← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والخوارزمية، وقتلوا منهم خلقا عظيما (١)، واستولى الملك الصالح أيوب صاحب مصر على غزة والسواحل والقدس الشريف ولله الحمد (٢)، ووصلت الأسرى والرؤوس إلى مصر ودقت بها (٣) البشائر عدة أيام، ثم أرسل الملك الصالح أيوب صاحب مصر العساكر وساروا (٤) إلى دمشق وحاصروها (٥)، وخرجت السنة وهم في حصارها (٦). وتوفي الملك المغيث فتح الدين عمر في حبس عمه إسماعيل (٧)، وبلغ والده الصالح أيوب ذلك فاشتد حزنه عليه (٨) وحنقه على إسماعيل (٩). فلما دخلت سنة ٦٤٣ هـ (١٠)، تسلم عسكر الصالح أيوب دمشق من الصالح إسماعيل، ثم استولى الصالح أيوب على بعلبك (١١). وفي سنة ٦٤٤ هـ (١٢) وفي هذه السنة مات الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه (١٣)، صاحب حمص (١٤)، وفي سنة ٦٤٥ هـ (١٥) فتحت قلعة عسقلان وقلعة طبرية، والملك الصالح أيوب بالشام، بعد محاصرتهما (١٦) مدة، واستولى الصالح

стр. 597

أيوب على الكرك في سنة ٦٤٧ هـ (١)، قبل وفاته بيسير (٢)، وهذا الفتح الواقع في سنة ٦٤٢ هـ (٣) لبيت المقدس، هو آخر فتوحاته فإنه استمر بأيدي المسلمين إلى عصرنا، وأرجو (٤) من كرم الله تعالى استمراره كذلك إلى يوم القيامة بحول الله وقوته. وتوفي الملك الصالح نجم الدين أيوب (٥) ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة مضت من شعبان سنة ٦٤٧ هـ (٦)، وكانت مدة ملكه تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما، وعمره نحو أربع وأربعين سنة، وكان مهيبا، عالي الهمة عفيفا، طاهر اللسان، شديد الوقار. ولو لم يكن من علو همته إلا مبادرته لاستنقاذ البيت المقدس من أيدي الكفار في أسرع وقت لكفى (٧)، ﵀، وعفا عنه، وعوضه الجنة. وتسلطن بعده ولده (٨) الملك المعظم توران شاه (٩)، وكان الإفرنج قد استولوا على دمياط (١٠) قبل وفاة الملك الصالح في سنة ٦٤٧ هـ (١١)، ووقع بين المسلمين والإفرنج بأرض دمياط وقعات، وأرسلوا يطلبون القدس وبعض الساحل، وأن يسلموا دمياط إلى المسلمين، ولم تقع (١٢) الإجابة لذلك (١٣)، وفتح الله دمياط بعد

стр. 598

ذلك في المحرم سنة ٦٤٨ هـ (١) (٢)، وقتل المعظم توران شاه عقب ذلك في آخر المحرم (٣) ٦٤٨ هـ (٤). وأما الصالح إسماعيل فإنه بعد انتزاع دمشق منه انتمى إلى الملك الناصر يوسف (٥) صاحب (٦) حلب، واستمر عنده إلى أن ملك دمشق بعد الصالح أيوب، وتوجه معه حين مسيرة إلى القاهرة في سنة ٦٤٨ هـ لما قد أخذ الديار المصرية من صاحبها الملك الأشرف موسى بن يوسف (٧)، صاحب اليمن المعروف بإقسيس بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب (٨)، فانكسر الناصر يوسف (٩) وانهزم وقبض على الصالح إسماعيل، واعتقل بقلعة الجبل، بالديار المصرية (١٠)، ثم قتل في ليلة الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ٦٤٨ هـ بالقاهرة (١١)، وعمره قريب من خمسين سنة (١٢).

стр. 599

وأما (١) الناصر داود فإنه لما ضاقت عليه الأمور، سار إلى الناصر يوسف صاحب حلب مستجيرا به، وكان قد بقي (٢) عنده من الجوهر مقدار كثير يساوي مائة ألف دينار إذا بيع بالهوان (٣)، فلما وصل إلى حلب سير الجوهر المذكور إلى بغداد (٤) (٥)، وأودعه عند الخليفة المستعصم (٦) (٧)، ووصل إليه خط الخليفة بتسليمه (٨)، ثم في مستهل شعبان سنة ٦٤٨ هـ (٩)، قبض عليه الملك (١٠) الناصر يوسف وبعث به إلى حمص واعتقله بها (١١)، لأمور بلغته عنه (١٢)، ثم أفرج عنه بشفاعة الخليفة المستعصم (١٣)، وأمره أن لا يسكن في بلاده، فرحل إلى جهة بغداد، فلم يمكنوه من الوصول إليها، وطلب وديعته الجوهر من الخليفة (١٤) فمنعوه إياها (١٥). وكتب الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أنهم لا يأوونه فبقي مشتتا (١٦)، ثم نزل بالأنبار (١٧)، وبينها وبين بغداد

стр. 600

ثلاثة (١) أيام، وهو يتضرع للخليفة المستعصم فلا يجب ضراعته، ويطلب وديعته فلا يرد لهفته، ولا يجبه (٢) إلا بالمماطلة والمطاولة (٣)، ثم أرسل الخليفة يشفع فيه عند الملك الناصر فأذن له في العودة إلى دمشق ورتب له شيئا يصل إليه (٤)، ثم في سنة ٦٥٣ هـ (٥) طلب من الناصر (٦) يوسف دستورا إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة (٧)، وهي الجوهر، وأن يمضي إلى الحج، فأذن له فسار إلى كربلاء (٨)، ثم مضى منها إلى الحج ولما رأى قبر النبي ﷺ ، تعلق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس وقال: أشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ ، داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم في أن يرد عليّ وديعتي، فأعظم الناس ذلك وجرت عبراتهم وارتفع بكاءهم (٩)، وكتب بصورة ما جرى مشروحا (١٠)، ودفع إلى أمير الحاج، وذلك في يوم السبت الثامن والعشرين من (١١) ذي الحجة. فتوجه (١٢) الناصر داود مع الحاج العراقي وأقام ببغداد (١٣)، فلما أقام بها بعد وصوله من الحجاز (١٤) واستشفاعه بالنبي (١٥) في رد وديعته في سنة

стр. 601

٦٥٤ هـ (١)، أرسل الخليفة المستعصم (٢) من حاسب الناصر داود على ما وصله في تردده إلى بغداد من المضيف مثل: اللحم والخبز والحطب والعليق والتبن وغير ذلك، وثمن عليه بأغلى الأثمان (٣)، وأرسل إليه شيئا نزرا، وألزمه أن يكتب خطه بقبض وديعته وأنه ما بقي يستحق عند الخليفة شيئا، فكتب خطه بذلك (٤) كرها وسار عن بغداد وأقام مع العرب، ثم أرسل إليه الناصر يوسف صاحب دمشق فطيب قلبه وحلف له، فقدم إلى دمشق وأقام بالصالحية (٥)، وكانت وفاة داود في ليلة السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ٦٥٦ هـ (٦)، بالطاعون بظاهر دمشق في (٧) قرية يقال لها البويضا (٨)، ومولده في سنة ٦٠٣ هـ (٩)، وكان عمره نحو ثلاث وخمسين سنة، ومات بعد محن كثيرة حصلت له، ودفن بالصالحية في تربة والده المعظم عيسى (١٠). وفي هذه السنة وهي سنة ٦٥٦ هـ (١١)، استولى التتر (١٢)، على بغداد (١٣)،

стр. 602

وخربوها وقتلوا الخليفة المستعصم بالله أبا أحمد عبد الله بن المستنصر بالله، وهو آخر خلفاء بغداد (١)، وبقتله انقرضت دولة بني العباس. ثم (٢) في سنة ٦٥٩ هـ (٣)، قتل الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب دمشق وحلب في بلاد تبريز (٤) من ملك العجم، فإنه لما ورد عسكر التتر إلى جهة دمشق، خرج لقصده فأسر (٥) وجهز إلى هولاكو (٦) ملك التتر، فقتله هو ومن معه (٧)، وعقد عزاه في جامع دمشق في سابع جمادى الأولى سنة ٦٥٩ هـ (٨). وقد انتهى ذكر ما وقع في بيت المقدس من الفتوحات على أيدي ملوك الإسلام، وما ذكرته (٩) من تواريخ لا تتعلق بالفتح فلا بد من شيء يتعلق بالحال ولا يخلو من فائدة لمن تأمله ولنرجع إلى ذكر ما يتعلق بالمسجد الأقصى، فأقول والله الموفق.

