت المقدس وولديه، ويقال: إن عبد الملك وصف ما يختاره من عمارة القبة وتكوينها للصناع، فصنعوا له وهو ببيت المقدس القبة الصغيرة التي هي شرقي قبة الصخرة التي يقال لها قبة السلسلة (١٣) فأعجبه تكوينها وأمر ببنائها كهيئتها.

стр. 396

وأمر رجاء ويزيد بالنفقة عليها والقيام بأمرها وأن يفرغا المال عليها إفراغا دون أن ينفقاه إنفاقا. وأخذوا في البناء والعمارة (١) حتى أحكم العمل وفرغ البناء لم يبق لمتكلم فيه كلام (٢). وكان البناء الذي هو في صدر المسجد إلى غربيه من السور الذي عند مهد عيسى إلى المكان المعروف الآن بجامع المغاربة (٣)، فكتب رجاء ويزيد إلى عبد الملك بدمشق: قد أتم الله بما أمر به أمير المؤمنين من بناء صخرة بيت المقدس والمسجد الأقصى، ولم يبق لمتكلم فيه كلام وقد بقي مما أمر به أمير المؤمنين من النفقة عليه - بعد أن فرغ البناء وأحكم - مائة ألف دينار، فيصرفها أمير المؤمنين فيما أحب (٤). فكتب إليهما أمير المؤمنين: قد أمرت بها لكما جائزة لما وليتما من عمارة البيت المقدس (٥) الشريف المبارك. فكتبا إليه نحن أولى أن نزيد (٦) من حلي نسائنا فضلا عن أموالنا فاصرفها في أحب الأشياء إليك. فكتب إليهما بأن تسبك وتفرغ على القبة، فسكبت وأفرغت عليها، فما كان أحد يقدر أن يتأملها مما عليها من الذهب، وهيأ لها جلالا (٧) من لبود وأدم (٨)، توضع من فوقها، فإذا كان الشتاء ألبستها لتكنها من الأمطار والرياح والثلوج (٩). ثم بعد انتقال الخلافة إلى المنتقم لله الوليد بن عبد الملك انهدم شرقي المسجد، ولم يكن في بيت المال حاصل، فأمر بضرب ذلك وإنفاقه على ما انهدم منه. وكانت الولاية للوليد (١٠) في شوال سنة ٨٦ هـ (١١) ومات في جمادى

стр. 397

الآخرة سنة ٩٦ من الهجرة (١). وكان رجاء بن حيوة (٢) ويزيد بن سلام قد حفا الصخرة بدرابزين ساسم (٣) ومن خلف الدرابزين ستور الديباج مرخاة بين العمد، وكان كل يوم اثنين وخميس يأمران بالزعفران فيدق ويطحن ثم يعمل من الليل (٤) بالمسك والعنبر والماورد الجوري (٥) ويخمر من الليل، ثم يؤمر الخدم بالغداة فيدخلون حمام سليمان ويغتسلون ويتطهرون، ثم يأتون (٦) إلى الخزانة، التي فيها الخلوق، ويأتون فيلقون أثوابهم عنهم، ثم يخرجون أثوابا جددا من الخزانة مروية (٧) وهروية (٨) وشيئا يقال العصب ومناطق محلاة يشدون بها أوساطهم، ثم يأخذون الخلوق ويأتون به إلى الصخرة فيلطخون ما قدروا أن تناله أيديهم حتى يعمروه كله وما لم (٩) تناله أيديهم غسلوا أقدامهم، ثم يصعدون على الصخرة حتى يلطخوا ما بقي منها وتفرغ آنية الخلوق، ثم يأتون بمجامر الذهب والفضة والعود القماري والندّ مطهرا (١٠) بالمسك والعنبر، فترخى الستور حول الأعمدة كلها، ثم يأخذون البخور ويدورون حولها حتى يحول البخور بينهم وبين القبة من كثرته، ثم تشمر الستور فيخرج البخور ويفوح من كثرته حتى يبلغ إلى رأس السوق، فيشم الريح من يمر من هناك وينقطع البخور من عندهم، ثم ينادي (١١) مناد في صف البزازين وغيرهم: الآن (١٢) فتحت الصخرة للناس فمن أراد الصلاة فيها فليأت. فيقبل الناس مبادرين إلى الصلاة في الصخرة، فأكثر الناس من يدرك أن يصلي ركعتين وأقلهم أربعا فمن شم (١٣) رائحته

стр. 398

قالوا: هذا ممن دخل الصخرة، ويغسل (١) آثار أقدامهم بالماء، ويمسح بالآس الأخضر، وتنشف بالمناديل، وتغلق الأبواب، وعلى كل باب عشرة من الحجبة، ولا يدخل (٢) إلا يوم الاثنين والخميس، ولا يدخلها في غيرهما إلا الخدم (٣) (٤). وعن أبي بكر بن الحارث، ﵁، قال: كنت أسرجها في خلافة عبد الملك كلها باللبان المديني والزئبق الرصاصي قال: وكانت الحجبة يقولون له: يا أبا بكر مر لنا بالقنديل (٥) ندهن به ونتطيب به فكان يجبهم إلى ذلك، وكان يفعل بها ذلك في أيام خلافة عبد الملك بن مروان كلها (٦). قال الوليد: وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: كان في السلسلة (٧) التي في وسط القبة على الصخرة درة يتيمة (٨) وقرنا كبش إبراهيم وتاج كسرى معلقات في أيام عبد الملك بن مروان، فلما صارت الخلافة إلى بني هاشم حولوها إلى الكعبة، حرسها الله تعالى (٩). وكان الفراغ من عمارة قبة الصخرة والمسجد الأقصى في سنة ٧٣ (١٠) من الهجرة (١١) (١٢) وهي السنة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير، وكان من خبره: أن عبد الملك بن مروان لما صفا له الوقت وثبت أمره في الخلافة بعث الحجاج بن يوسف الثقفي إلى حرب عبد الله بن الزبير بمكة، فأتى الحجاج الطائف فأقام (١٣) بها شهرا، ثم زحف إلى مكة وحاصر ابن الزبير في هلال ذي القعدة سنة ٧٢، ودام الحصار حتى غلت الأسعار، وأصاب الناس مجاعة، وزاد الحجاج في الحصار والقتال، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فلما رمى به أرعدت السماء وأبرقت، وجاءت

