← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

هـ (١)، فوجد عليه والده، وتأسف الناس عليه ودفن بباب الرحمة، وعمر والده بعد موته وتوفي في ليلة السبت حادي عشر شوال سنة ٨٨٤ هـ (٢)، ودفن عند والده، بباب الرحمة. الشيخ المقرئ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد اللطيف الحنفي، كان من أعيان فقهاء الحنفية ورئيس القراء بالقدس الشريف، وهو رجل خير عنده تواضع ولين جانب ومحبة لأصحابه، وكان يرقى للخطب يوم الجمعة، وله وجاهة عند الناس والأكابر، توفي في يوم الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ٨٨٥ هـ (٣) عن ٨٣ سنة، ودفن بماملا. الشيخ الإمام، العالم العلامة، ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن صفي (٤) الحنفي، المشهور بابن الشنتير (٥)، مفتي الحنفية بالقدس الشريف، أخذ العلم عن الشيخ ناصر الدين الإياسي القرمي (٦)، وفضل وتميز، فصار من الأعيان ببيت المقدس أفتى ودرس، وانتفع به الطلبة، وكان عنده سكون، قليل الكلام فيما لا يعنيه، وعند ما توجه إلى الحجاز الشريف في البحر، فلما وصل إلى جده وقع عن الجمل فكسر فخذه، وطاف للقدوم محمولا، وتوفي بمكة قبل الحج، ودفن بالمعلا في ذي القعدة سنة ٨٨٥ هـ. وأخوه الشيخ (٧) شهاب الدين أحمد، كان من اهل القرآن ويلبس ملبوس الأتراك، وكان حسن القراءة، طيب النغمة فيها، استقر إماما عند الأمير قراجا (٨) بدمشق، ثم عاد إلى بيت المقدس بعد السبعين والثمانمائة، ولما توفي شهاب الدين أحمد بن حافظ إمام الصخرة الشريفة، قرره ناظر الحرمين ناصر الدين بن النشاشيبي في نصف (٩) إمامة الصخرة الشريفة، مشاركا للقاضي خير الدين بن عمران، فلم يتم ذلك وأخذ الوظيفة منهما بأمر السلطان للشيخ سعد الله الحنفي، ثم توجه إلى القاهرة

стр. 912

فأدركته المنية بها سنة ٨٧٨ هـ (١). الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد، المشهور بابن الصائغ الصوفي الحنفي، من أهل قلعة الروم (٢)، كان من أهل الزهد (٣) والصلاح وعنده فضل، وهو خيّر متواضع منجمع عن الناس منور الشيبة، عليه أبهة الصالحين، وكان يعرف بخليفة الأردبيلي، نسبة لشيخه علي الأردبيلي المدفون بباب الرحمة، توفي في شهور سنة ٨٨٥ هـ. الشيخ الفاضل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن جمال الدين يوسف، المشهور (٤) بابن الجمال الأشقر الحنفي، اشتغل ودأب وحصّل، وفضل في مذهب الإمام أبي حنيفة، ﵁، وسافر إلى دمشق وأذن له الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن العيني، عالم دمشق بالإفتاء، وأذن له قاضي القضاة خير الدين بن عمران بالقدس، توفي في شهر ربيع الأول سنة ٨٨٨ هـ وكان رجلا خيرا، أصيب بولده المذكور فصبر، رحمهم الله تعالى. القاضي زين (٥) الدين محمود بن بدر الدين حسن بن البرد بك الحنفي القرمي، كان من أعيان المباشرين على أوقاف المسجد الأقصى الشريف، وله يد طولى في علم الفرائض والحساب، وسافر من القدس إلى جهة بلاد الهند حتى وصل إلى بلاد الشعشاع (٦) وطالت غيبته، ثم قدم إلى القدس الشريف بعد السبعين والثمانمائة، وباشر على الأوقاف على عادته، وكان له وجاهة عند الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي ناظر الحرمين، وكان رجلا خيّرا، كثير التواضع لين الجانب، توفي في خامس عشر المحرم سنة ٨٩١ هـ (٧) ودفن بمقابر الشهداء. الشيخ العلامة سعد الدين سعد الله بن حسين الفارسي الحنفي (٨)، شيخ