стр. 603

ذكر صفة المسجد الأقصى (١) الشريف (٢) وما هو عليه في عصرنا اعلم، وفقك الله، أن المسجد الأقصى الشريف شرفه الله وعظمه، ليس له نظير تحت أديم السماء ولا بني في المساجد صفته ولا سعته (٣)، وكان في الزمان الأول على الصفات العجيبة (٤) التي تقدم شرحها عند ذكر بناء سليمان (٥) ﵇، وكذلك عند ذكر بناء أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان (٦). أما (٧) صفته في هذا العصر فهي أيضا من الصفات العجيبة لحسن بنائه وإتقانه، فالجامع الذي هو في صدره عند القبلة (٨) التي تقام فيه الجمعة وهو المتعارف عند الناس أنه المسجد الأقصى، يشتمل على بناء عظيم به (٩) قبة مرتفعة مزينة بالفصوص الملونة، وتحت القبة (١٠)، المنبر (١١)، والمحراب (١٢)، وهذا الجامع ممتد من جهة القبلة إلى جهة الشمال وهو سبعة أكوار (١٣)، متجاورة مرتفعة

стр. 604

على العمد (١) الرخام (٢)، والسواري (٣) فعدة ما فيه من العمد خمسة وأربعون عمودا، منها ثلاثة وثلاثون (٤) من الرخام، ومنها اثني (٥) عشر مبنية بالحجارة وهي التي تحت الجملون (٦)، وعمود ثالث عشر مبني عند الباب الشرقي تجاه محراب زكريا، وعدة ما فيه من السواري المبنية بالحجارة أربعون (٧) سارية، وسقفه في غاية العلو والارتفاع فالسقف مما يلي القبلة (٨)، من جهتي المشرق والمغرب سقف (٩) بالخشب، ومما يلي القبلة من جهة الشمال ثلاثة (١٠) أكوار مسقوفة بالخشب، الأوسط منها هو والجملون وهو أعلاها، واثنان وهما إلى جانب الجملون من الشرق والغرب جونه، وبقية الأكوار وهي أربعة، اثنان من جهة الشرق واثنان من جهة الغرب معقود ذلك بالحجر والشيد (١١)، وعلى القبة والجملون والسقف الخشب رصاص من ظاهرها، وصدر الجامع القبلي وبعض الشرقي مبنيان بالرخام الملون. والمحراب الكبير الذي هو في صدره إلى جانب المنبر من جهة الشرق يقال: أنه محراب داود ﵇، ويقال أن محراب داود إنما هو الذي بظاهر الجامع المبني في السور القبلي من جهة الشرق وبالقرب من مهد عيسى، وهو موضع مشهور (١٢). وقد تقدم أن محراب داود في الحصن (١٣) (١٤)

стр. 605

الذي بظاهر البلد المعروف بالقلعة، فإن هناك كان مسكنه ومتعبده فيه، يحتمل أن يكون محرابه الذي كان يصلي فيه في الحصن في مكان متعبده منه، ومكان المحراب الكبير الذي في داخل المسجد كان موضع مصلاه إذا دخل (١) المسجد. ولما دخل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى (٢) عنه (٣)، اقتفى أثره، وصلى في مكان متعبده، فسمي محراب عمر، كونه أول من صلى فيه يوم الفتح، وهو في الأصل محراب داود، ويعضد هذا ما تقدم من حديث عمر لما قال لكعب (٤): أين نجعل مصلانا في هذا المسجد؟ فقال: في مؤخرته (٥) مما يلي الصخرة، فقال: بل نجعل قبلته صدره، ثم خط المحراب في ذلك المتعبد. وأما المحراب الصغير الذي إلى جانب المنبر من جهة الغرب، بداخل المقصورة (٦) الجديدة (٧)، بجوار الباب المتوصل منه إلى الزاوية الخنثنية (٨)، فيقال: أنه محراب معاوية (٩) ﵁. وذرع هذا الجامع (١٠) في الطول قبلة بشام من المحراب الكبير إلى عتبة الباب الكبير المقابل له مائة ذراع محررا بذراع العمل (١١)، غير جوف المحراب وغير

стр. 606

الأروقة، التي بظاهر الأبواب الشمالية، وعرضه من الباب الشرقي الذي يخرج منه إلى جهة مهد عيسى إلى الباب الغربي سبعة وسبعون ذراعا بذراع العمل، وبداخل هذا الجامع في صدره (١) من جهة الشرق مجمع معقود بالحجر (٢) والشيد به محراب، ويقال لهذا المجمع: جامع عمر، وتسميته بجامع عمر لأن هذا البناء من بقية بناء عمر، ﵁، الذي كان جعله عند الفتح. ويقال: أن المحراب الذي بداخل هذا المجمع: هو محراب عمر، والأكثرون على أن محراب عمر إنما هو المحراب الكبير المجاور للمنبر المقابل للباب الكبير، الذي من جهة الشمال إيوان كبير (٣) معقود يسمى مقام عزيز (٤)، به باب يتوصل منه إلى جامع عمر، وبجوار هذا الإيوان من جهة الشمال إيوان لطيف به (٥) محراب يسمى محراب زكريا (٦)، ﵇، وهو بجوار الباب الشرقي وبداخل الجامع المذكور أيضا من جهة الغرب مجمع كبير معقود بالأحجار الكبار وهو كوران ممتدان (٧) شرقا بغرب ويسمى هذا المجمع جامع النساء (٨)، وهو عشر قناطر (٩) على تسع سواري في غاية الإحكام، وقد أخبرت أنه من بناء الفاطميين (١٠). وبصدر هذا (١١) الجامع من وراء القبلة الزاوية الخنثنية ويأتي ذكرها، وهي بداخل المقصورة الحديد الملاصقة للمنبر، وبجوار الزاوية الخنثنية من جهة الغرب،

стр. 607

دار الخطابة، والمنبر الموضوع بصدر الجامع من الخشب، وهو مرصع بالعاج (١) والأبنوس (٢)، وهو الذي عمله السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد رحمة الله عليه، بحلب كما تقدم، وكان عمله في شهور سنة ٥٦٤ هـ (٣)، وقال: هذا (٤) برسم القدس. فلما فتح الله البلاد على يد الملك صلاح الدين أحضره من حلب وهو موجود إلى عصرنا هذا، وعليه مكتوب تاريخ عمله، وهذا بحسن (٥) نية نور الدين الشهيد فإنه بلغه الله مراده (٦) بعد وفاته، عفا الله عنه، ومقابله دكة المؤذنين (٧) على عمد من رخام في غاية الحسن. ولهذا الجامع عشرة أبواب ويدخل منها إليه من صحن المسجد، سبعة (٨) أبواب منها في جهة الشمال، وكل باب منها اينتهي إلى كور من الأكوار السبعة المتقدم ذكرها. وبظاهر الأبواب (٩) السبعة رواق (١٠) على سبعة قناطر، كل باب قبالة قنطرة وبها أربعة عشر عمودا من الرخام، مبنية في السواري، وباب من جهة الشرق، وهو الذي ينتهي إلى جهة مهد عيسى، وباب من جهة الغرب (١١)، والباب العاشر هو الذي يدخل منه إلى المكان المعروف بجامع النساء. بئر الورقة: وبداخل هذا الجامع بئر عن يسرة الداخل من الباب الكبير يسمى بئر الورقة، وقد ورد (١٢) في أمر الورقة حكايات وأخبار وأحاديث كثيرة مختلفة فمن ذلك ما

