← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الظاهرية من جهة القبلة عقبة تسمى عقبة السودان (١)، وبها أيضا من جهة الشمال زقاق يعرف (٢) بقناطر خضير، وبآخر العقبة من جهة الغرب سوق الفخر، نسبته لفخر الدين صاحب المدرسة الفخرية، وبه المصابن التي (٣) يعمل بها الصابون. ويلي (٤) سوق الفخر من جهة الغرب إلى الشمال حارة بني مرة، ويليها من جهة الغرب حارة الزراعنة (٥)، وحارة الملاط وهي بظاهر البلد بلصق حارة النصارى من جهة الغرب، وحارة باب العمود، وهي انتهاء خط وادي (٦) الطواحين، وهي آخر المدينة من جهة الشمال إلى الغرب، وضمنها حارة بني سعد، وحارة القصيلة، وهي شرقي وادي الطواحين، ويليها من جهة الشمال حارة العثمانية، ويليها من جهة الشمال عقبة الشويخ (٧)، ويليها من جهة الشمال حارة بني زيد، وضمنها زقاق يعرف بالسعديين، وحارة باب الزاهرة (٨)، وهي آخر المدينة من جهة الشمال، وحارة درج المولة، وهي بجوار حارة القصيلة من الشرق، ويليها من القبلة حارة شرف الأنبياء، تعرف الآن بحارة باب الدوادارية (٩)، وضمنها عقبة المهمازية، وتنتهي إلى باب الساهرة، وحارة باب حطة، وهي شمالي المسجد، ويليها من الشمال حارة المشارقة، وانتهاؤها إلى سور المدينة الشمالي (١٠)، وحارة الطورية من باب الأسباط، وتنتهي إلى سور المدينة الشمالي، وإلى حوش هناك يعرف بالصامت (١١). وفي القدس الشريف عدة شوارع وخطط لا فائدة لذكرها، فإن غالبها يدخل في عموم ما ذكرته، وإنما ذكرت ما هو مشهور، ومن أعظم الحارات وأكبرها حارة باب حطة (١٢) (١٣)،

стр. 667

وهذه الحارات محيطة بالمسجد من جهتي (١) الغرب والشمال كما تقدم ذكره، وأما جهة القبلة والشرق من المسجد فهما مشرفتان (٢) على البرية، كما تقدم القول في ذلك. القلعة: وهي حصن عظيم البناء بظاهر بيت المقدس من جهة الغرب، وقد (٣) تقدم ذكره، وكان يعرف قديما بمحراب داود، ﵇، وكان سكنه به (٤)، ويقال أن بناء القلعة كان متصلا إلى دير صهيون، وفي هذا الحصن برج عظيم البناء يسمى برج داود، وهو من البناء القديم السليماني. وروى المشرف بسنده، أن رسول الله، ﷺ ، لما ظهر على بيت المقدس ليلة أسري به، فإذا هو (٥) عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان، فقال: يا جبريل ما هذان النوران؟ فقال: أما هذا الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود، وأما هذا الذي عن يسارك (٦) فعلى قبر أختك مريم. وقد جدد الروم والإفرنج عمارة بقية (٧) القلعة غير برج داود حين استيلائهم على بيت المقدس، وللقلعة نائب (٨) غير نائب القدس (٩) (١٠)، وكانت تدق الطبلخانة (١١) في كل ليلة، بين المغرب والعشاء على عادة القلاع بالبلاد، وقد

стр. 668

تلاشت أحوالها في عصرنا، وتشعثت وبطل منها دق الطبلخانة، وصار نائبها (١) كأحد الناس لتلاشي الأحوال، وعدم إقامة النظام، وتقدم أن الوالي بالقدس كان قديما ينزل بالقلعة المذكورة. وأما بناء بيت المقدس فهو في غاية الإحكام والاتقان، جميعه بالحجارة (٢) البيض النحيت، وسقفه معقود ليس في بنائه لبن، ولا في سقفه خشب، وقد ذكر المسافرون أنه لم يكن في جميع المملكة أتقن عمارة ولا أحسن رؤية من بناء بيت المقدس، وفي معناه بناء بلد سيدنا الخليل، ﵇، لكن بناء القدس أمثل وأتقن (٣)، ويقرب منه بناء مدينة نابلس (٤)، فهذه المدن الثلاث بناؤها متقن لكونها في الجبل، والحجارة فيها كثيرة متيسرة (٥). وأما رؤية بيت المقدس من بعد فمن العجائب المشهورة (٦) في نورانيتها، وحسن منظرها، وأحسن رؤيتها من جهة الشرق، إذا كان الإنسان في أعلى جبل طور زيتا وكذلك من جهة القبلة، وأما من جهتي (٧) الغرب والشمال فلا يرى منها من بعد إلا القليل لموارة الجبال لها، فإن بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل، ﵇ (٨) في جبال كثيرة الأوعار والحجارة، والسير فيها مشق والمسافة فيها بعيدة، فإن الجبال المحيطة بالبلدتين مسافتها (٩) تقريبا ثلاثة أيام طولا، ومثلها عرضا، مسير الأثقال، ولكن إذا منّ الله على قاصد الزيارة بالوصول إلى المسجد الشريف (١٠) الأقصوي، وإلى المقام الشريف الخليلي، فمن حين رؤيته لتلك الأماكن المشرفة يحصل (١١) له من الأنس والبهجة ما لا يكاد يوصف، ويسلو ما

стр. 669

حصل له من المشقة والتعب (١)، وقد أنشد الحافظ ابن حجر (٢) عند قدومه لزيارة بيت المقدس في معنى ذلك: إلى بيت المقدس جئت أرجو … جنان الخلد نزلا من كريم (٣) قطعنا في مسافته عقابا … وما بعد العقاب سوى النعيم (٤) وأما الأبواب التي للمدينة فأولها من جهة القبلة، باب حارة المغاربة (٥)، وباب صهيون (٦) المعروف الآن بباب حارة اليهود، ومن جهة الغرب باب سر صغير بلصق دير الأرمن (٧)، وباب المحراب (٨)، وهو المسمى الآن بباب الخليل. وروى المشرف (٩) بسنده عن علي بن سلام قال: سمعت أبي يقول: سمعت أن باب لد (١٠) الذي جاء عن النبي، ﷺ ، أنه يقتل عليه عيسى بن مريم ﵇، الدجال ليس هو باب الكنيسة التي عند الرملة، وإنما هو باب داود الغربي الذي عند محراب داود، ويسمى باب لد، وباب يعرف بباب الرحبة (١١)، ومن جهة الشمال باب دير السرب، وباب العمود (١٢)، وباب الداعية المتوصل منه إلى حارة بني زيد (١٣)، وباب الساهرة (١٤)، ومن جهة الشرق باب الأسباط (١٥)، فهذه عشرة أبواب لمدينة القدس الشريف، وكان قبل ذلك باب عند الزاوية، المتقدم ذكرها، المعروفة بابن الشيخ عبد الله تجاه القلعة، وباب بحارة الطورية، ينتهي إلى ميدان العبيد، خارج باب الأسباط وقد سد.

стр. 670

ذكر عين سلوان (١) وغيرهما مما هو بظاهر القدس الشريف أما عين سلوان فهي بظاهر القدس الشريف من جهة القبلة، بالوادي يشرف عليها سور المسجد القبلي، وروي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله اختار من المدائن أربعا، مكة وهي البلدة، والمدينة وهي النخلة، وبيت المقدس وهي الزيتونة، ودمشق وهي التينة (٢)، واختار من الثغور، أربعة إسكندرية مصر، وقزوين خراسان، وعبادان العراق وعسقلان الشام، واختار من العيون أربعا، فيقول في محكم (٣) كتابه العزيز: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ (٥٠) (٤)، وقال: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ (٦٦) (٥)، فأما اللتان تجريان فعين بيسان وعين سلوان، وأما النضاحتان فعين زمزم وعين عكا، واختار من الأنهار أربعة (٦) سيحان وجيحان والنيل والفرات (٧)، وعن خالد (٨) بن معدان أنه قال: زمزم وعين سلوان التي ببيت المقدس من عيون الجنة، وعنه أنه قال: من أتى بيت المقدس فليأت محراب داود المشرف (٩) على عين سلوان، وليصل فيه، ويسبح (١٠) في عين سلوان، فإنها من الجنة، ولا يدخل الكنائس ولا يشتر منها، فإن الخطيئة فيها مثل ألف خطيئة، والحسنة فيها مثل ألف حسنة (١١). عين المقذوفات: عن سعيد بن عبد العزيز (١٢)، أنه قال: كان في زمن بني إسرائيل في بيت