стр. 913

القراء (١)، اشتغل ببلاده، وحفظ القرآن وأتقنه بالروايات، وكان (٢) على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وأخبرت أنه كان قبل ذلك على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، قدم من بلاده إلى دمشق وهو على مذهب الشافعي في سنة ٨٥٠ هـ (٣)، ثم (٤) انتقل إلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، ﵁، وفضل فيه، وباشر نيابة الحكم بدمشق، وتوجه إلى القاهرة، وكان له حرمة في مباشرته، ثم قدم بيت المقدس في سنة ٨٧٧ هـ (٥) واجتمع بالسلطان فأكرمه وقرره في إمامة الصخرة الشريفة، وألبسه خلعة، ودخل إلى القدس في أواخر ذي الحجة سنة ٨٧٧ هـ صحبه قاصد ابن عثمان ملك الروم، وكان يوما حافلا، وتصدر بالصخرة الشريفة لاشتغال الطلبة والتدريس والفتوى، وانتفع به جماعة من فقهاء الحنفية، واستمر على ذلك إلى أن توفي في أوائل جمادى الأولى سنة ٨٩٠ هـ (٦) ودفن بماملا. الفقيه (٧) علاء الدين علي بن عبد الله بن محمد الغزي المقرئ الحنفي، المشهور بابن قاموا شيخنا، ذكر أنه لما نزل الأشرف برسباي إلى آمد (٨) سنة ٨٢٦ هـ (٩)، كان مراهقا، حفظ القرآن العظيم، وتلى بالسبع على شيخنا العلامة شمس الدين بن عمران وغيره، وأقام ببيت المقدس دهرا، وأدّب به الأطفال، وسمع الحديث، وأقرأ القرآن، وكان جيد الحفظ له، سريع القراءة. وقد قرأت عليه القراءات، ولي نحو عشر سنين بمكتب باب الناظر، فأقرأني من سورة الفاتحة إلى الأنبياء، ثم كررت ختم القرآن عليه مرات كثيرة، وقرأت بعضه عليه برواية عاصم (١٠)، وأحضرني مجلس شيخنا ابن عمران بسماع الحديث،

стр. 914

واعتنى بتحصيل الإجازة لي منه، رحمهما الله تعالى، توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة سنة ٨٩٠ هـ (١) بالقدس الشريف. الشيخ خير الدين خضر بن إسماعيل الرومي القرماني الحنفي (٢)، كان رجلا مباركا يحفظ القرآن، وكان يصنع المسابح بيده، وهو منجمع عن الناس، توفي في سنة ٨٩٠ هـ، ودفن بباب الرحمة، ﵀. قاضي القضاة، شيخ الشيوخ، تاج الدين أبو نصر (٣) عبد الوهاب بن قاضي القضاة شيخ الإسلام، سعد الدين أبي السعادات سعيد (٤) بن قاضي القضاة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الديري العبسي (٥)، وتقدم ذكر والده وجده، ومولده (٦) في ثاني عشر ربيع الأول سنة ٧٩٥ هـ (٧) بالقدس الشريف ونشأ به، حفظ القرآن، وسمع الحديث، واشتغل بالعلم على والده وجده، وفضل وتميز وانتهت إليه الرئاسة بالقدس الشريف، ودرّس بالمعظمية نيابة عن والده، وناب عنه في القضاء بالديار المصرية، ثم (٨) ولي قضاء الحنفية بالقدس الشريف في المحرم سنة ٨٥١ هـ (٩)، عوضا عن قاضي القضاة شمس الدين بن خير الدين الحنفي، ودرّس بالمدرسة المعظمية الحنفية استقلالا، ونفذت كلمته وعظم أمره باعتبار والده، وعمر عمارة هائلة بظاهر القدس بأرض كرمه عند خان الظاهر (١٠)، فصرف (١١) فيها ما يقرب من عشرة آلاف دينار، واستمر إلى سنة ٨٦٦ هـ (١٢).