стр. 608

رواه أبو بكر بن أبي مريم (١) عن عطية بن قيس (٢) (٣) أن رسول الله ﷺ قال: «ليخدلن الجنة رجل من أمتي يمشي على رجليه وهو حي» (٤)، فقدمت رفقة (٥) ببيت المقدس يصلون فيه في خلافة عمر، ﵁، فانطلق رجل من بني تميم يقال له شريك (٦) بن حباشة (٧) (٨)، يستقي لأصحابه، فوقع دلوه في الجب، فنزل ليأخذه، فوجد بابا يسقى في الجب يفتح (٩) إلى جنان، فدخل من الباب إلى الجنان، فمشى فيها وأخذ ورقة من شجرها فجعلها خلف أذنه، ثم خرج إلى الجب فارتقى. فأتى صاحب بيت المقدس فأخبره بما رأى من الجنان ودخوله فيها، فأرسل معه إلى الجب (١٠)، ونزل الجب ومعه أناس فلم يجدوا بابا ولم يصلوا إلى الجنان. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر بصدق حديثه في دخول رجل من هذه الأمة الجنة يمشي على قدميه وهو حي، وكتب عمر: أن أنظروا الورقة فإن هي يبست وتغيرت فليست (١١) هي من الجنة فإن الجنة لا يتغير شيء منها. وذكر في حديثه أن الورقة لم تتغير. وورد في ذلك أحاديث بغير هذا اللفظ (١٢)، ويقال أن الجب هو هذا الذي

стр. 609

بالمسجد الأقصى عن يسرة الداخل للجامع، كما قدمته (١). وبجوار هذا الجامع (٢) القبلي من جهة الشرق قبو كبير معقود يسمى النجادة (٣) يوضع فيه آلة المسجد (٤) ولعله من بناء الفاطميين، والله أعلم، وبه فم ثان لبئر الورقة. محراب داود (٥): وبظاهر الجامع في صحن المسجد من جهة الشرق (٦) في السور القبلي محراب كبير وهو المشهور عند الناس أنه محراب داود ﵇، وهو بالقرب من مهد عيسى، وتقدم ذكره، ونقل أن الدعاء عنده مستجاب، وقد جربت ذلك ودعوت الله هناك وسألته في أشياء فاستجاب لي بفضله وكرمه. سوق المعرفة: بآخر (٧) المسجد من جهة الشرق مما يلي محراب داود مكان معقود به محراب، وقد عرف هذا المكان بسوق المعرفة، ولا أعرف سبب تسميته بذلك، والظاهر أنه من اختراعات الخدام لترغيب من يرد إليه من الزوار. ونقل بعض المؤرخين أن باب التوبة (٨) كان في هذا المكان، وأن بني إسرائيل كانوا إذا أذنب أحدهم (٩) أصبح مكتوبا على باب داره فيأتي هذا المكان ويتضرع ويتوب إلى الله تعالى، ولا يبرح إلى أن يغفر له، وأمارة الغفران أن يمح ذلك المكتوب على (١٠) باب داره، وإن لم يمح لم يقدر أن يقترب من أحد ولو كان

стр. 610

أقرب الناس إليه، وكان هذا المكان جعل قديما مصلى للحنابلة، أفرده لهم السلطان الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب، صاحب دمشق، وأذن لهم في الصلاة فيه. مهد عيسى (١): أسفل (٢) هذا المكان المعروف بسوق المعرفة، مسجد تحت الأرض يعرف بمهد عيسى ﵇، ويقال: أنه محراب مريم ﵉، وهو موضع متعبدها، وهو موضع مأنوس، ويقال: أن الدعاء فيه مستجاب، فينبغي لمن يصلي (٣) هناك أن يقرأ سورة مريم ويسجد كما فعل عمر، ﵁، في محراب داود، فإنه قرأ في صلاته سورة «ص» وسجد، ويدعو في هذا المكان بدعاء عيسى ﵇، حين (٤) رفعه الله إليه من طور زيتا، وقد سبق ذكره عند ذكر السيد عيسى ﵇. جامع المغاربة (٥): - وبظاهر الجامع من جهة الغرب في صحن المسجد مكان معقود يعرف بجامع المغاربة، وهو مأنوس مهيب وفيه صلاة المالكية (٦)، والذي يظهر أنه من بناء سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، لما روي عن شداد (٧): أن عمر لما دخل المسجد الأقصى، مضى إلى مقدمته مما يلي الغرب فحثا (٨) في ثوبه من الزبل، وحثونا معه في ثيابنا، ومضى ومضينا معه حتى ألقيناه في الوادي الذي يقال له: وادي جهنم (٩)، ثم عاد فعدنا بمثلها حتى صلينا فيه، في موضع

стр. 611

مسجد (١) يصلي فيه جماعة فصلى عمر بنا فيه، وعن شداد أيضا أن عمر ﵁ لما دخل المسجد يوم الفتح تقدم إلى مقدمته (٢) مما يلي الغرب فقال: نتخذ هاهنا مسجدا، فهذا الجامع هو في مقدم (٣) المسجد مما يلي الغرب، فيحتمل أن يكون بناه عمر، ويحتمل أن يكون من أثر البناء الأموي الذي تقدم ذكره (٤)، أنه كان في صدر المسجد من جهة الشرق إلى جهة الغرب والله أعلم. الصخرة الشريفة (٥): وأما الصخرة الشريفة فهي في وسط المسجد على الصحن الكبير المرتفع في أرض (٦) المسجد، وعليها بناء في غاية الحسن والاتقان، وهي قبة مرتفعة علوها واحد وخمسون ذراعا بذراع العمل الذي تذرع به الأبنية، وهذا (٧) الارتفاع من فوق الصحن، بما فيه علو الصحن من أرض المسجد من جهة القبلة (٨) عند قبة الصخرة (٩) فهو سبعة أذرع، فيكون ارتفاع القبة من أرض المسجد ثمانية وخمسون ذراعا، وهي (١٠) قبة مرتفعة على عمد من رخام وسواري مبنية في غاية الإحكام والاتقان، وعدة العمد الرخام اثنا (١١) عشر عمودا، والسواري أربع والصخرة الشريفة تحت هذه القبة يحوطها (١٢) درابزين من خشب، ويحيط بالعمد والسواري الحاملة للقبة درابزين من حديد، وخارج القبة سقف مستدير من الخشب المدهون

стр. 612

المذهب على عمد من رخام وسواري، عدة العمد ستة عشر عمودا، والسواري ثمان (١)، وأرض القبة وحيطانها مبنية باطنها وظاهرها (٢)، ومزينة بالفصوص الملونة في العلو من الباطن والظاهر، والبناء الذي حول القبة على حكم التثمين، وذرع (٣) دائرة في سعته من الباطن مائتا ذراع وأربعة وعشرون ذراعا، ومن الظاهر مائتا ذراع وأربعون بذراع العمل، وإن كان فيه نقص أو زيادة فهو يسير، والله أعلم بالصواب (٤). القدم الشريف (٥): وموضع (٦) القدم الشريف في حجر منفصل عن الصخرة، محاذ لها آخر جهة الغرب من جهة القبلة، وهو على عمد من رخام. المغارة (٧): وتحت الصخرة مغارة من جهة القبلة يتوصل إليها من سلم حجر ينزل فيه إلى المغارة، وعند وسط السلم صفة (٨) صغرى متصلة به من جهة الشرق، يقف عليها الزائر لزيارة لسان الصخرة (٩)، وهناك عمود من الرخام (١٠)، ملقى طرفه الأسفل على طرف الصفة من جهة القبلة، مسند إلى جدار المغارة القبلي، فطرفه (١١) الآخر الأعلى مسند إلى طرف الصخرة كأنه مانع لها من الميل إلى جهة القبلة أو لغير (١٢) ذلك، وهذه المغارة من الأماكن المأنوسة، وعليها الأبهة والوقار. وحكى صاحب مثير الغرام (١٣) قال: رأيت في كتاب القبس في شرح الموطأ للإمام مالك بن

