← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فلما أصبح (١) يوم الخميس كان حصارها واشتد القتال ونقب أسوارها، فطلبوا الأمان في يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وصعد إليهم قاضي جبلة يوم السبت وفتحت صلحا، وسلموا القلاع بما فيها ورحل منهم جماعة، ودخل جماعة في عقد الذمة. ورتب السلطان فيها جماعة من مماليكه، وركب السلطان وطاف بالبلد وقرر أمورها ورحل عنها. فتح حصن صهيون (٢) وغيره (٣) رحل السلطان من اللاذقية ظهر يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الأولى، وأخذ على سمت صهيون وخيم عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين، وأحاط العسكر بها يوم الأربعاء، وحصرها (٤) فملكوا ثلاثة أسوار بما فيها، فطلبوا الأمان وسلموا البلد، ثم سلم حصن صهيون بجميع أعماله وما فيه من الذخائر، وتسلم يوم السبت قلعة العبد، ويوم الأحد قلعة الجماهريين، ويوم الاثنين حصن البلاطنس. وسار السلطان ثاني يوم فتح صهيون ونزل على العاصي، وتسلم حصن بكاس (٥) يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة، ثم حصر (٦) قلعة الشعر وطال القتال حتى أيس منه فخرج من الحصن من يطلب الأمان في ثالث عشر يوم الثلاثاء، وتسلم قلعة الشعر. ثم سار ولد السلطان الملك الظاهر إلى قلعة سرمانية، فحصرها (٧) وخربها وفتحها يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة.

стр. 492

فتح حصن برزية (١) وسار السلطان إلى قلعة برزية وهي من أحصن القلاع، فنازلها في يوم السبت رابع عشر من الشهر، ثم تجرد يوم الأحد فرقي (٢) إلى الجبل فرآها قلعة على سن من الجبل عالية، فأحدق بها وبالجبل، وزحف عليها في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر، ورتب عليها الأمراء نوبا فقاتلوا واشتد القتال، وتقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية، فلما أيقنوا بأنهم ملكوا طلبوا الأمان وسلموا الحصن، فلما حصل الفتح عاد السلطان إلى خيامه. وكانت صاحبة حصن برزية أخت زوجة الإبرنس صاحبة أنطاكية قد سبيت فأمر بإحضارها، وأعتقها وكذلك زوجها، وأحضر أيضا ابنة لهما وزوجها وعدة من أصحابهم وأدخلهم معهم في الإطلاق، وقلدا الحصن، لأمير من جماعته، وكان فتح هذا الحصن من آيات الله تعالى لحصانته وعدم القدرة عليه، فيسر الله بفتحه (٣) في أسرع وقت. فتح (٤) حصن دربساك (٥) رحل السلطان وأقام أياما على جسر الحديد (٦) ثم قصد دربساك (٧) وهو حصن مرتفع، وكان عش الداوية فنزل عليه يوم الجمعة ثامن رجب وحصره ورمى برجا من السور بالنقب، فلما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب طلبوا الأمان وتسلم الحصن بما فيه يوم الجمعة ثاني عشر من الشهر. فتح حصن بغراس (٨) توجه بكرة السبت إلى بغراس (٩)، وهي قريبة من أنطاكية وهي على رأس جبل

стр. 493

عالية حصينة، وهي للداوية فخيم بقربها في المرج، وتقدم جمع كثير من العسكر بينهما وبين أنطاكية، وصار يركب كل يوم ويقف تجاه أنطاكية. وصعد السلطان متجردا في جماعة من عسكره إلى الجبل بإزاء الحصن ونصب عليه المجانيق (١) من جميع جهاته ورمي عليه وحصره، فطلبوا الأمان، وتسلم القلعة في ثاني شعبان وحرز ما في بغراس من القلعة فكان تقديرا اثني عشر ألف غرارة. عقد الهدنة مع أنطاكية ولما فرغ السلطان من فتح هذه الحصون قصد أنطاكية، وكانت قد تلاشت أحوالها وقل ما فيها من القوت، وكان الإبرنس صاحبها قد أرسل أخا زوجته يسأل في عقد الهدنة، وطلب الأمان على ماله وولده لثمانية أشهر من تشرين إلى آخر أيار. وأجابه السلطان لذلك (٢) وشرط عليه إطلاق من عنده من الأسارى وسار رسول السلطان ومعه شمس الدولة ابن منقذ لأجل الأسارى. ورحل السلطان ثالث شعبان إلى سمت حلب، ولما رحل السلطان من بغراس (٣)، ودع عماد الدين زنكي وعساكر البلاد، وخلع عليه منحه بالتحف النفيسة، وأنعم على العسكر بأشياء خلاف ما غنموه. وسار في عسكره ووصل إلى حلب ثم سار منها ووصل إلى حماة، وبات بها ليلة واحدة، ثم سار على طريق بعلبك فجاءها قبل رمضان بأيام. وكان العسكر قصدهم الصوم في أوطانهم بدمشق. فلما وصل السلطان إلى دمشق اشتد عزمه وتحرك للجهاد من أجل صفد وكوكب وغيرهما وخرج من دمشق أوائل شهر رمضان. فتح الكرك وحصونه (٤) وردت البشرى (٥) بتسلم حصن الكرك، فإن السلطان لما كان في بلاد أنطاكية لم يزل الحصار على الكرك، وكان أخوه الملك العادل بمن معه على

стр. 494

تبنين (١) لحفظ البلاد، وكان صهره سعد الدين كمشبه بالكرك موكلا بحصاره، فراسل الفرنج الملك العادل في الأمان فتمنع ثم صالحهم وسلموا الحصن. محاصرة صفد وفتحها (٢) ثم سار السلطان حتى نزل على صفد وجاء الملك العادل وشرعوا في حصار القلعة ورميها بالمجانيق (٣)، واستمر الحال على ذلك إلى ثامن شوال وصعب فتحها حتى أذن الله تعالى وسهل، فأذعنوا وأخرجوا من عندهم من أسارى (٤) المسلمين ليشفعوا لهم من طلب الأمان، وسلمت للمسلمين وخرج فيها من الكفار إلى صور. ولما أشرفت صفد على الفتح شرع الفرنج في تقوية قلعة كوكب، وأجمعوا على تسيير مائتي رجل من الأبطال المعدودين ليكمنوا للمسلمين في الطريق، فعثر بواحد منهم بعض جند المسلمين، فأمسكه وأتى به إلى صارم الدين قايماز (٥). فأخبر بالحال وأن الكمين بالوادي، فركب إليهم في أصحابه والتقطهم عن آخرهم وأحضرهم إلى السلطان وهو على صفد، وكان فيهم مقدمان على (٦) الإسبتارية فأحضرا عند السلطان، فأنطقهما الله وقالا: ما نظن أننا بعدما شاهدناك يلحقنا سوء. فمال إلى كلامهما وأمر بإعتاقهما، فإن تلك الكلمة أوجبت عدم قتلهما، فإنه كان لا يبقي على أحد من الإسبتارية (٧) والداوية، وفتح الله صفد في ثامن شوال. حصار كوكب وفتحها (٨) وسار السلطان إلى كوكب وهي في غاية الحصانة فحاصرها وقاتل من فيها أشد قتال، وحصل الضيق الزائد لوقوع البرد الشديد وقوة الشتاء، وما زال السلطان ملازما للحصن بالرمي حتى تهدم غالب بنيانه (٩) ونصر الله المسلمين وملكوا كوكب

стр. 495

وأخرجوا الكفار وغنموا أموالهم. وكان هذا الفتح في منتصف ذي القعدة، وعرض السلطان القلعة على جماعة (١) فلم يقبلوها، فولاها قايماز النجمي على كره منه. ثم تحول السلطان إلى أرض بيسان وأذن للأمراء (٢) والجند في الانصراف، وسار معه أخوه الملك العادل في مستهل ذي الحجة إلى القدس الشريف ووصل يوم الجمعة ثامن الشهر وصلى في قبة الصخرة وعيد بها يوم الأضحى ونحر الأضحية. وسار يوم الاثنين إلى عسقلان للنظر في مصالحها وتدبير أموالها، وأقام أياما ثم ودعه أخوه الملك العادل وسار بعسكره إلى مصر ورحل السلطان إلى عكا. ودخلت سنة ٥٨٥ هـ (٣) والسلطان مقيم بعكا يرتب أمورها ويحصنها إلى أن وصل جماعة من مصر فأمرهم بالإقامة فيها وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام بناء سورها. ثم سار إلى طبرية ودخل دمشق مستهل صفر، ثم خرج منها يوم الجمعة ثالث ربيع الأول متوجها إلى شقيف أرنون (٤)، وأتى مرج عيون (٥) وخيم فيه بقرب الشقيف. واعتد للقتال يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول، وكان الشقيف في يد أرناط (٦) صاحب صيدا، فنزل إلى خدمة السلطان يسأله أن يمهله ثلاثة أشهر لينقل أهله من صور وأظهر أنه يخاف أن يعلم المركيس بحاله فلا يمكنه من أهله فأجابه السلطان لذلك وشرع أرناط في تحصين نفسه واستعداده للحرب. فعلم السلطان بحقيقة حاله، فتقرب السلطان من الشقيف، فلما علم صاحب الشقيف بذلك حضر إلى خدمة السلطان، وشرع في الاستعطاف له وإزالة ما عنده وعاد إلى حصنه. ثم حضر وأنهى تخوفه على أهله وسأل المهلة سنة. فأرسل السلطان من كشف الحصن فوجده قد تحصن زيادة على ما كان فيه. فأمسك صاحب