стр. 915

ثم تنزه عن القضاء وتوجه إلى القاهرة، وفوض إليه والده مشيخة المؤيدية، واستقر ولده قاضي القضاة ناصر الدين هبة الله عن أبيه في قضاء القدس الشريف، فلما توفي والده قاضي القضاة سعد الدين في سنة ٨٦٧ هـ (١)، نزل عن المؤيدية لعمه قاضي القضاة برهان الدين، واستوطن القدس، ثم سافر إلى القاهرة، واستقر في مشيخة المؤيدية في سنة ٨٧٨ هـ (٢)، وشرع يتردد من القاهرة إلى القدس الشريف، وفي سنة ٨٩٢ هـ (٣) نزل بعمارته التي بكرمه عند خان الملك الظاهر بيبرس، وأقام بها مدة يسيرة، ثم قصد التوجه إلى القاهرة، فوصل إلى مدينة غزة، فأدركته المنية (٤) بها في يوم الجمعة سادس شعبان سنة ٨٩٢ هـ بالجامع الجاولي (٥)، ودفن بتربته هناك بجوار الجامع، وقد تلاشت أحوال عمارته التي بظاهر القدس، وخرب غالبها في هذه المدة اليسيرة التي هي دون تسع سنين بعد وفاته، وصارت من المهملات بعد ما كان فيها من العز والوقار ما لم يمكن شرحه، وكان القياس يقتضي أنه إذا توفي صاحبها، ومضى عليه أزمنة ودهور لا يؤول أمرها إلى هذا التلاشي الفاحش في هذه المدة اليسيرة، فسبحان القادر على ما شاء الله، المتصرف في عباده بما يريد. قاضي القضاة العلامة خير الدين أبو الخير محمد بن الشيخ الإمام المقرئ المحدث، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عمران الغزي الأصل، ثم المقدسي الحنفي (٦)، ولد بغزة في ليلة العشر (٧) من رمضان سنة ٨٣٨ هـ (٨)، قرأ القرآن بالروايات على والده وأجازه، وسافر إلى الديار المصرية، واشتغل من ابتداء أمره، ودأب وحصل، وتفقه (٩) بالقاهرة على الشيخ قاسم الحنفي، وأذن له بالإفتاء والتدريس، ولقي العلماء، وأخذ عن جماعة الفقه والحديث، وبرع في مذهب الإمام الأعظم أبو حنيفة، ﵁، وتميز وصار من الأعيان المعتبرين، ولي قضاء الحنفية بالقدس الشريف، عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين الديري،

стр. 916

وكانت ولايته في يوم ولاية شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف مشيخة الصلاحية، والقاضي شهاب الدين بن عبية قضاء الشافعية، وخلع على الثلاثة بحضرة السلطان بالحوش، وكنت حاضرا ذلك المجلس في صبيحة يوم السبت في شهر صفر سنة ٨٧٦ هـ (١) (٢) وسافروا جميعا من القاهرة، ودخلوا إلى القدس الشريف في يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وباشر قاضي القضاة خير الدين القضاء بعفة (٣) وقوة وشهامة، وكانت سيرته حسنة وأحكامه مرضية. ثم في أواخر سنة ٨٧٦ هـ استقر في نصف الإمامة بالصخرة الشريفة، بحكم وفاة الإمام شهاب الدين أحمد بن حافظ مشاركا للشيخ شهاب الدين أحمد بن الشنتير بالنصف الثاني، بتقرير صدر لهما من ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، فلم يتم لهما ذلك وأخذت منهما الإمامة للشيخ سعد الله الحنفي، بأمر السلطان بعد مباشرتها مدة يسيرة، واستمر القاضي خير الدين على القضاء إلى أن عزل بالقاضي جمال الدين الديري في ربيع الأول سنة ٨٧٨ هـ (٤)، فدخل القاضي جمال الدين إلى القدس وهو متوعك، فأقام أربعة عشر يوما، وتوفي كما تقدم في ترجمته، وأعيد القاضي خير الدين إلى وظيفة القضاء في شهر جمادى الأولى، ووصل إليه التوقيع الشريف، وألبس خلعة السلطان من محراب المسجد الأقصى، ومشى الناس في خدمته إلى منزله بباب الحديد، وذلك في أوائل جمادى الآخرة، واستمر نحو تسعة أشهر. ثم عزل القاضي بقاضي القضاة شمس الدين الديري (٥) أخي القاضي جمال الدين، ووصل المرسوم بذلك في سلخ صفر سنة تسع وسبعين وثمانمائة (٦) فتنزه عن القضاء، ولم يتكلم فيه بعد ذلك، وانقطع في منزله للعبادة والاشتغال بالعلم وقراءة القرآن والحديث، وانتهت إليه (٧) رئاسة مذهب أبي حنيفة بالقدس الشريف، وتصدر للإفتاء والتدريس، وحج إلى بيت الله الحرام، وعظم أمره عند الناس، وصار له الهيبة والوقار، ودرّس بالمعظمية نيابة، ونسخ بخطه (٨)

