← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهي في زاوية ينزل إليها من درج، وهو مكان مأنوس يقصد للزيارة (١). ومن النساء العابدات ببيت المقدس امرأة تسمى طافية كانت تأتي بيت المقدس تتعبد فيه، وامرأة أخرى تسمى لبابة، ذكرهما ابن الجوزي (٢)، وذكر عدة من العابدات المجهولات الأسماء ولم يؤرخ وفاة واحدة منهن. وسليمان بن طرخان (٣)، أبو المعتمر التميمي (٤)، نزل بالبصرة وسمع أنسأ وكان يقول: إذا دخلت بيت المقدس كأن نفسي لا تدخل معي حتى أخرج منه، توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة (٥). ومقاتل بن سليمان المفسر، قدم بيت المقدس، فصلى فيه، وجلس عند باب الصخرة القبلي، واجتمع إليه خلق كثير من الناس يكتبون عنه، ويسمعون منه، فأقبل بدوي يطأ بنعليه (٦) على البلاط وطأ شديدا، فسمع مقاتل فقال لمن حوله: انفرجوا فانفرج الناس عنه، فأهوى بيده يشير إليه ويزيده بصوته: أيها الواطئ أرفق بوطئك فو الذي نفس مقاتل بيده ما تطأ إلا على أجاجين (٧) الجنة (٨). وفي كلام آخر قال الشافعي (٩)، ﵁: الناس كلهم عيال على ثلاثة: مقاتل بن سليمان في التفسير وذكر الآخرين (١٠)، توفي مقاتل سنة خمسين ومائة (١١). والأوزاعي، عبد الرحمن بن عمر، وأحد الأئمة الأعلام، فقيه الشام، كان رأسا في العلم والعبادة. قدم بيت المقدس فصلى فيه ثماني (١٢) ركعات والصخرة وراءه، ثم صلى فيه الخمس، وقال: هكذا فعل عمر بن عبد العزيز، ولم يأت شيئا

стр. 422

من المزارات (١). وتوفي (٢) في الحمام سنة سبع وخمسين ومائة (٣). وسفيان الثوري (٤)، هو ابن سعيد بن مسروق، الإمام العالم، المجمع على صدقه وورعه (٥)، أتى المسجد الأقصى، فصلى فيه بموضع الجماعة، وأتى قبة الصخرة، وختم فيها القرآن، وروى أنه اشترى موزا بدرهم (٦) فأكل منه في ظلها، ثم قال: إن الحمار إذا وفي عليقه - أو قال: علفه - زيد في عمله. ثم قام يصلي حتى رحمه من رآه (٧)، توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة. وإبراهيم بن أدهم (٨)، أبو إسحاق (٩) من كورة بلخ أحد الزهاد وهو من تقات أتباع التابعين، ومن أبناء الملوك، خرج يوما يتصيد وأثار ثعلبا - أو أرنبا - وأسرع في طلبه، فهتف به هاتف: ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به من قربوس (١٠) سرجه: والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته وترك الإمارة. ودخل البادية وتزهد وصحب الإمام أبا حنيفة، وله من الكرامات (١١) ما هو مشهور بها، قدم بيت المقدس وقام بالصخرة الشريفة، وسكن الشام، وتوفي بمدينة جبلة من أعمال طرابلس، وقبره مشهور بها. قال صاحب (مثير الغرام) (١٢): أنه مات ببلاد الروم ووفاته في سنة إحدى وستين ومائة (١٣). الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم عالم أهل مصر، كان نظير مالك في العلم، قيل: كان دخله في السنة (١٤) ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه

стр. 423

زكاة، وفي رواية: لا ينقضي عليه عام إلا وعليه دين من كثرة جوده وبره (١)، وقدم بيت المقدس. قال الليث: لما ودعت أبا جعفر - يعني الخليفة - ببيت المقدس قال: أعجبني ما رأيت من شدة عقلك فالحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك. ويقال: إنه كان حنفي المذهب، وأنه ولي القضاء بمصر. ولد سنة اثنتين وتسعين من الهجرة الشريفة (٢)، وتوفي يوم الخميس منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة (٣)، ودفن يوم الجمعة بالقرافة (٤) الصغرى وقبره أحد المزارات. قال بعض الصحابة: لما دفن الليث بن سعد سمعنا صوتا وهو يقول: ذهب الليل فلا ليث لكم … ومضى العلم غريبا وفتر قال: فالتفتنا فلم نر أحدا. وترجمه الشافعي، ﵁، ترجمة عظيمة، وكان يأتي إلى قبره بالقرافة كل عشية جمعة ويستمر حتى يقرأ على قبره ختما كاملا فاستمر أهل مصر يفعلون ذلك بقبره في عشية كل جمعة إلى يومنا هذا، ويختلفون لذلك، ولهم فيه اعتقاد عظيم، وله سر ظاهر (٥) وأحوال بارزة، نفعنا الله به. ووكيع بن الجراح بن مليح (٦)، أبو سفيان الرواسي، مولده سنة تسع وعشرين ومائة (٧)، وكان من الأعلام، وهو من الرواة عن الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، وروى عنه الإمام أحمد أيضا، وقال عنه: ما رأيت أوعى للعلم منه ولا أحفظ (٨). قدم بيت المقدس وأحرم منه إلى مكة. توفي يوم عاشوراء، ودفن بفيد راجعا من الحج سنة تسع، وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائة (٩). الإمام الأعظم والحبر الأكرم محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، أحد الأئمة المجتهدين الأعلام، إمام أهل السنة ركن الإسلام، ولد بغزة من بلاد الشام على

стр. 424

الأصح في سنة خمسين ومائة (١) وهي التي توفي فيها أبو حنيفة (٢)، ﵁، وقيل: في اليوم الذي مات فيه. خرج كتاب الأم وكتاب السنن وأشياء كثيرة كلها في أربع سنين، قدم بيت المقدس فصلى فيه وقال: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة رسوله (٣)، ﷺ ، فقيل له: ما تقول في محرم قتل زنبورا؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤)، وحدثنا ابن عيينة (٥) عن عبد الملك بن عمير (٦) عن حذيفة قال: قال رسول الله، ﷺ : «اقتدوا بالذين من بعدي بأبي بكر وعمر» (٧)، وحدثنا ابن عيينة عن مسعود عن قيس بن مسلم (٨) عن طارق بن شهاب: أن عمر أمر المحرم بقتل الزنبور (٩). توفي (١٠) الإمام الشافعي، ﵁، بمصر يوم الجمعة، ودفن من يومه بعد العصر آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤ هـ بالقرافة الصغرى، وقبره مشهور يزار، نفعنا الله به. وأما الأئمة الثلاثة، ﵃، فلم أطلع على شيء يدل على قدوم أحد منهم بيت المقدس. والمؤمل بن إسماعيل البصري (١١)، صدوق، وكان شديدا في السنة، قدم بيت المقدس، وأعطى به قوما شيئا وداروا به تلك الأماكن، توفي سنة ست ومائتين (١٢). وبشر بن الحارث الحافي (١٣)، أحد رجال الطريقة من كبار الصالحين وأعيان

стр. 425

الأتقياء المتورعين، أصله من مرو من قرية من قراها، وسكن بغداد وإنما لقب بالحافي: لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعا لأحد نعليه، وكان قد انقطع فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس؟ فألقى النعل من رجله وحلف لا يلبس نعلا بعدها، ولد سنة خمسين مائة (١). قيل له: لم يفرح الصالحون ببيت المقدس؟ قال لأنها تذهب الهم ولا تشتغل (٢) النفس بها. وقال: ما بقي عندي من لذات الدنيا إلا أن أستلقي على جنب تحت السماء بجامع بيت المقدس (٣)، توفي في شهر ربيع الاخر سنة ست، وقيل: سبع وعشرين ومائتين (٤) ببغداد، وقيل: بمرو. وذو النون المصري (٥)، أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم، الصالح المشهور، أحد رجال الطريقة، قدم بيت المقدس، وقال (٦). وجدت على صخرة بيت المقدس: كل عاص مستوحش، وكل مطيع مستأنس، وكل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل قانع غني، وكل محب ذليل، قال: فرأيت هذه الكلمات أصول ما استعبد الله به الخلق، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين (٧). والسري بن المغلس السقطي (٨)، قدم بيت المقدس، وروى عنه جماعة. قال (٩): خرجت من الرملة إلى بيت المقدس الشريف (١٠)، فمررت بمشرفة وغدير ماء وعشب نابت، فجلست آكل من العشب وأشرب من الماء، فقلت في نفسي: إن كنت أكلت أو شربت في الدنيا حلالا فهو هذا، فسمعت هاتفا يقول: يا سري فالنفقة التي بلغتك من أين؟ توفي سنة إحدى وخمسين ومائتين (١١).

