← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الحرام (١) سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (٢) قبل اجتماع العساكر عليه، وحضور من استنفره للجهاد عليه، وسافر بمن معه من عسكره، وخيم على قصر سلامة من بصرى على سمت الكرك خوفا على الحاج من صاحب الكرك البرنس (٣) أرناط (٤)، فإنه كان شديد العداوة للمسلمين، مقداما على الشر وإثارة الحروب، وكان قد عزم على أسر الحجاج (٥)، فلما أحس بنزول السلطان قريبا منه عاد وأقام بحصنه خشية على نفسه. فوصل الحجاج في أول صفر إلى وطنهم بدمشق. واطمأنت فكرة السلطان عليهم. وانتظر السلطان وصول العسكر المصري، فأبطأ عليه (٦)، فأمر ولده الملك الأفضل نور الدين عليا أن يقيم برأس الماء ويجمع العساكر الواصلة إليه، وتوجه السلطان ومن معه إلى الكرك وضياعه، فأحرق ونهب فيها وأسر (٧)، وسار إلى الشوبك ففعل كذلك، ووصل إليه عسكر مصر واستمر على هذا الحال شهرين والملك الأفضل مقيم برأس الماء (٨) في جمع عظيم ينتظر ما يأمره به والده. ثم قوي عزمه على طبرية فسار بمن معه (٩)، ووصل إلى صفورية (١٠)، فخرج إليهم الفرنج في جمع كبير والتقى الفريقان، فنصر الله المسلمين وظفرهم بالمشركين، فقتلوا منهم وأسروا، وعد ذلك من حسن تدبير الملك الأفضل، فوردت البشائر على السلطان بالكرك (١١). ثم سار السلطان واجتمع به ولده، وقد كثر عسكر الإسلام، واجتمع واشتد عزمهم على الجهاد وقوي. وسمع الفرنج بما هم فيه من الكثرة، وتحققوا أنهم

стр. 457

مأخوذون، وكان بينهم خلف وتنافر، فشرعوا حينئذ في الصلح، وتوافقوا على اجتماع الكلمة (١). ثم إن السلطان سار بالعسكر إلى ديار الفرنج بعد أن رتب العسكر واستعرضه، ورحل على هيئة عظيمة يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر (٢)، وخيم على جنين (٣)، ثم أصبح سائرا، ونزل على الأردن وهو نهر الشريعة، والفرنج قد تأهبوا للحرب بصفورية، ورتبوا جيوشهم، ورفعوا صلبانهم، وكانوا نحو خمسين ألفا وأكثر، والسلطان في كل صباح يسير إليهم ويراميهم. فتح طبرية (٤) ثم قوي عزمه على طبرية فسار إليها ونزل عليها، وأحضر الحجارين والنقابين وأمرهم بالهدم والنقب، وكان ذلك يوم الخميس. فنقبوا في برج فهدموه، وتسلقوا فيه، وتسلموه، ودخل الليل. فلما بلغ الفرنج ذلك اعتدوا وشدوا عزمهم وعلموا أن طبرية متى أخذت تؤخذ منهم جميع البلاد، فاجتمع الفرنج مع ملوكهم وساروا بفارسهم وراجلهم نحو السلطان، فبلغ السلطان ذلك، يوم الجمعة فما كذب الخبر واستخار الله تعالى وسار بعسكره، وجاء يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر والفرنج سائرون إلى طبرية، فرتب السلطان الأطلاب (٥) في مقابلتهم فحال الليل بين الفريقين. وقعة حطين (٦) - وهي الوقعة العظمى (٧) فلما أسفر الصباح (٨)، ثار الحرب بين الفريقين، وصاح المسلمون صيحة

стр. 458

رجل واحد، فألقى الله الرجفة (١) في قلوب الكافرين، ووقع البطش في الفرنج، وأمكن (٢) الله المسلمين منهم، فأووا إلى جبل حطين، وهي قرية عندها قبر النبي شعيب، ﵊، وانهزم القمص (٣) (٤) حين أحس بالكسرة، وذلك قبل اضطراب الجمع، فدهمهم المسلمون، ومالوا عليهم من كل جانب، فتثبتوا فأحاط بهم عسكر الإسلام أوقدوا حولهم النيران، فإنه كان تحت أقدام خيولهم حشيش، فأمر السلطان بإلقاء النار فيه فاجتمع عليهم حر النار وحر الشمس (٥) واشتد بهم العطش، وضاق بهم الأمر، ووقع السيف فيهم، واشتد القتال، فنصر الله المسلمين، وأطلقوا عليهم السهام. وحكموا فيهم السيوف وأبادوا الفرنج قتلا وأسرا. وأسروا ملكهم ومن معه، وسميت هذه الوقعة: وقعة حطين، وهي من الوقعات المشهورة، وقتل من الفرنج ثلاثون ألفا من شجعانهم وفرسانهم ورؤي (٦) بعض الفلاحين وهو يقود نيفا وثلاثين أسيرا قد ربطهم في طنب خيمته، وباع منهم واحد بنعل لبسه في رجله، فقيل له في ذلك، فقال: أحببت أن يقال باع أسيرا بمداس. وجلس السلطان لعرض أكابر الأسارى، فأول من قدم إليه مقدم الداوية وعدة كثيرة منهم ومن الإسبتارية (٧)، وأحضر الملك كي (٨)، وأخيه جفري (٩) وأود (١٠) صاحب جبيل وهنفري (١١) والبرنس أرناط صاحب الكرك. وهو أول من أسر، وكان السلطان قد نذر دمه، وأقسم أنه إذا ظفر به يعجل بإتلافه، وذلك لأنه كان قد عبر به

стр. 459

بالشوبك قوم من الديار المصرية في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين (١)، فقال: ما يتضمن الاستخفاف بالنبي، ﷺ ، وقصد المسير إلى المدينة الشريفة ومكة المشرفة - كما تقدم ذكره - وبلغ ذلك السلطان فحملته حمية دينه (٢) على أن نذر دمه. ولما فتح الله عليه بنصره وجلس في دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد، وعرضت عليه الأسارى، فلما حضر بين يديه أجلسه إلى جنب الملك والملك بجنب السلطان، وقرعه على غدره وقصده الحرمين الشريفين، وذكره بذنبه من حلفه وحنثه ونقضه العهود والمواثيق. فقال الترجمان: أنه يقول: قد جرت بذلك عادة الملوك وكان الملك كي يلهث من الظمأ، فآنسه السلطان، وسكن رعبه، وأتى بماء مثلوج فشرب منه، ثم ناوله الإبرنس (٣) فأخذه من يده وشرب، فقال السلطان للملك: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أمانا له. ثم نصبت له الخيام، فلما جلس في خيمته أحضر الإبرنس (٤). فلما أقبل عليه أوقفه بين يديه فقال (٥): ها أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل (٦) فبادره وضربه بالسيف فصرعه، ثم أمر برأسه فقطع وجر برجله قدام الملك. فارتاع وانزعج، فعرف السلطان منه ذلك فاستدعاه وأمنه وطمنه. وقال: لما غدر غدرنا به لأنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه (٧)، وكانت هذه النصرة للمسلمين في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور (٨)، وترفع أصواتهم بحمد الله تعالى وشكره وتهليله وتكبيره حتى طلع الفجر. وأما الصليب الأعظم عندهم فإن المسلمين استولوا عليه يوم المصاف، ولم يؤسر الملك حتى أخذ صليب الصلبوت، وهو الذي إذا رفع ونصب يسجد (٩) له كل نصراني وركع، وهم يزعمون أنه من الخشبة التي صلب عليه معبودهم، وقد غلفوه

стр. 460

بالذهب، وكللوه بالجوهر (١)، وكان أخذه عندهم أعظم من أسر الملك، وعظمت مصيبتهم بأخذه. ثم نزل السلطان على صحراء طبرية (٢). وندب إلى حصنها من تسلمه بالأمان وكانت الست صاحبة طبرية قد حمته ونقلت إليه جميع (٣) ما تملكه، فأمنها على أصحابها وأموالها، وخرجت بمن معها إلى طرابلس بلد زوجها القمص. وصارت طبرية للمسلمين، وعين لولايتها صارم (٤) الدين قايماز النجمي. وكان من الأكابر والسلطان نازل ظاهر طبرية. فلما أصبح يوم الاثنين سابع عشر من ربيع الآخر طلب السلطان الأسارى من الداوية والإسبتارية. فأحضر العسكر (٥) في الحال مائتين وأمر بضرب أعناقهم، وكان عنده جماعة من أهل العلم والتصوف، فسأل كل واحد، في قتل واحد، فقتلوا بحضرة السلطان. ثم سير ملك الفرنج وأخاه وهنفري وصاحب جبيل ومقدم الداوية (٦) وجميع أكابرهم المأسورين إلى دمشق وسجنهم (٧). فتح عكا (٨) ورحل السلطان ظهر يوم الثلاثاء بمن معه من العساكر الإسلامية، ونزل عشية بأرض لوبية (٩)، فلما أصبح سار، وكان في صحبته الأمير عز الدين أبو فليسة القاسم المهدي (١٠) الحسيني (١١)، أمير المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان حضر تلك السنة صحبة الحاج (١٢) وهو ذو شيبة نيرة، وحضر مع السلطان هذا الفتح جميعه.