стр. 917

كثير (١) من المصاحف الشريفة والبخاري، وكتب الفقه وغير ذلك، وكان في سرعة الكتابة والملازمة لهما من العجائب. وعمل طريقة في المصحف الشريف في مقابلة الأحرف (٢) لم يسبق إليها، وهي أنه إذا كان حرف من أول السطر من الصفحة ألفا يكون أول حرف من أول السطر الآخر منها كذلك، وأول السطر الثاني مثلا واوا يكون مقابله قبل السطر الأخير كذلك وهلم جرا، وأحرف المقابلة كتبها بالأحمر، ويكون أول الصفحة أول الآية، وآخر الصفحة آخر الآية، وكل جزئين في كراس كامل، فيكون المصحف ثلاثين كراسا لا يزيد ولا ينقص، وهذه الطريقة من العجائب لم يسبق إليها، وفي الحقيقة هي طريقة في غاية المشقة، وقد سهلها الله فعملها بأسرع وقت، وهو تيسير من قبل الله تعالى، وقد انتشر (٣) هذا المصحف بهذه الطريقة في غالب المملكة بخطه، حتى وصل إلى الحجاز والعراق والروم، وله ربعة شريفة بالحرم الشريف النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام. وكان خيّرا متواضعا، حسن اللفظ والشكل، منور الشيبة، وعنده تودد للناس ولين جانب، ولقد أحسن إليّ في زمن ولايته القضاء وبعده، ﵀ وعفى عنه، توفي يوم الخميس الثلاثين من شهر رمضان سنة ٨٩٤ هـ (٤) وله ست وخمسون سنة، وصلي عليه من يومه بعد صلاة العصر بالمسجد الأقصى الشريف، ودفن إلى جانب ولده بتربة ماملا، وكان يوما مشهودا لجنازته (٥)، شيعه شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، وشيخ الإسلام النجمي ابن جماعة، وناظر الحرمين، ونائب السلطنة الأمير دقماق (٦)، والقضاة والأعيان وغيرهم تغمده الله برحمته، وعوضه الجنة. العدل علاء الدين علي بن محمد بن سعيد الحنفي، المشهور بابن نائب الناظر نسبة لوالده الحاج محمد، فإنه كان باشر نيابة النظر على المسجد الأقصى فعرف به، كان علاء الدين رجلا خيرا صالحا (٧) يحترف بالشهادة، باشرها دهرا طويلا نحو ٥٦

стр. 918

سنة على خير وعفاف، لم يضبط عليه ما يشينه، ثم أذن له في عقد الأنكحة فباشرها دهرا طويلا (١) نحو ستة عشرة سنة، وكان له مروءة، وعنده تواضع وتودد، توفي في عاشر المحرم سنة ٨٩٥ هـ (٢)، ودفن بماملا، ﵀. الشيخ الإمام، العالم العلامة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن بدر الدين محمود الحنفي، شيخ المدرسة الفنزية بالقدس الشريف، قدم إلى بيت المقدس وأقام به مدة يسيرة، وتوفي يوم الأحد ثالث شهر ذي القعدة سنة ٨٩٦ (٣)، ودفن بباب الرحمة، وبني على قبره مصطبة (٤) كبيرة ببناء محكم. الشيخ (٥) الإمام، العالم العلامة، زين الدين عبد السلام أبو بكر بن الرضي الكركي الحنفي، ولد بمدينة الكرك ونشأ بها، وكان على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، ثم قدم إلى بيت المقدس في شهور سنة ٨٧٦ هـ، وانتقل إلى مذاهب أبي حنيفة (٦)، وتفقه على الشيخ ناصر الدين بن الشنتير، المتقدم ذكره، وبرع في مذهب أبي حنيفة، وأذن له بالإفتاء (٧) والتدريس، ودأب وحصل، وتفنن في العلوم، فتصدر للإفتاء والتدريس، وكتب على الفتاوى كثيرا، وانتفع الناس به، واشتغل عليه الطلبة، وكان من أهل العلم، وعليه السكينة والوقار، والناس سالمون من يده ولسانه، وعبارته في الفتوى نهاية في الحسن درّس بالمعظمية نيابة (٨) إلى أن توفي، ولما انتقل من مذهب الشافعي (٩) إلى مذهب أبي حنيفة، ﵄، لامه بعض الناس على ذلك فأنشد: أخذ السفيه يلومني بجهالة … لم لا تثبت على الطريق الأعرف فأجبته دع عنك لومي يا فتى … واسلك طريقة الإمام الأشرف إن المذاهب خيرها وأصحها … ما قاله النعمان حقا فاقتف إنسان عين للأئمة كلهم … والكل عنه للطريقة مقتف