стр. 426

ومحمد بن كرام (١) المتكلم الذي تنسب إليه الفرقة الكرامية الذين (٢) ينسب إليهم تجويز وضع الأحاديث للترغيب والترهيب، وكرام - بفتح الكاف وتشديد الراء - على وزن جمال: أبو عبد الله السجستاني العابد، ومنهم من يقول: محمد بن كرام - بكسر الكاف وتخفيف الراء - وروى عن جماعة، وكان حبسه طاهر بن عبد الله، فلما أطلقه ذهب إلى ثغور الشام، ثم عاد إلى نيسابور (٣)، فحبسه محمد بن طاهر بن عبد الله، فطال حبسه وكان يتأهب إلى صلاة الجمعة فيمنعه السجان فيقول: اللهم إنك تعلم أن المنع من غيري. أقام ببيت المقدس، وكان يجلس للوعظ عند العمود الذي عند مهد عيسى واجتمع عليه خلق كثير، ثم تبين لهم أنه يقول: أن الإيمان قول، فتركه أهل القدس، توفي ببيت المقدس ليلا، ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام (٤)، وله ببيت المقدس نحو عشرين سنة، وكانت وفاته في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين (٥). قلت: والباب المعروف بباب أريحا قد اندرس (٦) لطول المدة واستيلاء الفرنج ولم يبق له أثر، والظاهر أنه كان عند انتهاء البناء الذي كان متصلا بطور زيتا، وكذلك قبور الأنبياء لا يعلم مكانها لطول المدة واستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة. وصالح بن يوسف أبو شعيب المقنع (٧)، الواسطي (٨) الأصل، يقال: إنه حج تسعين حجة راجلا في كل حجة منها يحرم من صخرة بيت المقدس، وكان يدخل بادية تبوك على التجريد والتوكل (٩). توفي بمدينة الرملة سنة اثنتين وثمانين ومائتين (١٠). حكي أنه يستشفى بقبره ويستجاب الدعاء عنده. قلت: ولم يعلم الآن

стр. 427

قبره لطول الزمان واستيلاء الكفار (١) على تلك الأراضي مدة طويلة، ﵀ وإيانا (٢). وبكر بن سهل الدمياطي (٣) المحدث، قدم بيت المقدس فجمعوا له ألف دينار حتى روى لهم التفسير، توفي في ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائتين (٤). وأحمد بن يحيى البزاز البغدادي (٥)، حكى عنه أبو الحسن علي بن محمد الجلال البغدادي (٦) أنه أخبره: أنه قدم من مكة إلى بيت المقدس، فندم على مجيئه وقال: تركت الصلاة بمكة بمائة ألف صلاة، وهنا بخمسة وعشرين صلاة، وبمكة تنزل مائة وعشرون ألف رحمة للطائعين والمصلين والناظرين. وأراد الخروج إلى مكة فرأى النبي، ﷺ ، وذكر له ما خطر له من الفضل فقال له النبي، ﷺ : «نعم هناك تنزل الرحمة نزولا، وهنا تصب (٧) الرحمة صبا، ولو لم يكن لهذا الموضع محل عظيم (٨) - وأشار بيده إلى موضع الإسراء عند قبة المعراج - لما أسري به إليه، فأقام الرجل بالقدس إلى أن مات به، وكانت هذه الرؤيا في رجب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة (٩). والشيخ سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي الضرير، صاحب شرح المفتاح لابن القاص (١٠)، وله أيضا مصنف مفرد في التقاء الختانين، كان عديم النظر في زمنه (١١) لأجل ما خصه الله تعالى به من حضور القلب وصفاء الذهن وكثرة الحفظ، وقد ذكره جماعة وأثنوا عليه، توفي سنة ثمانين وأربعمائة (١٢). وشيخ الإسلام الإمام العالم (١٣) الحبر أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن

стр. 428

علي بن أحمد الشيرازي (١)، ثم المقدسي الأنصاري الحنبلي، شيخ الشام في وقته، وهو من أصحاب القاضي أبي يعلى بن الفراء (٢) إمام الحنابلة، قدم الشام فسكن بيت (٣) المقدس، وهو الذي نشر الإمام مذهب أحمد، ﵁، فيما حوله، ثم أقام بدمشق، فنشر المذهب بها، وكان له أتباع وتلامذة، ويقال: إنه اجتمع مع الخضر، ﵇، دفعتين، وكان يتكلم في عدة أوقات على الخاطر كما كان يتكلم ابن القزويني الزاهد. له تصانيف منها: المبهج والإيضاح (٤)، والتبصرة في أصول الدين (٥)، ومختصر في الحدود في أصول الفقه، ومسائل الامتحان (٦). ويقال: إن له كتاب الجواهر في التفسير وهو ثلاث مجلدات. توفي في يوم الأحد ثامن عشر من ذي الحجة سنة ست وثمانين وأربعمائة (٧) بدمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير، رحمه الله تعالى. والشيخ العلامة أبو الفتح نصر (٨) بن إبراهيم بن نصر المقدسي النابلسي الشافعي، شيخ المذهب بالشام، صاحب التصانيف مع الزهد والعبادة، سمع الحديث وأملى وحدث. أقام بالقدس مدة طويلة بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة بالناصرية. والظاهر أن تسميتها بالناصرية نسبة للشيخ نصر، ثم عرفت بالغزالية لإقامة الغزالي (٩) بها. ثم قدم دمشق فسكنها وعظم شأنه. وحكى بعض أهل العلم، قال: صحبت إمام الحرمين (١٠)، ثم صحبت الشيخ

стр. 429

أبا إسحاق (١)، فرأيت طريقته أحسن ثم صحبت الشيخ نصر فرأيت طريقته أحسن منهما. ولما قدم الغزالي (٢) دمشق، اجتمع به واستفاد منه. ومن تصانيفه: التهذيب (٣) وكتاب التقريب (٤) (٥)، وكتاب الفصول، وكتاب الكافي (٦)، وله شرح متوسط على مختصر شيخه سليمان (٧) بن أيوب الرازي سماه الإشارة (٨)، وكتاب الحجة على تارك المحجة (٩) (١٠). توفي يوم عاشوراء سنة تسعين وأربعمائة (١١) بدمشق. ودفن بالباب الصغير، ﵀. والفقيه أبو الفضل عطاء (١٢) شيخ الشافعية بالقدس الشريف، فقيها وعالما، وشيخ الصوفية طريقة، كان في زمن الشيخ نصر المقدسي رحمهما الله. والشيخ الإمام العالم أبو المعالي المشرف بن المرجا بن إبراهيم المقدسي (١٣) كان من علماء بيت المقدس، له كتاب فضائل البيت المقدس والصخرة (١٤)، وما اتصل بذلك من أخبار وآثار لفضائل الشام، وهو كتاب مفيد رواه بالأسانيد، رواه عنه أبو القاسم مكي الرميلي، الآتي ذكره بعده. ولم أطلع لأبي المعالي على ترجمة ولا تاريخ وفاة، ولكنه كان في عصر أبي القاسم المذكور. الشيخ أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين بن القاسم الأنصاري الرميلي الشافعي الحافظ، مولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (١٥)، كانت الفتاوى تأتي إليه

стр. 430

من مصر والشام وغيرها. وكان من الجوالين في الآفاق، كثير النصب (١) (٢) والسهر والتعب. وكان ورعا سمع بالقدس وبلاد كثيرة، وشرع في تاريخ بيت المقدس وفضائله وجمع فيه أشياء كثيرة. ولمّا أخذ الفرنج بيت المقدس في سنة اثنتين (٣) وتسعين وأربعمائة أخذوه أسيرا وبعثوه إلى البلاد ينادي في فكاكه بألف دينار، لما علموا أنه من علماء المسلمين، فلم يستفكه أحد، فرموه بالحجارة على باب أنطاكية حتى قتلوه، ﵀. وقال السبكي ﵀ في (طبقات الشافعية): أنهم قتلوه ببيت المقدس في اليوم الثاني عشر من شعبان سنة ٤٩٢ هـ (٤). أبو القاسم عبد الجبار أحمد بن يوسف الرازي الشافعي تفقه على الخجندي (٥) بأصبهان (٦)، ثم استوطن بغداد مدة، ثم انتقل إلى بيت المقدس وسلك سبيل الورع والانقطاع إلى الله تعالى إلى أن استشهد على يد الفرنج، لعنهم الله تعالى، حين أخذهم القدس في شعبان سنة ٤٩٢ هـ (٧). والغزالي الإمام زين الدين حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الشافعي (٨)، ولد سنة خمسين وأربعمائة (٩) ولم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله. اشتغل في مبدأ أمره بطوس (١٠)، ثم قدم نيسابور وصار من الأعيان المشار إليهم وارتفعت منزلته. أقام بدمشق ثم انتقل إلى بيت المقدس مجتهدا في العبادة والطاعة وزيارة المشاهد والمواضع العظيمة، وأخذ في التصانيف المشهورة ببيت المقدس فيقال: إنه صنف بالقدس إحياء علوم الدين، وأقام بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة قبل ذلك بالناصرية شرقي مسجد بيت