стр. 613

أنس (١) تأليف الإمام (٢) أبي بكر بن العربي (٣)، أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ (٤)، فذكر أقوالا أربعة، الرابع منها قيل: أن مياه الأرض (٥) كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس، وهي من عجائب الله في أرضه، فإنها صخرة شنعاء (٦) في وسط المسجد الأقصى قد انقطعت في كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، في أعلاها من جهة الجنوب قدم النبي ﷺ ، حين ركب البراق، وقد مالت من تلك الجهة لهيبته، وفي الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة (٧) التي أمسكتها إذ مالت به، ومن تحتها الغار الذي انفصلت عنه من كل جهة، عليه باب يفتح للناس للصلوات (٨) والاعتكاف، فهبتها مدة أن أدخل تحتها لأني كنت أخاف أن تسقط عليّ بالذنوب، ثم رأيت الظلمة والمجاهرين بالمعاصي يدخلونها ثم يخرجون منها سالمين، فهممت أن أدخلها، ثم قلت: ولعلهم أمهلوا وأعاجل، فتوقفت مدة، ثم عزم عليّ فدخلتها، فرأيت العجب العجاب يمشي في جوانبها من كل جهة فتراها منفصلة عن الأرض لا يتصل بها من الأرض شيء، وبعض الجهات أشد انفصالا من بعض. قال صاحب مثير الغرام (٩) هذا كلامه، وهو عجيب جدا، قلت وهو المشهور عند الناس أن الصخرة معلقة بين السماء والأرض. وحكى أنها استمرت على ذلك حتى دخلت

стр. 614

تحتها حامل فلما توسطت تحتها خافت فأسقطت حملها، فبنى حولها هذا البناء المستدير عليها حتى استتر (١) أمرها عن أعين الناس، وقد تقدم في ترجمة ابن العربي أنه دخل المشرق في سنة ٤٨٥ هـ (٢)، والظاهر (٣) أن قدومه بيت المقدس كان في ذلك العصر فعلى هذا يكون البناء المستدير حول قبة الصخرة بعد ذلك التاريخ، والله أعلم، وللقبة (٤) التي على الصخرة والبناء المستدير حولها سقفان (٥) أحدهما من خشب وهو المدهون المذهب، وفوقه سقف آخر يعلوه الرصاص، وبين (٦) السقفين خال متسع ولقبة الصخرة الشريفة أربعة أبواب من الجهات الأربع، فالباب القبلي هو المقابل للجامع (٧) الذي في صدر المسجد المتعارف عند الناس أنه الأقصى عن يمين (٨) الداخل منه إلى المحراب، ويقابله دكة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن، والباب الشرقي في تجاه درج البراق قبال قبة السلسلة ويسمى باب إسرافيل (٩)، والباب الشمالي هو المعروف بباب الجنة وعنده البلاطة السوداء المتقدم ذكرها، والباب الغربي هو الذي (١٠) يقابل باب القطانين. قبة السلسلة (١١): وهي قبة في غاية الظرف على عمد من رخام، وقد (١٢) تقدم ذكرها عند بناء عبد الملك بن مروان، وأنها على صفة قبة الصخرة، وهي شرقيها (١٣) بين الباب الشرقي ودرج البراق وعدة ما فيها من العمد والرخام سبعة عشر عمودا غير عمودي (١٤) المحراب، وروي أن النبي ﷺ رأى ليلة أسري

стр. 615

به (١) الحور العين، مكان قبة السلسلة والله أعلم، والصحن محيط بقبة الصخرة الشريفة على حكم التربيع لكن (٢) طوله من القبلة إلى الشمال أكثر من عرضه من الشرق (٣) إلى الغرب على ما سنذكره فيما بعد عند ذكر ذرعه طولا وعرضا إن شاء الله تعالى، وعلى ظاهر كل باب من أبواب قبة الصخرة الأربعة عضائد وعمد من رخام وسقف يعلوه والصحن مفروش (٤) بالبلاط الأبيض، ويتوصل إليه من عدة أماكن من المسجد كل مكان به سلم من حجر على رأس السلم قناطر مرتفعة على عمد، فمن ذلك سلّمان من جهة القبلة أحدهما مقابل باب الجامع المشهور عند الناس بالأقصى، وعلى رأس هذا السلم منبر من رخام، وإلى جانبه محراب، يصلى في هذا المكان العيد والاستسقاء، وهذا المنبر أخبرت أن الذي (٥) عمره قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة الآتي ذكره (٦)، وأنه كان قبل ذلك من الخشب يحمل على العجل، والسلم الثاني يليه من جهة قبة الطومار، وهو (٧) على طرف صحن الصخرة من جهة الزيتون، وهذا (٨) السلم مقابل لسور المسجد الأقصى القبلي، ومن ذلك سلم من جهة الشرق يعرف بدرج البراق ينتهي إلى أشجار (٩) الزيتون المغروسة شرقي المسجد عند باب الرحمة، ومن ذلك سلمان من جهة الشمال أحدهما مقابل باب حطة (١٠) (١١)، والثاني مقابل باب الدوادارية. ومن ذلك ثلاثة سلالم من جهة الغرب أحدها مقابل باب الناظر وهو منحرف عنه، والثاني مقابل لباب القطانين والمتوضأ (١٢)، والثالث مقابل باب السلسلة، وهذا السلم محدث في عصرنا على ما سنذكره فيما بعد في حوادث سنة ٨٧٧ هـ (١٣)، إن شاء الله تعالى، وبجوار هذا

стр. 616

السلم القبة المعروفة بالنحوية التي أنشأها الملك المعظم عيسى، تغمده الله برحمته. قبة المعراج (١): وعلى (٢) يمين الصخرة والصحن من جهة الغرب قبة المعراج، وهي مشهورة مقصودة للزيارة (٣)، وهذا البناء الموجود عمره الأمير الإسفهسلار عز الدين سعيد السعداء، أبو عمرو عثمان بن علي بن عبد الله الزنجيلي، متولي القدس الشريف في سنة ٥٩٧ هـ (٤)، وكان قبل ذلك ثم (٥) قبة قديمة ودثرت، فجددت هذه القبة في التاريخ المذكور. مقام النبي ﷺ (٦): ويقال أنه كان إلى جانب (٧) قبة المعراج في صحن الصخرة قبة لطيفة، فلما بلط صحن الصخرة أزيلت تلك القبة، وجعل مكانها محراب لطيف مخطوط في الأرض بالرخام الأحمر في دائرة (٨) على سمت بلاط الصخرة، وهو موجود إلى يومنا، ويقال: أن موضع ذلك المحراب موضع صلاة النبي ﷺ ، بالأنبياء والملائكة ليلة الإسراء، ثم تقدم أمام ذلك الموضع فوضعت له مرقاة من ذهب، ومرقاة من فضة وهو المعراج ولم يختلف إثنان أنه عرج به ﷺ عن يمين الصخرة الشريفة (٩). ويستحب لمن يصلي عند قبة المعراج ومقام النبي ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء وهو (١٠): «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون (١١) به علينا مصائب الدنيا والآخرة،

стр. 617

اللهم أمتعنا (١) بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا». مقام الخضر ﵇ (٢): وروى المشرف (٣) (٤) أن تحت المقام الغربي مما يلي قبة النبي ﷺ صخرة تسمى «بخ بخ» (٥) (٦)، وأنها موضع الخضر ﵊، وأنه سمع وهو يصلي هناك ويدعو، وهذا المكان قد ترك (٧) في عصرنا وصار حاصلا للمسجد هو أسفل صحن الصخرة اتجاه باب الحديد بلصق السلم المتوصل منه لصحن الصخرة وهو مكان مأنوس، على ظهر هذا المكان محراب (٨) من رخام مخطوط في صحن الصخرة يعرف بمغارة الأرواح يقصده الناس للزيارة (٩)، وفي مؤخر المسجد من جهة الشمال مما يلي الغرب صخور كثيرة ظاهرة يقال أنها من زمن داود ﵇، وهذا ظاهر لأنها ثابتة في الأرض ولم يطرأ (١٠) عليها ما يغيرها. قبة سليمان (١١): وفي تلك الجهة بالقرب من باب الدوادارية (١٢) قبة محكمة البناء بداخلها صخرة ثابتة وتعرف هذه القبة بقبة سليمان، والصخرة ثابتة بها (١٣) يقال أنها التي وقف عليها سليمان ﵇ بعد انتهاء البناء ودعا الله بالدعوات المتقدم ذكرها

