← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وزاوية أبي كمال ظاهر المدينة، ورباط الجماعيلي بحارة النصارى؛ وزاوية الخضر بالقرب من متوضأ المسجد، وزاوية الأعنص بحارة الحدابنة، زاوية القادرية بظاهر البلد، وقبة الزاهد بين حارة الشيخ علي البكا والمدينة. وقد تفحصت عن معرفة أسماء الواقفين لذلك، ومعرفة تواريخ أوقافهم، لأذكرها كما وقع لي في مدارس بيت المقدس، فلم أظفر لذلك لعدم وجود كتب وقف لها، ولعدم شيء يدل على الاطلاع (١) على ذلك، فإن غالب ما ذكرته قد صار مهملا، لا نظام له، وإنما ذكرته لإحاطة العلم به، والله الموفق. مشهد الأربعين: وبظاهر البلد من جهة الغرب على رأس جبل هناك مسجد يسمى مشهد الأربعين يقال: أن به أربعين شهيدا، ولم اطلع على نقل في ذلك (٢)، والناس يقصدونه للزيارة، وهو موضع مأنوس. وفي المدينة من أعين الماء عين الطواشي على باب المسجد الشمالي بالقرب من السور (٣)، ومنبعها من خربة (٤) مجدل فضيل بقرب مدينة سيدنا الخليل، ﵇، والقرية وقف على مصالح قناة العين (٥) والحوض الذي على باب المسجد، ووقفها منسوب إلى الأمير بكتمر الجوكندار وله ذرية بالقاهرة لهم التكلم عليها، وهي أحسن الأعين وأطيبها ماء؛ وعين الحزام، وعين المسجد، وهي عند الباب الذي تدق عنده الطبلخانة منبعها من مكان يقال له خلة العيون بالقرب من زاوية الشيخ علي البكا، وعين سارة (٦) بظاهر البلد (٧) بين الكروم، منبعها قريب من حوضها؛ وعين السماقية، ومنبعها من وادي سارة؛ وعين الحمام، ومنبعها من وادي التفاح، وماؤها يجمع مع ماء عين السماقية (٨) لحاصل الحمام بمدينة الخليل، ﵇؛ وعين حبرى ظهرت قريبا من نحو عشر سنين عند المقبرة السفلى، ومنبعها من تحت الجبل الذي على

стр. 702

رأس (١) مشهد الأربعين، وبالقرب من زاوية الشيخ علي البكا بئر معين (٢)، وإلى جانبه حوض سبيل أنشأه الأمير سيف الدين سلار (٣) نائب السلطنة بالديار المصرية والممالك الشامية، بمباشرة (٤) الأمير كيكلدي النجمي (٥) في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ٧٠٢ هـ، حين بنى المنارة على زاوية الشيخ علي البكا. وبظاهر البلد من المقابر المعدة لدفن أموات (٦) المسلمين، المقبرة السفلى (٧)، وهي قديمة وهي غربي البلد مما يلي حارة الدارية بالقرب من مشهد الأربعين؛ ومقبرة تسمى تربة الرأس (٨)، وهي من جهة الشرق مما يلي حارة الأكراد، والمقبرة الثالثة بحارة الشيخ علي البكا تعرف بمقبرة البقيع (٩). وأما الكروم بظاهر المدينة فهي محيطة بها من كل جانب، وفيها أنواع الفواكه، ومعظمها العنب، وهي على صفة كروم بيت المقدس في غالبها قصور مبنية بالبناء المحكم، وأهلها في كل سنة يقيمون بها في زمن الصيف مدة أشهر. وبظاهر البلد أماكن وجهات لا فائدة لذكرها، وقد اقتصرت على ما ذكرته طلبا للاختصار، والله أعلم (١٠).

стр. 703

إقطاع تميم الداري (١) الذي أقطعه له النبي ﷺ ، وهو (٢) الأرض التي بها بلد سيدنا الخليل ﵇، وما حولها من الأرض وكتب له ذلك في قطعة أدم (٣) (٤) من خف (٥) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، بخطه (٦). وقد حكى المؤرخون لفظ الإقطاع (٧) على وجوه مختلفة، وقد رأيت عند التكلم على الإقطاع المشار إليه القطعة الأدم التي يقال أنها من خف أمير المؤمنين علي (٨) ﵁، وقد صارت رثة وفيها بعض أثر كتابة (٩)، ورأيت معها ورقة مكتوبة في الصندوق الذي فيه القطعة الأدم (١٠)، منسوب خط هذه الورقة إلى أمير المؤمنين المستنجد بالله العباسي (١١) تغمده الله برحمته، كتب فيها نسخة الإقطاع (١٢) وصورة ما كتبه المستنجد بخطه: «الحمد لله هذه (١٣) نسخة كتاب رسول الله، ﷺ ، الذي كتبه لتميم الداري وإخوته في سنة ٩ من الهجرة الشريفة (١٤) المحمدية، بعد منصرفه من غزوة تبوك، في قطعة أدم من خف أمير المؤمنين علي وبخطه، نسخته كهيئته، رضي الله تعالى

стр. 704

عنه وعن جميع الصحابة: بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري أو إخوته، حبرون والمرطوم وبيت عينون (١) وبيت إبراهيم (٢) وما فيهن نطية بتّ بينهم (٣)، ونفذت وسلمت ذلك لهم لأعقابهم، فمن آذاهم آذاه الله (٤)، فمن آذاهم لعنه الله، وشهد على ذلك عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وكتب علي بن أبي طالب وشهد»، وقد نسخت ذلك من خط المستنجد بالله كهيئته، ولعل هذا أصح ما قيل فيه، والله أعلم. واستمر هذا الإقطاع بيد ذرية تميم الداري (٥) يأكلونه إلى يومنا، وهم مقيمون ببلد سيدنا الخليل، ﵇، وهم طائفة كبيرة (٦) يقال لهم الدارية وهذا ببركة النبي ﷺ ، وتقدم عند ذكر الصحابة أن تميم الداري كان أميرا (٧) على بيت المقدس وقد اعترض بعض الولاة على آل (٨) تميم وأراد انتزاع الأرض منهم، ورفع أمرهم للقاضي أبي حامد الهروي الحنفي، قاضي القدس الشريف، فاحتج الداريون (٩) بالكتاب، فقال القاضي: هذا الكتاب ليس بلازم، لأن النبي، ﷺ ، أقطع تميما (١٠) ما لم يملك، فاستفتى الوالي الفقهاء، وكان الإمام أبو حامد الغزالي، ﵁، حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الإفرنج عليه، فقال هذا القاضي كافر، فإن النبي، ﷺ ، قال: زويت لي الأرض كلها (١١)، وكان يقطع في الجنة، فيقول: «قصر كذا لفلان»، فوعده صدق، وعطاؤه حق (١٢)، فخزي القاضي والوالي، وبقي آل تميم على ما بأيديهم.