стр. 496

الحصن وقيد وحمل إلى قلعة بانياس، ثم استحضره في سادس رجب وهدده، ثم سيره إلى دمشق وسجنه. وحصر (١) الحصن في يوم الأربعاء ثامن رجب ورتب عليه عدة من الأمراء لمحاصرته إلى أن تسلمه بعد سنة، وأطلق صاحبه. ولما كان السلطان بمرج عيون اجتمع الفرنج واتفقوا على إقامة المركيس (٢) بصور وأجمعوا على حرب المسلمين والمركيس يمدهم من صور، فبلغ السلطان ذلك في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى وأنهم على قصد صيدا، فركب في الحال والتقى العسكر (٣) مع الفرنج، فهزمهم بإذن الله تعالى، ونصر الله المسلمين، وأسر من أعيانهم سبعة. وعاد السلطان إلى مخيمه وأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى، ثم ركب في ذلك اليوم، وتواقع هو والفرنج، واشتد القتال، فاستشهد جماعة من المسلمين، وقتل خلق كثير من المشركين، ثم قوي عزم السلطان على قصدهم في مخيمهم، وشاع هذا الخبر، فخاف الفرنج وذهبوا إلى صور فاقتضى الحال التأخير. وسار السلطان إلى تبنين صبيحة الخميس السابع والعشرين من الشهر، ثم سار منها إلى عكا ورتب أمورها وعاد إلى المعسكر، وأقام إلى يوم السبت سادس جمادى الآخرة، فبلغه أن الفرنج ينتشرون في الأرض، فأمر السلطان بتكمين كمائن لهم وإذا رأوهم يطردونهم (٤). وسار السلطان يوم الاثنين فتواقعوا واشتد القتال، وكان بالعسكر جماعة من العرب لا خبرة لهم بالطريق، فتطاردوا بين يدي الفرنج في واد لا ينفذ، فحصرهم الفرنج ولم يقدروا على السلوك من الوادي (٥)، فاستشهدوا، رحمهم الله تعالى. مسير الفرنج إلى عكا (٦) وصل الخبر يوم الأربعاء ثامن رجل أن العدو على قصد عكا وأن جماعة منهم

стр. 497

سبقوا إلى النواقير (١) ونزلوا بإسكندرونة (٢) (٣)، وتواقع معهم جماعة من المسلمين، فكتب السلطان للعساكر (٤) يجمعهم ورحل الفرنج يوم الأحد ثاني عشر رجب ونزلوا على عين عبد، فأصبح السلطان يوم الاثنين على الرحيل، وجاء عصر يوم الثلاثاء والسلطان نازل (٥) من أرض كفر كنا (٦)، ثم أصبح يوم الأربعاء خامس عشر الشهر ونزل على جبل الخروبة (٧) وترك الأثقال بأرض صفورية (٨). ونزل الفرنج على عكا من البحر إلى البر (٩) محتاطين بها يحاصرونها، واجتمعت العساكر فصار العدو حول البلد. وأحاط المسلمون بالفرنج ومنعوهم من الطرق واشتد القتال، واستدارت الفرنج بعكا ومنعوا من الدخول والخروج وذلك يوم الأربعاء والخميس سلخ رجب، فأصبح السلطان يوم الجمعة مستهل شعبان على عكا. وتباشر المسلمون بالنصر وثار الحرب، وأصبحوا يوم السبت على ذلك، وحمل الناس من جانب البحر شمالي عكا حملة شديدة، وانهزم الفرنج إلى تل العياضية (١٠) (١١) فأخلوا ذلك الجانب، وانفتح للمسلمين طريق عكا، ودخلها الرجال (١٢)، ودخل العسكر إليها وخرج واستطرقت إليها الجيوش، واطلع السلطان على الفرنج من سورها، وخرج عسكر البلد للقتال، وتشاور المسلمون فيما بينهم، ودبروا الحيل في قتال العدو المخذول.

стр. 498

فلما كان يوم الأربعاء ثامن شعبان ركب الفرنج آخر النهار بأجمعهم وتقدموا وحملوا على المسلمين، فصدهم المسلمون فولى الكفار هاربين مدبرين وقتل وجرح منهم، ودخل الليل وبات الحرب على حاله، وانتقل السلطان ليلة الاثنين حادي عشر الشهر إلى تل العياضية لأنه مشرف عليهم للعلو، وبلغ السلطان أن الفرنج يخرجون للاحتشاش وينتشرون في الأرض، فانتدب جماعة من العربان، فأغاروا عليهم وحالوا بينهم وبين خيامهم وحشروهم وأبادوهم (١) قتلا وقطعوا رؤوسهم وأحضروها عند السلطان وذلك يوم السبت سادس عشر شهر شعبان، وسر المسلمون وتباشروا هذا والقتال على عكا متصل. نادرة (٢) ومن النوادر الواقعة أنه أفلت من بعض مراكب الفرنج حصان من الخيول الموصوفة عندهم فلم يقدروا على إمساكه وما زال يعوم في البحر وهم حوله إلى أن دخل ميناء البلد، فتسارع المسلمون إليه وأخذوه وأهدوه للسلطان، فتباشر المسلمون بالنصر. ورآه الفرنج من إمارات خذلانهم. الوقعة الكبرى وأصبح الفرنج يوم الأربعاء العشرين (٣) من شعبان وقد رفعوا صلبانهم وتقدموا وزحف أبطالها، وقد عبئ السلطان الميمنة والميسرة وشرع يمر بالصفوف ويقوي عزم العساكر (٤). واشتد القتال واستشهد جماعة من المسلمين وولى العسكر الإسلامي منهزما، فمنهم من وصل طبرية ومنهم من وصل دمشق. وبقي المسلمون في شدة عظيمة حتى أدركهم الله تعالى بنصره (٥)، وهو أنه لما تمت الكسرة على المسلمين، وصل جماعة من الفرنج إلى خيمة السلطان ولم يتبعهم من يعضدهم، فهابوا الوقوف هناك فانحدروا عن التل، واستقبلهم (٦) المسلمون فتبعوهم وظفروا بهم فقتلوا منهم وضربوا رقابهم واشتد الحرب وثبت المسلمون فمالوا على ميسرة الفرنج ففلوها ووضعوا فيهم السيوف فأبادوهم (٧) قتلا، وممن قتل مقدم عسكرهم،

стр. 499

وتبعهم المسلمون حتى كلت سيوفهم (١)، وقتل من الفرنج نحو خمسة آلاف فارس، وقتل مقدم الداوية. وحكي عنه أنه قال: عرضنا في مائة ألف وعشرة آلاف ومن العجب أن الذين ثبتوا من المسلمين لم يبلغوا ألفا فردوا مائة ألف. فكان الواحد من المسلمين يقتل من الكفار ثلاثين وأربعين. وأرسل السلطان (٢) البشائر إلى دمشق بهذا النصر، وعاد السلطان إلى مكانه وعزم على أنه يصالح العدو، وتفقد العسكر فإذا هو قد غاب، وذلك أن بعض الغلمان والأوباش لما وقعت الوقعة ظنوا أن عسكر الإسلام انهزم، فنهبوا الأثقال وذهبوا (٣)، وانهزم جماعة من الجند. فمضى العسكر وراء الغلمان فتأخر من أجل ذلك العزم على المسير، فانتعش (٤) الفرنج لذلك. وكثر جيف الفرنج المقتولين، فشكى المسلمون نتن رائحتها. فرسم السلطان بحملها على العجل ورميها في النهر، فحمل أكثر من خمسة آلاف جثة. ثم في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان حضر أكابر الأمراء عند السلطان، ودار الكلام بينهم في المشهورة، فأشاروا بالانصراف لهجوم البرد والشتاء وأن أبدانهم وخيولهم قد ضعفت، وأن السلطان يراسل (٥) البلاد ويجمع الجموع، ثم يحضر للجهاد في سبيل الله تعالى. هذا والسلطان متكره من هذه المقولات (٦)، وليس عنده ملل، وفي كل يوم يطوف على العسكر ويقوي عزمه (٧). فانتقل ليلة الثلاثاء رابع شهر رمضان إلى الخروبة عند الأثقال وأمر من بعكا بغلق الباب، وشرع الفرنج في حفر خندق على معسكرهم حوالي عكا من البحر (٨) إلى البحر وتحصنوا وتستروا، وأقام السلطان بالمخيم وهو متوعك، فمنّ الله تعالى عليه بالعافية، وصرف الأجناد الغرباء ليرجعوا في الربيع، وأقام بمماليكه، فما مضى يوم إلا وفيه وقعة والمماليك ظافرون بالفرنج. وفي يوم الاثنين ثالث شهر رمضان

стр. 500

أخذ المسلمون بعكا مركبا للفرنج مقلعا إلى صور فيه ثلاثون رجلا وامرأة واحدة ورزمة من الحرير فغنموه وتباشروا، واشتد أزرهم بذلك. وصول ملك الألمان (١) ورد الخبر بوصول ملك الألمان إلى قسطنطينية في عدد كثير على قصد العبور إلى بلاد الإسلام وأنه في ثلاثمائة ألف مقاتل، وقد قطع الروم إلى جهة الشام. فانزعج المسلمون لذلك، وندب السلطان الرسل إلى جميع البلاد يستنفروا (٢) للجهاد، فوصل الملك العادل سيف الدين من مصر في نصف شوال في جيش عظيم، فحصل به السرور وقوى المسلمون ونزل في مخيمه. وأرسل السلطان إلى رجال دمشق والبلاد، فحضروا وشرع المسلمون في كل حين (٣) يعالجون الفرنج ولهم معهم في كل ليلة كبسة. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة وصل الأسطول من مصر وعدته خمسون شونة (٤)، فإن السلطان لما وصل إلى عكا كتب إلى مصر بتجهيز وتكثير رجاله وعدده، فصادف مراكب الفرنج في البحر، فأول ما ظفر الأسطول بشونة للفرنج فقتل مقاتليه، ووقعت بينهم وقعة كبرى، وتفرقت سفن الفرنج (٥)، وسارت البشائر للمسلمين بوصول الأسطول. ولما اشتد البرد وكثرت الأمطار واستظهر البلد رجال الأسطول، وكانوا زهاء عشرة آلاف بحري، فامتلأ البلد وشرعوا يتلصصون على الكفار، وكبسوا ليلة سوق الخمارات، وسبوا عدة من النساء الحسان، فكان في ذلك نكاية عظيمة للكفار وأمكن الله المسلمين من الكفار، وشرعوا في نهبهم وأسرهم في كل وقت. ذكر نساء الفرنج (٦) ثم وصلت مركب فيها ثلاثمائة امرأة فرنجية من النساء الحسان اجتمعن من الجزائر لإسعاف العزبان وسبلن أنفسهن وفروجهن للعزبان ورأين أن هذه قربة ما ثم