стр. 399

صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحاب الحجاج اثني عشر رجلا (١). واشتد القتال وخرج ابن الزبير فقاتل قتالا شديدا، وتكاثرت (٢) أهل الشام ألوفا من كل باب (٣) فشدخوه بالحجارة فانصرع، فأكب عليه موليان له فقتلوا جميعا وتفرق (٤) أصحابه، وأمر به الحجاج فصلب. وكان ذلك يوم الثلاثاء (٥) لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ٧٣ من الهجرة (٦) بعد قتال سبعة أشهر. وكان له من العمر حين قتل نحو ٧٣ سنة، وهو أول من ولد من المهاجرين (٧) بعد الهجرة، وبويع له سنة أربع وستين (٨)، وكان سلطانه بالحجاز والعراق وخراسان وأعمال الشرق، وكان كثير العبادة، مكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره، وكانت خلافته ٩ سنين، وكان، ﵁، جمة مفروقة طويلة. ولما صلب علق الحجاج إلى جانبه كلبا ميتا ومنع والدته من دفنه، وكان لها من العمر مائة سنة، وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵄، وكانت تدعى بذات النطاقين، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بصلبه فكتب إليه يلومه ويقول: هلا خليت بينه وبين أمه. فأذن لها فدفنته. وماتت بعده بقليل. وبعث الحجاج إلى عبد الملك يعلمه بما زاده ابن الزبير في الكعبة، فأمر عبد الملك بهدمه ورده إلى ما كان عليه في حياة رسول الله، ﷺ ، وأن يجعل له بابا واحدا ففعل الحجاج ذلك. وهو البناء الموجود في عصرنا. وقد تقدم ذكر ما وقع من البناء والهدم في الكعبة وخلاصة الأمر: أن سيدنا إبراهيم الخليل، ﵇ (٩)، بنى الكعبة وهي بيت الله الحرام - كما تقدم عند ذكره - بعد مضي مائة سنة من عمره واستمر بناؤه نحو ألفي سنة وسبعمائة وخمس وسبعين سنة إلى أن هدمته قريش في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله، ﷺ ، وبنوه - كما تقدم - وهو البناء الثاني واستمر نحو اثنتين (١٠) وثمانين سنة. ثم هدمه

стр. 400

الحصين وأحرقه في أيام يزيد بن معاوية - كما تقدم - وذلك ف سنة ٦٤ من الهجرة (١). ثم بناه عبد الله بن الزبير على قواعد إبراهيم (٢) وهو البناء الثالث واستمر نحو تسع سنين، ثم هدمه الحجاج وقتل ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين (٣) من الهجرة، ثم بناه الحجاج وأخرج الحجر من البيت وجعله على ما كان عليه في حياة رسول الله، ﷺ ، وهو البناء الرابع، وكان في سنة أربع وسبعين (٤) من الهجرة، واستمر على ما هو عليه إلى هذا التاريخ وهو آخر سنة تسعمائة (٥). وكانت الكعبة تكسى القباطي ثم كسيت البرود وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. وأما ذرع جدر (٦) الكعبة الشريفة: فطول جدارها الشرقي من أعلى الشاخص إلى أرض المطاف ثلاثة وعشرون ذراعا وثمن ذراع (٧) بذراع الحديد، وكذلك جدرانها الثلاثة (٨) سوى الشامي فإنه ينقص عن الشرقي ربع ذراع، والجدار الغربي ينقص عن الشرقي ثمن ذراع، والجدار اليماني كالشرقي سواء بسواء. ذكر ذلك الفارسي في تاريخه المختصر، وذكر هو وغيره من المؤرخين عرض البيت الشريف من كل جهة وحرروا ذلك، وليس هذا محل ذكره خشية الإطالة. وأما أخبار توسعة المسجد الحرام وعمارته، فأول من وسعه عمر بن الخطاب، ﵁، بدور اشتراها ودور هدمها على من أبي البيع، وترك ثمنها لأربابها في خزانة الكعبة وذلك في سنة سبع عشرة (٩) (١٠) من الهجرة، وكذلك فعل عثمان في سنة ٢٦ من الهجرة (١١)، ثم وسع عبد الله بن الزبير من جانبه الشرقي والشامي واليماني، ثم وسع المنصور العباسي (١٢) من جانبه (١٣) الشامي ومن

стр. 401

الجانب الغربي، وكان ما زاده مثل ذلك من قبل، وابتدأ في العمل في المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة (١)، وفرغ في ذي الحجة سنة أربعين ومائة (٢)، ثم إن الخليفة المهدي (٣) - هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي - حج سنة ستين ومائة (٤)، وجرد الكعبة وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أعلاها إلى أسفلها، ووسع المسجد من جانبيه اليماني والغربي حتى صار على ما هو عليه الآن (٥) خلا الزيادتين فإنهما أحدثا بعده. وكانت الكعبة الشريفة في جانب المسجد، ولم تكن متوسطة، فهدم حيطان المسجد، واشترى الدور والمنازل (٦)، وأحضر المهندسين وصير الكعبة في الوسط. وكانت توسعته في نوبتين الأولى في سنة ٦١ ومائة (٧)، والثانية سنة ١٦٧ (٨) وهي السنة التي عمر فيها مسجد النبي (٩)، ﷺ ، وليس لأحد من الأمراء في عمارة المسجد الحرام من النفقة مثل ما للمهدي، ﵀. وممن عمره من غير توسعة: عبد الملك بن مروان رفع جدرانه وسقفه بالساج. وعمره ابنه الوليد وسقفه بالساج المزخرف وزاده (١٠) من داخله بالرخام. وزيد فيه بعد المهدي زيادة دارة الندوة بالجانب الشامي والزيادة (١١) المعروفة بزيادة باب إبراهيم بالجانب الغربي. وكان إنشاء زيادة دار الندوة في زمن المعتضد العباسي (١٢)، وابتداء الكتابة إليه فيها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، وكان عمل الزيادة التي بباب إبراهيم في سنة ٣٧٦ هـ (١٣). ووقع في المسجد الحرام بعد ذلك عمارات كثيرة.