стр. 705

وكانت هذه الحادثة حين كان القاضي أبو بكر (١) بن العربي بالشام، وتقدم في ترجمته أنه وصل (٢) إلى المشرق في عام ٤٨٥ هـ (٣)، وقدم إلى الشام وبيت المقدس. وأما حدود الأرض المقدسة فمن القبلة أرض الحجاز الشريف، يفصل بينهما جبال الشورى وهي جبال منيعة بينها وبين أيلة نحو مرحلة (٤) وسطح أيلة هو أول (٥) حد الحجاز من تيه بني إسرائيل (٦)، وبينها وبين بيت المقدس نحو ثمانية أيام بسير الأثقال، ومن الشرق من بعد دومة الجندل (٧) برية السماوة (٨) (٩)، وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، ومسافتها عن بيت المقدس نحو مسافة أيلة، ومن الشمال مما يلي الشرق، نهر الفرات على قول الحافظ مؤرخ الشام شمس الدين محمد الذهبي، ﵀، ومسافته عن بيت المقدس نحو عشرين يوما بسير الأثقال (١٠)، فيدخل في هذا الحد المملكة الشامية بكاملها؛ ومن الغرب بحر الروم وهو البحر المالح (١١) ومسافته عن بيت المقدس من جهة رملة فلسطين نحو يومين؛ ومن الجنوب رمل مصر والعريش، ومسافته عن بيت المقدس نحو خمسة أيام بسير الأثقال (١٢)، ثم يليه تيه بني إسرائيل وطور سيناء (١٣)، ويمتد من تلك الجهة إلى

стр. 706

تبوك (١) ثم دومة الجندل المتصلة (٢) بالحد الشرقي. وأما الحدود المنسوبة لبيت المقدس عرفا (٣) مما يطلق عليه عمل القدس الشريف ويسوع لقضاة القدس الحكم فيه: فمن القبلة عمل بلد سيدنا الخليل، ﵇، يفصل بينهما قرية سيعير (٤) (٥) وما حاذاها، وهي من عمل القدس؛ ومن الشرق نهر الأردن، وهو المسمى بالشريعة؛ ومن الشمال عمل مدينة بنابلس يفصل بينهما قرية (٦) سنجل (٧) وعزون (٨)، وهما من أعمال القدس وتتمة الحد (٩) رأس وادي بني زيد، وهو من أعمال الرملة؛ ومن الغرب مما يلي رملة فلسطين قرية بيت نوبا (١٠) وهي من أعمال القدس، ومما يلي مدينة غزة قرية عجور (١١)، وهي من أعمال غزة. وأما الحدود المنسوبة عرفا لبلد سيدنا الخليل، ﵇: فمن القبلة منزلة الملح (١٢) على درب الحجاز الشريف، وقباب الشاورية، وهي خربة منسوبة لبني شاور أمراء عرب جرم (١٣)، ومن الشرق قرية عين جدي (١٤) من عمل بلد الخليل،

стр. 707

وبحر لوط (١) وهذا الحد هو (٢) الفاصل بين عمل بلد الخليل وعمل مدينة الكرك؛ ومن الشمال عمل القدس الشريف يفصل بينهما قرية سيعير (٣) وما حاذاها كما تقدم؛ ومن الغرب من الجهة المحاذية لرملة فلسطين قرية زكريا (٤) وهي من أعمال الخليل، ﵇، ومن جملة الوقف الشريف المبرور (٥) من الجهة المحاذية لمدينة غزة (٦) قرية سيمح (٧) المجاورة لقرية السكرية (٨)، وبلاد بني عبد (٩)، وهي من أعمال بلد الخليل، ﵇. وأما المسافة من بيت المقدس إلى بلد الخليل، ﵇، فهي تقرب من بريدين (١٠)، وقيل أنها ثلاثة (١١) عشر ميلا، وقيل: ثمانية عشر ميلا، والله أعلم. وقد تقدم في (١٢) أول الكتاب عند الكلام على تسمية المسجد الأقصى، أنه سمي بذلك لأنه وسط المدينة لا يزيد شيئا ولا ينقص، وتقدم عند ذكر الفضائل أن قوله تعالى (١٣): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ (١٤) المنادي هو إسرافيل، ﵇، ينادي من صخرة بيت المقدس بالحشر، وهي وسط الأرض (١٥)،

стр. 708

وروي عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: وسط الأرضين بيت المقدس، وأرفع الأرضين كلها إلى السماء بيت المقدس؛ وعن ابن عباس ومعاذ ابن جبل: أقرب السماء إلى الأرض بيت المقدس باثني عشر ميلا، وعن قتادة عن كعب: «بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا». والقول بأن بيت المقدس وسط الدنيا (١) ظاهر فإن بيت المقدس إذا اعتبر أمره وجد في وسط الدنيا، وسائر الممالك محيطة به من كل جهة، فإنه يقابله من جهة القبلة أقاليم (٢) الحجاز الشريف وبلاد اليمن ومملكة الهند وما والاها، ومن جهة الشرق بغداد والعراق ومملكة العجم وما والاها، ومن جهة الشمال البلاد الشامية ومملكة الروم وما والاها، ومن جهة الغرب (٣) الديار المصرية ومملكة الغرب وما والاها، فظهر من هذا أن مدينة بيت المقدس (٤) في وسط الدنيا، والله أعلم. ذكر جماعة من أعيان (٥) ملوك الإسلام ممن ولي على بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل، ﵇، وفعل فيهما الخير من أنواع البر والعمارة قد تقدم ذكر جماعة ممن ولي على بيت المقدس من الخلفاء أعظمهم وأجلهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، الذي (٦) فتحه وأنقذه من أيدي الكفار، وذكر بعض ما كان بعده من بني أمية وبني العباس وجميع الفاطميين (٧)، وتقدم ذكر جماعة من السلاطين بمصر أمثلهم وأعلاهم الملك الناصر (٨) صلاح الدين يوسف بن أيوب، تغمده الله برحمته، وهو أول الملوك بالديار المصرية بعد انقراض دولة (٩) الفاطميين، ومن بعده من ملوك بني أيوب بمصر وغيرها، وذكر ما فعله كل منهم من الخير والعمارة، وفعل المعروف إلى زمن الملك الصالح نجم

стр. 709

الدين أيوب، الذي فتح القدس الفتح الأخير، ثم بعد ذلك الملك (١) الصالح، وولي جماعة على الديار المصرية، لنذكرهم بأجمعهم من غير إخلال بأحد منهم، فكل (٢) من له بالمسجد الأقصى ومسجد الخليل فعل خير وآثار حسنة، ذكرت تاريخ ولايته، والخليفة الذي كان في زمن خلافته (٣) وتاريخ وفاته وما فعل في أيامه من الخير فيهما، أو (٤) في الأرض المقدسة ومما حولها، ومن لم اطلع له على شيء من أفعال القربات، ذكرت اسمه فقط، لكونه ولي أمر بيت المقدس، ودعى له على منبره من غير (٥) تعرض إلى ذكر تاريخه، فإنه تطويل بلا فائدة، فأقول وبالله أستعين. وممن ولي الملك بالديار المصرية بعد الملك الصالح نجم الدين أيوب ولده الملك المعظم توران شاه، وتقدم ذكره. ثم ولي بعده الملك المعز أيبك التركماني (٦)، أول ملوك الترك (٧) بمصر في سنة ٦٤٨ هـ (٨)، فأقام خمسة أيام ثم خلع. وولي بعده الملك الأشرف موسى آخر (٩) ملوك بني أيوب بمصر ثم خلع في سنة ٦٥٢ هـ (١٠)، وأعيد الملك المعز أيبك، ثم توفي قتلا (١١). وولي بعده ولده الملك المنصور نور الدين علي (١٢) ثم خلع، وولي بعده الملك المظفر (١٣) قطز ثم قتل. وولي بعده السلطان الملك الظاهر بيبرس، وهو ركن الدين أبو الفتح بيبرس

стр. 710

الصالحي النجمي البند قداري (١)، كان مملوك (٢) ايدكين البندقداري الصالحي، ثم أخذه الملك الصالح من البندقدار، فانتسب إليه دون أستاذه، واستقر في السلطنة في شهر ذي القعدة سنة ٦٥٨ هـ (٣)، وكان من الملوك المعتبرين، وتلقب أولا (٤) بالملك القاهر فقيل له: أنه لقب غير مبارك وما تلقب به أحد فطالت مدته، فغيره وتلقب بالملك الظاهر، وهو الذي أقر الخلفاء من بني العباس بالديار المصرية في سنة ٦٥٩ هـ (٥)، وأولهم المستنصر بالله أبو القاسم (٦) أحمد بعد انقراض دولتهم من بغداد، وخرابها في ٦٥٦ هـ (٧). وفي سنة ٦٦١ هـ أرسل عسكرا هدموا كنيسة الناصرة (٨)، وهي من أكبر مواطن عبادات النصارى لأن منها خرج دين النصرانية، وأغاروا (٩) على عكا، ثم ركب بنفسه وأغار عليها ثانيا، وهدم برجا خارج البلد، وفتح قيسارية بنفسه سنة ٦٦٣ هـ (١٠) (١١)، في تاسع جمادى الأولى، وفتح أرسوف في جمادى الآخرة منها. وفي سنة ٦٦٤ هـ (١٢) خرج بعسكره (١٣) من الديار المصرية وفتح صفد وغيرها، وكان فتح صفد في تاسع عشر من شعبان (١٤) من السنة المذكورة بالأمان، بعد حصرها، ثم قتل أهلها عن آخرهم.