стр. 919

فاخترت مذهبه وقلت بقوله: … وجعلته يوم القيامة مسعف توفي ﵀ في يوم الجمعة (١) ثامن عشري شهر رجب سنة ٨٩٨ هـ (٢) بالطاعون (٣)، وصلي عليه بالمسجد الأقصى بعد صلاة العصر، وحمل تابوته على الرؤوس ودفن بماملا، ومات فقيرا، لم يترك من الدنيا سوى عشرة دنانير، وكتبه، عفى الله عنه. ودرّس بعده بالمعظمية الشيخ العلامة القاضي شمس الدين أبو اللطف، محمد بن قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله بن قاضي القضاة، خير الدين خليل الحنفي نيابة بعد أن كانت الوظيفة استقلالا (٤) له، فإنه كان بيده حصة منها قدرها الخمسان، تلقاها عن والده وباشرها مدة في زمن الشيخ تاج الدين الديري، فكملت له الوظيفة، ثم تلقاها عنه ولده القاضي ناصر الدين هبة الله، ثم نزل عنها للقاضي فخر الدين الخزرجي، فنزل عنها للشيخ رضي الدين بن القاضي عماد الدين بن الأخرم المقيم بالقاهرة، فاستناب قاضي القضاة خير الدين بن عمران الحنفي إلى أن توفي، ثم استناب الشيخ عبد السلام الرضي إلى أن توفي. الشيخ الصالح الناسك العابد الخاشع القدوة، شرف الدين موسى بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ الصالح القدوة جمال الدين عبد الله (٥) بن الصامت القادري الحنفي، شيخ السادة القادرية بالقدس الشريف، وتقدم ذكر والده وجده، كان الشيخ موسى من أهل الخير والصلاح، وله عبادة وملازمة على ذكر الله تعالى، وكان مقيما بالمدرسة الصبيبية شمالي المسجد الأقصى الشريف، ويقيم فيها الأوقات المشهودة بالذكر خصوصا في ليالي الجمع، وكان يذكر الله تعالى في المسجد الأقصى بصدر جامع النساء (٦) عقب صلاة كل جمعة، وعليه الأنس والوقار وكان منجمعا عن الناس، لا يخالط أبناء الدنيا ولا يتردد إليهم، وهو من ذرية قوم صالحين، وقد أضر في بصره وضعف بدنه قبل وفاته بسنين، ومع ذلك لا يفتر عن ذكر الله تعالى، ولا عن ملازمة الطاعة على عادته، والناس سالمون من يده ولسانه، والصلاح ظاهر عليه، توفي في ليلة الأحد وصلي عليه بالمسجد الأقصى بعد الظهر

стр. 920

من يوم الأحد سادس عشر صفر سنة ٨٩٨ هـ (١)، وحمل تابوته (٢) على الرؤوس، ودفن بتربة الساهرة عند أسلافه، كان يوما مشهودا لجنازته، لم ير مثله في هذه الأزمنة، وشيعه شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف وقضاة الشرع والعلماء (٣) والخاص والعام، وبلغ من العمر نحو ثلاثة وسبعين سنة، ﵀. ذكر فقهاء المالكية من القضاة والعلماء وطلبة العلم بالقدس (٤) الشريف الشيخ الصالح عمر بن عبد الله بن عبد النبي المغربي المصمودي المجرد، كان رجلا صالحا عمّر الزاوية المعروفة بزاوية المغاربة، وهي بأعلى حارتهم بالقدس، وأنشأها من ماله ووقفها على الفقراء والمساكين في ثالث شهر (٥) ربيع الآخر سنة ٧٠٣ هـ (٦)، وتوفي بالقدس الشريف، ودفن بماملا عند حوش البسطامية من جهة الغرب. وقد وهم بعض المؤرخين فظنه الشيخ عمر المجرد واقف الزاوية بمدينة سيدنا الخليل، ﵇، لاشتراكهما في الاسم والشهرة، والأمر بخلاف ذلك وتقدمت ترجمة ذلك في تراجم الشافعية، رحمهما (٧) الله تعالى. الشيخ بدر الدين (٨) أبو محمد الحسن بن الشيخ فخر الدين، أبي عمرو عثمان، والشيخ شرف الدين أبي الروح عيسى الصنهاجي (٩) المالكي، أحد فقهاء المالكية بالقدس الشريف، كان يستخلف في الأحكام على قاعدة مذهب الإمام مالك، ﵁، وكان موجودا في سلخ (١٠) سنة ٧٧٧ هـ (١١). الشيخ الإمام، العالم العلامة، شمس الدين أبو عبد الله محمد (١٢) بن الشيخ