стр. 402

وأما ذرع المسجد الحرام غير الزيادتين: فذكره بعض المؤرخين باعتبار ذراع اليد، وحرره بعصهم بذراع العمل الحديد، فكان طوله من جداره الغربي إلى جداره الشرقي المقابل له ثلاثمائة ذراع وستة وخمسين ذراعا، وثمن ذرع بالذراع الحديد، فيكون ذلك بذراع اليد أربعمائة وسبعة أذرع وذلك من وسط جداره الغربي الذي هو جدار رباط الجوزي إلى وسط جداره الشرقي عند باب الجنائز، ثم يمر به في الحجر ملاصقا لجدار الكعبة الشامي، وكان عرضه من جداره الشامي إلى جداره اليماني مائتي ذراع وستا وستين ذراعا بذراع الحديد، فيكون بذراع اليد ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وذلك من وسط جداره القديم عند العقود إلى وسط جداره اليماني الذي فيما بين باب الصفا وباب أجياد يمر به في ما بين مقام إبراهيم والكعبة وهو إلى المقام أقرب. وأما ذرع زيادة دار الندوة فهو أربعة وسبعون ذراعا إلا ربع ذراع بالحديد وذلك من جدار المسجد الحرام الكبير إلى الجدار المقابل له الشامي منها وعنده باب منارتها (١)، هذا ذرعها طولا وأما عرضا: فسبعون ذراعا ونصف ذراع وذلك من وسط جدارها الشرقي إلى وسط جدارها الغربي. وأما زيادة باب إبراهيم: فذرعها طولا تسعة وخمسون ذراعا إلا سدس ذراع وذلك من الأساطين التي هي في موازاة جدار (٢) المسجد الكبير إلى العتبة التي هي في باب هذه الزيادة. وأما ذرعها عرضا فاثنتان وخمسون ذراعا وربع ذراع وذلك من صدر رباط الجوزي (٣) إلى جدار رباط رامشت. وأما عدد أبواب المسجد الحرام: فتسعة عشر بابا تفتح على ثمان وثلاثين طاقة، فمنها من الجانب الشرقي باب بني شيبة بثلاث طاقات، وباب السلام، وباب الجنائز طاقتان، وباب العباس ثلاث طاقات، وباب علي ثلاث طاقات. وفي الجانب اليماني: باب بازان، وباب البغلة، وباب الصفا، وباب أجياد الصغير، وباب المجاهدين، وباب مدرسة الشريف عجلان، وباب أم هاني. وكل من أبواب هذا الجانب طاقتان إلا باب الصفا فخمسة. وفي الجانب الغربي: باب غرورة وهو تصحيف لأنها الحرورة وهو طاقتان، وباب إبراهيم نسبة لإبراهيم الخياط، كان عندهم، وبعضهم ينسبه لإبراهيم الخليل،

стр. 403

﵊، وهو بعيد، وهو طاقة واحدة، وباب العمرة طاقة واحدة. وفي الجانب الشامي (١): باب السدة، وباب دار العجلة، وباب الزيادة واحدة، وباب السكينة، وكل منها طاقتان إلا باب الزيادة فهو طاقة وعدة (٢) منائره خمس منارات. وزيدت منارة سادسة لمدرسة السلطان الملك الأشرف قايتباي، نصره الله تعالى. ومما وقع في الكعبة الشريفة في شهور (٣) سنة ٣١٧ هـ (٤) في أيام المهدي (٥) بالله عبيد الله أول خلفاء الفاطميين، وكان خليفة بغداد في ذلك العصر المقتدر بالله أبو الفضل جعفر العباسي (٦)، أن أبا طاهر سليمان القرمطي (٧) صاحب البحرين قصد مكة، ودخلها يوم التروية وهو ثامن ذي الحجة، فانتهب (٨) أموال الحجاج، وقتل الناس في رحاب مكة، وشعابها حتى في المسجد وفي جوف الكعبة، ودفن القتلى ببئر (٩) زمزم وفي المسجد الحرام، وأمر بقلع باب (١٠) الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع الحجر الأسود (١١) وأخذه إلى هجر (١٢) واستمر ببلادهم اثنتين وعشرين سنة ولم يردوه إلى سنة ٣٣٩ هـ (١٣).

стр. 404

ولما صنف الإمام أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي (١) المختصر (٢) في فقه مذهب الإمام أحمد، قال في كتاب الحج - في باب ذكر الحج ودخول مكة: وإذا دخل المسجد الحرام فالاستحباب (٣) أن يدخل من باب بني شيبة فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله تعالى، ثم أتى الحجر الأسود إن كان، وإنما قال ذلك لأن تصنيفه الكتاب كان حال كون الحجر الأسود بأيدي القرامطة (٤) حين أخذوه من مكانه، ولم يردوه إلا بعد وفاة أبي القاسم الخرقي في التاريخ، المتقدم ذكره، فإن أبا القاسم، ﵀، توفي بدمشق المحروسة في سنة ٣٣٤ هـ قبل إعادة الحجر إلى مكانه بخمسين سنة ذكر صفة المسجد الأقصى وما كان في زمن عبد الملك وبعده روى الحافظ بهاء الدين بن عساكر (٥): أنه كان فيه في ذلك الوقت من الخشب المسقف سوى أعمدة خشب ستة آلاف خشبة، وفيه من الأبواب خمسون بابا. قال القرطبي منها: باب داود، وباب سليمان، وباب حطة، وباب محمد، ﵊، وباب التوبة الذي تاب الله، ، على داود فيه، وباب الرحمة، وأبواب الأسباط ستة أبواب، وباب الوليد، وباب الهاشمي، وباب الخضر، وباب السكينة - وكان فيه من العمد ستمائة عمود رخام (٦) - وفيه من المحاريب سبعة، ومن السلاسل للقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمسة عشر منها مائتا سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد الأقصى (٧) والباقي في قبة الصخرة الشريفة، وذرع السلاسل أربعة آلاف ذراع، ووزنها ثلاثة وأربعون (٨) رطلا بالشامي، وفيه من القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان يسرج مع القناديل ألفا شمعة في ليلة الجمعة

стр. 405

وليلة (١) النصف من رجب وشعبان ورمضان وفي ليلتي العيدين وفيه من القباب خمس عشرة (٢) قبة سوى قبة الصخرة، وعلى سطح المسجد من شقف الرصاص سبعة آلاف شقفة وسبعمائة، ووزن الشقفة سبعون رطلا بالشامي غير الذي على قبة الصخرة. وكل ذلك عمل في أيام عبد الملك بن مروان ورتب له من الخدام (٣) القوام ثلثمائة خادم، اشتريت له من خمس بيت المال، كلما مات منهم ميت (٤) قام مكانه ولده أو ولد ولده أو من أهلهم يجري عليهم ذلك أبدا ما تناسلوا، وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجا كبارا، وفيه من المنابر أربعة: ثلاثة منها صف واحد غربي المسجد وواحد (٥) على باب الأسباط. وكان له من الخدام (٦) اليهود الذين لا يؤخذ منهم جزية عشرة رجال، وتوالدوا فصاروا عشرين، لكنس أوساخ (٧) الناس في الموسم والشتاء والصيف، ولكنس المطاهر التي حول الجامع. وله من الخدم النصارى عشرة أهل بيت يتوارثون خدمته لعمل الحصير ولكنس حصر المسجد، وكنس القناة التي يجري فيها (٨) الماء إلى الصهاريج، وكنس الصهاريج أيضا، وغير ذلك. وله من الخدام (٩) اليهود جماعة يعملون الزجاج والقناديل والأقداح والثريات وغير ذلك، لا يؤخذ منهم جزية ولا من الذين يقومون بالقش لفتائل القناديل جاريا عليهم وعلى أولادهم أبدا ما تناسلوا من عهد عبد الملك بن مروان وهلم جرا (١٠). وتوفي عبد الملك بن مروان بدمشق في يوم الخميس لخمس عشرة (١١) ليلة