стр. 711

وفي سنة ٦٦٦ هـ (١) توجه بعساكره إلى الشام وفتح يافا في شهر رجب وأخذها من الإفرنج، وفتح أنطاكية (٢) بالسيف في يوم السبت رابع رمضان منها، وقتل أهلها. وفي سنة ٦٦٧ هـ (٣) حج إلى بيت الله الحرام وزار المدينة الشريفة، وفي سنة ٦٦٨ هـ (٤) حضر إلى القدس الشريف، وعمر مقام سيدنا موسى الكليم ﵊ كما تقدم عند ذكر قصته، أنه توجه لزيارته ومر على دير (٥) السنيق (٦) ومسافته عن بيت المقدس نحو نصف بريد، وهو للنصارى، فوجد حول الدير قلالي الرهبان (٧) عامرة مسكونة وأحضروا له ضيافة فاستكثرها، فقيل له: إن هنا (٨) جماعة من الرهبان في القلالي المذكورة نحو ثلاثمائة راهب، فأمر بهدم القلالي المذكورة خوفا على بيت المقدس من العدو المخذول. وفي سنة ٦٦٩ هـ (٩) فتح حصن الأكراد (١٠)، وحصن عكا (١١)، والقرين (١٢) (١٣)، وغير ذلك. وله بالقدس الشريف حسنات منها: أنه اعتنى بعمارة المسجد الأقصى (١٤)،

стр. 712

وجدد فصوص الصخرة الشريفة التي (١) علو الرخام من الظاهر، وعمر الخان الكائن بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب إلى الشمال، المعروف بخان الظاهر، وكان بناؤه في سنة ٦٦٢ هـ (٢)، ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين، ووقف عليه نصف قرية لفتا (٣)، وغيرها من القرى بأعمال دمشق، وجعل بالخان فرنا وطاحونا، وجعل للمسجد الذي فيه إماما، وشرط فيه بأشياء من فعل الخير (٤) من تفرقة الخبز على بابه للفقراء (٥)، وإصلاح نعال النازلين به، وأكلهم، وغير ذلك. وقد أخذ الوقف الذي بالشام (٦)، وانقطع ما كان شرطه فيه من الخبز وغيره، لفساد الزمان وتلاشي الأحوال. وهو الذي جدد القضاة الثلاثة بالمملكة بعد أن لم يكن بها سوى القاضي الشافعي فقط، وكان يستخلف من بقية المذاهب، وكانت ولايته للقضاة الثلاثة بمصر في سنة ٦٦٣ هـ وفي الشام سنة ٦٦٤ هـ (٧). وكان ملكا جليلا شجاعا، أبطل المظالم، وأسقط تشفيع (٨) الأملاك، وكان جملة ما يحمل منها إلى الديوان ألف ألف دينار، واهتم بعمارة المسجد الشريف النبوي حين احترق، ووضع الدربزينات (٩) (١٠) حول الحجرة الشريفة، عمل فيه منبرا، وسقّفه بالذهب، واهتم بكسوة الكعبة الشريفة، وفتح الفتوحات، وجدد قبر الخليل (١١)، ﵇، وزاد في روايته ما يصرف إلى المقيمين، وبنى على المكان (١٢) المنسوب إلى قبر موسى الكليم، ﵇، فيه كما تقدم، وجدد بالقدس الشريف أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة، ورمم

стр. 713

شعث (١) الصخرة وغيرها، وبنى على قبر أبي عبيدة بن الجراح (٢) مشهدا (٣)، ووقف عليه أشياء (٤) للواردين، وتوفي ﵀، بدمشق في يوم الخميس ٢٧ من المحرم سنة ٦٧٦ هـ (٥)، ودفن بها، وكانت مدة ملكه نحو سبع عشر سنة وشهرين وعشرة أيام، ﵀ وعفا عنه. وولي الملك (٦) بعده، ولده الملك السعيد محمد بركة (٧)، ثم خلع، وولي أخوه الملك العادل سلامش (٨) ثم خلع. وولي بعده السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي (٩) (١٠)، هو سيف الدين قلاوون الألفي، وجنسه قفجاقي (١١) (١٢) وهو أول مملوك بيع بألف دينار، استقر في السلطنة في يوم الأحد ٢٢ من رجب سنة ٦٧٨ هـ (١٣)، وكان الخليفة الحاكم بأمر الله، أبو العباس أحمد العباسي (١٤).

стр. 714

وأقام منار الدين (١) والعدل، وفتح الفتوحات ففتح حصن المرقب (٢)، وهو حصن الإسبتار (٣)، وهو في غاية العلو والحصانة، فحضره ثم فتحه بالأمان في ربيع الأول سنة ٦٨٤ هـ (٤)، وفتح صهيون (٥) في ٦٨٦ هـ (٦)، وفتح طرابلس (٧) بعد أن نزلها (٨) بعسكره يوم الجمعة مستهل ربيع الأول سنة ٦٨٨ هـ (٩)، ويحيط البحر بغالبها (١٠)، وليس عليها قتال في البر إلا من جهة الشرق، وهو مقدار قليل، فحصرها حتى (١١) فتحها يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر بالسيف، ودخلها العسكر عنوة، وقتل غالب رجالها، وسبيت (١٢) ذراريهم، وكانوا الإفرنج قد استولوا عليها في سنة ٥٠٣ هـ (١٣) (١٤)، فبقيت في أيديهم إلى هذا التاريخ، فتكون مدى لبثها مع الإفرنج نحو ١٨٥ سنة وشهورا، ولم يجرؤ (١٥) أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض إليها، ولا المرقب، فيسر الله فتحهما (١٦) على يديه. ومن حسناته بالقدس الشريف: أنه عمر سقف المسجد الأقصى من جهة القبلة

стр. 715

مما يلي الغرب عند جامع النساء (١)، وله الرباط المنصوري المشهور بباب الناظر، وهو رباط في غاية الحسن والبناء المحكم، ورخم (٢) داخل الحجرة الخليلية في سنة ست وثمانين وستمائة، وعمر بمدينة الخليل الرباط (٣) والبيمارستان، وله غير ذلك. توفي ﵀، في سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، ومدة ملكه نحو (٤) إحدى عشرة سنة وثلاثة (٥) أشهر وأياما، وكان ملكا مهيبا حليما، قليل سفك الدماء، شجاعا، عفا الله عنه. ثم تسلطن بعده ولده (٦) السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل (٧)، وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين (٨) أبو العباس أحمد العباسي، وفتح عكا بالسيف، وقتل أهلها وأخربها، ودكها دكا بليغا (٩)، وفتح عدة حصون ومدن وأخلى الإفرنج من صيدا (١٠) وبيروت (١١)، وتسلمها السلطان الملك (١٢) الأشرف، وكذلك هرب أهل مدينة صور (١٣) فأرسل السلطان وتسلمها وتسلم