стр. 618

فاستجاب الله له، وهذا البناء الذي عليها من عمل (١) بني أمية. قبة موسى (٢): وأما القبة التي تجاه باب السلسلة المعروفة بقبة موسى، ليس هو موسى النبي (٣) ﵇، ولم يصح خبر في تسميتها (٤) بذلك، والذي أمر بعمارتها هو الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل في سنة وفاته (٥)، وهي ٦٤٧ هـ وكانت تعرف قديما بقبة الشجرة. وفي المسجد من جهة الغرب الأروقة مبنية بالبناء المحكم وهي ممتدة من جهة القبلة إلى جهة الشمال أولها عند باب (٦) المسجد المعروف بباب المغاربة، وآخرها عند الباب المعروف بباب الناظر وفوقه إلى قرب (٧) باب الغوانمة، وهذه الأروقة كلها عمرت في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (٨) (٩)، فالرواق الممتد من باب المغاربة إلى باب السلسلة عمر في سنة ٧١٣ هـ، والرواق الممتد مما يلي مغارة باب السلسلة إلى قرب (١٠) من باب الناظر عمر في سنة ٧٣٧ هـ، والرواق الممتد من باب الناظر (١١) إلى قرب باب الغوانمة (١٢) عمر في سنة ٧٠٧ هـ. وفي صحن المسجد من جهة الغرب بين الأروقة وصحن الصخرة عدة محاريب على مصاطب مبنية للصلاة، وأشجار كثيرة تشتمل على ميس وتين وغيرها. بما الأروقة من جهة الشمال فهي ممتدة شرقا قريب (١٣) من باب الأسباط

стр. 619

إلى المدرسة الجاولية وهي المعروفة يومئذ بدار النيابة، فالرواق الممتد من باب الأسباط إلى المدرسة الجاولية وهي المعروفة يومئذ بدار النيابة، فالرواق الممتد من باب الأسباط إلى المدرسة القادرية لم أطلع على حقيقة أمره، وقرينة الحال تدل على أنه بني مع المنارة التي هناك، وكان بناؤها في سلطنة الأشرف شعبان بن حسين (١) في سنة ٧٦٩ هـ، والرواق الذي أسفل القادرية بني معها وكذلك مجمع المدرسة الكريمية، وأما الرواق الممتد من باب حطة إلى باب الدوادارية. فالظاهر أن الذي عمره الملك الأوحد (٢) (٣) مع تربته التي بباب حطة، فإنه شرط في وقفها ما يقتضي ذلك، والرواق الممتد من باب الدوادارية (٤) (٥) إلى آخره من جهة الغرب، وعلى ظاهره خمس مدارس، فبعضه وهو الذي أسفل المدرسة الأمينية والمدرسة الفارسية كان قديما، ثم جددت عمارته في دولة الملك المعظم عيسى في سنة ٦١٠ هـ (٦)، وباقية وهو الذي أسفل (٧) ثلاث مدارس وهي الملكية والأسعردية (٨) والصبيبية فكل مدرسة بني معها ما تحتها من الرواق، والمشاهدة تدل على ذلك، فإن كل مدرسة من هؤلاء (٩) بناؤها مناسب لما أسفلها من الرواق، وسنذكر تاريخ كل مدرسة فيعلم منه تاريخ بناء الرواق الذي أسفلها (١٠) بما الرواقان السفليان اللذان أسفل دار النيابة فأنهما عمرا مع منارة الغوانمة، وكتب عليهما (١١) تاريخ عمارتها

стр. 620

وعمارة المنارة، فتسعثت الكتابة لطول الزمان، وعلوهما (١) أيضا رواقان مستجدان بعدهما بدهر. وسنذكر تاريخ من عمر المنارة فيعلم منها الحال تقريبا، والله أعلم. وفي المسجد من جهة الشرق (٢) بين صحن الصخرة والسور الشرقي أشجار زيتون كثيرة قديمة من عهد الروم، وآثار أروقة متهدمة (٣) عند مهد عيسى، لعلها من آثار البناء الأموي، والله أعلم. قبة الطومار (٤): وهي قبة على طرف (٥) صحن الصخرة من جهة القبلة مما يلي الشرق. وقد أخبرت قديما أن سبب تسميتها بذلك أن بعض الملوك (٦) والأعيان حضر إلى القدس الشريف وصعد إلى جبل طور زيتا ورمى بالطومار، فسقط في موضع هذه القبة، فأمر ببنائها فسميت قبة الطومار لذلك. وللناس في ذلك حكايات مختلفة لا أصل لها، والله أعلم. حاكورة القاشاني: وهي مكان بجوار قبة الطومار إلى جانب صحن الصخرة من جهة القبلة، وبه (٧) خلوة كان يجلس فيها الشيخ عبد الملك الموصلي، وكان عمل في حائطها (٨) وزرة من القاشاني فعرفت بذلك. زاوية البسطامية (٩): أسفل (١٠) صحن الصخرة من جهة الشرق عند الزيتون، وهي مكان مأنوس كان يجتمع فيه الفقراء البسطامية لذكر الله تعالى، وقد سد بابها في عصرنا. زاوية الصمادية: بجوار زاوية البسطامية من جهة الشمال وهي بلصق درج البراق وقد سد بابها

стр. 621

أيضا كالبسطامية (١). وفي المسجد من الآبار المعدة لجمع ماء الصخرة أربعة وثلاثون بئرا منها: بئر الورقة بداخل الجامع وتقدم (٢) ذكره، ومنها في صحن الصخرة (٣) سبعة، والباقي في أرض المسجد حول صحن الصخرة من الجهات الأربعة، ومنها ما له فمان، ومنه (٤) ما له ثلاثة أفواه، فعدة الأفواه نيفا وأربعون فما، ومن الآبار ما هو خراب وبعضها قد سد. ذرع المسجد طولا وعرضا (٥): وأما ذرع المسجد فقد اجتهدت في تحريره وتوليت ذلك بنفسي، وقيس بحضوري بالحبال، وكان طوله قبلة بشام (٦) من السور القبلي عند المحراب المعروف بمحراب داود ﵇، إلى صدر الرواق الشمالي عند باب الأسباط ستمائة (٧) وستون ذراعا بذراع العمل التي تذرع (٨) به الأبنية في عصرنا غير عرض السورين، وإن كان فيه زيادة أو نقص نحو ذراعين أو ثلاثة فهو (٩) لاضطراب القياس لبعد المسافة، فإن احتطت في تحريره، وقيس بحضوري مرتين حتى تحققت صحة القياس. وعرضه شرقا بغرب من السور الشرقي المطل على مقابر (١٠) ذات الرحمة إلى صدر الرواق الغربي الذي أسفل (١١) مجمع المدرسة التنكزية، أربعمائة ذراع وستة أذرع بذراع العمل الذي (١٢) تذرع به الأبنية في عصرنا، غير عرض السورين. تنبيه: قد تقدم عند ابتداء ذكر صفة المسجد أن المتعارف عند الناس أن الأقصى (١٣) هو الجامع المبني (١٤) في صدر المسجد من جهة القبلة الذي به المنبر

