- النعيمي: عبد القادر بن محمد، (ت ٩٢٧ هـ/ ١٥٢٠ م)، الدارس في تاريخ المدارس، ٢ ج، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ١٩٨٨ م.
- النووي: أبو زكريا محيي الدين بن شرف، (ت ٦٧٦ هـ/ ١٤٠٩ م)، تهذيب الأسماء واللغات، ٢ ج، المطبعة المنيرية، القاهرة، د. ت.
- الهروي: أبو الحسن علي بن أبي بكر، (ت ٦١١ هـ/ ١٢١٥ م)، كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات، تحقيق جانين سورديل طومين، المعهد الفرنسي، دمشق، ١٩٥٣ م.
- ابن هشام: عبد الملك بن هشام المعافري، (ت ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م)، السيرة النبوية، ٤ ج، دار الجيل، بيروت، د. ت.
- الهمذاني: البلدان، تحقيق محمد حسين شمس الدين، ط ١، ١٩٨٨ م.
- ابن واصل: جمال الدين محمد بن سالم، (ت ٦٩٧ هـ/ ١٢٩٨ م)، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، ج ١ - ٣، تحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة ١٩٥٣ - ١٩٦٠ م، ج ٤ - ٥، تحقيق محمد حسيني، القاهرة، ١٩٧٢ - ١٩٧٧ م.
- الواقدي: أبو عبد الله محمد بن عمر، (ت ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م)، فتوح الشام، ٢ ج في مجلد واحد، مكتبة المحتسب، عمان، د. ت.
- ابن الوردي: زين الدين عمر بن المظفر، (ت ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م)، تتمة المختصر في أخبار البشر، ٢ ج، تحقيق أحمد البدراوي، ط ١، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧١ م.
- الوطواط: محمد بن إبراهيم، (ت ٧١٨ هـ/ ١٣١٨ م)، مباهج الفكر ومناهج العبر، تحقيق عبد العال الشامي، قسم التراث العربي، الكويت، ١٩٨١ م.
- اليافعي: عبد الله بن أسعد بن علي، (ت ٧٦٨ هـ/ ١٣٦٦ م)، مرآة الجنان وعبرة اليقظان، ط ١، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ١٩٩٣ م.
- اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب، (ت ٢٨٤ هـ/ ٨٩٧ م)، كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، ط ١، بيروت، ١٩٨٨ م.
- أبو يعلي: محمد بن أبي يعلى، (ت ٥٢٦ هـ/ ١١٣١ م)، طبقات الحنابلة، دار المعرفة، بيروت.
- اليونيني: قطب الدين موسى بن محمد، (ت ٧٥٦ هـ/ ١٣٢٦ م)، كتاب ذيل مرآة الزمان، ٤ ج، حيدرآباد الدين، الهند، ١٩٥٤ - ١٩٦١ م.
стр. 562
المراجع:
- إبريغيث: محمد يوسف، بلدة بيت أمر الأصالة والحضارة، مطبعة بابل، حلحول، ١٩٩٥ م.
- الألباني: ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ط ٢، مكتبة المعارف، الرياض، ١٩٩٥ م.
- الألباني: ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ط ٥، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٥ م.
- الأنصاري، شداد: فهمي الأنصاري، شداد بن أوس، قسم إحياء التراث الإسلامي، القدس، ١٩٨٦ م.
- الأنصاري، عبادة: عبادة بن الصامت، قسم إحياء التراث الإسلامي، القدس، ١٩٧٤ م.
- الأنصاري، ماملا: تراجم أهل مقبرة ماملا، قسم إحياء التراث الإسلامي، القدس، ١٩٨٦ م.
- الأنصاري، مؤرخ: مؤرخ القدس والخليل، قسم إحياء التراث الإسلامي، القدس، ١٩٨٦ م.
- البتنوني: محمد لبيب البتنوني، الرحلة الحجازية، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، د. ت.
- التونجي: محمد التونجي، المعجم الذهبي، ط ٢، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٠ م.
- الجابي: بسام عبد الوهاب، معجم الأعلام، ط ١، الجفان والجابي للطباعة والنشر، ليماوسل، ١٩٨٧ م.
- جاد المولى بك: محمد أحمد، قصص القرآن الكريم، ط ٢، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ١٩٣٩ م.
- جب: هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة إحسان عباس وزميليه، ط ٢، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧٤ م.
- جبر: يحيى جبر، معجم البلدان الأردنية والفلسطينية حتى نهاية القرن الهجري السابع، دار اللوتس، ١٩٨٨ م.
- حتى: فيليب حتي، لبنان في التاريخ، ترجمة أنيس فريحة وزميليه، مؤسسة فرانكلين، بيروت، نيويورك، ١٩٥٩ م.
- الحسيني: إسحاق موسى الحسيني وآخرون، فهارس كتاب الأنس الجليل، ط ١، مطبعة المعارف، القدس، ١٩٨٨ م.
- حطيط: أحمد حطيط، تاريخ لبنان الوسيط، ط ١، دار البحار، بيروت، ١٩٨٦ م.
стр. 563
- أبو حمد: عرفان أبو حمد، أعلام من أرض السلام، شركة الأبحاث العلمية والعملية، جامعة حيفا، ١٩٧٩ م.
- خمار: قسطنطين خمار، أسماء الأماكن والمواقع والمعالم الطبيعية والبشرية والجغرافية المعروفة في فلسطين حتى عام ١٩٤٨ م، ط ٢، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٨٠ م.
- أبو حمود: قسطندي أبو حمود، معجم المواقع الجغرافية في فلسطين، ط ١، جمعية الدراسات العربية، القدس، ١٩٨٤ م.
- حوى: سعيد حوى، الرسول، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٧٩ م.
- الدباغ: مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، ١١ ج، دار الهدى، كفر قرع، فلسطين، د. ت.
- الدبس: يوسف الدبس، تاريخ سورية، ٩ ج، المطبعة العمومية الكاثوليكية، بيروت، ١٩٠٢ م.
- الدومنيكي: مرمرجي الدومنيكي، بلدانية فلسطين العربية، مطبعة جان دارك، بيروت، ١٩٤٨ م.
- الدوري: عبد العزيز الدوري، بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، دار المشرق، بيروت، ١٩٨٣ م.
- أبو أرميلة: صلاح أبو أرميلة ورفاقه، المسجد الإبراهيمي، قسم إحياء التراث الإسلامي، القدس، ١٩٨٥ م.
- رنسيمان: ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، ٣ ج، ط ٣، دار الكتب العربية، بيروت، ١٩٩٣ م.
- الزركلي: خير الدين الزركلي، الأعلام، ٨ ج، ط ٦، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٤ م.
- زيادة: محمد مصطفى زيادة، المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي/ التاسع الهجري، ط ٢، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٥٤ م.
- زيان: حامد زيان، الامبراطور فردريك برباروسا والحملة الصليبية الثالثة، دار الثقافة، القاهرة، ١٩٧٧ م.
- أبو سارة: يوسف اليان، معجم المطبوعات العربية والمعربة، مطبعة سركيس، ١٩٢٨ م.
- سلامة: خضر إبراهيم سلامة، مخطوطات المكتبة البديرية، مطابع دار الأيتام الإسلامية الصناعية، القدس، ١٩٨٧ م.
- شراب: محمد محمد، معجم بلدان فلسطين، ط ١، دار المأمون، دمشق، د. ت.
- شريدة: محمد شريدة، الطائفة السامرية، نابلس، ١٩٩٤ م.
стр. 564
- الشطي: جميل الشطي، مختصر طبقات الحنابلة، دمشق، ١٩٢٠ م.
- الشناوي: عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفتري عليها، ٤ ج، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٦ م.
- أبو شهبا: محمد محمد، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، ط ٤، مكتبة السنة، القاهرة، ١٩٨٨ م.
- طلاس: العماد مصطفى، قلعة الحصن، دار طلاس، ١٩٩٠ م.
- طوطح: خليل طوطح ورفيقه، جغرافية فلسطين، دار ابن رشد، د. ت.
- العارف، المفصل: عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، القدس، ١٩٦١ م.
- العارف، تاريخ قبة: تاريخ قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقسى ولمحة عن تاريخ القدس، مكتبة الأندلس، القدس، ١٩٥٥ م.
- العارف، المسيحية: المسيحية في القدس، ط ١، القدس، ١٩٥١ م.
- عاشور، أوروبا: سعيد عاشور، أوروبا العصور الوسطى، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٦٤ م.
- عاشور، العصر المماليكي: العصر المماليكي في مصر والشام، ط ٢، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٩٧٦ م.
- عبد الملك: بطرس عبد الملك وآخرون، قاموس الكتاب المقدس، ط ٨، دار الثقافة، القاهرة، ١٩٩٢ م.
- عبد المهدي: عبد الجليل عبد المهدي، بيت المقدس في شعر الحروب الصليبية ٤٩٢ - ٦٤٨ هـ، دار البشير، عمان، ١٩٨٩ م.
- عبيدات: محمود عبيدات، الأردن في التاريخ، جروس برس، طرابلس، لبنان، ١٩٩٢ م.
- العزة: عبد الله العزة، نقش حلحول، دار الخط العربي، كفر كنا، ١٩٩٠ م.
- العسلي، أجدادنا: كامل العسلي، أجدادنا في ثرى بيت المقدس، ط ١، عمان، ١٩٨١ م.
- العسلي، بيت المقدس: بيت المقدس في كتب الرحالة، عمان، ١٩٨٩ م.
- عطا الله: محمود عطا الله، نيابة غزة في العهد المملوكي، دار الآفاق الجديدة، ط ١، بيروت، ١٩٨٦ م.
- الغامدي: علي محمد الغامدي، بلاد الشام قبيل الغزو الصليبي، المكتبة الفيصلية، السعودية، ١٩٨٤ م.