стр. 431

المقدس فسميت الغزالية (١) نسبة إليه، وقد خربت ودثرت. توفي بطوس يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة ٥٠٥ هـ (٢)، ﵀ (٣). القاضي محمد بن حسن بن موسى بن عبد الله اللاشاعوني التركي الحنفي، ويعرف بالإشتلي، ولي قضاء بيت المقدس فشكوا منه فعزل، ثم ولي قضاء دمشق، وكان عالما في مذهب أبي حنيفة، وهو الذي رتب الإقامة مثنى، وكان شديد التعصب. توفي في جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة (٤). والإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المعروف بابن القيسراني (٥)، كذا اسمه في تاريخ ابن خلكان (٦)، وقيل: اسمه علي بن أحمد بن محمد بن طاهر المقدسي الجوال في الآفاق الجامع بين الذكاء والحفظ وحسن التصنيف وجودة الخط. ولد ببيت المقدس في سادس شوال سنة ٤٤٨ هـ (٧)، وحدث في سنة ٤٦٠ هـ (٨) وأول من سمعه الفقيه نصر المقدسي، وكان من المشهورين بالحفظ والمعرفة بعلوم الحديث وله في ذلك مصنفات ومجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته، وصنف تصانيف كثيرة منها: أطراف الكتب الستة (٩) وهي: صحيح البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأطراف الغريب (١٠) تصنيف الدارقطني (١١)، وكتاب الأنساب (١٢) في جزء لطيف، وهو الذي ذيله

стр. 432

الحافظ أبو موسى الأصبهاني، وغير ذلك من الكتب، وله شعر حسن، وكتب عنه غير واحد من الحفاظ منهم: أبو موسى المذكور. رحل إلى بغداد في سنة ٤٦٧ هـ (١) ثم رجع إلى بيت المقدس وأحرم منه إلى مكة توفي ببغداد يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول (٢) سنة ٥٠٧ (٣) هـ (٤) ودفن بالمقبرة العتيقة بالجانب الغربي. وكان ولده أبو زرعة طاهر من المشهورين بعلو الإسناد وكثرة السماع، وقدم بغداد للحج فحدث بها بأكثر مسموعاته (٥) وسمع منه الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة (٦) والقيسراني - بفتح القاف والسين المهملة بينهما ياء مثناة من تحتها ثم راء مفتوحة وبعد الألف نون -، هذه النسبة إلى قيسرية بلدة على ساحل البحر ببلاد الشام. وأبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون القرشي الكوفي (٧)، الحافظ، كان دينا خيرا (٨) ثقة، وصل إلى الشام وسمع الحديث ببيت المقدس وعنده فوائد تتعلق بالحديث، توفي سنة ٥١٠ هـ (٩) بجبلة وحمل إلى الكوفة. وأبو روح ياسين بن سهل القابسي الخشاب، توفي بنيسابور سنة ٥١٢ هـ (١٠). وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن المسلم المقدسي (١١)، الفقيه الشافعي، صاحب الذخائر (١٢)، ولد بالقدس الشريف سنة ٤٤٢ هـ (١٣) وتفقه على الفقيه نصر

стр. 433

حتى برع في المذهب، ودخل مصر بعد السبعين والأربعمائة (١)، وكان من الفقهاء بمصر وقرأ عليه أكثرهم، روى عنه السلفي (٢) وغيره، وصنف كتابا في أحكام التقاء الختانين. توفي سنة ثمانية عشر أو في التي بعدها، وقيل: في سنة ٥٣٥ هـ (٣). الطرطوشي (٤) الإمام أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي المالكي، قدم بيت المقدس وحج على نفقة الإمام أبي بكر الشاشي (٥) المستظهر، وكان إماما عالما زاهدا سكن الشام ودرس بها، مولده سنة ٤٥١ هـ (٦) تقريبا، وتوفي ليلة السبت لأربع بقين من جمادى الأولى سنة ٥٢٠ هـ بثغر الإسكندرية، والطرطوشي نسبة إلى طرطوشة (٧) وهي مدينة بالأندلس في آخر بلاد المسلمين في شرقي الأندلس على ساحل البحر. وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى الأموي العثماني المقدسي النابلسي، نزل بغداد وتفقه على الشيخ نصر المقدسي، وكان يفتي ويدرس، وهو من أهل العلم والعمل، توفي سنة ٥٢٧ هـ عن خمس وستين سنة. وأبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المشهور بالديباجي (٨) من أولاد الديباج (٩) بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان ومحمد الديباج (١٠) أمه فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب سمي الديباج لحسنه، ولأن ديباجة وجهه كانت تشبه ديباجة وجه رسول الله، ﷺ ، أصله من مكة، وأقام ببيت المقدس وكتب الأحاديث بها وسمعها، وسكن ببغداد بدرب السلسلة، وهو فقيه فاضل حسن السيرة قوال

стр. 434

بالحق، كان يقال له سمي النبي، ﷺ ، وشبيهه (١). توفي يوم الأحد سابع عشر من صفر سنة ٥٢٩ هـ (٢) ودفن بالوردية (٣). وأبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله الربعي المقدسي الشافعي، اشتغل على الشيخ أبي إسحاق، وسمع الحديث من الشيخ نصر المقدس والحافظ أبي بكر الخطيب، ثم دخل الغرب وسكن البرية، توفي سنة ٥٣١ هـ (٤). وأبو علي الحسن بن فرج بن حاتم المقدسي الواعظ الشافعي، وروى عن القاضي الرشيد المقدسي. توفي في نصف شعبان سنة ٥٣٥ هـ (٥). والإمام أبو بكر بن العربي محمد بن عبد الله المغربي المعافري الأندلسي الإشبيلي (٦)، الحافظ المشهور، دخل مع أبيه إلى المشرق سنة ٤٨٥ هـ (٧)، ولقي بالشام (٨) الإمام الطرطوشي وتفقه عليه، وصحب الشاشي والغزالي، قدم بيت المقدس وروى عنه خلق كثير من العلماء، توفي سنة ٥٤٣ هـ (٩). وأبو بكر الجرجاني محمد بن أحمد بن أبي بكر، من أهل جرجان (١٠) من عمل نيسابور، قصد هو وأبو سعد (١١) السمعاني زيارة بيت المقدس فذهبا ولم يفترقا حتى رجعا إلى العراق، وكان شيخا صالحا، قيما بكتاب الله، دائم البكاء، كثير الحزن، مولده سنة ٤٦٥ هـ، توفي سنة ٥٤٣ هـ. وتاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني (١٢)

стр. 435

الشافعي صاحب كتاب الذيل لتاريخ مدينة الإسلام (١)، عدة مجلدات، وله تاريخ مرو (٢)، والأسباب (٣)، وطراز المذهب في أدب الطلب (٤)، وتحفة المسافر (٥)، وعن العزلة (٦)، والمناسك (٧)، والتخيير (٨) في المعجم الكبير، والآمالي (٩) وغير ذلك. قدم بيت المقدس زائرا له وهو في أيدي الكفار. توفي في غرة ربيع الأول ٥٦٢ هـ (١٠). ومن عباد بيت المقدس المشهورين بالصلاح: إدريس بن أبي خولة الأنطاكي (١١) وعبد العزيز المقدسي (١٢)، وكانا صالحين ذكرهما ابن الجوزي في صفوة الصفوة وذكر لهما كرامات، ولم يؤرخ وفاتهما. أما من دخل بيت المقدس واستوطنه من الزهاد والصالحين ممن لم يعرف اسمه فكثير، ولهم أخبار ومناقب لم نذكرها لعدم معرفة أسمائهم، وبالله التوفيق. وقد انتهى ذكر ما قصدته من تراجم الأعيان بالقدس الشريف ممن كان به في الزمن السابق (١٣) قبل استيلاء الفرنج عليه ولم أظفر بغير ذلك لطول الأزمنة وانقطاع أخبار السلف باستيلاء الكفار على الأرض المقدسة، وسأذكر ما تيسر من أسماء العلماء والأعيان بالقدس الشريف ممن كان به بعد الفتح الصلاحي - كما تقدم الوعد به - إن شاء الله تعالى. ولنذكر الآن نبذة يسيرة مما وقع ببيت المقدس من الحوادث والأخبار في ذلك الزمان: فمن ذلك ما وقع في شهور سنة ٣٩٨ هـ (١٤) أن الحاكم بأمر