стр. 501

أفضل منها، وعند الفرنج أن العزباء إذا مكنت منها الأعزب لا حرج عليها، وتسامع عسكر الإسلام بهذه القضية (١) فأبق من المماليك والجهال جماعة وذهبوا إليهن، ووصلت أيضا في البحر امرأة كبيرة القدر وهي ملكة بلدها وفي خدمتها خمسمائة فارس وفي الفرنج نساء يلبسن هيئة الرجال ويقاتلن، وفي يوم الوقعة أسروا (٢) جماعة منهن، فلم يعرفن حتى سلبن وعرين. وأما العجائز فحضر منهن جماعة وهن ينشدن تارة ويحرضن وينخين الرجال (٣)، لعنة الله عليهن. وفي هذه السنة ندب السلطان الرسل إلى البلاد لاستنفار المجاهدين، وتوفي الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري (٤) بمنزلة الخروبة سحر ليلة الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة ٨٥ (٥)، وكان من الأعيان وله منزلة عند السلطان وحمل من يومه إلى القدس، فدفن به (٦). ودخلت سنة ٥٨٦ هـ (٧) (٨) والسلطان مقيم بعسكره بمنزلة الخروبة وعكا محصورة، وخرجت هذه السنة والحصر مستمر، ووقعت وقائع وهلك من الفرنج عدد لا يقع عليه الحصر. وقعة الرمل (٩) وكان السلطان يركب أحيانا للصيد وهو لا يبعد من المخيم، فركب يوما من صفر فأبعد واليزكية (١٠) (١١) على الرمل وساحل البحر، فخرج الفرنج وقت العصر،

стр. 502

فتسامع المسلمون بهم، فخرجوا إليهم وزحفوا عليهم وطردوهم وأحاطوا بهم ورموهم حتى فرغ النشاب، فلما علم الفرنج بذلك تجاسروا وحملوا حملة واحدة حتى ردوا المسلمين إلى النهر. فثبت جماعة واستشهد جماعة، فدخل الليل وحال بين الفريقين. فتح شقيف أرنون (١) وفي يوم الأحد (٢) خامس عشر ربيع الأول تسلم بالأمان شقيف أرنون وكان صاحبه أرناط صاحب صيدا معتقلا بدمشق لأجله فسلمه بما فيه وأخرج عنه وسار إلى صور، ورحل السلطان ونزل على تل كيسان (٣) يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول. مقاتلة الفرنج عكا (٤) كان السلطان قد رتب طيورا تحمل البطاقات (٥) منه إلى من بعكا وتعيد إليه الجواب منهم، وكان يأتي إليه أيضا الخبر (٦) على يد العوامين في البحر، وكان الفرنج شرعوا في عمل أبراج من خشب وأتقنوها وزحفوا (٧) بها إلى السور، وتساعدوا على طم الخنادق. فوصل إلى السلطان عوام يخبره بالحال، فركب السلطان وزحف إلى الفرنج في العشرين (٨) من ربيع الأول يوم الجمعة. وسار إلى القتال بخيله ورجله وضايقهم حتى دخل الليل. فلما أصبح يوم السبت صبحهم بالحرب واستمر إلى آخر النهار، وأصبح يوم الأحد على القتال، وأيده الله تعالى بالنصر، واستمر القتال. فلما كان يوم السبت الثامن والعشرين من الشهر بعد الظهر وإذا بنار في أحد الأبراج موقدة، ولم يعلم سببها (٩)، فأحدقت النار بالبرج حتى أحرقته، ثم أحرقت

стр. 503

البرج الثاني، ثم الثالث، وسقط الثلاثة أبراج بقدرة الله تعالى. فحصل للمسلمين السرور بذلك، ودمر الله المشركين (١). والعجب أن الأبراج كانت متباعدة وقد أبعدها الفرنج بمسافات (٢) وكل واحد منها على جانب من البلد فاحترقت في وقت واحد وكان سبب حريقها (٣): أن رجلا يعرف بعلي بن عريف النحاسين بدمشق كان استأذن السلطان في دخول عكا للجهاد، وأقام بها وشرع يعمل بالنفط (٤) ويركب عقاقير والناس يضحكون منه (٥)، فلما قدمت الأبراج إلى البلد رمى عليها بالنفوط وغيرها، فلم يفد، فحضر ابن العريف إلى بهاء الدين قراقوش واستأذنه في الرمي، فأذن له على كره، فإن الصناع (٦) قد أيسوا. فلما أذن له بهاء الدين قراقوش رمى أحد الأبراج فأحرقه، وكان فيه سبعون رجلا تعذر عليهم (٧) الخلاص منه، ودخل جماعة لاستنقاذ ما فيه فاحترقوا بدروعهم وسيوفهم وتحول ابن العريف إلى مقابلة البرج الثاني فأحرقه، وانتقل إلى الثالث فأحرقه، ولم يكن ذلك بصنعه بل وفقه الله تعالى له. وخرج المسلمون من البلد فنظفوا الخندق (٨) وجاءوا إلى الموضع واستخرجوا الحديد وأخذوا ما وجدوا من الزرديات وغيرها، ولله الحمد والمنة. وصول الأسطول من مصر (٩) كان السلطان أمر بتعمير أسطول آخر من مصر، فلما كان ظهر يوم الخميس ثامن جمادى الأولى ظهر الأسطول، فركب السلطان ليشغل الفرنج عن قتال الأسطول فعمر الفرنج أسطولا، وتلاقى هو وأسطول المسلمين، فجاءت مراكب المسلمين ونطحت مراكبهم، وأخذ المسلمون مركب للفرنج وأخذ الفرنج مركبا للمسلمين، واتصل الحرب في البحر إلى غروب الشمس،

стр. 504

وقتل (١) من الفرنج عدة كثيرة، وسلم المسلمون. قصة ملك الألمان (٢) صح الخبر أن ملك الألمان (٣) عبر من قسطنطينية بجنوده (٤) فقيل: إنهم أقاموا في قفار ومواضع مدة شهر لا يجدون الطعام فصاروا يذبحون خيلهم ويأكلونها ويكسرون قنطارياتهم ويشعلونها لعدم الحطب في البرد الشديد وزمان الثلج، وحصل لهم من الشدة ما لا يكاد يوصف وضعف حالهم. وذلك من لطف الله تعالى (٥) بالمسلمين. فلما وصل إلى بلاد قلج بن أرسلان بن مسعود (٦) حصل بينه وبين الكفار طراد فقتال، ثم تراسلا واصطلحا وتهاديا واقتضى الحال بينهما أن ملك الألمان يدخل إلى البلاد الشامية وأنه يسير في بلاده، وأعطاه عشرين مقدما من أكابر أمرائه ليكونوا معه حتى يصل المأمن (٧). فلما وصل الملعون إلى بلاد الأرمن غدر بالرهائن (٨) وتأول عليهم بأن التركمان سرقوا منه في طريقه. ونزل على طرسوس (٩). وهناك نهر فتوارد (١٠) عليه العسكر وازدحموا، فقصد ملك الألمان النزول إلى النهر ليغتسل فقال: هل تعرفون موضعا يمكن العبور منه؟ فقال له واحد: هنا مخاضة ضيقة لا يدخل فيها إلا واحد بعد واحد. فدخل في تلك المخاضة، فقوي عليه الماء فصدمته شجرة في وجهه شجت جبينه، وتورط في

стр. 505

الماء، فتعبوا في إخراجه. فلما خرج بقي مريضا، ثم هلك، لعنه الله، وخلفه ولده (١)، فقيل: إنهم سلقوا ذلك الهالك (٢) في قدر حتى تخلص عظمه وانهرى لحمه وجمعوا عظامه في كيس ليدفن في كنيسة قمامة بالقدس حسبما أوصى به ووصل الخبر للسلطان بهلاك الكافر وأن ولده خلفه وهو واصل في جمع كبير. فعزم السلطان على استقباله وصده، ثم تثبت وأرسل العساكر إلى البلاد التي هي في طريق هذا الكافر القادم، ووقع المرض في الفرنج، وأمر السلطان بهدم سور طبرية وهدم يافا وأرسوف وقيسارية وهدم صور (٣) وصيدا وجبيل، ونقل أهلها إلى بيروت. وأما ولد ملك الألمان فمرض أياما في بلد الأرمن (٤) وهلك أصحابه من الجوع ووقع الموت بخيلهم، ثم ساروا من بلاد الأرمن فحصل (٥) له ولعسكره شدة عظيمة. الوقعة العادلية (٦) كان الفرنج لما صح عندهم وصول ملك الألمان إلى البلاد في جمع كبير قالوا: إذا جاء صار الأمر له ولا يبقى لنا كلام معه، فنحن نهجم على المسلمين ونظفر بهم قبل قدومه فخرجوا ظهر يوم الأربعاء لعشرين من جمادى الآخرة في جمع كبير، وقصدوا مخيم الملك العادل. فوقف الملك العادل ومن معه من الأمراء وحمل معه العسكر الحاضر قبل أن يتصل (٧) به بقية العسكر، فكسر الفرنج كسرة فاحشة، وركبت العادلية أكتافهم وحكموا فيهم السيوف. وكان السلطان قد ركب، وسير جماعة (٨) من المماليك، ووصل السلطان وشاهد ما سره، وقتل من الفرنج زهاء عشرة آلاف، ولم يبلغ من استشهد من

стр. 506

المسلمين عشرة أنفس، وكتب السلطان إلى بغداد ودمشق وغيرهما يبشر بذلك. ذكر ما تجدد للفرنج بوصول الكندهري (١) (٢) وما زال الفرنج في وهن وضعف حتى وصل في البحر رجل يقال له: كندهري، وهو عندهم عظيم القدر، فأفاض (٣) عليهم الأموال فقوي أهل الكفر. وشاع هذا الخبر فتشاور (٤) السلطان وأكابره، ورحل يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة إلى منزله الأول بالخروبة واشتغل بتدبير أمره، والأخبار متواردة من عكا مع السباحين وبطاقات الحمام وأخبار ملك الألمان متواصلة بضعف حالة وتلاشي أحواله. حريق المنجنيقات (٥) (٦) وفي رجب من السنة المذكورة (٧) أنفق الكندهري على الرجال فأعطى عشرة آلاف رجل في يوم واحد ليجدوا معه في القتال، وضايق عكا ونصب عليها المجانيق، فاشتد عزم المسلمين ممن بعكا وخرجوا بالفارس والراجل وحالوا بين الفرنج وبينها، وخرج الزراقون (٨) من البلد ورموا النار فيها فاحترق جميعها، وقتل في ذلك اليوم من الفرنج سبعون فارسا، وأسر منهم خلق كثير، فخمد الفرنج بذلك، وكان من جملتها منجنيقان كبيران مصروف أحدهما ألف وخمسمائة دينار، وكان ذلك في الليلة الأولى من شعبان. وصول ولد ملك الألمان الذي قام مقام أبيه إلى الفرنج بعكا (٩) وصل إلى السلطان خبر وصوله في سادس شعبان وحزرهم من شاهدهم بخمسة عشر ألفا، ووصل في البحر إلى عكا آخر النهار سادس شهر رمضان فرآه