- غوانمة، إمارة: يوسف غوانمة، إمارة الكرك الأيوبية، ط ٢، دار الفكر، عمان، ١٩٨٢ م.
- غوانمة، التاريخ: التاريخ الحضاري شرق الأردن في العصر المملوكي، ط ٢، دار الفكر، عمان، ١٩٨٢ م.
- غوانمة، نيابة: نيابة بيت المقدس في العصر المملوكي، دار الحياة، عمان، ١٩٨٢ م.
стр. 565
- فريد: محمد فريد المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق إحسان عباس، ط ٢، دار النفائس، ١٩٨٣ م.
- كحالة، معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، ١٥ ج، مكتبة المثنى، بيروت، ١٩٥٧ م.
- لسترانج: ج كي لسترانج، فلسطين في العهد الإسلامي، ترجمة محمود عمايرة، ط ١، وزارة الثقافة والإعلام، عمان، ١٩٧٠ م.
- المباركفوري: صفي الرحمن، الرحيق المختوم، دار إحياء التراث، د. ت.
- المصري: عبد الرؤوف المصري، معجم ألفاظ القرآن الكريم، مطبعة بيت المقدس، القدس، ١٩٤٥ م.
- المغربي: عبد الرحمن المغربي، عكا ومنطقتها في العصور الوسطى، دار الأسوار، عكا، ١٩٩٧ م.
- مؤنس: حسين مؤنس، المساجد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ١٩٨١ م.
- النتشة: رفيق شاكر، القدس الإسلامية، ط ١، دار نزار رمضان للطباعة والنشر، الخليل، ١٩٩٦ م.
- النجار: عبد الوهاب، قصص الأنبياء، ط ٤، المكتبة التجارية، القاهرة، ١٩٥٦ م.
- نجم: رائف نجم وآخرون، كنوز القدس، ط ١، مؤسسة آل البيت، عمان، ١٩٨٣ م.
- الندوي: أبو الحسن علي، السيرة النبوية، إحياء التراث الإسلامي، قطر، ١٩٨٧ م.
- هنتس: فالتر هنتس، المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري، ترجمة كامل العسلي، الجامعة الأردنية، عمان، ١٩٧٠ م.
- هيكل: محمد حسين، حياة محمد، ط ٧، دار القلم، القاهرة، ١٩٦٠ م.
المقالات العربية والمعربة:
- أرنديك: ابن حجر العسقلاني، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ١٣١ - ١٣٢.
- أيوار: خراسان، دائرة المعارف الإسلامية ٨/ ٢٨٢ - ٢٨٥.
- بروكلمان: أبو الفداء، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
- بروكلمان: السيوطي، دائرة المعارف الإسلامية ٧/ ٢٧ - ٣٣.
- بروكلمان: أبو المحاسن، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٣٩٦.
- بيكر: بلبيس، دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٦٧ - ٧٥.
- بيكر: دمياط، دائرة المعارف الإسلامية ٩/ ٢٨٧ - ٢٩٠.
- سوبرنهايم: بعلبك، دائرة المعارف الإسلامية ٣/ ٧٠٠ - ٧٠٤.
- سوبر نهايم: ابن إياس، دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٩٢.
- هارتمان، بريد: بريد، دائرة المعارف الإسلامية ٣/ ٦٠٩ - ٦١١.
стр. 566
الموسوعات:
- بعلبكي: منير بعلبكي، دائرة معارف ميسرة، بيروت، ١٩٩٠ م.
- الخليلي: جعفر الخليلي، موسوعة العتبات المقدسة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط ٢، بيروت، ١٩٨٧ م.
- عفيف: أحمد عفيف وآخرون، الموسوعة اليمنية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ١٩٩٢ م.
- غالب: عبد الرحيم غالب، موسوعة العمارة الإسلامية، جروس برس، بيروت، ١٩٨٨ م.
- المرعشلي: أحمد المرعشلي وآخرون، موسوعة المدن الفلسطينية، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، ١٩٨٤ م.
- الندوة العالمية للشباب الإسلامي: موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة، ط ٢، السعودية، ١٩٨٩ م.
المراجع والمقالات الأجنبية:
стр. 567
الإهداء
- إلى روح والدي ووالدتي
- إلى شهداء ثرى فلسطين الطاهر
- إلى الأمتين العربية والإسلامية
- إلى كل من ساهم ويساهم في تحرير القدس والخليل
- إلى عشيرة الكعابنة في فلسطين والأردن
- إلى زوجي سمر وأولادي مقداد، أحمد، آلاء، عز الدين وولاء
وفاء للجميل
стр. 568
مقدّمة
بعد الاطلاع على كتب التراث الإسلامي، ومحاولة تحقيق ما يمكن منها، مهمة جليلة يطلع بها الباحثون والدارسون لهذا التراث، ومخطوط الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل من المخطوطات التي تبحث في فترة مهمة من فترات هاتين المدينيتن، في مقدمة المخطوطات التي تم الاهتمام بها، غير أن هذا الاهتمام جاء مبتورا، فقد طبع هذا المخطوط في فترة مبكرة عدة مرات وفي عدة بلدان، دون أن يلقى حقه من التحقيق والمراجعة.
وجاء اهتمام الباحث بهذا السفر العظيم، لأنه يؤرخ لفلسطين بشكل عام، وللقدس والخليل بشكل خاص، وحسب اطلاع الباحث فقد كان هذا المخطوط هو الأول من نوعه الذي يحمل هذا العنوان، رابطا أقدس مدينتين في العالمين العربي والإسلامي معا بعد مكة المشرفة والمدينة المنورة، وكأن مجير الدين الحنبلي يستقرئ التاريخ لما نلاحظه من ربط ديني وتاريخي وسياسي في الوقت الراهن، إذ تشكل هاتان المدينتان الأساس الموضوعي لنسف ما يسمى بعملية السلام التي لم يؤمن بها اليهود على الإطلاق.
وقد واجه الباحث في عمله صعوبات عدة، ومنها جمع مخطوطاته المنتشرة في أرجاء العالم، وقد تمكن من جمع بعضها التي يطمح من خلالها إبراز هذا المخطوط بشكل يليق بمكانته العلمية والتاريخية.
والصعوبة الثانية تأتي من مركز إحياء التراث الإسلامي في القدس الذي توجه إليه الباحث طلبا للمساعدة، غير أنه واجه رفضا متواصلا منه، ولم يتمكن من تصوير المخطوطات التي عنده، والتي هي جزء من التراث الإسلامي العام، ليطلع عليه الباحثون، وهو أول أهداف إقامة ذلك المركز، الذي حرم من هذه الرسالة العظيمة.
وصعوبة ثالثة هي مشكلة الطباعة، إذ أن هذا النمط من الرسائل غير معتاد عليه وبخاصة وجود هامشين ورموز.
стр. 569
وقد بدأ عمله هذا بدراسة عن المؤلف، إذ أن التوسع في موضوعه يدخل في إطار دراسة أخرى، ثم قام بدراسة مستفيضة حول مخطوط الأنس الجليل، حاول من خلالها إبراز المواضيع التي ركز عليها هذا المخطوط، وحاول أن يعطينا معلومات دقيقة وتفصيلية عنها.
ثم قام بتحقيق المخطوط من خلال المخطوطات التي جمعها، وبلغ عددها خمس مخطوطات، ولم يكتف بضبط النص، وإنما قام بتحقيق الأخطاء الإملائية واللغوية وغيرها مما عثر عليه.
ثم قام بتعريف الأعلام والأماكن التي وردت في هذا السفر الجليل، والتي كان ينقصها مثل هذا التعريف، ويزيد من أهمية هذا العمل أن مجير الدين الحنبلي قد كتب عن أماكن وأعلام، وأفادنا بمعلومات كانت ستندثر وتذهب هباء منثورا، لولا أن حفظها في مخطوطه القيم، والدال على قيمة هذا المخطوط أيضا كثرة المستفيدين منه عند بحث موضوع القدس والخليل، وهكذا أراده العليمي عندما ألفه فقال: (وفي هذا المختصر ما لم يوجد في غيره مما يتعلق بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل، ﵇، وهكذا كان.
والحمد لله أولا وأخيرا
стр. 570
الدراسة
أولا: ترجمة المؤلف
١ - حياته:
هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف العمري، العليمي، الحنبلي والعمري نسبة إلى عمر بن الخطاب (١) ﵁، والعليمي نسبة إلى أحد أجداده عليل (٢)، والحنبلي نسبة إلى المذهب الحنبلي.
ولد العالم الجليل في مدينة بيت المقدس يوم الأحد ١٣ ذي القعدة، ٨٦٠ هـ/ ١٤٥٥ م، من بيت عرف بالعلم، إذ كان والده قاضي بيت المقدس الشريف، وقد نبغ مجير الدين منذ صغره، حيث تتلمذ على عدد كبير من شيوخ العلم في المدينة المقدسة، منهم الشيخ عبد الله بن محمد القلقشندي (٣)، وابن جماعة (٤) وآخرون (٥)، وقد تمكن في الثامنة عشرة من عمره من الحصول على
_________
(١) ينظر ص: ١٠٠.
(٢) ينظر ص: ١٠٠.
(٣) القلقشندي: الشيخ تقي الدين أبو بكر عبد الله بن شمس الدين القلقشندي المقدسي، جلس في بيت المقدس للإجازة والإفتاء والحديث، وتوفي عام ٨٦٧ هـ/ ١٤٦٢ م، ينظر: ابن العماد ٧/ ٣٠٦؛ الأنصاري، ماملا ٩٧ - ١٠٠.
(٤) ابن جماعة: نجم الدين محمد بن إبراهيم المقدسي، تولى التدريس بالمسجد الأقصى والمدرسة الصلاحية ببيت المقدس، توفي بعد عام ٩٠١ هـ/ ١٤٩٥ م، ينظر: السخاوي، الضوء ٢/ ٢٥٦، الغزي ١/ ٢٥.