стр. 716

عثليت (١) وأنطرسوس (٢) (٣)، وذلك جميعه في سنة ٦٩٠ هـ (٤)، واتفق لهذا السلطان من السعادة ما لم يتفق لغيره بفتح هذه البلاد العظيمة الحصينة بغير قتال ولا تعب، وأمر بها فخربت عن آخرها، وتكملت بهذه (٥) الفتوحات جميع البلاد الساحلية الإسلامية، وكان أمرا لا يطمع فيه ولا يرام، وتطهرت الشام (٦) والسواحل من الإفرنج بعد أن كانوا أشرفوا على الديار المصرية، وعلى ملك دمشق وغيرها من الشام فلله الحمد والمنة. وكان انقطاع الإفرنج وزوال دولتهم من بلاد الإسلام والسواحل زولا لا رجوع (٧) بعده، في هذه السنة (٨)، وهي سنة ٦٩٠ هـ على يد الملك الأشرف خلل بن قلاوون تغمده الله برحمته، وكان ابتداء تغلبهم على مملكة بلاد الشام، وتسلطهم على بلاد (٩) الإسلام في سنة ٤٩٠ هـ (١٠)، كما تقدم، واستمروا إلى هذا التاريخ، فكانت مدتهم جملتها مائتا (١١) سنة كاملة، لعنة الله عليهم، ثم فتح قلعة الروم (١٢) في سنة ٦٩١ هـ (١٣). وقتل الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون (١٤) في ثاني عشر المحرم

стр. 717

سنة ٦٩٣ هـ (١) بظاهر القاهرة عند تروجة (٢) (٣)، قتله جماعة من مماليك والده والأمراء، ثم حمل إلى القاهرة فدفن بها في تربته، وانتقم الله من قاتليه (٤) عاجلا وآجلا، فأمسكوا وقتل بعضهم عاجلا وأحرقت جثته، وبعضهم حبس ثم قطعت أيديهم وأرجلهم وصلبوا على الجمال وطيف بهم، وأيديهم معلقة في أعناقهم جزاء بما كسبوا، وشنق بعضهم فسبحان المنتقم بعدله. وتسلطن بعده الملك القاهر بيدرا (٥) يوما واحدا وقتل. وولي بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون (٦) (٧) سلطنته الأولى وخلع. ثم ولي بعده السلطان الملك العادل كتّبغا (٨)، وهو زين الدين كتبغا المنصوري، استقر في السلطنة يوم (٩) الأربعاء تاسع المحرم سنة ٦٩٤ هـ (١٠) وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي. وفي أيامه جدد عمل فصوص الصخرة الشريفة، وجدد عمارة السور الشرقي المطل على مقربة باب الرحمة في شهور سنة ٦٩٥ هـ (١١)، وخلع من السلطنة في المحرم سنة ٦٩٦ هـ (١٢) وهو بأرض (١٣) الشام عند نهر العوجا (١٤)، وكانت مدته

стр. 718

نحو سنتين، وأعطاه حسام الدين لاجين (١)، الذي تسلطن بعده صرخد (٢)، فسار إليها واستقر فيها، ثم في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون (٣) استقر في نيابة حماه (٤)، في سنة ٦٩٩ هـ (٥)، وتوفي بها في ليلة الجمعة عاشر ذي الحجة سنة ٧٠٢ هـ (٦). ولما خلع العادل كتبغا ولي بعده السلطان الملك المنصور لاجين، هو حسام الدين لاجين المنصوري، استقر في السلطنة بعد خلع العادل كتبغا، وهو بدهليزه على نهر العوجا، ثم سار إلى الديار المصرية، وكان الخليفة الحاكم بأمر الله، المتقدم ذكره، وفي أيامه جددت عمارة محراب داود الذي بالسور القبلي، عند مهد عيسى، ﵇ (٧)، بالمسجد الأقصى الشريف، وفتح عدة بلاد منها سيس (٨) وغيرها من بلاد الأرمن، وقتل في ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الآخر سنة ٦٩٨ هـ (٩) د وثب (١٠) عليه جماعة من المماليك الصبيان، فقتلوه وهو يلعب بالشطرنج، وكانت مدة ملكه سنتين وثلاثة أشهر. ثم تولى بعده (١١) الملك الناصر محمد بن قلاوون سلطنته الثانية، ثم خلع. وولي بعده الملك العادل المظفر بيبرس الجاشنكير (١٢) (١٣)، في العشر

стр. 719

الأوسط من المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعمره نحو تسع سنين، وكان الخليفة الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد، فأقام سنة وخلع. وتسلطن بعده العادل كتبغا ثم المنصور لاجين، المتقدم ذكرهما، ثم تسلطن ثانيا في يوم السبت رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة، والخليفة الحاكم بأمر الله، المتقدم ذكره وأقام عشر سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام، ثم نزل عن السلطنة باختياره وتوجه إلى الكرك. وتسلطن بعده الملك العادل المظفر بيبرس الجاشنكير، المتقدم ذكره، وأقام أحد عشر شهرا وخلع، وأعيد بعده إلى السلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهي سلطنته الثالثة التي ثبت قدمه فيها، وصفى له الوقت، وجلس على سرير الملك بعد العصر من نهار الأربعاء مستهل شوال سنة ٧٠٩ هـ، وكان الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، وكان الملك الناصر من الملوك المعتبرين أصحاب التواريخ، حج إلى بيت الله الحرام ثلاث مرات الأولى في سنة اثنتي عشر وسبعمائة، والثانية في سنة تسعة عشرة، والثالثة في سنة اثنتي وثلاثين وسبعمائة. ووقع له وقعات (١) كثيرة مع التتر وغيرهم، وله غارات على بلاد سيس، وفتح جزيرة أرواد (٢) وهي في بحر الروم قبالة (٣) أنطرسوس، وفتح ملطية (٤) وغير ذلك. وله في المسجد (٥) الأقصى خيرات كثيرة منها: أنه عمر في أيامه السور القبلي الذي عند محراب داود ﵇، ورخم صدر المسجد الأقصى، ومسجد سيدنا الخليل ﵇ بإشارة تنكز نائب الشام، وفتح بالمسجد الأقصى الشباكان اللذان (٦) عن يمين المحراب وشماله وكان فتحهما في سنة ٧٣١ هـ، وجدد تذهيب القبتين (٧) قبة المسجد الأقصى، وقبة الصخرة الشريفة، ومن العجب (٨) أن تذهيب