стр. 406

مضت من شهر شوال سنة ٨٦ من الهجرة الشريفة (١)، وعمره ستون سنة، وكانت خلافته منذ قتل ابن الزبير واجتماع الناس (٢) له ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر تنقص سبع ليال، وكان بالشام وما والاها قبل قتل ابن الزبير بسبع سنين ونحو تسعة أشهر. ومات الحجاج في شهر رمضان، وقيل: شوال سنة ٩٥ للهجرة (٣)، وله ثلاث وخمسون سنة، وكان موته بواسط (٤) وهو الذي بناها، وأخفي قبره، وأجري عليه الماء. ومات رجاء بن حيوة (٥) الذي تولى بناء الصخرة والمسجد الأقصى في سنة اثنتي عشرة ومائة (٦) وكان رأسه أحمر ولحيته بيضاء (٧). ولما ولي سليمان بن عبد الملك الأموي الخلافة بعد أخيه الوليد في سنة ست وتسعين من الهجرة (٨)، أتى بيت المقدس، وأتته الوفود بالبيعة، فلم ير وفادة كانت أهنأ من الوفادة إليه. فكان يجلس في قبة في صحن مسجد بيت المقدس مما يلي الصخرة، ولعلها القبة المعروفة بقبة سليمان عند باب الدويدارية، ويبسط البسط بين يدي قبته عليها النمارق والكراسي، فيجلس (٩) الناس على الكراسي والوسائد وإلى جانبه الأموال وكتاب الدواوين، وقد هم بالإقامة ببيت المقدس واتخذها منزلا، وجمع الأموال والناس بها. وكان رحمة الله يعظم العلماء، قال ابن سيرين (١٠)، ﵀: يرحم الله سليمان بن عبد الملك، افتتح خلافته بخير، فصلى الصلاة (١١) لمواقيتها،

стр. 407

وختمها بخير، فاستخلف عمر بن عبد العزيز (١) وكان يلقب بالمهدي بالله الداعي إلى الله، توفي سنة ٩٩ (٢) من الهجرة وله خمس وأربعون سنة، ﵀ (٣). وعن عطاء (٤) عن أبيه عن جده (٥) قال: كانت اليهود تسرج بيت المقدس، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أخرجهم (٦) وجعل فيه من الخمس، فأتاه رجل من أهل الخمس، وقال له: أعتقني، فقال: كيف أعتقك ولو ذهبت أنظر ما كان لي شعرة من شعر جسدك (٧). وكانت ولاية عمر بن عبد العزيز في صفر سنة ٩٩ من الهجرة (٨) الشريفة (٩)، وكان يلقب بالمعصوم بالله وخلافته سنتان وخمسة شهور، وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة ١٠١ هـ (١٠)، ﵁. وروي عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت عن أبيه عن جده: أن الأبواب كلها كانت ملبسة بصفائح الذهب والفضة في خلافة عبد الملك بن مروان فلما قدم أبو جعفر المنصور العباسي - وكان شرقي المسجد وغربيه وقد وقعا - فقيل له: يا أمير المؤمنين، قد وقع شرقي المسجد وغربيه من الرجفة في سنة ١٣٠ هـ (١١) ولو أمرت ببناء هذا المسجد وعمارته، فقال: ما عندي شيء من المال ثم أمر بقلع الصفائح الذهب والفضة التي كانت على أبوابه (١٢) فقلعت وضربت دنانير ودراهم وأنفقت عليه حتى فرغ.

стр. 408

وكانت خلافة المنصور في سنة ١٣٦ هـ (١) وهو ثاني خليفة (٢) من بني العباس وهو الذي بنى مدينة بغداد، وكان الابتداء في بنائها في سنة ١٤٥ هـ (٣)، وتوفي يوم السبت لست ليال خلت من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة (٤)، وله ٦٥ سنة، ودفن بمكة. ثم كانت الرجفة الثانية (٥) فوقع البناء الذي كان أمر به أبو جعفر، ثم قدم المهدي من بعده وهو خراب فرفع ذلك إليه فأمر ببنائه وقال: دق (٦) هذا المسجد وطال وخلا من الرجال أنقصوا من طوله وزيدوا في عرضه، فتم البناء في خلافته (٧)، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور الملقب بالمهدي، بويع بالخلافة لست خلت من ذي الحجة سنة ١٥٨ هـ (٨) بين الركن والمقام. ولما قدم المهدي يريد بيت المقدس دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعري (٩) كاتبه فقال له: يا أبا عبد الله سبقتنا (١٠) بنو أمية بثلاث فقال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بهذا البيت - يعني المسجد - لا أعلم على ظهر الأرض مثله ونيل الموالي فإن لهم موالي ليس لنا مثلهم، وبعمر بن عبد العزيز لا يكون فينا والله مثله أبدا. ثم أتى بيت المقدس ودخل الصخرة فقال: يا أبا عبد الله وهذه رابعه (١١). وتوفي المهدي في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة ١٩٩ هـ (١٢) وله ثمان وأربعون سنة. قال الحافظ ابن عساكر: وطول المسجد الأقصى سبعمائة ذراع وخمسة وخمسون ذراعا بذراع الملك وعرضه أربعمائة ذراع وخمسة وستون ذراعا بذراع

стр. 409

الملك. وكذا قال أبو المعالي المشرف. قال صاحب (مثير الغرام): أتيت إلى زيارة القدس والشام ولكن رأيت قديما بالحائط الشمالي فوق الباب الذي يلي باب الدويدارية من داخل السور بلاطة فيها طول المسجد وعرضه. وذلك مخالف لما ذكرناه فالذي فيها أن طوله سبعمائة ذراع وأربعة (١) وثمانون ذراعا وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون (٢) ذراعا. قال: ووصف فيها الذراع، لكني لم أتحقق ذلك هل هو الذراع المذكور أم غيره لتشعث الكتابة، قال: وقد ذرع بالحبال طوله وعرضه (٣) في وقتنا هذا، فجاء قدر طوله من الجهة الشرقية ستمائة ذراع وثلاثة وثمانين ذراعا ومن الغربية ستمائة وخمسين ذراعا، وجاء قدر عرضه أربعمائة وثمانية وثلاثين ذراعا خارجا عن عرض سوره (٤) انتهى. وأما طوله وعرضه في عصرنا هذا - وهو أواخر سنة تسعمائة - فسأذكرهما مستوفيا فيما بعد عند ذكر صفة المسجد الأقصى وما هو عليه في عصرنا، فأذكر طوله من جهة القبلة إلى جهة الشمال، وعرضه من جهة المشرق (٥) إلى جهة الغرب وكذلك داخل الجامع الأقصى من عند المحراب للمنبر إلى باب الدخول له وعرضه وصحن الصخرة الشريفة وارتفاع القبة واستوفى ذكر ذلك طولا وعرضا بذراع العمل الذي تذرع به الأبنية في عصرنا، وأحرر ذلك حسب الإمكان إن شاء الله تعالى. ومما وجد في بيت المقدس على بعض الصخرات ما نقله أبو سليمان الخطابي (٦) في كتابه: «العزلة عن ذي النون» (٧) أنه قال: وجدت صخرة ببيت المقدس عليها أسطر (٨) محيت فترجمتها فإذا عليها مكتوب: كل عاص مستوحش،