(٥) تتلمذ مجير الدين الحنبلي على عدد آخر من العلماء، أمثال شهاب الدين أبو العباس العميري، وعلاء الدين بن عبد الله المقري، وكمال الدين محمد بن أبي شريف، ونور الدين علي بن إبراهيم المصري، وشمس الدين أبو مساعد محمد بن عبد الوهاب، وبرهان الدين أبو إسحاق الأنصاري، وشمس الدين محمد بن عمران الحنفي، ينظر: الأنصاري، مؤرخ: ٤٤ - ٥٩.
стр. 571
إجازة في قواعد اللغة، وحفظ القرآن الكريم، والحديث الشريف، وخلال حياته العلمية والعملية تنقل مجير الدين الحنبلي في البلاد الإسلامية، فذهب إلى القاهرة في ربيع الثاني عام ٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م، ولزم قاضي مصر الحنبلي أبا بكر السعدي (١)، وبقي في القاهرة حتى شوال سنة ٨٨٩ هـ/ ١٤٧٥ م (٢)، ثم عاد إلى مدينة الرملة وعين قاضيا فيها، وبقي في هذا المنصب حتى عين سنة ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م قاضيا في القدس والخليل ونابلس، بالإضافة إلى الرملة، ويبدو أنه بقي قاضيا في بيت المقدس والمناطق الأخرى حتى وفاته عام ٩٢٧ هـ/ ١٥٢١ م (٣).
٢ - مؤلفاته:
كتب مجير الدين الحنبلي في العديد من العلوم الإسلامية، فكتب في الفقه والحديث والتراجم والتاريخ، وأهم هذه المؤلفات:
١ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (٤)، وقد نشر هذا الكتاب في مجلدين، تحقيق محيي الدين عبد الحميد والتراجم مرتبة فيه حسب سنوات الوفاة.
٢ - التاريخ المعتبر في أنباء من غبر، وهو تاريخ مرتب بشكل حولي من تاريخ سيدنا آدم حتى عام ٨٩٦ هـ/ ١٤٩٠ م (٥).
٣ - الإتحاف: ويبدو أنه مختصر لكتاب الإنصاف في معرفة مراجع من الخلاف للعلاء المرداوي الحنبلي (٦).
٤ - الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل.
وهناك كتب ذكرت أنها منسوبة إليه، ولكن النسبة غير مؤكدة، وهي:
_________
(١) أبو بكر السعدي: محمد بن محمد بن أبي بكر السعدي، قاضي الحنابلة في القاهرة وله عدة مؤلفات منها الجوهر الموصل في مناقب الإمام أحمد، توفي عام ٩٠٠ هـ/ ١٤٩٤، ينظر: السخاوي، الضوء ٩/ ٥٨؛ ابن العماد ٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧، العسلي، مجير ١٢٠.
(٢) ينظر ص: ٢٨٦ من هذه الدراسة؛ الشطي ٧٣.
(٣) عن ترجمة مجير الدين الحنبلي، ينظر: ابن العماد ٧/ ٣١٦؛ حاجي خليفة ١/ ١٧٧، ٢/ ١٧٣١؛ الشطي ٧٤؛ الزركلي ٣/ ٣٣١؛ سركيس ١/ ٣٥٨: ١؛ أبو حمد ٢٣٤؛ الأنصاري، ماملا ٩٧ - ١؛ الأنصاري، مؤرخ ١٢٠ - ١٢١، العسلي، فضائل ١٠٥؛ يوسف، لمحات ٣٢ - ٣٣.
(٤) يقع هذا المؤلف في جزأين، يجمعهما مجلد واحد، وهو محقق ومطبوع منذ سنة ١٩٦٣ م.
(٥) ينظر: حاجي خليفة ١/ ٣٠٥؛ يوسف، لمحات ٤٧ - ٤٨.
(٦) العلاء المرداوي: علاء الدين علي بن سليمان الحنبلي شيخ الحنابلة بدمشق، توفي سنة ٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ م بالصالحية في دمشق، ينظر: ابن العماد ٧/ ٣٤٠، الأنصاري، مؤرخ ١٣٢.
стр. 572
١ - الدر المنضد في أصحاب الإمام أحمد (١).
٢ - الإعلام بأعيان دولة الإسلام.
٣ - الوجيز.
ولم يحقق من كتبه سوى مؤلفين هما: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، ومخطوط الأنس الجليل الذي نحن بصدد تحقيق القسم الذي يبدأ من الفتح الناصري الداودي، وقد حظي كتاب الأنس ببعض الاهتمام، فقد ترجمه المستشرق هنري سوفير Henri Sauvaire إلى الفرنسية في باريس عام ١٨٧٦ م (٢).
وهناك مختصر للأنس الجليل اسمه «الأنس الجميل باختصار الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» وضعه محمود ابن عبد المحسن المعروف بابن المدقع الدمشقي (٣).
٣ - عصره:
عايش مؤلف الأنس الجليل فترة انتقال بين سقوط الدولة المملوكية، وبداية الفتح العثماني - إن جاز لنا هذا التعبير - ليس لمدينة القدس فقط، وإنما لبلاد الشام كاملة عام ٩٢٢ هـ/ ١٥١٦ م، هذه الفترة التي شهدت ركودا اقتصاديا شاملا بسبب الانهيار الاقتصادي الذي أصاب المورد الرئيس للاقتصاد المملوكي، وهو تحول طريق التجارة من بلاد الشام والبحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح، وما رافق ذلك من قيام البرتغاليين والإسبان بمهاجمة الشواطئ الإسلامية في المحيط الهندي والبحر الأحمر وحتى في البحر المتوسط.
ومع ذلك فقد استمرت القدس المدينة التي ينظر إليها دائما بقدسية بخاصة في بلاد الشام، وأجاد مجير الدين الحنبلي بحق عندما كتب تاريخا محليا بكل ما للكلمة من معنى للقدس، والمدينة المجاورة لها والمقدسة عند المسلمين وهي مدينة الخليل، وحفظ لنا بذلك تراجم ومدارس وزوايا ومقابر وأعلاما وأحداثا كنا سنفقدها لولا هذا السفر العظيم، وكان مجير الدين الحنبلي قد سن سنة حسنة عندما بدأ بالاعتماد على وثائق وسجلات عصره، وحتى على اللوحات التأسيسية، فأضاف بذلك عنصرا جديدا لكتابة التاريخ في عصره.
_________
(١) ينظر: الحنبلي م؛ يوسف، لمحات ٣٣ - ٣٤؛ الأنصاري، مؤرخ ١٣٢ - ١٣٨، العسلي، فضائل ١٠٥.
(٢) ينظر: أبو حمد ٢٣٤؛ سركيس ١/ ٣٥٨؛ يوسف، لمحات ٣٨؛ العسلي، فضائل ١٠٨.
(٣) ينظر: يوسف، لمحات ٣٨؛ العسلي، فضائل ١٠٨.
стр. 573
وبالرغم من أن العصر الذي عايشه المؤلف كان مؤلما من الناحية الاقتصادية، والتي تركت أثرها على جميع مناحي الحياة في ذلك العصر، وتركت بصماتها حتى على مسألة السكان الاجتماعية، وبالرغم من أن مجير الدين الحنبلي كان رائدا في مجال كتابة التاريخ المحلي، فإن هناك بعض المؤرخين (١) الذين كتبوا بصدق وأجادوا في كتابة التاريخ - وإن ركزوا على التاريخ العام أو على التراجم - ولم يركزوا على كتابة التاريخ المحلي كما فعل مجير الدين.
ومن هؤلاء ابن حجر العسقلاني الذي توفي سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٨ م، وقد ركز على التراجم، ومن كتبه (تهذيب التهذيب)، وكتاب (إنباء الغمر بأبناء العمر)، وكتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)، وابن عرب شاه ٨٥٤ هـ/ ١٤٥٠ م، وكتابه (عجائب المقدور في أنباء تيمور) الذي كان كتابه بمثابة سيرة ذاتية للسلطان المغولي تيمور لنك، والسخاوي ت ٩٠٢ هـ/ ١٤٩٦ م الذي ألف كتاب (الضوء اللامع في محاسن أهل القرن التاسع).
ومع ذلك فإن هناك عددا من المؤرخين الذين اهتموا بالتاريخ العام للمنطقة، أمثال: العيني ت ٨٥٥ هـ/ ١٤٥١ م صاحب كتاب (عقد الجمان في أخبار الزمان)، وابن تغري بردي الذي كتب تاريخا عن مصر ولا يمكن أن يعتبر نوعا من التاريخ المحلي، لأنه وصف إقليما كاملا وليس منطقة محددة، وكتابه (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)، وكتابه الآخر (حوادث الدهور في ذكر الأيام والعصور)، والسيوطي ت ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م صاحب كتاب (تاريخ الخلفاء)، وابن إياس ت ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٣ م، الذي ألف كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور).
وقد ظهرت كتب الجغرافيا، وخصوصا الجغرافيا العامة مثل غرس الدين بن الظاهري ت ٨٧٣ هـ/ ١٤٦٨ م الذي كتب (زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك).
٤ - مصادره:
بالرغم من أن مجير الدين الحنبلي قرر تاريخا مختصرا (٢) على حد قوله لكل من بيت المقدس مسرى ومعراج رسول الله ﷺ ، والخليل بلد سيدنا إبراهيم الخليل،
_________
(١) هناك بعض المؤرخين أمثال الباعوني ٨٧٠ هـ/ ١٤٦٥ م، والكافيجي ٨٧٩ هـ/ ١٤٧٤ م، وشهاب الدين الأشرفي ٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م؛ وابن الصيرفي ٩٠٠/ ١٤٩٤ م.
(٢) ينظر: مقدمة المخطوط.