стр. 921

شمس الدين أبي عبد الله محمد بن حزب الله المالكي، كان يستحلف في الثبوت بالشهادة (١) على الخط بالقدس الشريف، رأيت إسجاله في بعض المستندات، مؤرخا في شهر صفر سنة ٧٨١ هـ (٢). الشيخ الصالح القدوة، زين الدين عبد الرحمن الكرديسي (٣) المغربي المالكي، كان من أولياء الله الصالحين، وله كرامات ظاهرة، توفي بالقدس الشريف، ودفن بماملا قبل الثمانمائة، ومن كراماته أن بعض المعتقدين فيه قصد بناء قبة على قبره فأصبح ولم يجد القبر، نفع الله به، ودفن إلى جانبه جماعة من شيوخ الدركاه أولاد الشيخ سعيد (٤). الشيخ موسى المغربي المالكي، كان رجلا صالحا من ذوي الكرامات، وهو الذي كان سبب لترتيب صلاة المالكية بالقدس الشريف، توفي بمدينة سيدنا الخليل، ﵇، ودفن عند الشيخ عمر المجرد بزاويته في حدود الثمانمائة. قاضي القضاة، جمال (٥) الدين أبو محمد عبد الله بن علم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد الله الهلالي الأنصاري المالكي، المشهور بابن الشحاذة (٦)، وأول من ولي قضاء المالكية استقلالا بالقدس الشريف، كان من أهل العلم، ويدرّس بالمدرسة المالكية بالقدس، وكان يستحلف بالثبوت (٧) بالشهادة على الخط، ثم اشتغل بالقضاء، ولم اطلع له على ترجمة، وإنما أخبرني قديما بعض الأكابر الثقات المعتمد على نقلهم، أنه كان يتيما فقيرا، وأن والدته كانت تسأل الناس، فكانت (٨) تذهب به إلى بعض الفقهاء بالمكتب، وتقول له يا ولدي اشتغل بالقرآن والعلم، وأنا أقوم بكفايتك فيما تحتاجه فكان يقرأ، وتذهب هي تسأل الناس وتأتي إليه بما يقوته، فحفظ القرآن، واشتغل بالعلم في مذهب الإمام مالك، ﵁، وانتهى به الحال إلى أن ولي القضاء ببيت المقدس، فكان أول (٩) قضاة المالكية به، وقد وقفت على مستند ثابت عليه إسجاله في ذلك المستند بخط نفسه، وهو مؤرخ

стр. 922

في شهر رمضان سنة ٧٩٨ هـ (١) ولا شك أنه كان في ذلك التاريخ مستخلفا، وأن استقلاله بالقضاء بعد الثمانمائة، فإني وقفت على بعض إسجالاته نيابة في سنة ٨٠٠ هـ (٢)، ثم رأيت في إسجالاته في سنة ٨٠٢ (٣) يذكر فيها أن ولايته (٤) متصلة بالمواقف الشريفة السلطانية المالكية الناصرية، يعني به فرج بن برقوق، ولعلها (٥) السنة التي استقل فيها بالقضاء، وأخبرني شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف أن جده لأمه القاضي شهاب الدين بن أبي عوجان المالكي، ولي قضاء القدس بعد وفاة القاضي جمال الدين بن الشحاذة في سنة ٨٠٥ هـ (٦) وأن وفاته في تلك السنة أو التي قبلها، والله أعلم. الشيخ العالم المسند شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن مثبت، الأندلسي المالكي (٧)، مقرئ بيت المقدس، سمع من العلائي وجماعة، وسمع على شيخنا التقوي القلقشندي وأجاز له، توفي في شهر رجب سنة ٨٠٨ هـ (٨)، وهو والد الأخوين (٩) إمامي المالكية ببيت المقدس علاء الدين الفقيه المالكي الكبير، والمحدث الراوي المقرئ شهاب الدين، رحمهم الله تعالى. قاضي القضاة فخر الدين عثمان (١٠) بن سراج الدين أبي الخطاب عمر بن علم الدين سليمان المغربي الجاناتي المالكي، باشر نيابة الحكم بالقدس الشريف في سنة ٨١٥ هـ (١١)، ثم ولي (١٢) القضاء بعد ذلك استقلالا، وكان متوليا في سنة ٨١٨ هـ (١٣). قاضي القضاة بدر الدين أبو محمد الحسن بن الشيخ تقي الدين أبي الإنفاق