стр. 410

وكل مطيع مستأنس، وكل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل قانع غني، وكل محب ذليل (١). وعن أبي بكر الطوطوشي (٢) ﵀ قال: كنت ليلة قائما في الأقصى فلم يرعني إلا صوت كاد يصدع القلب وهو يقول شعر: أخوف وأمن إن ذا لعجيب … ثكلتك من قلب فأنت كذوب أما وجلال الله لو كنت صادقا … لما كان للإغماض فيك نصيب (٣) فو الله لقد أبكى العيون وأشجى القلوب. وقال سهل بن حاتم - وكان من العابدين -: حدثني أبو سعيد - رجل من الإسكندرية - قال: كنت أبيت في بيت المقدس، وكان قل ما (٤) يخلو من المتهجدين قال: فقسمت ذات ليلة بعد ما مضى من الليل طويل فنظرت فلم أر (٥) في المسجد متهجدا، وذكر أنه سمع قائلا ينشد شعرا: أيا عجبا للناس لذت عيونهم … مطاعم غمض بعده الموت ينتصب قال: فسقطت لوجهي (٦) وذهب عقلي، فلما أفقت نظرت وإذا لم يبق متهجد إلا قام (٧). وحكي (٨) أنه دخل بيت المقدس في زمن بني إسرائيل خمسمائة عذراء لباسهن الصوف يتذاكرن ثواب الله تعالى وعقابه فمتن جميعا من الخوف (٩). وذكر (١٠) البيهقي (١١) عن ابن شهاب (١٢) أنه في صبيحة قتل الحسين بن علي،

стр. 411

﵁ (١)، لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم (٢)، وكذلك يوم قتل والده علي، ﵁، وكان قتل الحسين (٣) بكربلاء في زمن يزيد بن معاوية في يوم عاشوراء سنة ٦١ من الهجرة الشريفة (٤) (٥). ذكر جماعة من أعيان التابعين والعلماء والزهاد ممن دخل إلى (٦) بيت المقدس بعد الفتح العمري وعمارة عبد الملك بن مروان فمنهم من دخله زائرا ومنهم من دخله مستوطنا، وذلك قبل استيلاء الفرنج عليه فمنهم جماعة لم أطلع على تاريخ وفاتهم، وهم: أويس بن عامر القرني (٧) من بني قرن صح عن رسول الله، ﷺ ، أنه أمر عمر أن يسأله أن يستغفر له. قيل: إنه اجتمع بعمر، ﵁، ببيت المقدس، وقيل: إنما لقيه في الموسم فقال لعمر: قد حججت واعتمرت وصليت في مسجد رسول الله، ﷺ ، ووددت لو أني صليت في المسجد الأقصى فجهزه عمر فأحسن (٨) جهازه. وأتى (٩) المسجد الأقصى فصلى فيه، ثم أتى الكوفة وخرج غازيا راجلا إلى بغداد، فأصابه البطن (١٠) والتجأ إلى أهل خيمة فمات عندهم، ومعه جراب وقعب (١١) (١٢) فقالوا لرجلين منهم: اذهبا فاحفرا له قبرا، قالوا: فنظرنا في جرابه فإذا فيه (١٣) ثوبين ليسا من ثياب أهل الدنيا، وجاء الرجلان فقالا: أصبنا قبرا

стр. 412

محفورا في صخرة كأنما رفعت عنه الأيدي الساعة فكفنوه، ثم دفنوه (١)، ثم التفتوا فلم يروا شيئا ويقال: فقد (٢) بصفين سنة ٣٧ من الهجرة الشريفة (٣)، ويقال: مات بدمشق ودفن بها، والله أعلم. وعبيد (٤) عامل عمر، ﵁، على بيت المقدس لما وقع الطاعون في بيت المقدس كان عمر استعمله عليه، فجعلت الجنائز تغسل وهو يصلي عليها، وجعل لا يحمل الجنائز إلا الشباب. وعمير بن سعد (٥) من عمال عمر بن الخطاب، ﵁، على حمص. ويعلى بن شداد (٦) أبي ثابت (٧) من الطبقة الثانية، من تابعي أهل الشام، حضر فتح بيت المقدس، وكان ثقة روى عنه جماعة. وأبو نعيم (٨) المؤذن أول من أذن ببيت المقدس، وكان (٩) عبادة بن الصامت واليا على إيلياء فأبطأ بصلاة الصبح، فأقام أبو نعيم الصلاة وصلى (١٠)، فحضر عبادة وهو يصلي، فصلى بصلاته. أبو الزبير المؤذن الدارقطني (١١)، مؤذن بيت المقدس فقال: جاءنا عمر بن الخطاب، ﵁ (١٢)، فقال: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فأجزم (١٣)، وفي رواية: فأحذر (١٤).

стр. 413

وأبو (١) سلام الحبشي (٢) واسمه محضور، يقال: الباهلي الدمشقي، كان يقدم بيت المقدس ويقرأ (٣) على عبادة بن الصامت ويروي عنه. أبو جعفر الجرشي (٤)، روي (٥) أنه قال: دخلت مع عبادة بن الصامت المسجد الأقصى (٦)، فرأى رجلا يصلي واضعا نعله عن يمينه - أو عن شماله - فقال: لولا أنك تناجي ربك لفلقت (٧) بهذه العصا رأسك تفعل كفعل أهل الكتاب (٨). وخالد بن معدان الكلاعي العبد الصالح الفقير الكبير، كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة، أتى بيت المقدس ونزل منه (٩) على ستة أميال ولم يصل فيه غير خمس صلوات (١٠). أم الدرداء (١١) هجيمة، ويقال: جهيمة، خطبها معاوية بن أبي سفيان فأبت وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: «المرأة لآخر أزواجها، فإن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتخذي بعدي زوجا» (١٢)، وكانت تأتي من دمشق إلى بيت المقدس فإذا مرت على الجبال قالت لقائدها: اسمع الجبال ما وعدها ربها، فيقرأ: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ (١٠٧)، (١٣)، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٤٧) (١٤). وكانت تجالس المساكين ببيت المقدس وتقيم