стр. 574
إلا أنه رغم ذلك جاء شاملا، وبهذا الحجم الكبير، فقد صرح في بداية كتابه عن بعض مصادره عندما قال: « … عنّ لي أن أجمعه من كتب المتقدمين وأهداب ألفاظه من فوائد المؤرخين وتراجم الأعيان على وجه الاختصار … » (١).
وعند الحديث عن مصادر الأنس الجليل (٢) التي استخدمها مجير الدين في كتابه يمكن أن نسجل ما يلي:
١ - مصادر صرح بذكرها ولكنه لم يصرح بحجم الفائدة التي حصل عليها من تلك المصادر، مثل ابن واصل (٣)، السبكي (٤).
٢ - استخدام عبارات مبهمة في الفترة التي عاصر أحداثها، وكتب عنها بنفسه كشاهد عيان فقال: «المتعارف عند الناس» (٥)، «رجلا لا يحظرني من هو» (٦).
٣ - اطلع على بعض التراجم وحدد صاحب الترجمة عندما قال: «قد تقدم في ترجمة ابن العربي» (٧).
٤ - اطلع أيضا على بعض المختصرات فقال: وقد وقفت على معظم المختصر (٨).
٥ - اعتمد كذلك على كثير من الوثائق والسجلات والمستندات واللوحات التأسيسية للمباني، وخصوصا المساجد والمدارس والترب، وعند رأسه بلاطة مكتوب عليها (٩).
٦ - كما اطلع على بعض التوقيعات في المستندات لمن كتب عنهم أو سجلات أسلافهم، فقال: وقفت على إسجالا من إسجالات (١٠).
ومن هنا تبرز أهمية كتاب الأنس الجليل، في ضوء تلف أو فقدان الكثير من السجلات والوثائق التي تعود إلى الفترة المملوكية الثانية، أو هدم كثير من الترب
_________
(١) ينظر: مقدمة المخطوط.
(٢) ينظر ص: ١ من هذه الدراسة.
(٣) ينظر ص: ٥.
(٤) ينظر ص: ٩٧.
(٥) ينظر ص: ٢٥.
(٦) ينظر ص: ٢٧٧.
(٧) ينظر ص: ٢٤.
(٨) ينظر ص: ٢٦٢.
(٩) ينظر ص: ٤٦، ٥١، ٢٤٦.
(١٠) ينظر ص: ١٩١، ٣٠٧.
стр. 575
والمدارس والمساجد التي تعود إلى تلك الفترة.
٧ - اعتمد أيضا على مشاهداته الشخصية (١) أو سماعه (٢) وخصوصا الأحداث التي كان حاضرا فيها وكتب عنها أو المجالس التي حضرها (٣)، كما وصف مثل هذه الأحداث وصفا دقيقا مفصلا وشاملا، كما حدد تاريخ وقوعها بدقة متناهية (٤)، واستشهد بكثير من الآيات القرآنية الكريمة (٥)، والأحاديث النبوية الشريفة والتي كانت في معظمها موضوعة (٦).
٨ - اعتمد مجير الدين على روايات وردت من أقوال علماء عصره، وعلماء العصر السابق مثل الشيخ شمس الدين (٧)، وشهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال ت ٧٦٥ هـ/ ١٣٦٣ م صاحب كتاب «مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام» (٨). والشيخ أبو محمد نصر البندنيجي (٩) قال الصاحب الأكمال تاج الدين أحمد بن الصاحب أمين الدين (١٠)، وحكى لي صاحب كتاب الأنس للجليس (١١)، وآخرين لم يحددهم.
٩ - اعتمد مجير الدين الحنبلي على مصادر لم يحددها بدقة، وإنما اكتفى بالإشارة إليها ببعض الكلمات المبهمة، مثل «وقد أخبرت» (١٢) و «يقال» (١٣) «وأخبرت قديما» (١٤) «والظاهر أن» (١٥) «والذي يظهر» (١٦) «وقيل» (١٧) «وقلت» (١٨)
_________
(١) ينظر ص: ٣٨٩، ٣٩٨.
(٢) ينظر ص: ٤٧٩.
(٣) ينظر ص: ٣٣١.
(٤) ينظر ص: ٩٢.
(٥) ينظر ص: ٣٩٨.
(٦) ينظر ص: ٩٢.
(٧) ينظر ص: ٦٨.
(٨) ينظر ص: ١٠٥.
(٩) ينظر ص: ٣٨.
(١٠) ينظر ص: ٣٤.
(١١) ينظر ص: ٧٩.
(١٢) ينظر ص: ١٧.
(١٣) ينظر ص: ٩٤.
(١٤) ينظر ص: ٣٦.
(١٥) ينظر ص: ٣٠.
(١٦) ينظر ص: ١٥.
(١٧) ينظر ص: ٨٢.
(١٨) ينظر ص: ٧٠.
стр. 576
«وقد ذكر المسافرون» (١) «ورأيت منقولا بخط بعض العلماء» (٢) «ونقل بعض المؤرخين» (٣) «وحكى لي» (٤) «وقال بعضهم» (٥)، ونقل أن الدعاء عنده مستجاب (٦)، فالظاهر أن (٧) «وقد أخبرني من جلس إلى جانبه» (٨) «وأخبار وأحاديث كثيرة مختلفة» (٩).
٥ - أسلوبه:
اعتمد مجير الدين اسلوبين في الكتابة:
الأسلوب الأول: اعتمد فيه على ذكر المواضيع حسب أهميتها دون إغفال التاريخ، وهذا يمتد من بداية القسم الذي هو موضوع الدراسة وحتى عام ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٧ م، فقد يذكر المواقع أو التراجم حسب أهميتها وعلاقتها ببيت المقدس والخليل، وكان يرتب هذه المواقع والأحداث والتراجم، سبب وجودها الزمني في بيت المقدس والخليل.
الأسلوب الثاني: وهو التاريخ الحولي الخالص والذي اعتمده منذ عام ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٧ م، وهي السنة التي جلس فيها السلطان الأشرف قايتباي (١٠) على سدة السلطنة وحتى عام ٩٠٠ هـ/ ١٤٩٤ م، إذ يبدأ بذكر سنة ثم الحوادث، فالوفيات في كل عام بالترتيب.
أما داخل المتن فأبرز الملحوظات على أسلوب مجير الدين الحنبلي في كتابه الأنس الجليل ما يلي:
اهتم بالمادة التاريخية أكثر من اهتمامه بالصياغة اللغوية.
اهتم بالتراجم اهتماما كبيرا وخصوصا تراجم القضاة، والسلاطين المماليك الذين عاصرهم، وقد أفرد لهم صفحات واسعة، وتحدث عن تاريخ حياتهم وعن أعمالهم ومدارسهم وإصلاحاتهم.
_________
(١) ينظر ص: ٧٠.
(٢) ينظر ص: ٨٥.
(٣) ينظر ص: ٢٠.
(٤) ينظر ص: ١١١.
(٥) ينظر ص: ١٩٢.
(٦) ينظر ص: ٢٣١.
(٧) ينظر ص: ٣٠.
(٨) ينظر ص: ٢٨٢.
(٩) ينظر ص: ١٩.
(١٠) ينظر ص: ٣٨٣.
стр. 577
الإيمان بعنصر الخرافة مثل الصخرة المعلقة بين الأرض والسماء (١)، أن الإنسان إذا خاف التخمة من كثرة الأكل وقال عقب رفع المائدة وفراغه من الأكل:
أبو عبد الله القرشي اليوم يوم عيد ولم يضره شيء (٢) … الخ.
٤ - تمتع بأمانة علمية كبيرة بدليل أنه ذكر بعض المواقع التي لم يتمكن من معرفة سبب تسميتها، مثل خط مرزبان، وقال ولم أدر نسبته لماذا (٣)، وقال أيضا:
ولم اطلع له على ترجمة (٤).
٥ - الاهتمام بالألقاب والكنى مثل: شيخ الإسلام العالم العلامة (٥).
٦ - الدقة في الوصف مثل وصف الثلج وارتفاعه وذوبانه ومتى بدأ (٦)
الخ.
٧ - ذكر أوصاف دقيقة لمن ترجم لهم، من حيث الطول أو اللون (٧)
الخ.
٨ - وصف المواقع بدقة متناهية (٨).
٩ - استخدام السجلات والوثائق التي تعود إلى الفترة السابقة والمعاصرة للمؤلف، وهذا يدل على حنكة تاريخية، وأسلوب تاريخي ناضج في وقت ندر فيه مثل هذا العمل (٩).
١٠ - استخدام الناحية العملية في التحقق من معلوماته مثل قياس المسجد الأقصى بنفسه (١٠).
١١ - ذكر بعض أسماء مصادره مثل: ابن خلكان، القرطبي، السبكي، ابن واصل (١١) … الخ.
_________
(١) ينظر ص: ٢٤.
(٢) ينظر ص: ٢١١.
(٣) ينظر ص: ٧٢.
(٤) ينظر ص: ١٤٨.
(٥) ينظر ص: ٢٠٠.
(٦) ينظر ص: ٤٦٦.
(٧) ينظر ص: ٢١٤، ٤٧٢.
(٨) ينظر ص: ٢٥.
(٩) ينظر ص: ١٨٤، ١٨٧، ٣٦٦.
(١٠) ينظر ص: ١٤.
(١١) ينظر ص: ٥، ١٤٥.
стр. 578
١٢ - لقد صحح مجير الدين الحنبلي كثيرا من الأخطاء الواقعة في بعض التراجم من خلال الاطلاع الواسع على حيثيات العصر الذي عاش فيه مثل قوله بوفاة شيخه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن القاضي زين الدين العميري عام ٨٩٠ هـ/ ١٤٨٥ م، بالرغم مما كتب على قبره بأنه توفي في ربيع الأول (١) سنة ٨٨٩ هـ/ ١٤٨٤ م، والخطأ الوارد بتاريخ عمارة المقعد الموجود بدار النيابة ببيت المقدس، حيث كتب أنه عمر في محرم عام ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م، والصحيح أنه عمر في محرم عام ٨٩٢ هـ/ ١٤٨٧ م (٢)، وبعض الناس يظنه ابن أبي عذيبة والصحيح (٣).