стр. 923

أبي بكر الزرعي المالكي، قاضي القدس الشريف، كان متوليا في شهر رمضان سنة ٨١٥ هـ. الشيخ المسند الصالح (١)، شمس الدين محمد بن يوسف بن عثمان القارئ المغربي المالكي، ولد سنة ٧٣٠ هـ (٢)، أجاز لشيخنا التقوي القلقشندي، توفي سنة بضع وعشرين وثمانمائة. الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن عبد الواحد (٣) بن حيان المغربي المالكي، إمام المالكية بالمسجد الأقصى، الشاعر الأديب المقرئ، وهو سبط ابن مثبت (٤) مقرئ بيت المقدس، كان الشيخ شمس الدين يقرأ بالسبع ويعرف الفرائض معرفة جيدة والحساب والنحو، وكان يحترف بالشهادة في أول عمره، فلما مات خاله شهاب الدين (٥) بن مثبت، كان قد نزل له عن إمامة المالكية وعن تصديره بالمسجد، وتوفي في رجب سنة ٨٢٦ هـ (٦)، ومن نظمه وقد بعث إلى بلد الخليل يطلب من شمس الدين بن نصف الدنيا ساعات رملية فأبطأ عليه، فكتب إليه وأجاد في القول: إذا كانت الدنيا جميعا بأسرها … غدت ساعات لا شك فيها ولا مراء فمن يطلب الساعات من نصفها … يكن جهولا وفي هذه الفعال قد افترى الشيخ الإمام العالم الصالح الزاهد العارف المقرئ عبد الله بن إبراهيم البكري (٧) المغربي المالكي المجاور بالقدس الشريف، وكان شيخ دار القرآن السلامية يقرئ الناس بها، فانتفع (٨) الناس به، وكان يستحضر من المدونة (٩) كثيرا، ويعرف القراءات وغير ذلك وللناس فيه اعتقاد، ويحكى عنه مكاشفات وأمور عجيبة لا تحكى إلا عن كبار الأولياء، وأسن حتى صار يحمل في بساط، ولعله

стр. 924

قارب التسعين أو جاوزها. ورأى رجل من الصالحين المشهورين (١) النبي، ﷺ ، وهو يقول من قرأ الفاتحة على قبر الشيخ عبد الله البكري (٢) دخل الجنة، فاشتهر ذلك وقصد له من البلاد، حتى صار من لم يلحقه توجه إلى قبره وقرأها عليه، وفضائله جمة، ومناقبه كثيرة، توفي ثاني عشر جمادى الأولى سنة ٨٢٩ هـ (٣)، ودفن بماملا بالقرب من حوش البسطامية من جهة الغرب. الشيخ القدوة خليفة بن مسعود المغربي الجابري المالكي من بني جابر (٤)، العالم الصالح، صاحب الكرامات، مولده في سنة ٧٤٩ (٥)، واشتغل ببلاده، وقدم إلى بيت المقدس على طريقة السياحة في سنة ٧٨٤ (٦) (٧)، فحج إلى بيت الله الحرام ورجع، وظهرت له مكاشفات. ثم ولي شيخنا مشيخة المغاربة بالقدس وأمّ المالكية بالمسجد الأقصى الشريف، وحكى القاضي شهاب الدين أحمد بن عوجان المالكي (٨)، أنه لما حج وزار النبي، ﷺ ، رآه في النوم، وقال له: سلم على خفير إيلياء إذا رجعت إليها، فقال: ومن هو يا رسول الله فقال: خليفة واشتهر أمره، وكان شيخنا (٩) أسود بصاصا (١٠)، توفي في يوم السبت مستهل ذي القعدة سنة ٨٣٣ هـ (١١)، ودفن بماملا، وقبره ظاهر يزار، نفعنا الله به. قاضي القضاة العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد (١٢) بن الشيخ علم الدين أبي الربيع سليمان بن أحمد بن عمر بن عبد الرحمن العمري المالكي (١٣)، المشهور