стр. 671

المقدس عند عين سلوان، عين، وكانت المرأة إذا قذفت أثوابها إليها (١)، فشربت منها، فإن كانت بريئة لم يضرها، وإن كانت غير بريئة طعنت فماتت، فلما حملت مريم، ﵍، أثوابها، وحملوها على بغلة (٢)، فعثرت بها، فدعت الله تعالى (٣) أن يعقم رحمها، فعقمت من يومئذ، فلما أتتها وشربت منها فلم تر إلا خيرا، فدعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤمنة، فغارت تلك العين من يومئذ (٤). بئر أيوب (٥): وهو بالقرب من عين سلوان، ينسب (٦) إلى سيدنا أيوب ﵇، وحكى صاحب كتاب الأنس للجليس (٧) (٨)، في معنى هذا البئر قال: قرأت بخط ابن عمي أبي محمد القاسم وأجازه لي، قال: قرأت في بعض التواريخ أنه ضاق الماء في القدس بالناس، فاحتاجوا إلى بئر هناك فنزلوها (٩)، طولها ثمانون ذراعا، وسعة رأسها بضعة عشر ذراعا في عرض (١٠) أربعة أذرع، وهي مطوية بحجارة عظيمة، كل حجر منها خمسة أذرع، وأقل وأكثر، في سمك ذراعين وذراع، فعجبت كيف نزلت هذه الحجارة (١١) إلى ذلك المكان، وأما ماء العين بارد خفيف، ويستقي منها الماء طول السنة من ثمانين ذراعا، وإذا كان زمن (١٢) الشتاء، فاض ماؤها وفار حتى يسيح على وجه الأرض، في بطن الوادي ويدور (١٣) عليها أرحية (١٤)، تطحن الدقيق،

стр. 672

فلما احتيج إليها (١) وإلى عين سلوان، نزلت إلى قرار البئر ومعي جماعة من الصناع لأقويها (٢)، فرأيت الماء يخرج من حجر يكون قدره نحو (٣) ذراعين في مثلها، وبها مغارة فتح بابها ثلاثة أذرع في ذراع ونصف، يخرج منها ريح بارد شديد البرد، وأنه حط فيها الضوء، فرأى المغارة مطوية (٤) السقف بحجر، ودخل إلى قريب منها، ولم يثبت الضوء (٥) فيها (٦) من شدة الريح الذي يخرج منها، وهذه البئر في بطن واد، والمغارة في بطنها، وعليها (٧) وحولها من الجبال العظيمة الشاهقة ما لا يمكن لإنسان (٨) أن يرتقي إليه إلا بمشقة، وهي التي قال الله تعالى لنبيه أيوب، ﵇: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢)﴾ (٩) انتهى كلامه (١٠). هذا البئر مشهور معروف، وفي كل سنة عند قوة الشتاء وكثرة الأمطار يفور الماء منه (١١) حتى يصير كالنهر الجاري، ويسيح إلى مسافة بعيدة، ويستمر على هذا الحال عدة أيام، كالشهر ونحوه وهو من العجائب. وكان في بيت المقدس ست برك عملها حزقيل (١٢)، أحد ملوك بني إسرائيل، منها ثلاثة في المدينة، بركة بني إسرائيل (١٣)، وبرك سليمان (١٤) وبركة عياض (١٥)،

стр. 673

وثلاثة خارج المدينة بركة ماملا (١) وبركتا المرجيع (٢)، جعل ذلك خزائن (٣) للماء لأهل بيت المقدس، قلت: أما بركة بني إسرائيل فهي موجودة مشهورة، وهي شمالي المسجد الأقصى بلصق سوره (٤)، بين باب الأسباط وباب حطة، ومنظرها مهول، وهي (٥) من العجائب، وأما بركة سليمان، وبركة عياض فلا أعرفهما، ولم اطلع على شيء يدل عليهما، ولكن بداخل القدس بركتان، إحداهما بخط مرزبان وهي لجمع الماء المتحصل لحمام علاء الدين البصير، وهي جواره (٦)، والثانية بحارة النصارى، لجمع الماء المتحصل لحمام البطرك (٧)، وقف الخانقاه الصلاحية، فيحتمل أنهما البركتان المذكورتان، والله أعلم، وأما بركة ماملا فهى موجودة مشهورة، وهي التي في وسط مقبرة ماملا، وأما بركتا المرجيع فهما (٨) بالقرب من قرية أرطاس (٩)، وهما موجودتان ينتفع بهما في خزن الماء الواصل من قناة السبيل (١٠) إلى القدس الشريف، ومسافتهما عن القدس نحو نصف بريد (١١) والله أعلم، وسبب تسمية مكانهما بالمرجيع أن سيدنا يوسف ﵇، لما أخذه إخوته وألقوه في جب مروا به على قبر أمه، وهو بالقرب من المرجيع، فلما رأى قبرها وهم طالعون، ألقى نفسه عن الناقة، وقال: يا أماه ارفعي رأسك وانظري ما حل بولدك من البلاء، ففقدوه فرجعوا، فسمي المرجيع من ذلك اليوم، فلما رجعوا لطموا وجهه، وحملوه وألقوه (١٢) في الجب، كما هو مشهور في القصة. وبظاهر مدينة القدس الشريف من كل جهة كروم (١٣) بها أنواع الفواكه من

стр. 674

العنب والتين والتفاح والمشمش (١) وغيره، وأحسن الأماكن أرض تعرف بالبقعة ظاهر القدس من جهة الغرب إلى جهة القبلة، وقف الملك صلاح الدين على خانقاه (٢) الصوفية، وفي هذه البقعة وغيرها أيضا قصور مبنية بالبناء المحكم، وملاكها (٣) في كل سنة يقيمون بها في زمن الصيف، مدة أشهر، إقامة استيطان وينفقون أموالا كثيرة، ولم يكن في الزمن السالف ببيت المقدس من شجر النخل (٤) إلا واحدة، ويقال: أنها هي المذكورة في القرآن العظيم (٥) في شأن مريم، ﵍، وهي منحنية، قال: القرطبي (٦) ويقال أنها غرست منذ زيادة (٧) على ألف سنة، وأما في عصرنا، فكان في المسجد الأقصى ثلاث نخلات، منها واحدة كانت عند المصطبة (٨) التي إلى جانب سبيل (٩) السلطان، غربي الصخرة، وزالت (١٠) بعد الثمانين والثمانمائة، واثنتان باقيتان إلى يومنا، إحداهما عند باب الرحمة، والثانية قبلي صحن الصخرة، تعرف بنخلة النبي، ﷺ ، قيل أنه رؤى عندها، والله أعلم. دير أبي ثور (١١): وإلى جانب البقعة من جهة (١٢) الشمال، قرية تعرف بدير أبي ثور، وهي قرية

стр. 675

صغيرة بها دير من بناء الروم، يعرف قديما بدير مارقيوص (١)، ثم عرف بدير أبي ثور نسبة للشيخ أحمد، المشهور (٢) بأبي ثور، وكان رجلا صالحا، وقد وقف الدير المذكور عليه وعلى ذريته، الملك العزيز أبو الفتح عثمان بن الملك صلاح الدين في ٥٩٤ هـ (٣)، ولما توفي الشيخ أحمد أبو ثور، دفن بها، وقبره مشهور (٤) يزار ويتبرك به، وله ذرية معروفون، وبعضهم مقيم بالقرية المذكورة، وهي قريبة من (٥) باب المدينة، المعروف الآن بباب الخليل، ويأتي ذكر الشيخ أبي ثور، وسبب تسميته بذلك في ترجمته بين الأعيان، إن شاء الله تعالى. طور زيتا (٦): وهو الجبل الشرقي من بيت المقدس، وهو جبل عظيم مشرف على المسجد الأقصى، عن أبي هريرة، ﵁ قال: أقسم ربك (٧) بالتين والزيتون، والزيتون طور زيتا، وفي رواية عنه: أقسم ربك بأربعة أجبل، فقال (٨): فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ (٩) فالتين مسجد دمشق، والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس، وطور سينين حيث كلم الله موسى ﷺ ، وهذا البلد الأمين مكة، وتقدم عند ذكر الصحابة أن صفية (١٠) زوج النبي ﷺ ، قدمت بيت المقدس فصلت (١١) به وصعدت طور زيتا فصلت، وقامت على طرف الجبل فقالت: من هاهنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة وإلى النار (١٢)، وهذا الجبل هو (١٣) الذي صعد

стр. 676

منه عيسى، ﵇، إلى السماء حين رفعه الله إليه، وعلى رأسه كنيسة من بناء هيلانة، وفي وسطها قبة يقال لها (١): مصعد عيسى ﵇، وقد هدمت الكنيسة، والنصارى يعظمون هذا المكان تعظيما زائدا، وبطور زيتا شجرة خروب (٢) (٣)، عندها مسجد لطيف، وتحت المسجد مغارة مأنوسة، ويقصد الناس هذا المكان للزيارة، وتسمى هذه الشجرة الخروب (٤)، خروبة العشرة، ولا أدري ما السبب في تسميتها بذلك، ولكن قد (٥) اشتهر هذا الاسم عند الناس، والله أعلم بحقيقة الحال، ويسمى جبل بيت المقدس وهو طور زيتا جبل الخمر (٦)، بفتح الخاء والميم (٧) وهو الكثير (٨) الشجر والظل، ولما فتح الملك صلاح الدين بيت المقدس، وقف أرض طور زيتا على الشيخ الصالح ولي الدين أبي العباس أحمد (٩) بن أبي بكر بن عبد الله (١٠) بن داود الهكاري، وعلى الشيخ الإمام الزاهد أبي الحسن علي (١١) بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الهكاري سوية بينهما، ثم على ذريتهما، تاريخ كتاب وقفه في السابع عشر من ذي (١٢) الحجة سنة ٥٨٤ هـ (١٣).