стр. 622

والمحراب الكبير، وحقيقة الحال أن اسم الأقصى هو (١) لجميع المسجد وما دار عليه السور، وذكر قياسه هنا طولا وعرضا، فإن هذا البناء الموجود في صدر المسجد وغيره من قبة الصخرة والأروقة وغيرها محدث (٢)، والمراد بالمسجد الأقصى هو جميع ما دار عليه السور، كما تقدم. أما صحن الصخرة الشريفة (٣)، فطوله قبلة بشام من السور القبلي الذي هو بين الدرجتين القبليتين، تم (٤) بالقياس فيما بين باب الصخرة الشريفة وقبة السلسلة إلى السور الشمالي المشرف على جهة (٥) باب حطة مئتان وخمسة وثلاثون ذراعا، وعرضه شرقا بغرب من السور الشرقي (٦) المطل على الزيتون عند قبة الطومار إلى السور الغربي المقابل للمدرسة الشريفة السلطانية الأشرفية (٧) مائة وتسعة وثمانون ذراعا، كل ذلك بذراع العمل الذي تذرع به الأبنية. وتقدم ذكر ذرع الجامع الأقصى وارتفاع قبة الصخرة ودائرها قبل (٨) ذلك، وإن كان في القياس نقص أو زيادة فهو يسير، وهذا القياس الذي (٩) هنا مخالف لما تقدم عند ذكر صفة المسجد التي كان عليها في زمن عبد الملك بن مروان. وقد (١٠) تقدم هناك ذكر قياسه على أنواع مختلفة ليس في أحدها ما يوافق الآخر. والظاهر أن الأذرع المقاس (١١) بها مختلفة بسبب اصطلاح كل زمان، ويحتمل أن يكون بعضها بذراع الحديد وبعضها بذراع الخشب (١٢) أو باليد والله أعلم. وفي المسجد أماكن كثيرة من الحواصل والأبنية والمحاريب (١٣) التي يطول شرح وصفها، فإن هذا المسجد

стр. 623

الشريف أوصافه (١) عظيمة لا يتصورها إلا من شاهدها عيانا، وهذا الذي ذكرته هنا إنما هو على سبيل التقريب. ومن أعظم محاسنه أنه إذا جلس إنسان فيه في أي موضع منه يرى أن ذلك الموضع هو أحسن المواضع وأبهجها، ولهذا قيل إن الله تعالى نظر إليه بعين الجمال، ونظر إلى المسجد الحرام بعين الجلال. فهذا المسجد في غاية البهجة والسعة والمنظر الحسن. والمسجد الحرام في غاية الأبهة والوقار والهيبة قال الصاحب (٢) الأكمل تاج الدين أحمد بن الصاحب أمين الدين (٣) أبي محمد بن عبد الله الحنفي (٤) في كتابه المسمى بالعسجد في صفة الأقصى والمسجد (٥): وأما ما شاهدته فيه بالعيان أنني جلست وقتا في بقعة منه مكللة بأزاهر (٦) من الشقائق والأقحوان وإلى جانبي فقير عليه أطمار رثة يبدي تبسما، وتارة يعلن (٧) صوته بالتسبيح والتكبير ترنما، ويقول: سبحان من جمع فيك المحاسن، وكساك هذه الحلل الفاخرة، وجعلك تحتوي (٨) على كنوز الدنيا والآخرة، فقلت له: يا سيدي أما فضله وبركته فقد صدق العيان (٩) مما فيها الخبر لكن ما كنوز الدنيا؟ فقال ما من (١٠) زهرة تراها إلا ولها في النفع والضر خواص يعرفها أهل الفضل والاختصاص، فقلت: لعل (١١) يظهر للعيان شيئا مما عرفت، يزداد به اليقين تبصرة، وتكون هذه الجلسة معك عن صباح النجاح مسفرة (١٢). فأخذ بيدى ومشى خطوات إلى جهة من جهات الحرم ومدّ يده، وأخذ قبضة من ذلك الكلأ (١٣)، وقال: هل معك خاتم أو درهم؟ فقلت: نعم، فأخرجت

стр. 624

درهما مما معي، وعركه بذلك الكلأ فعاد كالدينار في صفرته، ثم أخذ حشيشة أخرى عركه بها، فعاد أبيض (١) أنقى مما كان أولا، وقال: هذه رموز احتوت (٢) على كنوز فسبحان القادر على ما يشاء. الأقصى القديم (٣): أسفل (٤) المسجد من جهة القبلة مكان كبير معقود به سواري حاملة للسقف، وهي تحت المكان الذي فيه المحراب والمنبر، ويسمى هذا المكان السفلي الأقصى القديم. ولعله من أثر البناء السليماني، فإن اتقان بنائه وإحكامه يدل على ذلك. إصطبل (٥) سليمان: وإلى جانب هذا المكان أيضا أسفل (٦) المسجد تحت الجهة التي بها أشجار الزيتون، مكان عظيم معقود يقال له إصطبل (٧) سليمان، وهو داخل تحت غالب المسجد، ولعله من البناء السليماني، وهو الظاهر، ويتوصل إلى كل مكان من المكانين المذكورين من تحت سور المسجد القبلي. وأما المنائر (٨) فقد تقدم في ذكر وصف المسجد الذي كان عليه في زمن عبد الملك بن مروان وبعده، أن فيه من المنائر أربعا، ثلاث (٩) منها صف واحد غربي المسجد وواحد على باب الأسباط، وفي عصرنا الأمر كذلك، لكن المنائر التي به الآن بناءها مستجد بعد ذلك البناء، والظاهر أنه على الأساس القديم. والمنارة الأولى على مقدم المسجد من جهة القبلة مما يلي الغرب (١٠) على المدرسة الفخرية، وهي ألطفها بناء لكونها على غير أساس، وإنما هي على ظهر (١١) مجمع المدرسة الفخرية، ولعلها بناء صاحب الفخرية، والله أعلم.

стр. 625

والثانية على باب السلسلة على جانب (١) الغرب من المسجد، وهي المختصة بالأماثل من المؤذنين، وعليها عمل المسجد واعتماد بقية المنائر، وقد أخبرت أنها من بناء تنكز (٢) نائب الشام حين بنائه (٣) المدرسة المشهورة به بخط باب السلسلة. والثالثة على مؤخر المسجد من جهة الشمال مما يلي الغرب، وتسمى مأذنة الغوانمة لكونها عند باب الغوانمة، وهي أعظمها بناء، وأتقنها عمارة، وهي بناء القاضي شرف الدين عبد الرحمن بن الصاحب الوزير فخر الدين الخليلي (٤)، ناظر أوقاف الحرمين الشريفين مكة (٥) والمدينة، شرفهما الله تعالى وحرمي (٦) القدس الشريف وسيدنا الخليل ﵇، وقد رأيت توقيعه بذلك من السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين (٧)، وفيه أن يعاد إلى الوظيفة المذكورة، فدل على أنه باشرها قبل ذلك بتاريخ التوقيع الذي وقفت عليه في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٦٩٧ هـ (٨) (٩)، ولعله عمر المنارة في ذلك العصر، وقد أخبرت أن عمارتها في دولة بني قلاوون (١٠) وهو ممكن، والرابعة على الجهة الشمالية من المسجد بين باب الأسباط وباب حطة، وهي أظرفها شكلا وأحسنها هيبة، وهي بناء السيفي قطلوبغا (١١) (١٢)، ناظر الحرمين الشريفين، بناها في سلطنة الملك الأشرف

стр. 626

شعبان بن حسين في سنة ٧٦٩ (١). وأما أبواب المسجد فأولها بابان متحدان في السور الشرقي الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)﴾ (٢). فإن الوادي الذي وراءه (٣) وادي جهنم وهما من داخل الحائط مما يلي المسجد، أحدهما يسمى باب الرحمة، والثاني باب التوبة، وهما الآن غير مشروعين، وعليهما من داخل المسجد مكان معقود بالبناء السليماني، ولم يبق بداخل (٤) المسجد من البناء السليماني سوى هذا المكان وهو مقصود للزيارة وعليه الأبهة والوقار، وقد أخبرت قديما من شخص من القدماء أن الذي أغلقهما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وأنهما لا يفتحان حتى ينزل السيد (٥) عيسى بن مريم ﵇، والذي يظهر سبب غلقهما خشية على المسجد (٦) والمدينة من العدو المخذول فإنهما ينتهيان إلى البرية وليس في فتحهما كبير فائدة. وكان علو (٧) هذا المكان الذي على باب الرحمة زاوية تسمى الناصرية، وكان بها الشيخ نصر المقدسي (٨) يقرأ العلم مدة طويلة، وتسميتها بالناصرية نسبة (٩) للشيخ نصر، ثم أقام بها الإمام أبو حامد الغزالي (١٠) فسميت الغزالية. ثم عمرها الملك المعظم بعد ذلك وقد خربت، ولم يبق الآن لها (١١) أثر سوى بعض بناء