стр. 461

فأقبل السلطان على عكا وخيم قريبا منها، وأصبح يوم الخميس ركب لحربها فخرج أهل البلد يطلبون الأمان، فأمنهم وخيرهم بين المقام والانتقال، وأمهلهم أياما حتى ينتقل من يختار النقلة فأسرع الفرنج للخروج (١) منها، ودخل الجند واستولوا على الدور، ونزلوا بها وغنموا منها شيئا كثيرا. وكان السلطان جعل للفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري (٢) كل ما يتعلق بالداوية (٣) من منازل وضياع، فأخذها بما فيها، ووهب عكا لولده الملك الأفضل، ودخلها المسلمون يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى وصلى بها الجمعة (٤)، وجعلت الكنيسة العظمى مسجدا جامعا، ورتب فيه القبلة والمنبر، وخطب جمال الدين عبد اللطيف بن الشيخ أبي النجيب (٥) السهروردي (٦)، وتولى بها القضاء والخطابة. وأقام السلطان في مخيمه (٧) بباب عكا على التل، وكتب لأخيه الملك العادل سيف الدين أبي بكر وهو بمصر يعلمه بالفتح، فوصلت البشائر للسلطان بوصوله، وأنه فتح في طريقه حصن مجدل يابا (٨) ومدينة يافا عنوة، وغنم ما فيها (٩)، فتوجه إليه القصاد من أخيه السلطان الملك الناصر (١٠)، وأنعم عليهم مما غنمه وسباه بشيء كثير واستمر السلطان مقيما بمخيمه، وفرق الأمراء لفتح البلاد المجاورة، وأمدهم بالعساكر (١١). فتح الناصرة وصفورية (١٢) فسار مظفر الدين كوكبوري (١٣) صاحب اربد، الملقب بالملك المعظم، إلى

стр. 462

الناصرة ومعه حسام الدين بن طومان، وفتحها وأخذ ما فيها، وسبى نساءها، وأسر رجالها. وأما صفورية فهرب أهلها، فلم يجدوا بها أحدا، وكان بها من الأموال والذخائر ما لا يحصى. فتح قيسارية (١) وتوجه بدر الدين يلدرم (٢) وغرس الدين فلج وجماعة من الأمراء إلى قيسارية فافتتحوها (٣) بالسيف واستولوا على ما فيها، ثم تسلموا أرسوف (٤). فتح نابلس (٥) وسار حسام الدين بن محمد بن عمر بن لاجين (٦) على سمت نابلس، ووصل إلى سبسيطية فتسلمها ووجد مشهد زكريا، ﵇، وقد اتخذه القسوس كنيسة فأعاده مشهدا كما كان، ثم قصد نابلس ونازلها وحاصرها، وطال حصارها (٧)، ولم يزل مقيما عليها حتى استأمنوه، ووثقوا بأمانه، ثم سلموها وخلصت له نابلس وأعمالها، وكان معظم أهلها وجميع سكان نواحيها مسلمين، وكانوا في شدة عظيمة من الفرنج. فتح الفولة (٨) وغيرها (٩) وكانت الفولة من أحسن الحصون، وفيها من العدو والأموال شيء كثير، وكانت مجمعهم، فلما كان يوم المصاف خرجوا بأجمعهم، وحصل لهم ما حصل من القتل والأسر (١٠)، ولم يبق بها إلا الأراذل، فسلموا الحصن بما فيه إلى

стр. 463

السلطان. وتسلموا جميع ما في تلك (١) الناحية مثل: دبورية (٢) وجنين (٣) وزرعين (٤) والطوالية (٥) واللجون وبيسان والقيمون (٦)، وجميع ما لطبرية وعكا من الولايات والزيب (٧) ومعليا (٨) والبعنة (٩) وإسكندرية. فتح تبنين (١٠) ثم أمر السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه يقصد حصن (١١) تبنين، فقصده وأخذ في مضايقته وطال حصاره، فراسلوا السلطان (١٢) وسألوه الأمان واستمهلوا خمسة أيام، فأمهلوا بعد أن بذلوا رهائن وأطلقوا ما عندهم من الأسرى (١٣). فسر السلطان بذلك وأحسن إلى المأسورين، وكان هذا دأبه في كل بلد يفتحه، فخلص في تلك السنة من الأسرى أكثر من عشرين ألف أسير، وأخلوا القلعة، ثم ساروا إلى صور صحبة جماعة من عسكر السلطان ورتب في الموضع مملوكه سنقر (١٤) الدوري وأوصاه بحفظها. وكان النزول على تبنين يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، وتسلمها يوم الأحد الثامن عشر منه. فتح صيدا (١٥) نزل السلطان عليها يوم الأربعاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وهي

стр. 464

مدينة لطيفة على الساحل بها أنهار وأشجار، فجاءت رسل صاحبها بمفاتيحها، وقد أخلاها وتسلمها السلطان، ونصبت عليها رايات الإسلام (١)، وأقيمت بها الجمعة والجماعة. فتح بيروت (٢) ثم سار السلطان إلى بيروت وكان النزول عليها يوم الخميس ثاني عشر من جمادى الأولى، ووقع القتال واشتد، ثم نقب السور حتى كاد يقع البرج، وضاق الأمر بهم، فطلبوا الأمان وأن يكتب لهم السلطان مثالا بذلك، فكتب لهم وأمنهم، وتسلم السلطان بيروت يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى. فتح جبيل (٣) ولما كان السلطان على بيروت وصل إليه كتاب الصفي بن القابض من دمشق يتضمن أن أود (٤) صاحب جبيل أذعن بتسليمها ويطلق، فرسم السلطان بإحضاره وهو مقيد، فأحضر بين يديه، وسمح بتسليم بلده، وتسلمها السلطان وأطلقه (٥)، ولم تكن عاقبة إطلاقه حميدة، فإنه كان من أعظم الفرنج أشدهم عداوة، وكان معظم أهل صيدا وبيروت وجبيل مسلمين، وكانوا في ذل كبير من الفرنج. ففرج الله عنهم. وكان تسليم جبيل في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى والسلطان يومئذ على بيروت، وكان كل من استأمن من الكفار مضى إلى صور، وصارت منزلتهم وهي التي فر القمص إليها يوم كسرتهم على حطين. هلاك القومص (٦) ودخول المركيس إلى صور (٧) لما عرف القومص (٨) قرب السلطان منها أخلاها وتوجه إلى طرابلس،

стр. 465

فهلك بها وكان المركيس (١) من أكبر طواغيت الكفر ولم يكن وصل إلى بلاد الساحل قبل هذا العام، واتفق وصوله إلى ميناء عكا، ولم يعلم بفتحها ولا ما فيها من المسلمين، فلما قدم عليها تعجب من أهلها لكونهم لم يتلقوه، ورأى من فيها غير هيئة النصارى، فارتاب لذلك وسأل عن الحال، فأخبر (٢) بما وقع، ففكر في النجاة وقصد الفرار، فلم تهب له ريح، وسأل عن البلد ومن إليه أمره، فقيل له: الملك الأفضل، فقال: خذوا لي منه أمانا، حتى أدخل فجيء إليه بالأمان، فقال: ما أثق إلا بخط يده. فما زال يرد (٣) الرسل ويدبر الحيل حتى وافقته الريح فأقلع وتوجه إلى صور وضبطها بمن فيها، وأرسل رسله إلى الجزائر يستعدي ويستنفر. وثبت في صور وبقي كلما فتح السلطان بلدا بالأمان يسير أهلها في حفظ السلطان إلى صور، فاجتمع إليه أهل البلاد المفتوحة بأجمعهم، وشرع المركيس (٤) يحفر الخندق ويحكمه، وسنذكر ما كان من أمره، إن شاء الله تعالى. فتح عسقلان وغزة والرملة والداروم (٥) وغيرها (٦) وكان النزول على عسقلان يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة، ولما فرغ السلطان من فتح بيروت وجبيل، عاد عابرا على صيدا وصرفند، وجاء إلى صور ولم يكترث بأمرها، وكان قد استحضر ملك الفرنج ومقدم الداوية، وشرط معهما، واستوثق منهما أنه يطلقهما من الأسر إذا تمكن من بقية البلاد، فانزعج المركيس بصور واشتد خوفه. واجتمع السلطان بأخيه الملك العادل واتفقا على السير (٧)، ونزل على عسقلان وحصرها (٨) ورماها بالمنجنيقات، واشتد القتال، وراسلهم عند ذلك الملك المأسور، وأشار عليهم بعدم مخالفته، وترددت الرسل. ثم أذعنوا للتسليم (٩)