стр. 677

قبر مريم ﵍ (١): وهو في كنيسة في داخل جبل طور زيتا، تسمى الجسمانية (٢) خارج (٣) باب الأسباط، وهو مكان مشهور يقصده الناس للزيارة من المسلمين والنصارى، وهذه الكنيسة من بناء هيلانة (٤) أم قسطنطين، كما تقدم، وتقدم عند ذكر (٥) القلعة لفظ الأثر الوارد في قبر مريم ليلة أسرى بالنبي ﷺ ، وروي أن عمر، ﵁، لما فتح بيت المقدس مرّ بكنيسة مريم التي في الوادي، فصلى فيها (٦) ركعتين ثم ندم لقوله ﷺ هذا واد من أودية جهنم، ثم قال: ما كان أغنى عمر أن يصلي في وادي جهنم، وعن كعب الأحبار (٧) أنه قال: لا تأتو كنيسة مريم التي ببيت المقدس، أي كنيسة الجسمانية والعمودين اللذين في كنيسة الطور فإنهما طواغيت، ومن أتاهما حبط عمله، وبالقرب من قبر مريم في الوادي، المعروف بوادي جهنم بذيل جبل طور زيتا، قبة من بناء الروم يسميها الناس طرطور فرعون (٨)، ويرجمونها بالحجارة (٩)، وبالقرب منها، بذيل الجبل أيضا قبة (١٠) أخرى من الصخر يقال لها كوفية زوجة فرعون، واشتهر ذلك عند الناس، وقد قيل أن القبة الأولى قبر زكريا ﵇ (١١)، وأن القبة الثانية قبر يحيى ﵇، ورأيت منقولا بخط بعض العلماء أن يحيى وزكريا ﵇، مدفونان ببيت المقدس بذيل جبل طور زيتا بمقابر الأنبياء، وهو مما يعضد هذا القول، وقد (١٢) قيل: أن قبر زكريا ويحيى بقرية

стр. 678

سبسطية (١)، من أرض (٢) نابلس، وقيل: بجامع دمشق، والله أعلم. البقعة (٣): وهو البقيع (٤) الذي إلى جانب طور زيتا من جهة الغرب، وعن إبراهيم بن أبي عبلة (٥) في قوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ (١٤)﴾ (٦) قال البقيع الذي إلى جانب طور زيتا، قريبا من مصلى عمر معروف (٧) بالساهرة، وفي حديث ابن عمر: أن أرض المحشر تسمى الساهرة (٨) وأصل الساهرة الفلاة، ووجه الأرض، وقيل: الأرض العريضة (٩) البسيطة، والساهرة عند العرب الأرض التي تبعث سالكها على السهر للسري فيها لينجو (١٠) منها، ومعنى الساهرة: أرض لا ينامون عليها، ويسهرون، قلت: هذا البقيع المعروف بالساهرة ظاهر مدينة القدس الشريف من جهة الشمال، وبه مقبرة يدفن فيها (١١) أموات (١٢) المسلمين، وبها جماعة من الصالحين، والمقبرة مرتفعة على جبل عال. الأدهمية: وأسفل (١٣) هذا الجبل كهف من العجائب، وهو زاوية للفقراء الأدهمية، داخل تحت هذا الجبل في صخرة عظيمة، ويسمى (١٤) مغارة الكتان، والمقبرة التي

стр. 679

بالساهرة علو سقف المغارة، بحيث أنه لو أمكن حفر القبور (١) من أسفلها لنفذ إلى الكهف، الذي هو زاوية الأدهمية، ولكن المسافة بعيدة فإن الصخر سمكه ضخم جدا، ويلغز في هذا بأن يقال أحياء تحت أموات، وهذا الأمر مشاهد عيانا، وقد عمر هذه الزاوية الأمير منجك نائب الشام، ووقف عليها هو وغيره من أهل الخير، وفي (٢) هذه الزاوية قبور جماعة من الصالحين، وعليها الأنس والوقار. مغارة الكتان: ومقابل الساهرة من جهة القبلة تحت سور المدينة الشمالي (٣) مغارة كبيرة مستطيلة، وتسمى مغارة الكتان أيضا، يقال: أنها تصل إلى تحت الصخرة الشريفة، ودخلها جماعة وحكوا عنها أشياء من الأمور المهولة. وأما ما بظاهر بيت المقدس من المقابر المعدة لدفن أموات المسلمين، فأولها مقبرة باب الرحمة، وهي (٤) بجوار سور المسجد الشرقي فوق واد جهنم، وهي مأنوسة لقربها من المسجد، وهي أقرب الترب إلى المدينة، وفيها قبر شداد بن أوس الأنصاري (٥)، مشهور وغيره من العلماء والصالحين، وقد جدد فيها تربة في أولها من جهة الشمال عمرها الأمير قانصوه اليحياوي (٦)، كافل (٧) المملكة الشامية حين كان مجاورا بالقدس الشريف، وبناؤها يشتمل (٨) على إيوان وبه مدفنان من جهتي (٩) الشرق والغرب، ودفن بها من توفي من أولاده، ثم أخرج عنه وسافر من القدس الشريف في مستهل شوال سنة ٨٩٢ هـ (١٠) (١١)، ولم تكمل عمارتها، فلما استقر في

стр. 680

نيابة الشام ثانيا جهز مالا لعمارتها فأكملت ببناء الحوش (١) الشمالي والبوابة وحفر الصهريج وبني كذلك المتوضأ، وكملت عمارتها في سنة ٨٩٥ هـ (٢)، وصارت مشهورة، ومقبرة الساهرة، وتقدم ذكرها وهي شمالي البلد، ومقبرة الشهداء (٣)، وهي بالقرب من مقبرة الساهرة إلى جهة الشرق، وهي مقبرة لطيفة لقلة من يقصد الدفن فيها، فإنه لا يدفن فيها من أهل البلد إلا قليل من الناس، ومقبرة ماملا (٤)، وهي ظاهر (٥) القدس من جهة الغرب، وهي أكبر مقابر البلد، وفيها خلق من الأعيان والعلماء والصالحين والشهداء، وتسميتها بماملا قيل إنما أصله مأمن الله، وقيل باب الله، ويقال: زيتون الملة وروي عن الحسن أنه قال: من دفن ببيت (٦) المقدس في زيتون الملة فكأنما دفن في سماء الدنيا واسمها عند اليهود بيت لو (٧)، وعند النصارى بأبيلا، والمشهور على ألسنة الناس ماملا. القلندرية (٨): وبوسط هذه المقبرة زاوية تسمى القلندرية، بها أبنية عظيمة، وكانت هذه الزاوية كنيسة من بناء الروم، وتعرف بالدير الأحمر، وللنصارى فيها اعتقاد، فقدم إلى (٩) بيت المقدس رجل اسمه الشيخ إبراهيم القلندري، فأقام (١٠) بها بجماعة الفقراء فنسبت إليه، وسميت بالقلندرية وكانت في عصره الست طنشق بنت (١١) عبد الله المظفرية، التي عمرت الدار الكبرى المعروفة بدار الست بالقصبة التي بالقرب من باب الناظر (١٢)، فكانت تحسن للشيخ إبراهيم، وعمرت بالزاوية المذكورة قبة محكمة البناء على قبر أخيها بهادر، وهي باقية إلى يومنا، وعمرت