стр. 627

مهدوم (١). وبالسور الشرقي أيضا بقرب البابين المذكورين من جهة القبلة باب لطيف مسدود بالبناء، وهو مقابل درج الصخرة المعروف بدرج البراق، ويقال: أن هذا الباب هو باب البراق الذي دخل منه النبي ﷺ ، ليلة الإسراء، ويسمى باب الجنائز لخروجها منه قديما، وباب الأسباط نسبة لأسباط بني إسرائيل، وهم: يوسف وروبيل وشمعون ويهودا، ﵈، وهو في مؤخرة (٢) المسجد في آخر جهة الشمال من جهة الشرق، وهو قريب من باب الرحمة والتوبة. ويقال: أن بين باب الرحمة (٣) وباب الأسباط مسكن الخضر وإلياس ﵉، فالياس من أنبياء بني إسرائيل، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الخضر نبي، وذهب آخرون إلى أنه ولي، وكثير منهم ذهب إلى أنه حي وهو يصلي الجمعة في خمسة مساجد في المسجد الحرام ومسجد المدينة (٤) ومسجد بيت المقدس ومسجد قباء ومسجد الطور في كل مسجد جمعة، ويأكل في كل جمعة أكلتين من كمأ (٥) وكرسف (٦) (٧) ويشرب مرة من ماء زمزم ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان. قال الشيخ أبو محمد (٨) نصر البندينجي: سألت الخضر أين تصلي الصبح، فقال: عند الركن اليماني، قال: وأقضي بعد ذلك شيئا كلفني الله (٩) تعالى قضاءه، ثم أصلي الظهر بالمدينة، ثم أقضي شيئا كلفني الله قضاءه، وأصلي العصر ببيت المقدس، حكى ذلك صاحب مثير الغرام وغيره، وسبب حياته على ما (١٠) كان حكاه البغوي (١١)، أنه شرب من عين ماء الحياة، ثم قال عند مجمع البحرين عين تسمى عين الحياة لا يصيب ذلك الماء

стр. 628

شيئا (١) إلا حي (٢)، وروى المشرف بسنده، وحكاه غيره أن الخضر والياس، ﵉، يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافي الموسم كل عام (٣)، وباب حطة في جهة الشمال من المسجد وهو الذي ورد فيه عن أبي هريرة، ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : قيل لموسى قل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (٤)، فبدلوا ودخلوا الباب يرجعون (٥) على أستاههم، وقالوا حبة في شعرة (٦). وعن ابن عباس، ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (٧) يريد بيت المقدس ﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً﴾، يريد لا حساب عليكم ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ﴾، يريد باب بيت المقدس ﴿سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٨)، يريد لا إله إلا الله لأنها كلمة تحط الذنوب، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾، قالوا بالعبرانية: حبة سمراء يريدون الحنطة، ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ أي عذابا بما كانوا يفسقون (٩)، ويقال: أن من صلى عند باب حطة ركعتين كان له من الثواب بعدد من قيل له من بني إسرائيل ادخلوا (١٠) الباب فلم يدخلوا، وإنما سمي باب حطة لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا (١١) منه ويقولوا حطة، وحطة فعلة من الحط، وهو وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال حط الحمل عن الدابة. وعن سعيد بن جبير (١٢) عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي مغفرة،

стр. 629

فقالوا (١): حنطة، وقال مقاتل: أنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فيها الجبارين (٢) (٣)، فأراد الله أن يغفرها لهم فقيل لهم: قولوا حطة. قال الزجاج (٤): معناه حط (٥) عنّا ذنوبنا، وقوله تعالى ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾،، قال ابن عباس: ركعا وهو شدة الانحناء، والمعنى (٦) منحنين متواضعين. قال مجاهد وقتادة: هو باب حطة من بيت المقدس طوطيء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا. وكان في زمن بني إسرائيل إذا أذنب أحد الذنب كتب على بابه أو جبينه (٧) خطيئة، أو على عتبة بابه: ألا إن فلانا قد أذنب في ليلة كذا وكذا، فيبعدونه ويدحرونه (٨) فيأتي باب التوبة، وهو الذي عند محراب مريم، ﵉، الذي كان يأتيها رزقها منه فيبكي ويتضرع ويقيم حينا، فإن تاب الله عليه فيمحى (٩) ذلك عن جبينه أو بابه فيقر به بنوا إسرائيل، وإن لم يتب عليه أبعدوه ودحروه (١٠)، وباب (١١) شرف الأنبياء (١٢)، في جهة الشمال من المسجد، ولعله الذي دخل منه عمر بن الخطاب ﵁، يوم الفتح والله أعلم، ويعرف الآن بباب حطة الدوادارية نسبة لمدرسة (١٣) بنيت إلى جانبه وسنذكرها، إن شاء الله تعالى، فهذه (١٤)

стр. 630

الأبواب الثلاثة وهي باب الأسباط وباب حطة وباب الدوادارية في الجهة الشمالية؛ وباب الغوانمة (١) في آخر الجهة الغربية من جهة الشمال بالقرب من المنارة المعروفة الآن (٢) بالغوانمة وسمي الباب بذلك لأنه ينتهي إلى حارة بني غانم، ويعرف قديما بباب الخليل؛ وباب الناظر (٣)، وهو باب قديم وجددت عمارته في زمن الملك المعظم عيسى، ﵀، في حدود الستمائة، ويعرف قديما بباب ميكائيل، ويقال: أنه الباب الذي ربط به (٤) جبريل ﵇، البراق ليلة الإسراء، وباب الحديد وهو باب لطيف محكم البناء استجده أرغون الكاملي نائب الشام. وباب القطانين سمي بذلك لأنه ينتهي إلى سوق القطانين، مكتوب عليه أن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون (٥) (٦) جدد عمارته في سنة ٧٣٧ هـ (٧)، فدل على أنه كان قديما، وهو باب عظيم بناه في غاية الاتقان، وبالقرب منه باب المتوضأ الذي يخرج منه إلى متوضئ المسجد كان قديما، وتهدم (٨) ثم جدد عمارته علاء الدين البصير لما عمر المتوضأ (٩). وباب السلسلة وباب السكينة (١٠) وهما متحدان، ومنهما يخرج إلى الشارع الأعظم، المعروف بخط سيدنا داود، ﵇، وهما عمدة أبواب المسجد، وغالب استطراق الناس إلى المسجد منهما، لأنهما ينتهيان إلى معظم أسواق البلد وشوارعها، ويعرف باب السلسلة قديما بباب داود، ﵇. وباب المغاربة وسمي بذلك لمجاورته لباب جامع المغاربة الذي تقام فيه الصلاة الأولى، ولأنه ينتهي إلى حارة المغاربة، وهذا الباب في أواخر الجهة الغربية من المسجد مما يلي القبلة، ويسمى باب النبي ﷺ ، في حديث (١١) المعراج الشريف