стр. 507

الفرنج وليس له وقع، فقالوا: ليته لم يصل إلينا، فأخذ يحرضهم ويقوي عزمهم فعرفوه قوة بأس المسلمين، فأظهر لهم قوة وعزما، فلما عرفوا جهله قالوا له: نخرج المسلمين لعلنا نظفر بهم، فاجتمعوا وساروا إلى مخيم السلطان. فركب من خيمته وتقدم إلى تل كيسان، ووقف ينهض العسكر، فحال بينهما (١) الليل وحصل للألماني مشقة، فلما لم يبلغوا قصدهم من العسكر أخذوا في قتال البلد وحصاره. ذكر برج الذبان (٢) (٣) وعند ميناء عكا في البحر برج يعرف ببرج الذبان منفرد عن البلد، قصد الفرنج حصاره قبل مجيء ملك الألمان في الثاني والعشرين من شعبان بمراكب جهزوها من البحر وشحنوها بالآلات والعدد، ومنها مركب عظيم لما قرب من البرج رميت فيه النار فاحترق بكل ما فيه (٤)، وملؤوا بطسة (٥) (٦) أخرى بالأحطاب، فسرى فيها النفط فأحرقها، وكان الفرنج في مراكب من ورائها، فانقلبت (٧) الريح على الفرنج وتطاير الشرر من بطسة الحطب وعاد على الفرنج فالتهبوا وانقلبت بهم السفينة فاحترقوا وغرقوا واحتمى برج الذبان فلم يظفروا منه بشيء. ذكر الكبش وحريقه واستأنف الفرنج عمل دبابة (٨) (٩) في رأسها شكل عظيم يقال له الكبش، وقد سقفوها مع كبشها بأعمدة الحديد وألبسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس خشية عليها من النار وسحبوها، فانزعج المسلمون لذلك وقالوا: ليس في هذه حيلة. ثم نصب المسلمون مجانيق (١٠) ورموا بالحجارة، فنفر من حولها من الرجال، ثم قذفوها بالنار فدخلت من باب الدبابة، فاشتعلت النار فيها، وخرج منها الفرنج

стр. 508

فاحترقت تلك الدبابة ورموها بالمجانيق (١) حتى انهدمت وخرج المسلمون من الثغر، وقطعوا رأس الكبش، واستخرجوا ما تحت الرماد من الحديد، وحملوا منه ما استطاعوا، وحصل بذلك النصرة للمسلمين والخذلان للمشركين، وكان ذلك يوم الاثنين ثالث عشر رمضان، واحترقت البطسة (٢) يوم الأربعاء خامس عشر. واتفق في يوم الاثنين هذا من العدو على البلد الزحف الشديد ورموا بالمجانيق وخرج المسلمون فطردوهم إلى خيامهم. ذكر غير ذلك من الحوادث وصل الخبر أن صاحب أنطاكية تحرك على المسلمين، فرتب له (٣) الكمائن فخرجوا عليه وقتلوا أكثر رجاله (٤)، وفي هذا التاريخ ألقت الريح بساحل الزيب (٥) (٦) بطستين خرجتا من عكا بجماعة من الرجال والصبيان والنساء، وحصل بين المسلمين والكفار وقائع وغنم المسلمون من الكفار. وفي عشية الاثنين تاسع عشر رمضان رحل السلطان إلى منزل يعرف بشفر عمرو (٧) لما بلغه من تحرك الفرنج، فخيم هناك، وشرع يتواقع هو والفرنج في كل وقت، وغلت الأسعار عند الفرنج واشتد بهم البلاء ونزح منهم (٨) جماعة والتجأوا إلى السلطان مما أصابهم من الجوع، فقبلهم وأحسن إليهم، فمنهم (٩) من أسلم ومنهم من اعتذر وصار في خدمة السلطان. نوبة رأس الماء (١٠) ولما ضاق بالفرنج الأمر تشاوروا وعزموا على المصادمة فخرجوا في عدد كبير في يوم الاثنين حادي عشر شوال بعد أن رتبوا على البلد من يحصرها، وكان اليزك

стр. 509

على تل العياضية (١) ونزل العدو تلك الليلة. واتصل خبرهم بالسلطان فرحل الثقل وبقي الناس على جرائد (٢) الخيل، وسار العدو يوم الثلاثاء والعساكر في أحسن أهبة، وامتد الجيش في الميمنة إلى الجبل وفي الميسرة إلى النهر بقرب البحر والسلطان في القلب. فسار حتى وقف على تل عند الخروبة وحوله أولاده وأخوه وخواص أمرائه وأمراء القبائل من الأكراد، وسار الفرنج شرقي النهر مواجهين حتى وصلوا إلى رأس النهر فانقلبوا إلى غربيه ونزلوا على التل بينه وبين البحر والسلطان في خيمة لطيفة يشاهد القوم. وأصبح الفرنج يوم الأربعاء راكبين إلى ضحوة النهار والمسلمون قد قربوا منهم، فأحس الفرنج بالخذلان فساروا وولوا مدبرين. فتبعهم عسكر المسلمين (٣) ورموهم بالسهام وهم مجتمعون في سيرهم، وكما صرع منهم قتيل حملوه ودفنوه حتى لا يظهر للمسلمين كسرهم، ونزلوا ليلة الخميس وقطعوا (٤) الجسر، وأصبحوا بكرة الخميس وقد دخلوا إلى مخيمهم فعاد السلطان إلى محله. وكان مع الفرنج الخارجين المركيس والكندهري وأقام ملك الألمان على عكا. وقعة الكمين (٥) اقتضى رأي السلطان أن يرتب كمينا للعدو فجمع يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال رجاله وأبطاله وانتخب منهم من عرف بالشجاعة وأمرهم أن يكمنوا (٦) على ساحل البحر. فمضوا وأكمنوا ليلة السبت، وخرجت منهم عدة يسيرة بعد الصباح، ودنوا من الفرنج، فطمعوا فيهم وحملوا عليهم وطردوهم، فانهزم المسلمون أمامهم حتى وقفوا على الكمين، فخرجوا عليهم فلم يستطع فارس منهم أن يفر، فقتل معظمهم ووقع في الأسر خازن الملك وعدة من الإفرنسيسية ومقدمهم. وجاء الخبر للسلطان فركب بمن معه ووقف على تل كيسان وشاهد النصر

стр. 510

وجاء مماليكه بالأسرى، وترك السلطان الأسلاب والخيول لآخذيها وكانت بأموال عظيمة، وجلس السلطان في خيمته وحوله جنده وأنصاره، وأحضر الأسرى بين يديه فأحسن (١) إليهم وأطعمهم وألبسهم، وألبس المقدم الكبير فروته الخاصة، وأذن لهم أن يسيروا غلمانهم لإحضار ما يريدون، ثم جهزهم لدمشق (٢) للاعتقال. ذكر غير ذلك من الحوادث ثم هجم الشتاء فصرف السلطان العسكر للاستراحة إلى الربيع وأقام هو على الجهاد، ثم نقل الفرنج سفنهم خوفا عليها إلى صور وأخلوا ساحل عكا. وأقام الملك العادل على البحر ووصل (٣) في يوم الاثنين ثاني ذي الحجة من مصر سبعة مراكب فيها الغلة، فخرج أهل البلد لمشاهدتها والمساعدة في نقلها. فعلم الفرنج بخروج أهل البلد إلى جانب البحر فزحفوا زحفا شديدا وأحاطوا بعكا وأتوا بسلالم فنصبوها على السور وتزاحموا على الطلوع في سلم، وتصادموا فاندق بهم السلم فتساقطوا، فتداركهم المسلمون وفتكوا فيهم وقتلوا منهم جماعة وردوهم على أعقابهم. فلما اشتغل الناس بأمرهم تركوا المراكب وما فيها من الغلال فهاج البحر، فكسرت المراكب وتلف ما فيها وغرق ما كان فيها من الأمتعة وهلك بها زهاء ستين نفسا فالحكم (٤) لله العلي الكبير. وفي ليلة السبت سابع ذي الحجة وقعت قطعة عظيمة من سور عكا فهدمت منه جانبا. فبادر الفرنج طمعا في الهجوم فجاء أهل البلد وصدوهم حتى عمر الهدم، وجرح من العدو خلق كثير (٥) كل ذلك بهمة بهاء الدين قراقوش. وفي ثالث عشر ذي الحجة هلك ابن ملك الألمان فحصل الوهن في الفرنج بموته، وهلك منهم عدد كثير. وفي يوم الاثنين ثاني عشر (٦) ذي الحجة عاد المستأمنون من الفرنج الذين أنهضهم السلطان ليغزوا في البحر ويكونوا جواسيس فرجعوا وقد غنموا أشياء كثيرة، فوهبهم السلطان ذلك ولم يتعرض منهم إلى شيء (٧)، فلما رأوا ذلك أسلم شطرهم.