стр. 681

الحوش المحيط بها، وكانت عمارته في سنة ٧٩٢ (١)، وتوفيت بالقدس الشريف في يوم السبت في شهر ذي القعدة سنة ٨٠٠ هـ (٢)، ودفنت بتربتها التي أنشأتها بعقبة الست اتجاه الدار الكبرى رحمها الله تعالى، وكان بالزاوية القلندرية جماعة مقيمون، ولها (٣) وقف وقد خربت الزاوية، وسقطت في زمن قريب في سنة ٨٩٣ هـ (٤)، واستمرت خرابا إلى يومنا، وفيها يدفن الأعيان من الأمراء ممن يرد إلى بيت المقدس وغيرهم، وأرض هذه القلندرية ومعظم أرض ماملا صخر أصم (٥) وحفر القبور فيها بمشقة زائدة. زوايا الكبكية (٦): وبمقبرة (٧) ماملا قبة محكمة البناء تعرف بالكبكية، نسبتها للأمير علاء الدين أمير ايدغدي بن عبد الله المدفون بها، ووفاته يوم الخميس خامس شهر رمضان سنة ٦٨٨ هـ (٨). بيت لحم (٩): قرية قريبة من القدس، وهي عنها نحو ربع بريد من جهة القبلة، وبها ولد سيدنا عيسى، ﵇، وقد ورد في حديث المعراج الشريف أن جبريل، ﵇ قال للنبي، ﷺ ، حين أسري به: إنزل فصل فنزل فصلى، قال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى، ﵇. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يبعث بزيت يسرج في بيت لحم، حيث ولد عيسى، ﵇، وهذه القرية في عصرنا (١٠) غالب سكانها نصارى، وبها كنيسة محكمة البناء بها ثلاثة محاريب مرتفعة، أحدهما موجه إلى جهة

стр. 682

الكعبة (١) الشريفة، والثاني إلى جهة الشرق، والثالث إلى جهة الصخرة (٢) الشريفة، وسقفها خشب مرتفع على خمسين عمودا من الصخر الأصفر الصلب، غير السواري المبنية بالحجارة، وأرضها مفروشة بالرخام، وعلى ظاهر سقفها رصاص في غاية الإحكام، وهذه الكنيسة من بناء هيلانة والدة قسطنطين كما تقدم، وفيها مكان مولد عيسى، وهو في مغارة من المحاريب الثلاثة، وللنصارى بها اعتقاد (٣)، ويرد إليها من بلاد الإفرنج وغيرها، الأموال للرهبان (٤) المقيمين بالدير المجاور للكنيسة. قبر راحيل (٥) (٦): وبين (٧) بيت المقدس وبيت لحم قبر راحيل والدة سيدنا يوسف الصديق، ﵇، وهو إلى جانب الطريق بين بيت لحم وبيت جالا (٨) في قبة موجهة لجهة الصخرة، وهو مشهور يزار (٩)، وقد قيل: أن تسمية بيت لحم وكذلك بقية القرى مما حول بيت المقدس كبيت جالا وبيت نوبا (١٠) (١١)، وكل مكان أوله (١٢) بيت، إنما سمي بذلك نسبة لنبي من أنبياء بني إسرائيل، فيقال بيت فلان نسبة لساكنه والله أعلم. وبظاهر بيت المقدس عدة أماكن ومشاهد مشهورة ومقصودة للزيارة، يطول ذكرها ويخرجنا عن حد الاختصار (١٣)، وفيما ذكر كفاية والله الموفق، وهو حسبنا وكفى.

стр. 683

ذكر رملة فلسطين (١): قد تقدم في أول الكتاب، عند الكلام على تفسير أول سورة (٢) الإسراء، ما روي عن ابن عباس ﵁، في قوله تعالى: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ (٣) فلسطين والأردن، وتقدم ذكر الأردن، وهو النهر المسمى (٤) الشريعة، شرقي بيت المقدس مسافته عنه نحو يوم، وروي عن سعيد بن المسيب (٥) ومقاتل (٦) (٧) في قوله تعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ (٨)، قيل هي الرملة، وقال: السدي (٩)، وهي أرض فلسطين وتقدم قول ابن عباس (١٠) وقتادة (١١)، وكعب: أنها بيت المقدس، وروي عن رسول الله، ﷺ أنه قال: «أكرموا الرملة» (١٢) يعني فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾، وفي حديث المعراج قال ﷺ : ثم أخذني جبريل (١٣)، ﵇، ولم يزل يسير من

стр. 684

سماء إلى سماء، فما مررت بشيء من الجنان (١) ولا في السموات إلا ومكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى (٢) انتهيت إلى سماء الدنيا ففتح لنا بابها وإذا الليل على حاله لم ينقص شيئا (٣)، ثم نظرت إلى الأرض، وإذا بروضتين خضراوتين (٤)، ونكتتين (٥)، سوداوتين، فقلت: يا أخي جبريل ما هاتان الروضتان الخضراوتان، والنكتتان السودتان، فقال: يا محمد أما الروضتان الخضراوتان فإنهما دمشق وفلسطين، وأما النكتتان السوداوتان فأرمينية وأذربيجان، ثم حملني حتى أنزلني على جبل بيت المقدس، وإذا أنا بالبراق واقف على حاله في موضعه الذي تركته فيه لم يتقدم ولم يتأخر، وذكر تمام القصة. وقسمت (٦) الأوائل (٧) الشام خمسة أقسام، الشام الأولى فلسطين وواسطة بلدها الرملة، والشام الثانية الحوران ومدينتها العظمى طبرية، والشام الثالثة (٨) الغوطة ومدينتها العظمى دمشق، والشام الرابعة حمص، والشام الخامسة قنسرين ومدينتها العظمى حلب. وفلسطين بكسر الفاء وفتح اللام، وسميت بذلك لأن أول من نزلها فلسطين بن كسوحين بن لقطين بن يونان (٩) بن يافث بن نوح، ﵇، وأول حدود فلسطين من طريق مصر أمج قال: أبو محمود لعله (١٠) رفح (١١) وهي

стр. 685

العريش (١)، ثم يليها غزة، ثم رملة فلسطين. ومن مدن فلسطين إيلياء (٢) وهي مدينة بيت المقدس، بينها وبين الرملة ستة فراسخ، ثمانية عشر ميلا صحار ووهاد، ومن مدنها (٣) أيضا عسقلان ولد وسبسطية ونابلس، ومدينة سيدنا الخليل، ﵇، ومسافة فلسطين طولا من أمج (٤) إلى حد اللجون (٥) للراكب المجد يومان، وأما سير الأثقال فأكثر من أربعة أيام، وعرضا (٦) من يافا (٧) إلى أريحا (٨) مسافة يومين. وأما مدينة الرملة وهي واسطة بلد فلسطين فإنها في أرض سهلة، وهي كثيرة الأشجار والنخل (٩)، وحولها كثير من المزارع والمغارس، وفيها أنواع الفواكه، وظاهرها حسن المنظر، وهي من جملة الثغور، فإن البحر المالح (١٠) قريب منها، مسافته منها نحو نصف بريد من جهة الغرب، وكانت في الزمن السالف في عهد بني إسرائيل مدينة عظيمة البناء متسعة، وكان جالوت (١١) أحد جبابرة الكنعانيين، ملكه بجهات (١٢) فلسطين، كما تقدم عند ذكر سيدنا داود، ﵇، وتقدم أن سيدنا يونس، ﵇، أقام بالرملة ثم توجه إلى بيت المقدس يعبد الله تعالى، وأما صفة مدينة الرملة قديما قبل الإسلام وبعده إلى حدود الخمسمائة، فكان لها (١٣) سور محيط بها.