стр. 436

الله (١)، أبو علي المنصور بن العزيز الفاطمي، خليفة مصر أمر بتخريب كنيسة القمامة في بيت المقدس (٢) وأباح للعامة ما كان لها من أموال وأمتعة وغير ذلك، وكان ذلك بسبب ما أنهي إليه من الفعل الذي تتعاطاه (٣) النصارى يوم الفصح من النار التي يحتالون بها بحيث يتوهم الأغمار من جهلتهم أنها نزلت (٤) من السماء، وأنها مصبوغة بدهن البيلسان في خيوط الإبريسم الرفاع المدهونة بالكبريت وغيره بالصنعة اللطيفة التي تروج على العظام منهم والعوام، وهم إلى الآن يستعملونها في القمامة، ويسمى ذلك اليوم عندهم سبت النور، ويقع فيه من المنكر بحضور المسلمين ما لا يحل سماعه ولا رؤيته من جهرهم بالكفر، ورفع أصواتهم بقولهم (٥): يا لدين الصليب، وإظهار كتبهم ورفع الصلبان على رؤوسهم، وغير ذلك في الأمور التي تقشعر منها الأجساد. ثم لما توفي الحاكم بأمر الله في شوال سنة ٤١١ هـ (٦) ولي بعده ولده (٧) الظاهر لإعزاز دين الله (٨)، أبو الحسن علي، واستمر إلى أن توفي في شعبان سنة ٤٢٧ هـ (٩)، ثم توفي بعده ولده المستنصر بالله (١٠)، أبو تميم معد، فهادن ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة قمامة التي كان خربها جده الحاكم في أيام خلافته، فأطلق الأسرى، وأخرج ملك الروم عليها أموال عظيمة. قلت: والذي يظهر أن تخريبها لم يكن تخريبا كليا بل كان في غالبها، والله أعلم.

стр. 437

ورأيت في بعض التواريخ: أنه في سنة ٤٠٧ هـ (١) في ربيع الأول احترق مشهد الحسين بن علي (٢)، ﵁، بشرارة وقعت من بعض الشعالين من حيث لم يشعر. وورد الخبر بتشعب الركن اليماني من المسجد الحرام وسقوط جدار بين يدي قبر النبي، ﷺ . وأنه سقطت القبة الكبيرة التي على صخرة بيت المقدس (٣). قال الناقل: وهذا من أغرب الاتفاقات وأعجبها. قلت: ولم أطلع على حقيقة الحال في سقوط القبة التي على الصخرة ولا إعادتها، والظاهر أن السقوط كان في بعضها لا في جميعها (٤)، والله أعلم. وفي سنة ٤٢٥ هـ (٥) كثرت الزلازل (٦) بمصر والشام، فهدمت أشياء كثيرة، ومات تحت الردم خلق كثير، وانهدم من الرملة ثلثها، وتقطع جامعها تقطعا، وخرج أهلها منه، فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام، ثم سكن الحال فعادوا إليها، وسقط بعض حائط بيت المقدس، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة، ومن مسجد إبراهيم، ﵇، قطعة (٧). وفي سنة ٤٥٢ هـ (٨) سقط تنور قبة الصخرة ببيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل، فتطير المقيمون به من المسلمين، وقالوا: ليكونن في الإسلام حادث عظيم، فكان أخذ الفرنج له على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى. وفي جمادى الأولى سنة ٤٦٠ هـ (٩)، كانت زلزلة في أرض فلسطين أهلكت بلد الرملة، ورمت شرفتين من مسجد رسول الله، ﷺ ، وانشقت الأرض عن كنوز من المال، وهلك منها خمسة عشر ألف نسمة، وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت بقدرة الله تعالى، وغار البحر مسيرة يوم، ودخل الناس في أرضه

стр. 438

يلتقطون منه، فرجع عليهم، فأهلك خلقا كثيرا منهم (١)، فسبحان من يتصرف في عباده بما يشاء. وفي سنة ٤٦٣ هـ (٢) في أيام المستنصر بالله العبيدي، خليفة مصر، استولى على القدس والرملة آتسز (٣) بن أوق الخوارزمي، صاحب دمشق. وفي سنة ٤٦٥ هـ (٤) (٥) أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس، وقطعت دعوة الفاطميين، ثم استولى آتسز على دمشق بعد استيلائه على القدس والرملة، وقطع الخطبة العلوية من دمشق، فلم يخطب بعدها لهم بها، وأقام الخطبة العباسية (٦) يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة سنة ٤٦٨ هـ (٧). فلما قتل آتسز في سنة ٤٧١ هـ (٨) استولى بعده على دمشق تاج الدولة الأمير تتش بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي (٩)، وكان القدس من مضافاته على عادة من تقدمه، فقلده للأمير أرتق بن أكسك التركماني (١٠)، جد الملوك أصحاب ماردين (١١). واستمر أرتق مالكا للقدس إلى أن توفي في سنة ٤٨٤ هـ (١٢). ثم استقر الأمر بعده في القدس لولديه إيلغازي وسقمان ابني أرتق، واستمر على ذلك إلى أن قتل تتش صاحب دمشق في سنة ٤٨٨ هـ. ثم سار الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش من مصر بعسكر الخليفة

стр. 439

العلوي، وهو المستعلي بأمر الله، فاستولى على القدس بالأمان في شعبان (١) سنة ٤٨٩ هـ (٢): وسار سقمان وأخوه إيلغازي من القدس، فأقام سقمان ببلد الرها (٣) وسار أخوه إيلغازي إلى العراق وبقي القدس في يد المصريين. ذكر تغلب الفرنج على بيت المقدس واستيلائهم عليه لما فتح الله البيت المقدس على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وعمر على يده، ثم على يد عبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء - كما سبق شرحه - استمر بأيدي المسلمين من حين الفتح العمري في سنة ١٥ (٤) من الهجرة الشريفة إلى سنة ٤٩٢ هـ في خلافة المستظهر بالله (٥)، هو أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله العباسي خليفة بغداد، فكان لبثه بأيدي المسلمين سنة ٤٧٧ هـ. وكان (٦) الفاطميون قد تغلبوا على بني العباس وادعوا الخلافة بالمغرب من أواخر سنة ٢٩٦ هـ (٧) في أيام المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد العباسي خليفة بغداد، ثم بنوا القاهرة واستولوا على الديار المصرية والشام ومكة واليمن وبيت المقدس. وأولهم: عبيد الله المهدي بالله الذي ينتسبون إليه (٨)، ثم ابنه أبو القاسم محمد القائم بأمر الله، ثم ابنه أبو (٩) الظاهر إسماعيل المنصور بنصر الله، ثم ابنه أبو تميم معد المعز لدين الله (١٠)، باني القاهرة (١١) المحروسة على يد القائد أبي الحسن

стр. 440

جوهر (١)، المعروف بالكاتب الرومي، فإنه جهزه من المغرب لأخذ الديار المصرية، فأخذها في سنة ٣٥٨ هـ (٢)، وبنى القاهرة المحروسة والجامع الأزهر. ثم أرسل يستدعي مخدومه المعز لدين الله، فحضر إلى القاهرة، واستوطنها في شهر رمضان سنة ٣٦٢ هـ (٣)، واستمر إلى أن توفي بها في يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول سنة ٣٦٥ هـ (٤). وهو الذي تنسب إليه القاهرة فيقال: القاهرة المعزية. ولما بناها جوهر سماها المنصورية (٥). فلما قدم المعز لدين الله سماها المنصورية، القاهرية (٦). وقيل: إن سبب تسميتها بذلك أنها تقهر من شد عليها ورام مخالفة أمرها. ولما توفي استقر بعده في الخلافة بمصر ابنه المنصور نزار العزيز بالله (٧)، ثم ابنه أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله الذي أمر بتخريب كنيسة القمامة، كما تقدم، ثم ابنه أبو الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله (٨)، ثم ابنه أبو تميم معد المستنصر بالله (٩) (١٠) الذي مكن الكفار من إعادة كنيسة قمامة (١١)، كما تقدم، ثم ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بأمر الله، وسيأتي ذكر من بقي منهم عند ابتداء ذكر الفتح الصلاحي، إن شاء الله تعالى. فلما آل الأمر إلى المستعلي بأمر الله وكانت وفاة أبيه (١٢) المستنصر في ذي الحجة سنة ٤٨٧ هـ (١٣) ولي الأمر بعد أبيه بالديار المصرية، وكان المتولي لتدبير دولته الأفضل أبو القاسم (١٤) شاهنشاه بن بدر الجمالي أمير الجيوش، وفي أيام