стр. 466

وسلموا عسقلان على أن يخرجوا بأموالهم بعد أخذهم الميثاق واليمين، وذلك يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، فكان حصارها أربعة عشر يوما، وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة، فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٤٨ هـ، وممن استشهد على عسقلان من الأمراء الكبار: إبراهيم بن حسين المهراني، وهو أول أمير استشهد، وكان السلطان قد أخذ في طريقه إليها الرملة ويبنى وبيت لحم والخليل، وأقام بها حتى تسلم حصون الداروم وغزة والنطرون (١) وبيت جبريل (٢)، واجتمع بالسلطان ولده صاحب مصر الملك العزيز عثمان بعسقلان، فقرت عينيه بقدومه واعتضد به. وكان قد استدعى الأساطيل فحضرت والحاجب لؤلؤ (٣) مقدمها، وشرع بقطع الطريق على سفن العدو ومراكبه، ويقف له في جزائر البحر، وسنذكر ذلك في محله، إن شاء الله تعالى. فتح بيت المقدس (٤) ثم رحل السلطان من عسقلان إلى بيت المقدس (٥) وسمع خبره من في القدس (٦)، فاشتد رعبهم، وكان بها من مقدمي الفرنج باليان بن بارزان والبطرك الأعظم ومن كلا الطائفتين الإسبتارية والداوية، وضاقت بهم منازلهم، فأخذوا في تدبير أنفسهم وأيسوا وصاروا في هرج ومرج، واشتد بهم الكرب. وأقبل السلطان بعساكر الإسلام وهو في أبهته وهيئته المرهبة، ونزل على القدس من جهة الغرب يوم الأحد خامس عشر رجب، وكان في القدس حين الفتح (٧) من الفرنج ستون ألف مقاتل وقد وقفوا دون البلد للمبارزة، وقاتلوا أشد

стр. 467

القتال. واستمر الحرب بين الفريقين، فانتقل السلطان يوم الجمعة لعشرين من رجب إلى جانب الشمال (١)، وخيم هناك وضيق على الفرنج ونصب المجانيق (٢) ورمى بها حتى تهدم غالب السور، ثم أخذ المسلمون في نقب السور مما يلي وادي جهنم، واشتد القتال وتباشر أهل الإسلام بالفتح وكان يوما عسيرا على الكافرين غير يسير (٣)، فبرز من الفرنج ابن بارزان ليطلب الأمان من السلطان فلم يجبه السلطان إلى ذلك، وقال (٤): لا آخذها إلا بالسيف مثل ما أخذها الفرنج من المسلمين. فتعرضوا للتضرع وعاودوه في طلب الأمان وعرفوه ما هم عليه من الكثرة، وأنهم إن أيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك، ولا يجرح منهم واحد (٥) حتى يجرح عشرة، ويخربوا الدور وقبة الصخرة ويقتلوا كل من عندهم من أسارى المسلمين - وهم ألوف - ويعدموا ما عندهم من الأموال وكذلك الذراري. فعقد السلطان محضرا للمشورة وأحضر أكابر دولته وأكثر عساكره (٦) وشاورهم في الأمر ودار الكلام بينهم على الصلح بشرط أن يؤدي كل من بها من الرجال عشرة دنانير ومن النساء خمسة، ويؤدي عن الطفل ديناران وأي من عجز عن الأداء كان أسيرا. فأجاب الفرنج إلى ذلك ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدم الداوية (٧) والاسبتارية في الضمان، وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وسلموا البلد يوم الجمعة قبيل الظهر (٨) وقت الصلاة السابع والعشرين من رجب على هذا الشرط، ولم تتفق صلاة الجمعة يومئذ لضيق الوقت، وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان من الرجال والنساء والصبيان، وأغلقت أبواب المدينة ورتب النواب لعرضهم واستخراج المال منهم، ووكل بكل باب أمين ومقدم كبير يضبط من يدخل ويخرج فمن أدى ما عليه يمكن (٩) من الخروج ومن لم يؤد قعد في الحبس، وحصل التفريط من العمال في المال وشرعوا يواطئون الفرنج في ذلك لارتشائهم منهم، فمنهم من

стр. 468

دلي من السور بالحبال، ومنهم من ظهر مختفيا، ومنهم من وقعت فيه شفاعة. وكانت في القدس ملكة مترهبة ولها مال كثير فمنّ عليها السلطان بالإفراج، ولم يتعرض منها إلى شيء، وكانت زوجة الملك المأسور ابنة الملك أيادي فخلصت بمن معها ومن تبعها وكذلك الإبرنساسة (١) ابنة فيليب أم هنفري أعفيت من الوزن، واستطلق صاحب البيرة (٢) زهاء خمسمائة أرمني، ذكر (٣) أنهم من بلده، وأنهم حضروا للزيارة، وطلب مظفر الدين كوكبوري (٤) ألف أرمني ادعى أنهم من الزهاد، فأطلقهم له السلطان، وكان السلطان قد رتب عدة دواوين في كل ديوان منها عدة من النواب المصريين ومنهم من الشاميين، فمن أخذ من أحد الدواوين خطا بالأداء انطلق مع الطلقاء بعد عرض خطه على من بالباب من الأمناء والوكلاء. وحصل من الأمناء مواطأة واختلاس كثير (٥) في المال (٦)، ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار. وبقي جماعة من الفرنج في الأسر لعدم القيام بما عليهم. ذكر يوم الفتح وهو يوم سابع عشر من رجب - كما تقدم - واتفق فتح بيت المقدس في يوم كان مثل ليلة معراج نبينا محمد (٧)، ﷺ ، ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، وجلس السلطان للقاء الأكابر والأمراء والمتصوفة والعلماء، وهو جالس على هيئة التواضع وعليه الأبهة والوقار وحوله أهل العلم والفقهاء وعليهم السكينة والجلال، وقد ظهر السرور على أهل الإسلام بنصرتهم (٨) على عدوهم المخذول، وزينت بلاد الإسلام لفتح بيت المقدس، وتسامع الناس بهذا النصر والفتح، فوفدوا للزيارة من سائر البلاد. وأما الفرنج فشرعوا في بيع أمتعتهم واستخراج ذخائرهم وباعوها بالهوان،

стр. 469

وتقاعد الناس في الشراء فابتاعوها بأرخص الأثمان (١)، وكان ما يساوي أكثر من عشرة دنانير يباع بأقل من دينار، وأخذوا ما في كنائسهم من أواني الذهب والفضة والستور، وجمع البطرك كل ما كان على القبر من صفائح الذهب والفضة وجميع ما كان في قمامة (٢)، فقال العماد الكاتب للسلطان: هذه أموال جزيلة تبلغ مائتي ألف دينار والأمان في أموالهم لا على أموال الكنائس والديارات فلا نتركها لهم. فقال السلطان: إذا تأولنا عليهم نسبونا إلى الغدر فنحن نجريهم على ظاهر الأمان ولا ندعهم يتكلمون في حق المسلمين وينسبونهم إلى الغدر والنكث بل ندعهم يثنون عنا الجميل، فأخذ الفرنج ما خف حمله وتركوا ما ثقل. وانتقل بعضهم إلى صور وبقي منهم زهاء خمسة عشر ألفا لم يؤدوا ما شرط عليهم فدخلوا في الرق (٣)، وكان الرجال نحو سبعة آلاف، فاقتسمهم المسلمون، وأحصيت النساء والصبيان ثمانية آلاف نسمة. وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام في سنة ٤٩٠ هـ (٤)، إلى الآن بمصيبة مثل هذه الواقعة (٥)، ووصل المستنفرون من الكفار إلى أقصى بلاد الفرنج. ومثلوا صورة المسيح، ﵇، وصورة النبي، ﷺ ، وبيده عصا (٦) وهو يقصد المسيح ليضربه والمسيح منهزم منه، وأقاموا الشناع والغوغاء في بلادهم لذلك، واشتد ملوكهم واعتدوا وجهزوا العساكر لقصد بلاد الإسلام ومحاربة الملك صلاح الدين، ﵀ (٧). ولما استقر بيت المقدس مع المسلمين وطهره الله من المشركين سأل النصارى في الإقامة به ببذل الجزية، وأن يدخلوا في الذمة، فأجيبوا إلى ذلك. ولما تسلم السلطان القدس أمر بإظهار المحراب، وكان الداوية قد بنوا في وجهه جدارا وتركوه هويا، وقيل: اتخذوه مستراحا، وبنوا غربي القبلة دارا وسيعة وكنيسة. فهدم ما قدم المحراب من الأبنية، ونصب المنبر، وأظهر المحراب، ونقض ما أحدثوه بين السواري وفرش المسجد بالبسط وعلقت

стр. 470

القناديل (١). وكان يوما مشهودا، ظهر فيه عز الإسلام، وعلت كلمة الإيمان، وبطلت نغمات القسوس (٢) والرهبان، وعلت أصوات أهل الإيمان (٣) بالقرآن، وخرس الناقوس وسمع الأذان، وعزل الإنجيل، وتولى القرآن، وبطل ما كان بالمسجد الأقصى من الشرك (٤) والطغيان، وعبد فيه الملك الديان. وقد تقدم أن من الاتفاقات العجيبة أن محي الدين بن الزكي (٥)، قاضي دمشق، لما فتح السلطان صلاح الدين حلب في صفر سنة ٥٧٩ هـ (٦)، مدحه بقصيدة فيها: وفتحكم حلبا بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال، وفتح القدس في رجب - كما تقدم - فقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٣) (٧). وكان الإمام أبو الحكم بن برجان الأندلسي (٨) قد صنف تفسيره المذكور في سنة ٥٢٠ هـ (٩)، وبيت المقدس حين ذلك (١٠) في يد الفرنج، لعنهم الله تعالى. قال ابن خلكان في تاريخه (١١) - في ترجمة ابن الزكي -: ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية لم أزل أطلب تفسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة، قال: ولكن رأيت هذا الفصل مكتوبا في الحاشية (١٢) غير الأصل ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق. وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراج ذلك حتى حرره من قوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ انتهى.