стр. 686

وكان لها قلعة، واثني (١) عشر بابا، منها: باب القدس، وباب عسقلان، وباب يافا، وباب يازور (٢)، وباب نابلس، ولها أربعة أسواق متصلة من أربعة أبواب إلى وسطها، وهناك مسجد جامعها، فمن باب يافا يدخل في سوق القماحين، وهو متصل بسوق البصالين حتى يتصل بمسجد جامعها، وهي أسواق كانت حسنة يباع فيها أنواع السلع، ويتصل بباب القدس سوق القطانين، إلى سوق (٣) المشاطين للكتان، إلى سوق العطارين (٤) إلى المسجد الجامع، ويتصل بسوق الخشابين من باب يازور، ثم سوق الخرازين ثم البقالين إلى المسجد الجامع، ويتصل بباب آخر من أبوابها بسوق الصياقلة، ثم سوق السراجين إلى المسجد الجامع، ويقال: أن الرملة كانت أربعة آلاف ضيعة، وتقدم أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين هدم قلعتها، وهدم مدينة لد في شهر رمضان سنة ٥٨٧ هـ (٥). أما في عصرنا فلم يبق أثر لتلك الأوصاف التي بالرملة، وقد زالت أسوارها وأسواقها القديمة لاستيلاء الإفرنج عليها نحو مائة سنة، ولم يبق من المدينة ثلثها بل ولا ربعها. وبني فيها مساجد ومنابر مستجدة من زمن (٦) الملك الناصر محمد بن قلاوون وبعده، والموجود الآن من الأبنية في المدينة معظمه خراب مهدوم (٧)، وقد صار المسجد الجامع القديم بظاهر المدينة من جهة الغرب، وصار حوله مقبرة، وقد بنى فيه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون (٨) منارة، وهي من عجائب الدنيا في الهيئة والعلو، وذكر المسافرون أنها من المفردات ليس لها نظير، وكان الفراغ من بنائها في نصف شعبان سنة ٧١٨ هـ (٩)، ولم يبق حول الجامع المذكور من الأبنية القديمة سوى حارة بجواره من جهة الشمال حكمها حكم القرى، وأما المدينة فصارت منفصلة عنه، وهذا الجامع بناه بعض خلفاء (١٠) الأمويين وهو بناء

стр. 687

سليمان عبد الملك، المتقدم ذكره، لما ولي الخلافة في سنة ٩٦ هـ (١)، من الهجرة الشريفة، وهو جامع متسع (٢) مأنوس عليه الأبهة والوقار والنورانية (٣)، ويعرف في عصرنا وقبله بالجامع الأبيض، وفي صحنه السماوي مغارة تحت الأرض مهيبة يقال: أن فيها (٤) دفن سيدنا صالح النبي، ﷺ وتقدم ذكر ذلك، ثم جددت عمارة الجامع الأبيض في زمن الملك الناصر (٥) صلاح الدين على يد رجل من دولته اسمه الياس بن عبد الله، أحد جماعة الأمير علم الدين قيصر، عين الأمراء بالدولة الصلاحية، وكانت عمارته في سنة ٥٨٦ هـ (٦)، ثم لما فتح الملك الظاهر بيبرس يافا سنة ٦٦٦ هـ (٧)، عمر القبة التي على المحراب والباب المقابل للمحراب، وهو المجاور للمنبر الذي يخطب عليه للعيد (٨)، وعمر المنارة القديمة، وقد زالت وبنى عوضها المنارة الموجودة الآن، وأما المدينة يومئذ (٩) فقد تقهقرت، ونقصت جدا وقلّ ساكنوها، ومع ذلك فهي مقصودة للبيع والشراء، ولا تخلو من بركة في معيشتها لبركة (١٠) أرضها وسكانها من الأنبياء والصحابة والعلماء والأولياء. فإن فيها السيد الجليل الفضل بن العباس (١١) ﵄، وهو ابن عم الرسول ﷺ ، وكان والده العباس يكنى به، وهو الذي (١٢) غسل رسول الله، ﷺ ، لما توفي كما تقدم، ووفاته في طاعون عمواس (١٣) في سنة ١٨ من الهجرة

стр. 688

الشريفة (١)، وهو في مشهد يقصد للزيارة، وقد بنى عليها (٢) الأمير شاهين الكمالي، استادار الرملة، منارة وجعل فيها مسجدا جامعا تقام فيه الجمعة والجماعة، ووقف عليه أماكن ورتب فيه وظائف، وكانت عمارته في سنة ٨٥٤ هـ (٣) وقد تلاشت أحوال المشهد في عصرنا وخرب معظم الوقف، وتقدم أن عبادة بن الصامت (٤)، ﵁ (٥)، كان قاضيا بها، وهو أول من ولي قضاء فلسطين، ومات بها، واختلف في قبره فقيل: بالرملة، وقيل: حمل إلى القدس فدفن بها، وهو أشهر ووفاته في سنة ٣٤ هـ (٦) من الهجرة كما تقدم. وفيها الإمام المحدث (٧) أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي (٨)، المعروف بدحيم أحد أصحاب الإمام أحمد (٩)، ﵁، كان قاضيا بها من قبل الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله العباسي (١٠)، خليفة بغداد تغمده الله برحمته، ثم عينه لقضاء مصر، وأمره بالتوجه إليها، فعاجلته المنية فتوفي بالرملة، ولم يعرف قبره ووفاته في رمضان سنة ٢٤٥ هـ (١١).

стр. 689

وفيها الإمام المحدث الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (١)، أحد أئمة الدنيا في الأحاديث (٢)، مولده في سنة أربعة عشر ومئتين، ووفاته بالرملة في ثالث عشر صفر سنة ٣٠٣ هـ (٣). وهو (٤) الذي قدمه السبكي في طبقات الشافعية الوسطى، وقبره يقال أنه بظاهر الجامع الأبيض بلصق حائطه من جهة الشرق في حوش هناك، وقيل أنه توفي بمكة وله ثمان وثمانون سنة، والله أعلم. وفيها من الأولياء الشيخ القدوة الزاهد العابد ولي الله تعالى أبو محمد عبد الله (٥) البطائحي، صالح مشهور، وللناس فيه اعتقاد، ووفاته في يوم الجمعة العاشر من شهر صفر سنة ٣٥٧ هـ (٦)، وقبره في مشهد بحارة الباشقردي، وعليه من الأنس والهيبة والوقار ما لا يكاد يوصف، والدعاء عنده (٧) مستجاب، وقد جربت ذلك، وكان الضريح قبل ذلك تحت السماء، فبنى عليه إيوان في سنة ٨٧٤ هـ (٨)، وقد وهم كثير من الناس في أمره، فظن أنه الشيخ عبد الله البطائحي صاحب السيد عبد القادر الكيلاني وليس كذلك فإن السيد عبد القادر، ﵀ مولده سنة ٤٧١ هـ (٩)، بعد وفاة الشيخ عبد الله هذا بمائة وأربعة عشر سنة، فظهر من ذلك أن صاحب السيد عبد القادر غير هذا بلا إشكال. والشيخ محمود العدوي، صالح مشهور له كرامات ظهرت، وكان موجودا في سنة ٦٦٨ هـ (١٠)، وقبره في مشهد بحارة العنابة يقصد للزيارة. والشيخ القدوة صاحب الكرامات المشهورة أبو العباس أحمد الأشموني المشهور بالقبي (١١)، صالح مشهور، من أولياء الله تعالى (١٢)، كان موجودا في سنة

стр. 690

٨١٥ هـ (١)، وقبره في مشهد عند سوق الفاكهين، وعليه الوقار والجلال. وفي الرملة عدة من الأولياء والعلماء والصالحين يطول الفصل بذكرهم، والله الموفق. ذكر لد روي عن النبي ﷺ أنه ذكر الدجال فقال: يقتله (٢) عيسى بن مريم بباب لد، ففي هذا الحديث فضيلة لأهل تلك الأرض المقدسة، لأنهم يقاتلون مع نبي الله ﷺ الأعور الدجال، وتقدم عند ذكر الفضائل صفة الدجال وما ورد في أمره، وقتل المسيح له عند باب لد بأبسط (٣) من هذا. وكانت لد في الزمن السالف (٤) منزلا جميلا فيه أناس يعمرونه، وفيه كانت تنزل الرفاق والقافلة الواصلة من مصر إلى الشام، وكان بلد كنيسة (٥) محكمة البناء واسعة الفناء عليها للنصارى أوقاف كثيرة، ولهم فيها اعتقاد إلى يومنا، وقد (٦) خربها الملك صلاح الدين. وقد صارت (٧) البلد يومئذ قرية كبقية القرى، ولكنها حسنة المنظر وظاهرها بهيج، وهي بظاهر الرملة من جهة الشمال على مسافة قريبة، وفيها جامع مأنوس، وكان كنيسة، وهو من بناء الروم، وعليه الأبهة والنورانية وبه منارة مرتفعة. وبظاهر لد من جهة الشرق مشهد قيل (٨): أن به قبر أبي محمد عبد الرحمن بن عوف (٩) الصحابي ﵁، ووفاته في سنة ٣٢ من الهجرة الشريفة، وقد نقل (١٠) أنه توفي بالمدينة الشريفة (١١) وأن قبره بالبقيع، ولكن المشهور عند أهل،