стр. 441

المستعلي بأمر الله اختلفت دولتهم وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم، وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والفرنج، وكان مدبر دولته الأفضل قد استولى على بيت المقدس في شعبان سنة ٤٨٩ (١) هـ - كما تقدم - وكان الفاطميون يخافون من الفرنج خوفا شديدا فلا يطيقون مقابلتهم بخلاف الدولة الأيوبية. فلما دخلت سنة ٤٩٠ هـ (٢)، سار الفرنج إلى الشام وأخذوا أنطاكية بعد حصرها (٣) تسعة أشهر وملكوها في ذي القعدة (٤)، وحصل بينهم وبين المسلمين وقعات وحروب، وولى المسلمون هاربين، وكثر القتل فيهم ونهب الفرنج خيامهم وتقووا بأسلحتهم، ثم سار الفرنج إلى معرة النعمان فاستولوا عليها ووضعوا السيف في أهلها، فقتلوا فيها ما يزيد على مائة ألف إنسان وسبوا السبي الكثير (٥). وأقاموا بالمعرة أربعين يوما، وساروا إلى حمص فصالحهم (٦) أهلها، وذلك في سنة ٤٩١ هـ (٧). فلما دخلت سنة ٤٩٢ هـ (٨) قصد الفرنج بيت المقدس وهم في نحو ألف ألف مقاتل، لعنهم الله، وحصروا (٩) القدس نيفا وأربعين يوما، وملكوه في ضحى نهار الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ٤٩٢ هـ، ولبث الفرنج يقتلون في المسلمين بالقدس الشريف أسبوعا، وقتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وساداتهم وعبادهم وزهادهم ممن جاور في هذا الموضع الشريف، وغنموا ما لا يقع عليه الحصر، وجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. ثم حصروا جميع من في القدس الشريف بداخل المسجد الشريف واشترطوا عليهم أنهم متى تأخروا عن الخروج بعد ثلاثة أيام قتلوهم عن آخرهم. فشرع المسلمون في الإسراع والمبادرة إلى الخروج، فمن شدة ازدحامهم بأبواب المسجد، قتل منهم خلق لا يحصيهم، إلا الله (١٠).

стр. 442

وأخذ الفرنج من عند الصخرة اثنين وأربعين قنديلا من الفضة زنة كل منها ثلاثة آلاف وستمائة (١)، وتنورا من فضة وزنة أربعون رطلا بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلا من الذهب (٢). وهزم الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش بظاهر عسقلان أقبح هزيمة (٣). وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم فقال يخاطب ملك الفرنج واسمه صنجلي (٤): نصرت بسيفك دين المسيح … فلله درك من صنجلي وما سمع الناس فيما روي … بأقبح من كسرة الأفضل فتوصل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر. وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان مستغيثين إلى الخليفة والسلطان (٥)، منهم القاضي بدمشق أبو سعيد الهروي، واجتمع أهل بغداد في الجوامع، واستغاثوا وبكوا حتى أنهم أفطروا من عظم ما جرى عليهم وندب الخليفة ببغداد، وهو المستظهر بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج الإمام أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (٦) وغير واحد من أعيان الفقهاء، وساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ووقع الخلاف بين السلاطين السلجوقية فتمكن الفرنج في البلاد وانزعج المسلمون في سائر ممالك الإسلام بسبب أخذ بيت المقدس غاية الانزعاج، ثم استولى الفرنج على أكثر بلاد الساحل في أيام المستعلي بأمر الله، فملكوا يافا وقيسارية وغيرهما من القلاع والحصون، وكانت محنة فاحشة، فالحكم لله العلي الكبير، وكان الآخذ لهذه البلاد بيت المقدس وغيره بردويل الفرنجي (٧).

стр. 443

ثم في سنة إحدى عشرة، وقيل: ٥١٤ هـ قصد الديار المصرية ليأخذها، فانتهى إلى غزة ودخلها وأخربها (١) وأحرق مساجدها، ورحل عنها وهو مريض، فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش. فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم ورحلوا بجثته، فدفنوها بكنيسة قمامة بالقدس الشريف. وسبخة بردويل هي التي في سبخة الرمل على طريق الشام وهي مما يلي العريش إلى جهة مصر منسوبة إلى بردويل المذكور (٢) والحجارة الملقاة هناك، والناس يقولون هذا قبر بردويل وإنما هي الحشوة لعنة الله عليه. ولما أخذ بيت المقدس وغيره من المسلمين قال في ذلك أبو المظفر (٣) الأبيوردي (٤): مزجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرضة للمزاحم وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الذرى بالمناسم وكيف تنام العين ملأ جفونها … على هفوات أيقظت كل نائم فإخوانكم بالشام يضحي قتيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم (٥) تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم وكم من دماء قد أبيحت ومن دمي … توارى حياء حسنها بالمعاصم وبين اختلاس الطعن والضرب وقعة … يظل لها الولدن شيب القوادم وتلك حروب من يغب عن غمارها … ليسلم يقرع بعدها سن نادم سللنا بأيدي المشركين قواضبا … ستعمل منهم في الطلى والجماجم يكاد لهن المستكن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم والدين واهي الدعائم (٦)

стр. 444

وتجتنبون النار خوفا من الردى … ولا تحسبون العار ضربة لازم أترضي صناديد الأعارب بالأذى … وتغضي على ذل حماة الأعاجم (١) فليتهموا إذ لم يذودوا حمية … عن الدين شنوا غيرة للمحارم (٢) وإن زهدوا في الأجر إذ حمى الوغى … فهلا أتوه رغبة في المغانم واستمر ببيت المقدس وما جاوره من السواحل بيد الفرنج إحدى وتسعين سنة، فلم ير في الإسلام مصيبة أعظم من ذلك، وعجز ملوك الأرض عن انتزاعه منهم، حتى أذن الله وقدر بفتحه (٣) على يد من اختاره من عباده في شهور سنة ٥٨٣ هـ فأقول وبالله أستعين وعليه أتوكل فهو حسبي ونعم الوكيل. ذكر الفتح الصلاحي الذي يسره الله تعالى على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده الله برحمته قد تقدم ذكر تغلب الفاطميين على غالب المملكة واستيلائهم عليها، وتقدم أن أولهم المهدي بالله عبيد الله، وتقدم ذكر من بعده إلى المستعلي بأمر الله الذي أخذ الفرنج القدس في أيامه، فلما مات المستعلي بأمر الله استقر بعده في خلافة مصر ابنه أبو علي المنصور الملقب بالآمر بأحكام الله، ثم ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله، ثم ابنه أبو منصور إسماعيل الظاهر بأمر الله، ثم ابنه أبو القاسم عيسى الفائز بنصر الله، ثم ابن عمه أبو محمد عبد الله العاضد لدين الله وهو آخرهم، وكان استقراره في خلافة مصر في سنة ٥٥٥ هـ (٤)، وكان صاحب دمشق في ذلك الوقت الملك العادل نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي الملقب بالشهيد (٥)، ﵁.