стр. 471

ذكر أول خطبة بعد الفتح (١) ولما فتح السلطان القدس تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة طمعا في أن يكون هو الذي يعين لذلك، والسلطان لا يعين الخطبة لأحد. فلما دخل يوم الجمعة رابع شعبان واجتمع الناس لصلاة الجمعة حتى امتلأ الجامع، ونصبت الأعلام على المنبر، وتكلم الناس فيمن يخطب والأمر مبهم حتى حان الزوال، وأذن المؤذن للجمعة، فرسم السلطان وهو بقبة الصخرة للقاضي محي الدين محمد بن زكي الدين علي القرشي أن يخطب، وهي أول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح، وأعاره العماد الكاتب أهبة سوداء وكانت عنده من تشريف الخلافة لبسها في الحال. فلما رقي على المنبر استفتح بسورة الفاتحة وقرأها إلى آخرها ثم قال: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٥) (٢). ثم قرأ أول سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ (٣). ثم قرأ من سورة سبحان: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)﴾ (٤). ثم قرأ من سورة الكهف أولها: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢)﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣)﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤)﴾ ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً (٥)﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (٦) (٥).

стр. 472

ثم قرأ من سورة النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩) (١). ثم قرأ من سورة سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١) (٢). ثم قرأ من سورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (٣). ثم شرع في الخطبة فقال: الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الكفر (٤) بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره الذي قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده لا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظهاره (٥) وإظفاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهيره لبيته المقدس (٦) من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشك، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلا ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧)﴾ (٧) ﷺ وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار (٨) الصلبان وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ذو النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مزلزل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.

стр. 473

أيها الناس: أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد (١) هذه الضالة من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه، واستقر فيها رسمه ورفع قواعده بالتوحيد فإنه بنى عليه، وشيد بنيانه بالتمجيد فإنه أسس على التقوى من خلفه، ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم، ﵇، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام فهو (٢) مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل ينزل به الأمر والنهي، وهو أرض المحشر، وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسول الله، ﵇ (٣)، بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى الذي أكرمه الله برسالته وشرفه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٤) كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا: ﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ (٥)، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (٦). وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم ممن اختاره الله من عباده واصطفاكم (٧) من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار، وطوبى (٨) لكم من جيش ظهرت

стр. 474

على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات (١) البدرية والعزمات الصديقية، والفتوحات العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد، ﷺ ، أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من مهراق (٢) الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء، فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله (٣) بواجب شكرها، فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء (٤)، وتبلجت بأنوار وجوده الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقر به عيون (٥) الأنبياء والمرسلون، فماذا عليكم من النعمة أن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان والجند الذي تقوم بسيوفهم التهاني بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح الله على أيديكم أمثاله، وأن يكون التهاني لأهل الخضراء أكثر من التهاني لأهل الغبراء، أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه ونص عليه في محكم خطابه، فقال تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) (٦) أليس هو البيت الذي عظمته الملل وأثنت عليه الرسل، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله ؟ أليس هو البيت الذي أمسك الله لأجله الشمس على يوشع (٧) أن تغرب وباعد بين خطواتها لتيسير فتحه ويقرب؟ أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب الله عليهم لأجله، فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان (٨)؟ فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عليه بنو إسرائيل وقد فضلت على العالمين، ووفقكم لما خذلت فيه أمم كانت قبلكم من الأمم الماضين، وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى، وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف حتى فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم

стр. 475

جنده وشكر لكم الملائكة المنزلون على ما أهديتم (١) لهذا البيت من طيب التوحيد، ونشر التقديس والتمجيد، وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث، والاعتقاد الفاجر الخبيث، فالآن تستغفر لكم أملاك السماوات، وتصلى عليكم الصلوات المباركات، فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها سلم (٢)، ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم، واحذروا من أتباع الهوى، ومواقعة الردى، ورجوع القهقرى والنكول عن العدى، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغصة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضا عبادته (٣)، إذ جعلكم من خيار عباده، وإياكم أن يستزلكم الشيطان، وأن يتداخلكم الطغيان فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد وبجلادكم في مواطن الجلاد، لا والله ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل، وخصكم بنصره المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين، أن تقترفوا كبيرا من مناهيه، وأن تأتوا عظيما من معاصيه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾ (٤)، ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١٧٥) (٥)، والجهاد الجهاد (٦) فهو من أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، أنصروا الله ينصركم، احفظوا الله يحفظكم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا (٧) في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء، وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت الله ورسوله واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام: يا للثارات (٨) الإسلامية، والملة المحمدية، الله أكبر فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، أذل الله من كفر، واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، وغنيمة فحوزوها، ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها، وسيروا إليها سرايا عزماتكم وجهزوها، فالأمر بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول وهم مثلكم أو يزيدون، فكيف وقد

стр. 476

أضحى قبالة الواحد منهم (١) عشرون وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٦٦) (٢). أعاننا الله وإياكم على إتباع أوامره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣). إذ (٤) أشرف مقال يقال في مقام، وأنفذ سهام تمرق عن قسى الكلام، وأمضى قول تحلى به الأفهام، كلام الواحد الفرد (٥) العزيز العلام، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم وقرأ أول سورة الحشر (٧): ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢) (٨). ثم قال: آمركم وإياي عباد الله بما أمر الله به من حسن الطاعة فأطيعوه وأنهاكم وإياي عما نهى الله عنه من قبح المعصية فلا تعصوه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع (٩) المسلمين فاستغفروه. ثم خطب (١٠) الخطبة الثانية على عادة الخطباء مقتصرة، ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك سيفك القاطع وشهابك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذاب عن حرمك الممانع، السيد الأجل، الملك الناصر جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة

стр. 477

الصلبان صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر بيت المقدس من أسر (١) المشركين، أبي المظفر يوسف بن أيوب محي دولة أمير المؤمنين، اللهم عمر بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه، اللهم أبق للإسلام مهجته، ووف للإيمان حوزته وانشر في المشارق والمغارب دعوته، اللهم كما فتحت على يديه البيت المقدس بعد أن ظنت الظنون (٢)، وابتلي المؤمنون، فافتح على يديه داني الأرض وقاصيها وملكه صياصي الكفرة ونواصيها، فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها، ولا جماعة إلا فرقها، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها بمن سبقها، اللهم اشكر عن محمد، ﷺ سعيه، وأنفذ في المشارق (٣) والمغارب أمره ونهيه، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك وأكنافها، اللهم ذلل به معاطس الكفار، وارغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب ملكه على الأمصار، وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار، اللهم اثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين، واحفظه في بنيه الغر الميامين، وإخوانه أولي العزم والتمكين، وشد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم، اللهم كما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقى على الأيام، وتتجدد على ممر الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفذ (٤) في دار المتقين، وأجب دعاءه في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى و-الِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ (٥). ثم دعا بما جرت به العادة ونزل وصلى. ولما قضيت الصلاة انتشر الناس، وكان قد نصب سرير الوعظ تجاه (٦) القبلة، فجلس عليه الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن نجا الأنصاري الحنبلي، المعروف بابن نجية (٧)، وعقد مجلسا للوعظ، وكان واعظا حسنا بليغا. وصلى السلطان الجمعة في قبة الصخرة، وكانت الصفوف ملء الصحن، ثم رتب في المسجد الأقصى خطيبا.