стр. 511

وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة أخذ من الفرنج مركوسين (١) فيهما نيف وخمسون نفرا، وفي الخامس والعشرين منه أخذ أيضا مركوسا فيه جماعة من أعيانهم (٢) الفرنج ومعهم ملوطة (٣) مكللة باللؤلؤ بأزرار الجوهر، قيل: إنها من ثياب ملك الألمان، وأسر فيه رجل كبير، قيل: إنه ابن أخيه، واستشهد في هذه السنة جماعة بعكا من الأمراء. ودخلت سنة ٥٨٧ هـ (٤) (٥) والشتاء موجود، والمسلمون مع الكفار في وقعات، وفي أول ليلة من شهر ربيع الأول خرج المسلمون على العدو فكبسوه في مخيمه، وأسروا من الفرنج، وقتلوا وعادوا سالمين ومعهم اثنتا عشرة امرأة في السبي. وفي يوم الأحد ثالث الشهر المذكور (٦)، ثار الحرب بين المسلمين والكفار، فنصر الله المسلمين، وهلك من الفرنج خلق كثير (٧)، وقتل منهم مقدم كبير، ولم يفقد من المسلمين إلا خادم صغير، وكمن المسلمون كمائن، ووصل إلى السلطان من بيروت خمسة وأربعون أسيرا من الفرنج وقدم على السلطان جماعة من عسكر الإسلام. وصول ملك الإفرنسيس واسمه فيليب (٨) لنجدة الفرنج بعكا (٩) وفي ثاني عشر شهر ربيع الأول يوم السبت وصل ملك الإفرنسيس إلى الفرنج وكان في عدد قليل. ومن النوادر أنه كان مع هذا الملك بازي أشهب ففارقه يوم وصوله وطار ووقع على سور (١٠) عكا فأمسكه المسلمون وأحضروه للسلطان. فسر بذلك، وبذل

стр. 512

الملك فيه ألف دينار فما أجيب. ومما وقع أنه كان المستأمنون إلينا من الفرنج تسلموا مراكيس يغزون فيها ووصلوا إلى ناحية من جزيرة قبرص يوم عيدهم، وقد اجتمعوا في كنيسة فصلوا معهم وأغلقوا باب الكنيسة، وحملوهم وأسروهم بأسرهم وسبوهم، وأخذوا جميع ما في الكنيسة وحملوهم (١) إلى اللاذقية، وباعوا بها كل ما أخذوه ومن جملته سبع وعشرون امرأة سبايا وصبيان فباعوها واقتسموا أثمانها. وفي سادس عشر (٢) من ربيع الآخر هجم جماعة من العسكر وأخذوا قطيعا من غنم الفرنج وخالطوهم في خيامهم، وركب الفرنج بأسرهم في أثرهم فلم يظفروا بهم (٣). وفي يوم الخميس رابع جمادى الأولى زحف العدو إلى البلد وكاد يأخذها فاستنفروا العساكر، فأصبح السلطان وركب وسير من كشف حال العدو وهل لهم كمين. فكلما شاهد الفرنج عسكر المسلمين قد أقبل تركوا (٤) الزحف وتأخروا، فإذا عاد عادوا. قصة الرضيع (٥) كان لصوص المسلمين في الليل استلبوا طفلا من الفرنج من يد أمه له ثلاثة أشهر، فخرجت والدته والهة عليه، فلم يشعر السلطان إلا وهي ببابه واقفة، فأحضرها السلطان وهي باكية، فأخبرته الخبر، فطلب الرضيع فقيل له: إن من أخذه باعه بثمن بخس، فما زال يبحث عنه حتى جيء به في قماطة ودفعه لأمه وشيع معها من أوصلها إلى مكانها وما رد الطفل إلا بعدما اشتراه ممن هو في يده بثمن يرضيه، رحمة الله عليه. انتقال السلطان إلى تل العياضية (٦) (٧) لما أصر الفرنج على مضايقة عكا انتقل السلطان إلى تل العياضية بعساكره

стр. 513

وأثقاله واشتد الحرب بينه وبين الكفار في كل وقت، وضاق الأمر على من بعكا، وجرى فصول وحروب يطول شرحها. وصول ملك الإنكثير (١) (٢) وفي يوم السب ثالث عشر الشهر أشاع الكفار وصول ملك الإنكثير في عدد كثير ووقع الأرجاف في الناس والسلطان قوي الجنان لا يرهبه ذلك وهو معتمد على الله في أموره. أعلم ملك الإنكثير أن أهل التوحيد لهم قوة وأنهم لا يبالون به. غرق البطسة (٣) (٤) كان السلطان قد عمر في بيروت بطسة وشحنها بالعدد والآلات وفيها نحو سبعمائة رجل مقاتل، فلما توسطت في البحر صادفها ملك الإنكثير وأحاطت بها مراكبه وحصل القتال بين الفريقين، وقتل من الفرنج خلق كثير (٥) وعجزوا عن أخذها، فلما رأى مقدمها اشتد الأمر ونزل فخرقها حتى غرقت في البحر. ووصل خبرها للسلطان في السادس عشر من جمادى الأولى. وكانت هذه الوقعة أول حادثة حصل بها الوهن للمسلمين. حريق الدبابة (٦) (٧) كان الفرنج قد اتخذوا دبابة عظيمة ولها أربع طبقات (٨) وهي خشب ورصاص وحديد ونحاس وقربوها إلى أن بقي بينها وبين البلد خمسة أذرع، وكانت هذه الدبابة على العجل. وانزعج المسلمون بذلك ورموا عليها بالنفظ (٩) وهو لا يفيد فيها حتى قدر الله تعالى، وجاءها سهم صائب فأحرقها الله تعالى. فحصل للمسلمين

стр. 514

السرور وزال عنهم ما كان من الغم بسبب غرق البطسة، فإن حريق الدبابة كان يوم وصول خبر غرق البطسة (١). ثم وقع وقعات في هذا الشهر، وكانت العلامة بين عساكر (٢) السلطان وبين المقيمين بعكا عند زحف العدو دق الكؤوس فإذا سمعت أدركهم العسكر. فوقع لهم عدة وقعات، فمن ذلك وقعة في يوم الجمعة تاسع عشر الشهر اشتد فيها القتال إلى وقت الظهر حتى حمي الحر فافترق الفريقان، ورجع كل إلى مخيمه. ووقعة في يوم الاثنين الثالث والعشرين من الشهر حصر العدو البلد واستشهد اثنان من المسلمين، وقتل جماعة من المشركين. ووقعة في اليوم الثامن والعشرين من الشهر خرج العدو فارسا (٣) وراجلا وركب السلطان واشتد الأمر واستشهد من المسلمين بدوي وكردي وهلك خلق كثير من المشركين، وأسر منهم فارس بفرسه. ووقعة في يوم الأحد التاسع والعشرين من الشهر طال فيها القتال وأسر الكفار من المسلمين واحدا فأحرقوه، وأسر المسلمون منهم واحدا وأحرقوه. قال العماد الكاتب (٤): وشاهدنا النارين في حالة واحدة يشتعلان والصفان واقفان يقتتلان (٥). ذكر المركيس ومفارقته وفي يوم الاثنين سلخ الشهر ذكر عن المركيس أنه هرب إلى صور فإنه كان بينه وبين هنفري عداوة وأحقاد باطنية لأمور كانت بينهما فلما جاء ملك الإنكثير تظلم إليه هنفري واستعداده على المركيس، فلما علم المركيس بذلك فر منه. فصل ووصل العساكر إلى السلطان من سنجار ومن مصر، وحضر رسول من عند بعض ملوك الفرنج إلى السلطان بكلام مهمل لا طائل تحته. ثم حضر رسل ثلاثة فأكرمهم السلطان وأحسن إليهم وكان غرض الفرنج

стр. 515

بتكرير الرسالات الخداع متى يشتغل (١) المسلمون عنهم. وضعف الثغر من قوة الحصر. ولما علم السلطان يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة بما عليه البلد من غلبة البلاء زحف بعسكره ودهم الفرنج ونهب من خيامهم، وأمسى تلك الليلة، ثم أمر بدق الكؤوس سحرا حتى ركب العسكر، فجرى ذلك اليوم من القتال أشد ما كان من أمس. ووصل إلى السلطان مطالعة (٢) من البلد أنهم عجزوا ولم يبق إلا تسليم البلد. فعظم الأمر على السلطان، وفي هذا اليوم الأربعاء (٣) بعث العساكر وزحفوا (٤) إلى خنادقهم وخالطوهم وحصل بينهم قتال شديد. ولما تكاثر الفرنج على عكا وقلّ المسلمون لكثرة من استشهد، خرج سيف الدين علي المشطوب (٥) إلى ملك الإفرنسيس بأمان، وقال له: قد علمتم ما عاملناكم به عند أخذ بلادكم من الأمان لأهلها ونحن نسلم إليك البلد على أن تعطينا الأمان ونسلم، فقال: إن أولئك الملوك كانوا عبيدي وأنتم مماليكي أفعل فيكم (٦) ما يقتضيه رأيي. فقام المشطوب من عنده مغتاظا وأغلظ له في القول وقال: نحن لا نسلم البلد حتى نقتل بأجمعنا ونقتلكم قبلنا، ولا يقتل منا واحد حتى يقتل خمسين. ولما رجع المشطوب وعلم حاله هرب جماعة من الأمراء والأجناد ممن بالبلد وغضب عليهم السلطان وأخرج إقطاعهم (٧)، ثم رجع بعضهم إلى البلد، فحصل له الرضا (٨)، ووقع في بعضهم شفاعة، واستمروا على المقت عند السلطان. وفي يوم الخميس حصلت وقعة عظيمة، واشتد فيها الحرب، وأصبح العسكر يوم الجمعة عاشر الشهر على أهبة القتال، فلم يحصل شيء وانقضى النهار والعسكر محيط بالبلد (٩).