стр. 720

قبة الصخرة كان قبل العشرين والسبعمائة، وقد مضى عليه إلى عصرنا هذا، أكثر من مائة وثمانين سنة، وهو في غاية الحسن والنورانية، ومن رآه يظن أن الصانع قد فرغ منه الآن وعمر القناطر على الدرجتين الشماليتين بصحن الصخرة التي إحداهما (١) مقابل باب حطة والأخرى مقابل باب الدوادارية (٢)، وعمر باب القطانين بالبناء المحكم وتقدم ذكر ذلك، وكل مكان من هذه الأماكن مكتوب عليه تاريخ عمارته، وعمر قناة السبيل التي عند بركة السلطان بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب، وله غير ذلك من العمائر والقربات بالقدس الشريف وغيره من البلاد من عمارة الحصون والقلاع، فإن سلطنته الثالثة أقام بها اثنتين وثلاثين (٣) سنة وشهرين (٤) وتسعة عشر يوما. كانت مدة ملكه في ولاياته (٥) الثلاث ثلاثا وأربعين سنة وسبعة أشهر، وتخلل بين ولاياته ولاية العادل كتبغا (٦) والمنصور لاجين، والمظفر بيبرس نحو خمس سنين وشهرين، فكانت المدة من حين ابتداء سلطنته إلى حين وفاته تسعا وأربعين سنة (٧). وتوفي في يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة ٧٤١ هـ بالقلعة، وصلى عليه عز الدين ابن جماعة (٨) إماما، وأنزل ليلة الخميس إلى المدرسة المنصورية بخط بين القصرين (٩)، ودفن بها مع أبيه قلاوون (١٠)، رحمهما الله تعالى، وكان ملكا معتبرا أخباره مشهورة، عفا الله عنه. ولما توفي تسلطن بعده ثمانية من أولاده لصلبه، فأولهم الملك (١١) المنصور

стр. 721

أبو بكر (١) وخلع، ثم الملك الأشرف كجك وخلع (٢)، ثم الناصر محمد وخلع، ثم الصالح إسماعيل (٣) وتوفي، ثم الكامل شعبان (٤) وخلع، ثم المظفر حاجي (٥) وقتل، ثم الملك الناصر حسن (٦) (٧) وخلع، ثم الملك الصالح صالح (٨) وخلع، وأعيد الناصر حسن، وتوفي قتلا (٩) وتقدم ذكر تاريخ وفاته في أخبار مدينة السيد الخليل، ﵇. وولي بعده ابن أخيه الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجي (١٠) وخلع. ثم ولي السلطان الملك الأشرف شعبان (١١) بن الأمير حسن بن الملك الناصر (١٢) محمد بن قلاوون (١٣) مولده في ٧٥٤ هـ (١٤)، استقر في السلطنة في

стр. 722

النصف من شعبان سنة ٧٦٤ هـ (١)، وله من العمر عشر سنين، وكان الخليفة المتوكل على الله (٢)، أبو عبد الله محمد (٣). وفي أيامه عمرت المنارة التي عند باب الأسباط، وتقدم أن عمارتها بمباشرة السيفي قطلوبغا ناظر الحرمين الشريفين، وعمارتها في سنة ٧٦٩ هـ (٤) (٥)، وجددت الأبواب الخشب المركبة على أبواب الجامع الأقصى، وجددت عمارة القناطر التي (٦) على الدرجة الغربية في صحن الصخرة المقابل (٧) لباب الناظر في سنة ٧٧٧ هـ (٨). وتوفي قتلا (٩) في يوم الاثنين خامس ذي القعدة سنة ٧٧٨ هـ (١٠) وكان ﵀ من حسنات الدهر، هينا لينا حليما، محبا لأهل الخير، مقربا للعلماء والفقراء، معتنيا بالأمور الشرعية، عفا الله عنه. ثم ولي بعده ولده (١١) الملك المنصور علي (١٢)، وتوفي. ثم ولي أخوه حاجي سلطنته الأولى، الملقب فيها بالملك الصالح (١٣) ثم خلع.

стр. 723

واستقر في السلطنة الملك (١) الظاهر برقوق (٢)، وهو أبو سعيد برقوق بن أنص بن عبد الله، الجهاركسي الأصل، وهو أول دولة (٣) (٤) الجهاركسة، وهو من مماليك يلبغا العمري الناصري حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (٥) استقر في السلطنة يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة ٧٨٩ هـ (٦) (٧)، وكان الخليفة المتوكل على الله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد، وخلع في شهر جمادى الآخرة سنة ٧٩١ هـ (٨)، وتولى الملك المنصور، ثم خلع. وأعيد برقوق إلى السلطنة (٩) يوم الاثنين رابع عشر صفر سنة ٧٩٢ هـ (١٠) في خلافة المتوكل على الله أيضا، وفي أيامه عمرت دكة المؤذنين التي بالصخرة الشريفة تجاه المحراب إلى جانب باب المغارة، بمباشرة ناظر الحرمين ونائب القدس الشريف الناصري محمد بن السيفي بهادر الفخري (١١) الظاهري في مستهل شوال سنة ٧٨٩ هـ (١٢)، وعمر البركة التي بظاهر القدس الشريف من جهة الغرب المعروفة ببركة السلطان، وعمارتها في سنة وفاته وهي سنة ٨٠١ هـ (١٣)، وهي الآن خراب لا ينتفع بها. ووقف قرية دير استيا (١٤) (١٥)، من أعمال نابلس، على سماط (١٦) الخليل،

стр. 724

﵇، وشرط أن لا يصرف ريعها إلا (١) في السماط الكريم فقط، وكتب الوقف على عتبة باب مسجد الخليل ﵇، وهو الباب الشرقي من الأبواب الثلاثة التي (٢) في داخل السور، وهو خلف مقام السيدة سارة (٣) من جهة الشرق. وفي أيامه في شهر رجب سنة ٧٩٦ هـ (٤)، ورد الأمير شهاب الدين أحمد اليغموري (٥)، ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل، ﵇، إلى القدس الشريف، وأبطل المكوس (٦) والمظالم والرسوم التي أحدثها (٧) النواب قبله بالقدس الشريف، ونقش بذلك رخامة وألصقت على باب الصخرة (٨) من جهة الغرب، وله غير ذلك من الحسنات. توفي بقلعة الجبل في ليلة الجمعة خامس عشر شوال سنة ٨٠١ هـ (٩) عن ستين سنة أو قريب منها. ثم ولي بعده ولده الملك الناصر فرج وهو زين الدين أبو السعادات فرج بن الملك (١٠) الظاهر برقوق (١١)، استقر في السلطنة وعمره اثنتا (١٢) عشرة سنة في صبيحة يوم الجمعة النصف من شوال سنة ٨٠١ هـ، والخليفة (١٣) المتوكل على الله، وفي أيامه كانت وقعة تمرلنك المشهور في سنة ٨٠٣ هـ.

стр. 725

وخلع من السلطنة بأخيه الملك المنصور عبد العزيز (١) في سنة ٨٠٨ هـ وأقام أخوه نحو شهرين وتسعة أيام وخلع، ثم أعيد الناصر فرج إلى السلطنة في يوم الاثنين سابع جمادى الأولى (٢) سنة ٨٠٨ هـ، ونزل الشام (٣) مرارا، ووصل إلى حلب مرتين، ودخل بيت المقدس، ونزل بالمدرسة التنكزية، وفرق مالا كثيرا على (٤) الناس، ومن جملة ما رسم به القدس أن نائب بالقدس لا يكون ناظر على الحرمين الشريفين (٥)، ولا يتكلم بالنظر بالجملة الكافية. ونقش بذلك بلاطه وألصقت بحائط (٦) باب السلسلة عن يمين الداخل من الباب، وعلق بمسجد سيدنا الخليل ﵇ الستائر الحرير على الأضرحة (٧) الشريفة. وتوفي قتلا في ليلة السبت سابع عشر صفر سنة ٨١٥ هـ، ودفن بمقابر المسلمين بدمشق، رحمه الله تعالى (٨). وولي بعده الملك المؤيد شيخ (٩) وتوفي، وولي بعده ولد (١٠) الملك المظفر أحمد (١١) وخلع. وولي بعده الملك الظاهر ططر (١٢) وتوفي، وولي بعده ولده الملك الصالح محمد (١٣) وخلع.