стр. 445

فلما دخلت سنة ٥٦٤ هـ (١) تمكن الفرنج من البلاد المصرية وتحكموا على المسلمين بها وملكوا بلبيس (٢) قهرا في مستهل صفر ونهبوها وقتلوا أهلها وأسروهم (٣)، ثم ساروا من بلبيس ونزلوا على القاهرة عاشر صفر وحصروها، وكان وزير العاضد (٤) أمير الجيوش شاور (٥)، فأحرق شاور مدينة مصر خوفا من أن يملكها الفرنج وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما (٦)، وأرسل العاضد العلوي خليفة مصر إلى السلطان نور الدين (٧) يستغيث به، وأرسل في الكتب شعور النساء (٨)، وصالح شاور الفرنج على ألف ألف دينار (٩) يحملها اليوم، فحمل إليهم مائة ألف دينار، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة ليقدر على جمع المال وحمله، فرحلوا. ولما وصل إلى السلطان نور الدين كتب العاضد جهز الأمير أسد الدين شيركوه (١٠) بن شادي إلى ديار مصر ومعه العساكر النورية، وأنفق فيهم الأموال، وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار (١١) سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك، وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، الذي تسلطن (١٢) فيما بعد، وكان مسير صلاح الدين على كره منه، أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بيته (١٣)، وكره صلاح الدين المسير وفيه

стр. 446

سعادته وملكه (١) ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (٢) فإن نور الدين لما أمره بالمسير مع عمه شيركوه، وكان شيركوه قد قال له (٣) بحضرة نور الدين: تجهز يا يوسف، فقال: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبدا. فقال شيركوه لنور الدين: لا بد من مسيره معي، فأمره نور الدين وهو يستقبل، فقال نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك فشكى الضائقة (٤)، فأعطاه ما تجهز به فكأنما يساق إلى الموت. ولما قرب شيركوه من مصر رحل الفرنج من ديار مصر على أعقابهم إلى بلادهم، فكان هذا المصير فتحا جديدا. ووصل أسد الدين شيركوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر، واجتمع بالعاضد وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وشرع شاور يماطل شيركوه فيما كان بذله لنور الدين من تقرير المال وإفراد ثلث البلاد له، ومع ذلك فكان شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه ويعده ويمنيه ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١٢٠) (٥). ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل بن شاور من ذلك (٦). ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك عزموا (٧) على الفتك بشاور، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف بن أيوب ومن معه من الأمراء وعرفوا شيركوه بذلك فنهاهم عنه. واتفق أن شاور قصد شيركوه على عادته فلم يجده في المخيم، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي، ﵁، فلقي صلاح الدين شاور، وأعلمه برواح (٨) شيركوه إلى زيارة الشافعي، فساروا ومن معهما جميعا إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين ومن معه على شاور وألقوه على الأرض عن فرسه، وأمسكوه (٩) في سابع عشر ربيع الآخر سنة ٥٦٤ هـ. فهرب أصحابه عنه وأعلموا شيركوه بما فعلوه فحضر ولم يمكنه الإتمام لذلك.

стр. 447

وسمع العاضد الخبر فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور فقتله (١)، وأرسل رأسه إلى العاضد، ودخل بعد ذلك شيركوه إلى القصر عند العاضد، فخلع عليه خلعة الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش، واستقر في الأمر وكتب له منشورا بالوزارة وتفويض أمور الخلافة إليه. ولما لم يبق له منازع أتاه أجله: ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٤٤) (٢)، وتوفي في يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٦٤ هـ (٣)، فكانت ولايته شهرين وخمسة أيام وهي ابتداء الدولة الأيوبية، وكان شيركوه وأيوب ابني شادي من بلد دوين (٤)، وأصلهما من الأكراد، وخدما عماد الدين زنكي (٥)، ثم ولده نور الدين محمود، وبقيا معه إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرة بعد أخرى حتى ملكها. وتوفي في هذه السنة، على ما ذكرناه. ولما توفي شيركوه طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر وولاية الوزارة العاضدية، فأحضر العاضد صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه الملك الناصر (٦)، وثبت قدمه على أنه نائب لنور الدين يخطب له على المنابر بالديار المصرية، وكان نور الدين يكتب لصلاح الدين الاسفهسلار (٧)، ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيما على أن (٨) يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب بل إلى الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية، يفعلون كذا وكذا (٩). ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوب وأهله ليتم به السرور

стр. 448

وتكون قضيته مشاكله لقضية يوسف الصديق، ﵇، فأرسلهم إليه نور الدين، فوصل والده إليه في جمادى الآخرة سنة ٥٦٥ هـ (١). وسلك مع والده من الأدب ما جرت به عادته، وألبسه الأمر كله، فأبى أن يلبسه، فحكمه في الخزائن كلها (٢). وأعطى صلاح الدين أهله الإقطاعات بمصر وتمكن من البلاد وضعف أمر العاضد. وفي هذه السنة وهي سنة ٥٦٥ هـ، سار الفرنج إلى دمياط (٣) وحاصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح، فحاصروها برا وبحرا (٤) خمسين يوما (٥)، وخرج نور الدين فأغار (٦) على بلادهم بالشام فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. وفي سنة ٥٦٦ هـ سار صلاح الدين من مصر فغزا بلاد الفرنج (٧) قريب عسقلان والرملة، وعاد إلى مصر، ثم خرج إلى أيلة (٨) وحاصرها وهي للفرنج على ساحل البحر الشرقي، ونقل إليها المراكب، وحاصرها برا وبحرا، وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر، وعزل قضاة المصريين وكانوا شيعة، ورتب قضاة شافعية (٩)، وذلك في العشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٦٦ هـ (١٠). ولما دخلت سنة ٥٦٧ هـ (١١) أقيمت الخطبة العباسية (١٢) بمصر وقطعت خطبة العاضد لدين الله وانقرضت الدولة العلوية الفاطمية، وكان سبب الخطبة العباسية

стр. 449

بمصر: أنه لما تمكن الملك الناصر صلاح الدين في مصر، وحكم على القصر، وأقام فيه قراقوش الأسدي (١) وكان خصيا أبيض، وبلغ نور الدين ذلك، أرسل إلى صلاح الدين يأمره حتما جزما بقطع خطبة العلويين وإقامة الخطبة العباسية. فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك وأصر على ذلك (٢). وكان العاضد قد مرض، فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء بأمر الله هو أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله العباسي (٣) خليفة بغداد، ويقطعوا خطبة العاضد، فامتثلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان. وكانت قد قطعت الخطبة (٤) لبني العباس من ديار مصر في سنة ٣٥٩ هـ (٥) في خلافة المطيع لله العباسي (٦) حين تغلب الفاطميون على مصر أيام المعز بالله الفاطمي باني القاهرة إلى هذا الآن، وذلك مائتا سنة وثمان سنين. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلم أحد من أهله بقطع خطبته، فتوفي العاضد يوم عاشوراء سنة ٥٦٧ هـ، ولم يعلم بقطع خطبته. واستولى صلاح الدين على قصر الخلافة على جميع ما فيه، وكانت كثرته تخرج عن الإحصاء. ونقل أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم وخلا القصر من سكانه (٧) ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٨) وهذا العاضد

стр. 450

هو آخر خلفاء الفاطميين. وجملة مدتهم من حين ظهور جدهم المهدي بالله عبيد الله بسجلماسة (١) (٢) في ذي الحجة سنة ٢٩٦ هـ (٣)، إلى أن توفي العاضد في التاريخ المذكور مائتان وسبعون سنة ونحو شهر، وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت، ولم تحل إلا وتمررت ولم تصف إلا وتكدرت (٤)، بل صفوها لا يخلو من الكدر، وانقرضت دولتهم في خلافة المستضيء بأمر الله العباسي - كما تقدم -. ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد، ضربت لها البشائر عدة أيام، وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل (٥) وهو من خواص الخدم المنسوبة إلى نور الدين وصلاح الدين والخطباء، وسيرت الأعلام السود (٦). ثم توفي والد الملك صلاح الدين وهو الملك الأفضل نجم الدين أبو الشكر أيوب (٧)، وكان ولده غائبا عن القاهرة في جهة الكرك، لأنه كان قصدها لغزو الفرنج فلما عاد وجد أباه قد مات. وسبب موته: أنه ركب بمصر فنفرت به فرسه، فوقع وحمل إلى قصره وبقي أياما ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ٥٦٨ هـ (٨)، وكان خيرا عاقلا، حسن السيرة، كريما كثير الإحسان، ودفن إلى جانب أخيه شيركوه، ثم نقلا بعد سنتين إلى المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ثم دخلت سنة ٥٦٩ هـ (٩)، فتوفي فيها الملك العادل نور الدين الشهيد، هو أبو القاسم محمود بن الملك عماد الدين (١٠) أبي الجود زنكي بن آقسنقر، تغمده