стр. 516

وأصبح يوم السبت والفرنج قد ركبوا وخرج منهم أربعون فارسا واستدعوا ببعض المماليك الناصرية، فلما وصل إليهم أخبروه (١) أن الخارج صاحب صيدا في أصحابه وهو يستدعي نجيب الدين، أحد أمناء السلطان، لأنه كان يتردد في الرسالات للفرنج. فلما حضر أرسله إلى السلطان ليتحدث في خروج من بعكا بأنفسهم بحكم الأمان، وطلبوا في مقابلة ذلك أشياء لا يمكن وقوعها وتعنتوا في الاشتراط، فتردد من عند السلطان نجيب الدين مرارا. وكان الفرنج اشترطوا إعادة جميع البلاد وإطلاق أسراهم (٢) فبذل السلطان لهم عكا بما فيها، وأن يطلق لهم في مقابلة كل شخص أسيرا، فلم يقبلوا. وسمح لهم برد صليب الصلبوت (٣)، وانفصل الأمر على غير (٤) اتفاق وضعف البلد وعجز من فيه. استيلاء الفرنج على عكا (٥) وفي يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة اجتمعت الفرنج بجموعها وهجمت وطلعت في السور المهدوم، فثار عليهم المسلمون وصدوهم، وحصلت الوقعة حتى قلّت الرجال، فخرج سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وحسام الدين حسين بازيك وأخذا أمان الفرنج على أن يخرجوا بأموالهم وأنفسهم على تسليم البلد ومائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المجهولين وما أسر من المعروفين وصليب الصلبوت وأشياء ذكراها غير ذلك. فلم يشعرا إلا بالرايات الفرنجية قد نصبت على عكا وما عند السلطان علم بما جرى عليه الحال، فانزعج السلطان والمسلمون لذلك. ونقل الثقل تلك الليلة إلى منزله الأول بشفا عمرو (٦) وأقام في الخيمة اللطيفة، ثم انتقل سحر ليلة الأحد تاسع عشر الشهر إلى المخيم وهو في غم عظيم، فسلاه أصحابه، واستعطفوا بخاطره. وخرج رسول بهاء الدين قراقوش لطلب ما قرروه من القطيعة، وقال: أدركونا

стр. 517

بنصف المال وجميع الأسارى وصليب الصلبوت قبل خروج الشهر، وإن تأخر شيء (١) من ذلك أسرنا، ونصف المال يصبرون به إلى شهر آخر. فأحضر الأكابر وفاوضهم (٢)، فأشاروا باستنقاذ إخوانهم المسلمين. فشرع السلطان في تحصيله، وكتب إلى الأقطار يعلمهم بالحال ويستنفرهم للجهاد في سبيل الله تعالى (٣). وفي يوم الخميس سلخ جمادى الآخرة خرج الفرنج وانتشروا، فضربت الكاسات السلطانية، فانتدب العسكر واشتد الحرب وانهزم الفرنج، فجاءت العرب وحالت بينهم وبين أسوارهم وصرعوا زهاء خمسين رجلا وكروا عليهم، ثم كر الفرنج على المسلمين كرة عظيمة فثبتوا، ثم عادوا عليهم حتى طردوهم إلى خنادقهم، وانتصف الإسلام في ذلك اليوم بعض الانتصاف. وفي يوم الجمعة ثاني رجب جاءت الرسل في تقرير القطيعة المقررة بخلاص الجماعة وأخبروا أن ملك الإفرنسيس توجه إلى صور لترتيب أموره ووكل المركيس في قبض ما يخصه. فجهز السلطان روسلا لكشف خبره وعلى يده هدية له ونقل خيمته يوم السبت إلى تل بإزاء شفا عمرو وراء التل الذي كان عليه، وما زالت الرسل تتردد حتى أحضر مائة ألف دينار والأسارى المطلوبين وصليب الصلبوت ليوصل ذلك إلى الفرنج في الأجل المتعين (٤). ووقع الخلف في كيفية التسليم، فقال السلطان: أسلمه إليكم على أن تطلقوا جميع أصحابنا وتأخذوا بباقي المال قوما رهائن. فأبوا إلا أخذ الجميع بسرعة ويسلموا، ويحلفون للمسلمين على تسليم من عندهم. فقيل لهم: تضمنكم الداوية (٥). فلم يضمنوا، فتحير السلطان وقال: متى سلمنا إليهم من غير احتياط بالشرط كان على الإسلام غبن وعار، فلو أيقنا بخلاص أصحابنا سمحنا لهم في الحال بصليب الصلبوت والأسارى والمال. ووقف الأمر إلى أن مضى الأجل وجاء الرسل ونظروا (٦) الأسارى قد حضروا المال موزونا فظنوا أن صليب الصلبوت قد أرسل إلى دار الخليفة (٧)، فسألوا إحضاره لينظروه فلما أحضروه (٨)، خروا له

стр. 518

ساجدين واطمأنوا وظهر للسلطان منهم أمارات الغدر. وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من رجب أخرج الفرنج ظاهر المرج خياما نصبوها وجلس فيها ملك الإنكثير ومعه خلق من جماعته. غدر ملك الإنكثير وقتل المسلمين المأخوذين بعكا وفي عصر يوم الثلاثاء سادس عشر من رجب ركب الفرنج بأسرهم وجاءوا إلى المرج الذي بين تل العياضية وتل كيسان، فعلم السلطان بذلك فركبت (١) العساكر نحوهم، وكانوا قد أحضروا أسارى المسلمين وهم واقفون في الجبال. وحملوا عليهم وقتلوهم جميعهم، فحمل عليهم العسكر، فقتل منهم خلقا وانصرف العدو إلى خيامه، فلما وقع هذا الغدر تصرف السلطان في ذلك المال وأعاد أسارى الفرنج إلى دمشق وأعيد صليب الصلبوت (٢). رحيل الفرنج صوب عسقلان (٣) وفي سحر الأحد غرة (٤) شعبان عزم الفرنج على التوجه إلى عسقلان وساروا، فعلم السلطان بذلك وكانت نوبة اليزك في ذلك اليوم للملك الأفضل، فوقف في طريقهم وشتت شملهم وأرسل يستنجده والده أن يمده بعسكر حتى يقاتلهم، فاستشار من حضره (٥) من عسكره، فقيل للسلطان: إن العسكر لم يتأهب للقتال والفرنج قد فاتوا والحرب قائم عند قيسارية وقصده أولى. فصرف السلطان عزمه وتوجه نحو قيسارية ونزل على النهر الذي يجري إلى قيسارية وأقام هناك وأتي مرارا بأسارى فأمر بإراقة دمهم. وقعة قيسارية (٦) وفي يوم الاثنين تاسع شعبان وصل الخبر للسلطان برحيل الفرنج وأنهم سائرون في جمع، فركب السلطان ومن معه، وسار العدو بإزائه، وكان هناك بركة

стр. 519

كبيرة مملوءة بالماء (١) والفرنج على عزم ورودها فصدهم عسكر الإسلام عنها وطردوهم. فولوا مدبرين وانصرفوا نحو الساحل ونزلوا على نهر يقال له نهر القصب (٢) بعد مشقة حصلت لهم من المسلمين، ونزل العسكر بعد انقضاء الحرب على البركة، ثم رحل ونزل على أعلى (٣) نهر القصب في أوله وهو الذي نزل العدو في أسفله، فقربت المسافة. وكان شخص من الأمراء اسمه عز الدين بن المقدم أبصر جماعة من الفرنج مقبلين لكشف حال العسكر فعبر إليهم (٤) النهر وقتل منهم عدة وأسر ثلاثة فركب الفرنج وحملوا عليه وكانت وقعة عظيمة، وأحضر الأسارى عند السلطان، ورحل وقت الظهر قاصدا نحو أرسوف، ونزل على قرية بقربها وأقام بها يوم الأربعاء والعدو في مكانه الأول. اجتماع الملك العادل وملك الإنكثير (٥) (٦) كان في اليزك علم الدين سليمان بن جرد (٧) (٨) فراسله العدو أن يتحدث مع الملك العادل فاجتمعا يوم الخميس فتكلما (٩) في الصلح، وإخماد الفتنة، فقال له الملك العادل: ما الذي تريده؟ فقال: رد البلاد، فقال العادل: هذا لا سبيل إليه، وأغلظ له في القول. وكان الترجمان بينهما هنفري بن هنفري، فلما سمع ملك الإنكثير ذلك غضب وتفرقا على غير شيء. واقعة أرسوف (١٠) لما عرف السلطان من أخيه الملك العادل ما جرى بينه وبين ذلك الملعون جمع يوم الجمعة العساكر وسير الثقل وركب، فلما أسفر صباح السبت رابع عشر شعبان ركب العدو على صوب أرسوف، فهجم عليهم عسكر الإسلام وأحاط بهم

стр. 520

واشتد القتال بينهم، فحملوا على أطلاب المسلمين حملة واحدة فاستشهد جماعة من المسلمين، ثم كر العسكر على الكفار فصدوهم وكسروهم وقتل منهم وأسر جماعة، وهرب الفرنج ودخلوا أرسوف ونزلوا قريبا من الماء وبات السلطان تلك الليلة على نهر العوجا، وأقام العدو يوم الأحد في موضعه، ثم رحل يوم الثلاثاء سائرا إلى يافا، وعارضهم (١) العسكر في طريقهم. ثم رحل السلطان يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ونزل بالرملة واجتمع عنده الأثقال كلها، ثم رحل ونزل بظاهر عسقلان بعد العصر. خراب عسقلان (٢) لما نزل السلطان بالرملة أحضر عنده أخاه العادل وأكابر الأمراء وشاورهم في أمر عسقلان. فأشار بعضهم بخرابها للعجز عن حفظها فإن الفرنج نزلوا بيافا، وهي مدينة بين القدس وعسقلان، متوسطة ولا سبيل إلى حفظ المدينتين إلا بعدد كثير، وتيقن أنهم إذا وصلوا إلى عسقلان تسلموها كما وقع في عكا، واقتضى الحال هدمها، ووصل السلطان إلى عسقلان وشرع في هدمها بكرة يوم الخميس تاسع عشر شعبان، فنقض أسوارها وهدم منازلها، وكانت من أحسن المدن وأظرفها، فصارت خرابا، داثره، وحصل لأهلها مشقة زائدة بهدمها وباعوا أمتعتهم بأبخس الأثمان، وتشتتوا في البلاد. فصل فلما هدمها رحل يوم الثلاثاء ثاني شهر رمضان ونزل على يبنا (٣) ونزل يوم الأربعاء ثالث الشهر بالرملة، ثم خرج إلى لد وأشرف عليها وأمر بإخرابها وإخراب قلعة الرمل، ففعل ذلك، ثم توجه إلى بيت المقدس وأقام يوم الخميس، ثم خرج منه يوم الاثنين ثامن شهر رمضان بعد الظهر، وبات في بيت نوبة (٤). وعاد إلى المخيم يوم الثلاثاء ضحوة. وفي هذا التاريخ خرج ملك الإنكثير متنكرا فخرج عليه الكمين وجرى قتال عظيم حتى كاد يؤسر