стр. 726

وولي بعده السلطان الملك الأشرف برسباي (١)، هو أبو النصر برسباي الدقماقي (٢) الظاهري، من عتقاء الظاهر برقوق، استقر في السلطنة في سنة ٨٢٥ هـ، في شهر ربيع الأول، وكان الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داود (٣) في أيامه، كان ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف الأمير أركماس (٤) الجلباني (٥)، وكان حاكما معتبرا، عمر الأوقاف ونماها، وصرف المعاليم، واشترى للوقف مما أرصده من المال جهات من القرى والمسقفات، وورد مرسوم (٦) الأشرف بصرف معاليم المستحقين فيها (٧) وإرصاد ما بقي لمصالح الصخرة الشريفة، ونقش بذلك رخامة (٨) وألصقت بحائط الصخرة، تجاه قبة المعراج في سنة ٨٣٦ هـ (٩). ومن حسنات الملك الأشرف بالمسجد الأقصى، المصحف الشريف الذي وضعه (١٠) بداخل الجامع تجاه المحراب، بإزاء دكة المؤذنين، وهو مصحف شريف (١١) عظيم كبير أهدي إليه بدمشق حين سافر (١٢) إلى آمد (١٣) في سنة ٨٣٦ هـ، فجهزه وصحبة خازنداره (١٤)

стр. 727

إلى القدس الشريف، ووقف عليه جهة (١) للقارئ والخادم، وشرط النظر لمن يكون شيخ المدرسة (٢) الصلاحية بالقدس الشريف، وقرر في القراءة فيه الشيخ شمس الدين محمد بن قطلوشاه (٣) الرملي المقرئ وكان من القراء المشهورين في الحفظ وحسن الصوت وله محاسن كثيرة، توفي إلى (٤) ﵀ في يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة ٨٤١ هـ. وولي بعده ولده الملك الصالح محمد (٥) (٦) وخلع، وولي بعده ولده الملك العزيز يوسف (٧) وخلع. وولي بعده السلطان (٨) الملك الظاهر جقمق، هو أبو سعيد جقمق العلائي نسبة إلى الملك الظاهر برقوق، تسلطن وجلس على سرير الملك في يوم (٩) الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة ٨٤٢ هـ، وكان الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح (١٠) داود، وكان الظاهر على قدم عظيم من الصيانة والديانة والعفة والشجاعة ومحبة العلماء، الذي أنعم (١١) على الوقفين بالقدس والخليل في زمن شمس الدين الحموي الناظر (١٢)، مبلغ ألفي دينار وخمسمائة دينار ذهبا ومائة وعشرين قنطارا من

стр. 728

الرصاص برسم العمارة، ثم في أيام القاضي أمين الدين عبد الرحمن الديري أنعم بمائة وعشرين غرارة من القمح، القيمة عنها ثلاثة (١) آلاف وستمائة دينار، ولما توفي ابن الديري تحمل على الوقف ثمن الغلال (٢) فأنعم بتوفيه الثمن وهو أربعة آلاف وسبعمائة دينار. وكان في أيامه ناظر الحرمين الشريفين بالقدس الشريف والخليل القاضي (٣) غرس الدين خليل السخاوي (٤)، وهو الذي أقام نظام الحرمين الشريفين ورتب فيهما (٥) الوظائف وكان المؤذنون قبل ذلك نوبتين (٦) فزادهما نوبة ثالثة، وعمر الأوقاف ونماها، وكان سماط سيدنا الخليل، ﵇، يعمل فيه (٧) ليلة الجمعة الأرز المفلفل والحب رمان والعدس، في كل يوم، وفي الأعياد تعمل فيها (٨) الأطعمة الفاخرة. وفي أيامه، أعني الملك الظاهر، في شهور (٩) سنة ٨٥١ هـ، حرق جانب من سقف الصخرة الشريفة بصاعقة نزلت من السماء، ودخلت من باب الصخرة القبلي، فاحترق (١٠) بعض السقف من جهة الغرب (١١) من جانب القبة، واجتمع الناس لإطفاء الحريق وحصل بذلك ضجة كبيرة (١٢)، ويقال: أن الحريق لم يكن بصاعقة، وإنما بعض أولاد الأكابر دخل ليصيد طيورا بين الأسقف من الحمام، ومعه شمعة موقدة (١٣)، فعلقت النار من ضوء الشمعة في الخشب، فكان سببا للحريق (١٤)، والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 729

ومن حسنات السلطان (١) الظاهر: المصحف الشريف، الذي وضعه بالصخرة الشريفة تجاه المحراب ورتب له قارئا، وهو موجود إلى عصرنا، ورسم بإبطال المظالم من القدس الشريف، ونقش بذلك بلاطة وألصقت (٢) بحائط المسجد الغربي عند باب السلسلة. وفي أيامه جهز خاصكيا (٣) اسمه إينال باي، وكان الساعي في أمره الشيخ محمد المشمر، أحد جماعة الشيخ شهاب الدين بن أرسلان، فحضر إلى القدس الشريف بمرسوم الملك الظاهر (٤)، بالكشف على الديارات (٥)، وبهدم ما استجد بدير صهيون وغيره، وانتزاع قبر داود (٦)، ﵇، من أيدي (٧) النصارى، فهدم البناء المستجد، وأخرج قبر (٨) داود من أيدي النصارى، ونبشت عظام الرهبان المدفونين بالقبو الذي به قبر داود، وكان ذلك في يوم (٩) الاثنين يكمل ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ٨٥٦ هـ (١٠) وكان يوما مشهودا. وفي تلك السنة وقع البطش في النصارى، وأخرج (١١) المسجد من دير السريان (١٢) وسلم للشيخ محمد المشمر وصار (١٣) زاوية، وهدم البناء المستجد ببيت لحم وبالقمامة، وخلع درابزين (١٤) الخشب المستجد بالقمامة، وأخذ إلى

стр. 730

المسجد الأقصى بالتكبير والتهليل، وكشفت (١) جميع الديارات، وهدم جميع ما استجد بها، وكان ذلك في أواخر عمر السلطان، فختم الله أعماله بالصالحات وإزالة المنكرات، وسنذكر ما وقع في أمر قبر داود وصهيون في عصرنا، فيما بعد في ترجمة الملك الأشرف قايتباي (٢)، في حوادث سنة ٨٩٥ هـ (٣)، إن شاء الله تعالى. وتوفي الملك الظاهر في ليلة يسفر صاحبها عن يوم الثلاثاء (٤) ثالث صفر سنة ٨٥٧ هـ (٥)، وصلي عليه بالمسجد الأقصى (٦) صلاة الغائب في يوم الجمعة حادي عشري صفر، وتوفي بعد أن خلع نفسه من الملك، وعهد إلى ولده الملك المنصور أبي السعادات عثمان (٧)، استقر بعده في الملك ثم خلع. وولي بعده السلطان الملك الأشرف إينال (٨)، هو أبو النصر إينال الناصري (٩)، نسبة إلى الناصر فرج بن برقوق، واستقر في السلطنة في يوم الاثنين ثامن ربيع الأول سنة ٨٥٧ هـ (١٠). وكان الخليفة الأمير المؤمنين القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة (١١) (١٢)، وولي نظر الحرمين الشريفين في السنة المذكورة