стр. 414

به نصف سنة وبدمشق نصف سنة. وأبو العوام مؤذن بيت المقدس، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن السور المذكور في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي (١). وقبيصة بن ذؤيب (٢)، وعبد الله بن محيريز (٣)، وهانئ بن كلثوم (٤) كل هؤلاء كانوا (٥) عبادا زهادا فقبيصة كان عالما ربانيا مات سنة ٨٦ من الهجرة (٦)، وابن محيريز قرشي جمحي مكي، نزل ببيت المقدس، ثم مات (٧). قال رجاء بن حيوة (٨): إن فخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر بعابدنا ابن محيريز، إنما كنت أعد بقاءه أمانا لأهل الأرض (٩)، مات قبل المائة (١٠)، وهانئ عرضت عليه إمارة فلسطين، فامتنع، وكان الثلاثة يقصرون الصلاة من الرملة إلى بيت المقدس. ومحارب بن دثار (١١) وكان قاضيا، وهو من العلماء الزهاد وحديثه مخرج في كتب الإسلام، قال: صحبنا القاسم بن عبد الرحمن (١٢) إلى بيت المقدس، فغلبنا على ثلاث: على قيام الليل، والبسط في النفقة، والكف عن الناس (١٣). وعبد الله بن فيروز الديلمي (١٤)، مقدسي ثقة، خرج له أبو داود والنسائي (١٥)

стр. 415

وابن ماجه (١)، وله أخ يقال له: الضحاك بن فيروز (٢)، ثقة أيضا. وزياد بن أبي سودة (٣) مقدسي، روى عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة، وهو من الثقات. وأبو الحسن الزهري (٤) الأندلسي (٥)، كان مقيما ببيت المقدس، سمعه أبو عبد الله محمد الصوري في بيته (٦) بمسمع محمد بن العباس العيني، قال: سمعت الشبلي (٧) وقد سأله رجل فقال: يا أبا بكر ما تقول في رجل كان له حظ في قيام الليل فتركه ثم عاوده فهو مجتهد أن يناله فلا يقدر؟ قال: فأنشد (٨): تشاغلتموا عنا بصحبة غيرنا … وأظهر تموا الهجران ما هكذا كنا (٩) (١٠) وروى عنه جماعة. وإبراهيم بن محمد بن يوسف العرباني (١١) (١٢)، نزل ببيت المقدس. وروى عن جماعة، وروى عنه جماعة، وحديثه في كتاب (١٣) ابن ماجه. أبو (١٤) عتبة الخواص (١٥) عبادة بن عباد الأرسوفي، قدم بيت المقدس، وكان ثقة، قال: رأيت ببيت المقدس شيخا كأنه محترق بنار وعليه مدرعة سوداء وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الحزن، فقلت: يرحمك

стр. 416

الله لو غيرت لباسك هذا فقد علمت ما جاء في البياض، فبكى، وقال: هذا أشبه بلباس المصاب، وإنما نحن في الدنيا في حداد، وكأنا قد دعينا، ثم غشي عليه (١)، وعابد ببعض قرى بيت المقدس في زمن ثور بن يزيد. قال محمد بن الفيض بن محمد الفياض (٢) (٣): سمعت أبي يقول: سمعت منبه بن عثمان اللخمي (٤) يقول: كان ثور بن يزيد قد سكن بيت المقدس، وكان رجلا متعبد في بعض قرى بيت المقدس يجلس إلى ثور بن يزيد، وكان يغدو من قريته مع الفجر، فيصلي الصلوات (٥) كلها في بيت المقدس، فينصرف بعد العشاء الآخرة إلى قريته، وقد سمع ثورا يحدث: أن خالد بن معدان حدثه بحديث رفعه إلى رسول الله (٦)، ﷺ ، قال: «من رأى شيئا يهوله أو يفزعه فليقل: إن الله هو الذي ليس كمثله شيء وهو الواحد القهار، فما قالها (٧) أحد إلا فرج الله عنه ولو كان بين يديه سور من حديد» (٨). وانصرف ذلك الرجل ليلة من الليالي إلى الطريق فإذا بأسود (٩) بين يديه قد منعه من المسير، فذكر حديث خالد فقاله: ففرج الله عنه ومضى (١٠) فلقيه حمار وحش فاتحا فاه يخرج منه لهب يريد ليأكل يده، فذكر حديث ثور فقاله، فولى الحمار وهو يقول: لا يرحم الله ثورا كما علمك (١١). وعبد الله بن عامر العامري (١٢)، قال: سألت راهبا ببيت المقدس فقلت له: يا

стр. 417

راهب ما أول الدخول في العبادة؟ قال: الجوع، قلت: وما دليل ذلك؟ قال: لأن الجسد خلق من تراب والروح من ملكوت السماء (١)، فإذا شبع الجسد ركن إلى الأرض، وإذا لم يشبع اشتاق إلى الملكوت، قلت: ما سبب الجوع؟ قال: ملازمة الذكر والخضوع (٢). وأبو عبد الله حصين، خرج من شيراز (٣) إلى مكة، ثم إلى بيت المقدس، ثم دخل الشام، ﵀. وقاسم الزاهد (٤) قال: رأيت راهبا على باب بيت المقدس، كالولهان لا يرقأ له دمع فهالني أمره فقلت: يا أيها الراهب أوصيني وصية أحفظها عنك، فقال: كن كرجل احتوشته السباع والهوام فهو خائف مذعور يخاف أن يسهو فتفترسه أو يلهو فتنهشه، فليله ليل مخافة إذا أمن فيه المغترون ونهاره نهار حزن إذا فرح فيه البطالون ثم ولى وتركني فقلت: لو زدتني شيئا عسى الله أن ينفعني به، فقال: يا هذا إن الظمآن يكفيه من الماء يسيره (٥). ومحمد بن حاتم بن محمد بن عبد الكريم الطائي (٦) أبو الحسن الطوسي، تفقه على إمام الحرمين، وكان صدوقا فقيها خيرا (٧) صوفيا. دخل بيت المقدس وسمع به الحديث. أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري (٨)، الفقيه المالكي، سكن مصر وروى بها الحديث (٩) عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (١٠) وغيره، قال ابن الوليد: أنبأنا أبو محمد بن أبي زيد قال: جماع من آداب الخير