стр. 451

الله برحمته. ومولده في شوال سنة ٥١١ هـ (١)، وكانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة ٥٦٩ هـ (٢)، وكان ملكه لدمشق في سنة ٥٤٩ هـ (٣)، بعد أن ملك حلب وغيرها من قبل ذلك، وكان ملكا عادلا مجاهدا خيرا، فتح الفتوحات واتسع ملكه، وخطب له بالحرمين واليمن ومصر، وخطب له في الدنيا على جميع منابر الإسلام، وبنى السبل والمكاتب وأكمل سور المدينة الشريفة، وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وزهده (٤)، ﵁. واستقر (٥) بعده في الملك بدمشق ولده الملك الصالح إسماعيل (٦)، فقصد الملك الناصر صلاح الدين دمشق وأخذها (٧)، وكان الصالح توجه إلى حلب ليقيم بها. وثبتت قدم الملك صلاح الدين وقرر أمر دمشق، وكان دخوله إليها في سلخ ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة (٨). ثم سار إلى حمص وملكها (٩) ثم إلى حماة وملكها (١٠)، ثم سار إلى حلب وحاصرها فلم يقدر على أخذها لأن أهلها صدوه عنها محبة في الملك الصالح، وآخر الأمر وقع الاتفاق أن يكون للملك الناصر صلاح الدين ما بيده من الشام وللملك الصالح ما بقي بيده منه، فصالحهم على ذلك (١١)، ورحل عن حلب وأخذ عدة أماكن وقلاع ممن هي بيده، ثم عاد إلى مصر. فلما توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين في سنة ٥٧٧ هـ (١٢) استقر

стр. 452

بعده في الملك بحلب عمه عز الدين مسعود (١)، ثم استقر بحلب عماد الدين زنكي (٢) بن مودود صاحب سنجار (٣)، واستقر مسعود بسنجار بتراضيهما. ثم في سنة ٥٧٨ هـ (٤)، ثم في خامس المحرم سار الملك الناصر صلاح الدين عن مصر إلى الشام (٥) ولم يعد بعد ذلك إلى مصر إلى أن توفي، وسار في طريقه على بلاد الفرنج وغنم ووصل إلى دمشق في صفر (٦)، ثم سار في ربيع الأول ونزل قرب طبرية وشهد الإغارة (٧) على بلاد الفرنج مثل: بيسان وجنين (٨) والغور فغنم وقتل. ثم سار إلى بيروت وحصرها، وأغار على بلادها، ثم سار إلى عدة بلاد (٩). وفي السنة المذكورة وهي سنة ٥٧٨ هـ قصد الفرنج المقيمون بالكرك والشوبك (١٠) المسير لمدينة رسول الله، ﷺ ، لينبشوا قبره الشريف وينقلوا جسده المقدس (١١) إلى بلادهم ويدفنوه عندهم ولا يمكنوا المسلمين من زيارته إلا بجعل. فأنشأ البرنس أرناط (١٢) صاحب الكرك سفنا حملها على البر إلى بحر القلزم، وأركب فيها الرجال، وسارت الفرنج ومضوا يريدون المدينة الشريفة (١٣). فكان السلطان صلاح الدين على حوران (١٤)، فلما بلغه ذلك بعث إلى سيف الدولة بن

стр. 453

منقذ (١) نائبه على مصر يأمره بتجهيز الأمير حسام الدين لؤلؤ (٢) الحاجب خلف العدو. فاستعد لذلك وسار في طلبهم حتى أدركهم ولم يبق بينهم وبين المدينة إلا مسافة يوم، وكانوا نيفا وثلثمائة، وقد انضم إليهم عدة من العربان المرتدة. ففرت العربان، والتجأ الفرنج إلى رأس جبل صعب المرتقى. فصعد إليهم في نحو عشرة أنفس وضايقهم فيه فخارت قواهم بعد ما كانوا معدودين من الشجعان، فقبض عليهم (٣) وقيدهم وحملهم إلى القاهرة وكان لدخولهم يوم مشهود، وتولى قتلهم الصوفية والفقهاء (٤) وأرباب الديانة بعدما ساق رجلين من أعيان الفرنج إلى منى ونحرهما هناك كما تنحر البدن التي تساق هديا إلى الكعبة (٥). ثم في سنة ٥٧٩ هـ (٦) ملك حمص وآمد (٧) وعينتاب (٨) وغيرها، ثم سار إلى حلب وحاصرها وأخذ من صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين وعوضه عنها سنجار وما معها وتسلم حلب في صفر من هذه السنة (٩)، ومن الاتفاقات العجيبة أن محي الدين بن الزكي (١٠) قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها: وفتحكم حلبا بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب فوافق فتح القدس في رجب سنة ٥٨٣ هـ (١١)، على ما سنذكره، إن شاء الله تعالى.

стр. 454

وفي سنة ٥٨٠ هـ (١) غزا السلطان الكرك وضيق على من به (٢)، وملك ربض الكرك وبقيت القلعة وحصل بين المسلمين والفرنج القتال، فزحل عنها وسار إلى نابلس، وأحرقها ونهب ما بتلك النواحي وقتل وأسر وسبى، وعاد إلى دمشق (٣). وفي سنة ٥٨١ هـ (٤) ملك ميافارقين (٥). وفي سنة ٥٨٢ هـ (٦) أحضر السلطان (٧) ولده الملك الأفضل من مصر فأقطعه دمشق، ثم أحضر أخاه العادل من حلب وجعل ولده العزيز عثمان نائبا عنه بمصر واستدعى نائبه بمصر - هو وابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه - وزاده على حماة منبج (٨) والمعرة وكفر طاب (٩) وميافارقين. واستقر العزيز عثمان والعادل أبو بكر في مصر. واستمر الحال على ذلك إلى أن دخلت سنة ٥٨٣ هـ (١٠)، فيها كانت الوقعة العظيمة التي فتح الله بها بيت المقدس وغيره على يد السلطان الأعظم والليث الهمام، المقدم سلطان الإسلام والمسلمين، محي العدل في العالمين، قاتل الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج (١١) والمرتدين جامع كلمة الإيمان، قامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، خادم الحرمين الشريفين، منقذ البيت المقدس من أهل الزيغ والطغيان، الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادي، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.

стр. 455

وذلك في أيام الإمام الأعظم، والخليفة المكرم (١)، أمير المؤمنين ابن عم سيد المرسلين، ووارث الخلفاء الراشدين، الإمام الناصر لدين (٢) الله، هو أبو العباس أحمد بن الإمام المستضيء بالله بن محمد بن الحسن بن الإمام المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله (أبي العباس) محمد بن الإمام المستظهر بالله أحمد بن الإمام المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله بن محمد الذخيرة بن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن الإمام المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن الإمام المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن الإمام المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن الإمام المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الإمام الرشيد أبي جعفر هارون بن الإمام المهدي أبي عبد الله محمد بن الإمام المنصور أبي جعفر عبد الله، باني مدينة السلام بغداد، ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁ وعن أسلافه الطاهرين. وقد حكي: أن السلطان لما كثرت فتوحاته بالسواحل (٣)، وأوجع فيهم بسهامه وسطوته، وكان لا يتجاسر على فتح بيت المقدس لكثرة ما فيه من الأبطال والعدة، لكونه كرسي دين النصرانية، وكان في بيت المقدس شاب (٤) مأسور من أهل دمشق، كتب هذه الأبيات، وأرسل بها إلى الملك صلاح الدين على لسان القدس فقال: يا أيها الملك الذي … لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظلامة … تسعى من البيت المقدس كل المساجد طهرت … وأنا على شرفي منجس (٥) فكانت هذه الأبيات هي الداعية له إلى فتح بيت المقدس ويقال: إن السلطان وجد في ذلك الشاب أهلية فولاه خطابة المسجد الأقصى. وكان السلطان الملك الناصر، ﵀، لما عزم على الفتح كتب يستدعي للجهاد من جميع البلاد وبرز (٦) من دمشق يوم السبت مستهل شهر الله المحرم