стр. 631

أن رسول الله ﷺ قال: ثم انطلق بي يعني جبريل، ﵇، حتى دخلنا (١) المدينة من بابها اليماني فأتى قبلة المسجد، فربط بها الدابة (٢)، يعني البراق، ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، قال مؤقتو بيت المقدس: لا نعلم (٣) بالمسجد بابا بهذه الصفة إلا باب المغاربة. فهذه الأبواب الثمانية من باب الغوانمة إلى باب (٤) المغاربة في الجهة الغربية من المسجد، وثلاثة أبواب في الجهة الشمالية، والباب المسدود في السور الشرقي. وأما الأبواب التي يتوصل منها إلى المسجد مما هو حوله (٥) من المدارس والمنازل فسنذكرها فيما بعد عند انتهاء ذكر ما حول المسجد من المدارس إن شاء (٦) الله تعالى. وأما المسجد فهو من جهتي القبلة والشرق (٧) ينتهي إلى البرية، فالجهة القبلية مشرفة على عين سلوان (٨) وغيرها، والجهة الشرقية مشرفة على جهة (٩) طور زيتا ووادي جهنم وغيرها، والمنازل محيطة بالمسجد من جهتي الغرب والشمال فقط. وقد تقدم أن المسجد كان في الزمان السالف (١٠) في وسط المدينة والمنازل محيطة به من الجهات الأربع، فلما خرب البناء القديم ولم يعتن أحد بإعادته، وتلاشت أحوال الدنيا صار الأمر على ما هو عليه (١١) في عصرنا. وأما الأئمة المرتبون فيه فأولهم إمام المالكية يصلي في الجامع (١٢) الذي غربي المسجد من جهة القبلة، وقد تقدم ذكره، ثم يصلي بعده إمام الشافعية بالجامع

стр. 632

الكبير القبلي (١) المتعارف عليه عند الناس أنه المسجد الأقصى، ثم يصلي بعده إمام الحنفية بقبة الصخرة الشريفة، ثم يصلي بعده إمام الحنابلة، وكان قديما إمام الحنابلة (٢) يصلي بعده بالرواق الغربي خلف منارة باب السلسلة من جهة الشمال. ومضى الزمان على ذلك وتركت الوظيفة واستقر فيها غير مستحقها لانعدام (٣) الحنابلة ببيت المقدس، فلما بنيت مدرسة مولانا السلطان الملك الأشرف، وتكاملت عمارتها، ترتب (٤) إمام الحنابلة للصلاة في المجمع الذي هو (٥) أسفل المدرسة بالمسجد وهو مكان الرواق المذكور، وذلك في شهور سنة ٨٩٠ هـ (٦) (٧)، مع استمرار تلك الوظيفة القديمة بيد غير مستحقيها. وهذا الترتيب في الصلاة (٨) يوافق ترتيب مسجد سيدنا الخليل ﵇ ما عدا صلاة الحنابلة فإن مسجد الخليل يصلي فيه أولا إمام المالكية بالرواق الغربي الذي خلف الحجرة الشريفة الخليلية، ثم إمام الشافعية في المحراب الكبير الذي إلى جانب المنبر، ثم إمام الحنفية عند مقام آدم. وهذا الترتيب خلاف الترتيب بالمسجد الحرام، فإن هناك يصلي أولا إمام (٩) الشافعية في مقام إبراهيم تجاه باب الكعبة، ثم إمام الحنفية مقابل حجر إسماعيل تجاه الميزاب (١٠)، ثم إمام المالكية بين الركنين (١١) اليماني والشمالي، ثم إمام الحنابلة مقابل الحجر الأسود (١٢).

стр. 633

وقبلة أهل بيت المقدس وما جاوره (١) من غزة والرملة وما إلى ذلك من السواحل جهة ميزاب الكعبة وحجر إسماعيل ﵉، فهم يستقبلون الجهة التي يصلي إليها إمام الحنفية بالمسجد الحرام. وللمسجد الأقصى أيضا (٢) عدة أئمة بداخل الجامع الأقصى وبمغارة الصخرة وعند أبواب المسجد، يصلون التراويح في رمضان فقط وبقية (٣) الأيام لا يصلون شيئا، ولكن العمدة على الأئمة الأربعة، المتقدم ذكرهم. وأما ما يوقد فيه من المصابيح في كل ليلة وقت العشاء ووقت الصبح، ففي داخل الجامع المتعارف عند الناس أنه الأقصى وعلى أبوابه سبعمائة قنديل ونحو خمسين وخمسمائة قنديل، وفي قبة الصخرة الشريفة وما حولها خمسمائة قنديل (٤) ونحو أربعين قنديلا، وذلك خارج عما يوقد في الأروقة وغيرها من الأماكن بالمسجد، وهذه العدة لا توجد في مسجد من مساجد الدنيا في مملكتنا، والله أعلم. وأما في ليلة النصف من شعبان (٥) فيوقد بالجامع الأقصى وبقبة الصخرة ما يزيد على عشرين ألف قنديل، وهذه الليلة من الليالي المشهورة التي من عجائب الدنيا، كذلك في ليلة المعراج، وهي المسفرة (٦) عن السابع والعشرين من شهر رجب، وفي ليلة المولد الشريف وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، يوقد (٧) فيه من التنانير وغيرها من المصابيح مما لا يوجد في مسجد من المساجد. وأما الوظائف المرتبة فيه المدرسين (٨) والمعيدين والخدام والمؤذنين والقراء وغيرهم فكثير جدا، ولم يكن فيهم من يباشر ما وجب عليه إلا بعض أناس (٩)، والله الموفق.

стр. 634

ذكر غالب ما في بيت المقدس من المدارس والمشاهد مما هو بجوار سور المسجد الأقصى وغيره الفارسية (١): بداخل المسجد الأقصى عند المكان الذي تجلس (٢) فيه النساء بالقرب من بئر الورقة، منسوبة لواقف (٣) المدرسة الفارسية، التي على شمالي المسجد، وسنذكرها ونذكر واقفها، وتاريخ وقفها إن شاء الله تعالى، والحاكورة التي بلصقها من ظاهر الجامع عند الباب الشرقي تعرف بحاكورة الفارسية. النحوية (٤): على طرف صحن الصخرة من جهة (٥) القبلة إلى الغرب، وتقدم ذكرها عند ترجمة بانيها الملك المعظم عيسى، وكان بنائها (٦) في سنة ٦٠٤ هـ (٧). الناصرية: وكان على برج باب الرحمة مدرسة تعرف بالناصرية نسبة للشيخ نصر المقدسي، ثم عرفت بالغزالية نسبة لأبي حامد الغزالي، ثم أنشأها الملك المعظم عيسى وجعلها زاوية (٨) لقراء القرآن والاشتغال بالنحو، ووقف عليها كتابا من جملتها إصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن إسحق بن السكيت (٩). وقد وقفت على كراسة (١٠) من خط ابن الخشاب (١١)، وعلى ظاهر الكراسة الوقف، وهو مؤرخ

стр. 635

في التاسع من ذي الحجة سنة ٦١٠ هـ (١)، وقد دثرت الزاوية المذكورة في عصرنا، ولم يبق لها نظام وصارت من المهملات. وأما ما حول المسجد من المدارس والزوايا، فأولها الزاوية الخنثنية: بجوار قبلة (٢) المسجد الأقصى خلف المنبر، أوقفها الملك صلاح الدين تغمده الله برحمته على رجل من أهل الصلاح، ترجمته (٣) الشيخ الأجل الزاهد العابد المجاهد صلاح الدين محمد بن أحمد بن محمد الشاشي (٤)، المجاور في بيت المقدس، ثم بعده على من يحذو حذوه، وقد وليها جماعة من الأعيان وبنائها قديم من زمن الروم، ولكن بناء الدار التي بداخل الزاوية مستجدة، تاريخ كتاب وقفها في ثامن عشر ربيع الأول سنة ٥٨٧ هـ (٥). وأما المدارس المجاورة للسور من جهة الغرب ونذكرها (٦) على الترتيب فأولها الفخرية (٧): وهي مجاورة لجامع المغاربة الذي (٨) تقام فيه صلاة المالكية من جهة الغرب، وهي بداخل سور المسجد وبابها من داخل المسجد عند الباب الذي يخرج منه إلى حارة المغاربة، واقفها المقر العالي القاضي فخر الدين أبو عبد الله محمد بن فضل الله ناظر الجيوش الإسلامية، أصله قبطى فأسلم وحسن إسلامه، وكانت له أوقاف كثيرة وبرا وإحسانا إلى أهل العلم (٩)، وكان صدرا معظما كبيرا، توفي سنة ٧٣٢ هـ (١٠) (١١) في منتصف رجب وقد جاوز السبعين من العمر، ﵀.
следующие страницы →