стр. 418

وأزمته في أربعة أحاديث قول النبي، ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله الذي انتصر له في الوصية: «لا تغضب»، وقوله: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه». توفي ابن الوليد ببيت المقدس، ووفاة ابن أبي زيد في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (١)، فيعلم من ذلك العصر الذي كان فيه ابن الوليد. جعفر (٢) بن محمد النيسابوري (٣) قدم بيت المقدس سنة سبعين وثلاثمائة (٤)، وقال: سمعت الحسن بن الصباغ البزار (٥) يقول: سمعت الوليد بن مسلم يقول: سمعت بلال بن سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر من عصيت (٦)، والله أعلم (٧). ومنهم جماعة أرخت وفياتهم وذكرتهم على ترتيب الوفيات، وهم: كعب الأحبار بن ماتع (٨) الحميري، أبو إسحاق الحميري، كان يهوديا فأسلم في خلافة أبي بكر، وقيل: عمر. قال له العباس: ما منعك الإسلام إلى عهد عمر؟ فقال: إن أبي كتب لي كتابا من التوراة ودفعه إلىّ وقال: اعمل بهذا، وختم على سائر كتبه وأخذ عليّ بحق الوالدين لا أفض الخاتم، فلما رأيت الإسلام يظهر قالت لي نفسي: لعل أباك غيب عنك علما كتمك (٩) فلو قرأته، ففضضت الكتاب فوجدت فيه صفة محمد، ﷺ ، وأمته فأسلمت الآن (١٠). سكن الشام، وروى عنه جماعة من الصحابة كأبي هريرة، وتقدم أنه دخل بيت المقدس، واستشاره عمر في وضع (١١) القبلة، توفي بحمص في سنة ٣٢ من الهجرة في زمن خلافة عثمان، ﵁. وإبراهيم بن أبي عبلة العقيلي المقدسي (١٢)، روى عن أبي أمامة وأنس وروى

стр. 419

عنه الإمامان مالك وابن المبارك توفي في سنة ٥٢ من الهجرة (١). وجبير بن نفير (٢) الحضرمي الحمصي (٣)، في الطبقة الأولى من التابعين، أدرك زمن النبي، ﷺ ، وأسلم زمن أبي بكر الصديق، ﵁، أتى بيت المقدس للصلاة، وروى عن خالد بن الوليد وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت والنواس بن سمعان (٤). قال جبير: خمس خصال قبيحة: الحدة في السلطان، والحرص في العلماء، والقسوة (٥) في الشيوخ، والشح في الأغنياء، وقلة الحياء في ذوي الأحساب (٦). توفي جبير سنة خمس وسبعين من الهجرة الشريفة (٧). وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، كان مسلما في زمن النبي، ﷺ ، ولكنه لم يفد إليه، لكنه لازم معاذ بن جبل منذ بعثه رسول الله، ﷺ ، إلى اليمن حتى مات معاذ، وسمع عمر بن الخطاب. قال صاحب (مثير الغرام) (٨): أظنه قدم بيت المقدس فإنه هو الذي فقه عامة التابعين بالشام. توفي سنة تسع وسبعين من الهجرة الشريفة (٩). وخالد (١٠)، كان بصخرة بيت المقدس، فجاء عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين فأخذه وقال: يا خالد ما علينا؟ قال: عليكم من الله أذن سميعة وعين بصيرة، فارتعد عمر خوفا من الله ونزع يده فقال خالد: يوشك أن يكون هذا إماما عادلا، ولزم خالد بيته في آخر أمره وقال: ما بقي من الناس إلا حاسد أو شامت، توفي سنة تسعين من الهجرة الشريفة (١١).

стр. 420

ومالك بن دينار (١) (٢)، من الأئمة الأعلام، روى عن أنس، وأخرج له أصحاب السنن أبو داود والترمذي والنسائي (٣) وابن ماجه، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (٤). ومحمد بن واسع (٥)، ثقة، زاهد من أهل البصرة من الأزد، روى عن أنس بن مالك وغيره، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، جمعته (٦) الطريق ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد (٧)، وساروا إلى بيت المقدس، توفي سنة تسع وعشرين ومائة. أم الخير رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية (٨)، مولاة آل عقيل الصالحة المشهورة، كانت من أعيان عصرها وأخيارها في الصلاح والعبادة مشهورة، وكانت تقول في مناجاتها: إلهي أتحرق بالنار قلبا يحبك، فهتف بها مرة هاتف: ما كنا نفعل هذا فلا تظني بنا ظن السوء. ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم. وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف (٩): إني جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للحبيب مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي (١٠) توفيت سنة خمس وثلاثين، وقيل: ثمانين مائة، وقبرها على رأس جبل طور زيتا شرقي بيت المقدس بجوار مصعد السيد عيسى، ﵇، من جهة القبلة

стр. 421

وهي في زاوية ينزل إليها من درج، وهو مكان مأنوس يقصد للزيارة (١). ومن النساء العابدات ببيت المقدس امرأة تسمى طافية كانت تأتي بيت المقدس تتعبد فيه، وامرأة أخرى تسمى لبابة، ذكرهما ابن الجوزي (٢)، وذكر عدة من العابدات المجهولات الأسماء ولم يؤرخ وفاة واحدة منهن. وسليمان بن طرخان (٣)، أبو المعتمر التميمي (٤)، نزل بالبصرة وسمع أنسأ وكان يقول: إذا دخلت بيت المقدس كأن نفسي لا تدخل معي حتى أخرج منه، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة (٥). ومقاتل بن سليمان المفسر، قدم بيت المقدس، فصلى فيه، وجلس عند باب الصخرة القبلي، واجتمع إليه خلق كثير من الناس يكتبون عنه، ويسمعون منه، فأقبل بدوي يطأ بنعليه (٦) على البلاط وطأ شديدا، فسمع مقاتل فقال لمن حوله: انفرجوا فانفرج الناس عنه، فأهوى بيده يشير إليه ويزيده بصوته: أيها الواطئ أرفق بوطئك فو الذي نفس مقاتل بيده ما تطأ إلا على أجاجين (٧) الجنة (٨). وفي كلام آخر قال الشافعي (٩)، ﵁: الناس كلهم عيال على ثلاثة: مقاتل بن سليمان في التفسير وذكر الآخرين (١٠)، توفي مقاتل سنة خمسين ومائة (١١). والأوزاعي، عبد الرحمن بن عمر، وأحد الأئمة الأعلام، فقيه الشام، كان رأسا في العلم والعبادة. قدم بيت المقدس فصلى فيه ثماني (١٢) ركعات والصخرة وراءه، ثم صلى فيه الخمس، وقال: هكذا فعل عمر بن عبد العزيز، ولم يأت شيئا