١٣ - ذكر التاريخ الهجري مقرونا بالتاريخ الميلادي، قال: تاسع عشر ربيع الأول الموافق لسابع كانون الثاني (٤).
١٤ - استخدم صيغة الفعل المبني للمجهول بكثرة، قال: وأخبرت أن، ويقال أنه (٥).
_________
(١) ينظر ص: ٢٨٦.
(٢) ينظر ص: ٢٦٢.
(٣) ينظر ص: ٤٣٥.
(٤) ينظر ص: ٤٦٥.
(٥) ينظر ص: ٢٦، ٢٧.
стр. 579
ثانيا: كتاب الأنس الجليل
١ - التعريف بالكتاب
ابتدأ النص موضوع الدراسة والتحقيق من كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، من فتح الناصر داود صاحب الكرك لمدينة بيت المقدس عام (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م)، ومن ثم انتقل للحديث عن مدينة القدس ووصفها وصفا ماديا لكل جزئية فيها تقريبا، والذي يدل على ذلك هو ذكر بعض المواقع التي دثرت مثل برج عرب (١)، وبعض المواقع في فلسطين مثل أوتارية (٢) والتي لم يعد لهما وجود في أيامنا.
لقد وصف المسجد الأقصى، وأقسامه ومساحته، وقبة الصخرة، والمناطق المحيطة به من تكايا ومدارس ومساجد، وغير ذلك. ثم بعد ذلك انتقل للتعريف بالمدارس الموجودة بالقدس الشريف سواء تلك الموجودة داخل السور أو التي خارجه، أو التي هي قريبة منه أو بعيدة عنه. ثم يتحدث عن الترب والمقابر ودور الحديث والزوايا، وحتى الآبار وعدد أفواهها، ثم انتقل بعد ذلك لوصف حارات وأزقة وأسواق مدينة القدس الشريف، إذ يصفها وصفا ماديا دقيقا، لا يوجد أحد قبله قد اعتنى بالقدس بهذا الشكل الدقيق المميز. وبعدها يصف مناطق بيت لحم والرملة ويافا واللد وغزة وأريحا ونابلس، والأحداث التي مرت بها بشكل مختصر.
ثم يأتي إلى مدينة الخليل فيسهب في وصفها ذاكرا الحارات والزوايا والأربطة وعيون الماء والأضرحة، ثم يفرد عنوانا خاصا لإقطاع تميم الداري ويذكر بعض المشاكل التي واجهت الورثة.
ثم ينتقل للحديث عن أحداث القدس والخليل وخصوصا في عهد المماليك، فيذكر كافة سلاطينهم وبالترتيب وبخاصة أولئك الذين عاصرهم بنفسه، ويذكر
_________
(١) ينظر ص: ٢١٦.
(٢) ينظر ص: ٢٥٧.
стр. 580
علاقتهم ببيت المقدس والخليل.
وبعدها يفرد عناوين خاصة بالقضاة والفقهاء والشيوخ من أتباع المذهب الشافعي، ويسير على النمط نفسه في ذكر قضاة الحنفية، والمالكية والحنبلية. ثم يتحدث عن بعض رجال السلطة من نواب ونظار ممن تولوا الأمر في القدس والخليل، ومما هو جدير ذكره أن القدس والخليل كانتا وباستمرار تشكلان وحدة إدارية سواء في عهد المماليك أو من سبقهم من الأيوبيين، سواء في الولاية أو النظر، إذ يكون والي القدس والي الخليل وناظر القدس ناظر الخليل.
ولا يغفل مجير الدين الحديث عن أحوال الطبيعة من الثلج (١)، وانحباس المطر والقحط (٢)، والأمراض مثل الطاعون (٣). وكذلك يصف حالة الناس النفسية واستغاثتهم ودعاءهم ونفسياتهم عندما لا يستجاب لهم (٤). ولا يهمل كذلك الحديث عن علاقة السكان بعضهم ببعض وخاصة علاقة المسلمين بأهل الذمة من يهود ونصارى فيذكر وقائع وأحداثا عن مشاكل الكنيسة (٥)، والقبة (٦)، وقبر داود (٧).
ثم تحول مجير الدين بعد ذلك للحديث بشكل حولي على نمط من سبقه من المؤرخين فبدأ ذلك بأحداث سنة ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٧ م، وأنهى ذلك بأحداث سنة ٩٠٠ هـ/ ١٤٦٤ م، وهذه الفترة تعتبر الأهم من وجهة نظري في الكتاب لأن مجير الدين قد عاشها بنفسه.
ويبدو أن هناك ذيلا للأنس الجليل، أشار مجير الدين الحنبلي عن نيته في عمله في نهاية كتاب الأنس الجليل عندما قال: «وكان ابتدائي في جمعه في خامس عشري ذي الحجة سنة تسعمائة، وفرغت من جمعه وترتيبه في دون أربعة أشهر، وإن فسح الله في الأجل جعلت له ذيلا أذكر فيه ما يقع من الحوادث بالقدس الشريف وبلاد سيدنا الخليل ﵇، وغيرهما من أول سنة إحدى وتسعمائة إلى آخر وقت يريده الله تعالى فيما بقي من العمر» (٨).
_________
(١) ينظر ص: ٤٦٥.
(٢) ينظر ص: ٤٣٤.
(٣) ينظر ص: ٤٨٥.
(٤) ينظر ص: ٤٤٥.
(٥) ينظر ص: ٣٩٨.
(٦) ينظر ص: ٤٤٨.
(٧) ينظر ص: ٤٤٧.
(٨) ينظر ص: ٤٧٩.
стр. 581
ويبدو أن إحدى مخطوطات الأنس الجليل تحوي هذا الذيل الذي أصبح مثار خلاف حاد بين المهمتين بهذا المصدر، ولم يتم حسم الموضوع بشكل نهائي (١).
٢ - موضوعات الكتاب
١: ٢ - المدارس والمعاهد العلمية:
تحدث مجير الدين عن المدارس والمعاهد العلمية في بيت المقدس، فبدأ بالموجود داخل الحرم القدسي، ثم ذكر دار الحديث التي أوقفها الأمير عيسى الهكاري ودار القرآن التي أوقفها أبو بكر السلامي ٧٦١ هـ/ ١٣٥٩ م، فالخانقاه التي أوقفها صلاح الدين الأيوبي، واحتل هذا الباب حيزا كبيرا من هذا الكتاب.
فلقد ذكر المدارس والمعاهد العلمية التي يفوق عددها ستين مدرسة وزاوية ورباطا وخانقاه، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أهمية العلم في عهده، واهتمامه هو نفسه بالعلم والعلماء، وإن القدس كانت تشكل مصدر إشعاع علمي.
وتحدث كذلك عن الزوايا والتكايا في مدينة الخليل، وبين موقعها، وتاريخ بنائها، وبانيها، أو من وقفها لخدمة المسلمين في هاتين المدينتين، كما بين دور هذه المدارس في خدمة سكان هاتين المدينتين، كما تحدث عن العلماء الذين خدموا أو تخرجوا من هذه المدارس، وذكر بعض الشروط التي وضعها الواقف (٢).
٢: ٢ - القضاء:
أفرد مجير الدين الحنبلي عناوين كبيرة لمؤسسة القضاة والخطباء في بيت المقدس والخليل، وجعل لهم تصنيفا خاصا بهم حسب الأهمية والتدرج التاريخي لوجودهم في بيت المقدس، وذلك حسب المذاهب الأربعة.
وبدأ بالقضاة والعلماء الشافعية الذين أفرد لهم فصلا خاصا (٣)، ثم بالقضاة الحنفية (٤)، والقضاة المالكية (٥)، ثم القضاة الحنابلة (٦)، ولم يقتصر حديثه عن بيت
_________
(١) يذكر العسلي أن هناك ذيلا للأنس الجليل ضمن مخطوط ليدن رقم ٩٥٣؛ ومخطوطة البودليان رقم ١٨٥٢٣، وقد نشره ضمن مقالة في مجلة دراسات مجلد ١٢ عدد ٨ من ص ١٢٧ - ١٣٥، أما الأنصاري فيرفض هذا الرأي ويرى أنها عبارة عن تذييلات بقلم الناسخين، الأنصاري، مؤرخ ٨٩ - ٩٢.
(٢) ينظر ص: ٤٠.
(٣) ينظر ص: ١٤٢، ١٧٠.
(٤) ينظر ص: ٢١٨.
(٥) ينظر ص: ٣٣٥.
(٦) ينظر ص: ٣٥٠.
стр. 582
المقدس والخليل، وإنما أضاف إليها غزة كذلك، وقد اهتم بالحديث عن القضاة ودورهم وأعمالهم الحسنة في بيت المقدس والخليل، كما تحدث عن أسباب عزلهم أحيانا، وذكر كيف وصل بعضهم للمنصب بطرق ملتوية (١).
٣: ٢ - الجغرافيا:
لقد رسم مجير الدين خارطة لمنطقة القدس والخليل في تلك الفترة حيث ذكر كثير من المواقع التي اندثرت في زماننا مثل برج عرب (٢) وقرية قباب الشاورية (٣).
ولم يقتصر حديثه عن فلسطين، وإنما تحدث عن بعض المواقع في بلاد الشام بشكل عام عندما تحدث عن قرية البويضا قرب دمشق، وكذلك برصة وبلاد الشعشاع (٤)، وبالنسبة للقدس فقد تحدث عن موقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة وتحدث عن سور القدس وأعطاه مقياسا دقيقا من ناحية الطول والعرض بالذراع، ورسم خارطة جغرافية دقيقة لكل من بيت المقدس والخليل بشوارعها وحاراتها، ومرافق هذه الحارات من آبار مياه وكروم، وامتدت موسوعته الجغرافية هذه لتشمل الكثير من المواقع القريبة من بيت المقدس، أو المناطق الواقعة في الطريق إليها مثل الرملة واللد وعسقلان وأريحا ونابلس (٥).