стр. 691

تلك النواحي أنه بلد في المشهد المعروف به (١)، والله أعلم. وبظاهر الرملة من جهة الغرب بالقرب من البحر المالح مشهد يقال: أن به ضريح سيدنا روبيل بن يعقوب (٢)، ﵉، وهو مكان مأنوس يقصد للزيارة، وفي كل سنة له موسم يجتمع الناس فيه من الرملة وغزة وغيرهما، ويقيمون أياما وينفقون أموالا كثيرة ويقرأ هناك القرآن العظيم، والمولد الشريف. والذي عمر المشهد سيدنا ومولانا شيخ الإسلام (٣) ولي الله تعالى الشيخ شهاب الدين بن أرسلان (٤) تغمده الله بالرحمة والرضوان. ومن الأولياء المشهورين بأرض فلسطين السيد الجليل والولي الكبير سلطان الأولياء، وقدوة العارفين وسيد أهل الطريقة المحققين، صاحب المقامات والمواهب والكرامات والخوارق الباهرات المجاهد في سبيل الله، الملازم لطاعة الله، أبو الحسن علي بن عليل وهو المشهور عند الناس بابن عليم بالميم، وأما نسبه (٥) الصحيح الثابت عليل باللام، صاحب الكرامات المشهورة، والمناقب الظاهرة، شهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والاستقصاء (٦) في ترجمته، فإن صيته كضوء النهار (٧) لا يخفى على أحد، ونسبه متصل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فهو علي بن عليل بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل الزاهد العابد، الصوام القوام، الصحابي عبد الله ابن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين أبي حفص (٨) عمر بن الخطاب العدوي القرشي (٩)، ﵁ وعن سائر أصحاب الرسول أجمعين. وضريح السيد علي بن عليل بشط (١٠) البحر المالح بساحل أرسوف (١١) وعليه

стр. 692

شهد مشهد عظيم مأنوس، وبه منارة مرتفعة، وأهل تلك النواحي بأسرها في خفره (١) وبركة سره ومن مناقبه أن الإفرنج يعتقدون فيه، ويعترفون (٢) بصلاحه، وقد أخبرت أن الإفرنج إذا أقبلوا على ضريحه وهم في البحر كشفوا رؤوسهم ونكسوها نحوه (٣)، ﵁، وكانت وفاته في (٤) يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ٤٧٤ هـ (٥). ولما نزل الملك (٦) الظاهر بيبرس لفتح يافا وأرسوف، زاره ونذر النذور والأوقاف ودعى عنده، فيسر الله له فتح البلاد، وفي كل سنة له موسم، ففي زمن الصيف يقصده الناس من البلاد البعيدة والقريبة، ويجتمع هناك خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى وينفقون أموالا جزيلة (٧)، ويقرأ عنده المولد الشريف. وفي عصرنا ولي النظر عليه سيدنا ومولانا وشيخنا ولي الله تعالى قدوة العباد (٨) وإمام الزهاد وبركة الوجود والعباد، شمس الدين أبو العون محمد الغزي القادري (٩) الشافعي، نزيل جلجوليا (١٠) شيخ السادة القادرية بالمملكة الإسلامية، أمتع (١١) الله الأنام بوجوده، فعمر المشهد وأقام نظامه وشعائره وفعل أثارا حسنة منها: الرخام المركب على الضريح الكريم عمله في سنة ٨٦٦ هـ (١٢) (١٣)، وكان قبله يحمل عليه ضريح من خشب، وحفر البئر الذي بصحن المسجد حتى وصل إلى الماء المعين، ثم عمر برجا على ظهر الإيوان من جهة الغرب للجهاد في سبيل الله تعالى (١٤)، ووضع فيه آلات الحرب لقتال الإفرنج خذلهم الله تعالى، وكانت عمارته بعد التسعين والثمانمائة وغير ذلك من أنواع العمارة والخير، أثابه الله تعالى

стр. 693

ثوابا جزيلا، ومد في حياته أمدا طويلا، وتوفي شيخنا (١) الإمام القدوة شمس الدين أبو العون محمد الغزي في شهر ربيع الآخر سنة عشر وتسعمائة (٢) بمدينة الرملة، وله نيف وثمانون سنة، ﵁ ونفعنا به. وبأرض فلسطين عدة من الأولياء والصالحين والأماكن المقصودة للزيارة، والمراد هنا (٣) الاختصار، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ذكر عسقلان عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله، إني أريد الغزو في سبيل الله تعالى، فقال عليك بالشام فإن الله تعالى قد تكفل بالشام وأهله، وألزم من الشام عسقلان فإنها إذا دارت الرحا في أمتي كان أهلها في عافية، وقد ورد فيها أحاديث غير هذا ضعفها الحافظ أبو محمود (٤)، وكذب رواتها. تقدم أن عسقلان كانت من أحسن المدن وأظرفها، وقد خربها الملك صلاح الدين الأيوبي (٥) في شهر شعبان سنة ٥٨٧ هـ (٦)، واستمرت إلى يومنا هذا (٧) لم تعمر، وبها مشهد عظيم بناه الفاطميون خلفاء مصر على ما كان زعموا أن رأس الحسين بن علي، ﵁ به وبعسقلان أماكن تقصد للزيارة، وهي على شاطئ البحر المالح (٨)، وقد ألف الحافظ بن عساكر (٩) جزءا في فضلها. ذكر غزة عن مصعب بن ثابت (١٠) عن ابن الزبير (١١) يرفعه، «طوبى لمن سكن إحدى

стр. 694

القريتين (١) عسقلان وغزة (٢)، وهي من أعظم المدن المجاورة لبيت المقدس، وفيها ولد سليمان بن داود ﵉، وهي من الثغور فإن البحر قريب منها وبها كثير من الأشجار والنخل (٣)، وحولها كثير من المغارس المزارع وفيها أنواع الفواكه، وهي من أحسن (٤) مدن فلسطين، وفيها خلق ممن سلف من العلماء والصالحين، وتقدم أن الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي ﵁ ولد بها وموضع مولده معروف يقصد للزيارة، ولو لم يكن لغزة من الفخر إلا مولد النبي سليمان (٥) والإمام الشافعي بها لكفاها. ذكر أريحا قال الله تعالى إخبارا (٦) عن رسوله وصفيه، وكليمه موسى، ﵊: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ (٢٠)﴾ ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وعكرمة والسدي: هي أريحا وهي مدينة الجبارين التي تقدم ذكرها عند قصة سيدنا موسى، ﵇، وفتحها يوشع ﵇ (٧) (٨) كما تقدم في ذكره، وهي شرقي بيت القدس بالقرب من نهر الأردن، وكان النبي، ﷺ ، قد أخرج (٩) اليهود من المدينة، فخرجوا إلى الشام وإلى أذرعات (١٠) وأريحا، ثم (١١) أجلى آخرهم عمر بن الخطاب، ﵁ في أمارته من أرض الحجاز إلى تيماء (١٢) وأريحا،

стр. 695

وقد صارت أريحا في (١) هذه الأزمنة قرية من جملة قرى بيت المقدس، وهي إقطاع لمن يكون نائبا بالقدس (٢)، ومن عجيب الاتفاق أنها كانت في زمن بني إسرائيل سكن (٣) الجبارين، وفي زمن الإسلام مختصة بحكام الشرطة. ذكر نابلس روى المشرف بسنده عن كعب قال: «أحب البلاد إلى الله (٤) الشام، وأحب الشام إلى الله تعالى القدس، وأحب القدس إلى الله تعالى جبل نابلس، ليأتين على الناس زمان يتماسحون (٥) بالجبال بينهم»، ونابلس مدينة بالأرض المقدسة مقابل بيت المقدس من جهة الشمال مسافتها عنه يومين (٦) بسير الأثقال، خرج منها كثير من العلماء والأعيان، وهي كثيرة الأعين والأشجار والفواكه، ومعظم الأشجار بضواحيها الزيتون، وبها كثير من السامرة (٧)، فإنهم يعتقدون أن القدس جبل نابلس، وقد كذبوا وخالفوا جميع الأمم في ذلك، لعنة (٨) الله عليهم. وقد قيل أن سيدنا يوسف ﵇ (٩)، قبره (١٠) بالقرب من نابلس، وتقدم ذلك عند ذكره، ﵇. وبمدينة نابلس مشهد يقال أن به أولاد يعقوب (١١) ﵈، وبضواحيها مشاهد كثيرة تنسب إلى جماعة من الأنبياء ﵈. ومن الأنبياء المشهورين حول بيت المقدس (١٢) السيد عازر (١٣)، ولعله