стр. 422

من المزارات (١). وتوفي (٢) في الحمام سنة سبع وخمسين ومائة (٣). وسفيان الثوري (٤)، هو ابن سعيد بن مسروق، الإمام العالم، المجمع على صدقه وورعه (٥)، أتى المسجد الأقصى، فصلى فيه بموضع الجماعة، وأتى قبة الصخرة، وختم فيها القرآن، وروى أنه اشترى موزا بدرهم (٦) فأكل منه في ظلها، ثم قال: إن الحمار إذا وفي عليقه - أو قال: علفه - زيد في عمله. ثم قام يصلي حتى رحمه من رآه (٧)، توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة. وإبراهيم بن أدهم (٨)، أبو إسحاق (٩) من كورة بلخ أحد الزهاد وهو من تقات أتباع التابعين، ومن أبناء الملوك، خرج يوما يتصيد وأثار ثعلبا - أو أرنبا - وأسرع في طلبه، فهتف به هاتف: ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به من قربوس (١٠) سرجه: والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته وترك الإمارة. ودخل البادية وتزهد وصحب الإمام أبا حنيفة، وله من الكرامات (١١) ما هو مشهور بها، قدم بيت المقدس وقام بالصخرة الشريفة، وسكن الشام، وتوفي بمدينة جبلة من أعمال طرابلس، وقبره مشهور بها. قال صاحب (مثير الغرام) (١٢): أنه مات ببلاد الروم ووفاته في سنة إحدى وستين ومائة (١٣). الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم عالم أهل مصر، كان نظير مالك في العلم، قيل: كان دخله في السنة (١٤) ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه

стр. 423

زكاة، وفي رواية: لا ينقضي عليه عام إلا وعليه دين من كثرة جوده وبره (١)، وقدم بيت المقدس. قال الليث: لما ودعت أبا جعفر - يعني الخليفة - ببيت المقدس قال: أعجبني ما رأيت من شدة عقلك فالحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك. ويقال: إنه كان حنفي المذهب، وأنه ولي القضاء بمصر. ولد سنة اثنتين وتسعين من الهجرة الشريفة (٢)، وتوفي يوم الخميس منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة (٣)، ودفن يوم الجمعة بالقرافة (٤) الصغرى وقبره أحد المزارات. قال بعض الصحابة: لما دفن الليث بن سعد سمعنا صوتا وهو يقول: ذهب الليل فلا ليث لكم … ومضى العلم غريبا وفتر قال: فالتفتنا فلم نر أحدا. وترجمه الشافعي، ﵁، ترجمة عظيمة، وكان يأتي إلى قبره بالقرافة كل عشية جمعة ويستمر حتى يقرأ على قبره ختما كاملا فاستمر أهل مصر يفعلون ذلك بقبره في عشية كل جمعة إلى يومنا هذا، ويختلفون لذلك، ولهم فيه اعتقاد عظيم، وله سر ظاهر (٥) وأحوال بارزة، نفعنا الله به. ووكيع بن الجراح بن مليح (٦)، أبو سفيان الرواسي، مولده سنة تسع وعشرين ومائة (٧)، وكان من الأعلام، وهو من الرواة عن الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، وروى عنه الإمام أحمد أيضا، وقال عنه: ما رأيت أوعى للعلم منه ولا أحفظ (٨). قدم بيت المقدس وأحرم منه إلى مكة. توفي يوم عاشوراء، ودفن بفيد راجعا من الحج سنة تسع، وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائة (٩). الإمام الأعظم والحبر الأكرم محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، أحد الأئمة المجتهدين الأعلام، إمام أهل السنة ركن الإسلام، ولد بغزة من بلاد الشام على

стр. 424

الأصح في سنة خمسين ومائة (١) وهي التي توفي فيها أبو حنيفة (٢)، ﵁، وقيل: في اليوم الذي مات فيه. خرج كتاب الأم وكتاب السنن وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين، قدم بيت المقدس فصلى فيه وقال: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة رسوله (٣)، ﷺ ، فقيل له: ما تقول في محرم قتل زنبورا؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤)، وحدثنا ابن عيينة (٥) عن عبد الملك بن عمير (٦) عن حذيفة قال: قال رسول الله، ﷺ : «اقتدوا بالذين من بعدي بأبي بكر وعمر» (٧)، وحدثنا ابن عيينة عن مسعود عن قيس بن مسلم (٨) عن طارق بن شهاب: أن عمر أمر المحرم بقتل الزنبور (٩). توفي (١٠) الإمام الشافعي، ﵁، بمصر يوم الجمعة، ودفن من يومه بعد العصر آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤ هـ بالقرافة الصغرى، وقبره مشهور يزار، نفعنا الله به. وأما الأئمة الثلاثة، ﵃، فلم أطلع على شيء يدل على قدوم أحد منهم بيت المقدس. والمؤمل بن إسماعيل البصري (١١)، صدوق، وكان شديدا في السنة، قدم بيت المقدس، وأعطى به قوما شيئا وداروا به تلك الأماكن، توفي سنة ست ومائتين (١٢). وبشر بن الحارث الحافي (١٣)، أحد رجال الطريقة من كبار الصالحين وأعيان

стр. 425

الأتقياء المتورعين، أصله من مرو من قرية من قراها، وسكن بغداد وإنما لقب بالحافي: لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعا لأحد نعليه، وكان قد انقطع فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس؟ فألقى النعل من رجله وحلف لا يلبس نعلا بعدها، ولد سنة خمسين مائة (١). قيل له: لم يفرح الصالحون ببيت المقدس؟ قال لأنها تذهب الهم ولا تشتغل (٢) النفس بها. وقال: ما بقي عندي من لذات الدنيا إلا أن أستلقي على جنب تحت السماء بجامع بيت المقدس (٣)، توفي في شهر ربيع الاخر سنة ست، وقيل: سبع وعشرين ومائتين (٤) ببغداد، وقيل: بمرو. وذو النون المصري (٥)، أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم، الصالح المشهور، أحد رجال الطريقة، قدم بيت المقدس، وقال (٦). وجدت على صخرة بيت المقدس: كل عاص مستوحش، وكل مطيع مستأنس، وكل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل قانع غني، وكل محب ذليل، قال: فرأيت هذه الكلمات أصول ما استعبد الله به الخلق، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين (٧). والسري بن المغلس السقطي (٨)، قدم بيت المقدس، وروى عنه جماعة. قال (٩): خرجت من الرملة إلى بيت المقدس الشريف (١٠)، فمررت بمشرفة وغدير ماء وعشب نابت، فجلست آكل من العشب وأشرب من الماء، فقلت في نفسي: إن كنت أكلت أو شربت في الدنيا حلالا فهو هذا، فسمعت هاتفا يقول: يا سري فالنفقة التي بلغتك من أين؟ توفي سنة إحدى وخمسين ومائتين (١١).
следующие страницы →