وأبدى اهتماما واضحا بالرحلات وخصوصا رحلة السلطان الملك الأشرف قايتباي من القاهرة قاصدا بلاد الشام سنة ٨٨٢ هـ/ ١٤٧٧ م (٦).
٤: ٢ - الجانب الاقتصادي:
واقعة الزيت: تمثل واقعة الزيت وتعليقات مجير الدين عليها قمة المعاناة التي لحقت بسكان المنطقة، ولهذا فقد انفرد مجير الدين الحنبلي بالحديث عن الأوضاع الاقتصادية في أواخر عهد دولة المماليك وتحديدا في عام ٨٩٦ هـ/ ١٤٩٠ م، عندما تم تلزيم سكان بيت المقدس والخليل والرملة وغزة بشراء الزيت من نابلس بالقوة، وإجبارهم على شراء مقدار معين من الزيت سواء كانوا بحاجة إليه أم لا، واتباع طرق قاسية وصلت إلى حد حبس الشخص أو أهله، أو حتى جيرانه، لإجباره على دفع حصته من شراء الزيت المفروض عليه، إن سياسة الاحتكار الاقتصادي
_________
(١) ينظر ص: ٣٩٤.
(٢) ينظر ص: ١١٣.
(٣) ينظر ص: ٢١٦.
(٤) ينظر ص: ٣٢٨.
(٥) ينظر ص: ٩٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٤.
(٦) ينظر ص: ٤١٦.
стр. 583
وإجبار الأهالي على شرائه بادرة تدل على مدى الظلم والجور والانتقام من أهالي القدس، ويدل أيضا على اهتمام مجير الدين الحنبلي بالحديث عن التاريخ الاقتصادي في الفترة التي عاصرها، وتفصيلها باهتمام كبير، ويذكر في هذه الأحداث الأسعار ويقدر مدى الخسارة التي لحقت بالسكان من جراء هذه الممارسات، وذكر الغلاء وارتفاع الأسعار (١).
٥: ٢ - التراجم:
بالرغم من أن الأنس الجليل ليس كتاب تراجم بالمعنى المتعارف عليه، إلا أن مجير الدين اهتم بتراجم بيت المقدس اهتماما واضحا وخصوصا القضاة ورجال العلم، وقد ركز في الترجمة على ذكر اللقب والكنية، المولد، وحدد عمر المترجم له، والسلاطين حدد فترة ولايتهم وذكر الصفات والشكل والوفاة وكيفيتها وتاريخها ومكانها ومكان الدفن لكثير مما ترجم لهم، وذكر الأعمال التي قام بها صاحب الترجمة، ولكن نجد أن مجير الدين قد أفرد عنوانا مستقلا لشيخه الكمالي وكأن ذلك نوع من العرفان بالجميل، إذ اهتم مجير الدين الحنبلي اهتماما خاصا بالشيخ الكمالي الذي كان أحد أساتذته، وأحد علماء وأعيان القدس الشريف. وكان القاضي الكمالي بن أبي شرف قد دخل في نزاع مع المقر الأشرفي السيفي أقباي كافل نيابة غزة، وطلب على أثرها إلى القاهرة، وكان محبوبا جدا من قبل سكان بيت المقدس، وبعد أن وصل إلى القاهرة وتكلم في حضرة السلطان الأشرف قايتباي، حتى أعجب برجاحة عقله، فأنعم عليه برئاسة المدرسة الصلاحية بالقدس، فكان له دور كبير في زيادة الوازع الديني لدى سكان هذه المدينة، وتقوية علاقتها بالسلطة المملوكية إذ توجه مع جماعة من أعيان القدس إلى الرملة لملاقاة الأمير أقبردي الدودار الذي حضر لزيارة المدينة المقدسة في عام ٨٧٧ هـ/ ١٤٧٢ م، وقد ذكر أن له مكانة خاصة إذ كانت تصل إليه المراسيم التي تعالج شؤون المملكة (٢).
٦: ٢ - الصراع على القدس:
موضوع حديث الصراع على القدس، يتجدد باستمرار، وبدأ الصراع عليها منذ فجر التاريخ مرورا بالحرب الصليبية وانتهاء بالاحتلال اليهودي لها سنة ١٩٦٧ م، وينسحب هذا الكلام على زمن مجير الدين الحنبلي، وإن كان أخف حدة في مظهره، ولم يأخذ الطابع العسكري، فيتجدد الصراع حول كنيس اليهود في هذه
_________
(١) ينظر ص: ٤٣٥، ٤٥٤.
(٢) ينظر ص: ٤٧٤.
стр. 584
المدينة، وقبو داود والقبة، وتنتشر الأديرة في فلسطين، وكان رد السلطان قايتباي على ذلك واضحا عندما حد من نفوذ أهل الذمة في هذه المدينة المقدسة، وأمر بهدم الأديرة التي تحيط بمدينة القدس (١).
٧: ٢ - موسوعة شاملة:
يعتبر كتاب الأنس الجليل موسوعة شاملة في النواحي التاريخية وخصوصا في أحداث المرحلة التي عاصرها المؤلف نفسه، حيث كان شاهد عيان على أحداث تلك الفترة، ويكتب بصدق ويصحح الأخطاء التي وقع فيها الآخرون، ويبحث ويستنبط منها المفيد، يطلع على كل شيء يحيط به وله أهمية، حتى اللوحات التذكارية، ويصحح حتى ما نقش عليها، كما يعتبر كتابه موسوعة جغرافية تبين لنا بحق مواقع الأماكن المهمة الموجودة بها من مزارات ومقابر وغيرها، كما يعتبر بحق موسوعة اجتماعية حيث تحدث عن أماكن عبادة النصرانية واليهودية والعلاقة بين المسلمين والنصارى، وكذلك الفتنة بين طائفة الدارية والأكراد، والفتنة بين نائب القدس ونائب غزة، وغير ذلك من الأمور والقضايا التي يزخر بها هذا الكتاب.
٣ - ملحوظات على الأنس الجليل
عند دراسة الأنس الجليل يمكننا الخروج بالملحوظات التالية:
١ - الخروج عن الحياد في بعض الحالات والإدلاء بالرأي، «وكان غلطا منه» «ولقد كان الحق مع نائب القدس» (٢).
٢ - كان متضاربا في رأيه بالنسبة للتاريخ والجمع من كتب المتقدمين عندما قال: « … ومع ذلك لم أستوعب ما هو المقصود من التاريخ لعدم الاطلاع على شيء أستمد منه في هذا المختصر»، ثم أورد في بداية كتاب « … عنّ لي أن أجمعه من كتب المتقدمين وأهذب ألفاظه من فوائد المؤرخين … » (٣).
٣ - توسع في بعض التراجم أكثر من غيرها، عندما أفرد فصلا خاصا لترجمة السلطان قايتباي (٤)، وكما توسع في وصف بعض الأماكن مثل مدرسته الأشرفية (٥).
٤ - عند مجير الدين الحنبلي إيمان كبير بالخرافات، مثل قضية الصخرة
_________
(١) ينظر ص: ٤٤٧.
(٢) ينظر ص: ٢٨٦، ٤٧٠.
(٣) ينظر ص: ٤٧٩.
(٤) ينظر ص: ٣٧٩.
(٥) ينظر ص: ٤٢٢.
стр. 585
المعلقة، والنداء باسم أبي عبد الله القرشي عند التخمة (١).
٥ - نأى بنفسه عن ذكر مثالب المتوفين كما يفعل غالب المؤرخين (٢).
٦ - انتقد تصرفات الآخرين فقال: بسبب تقصيره في سماط سيدنا الخليل (٣).
٧ - لقد ذكر تاريخ مولده في المتن (٤).
٨ - ذكر أحداث خارج إطار مدينة القدس وتخص الدولة المملوكية مباشرة مثل قضية شهسوار (٥).
٩ - تحدث عن العلاقات الخارجية مثل علاقة السلاطين المماليك مع العثمانيين وحروبهم، والعلاقة مع قاصد ملك الحبشة (٦).
ثالثا: منهج التحقيق
اعتمدت في تحقيق القسم موضوع الدراسة من مخطوط الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، والذي بدأ من الفتح الناصري الداودي لبيت المقدس على خمس مخطوطات أشير إليها بالرموز أ، ب، ج، د، هـ، وهي كما يلي:
١ - المخطوط أ (٧):
حصلت عليه من مكتبة الأستاذ فهمي الأنصاري (بالقدس)، وحصل هو عليه من مكتبة لندن، ويحمل الرقم B.L. ٨٥١٦.
وقد اعتمدت على المخطوط أكأصل بالرغم من أن تاريخه متأخر عن بقية المخطوطات، وذلك لأن هذا المخطوط كامل، وحالته جيدة من ناحية الحفظ، وخطه مقروء.
لقد أثبت اسم هذا المخطوط على الصفحة الأولى بشكل بارز، ويقع هذا المخطوط في ١٧٦ ورقة من القطع المتوسط، يبلغ طول الورقة ٥، ٢٠ سم، وعرضها ٥، ١٣ سم، عدد الكلمات في كل سطر يتراوح بين ١٧ - ٢٠ كلمة، وعدد الأسطر ٣٣ سطرا لكل صفحة، وتم نسخ هذا المخطوط بيد الناسخ أبو السعود
_________
(١) ينظر ص: ٢١١، ٢١٣.
(٢) ينظر ص: ١٤٢.
(٣) ينظر ص: ٤٤٤.