стр. 521

الملك، وقتل وأسر (١) منه جماعة. وجرى يوم الجمعة في عاشر الشهر بين اليزكية وأهل الكفر وقعة (٢) قتل منهم مقدم كبير ورحل السلطان يوم السبت ثالث عشر ونزل على تل عال عند النطرون (٣) وهي قلعة منيعة فهدمها وأشاع الإقامة هناك، وأفاض الأنعام على العسكر. ذكر ما تجدد لملك الإنكثير (٤) وصلت رسل ملك الإنكثير إلى العادل بالمصالحة وترددت الرسل وانتظم الحال على أن العادل يتزوج أخت ملك الإنكثير ويحكم العادل في البلاد وتكون المرأة مقيمة بالقدس، ويوطن (٥) العادل مقدمي الفرنج والداوية والإسبتار (٦) ببعض القرى ولا يمكنهم من الحصون ولا يقيم معها في القدس إلا قسوس (٧) ورهبان. واستدعى العادل جماعة من الأعيان منهم العماد الكاتب وغيره وسألهم في المضي إلى السلطان وإعلامه بذلك وسؤاله في ذلك. فحضروا إلى السلطان وأخبروه بالحال، فسمع ورضي ذلك في يوم الاثنين تاسع عشر (٨) من رمضان. وعاد الرسول إلى ملك الإنكثير. ثم إن أكابر الفرنج عرضوا ذلك على قسوسهم فلم يرضوه وخبثوا المرأة وندموها وعنفوها بتزويجها بالمسلم، فانثنى عزمها عن التزويج وقالت: أتزوجه بشرط أن يوافقني على ديني. فأنف العادل من ذلك واعتذر الملك بامتناع أخته وبطل الاتفاق، وكان ذلك يوم العيد. وفي يوم العيد خلع السلطان على أكابره ومد لهم سماطا، ونزل السلطان بالرملة ليقرب من العدو. وتواتر الخبر بأن الفرنج على عزم الخروج فسار يوم الاثنين سابع شوال وخيم خارج الرملة، وجاء الخبر أن العدو خرج إلى يازور (٩)،

стр. 522

فتسارع العسكر إليهم وقربوا من خيامهم وأحاطوا بهم. فركب الفرنج وحملوا على الناس حملة واحدة، فاندفعوا بين أيديهم، فاستشهد ثلاثة، وكان السلطان في كل يوم يركب، ولا يخلو من وقعة (١) يقتل فيها الكفار. وقعة الكمين (٢) وفي ليلة الأربعاء سادس عشر شوال أمر السلطان رجال الحلقة المنصورة بأن يكمنوا في جهة يمينها. وخرج الفرنج للاحتشاش، ولقيهم أعراب فتواقعوا معهم، وخرج الكمين، واقتتلوا معهم وقتل جماعة من الكفار، واستشهد ثلاثة من المماليك الخواص، وأسر من الفرنج فارسان، وأحضرا للسلطان، وانفصل الحرب وقت الظهر. اجتماع الملك العادل بملك الإنكثير (٣) وفي يوم الجمعة ثامن عشر شوال ضرب الملك العادل بقرب اليزك لأجل ملك الإنكثير ثلاث خيام وجهز فاكهة وحلوى وطعاما وحضر ملك الإنكثير وطالت بينهما المحادثة وافترقا عن غير موافقة، ومضى الملك. وكان قد وصل صاحب صيدا من صور برسالة المركيس لطلب الصلح مع السلطان حتى يقوي يده على ملك الإنكثير، وبلغ ذلك ملك الإنكثير فوصل رسوله أيضا بنظير هذا الأمر، ومضى القول مع صاحب صيدا إلى المركيس على شرائط شرطت عليه، وأما مراسلة الملك فلم ينتج منها أمر، وكلما حصل الاتفاق معه على شيء نقضه، وكلما قال قولا رجع عنه، فلعنة الله عليه. وفي يوم الأحد سابع عشر (٤) من شوال عاد السلطان إلى المخيم بالنطرون ورحل الفرنج يوم السبت ثالث ذي القعدة، وتقدموا إلى الرملة ونزلوا بها ولم يشك أنهم على قصد القدس. وأقام السلطان في كل يوم سرايا، وصار لهم في كل يوم وقعة، وما يخلو من أسرى تقاد إليه. ثم هجم الشتاء وتوالت الأمطار فعزم على الرحيل.

стр. 523

رحيل السلطان إلى القدس (١) وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة ركب السلطان والغيث نازل وسار بمن معه حتى وصل إلى القدس قبل العصر ونزل بدار الأقساء المجاورة لكنيسة قمامة، وشرع في تحصين المدينة، وصلى يوم الجمعة مستهل ذي الحجة في قبة الصخرة، وفي يوم الأحد ثالث ذي الحجة وصل إليه عسكر من مصر، وتتابعت العساكر المصرية، ووصل الخبر بنزول الفرنج بالنطرون فوقع الإرجاف في الناس. وجرت يوم الخميس سابع الشهر وقعة قرب بيت نوبة من سرية جهزها السلطان فوقعوا على سرية الفرنج فأسروها وقتلوها ووصلوا بزهاء خمسين أسيرا إلى القدس وكانت بشرى عظيمة. ثم وقعت وقعة أخرى قتل من الكفار ستة وأسر أربعة. وصلى السلطان عيد الأضحى (٢) بالقدس يوم الأحد، وكانت الوقفة بمكة يوم الجمعة لكن لم ير الهلال بالقدس ليلة الخميس. وفي يوم الجمعة خامس عشر ذي الحجة وقعت وقعة بالرملة من أميرين أغارا على الفرنج وأخذا أموالا وأغناما وخيلا وجمالا وبغالا، وأسرا ممن كان في القافلة ثلاثين وأحضراهم للسلطان. وأحاط بالفرنج البلاء، وكثرت الغارات، فرحلوا وعادوا إلى الرملة، وطابت قلوب المسلمين. ذكر ما اعتمده السلطان في عمارة القدس (٣) وصل من الموصل جماعة للعمل في الخندق جهزهم صاحب الموصل صحبة بعض حجابه وسير معه ما لا يفرقه عليهم في رأس كل شهر، وأقاموا نصف سنة في العمل وأمر السلطان بحفر خندق عميق وأنشأ سورا، وأحضر من أسارى (٤) الفرنج قريبا من ألفين ورتبهم في ذلك، وجدد أبراجا حربية من باب العمود إلى باب المحراب، وباب المحراب هو المعروف الآن بباب الخليل، وأنفق عليها أموالا جزيلة وبناها بالأحجار الكبار، وكان الحجر يقطع من الخندق ويستعمل في بناء السور، وقسم بناء السور على أولاده وأخيه العادل وأمرائه، وصار يركب كل يوم ويحضر على بنائه، وكان يحمل الحجر على قربوس (٥) سرجه ويخرج الناس

стр. 524

لموافقته على حمل الحجر إلى مواضع (١) البناء، ويتولى ذلك بنفسه وبجماعة خواصه والأمراء، يجتمع (٢) لذلك العلماء والقضاة والصوفية والأولياء (٣) وحواشي العسكر والأتباع وعوام الناس. فبنى في أقرب مدة ما يتعذر بناؤه في سنين. وأرسل السلطان لصاحب الموصل يشكره على تجهيز الرجال لحفر الخندق بمكاتبة أنشأها العماد الكاتب، رحمه الله تعالى. ودخلت سنة ٥٨٨ هـ (٤) والسلطان مقيم بالقدس في دار الأقساء بجوار قمامة لتقوية البلد وتشييد أسواره، وجد في عمارة (٥) الصخرة المقدسة وأكمل السور والخندق، وصار في غاية الإتقان، واطمأن أهل الإسلام. ذكر الحوادث مع الفرنج رحل الفرنج يوم الثلاثاء ثالث المحرم من الرملة إلى بلد عسقلان ونزلوا بظاهرها يوم الأربعاء وتشاوروا في إعادة (٦) عمارتها، وكان اثنان من الأمراء نازلين في بعض أعمالها. فركب ملك الإنكثير عصر يوم الخميس فشاهد دخانا على البعد فساق متوجها إلى تلك الجهة، فما شعر المسلمون إلا بالكبسة عليهم فلم ينزعجوا فإنه كان وقت المغرب وهم مجتمعون، فلم ير العدو إلا أحد القسمين من المسلمين فقصده، فعرف القسم الآخر هجوم العدو فركبوا إلى العدو فدفعوه حتى ركب رفقاؤهم المقصودون واجتمعوا وردوا العدو، ثم تكاثر الفرنج وتواصلوا ووقعت الوقعة فلم يفقد من المسلمين إلا أربعة ونجا الباقون، وكانت نوبة عظيمة ولكن الله سلم فيها. وفي يوم الثلاثاء عاشر المحرم ركب السلطان على عادته في نقل الحجارة والعمارة ومعه الملوك وأولاده والأمراء والقضاة والعلماء والصوفية والزهاد والأولياء، وخرج كل من بالبلد وهو قد حمل على سرجه والناس ينقلون معه، ولما دخل الظهر نزل في خيمة بالصحراء ومد السماط، ثم صلى الظهر وانصرف إلى منزله.

стр. 525

وأما سراياه فكان لا تزال تغير على الكفار، فمن ذلك: سرية أغارت يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم على يبنا وفيها الفرنج وغنمت اثني عشر أسيرا وخيلا ودواب وأثاثا كثيرا. وفي يوم الثلاثاء ثاني صفر أغارت السرية على ظاهر عسقلان وغنمت ثلاثين أسيرا سوى الخيل والبغال. وفي ليلة الأحد رابع عشر صفر أصبحت (١) سرية على يبنا وظهرت على قافلة الفرنج فأخذتها بأسرها مع رجالها وبغالها وأحمالها، ثم أغارت على يافا فقتلت وفتكت وعادت بالغنيمة والسبايا، وعجز جماعة من الأسارى عن المشي فضربت أعناقهم، وأوجب ذلك عتق الباقين. ولما خرج سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب من الأسر، قرر على نفسه قطيعة خمسين ألف دينار، فأدى منها ثلاثين ألفا وأعطى رهائن على عشرين ألفا، ووصل إلى القدس، واجتمع بالسلطان يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر. فقام (٢) واعتنقه وتلقاه وأقطعه نابلس وأعمالها، وعاش إلى آخر شوال من هذه السنة، وتوفي ﵀ فعين السلطان ثلث نابلس وأعمالها لصالح البيت المقدس وعمارة سورها وأبقى باقيها لولده، ﵀ (٣). هلاك المركيس بصور (٤) أضافه الأسقف بصور يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر فأكل وخرج وركب فوثب عليه رجلان وقتلاه بالسكاكين فأمسكا وسئلا من هو الآمر لكما بقتله؟ فقالا: ملك الإنكثير، فقتلا شر قتلة. ولما هلك المركيس تحكم ملك الإنكثير في صور وولاها الكندهري، فأرسل (٥) الملك يطلب من السلطان نصف البلاد سوى القدس فإنه يبقى للمسلمين بمدينته وقلعته سوى كنيستهم قمامة، فأبى السلطان ولم يرض.