стр. 478

وكان الملك العادل نور الدين الشهيد قد عزم على فتح بيت المقدس، وعمل منبرا بحلب وتعب عليه مدة وقال: هذا لأجل القدس، فأدركته المنية، وكان الفتح على يد من أراد الله، فأرسل السلطان صلاح الدين من أحضر المنبر من حلب وجعله في المسجد الأقصى وهو الموجود في عصرنا هذا. وأما الصخرة فقد كان الفرنج بنوا عليها كنيسة ومذبحا وجعلوا فيها الصور والتماثيل، فأمر السلطان بكشفها ونقض البناء المحدث فيها، وأعادها كما كانت، ورتب لها إماما حسن القراءة، ووقف عليها دارا وأرضا، وحمل إليها وإلى محراب الأقصى مصاحف وختمات وربعات شريفة، ورتب للصخرة وللمسجد الأقصى خدمه، وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعا (١) وحملوا منها إلى قسطنطينية ونقلوا منها إلى صقلية، قيل: باعوها بوزنها ذهبا. ولما فتح السلطان القدس، كان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب، فتسلق المسلمون، وقلعوه، فسمع (٢) لذلك ضجة لم يعهد مثلها من المسلمين للفرح والسرور. ثم شرع السلطان في العمارة، وأمر بترخيم محراب الأقصى، وكتب عليها بالفصوص المذهبة ما قراءته: بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بتجديد هذا المحراب وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس، عبد الله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين عندما فتحه الله على يديه في شهور سنة ٥٨٣ هـ (٣)، وهو يسأل الله إيزاعه شكر هذه النعمة وإجزال حظه من المغفرة والرحمة. وشرع ملوك بني أيوب في فعل الآثار الجميلة بالمسجد الأقصى منهم الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو السلطان. وأما الملك المظفر تقي الدين بن عمر بن شاهنشاه فإنه فعل فعلا حسنا وهو: أنه حضر في قبة الصخرة (٤) مع جماعة وتولى بيده كنس أرضها، ثم غسلها بالماء مرارا، ثم اتبع الماء بماء الورد وطهر حيطانها وغسل جدرانها وبخرها، ثم فرق مالا عظيما (٥) على الفقراء وكذلك الملك الأفضل نور الدين علي، والملك العزيز

стр. 479

عثمان، فعلا فيه أنواعا من البر والخير ووضع الأسلحة، برسم المجاهدين في سبيل الله. محراب داود ﵇ وغيره من المشاهد أما محراب داود، ﵇، فهو خارج المسجد الأقصى في حصن عند باب المدينة وهو القلعة، وكان الولي يقيم (١) بهذا الحصن، ويعرف هذا الباب قديما بباب المحراب والآن بباب الخليل: فاعتنى السلطان بأحواله ورتب له إماما ومؤذنين وقواما، وأمر بعمارة جميع المساجد والمشاهد، وكان موضع هذه القلعة دار داود، ﵇. وكان الملك العادل نازلا في كنيسة صهيون وأجناده في خيامهم على بابها، وفاوض (٢) السلطان جلساءه من العلماء في مدرسة الفقهاء الشافعية، ورباط للصلحاء الصوفية. فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصندحنه (٣)، فإنه يقال: إن فيها قبر حنة أم مريم وهي عند باب الأسباط، وعين للرباط دار البطرك وهي بقرب كنيسة قمامة وبعضها راكب على ظهر قمامة، ووقف عليهما أوقافا حسنة، وأمر بإغلاق كنيسة قمامة، ومنع النصارى من زيارتها، وأشار عليه بعض أصحابه بهدمها، ومنهم من أشار بعدم الهدم لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، لما فتح القدس (٤) أقرهم عليها ولم يهدمها. وأقام السلطان على القدس على تسلم ما بقي بها من الحصون. ورحل الملك الأفضل إلى عكا ثم تبعه الملك المظفر إلى عكا أيضا، ثم إن السلطان فرق ما جمعه على ما مستحقيه من الجند والفقهاء والفقراء والشعراء، فقيل له: لو ادخرت هذا المال لأمر يحدث، فقال: أملي بالله قوي. وجمع الأسارى (٥)، وكانوا ألوفا من المسلمين، فكساهم وأحسن إليهم، وذهب كل منهم إلى وطنه. ومكث السلطان على القدس ينظر في مصالحه، وكان في خدمته الأمير علي بن أحمد المشطوب، وكان معه (٦) أهل صيدا وبيروت وهما بقرب صور، وخاف أن يفوته فتحها، وكان يحث السلطان على المسير إليها، وكان المركيس عند

стр. 480

اشتغال المسلمين بالقدس شرع في إحكام صور (١) وحصنها وجعل لها خندقا وضيق طريقها. وكتب السلطان إلى الخليفة الناصر لدين الله يعلمه بالفتح، وكتب أيضا إلى الآفاق رسائل من إنشاء العماد الكاتب فيها من البلاغة والألفاظ الفائقة ما لا يقدر عليه غيره. ذكر رسالة السلطان للخليفة (٢) وكانت الرسالة إلى الخليفة على يد ضياء الدين بن الشهرزوري (٣) بخط القاضي الفاضل من إنشائه وهي: أدام الله أيام الديوان العزيز النبوي ولا زال مظفر الجد بكل جاحد، غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والنصل في جفنه راقد، وارد الجود والسحاب (٤) على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقي إلا بشكر (٥) واحد، ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي إلا بنبل غوى وريش راشد، ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواء إلى المرابع وأنوار إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد، كتب الخادم هذه الخدمة تلو ما صدر عنه مما كان يجري مجرى التباشير لصبح هذه الخدمة والعنوان لكتاب وصف هذه النعمة فإنها بحر فيه للأقلام سبح طويل، ولطف لتحمل الشكر (٦) فيه عبء ثقيل، وبشرى للخواطر في شرحها مآرب، ويسرى للأسرار في إظهارها العزم لا مسارب (٧) ولله تعالى في إعادة شكره رضا، وللنعمة الراهنة به دوام لا يقال معه هذا مضى، وقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصائرها، وقد (٨) استثبتت عقائد أهله على أبين بصائرها، وتقلص ظل رجاء الكافر المبسوط وصدق الله أهل دينه، فلما وقع الشرط وقع المشروط، وكان الدين غريبا فهو الآن في وطنه، والفوز معروضا فقد

стр. 481

بذلت الأنفس في ثمنه وأمر أمر الحق وكان مستضعفا، وأهل ربعه، وكان قد عيف حين عفا، وجاء أمر الله وأنوف أهل الشرك راغمة، وأدلجت السيوف إلى الآجال وهي نائمة (١)، وصدق وعد الله في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها حسان الجبين، واسترد المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، وظفروا يقظة بنا لم يتصدقوا أنهم يظفرون به طيفا على النأي طارقا، واستقرت على الأعلام أقدامهم، فخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت (٢) على الصخرة قلوبهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما يشفي بالماء غليلهم، ولما قدم الدين عليها عرق منها سويداء قلبه وهنا كفؤها الحجر الأسود بيت عصمتها من الكافر بحربه، وكان الخادم لا يسعى بسعيه (٣) إلا لهذه العظمى، ولا يقاسي البؤس إلا رجاء هذه النعمى ولا يحارب من يستظلمه في حربه ولا يعاقب بأطراف القنا من يتفادى (٤) في عتبه إلا لتكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله هي العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا، وكانت الألسن ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيرا (٥) خاطر، ومن رام صفعة رابحة جاسر، ومن سما لأن يجلي غمرة غامر، وإلا فإن العقود تلين تحت نيوب الأعداء المعاجم، فيعظها وتضعف في أيديها مهز القوائم فيفضها هذا إلى كون القعود لا يقضي به فرض الله في الجهاد، ولا يراعي به حق الله في العباد، ولا يوفي به واجب التقليد الذي تطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وخلفاء الله كانوا في مثل هذا اليوم لله يسألون، لا جرم أنهم أورثوا أسرارهم وسريرهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيتهم الشريفة، وطليعتهم المنيفة وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد القلم وبياض الصحيفة، فما غابوا لما حضر ولا غضوا لما نظر بل وصلهم الأجر لما كان به موصولا، وشاطروه العمل لما كان عنه مسؤولا ومنه مقبولا، وخلص إليهم إلى المضاجع ما اطمأنت به جنوبها، وإلى الصفائح ما عبقت به جيوبها، وفاز منها بذكر لا يزال الليل به سميرا، والنهار به بصيرا والشرق يهتدي بأنواره، بل إن أبدى نورا في ذاته هتف به الغرب بأنواره فإنه نور لا تكفه أغساق السدف (٦)، وذكر لا توازيه أوراق الصحف، وكتب

стр. 482

الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي تشظت قناته شققا، وطارت من فرقه فرقا وفل سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته وكان الأكثر عددا وحصا وكلت حملاته فكانت قدرة الله تصرف (١) فيه العنان بالعنان، وعقوبة من الله ليس لصاحب يد فيها (٢) يدان، وعثرت قدمه، وكانت الأرض لها حليفة، وغضت عينه وكانت السيوف دونها كثيفة، ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق لطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه، وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون، وأصبحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب الفرد الواحد، وكان عندهم الثالث، وبيوت الكفر مهدومة، ونيوب الشرك مهتومة، وطوائفه الحامية (٣) مجمعة على تسليم القلاع الحامية، وشجعانه المتوافية مذعنة لبذل القطائع الوافية، لا يرون في ماء الحديد لهم عصره، ولا في نار الأنفة لهم نصره قد ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وبدل الله مكان السيئة الحسنة، ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة، وقد كان (٤) الخادم لقيهم اللقاءة الأولى فأمده الله بمداركته، وأنجده بملائكته فكسرهم كسرة ما بعدها جبر، وصرعهم صرعة لا تنتعش بعدها بمشيئة الله كفر، وأسر منهم من أسرت به السلاسل وقتل منهم من فتكت به المناصل، وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسلاح والكفار، وعن المصاف بخيل فإنه قتلهم (٥) بالسيوف الأفلاق والرماح، الإكسار، فنيلوا بثأر من السلاح ونالوه أيضا بثأر، فكم أهلة سيوف تقارض الضراب بها حتى عادت كالعراجين، وكم أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين، وكم فارسية ركض عليها فارسها الشهم إلى أجل فاختلسه وفغرت تلك النفوس (٦) فاها، فأذاقوها قد نهش القرن على بعد المسافة وافترسه، وكان اليوم مشهودا، وكانت الملائكة شهودا وكان الصليب صارخا، وكان الإسلام مولودا وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقودا، وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه وأكد وصله بالدين وعلائقه وهو صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت ما دهموا قط بأمر إلا وقام بين دمائهم يبسط لهم باعه، فكان مد اليدين في هذه الوقعة وداعه، لا جرم أنه تتهافت على ناره فراشهم، ويجتمع في ظل ظلاله خشاشهم، ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه

стр. 483

ميثاقا يبنون عليه أشد عقد وأوثقه، ويعدونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه، وفي هذا اليوم أسرت سراتهم، ودهيت دهاتهم، ولم يفلت منهم معروف إلا القومص، وكان لعنه الله مليا يوم الظفر بالقتال، ومليا يوم الخذلان بالاحتيال، فنجا ولكن كيف؟ وطار خوفا من أن يلحقه من الرمح أو جناح السيف، ثم أخذه الله بعد أيام بعده، وأهلكه (١) لموعده وكان من عدتهم كذلك وانتقل من ملك الموت إلى مالك، وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد، فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا، البيضاء صنعا، الخافقة هي وقلوب أعدائها الغالية هي وعزائم أوليائها المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها النشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر، فافتتح بلاد كذا (٢) وكذا، وهذه أمصار ومدن، وقد تسمى البلاد بلادا وهي مزارع وفدن، وكل هذه ذوات معاقل ومعاقر، بحار وجزائر، وجوامع ومنابر، وجموع وعساكر يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها (٣)، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها، ويحصد منها كفرا ويزرع إيمانا، ويحط من منابر جوامعها صلبانا (٤) ويرفع آذانا ويبدل المذابح منابر، والكنائس مساجد، ويبوئ أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال عن دين الله مقاعد، ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن يلق النصر منه ومن عسكره بجار ومجرور، وأن يظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله ولا زيالة إلا يوم ينفخ (٥) في الصور، ولما لم يبق إلا القدس، وقد اجتمع إليها كل شريد وطريد، واعتصم بمنعتها (٦) كل قريب منهم وبعيد وظنوا أنهم من الله مانعتهم وأن كنيستها إلى الله شافعتهم، فلما نزلها الخادم رأى بلدا كبلاد، وجمعا كيوم التناد، وعزائم قد تألبت وتألفت على الموت، فنزلت بعرصته، وهان عليها مورد السيف وأن تموت بغصته فداور البلد من جانب فإذا أودية عميقة، ولجج وعر غريقة، وسور قد انعطفت عطف السوار وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقد الدار، فعدل إلى جهة أخرى، كان للطالع عليها معرج وللخيل فيها متولج، فنزل عليها وأحاط بها، وقرب منها، وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه، وزاحمه السور أكتافه وقابلها ثم قاتلها، ونزلها ثم نازلها، برز إليها ثم بارزها، وحاصرها (٧) ثم ناجزها، وضمها

стр. 484

ضمة ارتقب بعدها الفتح، وصدع (١) جمعها، فإذا هم لا يبصرون على عبودية الحد عن عنق الصفح فراسلوه ببذل قطيعة إلى مدة، وعقدوا نظرة. (٢) من شدة، وانتظار النجدة فعرفهم الخادم في لحن القول، وأجابهم بلسان الطول وقدم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي ترمي ولا تفارقها سهامها، ولكن تفارق سهامها نصالها، فصافحت السور، فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض، ويعلو علوه إلى السماك، وأناخ (٣) مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها صم أعلاجها، ورفع المدارع ما بين العنق إلى المرفق مثار عجاجها، فأخلي السور من السيارة، والحرب من النظارة، فأمكن النقاب أن يسفر للحرب النقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته الأولى من التراب، فتقدم إلى الصخرة فمضغ سرده بأنياب معوله، وحل عقده بضربة الأخرق الدال على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة أنينه واستغاثته (٤) إلى أن كادت ترق لمقالته وتبرأ بعض الحجارة من بعض وأخذ الخراب عليه موثقا فلن يبرح الأرض، وفتح من السور بابا سد من نجاتهم أبوابا، وأخذ يفت في حجره فقال عنده الكافر: يا ليتني كنت ترابا، فحينئذ يئس الكفار من أصحاب الدور كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وجاء أمر الله وغرهم بالله الغرور وفي الحال خرج طاغية كفرهم وزمام أمرهم ابن بارزان (٥) سائلا أن يؤخذ البلد بالسلم لا بالعنوة، وبالأمان لا بالسطوة وألقي بيده إلى التهلكة، وعلاه ذل الهلكة (٦) بعد عز المملكة، وطرح جنبه على التراب، وكان جنبا لا يتعاطاه طارح وبذل مبلغا من القطيعة لا يطمح إليه أمل طامح، وقال ها هنا أسارى مسلمون يتجاوزون الألوف وقد تعاقد الفرنج على أنه أنى هجمت عليهم الدار، وحملت الحرب على ظهورهم الأوزار بدئ بهم فعجلوا، وثنى بنساء الفرنج وأطفالهم فقتلوا، ثم استقتلوا بعد ذلك فلا يقتل خصم إلا بعد أن ينتصف، ولا يفك سيف من يد إلا بعد أن تقطع أو ينقصف وأشار (٧) الأمراء بأخذ الميسور من البلد المأسور، فإنه لو أخذ حربا فلا بد أن يقتحم الرجال الأنجاد، وتبذل نفوسها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد، وكانت

стр. 485

الجراح في العساكر قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات، وأثقل الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهو صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون، وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحق وأسخطهم فإنهم خذلهم الله حموها بالأسل والصفاح وبنوها بالعمد والصفاح، وأودعوا الكنائس بها وبيوت الداوية (١) والاسبتارية فيها كل غريبة من الرخام الذي يطرد ماؤه، ولا ينطرد للألاؤه وقد لطف الحديد في تجريعه وتفنن في توشيعه إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد، كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما نرى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق، وعمدا كالأشجار لها من التنبيت (٢) أوراق، وأوعز الخادم برد الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود، وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شهر شعبان، وكادت السموات ينفطرون للنجوم لا للوجوم والكواكب منها تنتثرن للطرب لا للرجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، وظهرت قبور الأنبياء وكانت (٣) بالنجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها، وجرت الألسن بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحب به ترحيب من بر لمن بر وخفق علماه في حافيته، فلو طار سرور الطائر بجناحيه، وكتاب الخادم وهو مجد في استفتاح بقية الثغور، واستشراح ما ضاق بتمادي الحرب من الصدور، فإن قوي العساكر استنفدت مواردها، وأيام الشتاء قد قربت مواردها، والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها، فهي بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجم ولا تستنفد، ينفق عليها ولا ينفق منها، وتجهز لأساطيل لبحرها وتقام المرابط لساحلها، ويدأب في عمارة أسوارها ومرمات معاقلها، وكل مشقة بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع الفرنج بعد ذلك مراهبها غير مرجئة ولا معتزلة، فإن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع، ولن يفكوا أيديهم من أطراف (٤) البلاد حتى تقطع، وهذه الألفاظ لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفذ

стр. 486

الخادم لسانا شارحا، ومبشرا صادحا (١)، يطالع بالخير على سياقته، ويعرض بجيش المسرة من طليعته إلى ساقته، وهو فلان فليسمع منه وليرو عنه، والرأى أعلى إن شاء الله تعالى، والله الموفق. هذا آخر الرسالة الفاضلية (٢). ورحل السلطان عن القدس يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان (٣) وودعه ولده الملك العزيز وسار معه قدر مرحلة ثم وصاه وشيعه، وصحب أخاه الملك العادل فوصل إلى عكا في أول شهر رمضان فخيم بظاهرها. ثم سار فوصل إلى صور تاسع شهر رمضان يوم الجمعة فنزل بعيدا من سورها، ومكث حتى ورد عليه العسكر وتكامل، ثم تقدم إليها في يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وحاصرها. وحضر إليه ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي فشدا أزره. وزحفوا على الكفار، وقطعت الأشجار، ورمى عليهم بالمجانيق (٤)، واشتد الأمر وتعسر الفتح. ذكر ما تم على الأسطول (٥) وكان السلطان قد تقدم من صور وأحضر إليها من عكا ما كان بها من مراكب الأسطول، فوصلت منها عشر شواني مشحونة بالرجال والعدد، واتصلت بها مراكب المسلمين من بيروت وجبيل، فاستشعر المركيس الضرر، وعمر الآخر مراكب. وكانت مراكب المسلمين بالساحل محفوظة بالعسكر ولا يتمكن الفرنج منها وكل من الفريقين يعالج الآخر (٦)، فاطمأن المسلمون واغتروا بالسلامة، وبات ليلة خمس شوان (٧)، وربطوا بقرب ميناء صور وسهروا إلى قريب الصبح، فغلب عليهم القوم فما انتبهوا إلا وسفن الفرنج محيطة بهم، فأخذت شواني المسلمين، وأسروا منها جماعة، فاغتم السلطان. لذلك وكانت هذه أول حادثة حدثت للمسلمين فانزعج العسكر الإسلامي