(٤) ينظر ص: ٢٦٩.
(٥) ينظر ص: ٣٩٠.
(٦) ينظر ص: ٤٢٤، ٤٣٣.
(٧) ينظر: صورة المخطوط في صفحة ل.
стр. 586
الدقاق سنة ١١١٨ هـ/ ١٧٠٦ م.
٢ - المخطوط ب (١):
حصلت عليه من مكتبة الأستاذ فهمي الأنصاري، وقد كان أصلا للطبعة التي أصدرتها المطبعة الوهبية في مصر عام ١٢٨٣ هـ/ ١٨٦٦ م وعن هذه الطبعة تمت طباعة طبعات عديدة أخرى هي:
١ - طبعة النجف الأشرف في العراق ضمن سلسلة مطبوعات المكتبة الحيدرية د. ت.
٢ - طبعة بيروت عام ١٩٧٢ م.
٣ - طبعة مكتبة المحتسب، عمان ١٩٧٣ م.
٤ - طبعة دار النهضة، بغداد ١٩٩٦ م.
يبلغ عدد أوراق النص المطبوعة ١٧٧ ورقة، طول الورقة ٨، ٢٠ سم، وعرضها ٩ سم، عدد الكلمات في كل سطر ١١ - ١٥، عدد الأسطر ٢٥، وضعها جيد، لكن لا يوجد ما يشير إلى تاريخ نسخها أو ناسخها.
٣ - المخطوط ج (٢):
صور هذا المخطوط عن نسخة ضمن مكتبة خاصة من قبل مركز الوثائق والنشر التابع للجامعة الأردنية. لقد أثبت اسمه واضحا على الغلاف الأنس الجليل، تاريخ هذه النسخة يعود إلى عام ١٠٢٢ هـ/ ١٦١٣ م، لم يتم تصنيفه أو فهرسته، ولم يرد له ذكر أو وصف في كتاب العسلي، فضائل بيت المقدس، به نقص كبير وتصل إلى بداية سنة ٨٩٨ هـ/ ١٤٩٢ م فقط، يبلغ طول ورقة المخطوط ١٩ سم، وعرضها ١٣ سم، في كل صفحة ١٩ سطرا، عدد الكلمات يتراوح بين ١٣ إلى ١٥ كلمة في السطر الواحد، ويعتبر من أقدم النسخ التي اعتمدت عليها وحالته جيدة جدا، لكن لا يوجد تاريخ نسخ أو اسم ناسخ، ونسخ بيد واحدة، يوجد على غلافه عبارة «تشرف بملكه العبد الفقير الشيخ حسام الدين السهر … » وبقية العبارة غير واضحة.
٤ - المخطوط د (٣):
اعتمدت على مخطوط مصور بالميكروفيلم من الجامعة الأردنية رقم ٧٩٨،
_________
(١) ينظر: صورة المخطوط في صفحة م.
(٢) ينظر: صورة المخطوط في صفحة هـ.
(٣) ينظر: صورة المخطوط في صفحة ن.
стр. 587
وقد صور من الجامعة الأميركية في بيروت، ويحمل الرقم ٤٦٣.
لم يذكر على الغلاف عنوان المخطوط، يعود تاريخ هذا المخطوط إلى عام ١٠٧٤ هـ/ ١٦٦٣ م، وهو في حالة سيئة من حيث الحفظ وقد لعبت به عوامل الزمن والنخر فعلها، إلى حد أنها طمست بالكامل الكثير من الصفحات، يوجد في هذا المخطوط ٣٠٦ صفحات، وعدد السطور في كل صفحة ١٩ سطرا، وعدد الكلمات بين ٩ - ١١ كلمة في السطر، وطول الورقة ٥، ٢٠ سم، وعرضها ٥، ١٣ سم، لا يوجد ذكر للناسخ، وذكر في نهاية هذه النسخة أنه فرغ من تبييضه في يوم الثلاثاء ٩ شوال سنة ١٠٧٤ هـ/ ١٦٦٣ م.
٥ - المخطوط هـ (١):
اعتمدت على صورة من مكتبة الأستاذ فهمي الأنصاري بالقدس الشريف، الذي حصل هو عليه من مكتبة لندن، ويحمل الرقم. B.L. ٨٥١٧
ويعود تاريخه إلى عام ١١٤٤ هـ/ ١٧٠٢ م، وهو بحالة جيدة، وقد وقع ناسخه في أكثر من خطأ، فهناك تداخل في سرد الأحداث التاريخية.
ويبلغ طول الورقة ٥، ٢٥ سم، وعرضها ٥، ١٨ سم، وتحتوي الصفحة على ٢٥ سطرا، في كل صفحة ١٦ - ١٨ كلمة، لم يذكر اسم الناسخ.
وقد استخدمت في عملي نوعين من الهوامش
كالتالي:
١ - هامش المقارنات التي تتعلق بالمخطوطات ورمز للمخطوطات أ، ب، ج، د، هـ لكل مخطوط بخط أسود داكن.
٢ - هامش المتن وفيه قمت بالتعريفات اللازمة للنص، سواء للأعلام أو الأماكن أو المصطلحات بخط عادي.
ولم أتدخل في النص باستثناء بعض التصويبات اللغوية التي وردت في المتن
ويمكن إجمالي ذلك كالتالي:
١ - تصحيح كثير من الأخطاء الإملائية الخاصة ببعض النسخ مثل «الفرات» التي كتبت «الفراة».
٢ - تصحيح رسم بعض الكلمات مثل «إبراهيم» أو «إسماعيل»، التي وردت في المخطوط «ابراهيم» و «إسمعيل».
٣ - أغفلت همزة القطع بشكل كامل والهمزات الضرورية أيضا، باستثناء بعض
_________
(١) ينظر: صورة المخطوط في صفحة و.
стр. 588
الحالات البسيطة التي وردت في النسخة د، إذ وضعت الهمزة بشكل كامل عند ضبطه للمدرسة اللؤلؤية، فعلى سبيل المثال كان يضع كلمة «العلما» بدل العلماء، و «الما» بدل الماء، وتم تصحيح ذلك دون الإشارة إليه وذلك لكثرته.
٤ - قلب الهمزة ياء في كثير من الأحيان، وقد تم ضبطها دون الإشارة إلى ذلك، مثل قوله «الفوايد» بدل «الفوائد» و «المناير» بدل «المنائر».
٥ - حولت الألف المقصورة إلى ياء وقد تم ضبطها دون الإشارة إليها مثل «موسي» بدل «موسى» و «مولي» بدل «مولى» وكذلك كلمة الفرنج فقد غيرتها وأصبحت الإفرنج.
٦ - كلمة ابن لقد وردت في كثير من الحالات مع الألف، وقد قمت بتعديل ذلك حسب ما هو متعارف عليه من أخذها الألف حسب موقعها في الجملة أو وقوعها بين علمين.
٧ - أدخلت مختصر كلمة هجري - هـ - على السنوات في المخطوط لعدم وجوده ولضرورته.
стр. 589
الفتح الناصري الداودي (١)
بعد أن جرى ما ذكر من اعتقال الملك الصالح أيوب (٢) بالكرك (٣)، قصد (٤) الملك الناصر داود (٥) القدس، وكان الإفرنج قد عمروا قلعتها بعد موت الملك (٦) الكامل (٧)، فحاصرها وفتحها وخرب القلعة وخرب برج داود أيضا، فإنه لما خربت (٨) القدس أولا لم يخرب برج داود، فخربه في هذه المرة، وذلك في سنة
стр. 590
٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م، بعد أن بقي في أيدي (١) الإفرنج نحو إحدى عشرة سنة من حين تسليم (٢) الكامل له في سنة ٦٢٦ هـ (٣)، فأنشد فيه جمال الدين بن مطروح (٤) أبياتا وكان علامة (٥) فاضلا كاملا:
المسجد الأقصى له آية … سارت فصارت مثلا سائرا
إذا غدا للكفر مستوطنا … أن يبعث الله له ناصرا (٦)
فناصر طهره أولا … وناصر طهره آخرا (٧)
وفي أواخر (٨) رمضان من سنة ٦٣٧ هـ أفرج الناصر داود صاحب الكرك عن ابن عمه الملك الصالح أيوب (٩)(١٠)، واجتمعت عليه مماليكه، وسار هو والناصر داود إلى قبة الصخرة الشريفة (١١) وتحالفا على أن تكون ديار مصر للصالح، ودمشق للناصر (١٢)، ولما ملك الصالح لم يف له بذلك، وكان يتأول في يمينه أنه كان مكرها (١٣)، ثم سار إلى غزة (١٤).
стр. 591
فلما بلغ الملك العادل (١)، صاحب مصر ظهور أخيه الصالح (٢) عظم عليه، وبرز بعساكر مصر (٣) ونزل على بلبيس (٤)، لقصد أخيه الصالح والناصر داود وأرسل إلى عمه (٥)، الصالح إسماعيل (٦)، المستولي على دمشق أن يبرز، ويقصدهما من جهة الشام، فسار الصالح إسماعيل بعساكر دمشق، فبينما (٧) الصالح أيوب والناصر داود، وهما بين عسكرين، قد أحاط (٨) بهما، إذ ركب جماعة من المماليك الأشرفية (٩)، ومقدمهم أبيك الأسمر (١٠)، وأحاطوا بدهليز (١١) الملك العادل أبي بكر بن الكامل، وقبضوا عليه في ليلة الجمعة ثامن ذي القعدة، وأرسلوا إلى الملك الصالح أيوب يستدعونه (١٢)، فأتاه فرج لم يسمع بمثله، وسار ومعه الناصر داود إلى مصر، وبقي (١٣)
стр. 592
يلتقيه في كل يوم فرج بعد فرج من العساكر، إلى أن دخل (١) إلى قلعة الجبل (٢) بكرة يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة، وزينت له البلاد، وفرح الناس (٣) بقدومه، ولما استقر في ملك مصر خاف الناصر داود أن يقبض عليه، فطلب دستورا (٤)، وتوجه إلى بلاد الكرك (٥).