стр. 731

للأمير (١) عبد العزيز العراقي المشهور ابن المعلاق، فحصل للأوقاف والمستحقين ما لم يحصل لهم قبل ذلك من العمارة، وصرف المعاليم كاملة من غير قطع ولا محاصصة، وأقام نظام السماط الكريم الخليلي. ومن حسنات الملك (٢) الأشرف إينال، المصحف الشريف الذي وضعه بالمسجد الأقصى بالقرب من جامع عمر بن الخطاب، ﵁، تجاه الشباك (٣) المطل على عين سلوان، ورتب له قارئا ووقف عليه جهة، وكسى (٤) الأضرحة الشريفة، وهي ضريح سيدنا الخليل (٥)، ﵇، وأولاده، وسيدنا موسى الكليم، وسيدنا لوط، وسيدنا يونس ﵈، الستور المزركشة (٦) وجهز الكسوة على يد زوج ابنته برد بك الدوادار الثاني (٧)، وحصل منه صدقات وإحسان (٨)، وأنعم الأشرف إينال على جهتي الوقفين بألف ومائتي إردب قمح، القيمة عنها أربعة آلاف دينار وثمانية دنانير، وعمر المسجد الأقصى في أيامه. وتوفي في تاسع جمادى الأولى سنة ٨٦٥ هـ (٩)، بعد أن خلع نفسه من الملك، وعهد (١٠) إلى ولده الملك المؤيد أحمد (١١)، فاستقر بعده في الملك ثم خلع. وولي بعده السلطان (١٢) الملك الظاهر خشقدم (١٣)، هو أبو سعيد خشقدم

стр. 732

المؤيدي من عتقاء المؤيد شيخ، استقر في السلطنة يوم الأحد ثامن عشر (١) رمضان سنة ٨٦٥ هـ، وكان الخليفة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف (٢). ومن حسناته بالقدس الشريف عمارة (٣) قناة السبيل الواصلة إلى القدس الشريف من عين العروب (٤)، وعمارة البركة الشرقية من برك المرجيع، وكانت العمارة على يد الأمير دولة باي الخاصكي (٥)، جهزه إلى القدس الشريف، واهتم بعمارتها، وقام بذلك أعظم قيام. وأنعم الظاهر خشقدم على جهة الوقف الخليلي بستين غرارة قمح، القيمة (٦) عنها ثمانمائة (٧) وأربعون دينارا، وجدد عمارة رخام مسجد الجاولي (٨) بالخليل في ٨٦٧ هـ، بمباشرة الأمير ناصر الدين محمد بن الهمام (٩) الناظر (١٠)، وله في الصخرة الشريفة مصحف شريف (١١) كبير، وضعه بإزاء مصحف الملك الظاهر جقمق من جهة الغرب، وفي أيامه ولي الأمير ناصر الدين محمد (١٢) بن الهمام نظر الحرمين الشريفين ثم عزله، وولي بعده الأمير حسن

стр. 733

الظاهري (١)، وهو الذي بنى المدرسة بجوار منارة باب السلسلة برسم الملك الظاهر خشقدم، وآل أمرها إلى مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي، وكان من خبرها ما سنذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وكان الظاهر خشقدم رسم بإبطال المظالم من القدس الشريف، ونقش رخامتين بذلك وجهزهما (٢) إلى القدس الشريف في أواخر عمره، وألصقتا بحائط المسجد الأقصى من جهة الغرب، وتوفي في حادي عشر ربيع الأول ٨٧٢ هـ، وتسلطن بعده (٣) الملك الظاهر يلباي (٤) (٥) واستمر ستة وخمسون يوما وخلع. ثم تسلطن الملك الظاهر تمربغا (٦) واستمر سبعة وخمسين يوما، وخلع في سادس رجب ٨٧٢ هـ (٧)، وتسلطن بعده (٨) مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي، وسنذكر ترجمته فيما بعد، كما تقدم الوعد به في أول الكتاب، والله حسبنا ونعم الوكيل (٩). وممن فعل الآثار الحسنة بالصخرة الشريفة من ملوك الروم، السلطان مراد الثاني خان بن السلطان محمد بن أبي يزيد خان (١٠)، رتب قراء له في الصخرة الشريفة (١١) يقرأون في ربعة شريفة، بتاريخ (١٢) ثامن رجب سنة ٨٣٣ هـ.

стр. 734

والسلطان إبراهيم بن السلطان محمد بن قرمان (١)، رتب أيضا قراء يقرؤون له ربعة شريفة، بتاريخ التاسع والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ٨٥ هـ (٢)، وغيرهما من الملوك والأعيان، رتبوا أسباعا تقرأ (٣) لهم، ووقفوا أوقافا على مصالح المسجد الأقصى وخدمته، طلبا لثواب (٤) الله تعالى، رحمة الله عليهم أجمعين. وأكثر من فعل الخير بالمسجد الأقصى، ومقام سيدنا الخليل، ﵇، من الملوك السالفة، الملك المعظم عيسى صاحب دمشق، ثم الملك (٥) الناصر محمد بن قلاوون، رحمهما الله تعالى، وقد ذكرت جميع ملوك الديار المصرية، وأولهم السلطان (٦) الملك الناصر صلاح الدين يوسف (٧) بن أيوب، تغمده الله برحمته، ومن بعده إلى عصرنا من غير إخلال بأحد منهم، غير من ذكرته من بني أيوب من ملوك الشام كما تقدم القول في أول الفصل. ولنذكر الآن أسماء العلماء في بيت المقدس (٨) الشريف فأقول وبالله التوفيق ذكر ما تيسر من أعيان العلماء بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل (٩) من المذاهب الأربعة، ومن ولي فيهما من المناصب الحكمية، والوظائف الدينية، ومن عرف بالزهد والصلاح، وبعض ما وقع فيهما من الحوادث والأخبار، فأذكر كل طائفة (١٠) من المذاهب الأربعة على حده، ليسهل على المطالع إذا أراد الكشف، ويقرب عليه الاطلاع، فكل من وقفت له على ترجمة، أو تاريخ مولده (١١) أو وفاة، ذكرت ما تيسر من ذلك على وجه الاختصار، واقتصر على

стр. 735

ترجمة (١) الرجل على ما عرف من محاسنه، وأحواله المحمودة، من غير تعرض إلى شيء فيه انتقاصه أو مذمته، فإن ذلك إثم لا فائدة فيه، وقد أعتمد هذا الفعل القبيح غالب المؤرخين، وهو خطأ كبير، ولا أرى أن (٢) ذلك إلا غيبة للأموات يأثم مرتكبها (٣)، خصوصا في حق العلماء، وطلبة العلم الشريف، والله يعلم المفسد من المصلح، ومن لم اطلع له على ترجمة ذكرت اسمه والعصر الذي كان موجودا فيه (٤) إن علمته. فأبدأ أولا بذكر علماء (٥) الشافعية فأقول (٦) وبالله التوفيق وقد تقدم (٧) أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، تغمده الله برحمته، كان شافعي المذهب، وهو الذي أقام الشافعية بالديار المصرية، وولى منهم القضاة، بعد أن كان القضاة بمصر شيعة، على مذهب الفاطميين (٨)، ولما فتح الله بيت المقدس على يديه، وقف المدرسة الصلاحية، المتقدم ذكرها، وجعلها للشافعية. فأبدأ أولا بمن ولي (٩) مشيختها من العلماء الأعلام مشايخ الإسلام فأذكر مشايخ المدرسة (١٠) الصلاحية، وأذكرهم على ترتيب ولاياتهم من زمن الملك صلاح الدين إلى عصرنا، فأقول والله الموفق (١١). قاضي القضاة شيخ الإسلام بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي، الموصلي المولد، والحلبي المنشأ الشافعي، المعروف بابن شداد، ولد في (١٢) ليلة الأربعاء العاشرة من رمضان (١٣) سنة ٥٣٩