стр. 696

العيزار بن هارون ﵉، قبره بقرية العازرية (١) بظاهر (٢) القدس الشريف من جهة الشرق بالقرب من طور زيتا (٣) على طريق المار إلى سيدنا موسى الكليم، ﵇، وهو ظاهر في مشهد بالقرية يقصد للزيارة، ويقال: أن العيزار بن هارون، إنما هو بقرية عورتا (٤) من أعمال نابلس وقيل: إنه عازر الذي أحياه المسيح بن مريم، والله أعلم. وأما شمويل (٥)، ﵇، فتقدم ذكره عند ذكر سيدنا داود ﵇، وقبره بقرية ظاهر القدس من جهة الشمال على الطريق السالك إلى رملة فلسطين على رأس جبل هناك، وهو مشهور واسم القرية عند اليهود رامة (٦). ولو شرعنا بذكر (٧) الأنبياء ممن كان ببيت المقدس وحوله من بني إسرائيل وغيرهم لطال الفصل، فإن بعضهم لم يعرف له مكان معين، وبعضهم مختلف (٨) فيه وإنما ذكرت من اشتهر وصار له موضع يقصد بالثوابت (٩)، فإنه لم يثبت قبر نبي من الأنبياء سوى قبر محمد، ﷺ ، بداخل الحجرة الشريفة، وإبراهيم الخليل، ﵇، بداخل السور السليماني، وما عداهما فهو بالظن لا بالقطع، وقد (١٠) روي عن كعب الأحبار أنه قال ببيت المقدس من قبور الأنبياء الف قبر، قال صاحب مثير

стр. 697

الغرام (١): يعني هي (٢) وما حولها، فإن ثم قبورا ومعالم يروى أثرها ولا يعلم (٣)، وكثير منها قد اندرس وخفي لاستيلاء الإفرنج على البلاد مدة طويلة، والله أعلم. ذكر (٤) نبذة من أخبار مدينة سيدنا الخليل ﵇ وقد تقدم ذكر صفة المسجد الشريف الخليلي وما هو مشتمل عليه، وأما المدينة فاسمها (٥) حبرون (٦)، وهي تجاه بيت المقدس مما يلي القبلة، فمنظرها (٧) في غاية الحسن والنورانية، وهي مستديرة حول المسجد من الجهات الأربع، وبناؤها محدث (٨)، بعد بناء السور السليماني وهو المستجد بزمن طويل، فإن في زمن سيدنا الخليل ﵇، كانت المغارة (٩) في صحراء ولم يكن هناك بناء، وكان الخليل ﵇، مقيم (١٠) في ممري (١١) في مخيمه وهي بالقرب من بلد الخليل من جهة الشمال، وهي أرض بها عين ماء وكروم، واستمر الحال على ذلك بعد وفاة الخليل وأبنائه الأكرمين (١٢)، ﵈، إلى أن بنى سليمان ﵇، السور على القبور الشريفة (١٣)، ثم اختطت المدينة بعد ذلك، وكان من أمرها ما حكي أن امرأة من بني إسرائيل تسمى دبورا (١٤)، زوجة

стр. 698

الغيدوث (١) من سبط أقوام أفرام، ملكت تلك الأرض وأدعت النبوة وأطاعها الناس وعمرت الرامة، وكانت تجلس بين الرامة وإيلياء (٢)، وتحكم في بني إسرائيل، وكان بالرامة رجل من ذوي الأموال من بني إسرائيل اسمه يوسف الرامي (٣)، أدرك زمن عيسى ﵇، وآمن به، فبنى بالقرب من السور السليماني بيوتا للسكن (٤)، تبركا بقرب الأنبياء ﵈، فهو أول (٥) من اختط البناء حول السور، ثم تتابع البناء قليلا قليلا فصارت هناك مدينة، وهي (٦) محيطة بالمسجد من الجهات الأربع كما تقدم، فبعضها مرتفع على رأس جبل، وهو شرقي المسجد يسمى يسلون (٧)، وبعضها منخفض في واد وهو (٨) غربي المسجد، والأماكن التي في العلو غالبها مشرف على الأماكن المنخفضة وشوارع المدينة بعضها سهل وبعضها وعر، وبناؤها على حكم بناء بيت المقدس بالحجار الفص النحيت (٩) وسقفها عقود، ليس في بنائها لبن ولا في سقفها خشب. وقد تقدم أن الماضي من رفع (١٠) سيدنا عيسى ﵇، إلى السماء إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة المحمدية (١١)، ألف وأربعمائة سنة وثمانية وتسعون سنة فيعلم من ذلك تاريخ (١٢) بناء مدينة سيدنا الخليل ﵇ تقريبا، لأن الباني لها وهو يوسف الرامي أدرك زمن عيسى ﵇، كما تقدم، والله أعلم. وأما السور السليماني فتقدم أنه بني عقب بناء بيت المقدس، فيعلم تاريخه (١٣) من تاريخ بناء بيت المقدس.

стр. 699

وأما الحارات المشهورة بها فمنها (١) حارة الشيخ علي البكا (٢)، وهي منفصلة عن البلد من جهة الشمال، وحارة الأكراد (٣) وهي مرتفعة على علو في سفح الجبل، وحارة الجبارنة (٤) (٥)، وتعرف قديما بحارة الفستقة، وحارة المشارقة (٦)، وحارة السواكنة (٧)، وحارة الحدانبة، وضمنها حارة النصارى، وحارة الشعابنة وحارة رأس قيطون (٨)، وهي منفصلة عن البلد من جهة الغرب؛ وحارة الدارية (٩). من جملتها حارة القصاروة، وحارة اليهود، وحارة الزجاجين، وهذه الحارات محيطة بالمسجد كما تقدم، فحاراتان منهما وهما المعتمدتان هما حارة الدارية وهي حارة (١٠) غربي المسجد وفيها أسواق البلد ومنافعها وهي أحسن الحارات وحارة الأكراد وهي شرقي المسجد وفي البلد شوارع غير ذلك، وإنما ذكرت المشهور منها. وأما ما فيها من المدارس والزوايا والمشاهد: فأحسنها زاوية الشيخ عمر المجرد (١١) وهي بحارة الأكراد، وسنذكر ترجمة واقفها وتاريخ وفاته فيما بعد؛ والمدرسة القيمرية عند باب المسجد الشمالي بالقرب من عين الطواشي (١٢)، وزاوية المغاربة بجوار عين الطواشي المذكورة؛ والقلعة وهي حصن من بناء الروم بلصق المسجد من جهة الغرب، وينسب وقفها إلى الملك الناصر حسن جعلها مدرسته، وقد صارت في عصرنا مساكن لبعض أهل البلد، وضريح السيد يوسف الصديق، ﵇، بداخلها كما تقدم القول فيه، ووفاة واقفها الملك الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة ٧٦٣ هـ (١٣) قتلا، وزاوية الشيخ علي البكا بالحارة المتقدم ذكرها، وسنذكر تاريخ بنائها ووفاة

стр. 700

الشيخ علي عند ذكر ترجمته إن شاء الله تعالى، وزاوية القواسمة (١) بالقرب منها، نسبة للشيخ أحمد القاسمي الجنيدي من ذرية أبي القاسم الجنيد، وهو مدفون بها؛ ومسجد بخط سوق الخضرية (٢) والزياتين، ويعرف بمسجد ابن عثمان وعليه منارة وهو مأنوس؛ ومشهد بالقرب من باب المسجد، بخط سوق الغزل عند عين الطواشي به ضريح الشيخ يوسف النجار، صالح مشهور، والمدرسة الفخرية بالقرب من حارة الشعابنة، وقد صارت مهملة والذي يظهر أن نسبتها لصاحب الفخرية بالقدس الشريف، والله أعلم، والرباط المنصوري باتجاه (٣) باب القلعة وقف الملك المنصور قلاوون، عمره في ٧٦٩ هـ، والبيمارستان المنصوري وقف الملك المنصور قلاوون (٤) الأرزرومي أيضا، في سنة ٦٨٠ هـ. وفيها عدة من الزوايا فمن ذلك: زاوية الشيخ إبراهيم المزي بين (٥) حارتي الأكراد والدارية، وما هو بحارة الأكراد زاوية الشيخ عبد الرحمن الأرزرومي، وزاوية البسطامية بجوار المسجد الجاولي من جهة الشمال، وزاوية السمانية (٦) بجوار زاوية الشيخ عمر المجرد، ومسجد الشيخ بهاء الدين الوفائي، وزاوية أبي عقافه، ورباط الطواشي؛ وزاوية شيخون، ورباط مكي بحارة رأس قيطون (٧) وهي المنفصلة عن البلد من جهة الغرب كما تقدم، وزاوية الشيخ رضوان، وزاوية الشيخ خضر، وزاوية الطلاطقة (٨) بجوار البركة (٩)، وهي زاوية الأدهمية، وزاوية الرامي، وزاوية الشيخ علي كهنوش الأدهمي، ومسجد مسعود (١٠)، وزاوية الشيخ محمد البيضة، وزاوية الموقع، وزاوية الشيخ إبراهيم الحنفي وغير ذلك، ومسجد فرعونة (١١) بحارة الزجاجين،