وفي سنة ٦٣٨ هـ (٦) قوي خوف الصالح إسماعيل صاحب دمشق من ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر، فسلم (٧) صفد (٨)، والشقيف (٩)، إلى الإفرنج، ليعضدوه ويكنوا معه على ابن أخيه الصالح أيوب، فعظم ذلك على المسلمين (١٠).
ذكر تسليم القدس الشريف إلى الإفرنج (١١)
لما دخلت (١٢) سنة إحدى وأربعين وستمائة (١٣) حصلت فيها المراسلة بين
стр. 593
الملك الصالح أيوب (١) صاحب مصر، والملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق بالصلح (٢)، وأن صاحب دمشق يطلق صراح (٣) الملك المغيث فتح الدين عمر بن الصالح أيوب (٤)، وحسام الدين بن علي الهذباني (٥)، وكانا معتقلين عند الملك الصالح إسماعيل، فأطلق حسام الدين وجهزه إلى مصر، واستمر الملك المغيث في الاعتقال، واتفق الصالح إسماعيل مع الناصر داود صاحب الكرك واعتضدا (٦) بالإفرنج (٧)، وسلما إليهم طبرية (٨) وعسقلان (٩) فعمر الإفرنج قلعتيهما (١٠)، وسلما أيضا القدس (١١) بما فيه من المزارات (١٢). فقال (١٣) القاضي جمال الدين بن واصل (١٤)، مررت إذ ذاك بالقدس متوجها إلى مصر، ورأيت
стр. 594
القسوس (١) قد جعلوا على الصخرة قناني الخمر للقربان، فالحكم لله العلي الكبير.
وكان الناصر (٢) داود قد فتح بيت المقدس، كما تقدم في سنة ٣٧ هـ، ثم فعل هذه الفعلة القبيحة، فأبدل حسنة بسيئة، وقد انتقم الله منه فيما بعد على ما سنذكره عند وفاته، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة والضلالة بعد الهدى (٣)(٤).
ذكر الفتح الصالحي (٥) النجمي الذي يسره الله
على يد السلطان الملك الصالح (٦) نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، تغمده الله (٧) برحمته وأسكنه فسيح جنته. لما وقع ما تقدم به ذكره من تسليم القدس للإفرنج في سنة ٦٤١ هـ (٨)، استدعى الملك الصالح نجم الدين أيوب الخوارزمية (٩) لينصروه على عمه الصالح إسماعيل (١٠)، فسار الخوارزمية ووصلوا (١١) إلى غزة في سنة ٦٤٢ هـ (١٢)، ووصل
стр. 595
إليهم عدد كثير من العساكر (١) المصرية (٢) مع ركن الدين بيبرس (٣)(٤)، مملوك الصالح أيوب وكان من أكبر مماليكه وأرسل الصالح إسماعيل عسكر دمشق مع الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه (٥)(٦)، صاحب حمص (٧)، وسار صاحب حمص جريدة (٨)(٩)، ودخل عكا (١٠) واستدعى الإفرنج على ما كان قد وقع عليه الاتفاق معهم، ووعدهم بجزء من بلاد مصر فخرج الإفرنج واجتمعوا بالفارس والراجل (١١)، ولم يحضر الناصر داود والتقى الفريقان بظاهر غزة، فولى عسكر دمشق وصاحب حمص (١٢)، والإفرنج منهزمين (١٣)، وتبعهم عسكر مصر
стр. 596
والخوارزمية، وقتلوا منهم خلقا عظيما (١)، واستولى الملك الصالح أيوب صاحب مصر على غزة والسواحل والقدس الشريف ولله الحمد (٢)، ووصلت الأسرى والرؤوس إلى مصر ودقت بها (٣) البشائر عدة أيام، ثم أرسل الملك الصالح أيوب صاحب مصر العساكر وساروا (٤) إلى دمشق وحاصروها (٥)، وخرجت السنة وهم في حصارها (٦).
وتوفي الملك المغيث فتح الدين عمر في حبس عمه إسماعيل (٧)، وبلغ والده الصالح أيوب ذلك فاشتد حزنه عليه (٨) وحنقه على إسماعيل (٩).
فلما دخلت سنة ٦٤٣ هـ (١٠)، تسلم عسكر الصالح أيوب دمشق من الصالح إسماعيل، ثم استولى الصالح أيوب على بعلبك (١١).
وفي سنة ٦٤٤ هـ (١٢) وفي هذه السنة مات الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه (١٣)، صاحب حمص (١٤)، وفي سنة ٦٤٥ هـ (١٥) فتحت قلعة عسقلان وقلعة طبرية، والملك الصالح أيوب بالشام، بعد محاصرتهما (١٦) مدة، واستولى الصالح
стр. 597
أيوب على الكرك في سنة ٦٤٧ هـ (١)، قبل وفاته بيسير (٢)، وهذا الفتح الواقع في سنة ٦٤٢ هـ (٣) لبيت المقدس، هو آخر فتوحاته فإنه استمر بأيدي المسلمين إلى عصرنا، وأرجو (٤) من كرم الله تعالى استمراره كذلك إلى يوم القيامة بحول الله وقوته.
وتوفي الملك الصالح نجم الدين أيوب (٥) ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة مضت من شعبان سنة ٦٤٧ هـ (٦)، وكانت مدة ملكه تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما، وعمره نحو أربع وأربعين سنة، وكان مهيبا، عالي الهمة عفيفا، طاهر اللسان، شديد الوقار. ولو لم يكن من علو همته إلا مبادرته لاستنقاذ البيت المقدس من أيدي الكفار في أسرع وقت لكفى (٧)، ﵀، وعفا عنه، وعوضه الجنة.
وتسلطن بعده ولده (٨) الملك المعظم توران شاه (٩)، وكان الإفرنج قد استولوا على دمياط (١٠) قبل وفاة الملك الصالح في سنة ٦٤٧ هـ (١١)، ووقع بين المسلمين والإفرنج بأرض دمياط وقعات، وأرسلوا يطلبون القدس وبعض الساحل، وأن يسلموا دمياط إلى المسلمين، ولم تقع (١٢) الإجابة لذلك (١٣)، وفتح الله دمياط بعد
стр. 598
ذلك في المحرم سنة ٦٤٨ هـ (١)(٢)، وقتل المعظم توران شاه عقب ذلك في آخر المحرم (٣) ٦٤٨ هـ (٤).
وأما الصالح إسماعيل فإنه بعد انتزاع دمشق منه انتمى إلى الملك الناصر يوسف (٥) صاحب (٦) حلب، واستمر عنده إلى أن ملك دمشق بعد الصالح أيوب، وتوجه معه حين مسيرة إلى القاهرة في سنة ٦٤٨ هـ لما قد أخذ الديار المصرية من صاحبها الملك الأشرف موسى بن يوسف (٧)، صاحب اليمن المعروف بإقسيس بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب (٨)، فانكسر الناصر يوسف (٩) وانهزم وقبض على الصالح إسماعيل، واعتقل بقلعة الجبل، بالديار المصرية (١٠)، ثم قتل في ليلة الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ بالقاهرة (١١)، وعمره قريب من خمسين سنة (١٢).
стр. 599
وأما (١) الناصر داود فإنه لما ضاقت عليه الأمور، سار إلى الناصر يوسف صاحب حلب مستجيرا به، وكان قد بقي (٢) عنده من الجوهر مقدار كثير يساوي مائة ألف دينار إذا بيع بالهوان (٣)، فلما وصل إلى حلب سير الجوهر المذكور إلى بغداد (٤)(٥)، وأودعه عند الخليفة المستعصم (٦)(٧)، ووصل إليه خط الخليفة بتسليمه (٨)، ثم في مستهل شعبان سنة ٦٤٨ هـ (٩)، قبض عليه الملك (١٠) الناصر يوسف وبعث به إلى حمص واعتقله بها (١١)، لأمور بلغته عنه (١٢)، ثم أفرج عنه بشفاعة الخليفة المستعصم (١٣)، وأمره أن لا يسكن في بلاده، فرحل إلى جهة بغداد، فلم يمكنوه من الوصول إليها، وطلب وديعته الجوهر من الخليفة (١٤) فمنعوه إياها (١٥). وكتب الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أنهم لا يأوونه فبقي مشتتا (١٦)، ثم نزل بالأنبار (١٧)، وبينها وبين بغداد
стр. 600
ثلاثة (١) أيام، وهو يتضرع للخليفة المستعصم فلا يجب ضراعته، ويطلب وديعته فلا يرد لهفته، ولا يجبه (٢) إلا بالمماطلة والمطاولة (٣)، ثم أرسل الخليفة يشفع فيه عند الملك الناصر فأذن له في العودة إلى دمشق ورتب له شيئا يصل إليه (٤)، ثم في سنة ٦٥٣ هـ (٥) طلب من الناصر (٦) يوسف دستورا إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة (٧)، وهي الجوهر، وأن يمضي إلى الحج، فأذن له فسار إلى كربلاء (٨)، ثم مضى منها إلى الحج ولما رأى قبر النبي ﷺ ، تعلق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس وقال: أشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ ، داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم في أن يرد عليّ وديعتي، فأعظم الناس ذلك وجرت عبراتهم وارتفع بكاءهم (٩)، وكتب بصورة ما جرى مشروحا (١٠)، ودفع إلى أمير الحاج، وذلك في يوم السبت الثامن والعشرين من (١١) ذي الحجة.
فتوجه (١٢) الناصر داود مع الحاج العراقي وأقام ببغداد (١٣)، فلما أقام بها بعد وصوله من الحجاز (١٤) واستشفاعه بالنبي (١٥) في رد وديعته في سنة