стр. 487

واشتد حزن المسلمين، وأشار الناس بإبعاد الشواني، فسيرت إلى بيروت، وركبت العسكر في الساحل يباريها وهي بحذائه في البحر، فظهر عليها شواني الفرنج، فخرج المسلمون إلى البر على وجوههم وتواقعوا إلى الماء خوفا على أنفسهم، وكانوا لا معرفة لهم بالقتال، وكان في جملة الشواني قطعة رئيسها له خبرة بالأمور، فأسرع وفات الفرنج فلم يدركوه فنجا بالمركب ومن فيه، وبقيت المراكب الباقية خالية ممن كان فيها فدفعها المسلمون إلى البر، هذا والقتال مشتد بين الفريقين. ولما عبر الفرنج على تلك المراكب ظنوا عجز المسلمين وخرجوا للقتال في جمع كبير واشتد الأمر وارتفعت الأصوات ووقع المسلمون في الكفار فولوا مدبرين وعادوا إلى البلد، وأسر منهم مقدمان، وأسر قمص عظيم عندهم. وكان الملك الظاهر غازي لم يحضر شيئا مما تقدم من الوقعات، فبادر وضرب عنقه، وكان القومص يشبه المركيس فظنوا أنه هو فلما رأى المسلمون هذا الحال وأن السلطان مصمم على ما هو فيه وله قدرة وثبات على القتال، اجتمع بعض الأمراء وشرعوا في تدبير أمر يعرض على السلطان يتضمن أن هذا الأمر عسر والأولى تركه والرحيل عن هذا المكان، فاطلع السلطان على ما هم فيه (١) فتلطف بهم ووعظهم وقال: كيف نخلي هذا المكان ونذهب؟ وإذا سئلنا عنه ماذا نجيب؟ ثم أخرج الأموال وفرقها على العسكر وأمرهم بالثبات فامتثلوا أمره. فتح حصن هونين (٢) (٣) كان السلطان قد وكل بها بعض أمرائه، فاستمر يحاصرها حتى طلب أهلها الأمان، فورد الخبر على السلطان بذلك وهو على محاصرة صور فندب بدر الدين يلدرم البارزي - وهو من أكبر عظمائه - فمضى إليهم، وتسلمت هونين بما فيها، وتسلمها بيرم أخو صاحب بانياس وأقام السلطان على صور يحاصرها، فدخل الشتاء وضجر العسكر وكثرت الجرحى، وتوالت الأمطار، والسلطان يحرضهم على القتال والثبات وكثر القتل واشتد الأمر، وما زالوا يراجعون السلطان ويشيرون عليه بالرحيل. وكان السلطان أنفق في تلك المدة أموالا كثيرة على آلة القتال، ولا يمكن نقلها وإن تركها تقوى بها الكفار فنقضها، وفك بعضها، وأحرق ما تعذر حمله،

стр. 488

وحمل بعضها إلى صيدا وإلى عكا (١)، وتأخر السلطان عن قرب صور، فشرع العسكر في الانصراف، وأخذ (٢) في المعاودة إلى أوان الربيع، وودع الملك المظفر تقي الدين من هناك، وبقي السلطان يتأسف على الفتح فسار إلى عكا وخيم على بابها، ثم اشتد البرد فدخل السلطان المدينة وسكن بها وشرع في التأهب للجهاد (٣) وإصلاح العدد، وإكرام من يغدو إليه، وكانت رسل الآفاق من الروم وخراسان والعراق عاكفين على بابه فما مر يوم ولا شهر إلا ويصل إليه رسول، ورتب أحوال عكا وأمورها، ووقف نصف دار الاسبتار رباطا (٤) للمتصوفة (٥) ونصفها مدرسة للفقهاء، وجعل دار الأسقف بيمارستان (٦) للمرضى (٧). ودخلت سنة ٥٨٤ هـ (٨)، والسلطان مقيم بعكا: فلما دخل فصل الربيع سار ونزل على سمت حصن كوكب (٩) في العشر الأوسط من المحرم قبل تكامل العسكر، وحصره (١٠) فرأى أن فيه صعوبة ويطول أمره، ثم وكل بها قايماز (١١) النجمي (١٢) في خمسمائة مقاتل، ورتب على صفد خمسمائة فارس وجهزهم إليها. ذكر حال الكرك من أول الفتح قد مضى ذكر إبرنس الكرك وقتله، وكانت زوجته ابنة فيليب صاحب الكرك مقيمة بالقدس، وممن أسر ولدها هنفري بن هنري. فلما فتح بيت المقدس حضرت إلى السلطان، وتخضعت له وتذللت، وسألت

стр. 489

في فك ولدها (١) من الأسر، وصحبتها زوجة ولدها ابنة الملك، وحضرت الملكة مع صاحبة الكرك تسأل في زوجها الملك، فأكرمهن السلطان وأحسن إليهن. وأما الملكة فجمع شملها بالملك، وتقرر مع صاحبة الكرك إطلاق ابنها على تسليم قلعتي الشوبك والكرك، فاستحضر هنفري من دمشق، واجتمع بوالدته وسارا مع جماعة من الأمراء لتسليم القلعتين. فلما وصلت هي وولدها لم يطعها أهل الكرك، ولم يسلموا وأفحشوا في الخطاب لها، ثم وقع لها كذلك بالشوبك، فرجعت إلى السلطان فقبل عذرها واطمأن (٢) قلبها على ولدها، فتوجهت إلى عكا، ثم انتقلت إلى صور. وجهز السلطان العساكر لحصار الكرك والشوبك، ثم وصل إلى السلطان وهو على كوكب بهاء الدين قراقوش، فندبه لعمارة عكا لعلمه بكفاءته وأمره بالأموال والرجال، فسار إلى عكا وشرع في عمارتها وتحصين أسوارها، وورد على السلطان الرسل من ملك (٣) الروم وغيره، وأقام السلطان على كوكب إلى آخر صفر فتعسر فتحها. ثم رحل السلطان إلى دمشق ودخل إليها في يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول، فنشر العدل وفصل الحكومات، فوصل الخبر بوصول العسكر من الشرق، وأصبح السلطان بكرة يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول على الرحيل، ثم سار إلى بعلبك ورحل على سمت اللبوة ووصل إليه عماد الدين صاحب سنجار بالعساكر (٤)، فتلقاه السلطان أحسن لقاء وأكرمه. وأجمعوا على دخول بلاد الساحل وتجردوا عن الأثقال، وساروا فنزل السلطان على حصن يحمور (٥) وفتحه، وغنم ما فيه، ثم عاد إلى مخيمه وانقضى شهر ربيع الآخر وقد وصل قاضي جبلة يحث على قصدها، وكان بها خلق من المسلمين. ورحل السلطان (٦) يوم الجمعة رابع جمادى الأولى إلى جهة الساحل فوصل إلى أنطرسوس، وحصرها (٧) ونهبها وسبى أهلها. فاحتمى جماعة ببرجين هناك،

стр. 490

فهدم أحدهما وامتنع الآخر، ونقض أسوار أنطرسوس (١)، وترك البرج الممتنع، ورحل العسكر عنها ونزل على مرقية وقد أخلاها أهلها، وكان الفرنج (٢) قد صنعوا المراكب في البحر، وسار السلطان بالعسكر. ووقع بين المسلمين والفرنج وقعات وأمور يطول شرحها (٣)، وقصد جبلة. فتح جبلة (٤) أشرف السلطان على جبلة بكرة يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، وأحاط (٥) بها العساكر فطلبوا الأمان على أن يعيدوا ما استرهنوه من أنطاكية (٦) من أهلها ويسلموا كل مالهم من سلاح وعدة وخيل (٧). وكان قاضي جبلة هو المتوسط لهم في أخذ الأمان، وسلمت إلى المسلمين يوم الخميس، وأقام السلطان بها أياما يقرر أموره، وكان يعظم قاضي جبلة وأحسن إليه (٨) ووقف عليه ملكا نفيسا وأقره على ولايته بمنصب القضاء، وكان حصن (٩) بكرائل قد سلم من قبل. فتح اللاذقية (١٠) ورحل السلطان ثالث عشر من جمادى الأولى يوم الأربعاء، وبات تلك الليلة بالقرب من اللاذقية بجبل عاصم.