стр. 526

استيلاء الفرنج على قلعة الداروم (١) وقلعة الداروم (٢) هذه على حد مصر خلف غزة وكانت منها مضرة كبيرة، فلما شرع الفرنج في عمارة عسقلان ترددوا إليها مرارا، ثم نزل (٣) الفرنج عليها واشتد زحفهم إليها عشية السبت تاسع جمادى الأولى بعد أن نقبوها، وطلب أهلها الأمان فلم يؤمنوا، ولما عرف الوالي بها أنهم مأخوذون عمد إلى الخيل والجمال والدواب فعرقبها (٤) وإلى الذخائر فأحرقها. وفتحوها بالسيف وقتلوا من بها وأسروا منهم عدة يسيرة. وكانت نوبة كبيرة على الإسلام. ثم رحل الفرنج عنها ونزلوا على ماء يقال له الحسي يوم الخميس رابع عشر الشهر، ثم تركوا خيامهم وساروا على قصد قلعة يقال لها مجدل الجبان، فخرج عليهم المسلمون وقاتلوهم قتالا شديدا، وقتل منهم خلق كثير وانهزموا. ثم رحلوا من الحسي يوم الأحد سابع عشر الشهر وتفرقوا فريقين فبعضهم عاد إلى عسقلان وبعضهم جاء إلى بيت جبريل، فتقدم السلطان إلى العساكر لمبارزتهم (٥). وفي يوم السبت الثالث والعشرين نزلوا بتل الصافية (٦). ونزلوا يوم الثلاثاء السادس والعشرين بالنطرون، فأرجف بقصدهم القدس، ثم ضربوا خيامهم يوم الأربعاء على بيت نوبة. وأظهر السلطان الإقامة بالقدس، وفرق الأمراء على الأبراج، وجرت وقعات وكبسات. وفي يوم السبت نزل الناس إليهم وقاتلوهم في خيامهم. وركب العدو وساق إلى قلونية (٧) وهي ضيعة من القدس على فرسخين وعاد منهزما. وفي يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة خرج كمين في طريق يافا على قافلة

стр. 527

فأخذوها وأسروا من فيها. كبسة الفرنج على عسكر مصر الواصل (١) كان السلطان يستحث عسكر مصر بكتبه ورسله ويدعوه نجدة لأهل القدس فضرب خيامه على بلبيس مدة حتى اجتمعوا وانضم إليهم التجار فاغتروا بكثرتهم والعدو منتظر قدومهم. وجاء الخبر للسلطان يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة أن ملك الإنكثير ركب في جمع كبير وسار عصر يوم الأحد. فجرد السلطان أميرا وجماعة لتلقي الواصل وأمرهم بأن يأخذوا بالناس في طريق البرية، فعبروا على ماء الحسي قبل وصول العدو إليه. وكان مقدم العسكر المصري فلك الدين أخو العادل فلم يسأل عن المنزلة وقصد الطريق الأقرب وترك الجمال (٢) على طريق أخرى ونزل على ماء يعرف بالخويلفة (٣)، ونادى تلك الليلة أنه لا رحيل إلى الصباح وناموا مطمئنين، فصبحهم العدو عند انشقاق الصبح في الغلس. فلما بغتهم ركب كل منهم على وجهه، وفيهم من ركب بغير عدة وانهزموا وتركوا العدو وراءهم. فوقع العدو في أمتعتهم وما معهم (٤)، وتفرق العسكر في البرية فمنهم من رجع إلى مصر ومنهم من توجه على طريق الكرك، فأخذ الكفار من الجمال والأحمال ما لا يعد ولا يحصى، وكان نكبة عظيمة (٥). ووصل الجند مسلوبين منكوبين فسلاهم السلطان ووعدهم بكل جميل. واشتغل الكفار بالمال عن القتل والقتال رحيل ملك الإنكثير صوب عكا مضمرا (٦) أنه على قصد بيروت (٧) لما تعذر على الفرنج قصد بيت المقدس (٨) ورأوا أن بيروت تنزع (٩) منهم، وقطع عليهم طريق البحر، فقالوا: هذا البلد أخذه هين، وإذا قصدناه جاء السلطان وعسكره إلينا وخلا القدس، فنبادر إليه من يافا وعسقلان ونملكه.

стр. 528

فلما عرف السلطان ما عزموا عليه أمر ولده الملك الأفضل بمبادرتهم في الرحيل وسبقهم إلى مرج عيون حتى إذا تيقن قصدهم سبقت العساكر إلى بيروت ودخلتها. وكتب السلطان إلى العساكر الواصلة إلى دمشق أن يكونوا مع ولده فنزل بمرج عيون والفرنج بعكا لم تخرج منها. نزول السلطان على مدينة يافا وفتحها (١) لما رحل ملك الإنكثير وترك في مدينة يافا وعسقلان جمعا من العسكر انتهز السلطان الفرصة لغيبته ونهض السلطان (٢) بعسكره الحاضر، ونزل على يافا وحاصرها (٣) ورماها بالمناجيق وزحف عليها، وهجم على المدينة وقتل من بها، ووجدت الأحمال المأخوذة من قافلة مصر فأخذت، وامتلأ البلد بالمسلمين (٤) وبقيت القلعة وطلب أهلها الأمان ويسلموها، وكان قرب الاستيلاء عليها. فلما طلبوا الأمان كف الناس عنها، وخرج (٥) البطرك الكبير ومعه جماعة من المقدمين والأكابر على أن يدخلوا تحت أمر السلطان (٦) ويسلموا المال والذخائر حتى دخل الليل فاستمهلوا (٧) الصباح وطلبوا من يحفظهم من المسلمين. وما زال يخرج من يستدعي زيادة التوثقة. حتى وصل ملك الإنكثير في البحر في مراكب في الليل ودخل القلعة من الجانب البحري، ونادوا بشعار الكفر فاكتفى منهم بمن أسر، وندم المسلمون على ما وقع من الأمان ولو أن السلطان توقف في تأمينهم لأخذت القلعة، وكان ذلك فتحا عظيما وأخذ المسلمون (٨) من الأموال والغنائم ما لا يحصى واستعادوا من الكفار ما نهبوه من الكبسة المصرية، وقتل من أقام بالبلد وأسر، وحصل في أيدي المسلمين من مقدمي القلعة نيف وسبعون، وكان القصد في الأول رجوع الكفار عن قصد بيروت وضعف الفرنج من هذه الوقعة. وعاد السلطان وخيم على النطرون وأقام السلطان حتى تكامل

стр. 529

العسكر (١) ورحل ونزل بالرملة وقد اجتمع العسكر (٢) من سائر البلاد وقوي واشتد عزم المسلمين، وحصل لهم السرور (٣) بفتح يافا وأخذ ما فيها وتباشروا بالنصر وخذلان العدو. الهدنة العامة (٤) لما عرف ملك الإنكثير اجتماع العساكر واتساع الخرق عليه، وأن القس قد امتنع أخذه قصر عما كان فيه وخضع وأظهر أنه لم يهادن السلطان (٥)، وأقام وجد في القتال، ثم طلب المهادنة وكاتب الملك العادل يسأله الدخول على السلطان في الصلح. فلم يجب السلطان لذلك، وأحضر السلطان الأمراء وشاورهم، وقال لهم: نحن بحمد الله في قوة وقد ألفنا الجهاد وما لنا شغل إلا العدو، وحرضهم على التثبت والتصميم وحثهم على الجهاد، فقالوا له: رأيك سديد والتوفيق في كل ما تريد، غير أن البلاد تشعثت (٦) وقلت الأقوات وإذا حصلت الهدنة ففي مدتها نستريح ونستعد للحرب والصواب القبول عملا بقول الله : ﴿* وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ (٧)، وتعود البلاد (٨) إلى العمارة واستيطان أهلها وتكثر في مدة الهدنة الغلة، وإذا عادت أيام الحرب عدنا. وما زالوا بالسلطان حتى رضي وأجاب. ثم حصل الصلح والمهادنة بين السلطان وبين الفرنج بشفاعة جماعة من أعيان جماعة السلطان، وعقدت هدنة عامة (٩) في البر والبحر وجعلت مدتها ثلاث سنين وثمانية أشهر أولها يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ٥٨٨ هـ (١٠) (١١) الموافق لأول أيلول وحسبوا أن وقت الانقضاء يوافق وصولهم من البحر، واستقر

стр. 530

أمر الهدنة وتحالفوا على ذلك. ولم يحلف ملك الإنكثير بل أخذوا يده وعاهدوه واعتذر بأن الملوك لا يحلفون، وقنع السلطان بذلك، وحلف الكندهري ابن أخته وخليفته في الساحل، وحلف غيره من عظماء الفرنج، ووصل ابن الهنفري وباليان (١) إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من المقدمين، وأخذوا يد السلطان على الصلح، واستحلفوا الملك العادل أخا السلطان، والملكين الأفضل والظاهر ابني السلطان، والملك المنصور صاحب حماة محمد بن تقي الدين بن عمرو، والملك المجاهد شيركوه صاحب حصن حمص، والملك الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك، والأمير بدر الدين يلدرم البارقي صاحب تل باشر (٢)، والأمير سابق الدين عثمان بن الداية صاحب سرمين (٣)، والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، وغيرهم من المقدمين الكبار. وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج من يافا إلى قيسارية إلى عكا إلى صور وأن تكون عسقلان خرابا، واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته، واشترط الفرنج دخول أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم وأن تكون لد والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين. فاستقرت القاعدة (٤) على ذلك وحضر العماد الكاتب لإنشاء عقد الهدنة وكتبها ونادى المنادي بانتظام الصلح وأن البلاد الإسلامية والنصرانية واحدة في الأمن والمسالمة فمن شاء من كل طائفة يترددوا إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور. وكان يوما مشهودا نال الطائفتان فيه من المسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكان ذلك مصلحة في علم الله تعالى، لأنه اتفقت وفاة السلطان بعد الصلح بيسير فلو اتفق ذلك أثناء وفاته كان الإسلام على خطر. ذكر ما جرى بعد الصلح (٥) عاد السلطان إلى القدس واشتغل في إكمال السور والخندق، وفسح للفرنج
следующие страницы →