стр. 456

الحرام (١) سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (٢) قبل اجتماع العساكر عليه، وحضور من استنفره للجهاد عليه، وسافر بمن معه من عسكره، وخيم على قصر سلامة من بصرى على سمت الكرك خوفا على الحاج من صاحب الكرك البرنس (٣) أرناط (٤)، فإنه كان شديد العداوة للمسلمين، مقداما على الشر وإثارة الحروب، وكان قد عزم على أسر الحجاج (٥)، فلما أحس بنزول السلطان قريبا منه عاد وأقام بحصنه خشية على نفسه. فوصل الحجاج في أول صفر إلى وطنهم بدمشق. واطمأنت فكرة السلطان عليهم. وانتظر السلطان وصول العسكر المصري، فأبطأ عليه (٦)، فأمر ولده الملك الأفضل نور الدين عليا أن يقيم برأس الماء ويجمع العساكر الواصلة إليه، وتوجه السلطان ومن معه إلى الكرك وضياعه، فأحرق ونهب فيها وأسر (٧)، وسار إلى الشوبك ففعل كذلك، ووصل إليه عسكر مصر واستمر على هذا الحال شهرين والملك الأفضل مقيم برأس الماء (٨) في جمع عظيم ينتظر ما يأمره به والده. ثم قوي عزمه على طبرية فسار بمن معه (٩)، ووصل إلى صفورية (١٠)، فخرج إليهم الفرنج في جمع كبير والتقى الفريقان، فنصر الله المسلمين وظفرهم بالمشركين، فقتلوا منهم وأسروا، وعد ذلك من حسن تدبير الملك الأفضل، فوردت البشائر على السلطان بالكرك (١١). ثم سار السلطان واجتمع به ولده، وقد كثر عسكر الإسلام، واجتمع واشتد عزمهم على الجهاد وقوي. وسمع الفرنج بما هم فيه من الكثرة، وتحققوا أنهم

стр. 457

مأخوذون، وكان بينهم خلف وتنافر، فشرعوا حينئذ في الصلح، وتوافقوا على اجتماع الكلمة (١). ثم إن السلطان سار بالعسكر إلى ديار الفرنج بعد أن رتب العسكر واستعرضه، ورحل على هيئة عظيمة يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر (٢)، وخيم على جنين (٣)، ثم أصبح سائرا، ونزل على الأردن وهو نهر الشريعة، والفرنج قد تأهبوا للحرب بصفورية، ورتبوا جيوشهم، ورفعوا صلبانهم، وكانوا نحو خمسين ألفا وأكثر، والسلطان في كل صباح يسير إليهم ويراميهم. فتح طبرية (٤) ثم قوي عزمه على طبرية فسار إليها ونزل عليها، وأحضر الحجارين والنقابين وأمرهم بالهدم والنقب، وكان ذلك يوم الخميس. فنقبوا في برج فهدموه، وتسلقوا فيه، وتسلموه، ودخل الليل. فلما بلغ الفرنج ذلك اعتدوا وشدوا عزمهم وعلموا أن طبرية متى أخذت تؤخذ منهم جميع البلاد، فاجتمع الفرنج مع ملوكهم وساروا بفارسهم وراجلهم نحو السلطان، فبلغ السلطان ذلك، يوم الجمعة فما كذب الخبر واستخار الله تعالى وسار بعسكره، وجاء يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر والفرنج سائرون إلى طبرية، فرتب السلطان الأطلاب (٥) في مقابلتهم فحال الليل بين الفريقين. وقعة حطين (٦) - وهي الوقعة العظمى (٧) فلما أسفر الصباح (٨)، ثار الحرب بين الفريقين، وصاح المسلمون صيحة

стр. 458

رجل واحد، فألقى الله الرجفة (١) في قلوب الكافرين، ووقع البطش في الفرنج، وأمكن (٢) الله المسلمين منهم، فأووا إلى جبل حطين، وهي قرية عندها قبر النبي شعيب، ﵊، وانهزم القمص (٣) (٤) حين أحس بالكسرة، وذلك قبل اضطراب الجمع، فدهمهم المسلمون، ومالوا عليهم من كل جانب، فتثبتوا فأحاط بهم عسكر الإسلام أوقدوا حولهم النيران، فإنه كان تحت أقدام خيولهم حشيش، فأمر السلطان بإلقاء النار فيه فاجتمع عليهم حر النار وحر الشمس (٥) واشتد بهم العطش، وضاق بهم الأمر، ووقع السيف فيهم، واشتد القتال، فنصر الله المسلمين، وأطلقوا عليهم السهام. وحكموا فيهم السيوف وأبادوا الفرنج قتلا وأسرا. وأسروا ملكهم ومن معه، وسميت هذه الوقعة: وقعة حطين، وهي من الوقعات المشهورة، وقتل من الفرنج ثلاثون ألفا من شجعانهم وفرسانهم ورؤي (٦) بعض الفلاحين وهو يقود نيفا وثلاثين أسيرا قد ربطهم في طنب خيمته، وباع منهم واحد بنعل لبسه في رجله، فقيل له في ذلك، فقال: أحببت أن يقال باع أسيرا بمداس. وجلس السلطان لعرض أكابر الأسارى، فأول من قدم إليه مقدم الداوية وعدة كثيرة منهم ومن الإسبتارية (٧)، وأحضر الملك كي (٨)، وأخيه جفري (٩) وأود (١٠) صاحب جبيل وهنفري (١١) والبرنس أرناط صاحب الكرك. وهو أول من أسر، وكان السلطان قد نذر دمه، وأقسم أنه إذا ظفر به يعجل بإتلافه، وذلك لأنه كان قد عبر به

стр. 459

بالشوبك قوم من الديار المصرية في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين (١)، فقال: ما يتضمن الاستخفاف بالنبي، ﷺ ، وقصد المسير إلى المدينة الشريفة ومكة المشرفة - كما تقدم ذكره - وبلغ ذلك السلطان فحملته حمية دينه (٢) على أن نذر دمه. ولما فتح الله عليه بنصره وجلس في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد، وعرضت عليه الأسارى، فلما حضر بين يديه أجلسه إلى جنب الملك والملك بجنب السلطان، وقرعه على غدره وقصده الحرمين الشريفين، وذكره بذنبه من حلفه وحنثه ونقضه العهود والمواثيق. فقال الترجمان: أنه يقول: قد جرت بذلك عادة الملوك وكان الملك كي يلهث من الظمأ، فآنسه السلطان، وسكن رعبه، وأتى بماء مثلوج فشرب منه، ثم ناوله الإبرنس (٣) فأخذه من يده وشرب، فقال السلطان للملك: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أمانا له. ثم نصبت له الخيام، فلما جلس في خيمته أحضر الإبرنس (٤). فلما أقبل عليه أوقفه بين يديه فقال (٥): ها أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل (٦) فبادره وضربه بالسيف فصرعه، ثم أمر برأسه فقطع وجر برجله قدام الملك. فارتاع وانزعج، فعرف السلطان منه ذلك فاستدعاه وأمنه وطمنه. وقال: لما غدر غدرنا به لأنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه (٧)، وكانت هذه النصرة للمسلمين في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور (٨)، وترفع أصواتهم بحمد الله تعالى وشكره وتهليله وتكبيره حتى طلع الفجر. وأما الصليب الأعظم عندهم فإن المسلمين استولوا عليه يوم المصاف، ولم يؤسر الملك حتى أخذ صليب الصلبوت، وهو الذي إذا رفع ونصب يسجد (٩) له كل نصراني وركع، وهم يزعمون أنه من الخشبة التي صلب عليه معبودهم، وقد غلفوه

стр. 460

بالذهب، وكللوه بالجوهر (١)، وكان أخذه عندهم أعظم من أسر الملك، وعظمت مصيبتهم بأخذه. ثم نزل السلطان على صحراء طبرية (٢). وندب إلى حصنها من تسلمه بالأمان وكانت الست صاحبة طبرية قد حمته ونقلت إليه جميع (٣) ما تملكه، فأمنها على أصحابها وأموالها، وخرجت بمن معها إلى طرابلس بلد زوجها القمص. وصارت طبرية للمسلمين، وعين لولايتها صارم (٤) الدين قايماز النجمي. وكان من الأكابر والسلطان نازل ظاهر طبرية. فلما أصبح يوم الاثنين سابع عشر من ربيع الآخر طلب السلطان الأسارى من الداوية والإسبتارية. فأحضر العسكر (٥) في الحال مائتين وأمر بضرب أعناقهم، وكان عنده جماعة من أهل العلم والتصوف، فسأل كل واحد، في قتل واحد، فقتلوا بحضرة السلطان. ثم سير ملك الفرنج وأخاه وهنفري وصاحب جبيل ومقدم الداوية (٦) وجميع أكابرهم المأسورين إلى دمشق وسجنهم (٧). فتح عكا (٨) ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء بمن معه من العساكر الإسلامية، ونزل عشية بأرض لوبية (٩)، فلما أصبح سار، وكان في صحبته الأمير عز الدين أبو فليسة القاسم المهدي (١٠) الحسيني (١١)، أمير المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان حضر تلك السنة صحبة الحاج (١٢) وهو ذو شيبة نيرة، وحضر مع السلطان هذا الفتح جميعه.
следующие страницы →