стр. 736

هـ (١)، وتوفي أبوه وهو صغير السن، فنشأ عند أخواله بني شداد، فنسب إليهم (٢)، وكان شداد جده لأمه، وكان يكنى أولا أبا العز، ثم غير كنيته وجعلها أبا المحاسن، تفقه وحصل وتفنن، وكان إماما فاضلا وجيها في الدنيا، وكان (٣) يشبه بالقاضي أبي يوسف (٤) في زمانه من نفاذ الكلمة وسعة المال. وحج إلى بيت الله الحرام (٥) سنة ٥٨٣ هـ (٦)، وهي السنة التي فتح الله فيها بيت المقدس، وزار القدس والخليل ﵇ بعد الحج وزيارة النبي ﷺ ، واتصل بخدمة الملك صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة ٥٨٤ هـ (٧) وحضر (٨) عنده وولاه قضاء العسكر، وبيت المقدس والنظر على أوقافه، كما تقدم ذكره، وتوجه رسولا منه الخليفة ببغداد، وفوض إليه تدريس المدرسة الصلاحية، وجعل النظر فيها وفي أوقافها إليه، ونص على ذلك في كتاب وقفه، وقال فيه: رضاء بأمانته (٩)، واعتقادا في كفائته، واعتمادا على دياناته (١٠). وتقدم أن تاريخ كتاب الوقف (١١) في ثالث عشر رجب سنة ٥٨٨ هـ (١٢)، وصنف ابن شداد للسلطان كتابا في فضل الجهاد. ولما توفي السلطان رحل من القدس بعد مدة، واتصل بولده الملك الظاهر (١٣) المغيث (١٤) غياث الدين أبي الفتح غازي صاحب حلب (١٥)، وولاه قضاء

стр. 737

حلب والنظر على أوقافها، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره، وارتفاع منزلته، وكان ذا صلاح وعبادة، واجتمعت الألسن على مدحه (١) والثناء عليه، وهو شيخ القاضي شمس الدين بن خلكان صاحب التاريخ، وقد أطنب في ترجمته في وفيات الأعيان (٢). توفي في حلب (٣) في يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ٦٣٢ هـ (٤)، بعد أن ظهر عليه أثر الهرم، ومن تصانيفه: دلائل الأحكام على التنبيه في مجلدين، وكتاب الموجز (٥) الباهر في الفقه، وكتاب ملجأ الحكام في الأقضية في مجلدين، وسيرة الملك صلاح الدين، أجاد فيه (٦) وأفاد، ﵀. شيخ الإسلام مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جهبل (٧) بفتح الجيم وبالباء الموحدة الحلبي الشافعي (٨)، الشيخ الإمام العلامة، كان إماما في الفقه والحساب والفرائض، صنف للسلطان نور الدين الشهيد كتابا في فضل الجهاد (٩)، ودرس بحلب بالنورية (١٠) (١١)، وقال العلامة قاضي القضاة تقي الدين بن قاضي شهبة (١٢) في ترجمته في طبقات الشافعية، وهو أول من درس بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف، وهو والد بني جهبل (١٣) الفقهاء الدمشقيين، توفي بالقدس الشريف في سنة ٥٩٦ هـ (١٤)، عن أربع وستين سنة، ﵀.

стр. 738

وقد وهم بعض المؤرخين فيه، فظنه أبو العباس (١) أحمد بن المظفر بن الحسين الدمشقي، وذكر أنه أول من درس بالصلاحية، وذكر تاريخ وفاته ومقدار عمره كما هنا (٢)، وليس كذلك، فإن ذلك يعرف ابن زين التجار، وكان مدرس المدرسة الناصرية (٣) الصلاحية المجاورة للجامع العتيق (٤)، بمصر وبه تعرف المدرسة، ذكره السبكي في الطبقات الوسطى وأرّخ وفاته في ذي القعدة سنة ٥٩١ هـ (٥)، فاشتبه الحال على بعض المؤرخين بكونه مدرس المدرسة الصلاحية بمصر، فظنها التي بالقدس، والله أعلم. شيخ الإسلام فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد (٦) بن الحسين بن عساكر الدمشقي (٧)، شيخ الشافعيين (٨) بالشام، ولد في رجب سنة ٥٥٠ هـ (٩)، وولي تدريس الصلاحية بالقدس الشريف، ثم التقوية (١٠) (١١) بدمشق، فكان يقيم بدمشق أشهرا وبالقدس أشهرا، وكان لا يخلو لسانه من ذكر (١٢) الله تعالى في قيامه وقعوده، وكان زاهدا عابدا ورعا منقطعا إلى العلم والعبادة، حسن الأخلاق، قليل الرغبة (١٣) في الدنيا، أكثر أوقاته في نشر العلم، كثير التهجد، قليل التعصب، مطرح التكلف (١٤)، عرضت عليه مناصب وولايات دينية فتركها.

стр. 739

توفي بدمشق في شهر (١) رجب سنة ٦٢٠ هـ (٢)، ودفن بطرف مقابر الصوفية الشرقي، ﵀، ومن شعره: خف إذا أصبحت ترجو … وأرج إن أصبحت خائفا كم أتى الدهر بعسر … فيه لله لطائف شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الإمام البارع صلاح الدين أبي القاسم (٣) عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي النصر، بالنون والصاد المهملة، نسبة إلى جده بن أبي نصر (٤) الشهرزوري الأصل الموصلي المربى، الدمشقي الدار والوفاة، المشهور ابن الصلاح (٥)، ولد سنة ٥٧٧ هـ (٦) بشهرزور (٧)، وسمع الكثير من خلائق، وولي التدريس بالمدرسة (٨) الصلاحية، فلما خرب المعظم أسوار القدس، قدم دمشق وكانت العمدة في زمانه على فتاويه (٩). وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وكان في الدين والعلم على قدم حسن، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة، وكان عديم النظير (١٠) في زمانه، حسن الاعتقاد على مذهب السلف، يرى الكف (١١) عن التأويل ويؤمن بما جاء عن رسول الله على مرادهما ولا يخوض ولا يتعمق، وكان كثير العبادة (١٢) كبير الهيبة يتأدب معه السلطان فمن دونه. ومن تصانيفه (١٣) مشكل الوسيط في مجلد كبير، نكت على مواضيع

стр. 740

متفرقة (١)، أدب المفتي والمستفتي (٢) (٣)، ونكت على المهذب، وفوائد الرحلة (٤)، وهي أجزاء كبيرة مشتملة على فوائد غريبة من أنواع العلوم، نقلها في رحلته إلى خراسان (٥)، عن كتب غريبة، وطبقات الفقهاء الشافعية (٦)، واختصره النووي واستدرك عليه، أهملا (٧) فيه خلائق من المشهورين فإنهما كانا يتبعان التراجم الغريبة (٨)، وأما المشهورة فإلحاقها سهل فاخترمتهما المنية، ﵄ قبل إكمال الكتاب، وشرح قطعة من صحيح مسلم اعتمدها (٩) النووي في شرحه، وله مصنفات على مسائل مفردة. توفي ﵀ بدمشق في حصار الخوارزمية، في ربيع الآخر سنة ٦٤٣ هـ (١٠)، ودفن بمقابر الصوفية. ومن مشايخ الصلاحية بعد أبي عمرو (١١) بن الصلاح. القاضي محيى الدين قاضي غزة، وهو الإمام العالم العامل (١٢) الورع، محيي الدين أبو حفص عمر بن القاضي السعيد عز الدين موسى بن عمر الشافعي (١٣) بن جماعة الكناني، وكان موجودا متوليا قضاء غزة وما معها والأعمال الساحلية، في شهور سنة ٦٧٧ هـ (١٤)، وكان قضاء القدس من مضافاته، وكان يستخلف عنه فيه، ولم أطلع له على ترجمة ولا تاريخ وفاة. وولي بعده قضاء غزة وتدريس الصلاحية، الشيخ جمال الدين الباجربقي (١٥) بن تقي الدين، الآتي ذكره، وهو (١٦) شيخ الإسلام
следующие страницы →