стр. 491

فلما أصبح (١) يوم الخميس كان حصارها واشتد القتال ونقب أسوارها، فطلبوا الأمان في يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وصعد إليهم قاضي جبلة يوم السبت وفتحت صلحا، وسلموا القلاع بما فيها ورحل منهم جماعة، ودخل جماعة في عقد الذمة. ورتب السلطان فيها جماعة من مماليكه، وركب السلطان وطاف بالبلد وقرر أمورها ورحل عنها. فتح حصن صهيون (٢) وغيره (٣) رحل السلطان من اللاذقية ظهر يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الأولى، وأخذ على سمت صهيون وخيم عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين، وأحاط العسكر بها يوم الأربعاء، وحصرها (٤) فملكوا ثلاثة أسوار بما فيها، فطلبوا الأمان وسلموا البلد، ثم سلم حصن صهيون بجميع أعماله وما فيه من الذخائر، وتسلم يوم السبت قلعة العبد، ويوم الأحد قلعة الجماهريين، ويوم الاثنين حصن البلاطنس. وسار السلطان ثاني يوم فتح صهيون ونزل على العاصي، وتسلم حصن بكاس (٥) يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة، ثم حصر (٦) قلعة الشعر وطال القتال حتى أيس منه فخرج من الحصن من يطلب الأمان في ثالث عشر يوم الثلاثاء، وتسلم قلعة الشعر. ثم سار ولد السلطان الملك الظاهر إلى قلعة سرمانية، فحصرها (٧) وخربها وفتحها يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة.

стр. 492

فتح حصن برزية (١) وسار السلطان إلى قلعة برزية وهي من أحصن القلاع، فنازلها في يوم السبت رابع عشر من الشهر، ثم تجرد يوم الأحد فرقي (٢) إلى الجبل فرآها قلعة على سن من الجبل عالية، فأحدق بها وبالجبل، وزحف عليها في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر، ورتب عليها الأمراء نوبا فقاتلوا واشتد القتال، وتقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية، فلما أيقنوا بأنهم ملكوا طلبوا الأمان وسلموا الحصن، فلما حصل الفتح عاد السلطان إلى خيامه. وكانت صاحبة حصن برزية أخت زوجة الإبرنس صاحبة أنطاكية قد سبيت فأمر بإحضارها، وأعتقها وكذلك زوجها، وأحضر أيضا ابنة لهما وزوجها وعدة من أصحابهم وأدخلهم معهم في الإطلاق، وقلدا الحصن، لأمير من جماعته، وكان فتح هذا الحصن من آيات الله تعالى لحصانته وعدم القدرة عليه، فيسر الله بفتحه (٣) في أسرع وقت. فتح (٤) حصن دربساك (٥) رحل السلطان وأقام أياما على جسر الحديد (٦) ثم قصد دربساك (٧) وهو حصن مرتفع، وكان عش الداوية فنزل عليه يوم الجمعة ثامن رجب وحصره ورمى برجا من السور بالنقب، فلما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب طلبوا الأمان وتسلم الحصن بما فيه يوم الجمعة ثاني عشر من الشهر. فتح حصن بغراس (٨) توجه بكرة السبت إلى بغراس (٩)، وهي قريبة من أنطاكية وهي على رأس جبل

стр. 493

عالية حصينة، وهي للداوية فخيم بقربها في المرج، وتقدم جمع كثير من العسكر بينهما وبين أنطاكية، وصار يركب كل يوم ويقف تجاه أنطاكية. وصعد السلطان متجردا في جماعة من عسكره إلى الجبل بإزاء الحصن ونصب عليه المجانيق (١) من جميع جهاته ورمي عليه وحصره، فطلبوا الأمان، وتسلم القلعة في ثاني شعبان وحرز ما في بغراس من القلعة فكان تقديرا اثني عشر ألف غرارة. عقد الهدنة مع أنطاكية ولما فرغ السلطان من فتح هذه الحصون قصد أنطاكية، وكانت قد تلاشت أحوالها وقل ما فيها من القوت، وكان الإبرنس صاحبها قد أرسل أخا زوجته يسأل في عقد الهدنة، وطلب الأمان على ماله وولده لثمانية أشهر من تشرين إلى آخر أيار. وأجابه السلطان لذلك (٢) وشرط عليه إطلاق من عنده من الأسارى وسار رسول السلطان ومعه شمس الدولة ابن منقذ لأجل الأسارى. ورحل السلطان ثالث شعبان إلى سمت حلب، ولما رحل السلطان من بغراس (٣)، ودع عماد الدين زنكي وعساكر البلاد، وخلع عليه منحه بالتحف النفيسة، وأنعم على العسكر بأشياء خلاف ما غنموه. وسار في عسكره ووصل إلى حلب ثم سار منها ووصل إلى حماة، وبات بها ليلة واحدة، ثم سار على طريق بعلبك فجاءها قبل رمضان بأيام. وكان العسكر قصدهم الصوم في أوطانهم بدمشق. فلما وصل السلطان إلى دمشق اشتد عزمه وتحرك للجهاد من أجل صفد وكوكب وغيرهما وخرج من دمشق أوائل شهر رمضان. فتح الكرك وحصونه (٤) وردت البشرى (٥) بتسلم حصن الكرك، فإن السلطان لما كان في بلاد أنطاكية لم يزل الحصار على الكرك، وكان أخوه الملك العادل بمن معه على

стр. 494

تبنين (١) لحفظ البلاد، وكان صهره سعد الدين كمشبه بالكرك موكلا بحصاره، فراسل الفرنج الملك العادل في الأمان فتمنع ثم صالحهم وسلموا الحصن. محاصرة صفد وفتحها (٢) ثم سار السلطان حتى نزل على صفد وجاء الملك العادل وشرعوا في حصار القلعة ورميها بالمجانيق (٣)، واستمر الحال على ذلك إلى ثامن شوال وصعب فتحها حتى أذن الله تعالى وسهل، فأذعنوا وأخرجوا من عندهم من أسارى (٤) المسلمين ليشفعوا لهم من طلب الأمان، وسلمت للمسلمين وخرج فيها من الكفار إلى صور. ولما أشرفت صفد على الفتح شرع الفرنج في تقوية قلعة كوكب، وأجمعوا على تسيير مائتي رجل من الأبطال المعدودين ليكمنوا للمسلمين في الطريق، فعثر بواحد منهم بعض جند المسلمين، فأمسكه وأتى به إلى صارم الدين قايماز (٥). فأخبر بالحال وأن الكمين بالوادي، فركب إليهم في أصحابه والتقطهم عن آخرهم وأحضرهم إلى السلطان وهو على صفد، وكان فيهم مقدمان على (٦) الإسبتارية فأحضرا عند السلطان، فأنطقهما الله وقالا: ما نظن أننا بعدما شاهدناك يلحقنا سوء. فمال إلى كلامهما وأمر بإعتاقهما، فإن تلك الكلمة أوجبت عدم قتلهما، فإنه كان لا يبقي على أحد من الإسبتارية (٧) والداوية، وفتح الله صفد في ثامن شوال. حصار كوكب وفتحها (٨) وسار السلطان إلى كوكب وهي في غاية الحصانة فحاصرها وقاتل من فيها أشد قتال، وحصل الضيق الزائد لوقوع البرد الشديد وقوة الشتاء، وما زال السلطان ملازما للحصن بالرمي حتى تهدم غالب بنيانه (٩) ونصر الله المسلمين وملكوا كوكب

стр. 495

وأخرجوا الكفار وغنموا أموالهم. وكان هذا الفتح في منتصف ذي القعدة، وعرض السلطان القلعة على جماعة (١) فلم يقبلوها، فولاها قايماز النجمي على كره منه. ثم تحول السلطان إلى أرض بيسان وأذن للأمراء (٢) والجند في الانصراف، وسار معه أخوه الملك العادل في مستهل ذي الحجة إلى القدس الشريف ووصل يوم الجمعة ثامن الشهر وصلى في قبة الصخرة وعيد بها يوم الأضحى ونحر الأضحية. وسار يوم الاثنين إلى عسقلان للنظر في مصالحها وتدبير أموالها، وأقام أياما ثم ودعه أخوه الملك العادل وسار بعسكره إلى مصر ورحل السلطان إلى عكا. ودخلت سنة ٥٨٥ هـ (٣) والسلطان مقيم بعكا يرتب أمورها ويحصنها إلى أن وصل جماعة من مصر فأمرهم بالإقامة فيها وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام بناء سورها. ثم سار إلى طبرية ودخل دمشق مستهل صفر، ثم خرج منها يوم الجمعة ثالث ربيع الأول متوجها إلى شقيف أرنون (٤)، وأتى مرج عيون (٥) وخيم فيه بقرب الشقيف. واعتد للقتال يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول، وكان الشقيف في يد أرناط (٦) صاحب صيدا، فنزل إلى خدمة السلطان يسأله أن يمهله ثلاثة أشهر لينقل أهله من صور وأظهر أنه يخاف أن يعلم المركيس بحاله فلا يمكنه من أهله فأجابه السلطان لذلك وشرع أرناط في تحصين نفسه واستعداده للحرب. فعلم السلطان بحقيقة حاله، فتقرب السلطان من الشقيف، فلما علم صاحب الشقيف بذلك حضر إلى خدمة السلطان، وشرع في الاستعطاف له وإزالة ما عنده وعاد إلى حصنه. ثم حضر وأنهى تخوفه على أهله وسأل المهلة سنة. فأرسل السلطان من كشف الحصن فوجده قد تحصن زيادة على ما كان فيه. فأمسك صاحب
следующие страницы →