стр. 701

وزاوية أبي كمال ظاهر المدينة، ورباط الجماعيلي بحارة النصارى؛ وزاوية الخضر بالقرب من متوضأ المسجد، وزاوية الأعنص بحارة الحدابنة، زاوية القادرية بظاهر البلد، وقبة الزاهد بين حارة الشيخ علي البكا والمدينة. وقد تفحصت عن معرفة أسماء الواقفين لذلك، ومعرفة تواريخ أوقافهم، لأذكرها كما وقع لي في مدارس بيت المقدس، فلم أظفر لذلك لعدم وجود كتب وقف لها، ولعدم شيء يدل على الاطلاع (١) على ذلك، فإن غالب ما ذكرته قد صار مهملا، لا نظام له، وإنما ذكرته لإحاطة العلم به، والله الموفق. مشهد الأربعين: وبظاهر البلد من جهة الغرب على رأس جبل هناك مسجد يسمى مشهد الأربعين يقال: أن به أربعين شهيدا، ولم اطلع على نقل في ذلك (٢)، والناس يقصدونه للزيارة، وهو موضع مأنوس. وفي المدينة من أعين الماء عين الطواشي على باب المسجد الشمالي بالقرب من السور (٣)، ومنبعها من خربة (٤) مجدل فضيل بقرب مدينة سيدنا الخليل، ﵇، والقرية وقف على مصالح قناة العين (٥) والحوض الذي على باب المسجد، ووقفها منسوب إلى الأمير بكتمر الجوكندار وله ذرية بالقاهرة لهم التكلم عليها، وهي أحسن الأعين وأطيبها ماء؛ وعين الحزام، وعين المسجد، وهي عند الباب الذي تدق عنده الطبلخانة منبعها من مكان يقال له خلة العيون بالقرب من زاوية الشيخ علي البكا، وعين سارة (٦) بظاهر البلد (٧) بين الكروم، منبعها قريب من حوضها؛ وعين السماقية، ومنبعها من وادي سارة؛ وعين الحمام، ومنبعها من وادي التفاح، وماؤها يجمع مع ماء عين السماقية (٨) لحاصل الحمام بمدينة الخليل، ﵇؛ وعين حبرى ظهرت قريبا من نحو عشر سنين عند المقبرة السفلى، ومنبعها من تحت الجبل الذي على

стр. 702

رأس (١) مشهد الأربعين، وبالقرب من زاوية الشيخ علي البكا بئر معين (٢)، وإلى جانبه حوض سبيل أنشأه الأمير سيف الدين سلار (٣) نائب السلطنة بالديار المصرية والممالك الشامية، بمباشرة (٤) الأمير كيكلدي النجمي (٥) في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ٧٠٢ هـ، حين بنى المنارة على زاوية الشيخ علي البكا. وبظاهر البلد من المقابر المعدة لدفن أموات (٦) المسلمين، المقبرة السفلى (٧)، وهي قديمة وهي غربي البلد مما يلي حارة الدارية بالقرب من مشهد الأربعين؛ ومقبرة تسمى تربة الرأس (٨)، وهي من جهة الشرق مما يلي حارة الأكراد، والمقبرة الثالثة بحارة الشيخ علي البكا تعرف بمقبرة البقيع (٩). وأما الكروم بظاهر المدينة فهي محيطة بها من كل جانب، وفيها أنواع الفواكه، ومعظمها العنب، وهي على صفة كروم بيت المقدس في غالبها قصور مبنية بالبناء المحكم، وأهلها في كل سنة يقيمون بها في زمن الصيف مدة أشهر. وبظاهر البلد أماكن وجهات لا فائدة لذكرها، وقد اقتصرت على ما ذكرته طلبا للاختصار، والله أعلم (١٠).

стр. 703

إقطاع تميم الداري (١) الذي أقطعه له النبي ﷺ ، وهو (٢) الأرض التي بها بلد سيدنا الخليل ﵇، وما حولها من الأرض وكتب له ذلك في قطعة أدم (٣) (٤) من خف (٥) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، بخطه (٦). وقد حكى المؤرخون لفظ الإقطاع (٧) على وجوه مختلفة، وقد رأيت عند التكلم على الإقطاع المشار إليه القطعة الأدم التي يقال أنها من خف أمير المؤمنين علي (٨) ﵁، وقد صارت رثة وفيها بعض أثر كتابة (٩)، ورأيت معها ورقة مكتوبة في الصندوق الذي فيه القطعة الأدم (١٠)، منسوب خط هذه الورقة إلى أمير المؤمنين المستنجد بالله العباسي (١١) تغمده الله برحمته، كتب فيها نسخة الإقطاع (١٢) وصورة ما كتبه المستنجد بخطه: «الحمد لله هذه (١٣) نسخة كتاب رسول الله، ﷺ ، الذي كتبه لتميم الداري وإخوته في سنة ٩ من الهجرة الشريفة (١٤) المحمدية، بعد منصرفه من غزوة تبوك، في قطعة أدم من خف أمير المؤمنين علي وبخطه، نسخته كهيئته، رضي الله تعالى

стр. 704

عنه وعن جميع الصحابة: بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري أو إخوته، حبرون والمرطوم وبيت عينون (١) وبيت إبراهيم (٢) وما فيهن نطية بتّ بينهم (٣)، ونفذت وسلمت ذلك لهم لأعقابهم، فمن آذاهم آذاه الله (٤)، فمن آذاهم لعنه الله، وشهد على ذلك عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وكتب علي بن أبي طالب وشهد»، وقد نسخت ذلك من خط المستنجد بالله كهيئته، ولعل هذا أصح ما قيل فيه، والله أعلم. واستمر هذا الإقطاع بيد ذرية تميم الداري (٥) يأكلونه إلى يومنا، وهم مقيمون ببلد سيدنا الخليل، ﵇، وهم طائفة كبيرة (٦) يقال لهم الدارية وهذا ببركة النبي ﷺ ، وتقدم عند ذكر الصحابة أن تميم الداري كان أميرا (٧) على بيت المقدس وقد اعترض بعض الولاة على آل (٨) تميم وأراد انتزاع الأرض منهم، ورفع أمرهم للقاضي أبي حامد الهروي الحنفي، قاضي القدس الشريف، فاحتج الداريون (٩) بالكتاب، فقال القاضي: هذا الكتاب ليس بلازم، لأن النبي، ﷺ ، أقطع تميما (١٠) ما لم يملك، فاستفتى الوالي الفقهاء، وكان الإمام أبو حامد الغزالي، ﵁، حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الإفرنج عليه، فقال هذا القاضي كافر، فإن النبي، ﷺ ، قال: زويت لي الأرض كلها (١١)، وكان يقطع في الجنة، فيقول: «قصر كذا لفلان»، فوعده صدق، وعطاؤه حق (١٢)، فخزي القاضي والوالي، وبقي آل تميم على ما بأيديهم.

стр. 705

وكانت هذه الحادثة حين كان القاضي أبو بكر (١) بن العربي بالشام، وتقدم في ترجمته أنه وصل (٢) إلى المشرق في عام ٤٨٥ هـ (٣)، وقدم إلى الشام وبيت المقدس. وأما حدود الأرض المقدسة فمن القبلة أرض الحجاز الشريف، يفصل بينهما جبال الشورى وهي جبال منيعة بينها وبين أيلة نحو مرحلة (٤) وسطح أيلة هو أول (٥) حد الحجاز من تيه بني إسرائيل (٦)، وبينها وبين بيت المقدس نحو ثمانية أيام بسير الأثقال، ومن الشرق من بعد دومة الجندل (٧) برية السماوة (٨) (٩)، وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، ومسافتها عن بيت المقدس نحو مسافة أيلة، ومن الشمال مما يلي الشرق، نهر الفرات على قول الحافظ مؤرخ الشام شمس الدين محمد الذهبي، ﵀، ومسافته عن بيت المقدس نحو عشرين يوما بسير الأثقال (١٠)، فيدخل في هذا الحد المملكة الشامية بكاملها؛ ومن الغرب بحر الروم وهو البحر المالح (١١) ومسافته عن بيت المقدس من جهة رملة فلسطين نحو يومين؛ ومن الجنوب رمل مصر والعريش، ومسافته عن بيت المقدس نحو خمسة أيام بسير الأثقال (١٢)، ثم يليه تيه بني إسرائيل وطور سيناء (١٣)، ويمتد من تلك الجهة إلى
следующие страницы →