стр. 925

بابن عوجان، مولده في سنة ٧٦٣ هـ (١) (٢)، اشتغل بالعلم وحصّل، وفضل وتميز، وكان من أهل العلم والدين، يفتي ويدرس، عارفا بمذهبه وبصناعة القضاء، ولي قضاء المالكية بالقدس بعد القاضي جمال الدين بن الشحاذة، المتقدم ذكره، في سنة ٨٠٥ هـ (٣)، فهو ثاني مالكي حكم بالقدس، ووقع له العزل والولاية مرات، وكل مرة تكون مدة يسيرة، وطالت مدته وحسنت سيرته في ولايته، وأثنى عليه أهل عصره، وكانت أحكامه مرضية، وأموره مسددة، توفي في شهر جمادى الأولى سنة ٨٣٨ هـ (٤) (٥)، ودفن بماملا. وولده قاضي القضاة، شمس الدين أبو عبد الله محمد، مولده في سنة ٧٩٥ هـ (٦)، وولي القضاء بعد والده مدة، ثم عزل، وتوفي في ذي الحجة سنة ٨٤٨ هـ (٧). وولي بعد عزله قاضي القضاة، علاء الدين أبو الحسن علي بن الشيخ غرس الدين أبي البركات خليل الطرابلسي المالكي، وكان متوليا في سنة ٤٢ وبعدها إلى سنة ٤٤. ثم ولي بعده قاضي القضاة أمين الدين سالم بن إبراهيم المغربي الصنهاجي المالكي (٨)، مولده بالتخمين بعد السبعين والسبعمائة، اشتغل في الفقه ببلاد المغرب، قدم إلى هذه البلاد عالما فاضلا، ووقع في أيدي (٩) الكفار سنة ٨٣٤ هـ (١٠)، وناظر الأساقفة ببلادهم وأفحمهم، وأقام عندهم مدة، ثم أنجاه (١١) الله، وقدم إلى دمشق وولي قضائها، ثم ولي قضاء القدس، وكانت ولايته سنة ٨٤٥ هـ (١٢)، ثم أعيد إلى قضاء الشام، فسار سيرة حسنة، بحرمة وعفة ونزاهة،

стр. 926

كان يحفظ الشفاء غيبا (١)، توفي في سنة ٨٧٣ (٢)، بعد عزله من قضاء دمشق، ﵀. ثم ولي بعد عزله من قضاء القدس الشريف قاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي المالكي، وكان من أهل العلم، ولايته في سنة ٨٤٦ هـ (٣)، وأقام مدة يسيرة. قاضي القضاة شرف الدين أبو الروح عيسى بن شمس الدين محمد المغربي التجيبي (٤) المالكي (٥)، الشيخ الإمام العلامة المحقق، كان من أكابر أهل العلم، ولي قضاء بيت المقدس بعد البساطي، وكان له هيبة، وكان متوليا في سنة ٨٤٧ (٦)، وباشر بعفة وشهامة، ولم يل منصب القضاء مثله في الفقه والتقوى والعلم وله وقع في القلوب، كان من قضاة العدل العالمين العاملين لا يحابي (٧) أحدا في الحكم، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ومما وقع له أن نائب القدس مبارك شاه (٨) حين ولي النيابة ودخل بيت الله المقدس، ركب القضاة للقائه على العادة، وألبس خلعة السلطان، وكان قد أمسك جماعة من الفلاحين فلما وصل بهم إلى باب الخليل قصد (٩) شنقهم أو شنق واحد منهم، فأمر (١٠) بذلك فتقدم إليه القاضي شرف الدين عيسى المالكي وقال له: ما الذي تريد فعله (١١) بحضورنا، فقال له النائب: اشنق هذا، فقال: بأي طريقة تشنقه، فقال: هذا حرامي قاتل نفس، فقال له: هل ثبت عليه هذا بالطريق الشرعي، فقال النائب: نحن لا نحتاج إلى ثبوت، فقال القاضي: تهلك مسلما قتل عمد بحضوري بغير حق هذا لا سبيل إليه، ولكن يدخل إلى المدينة، وتنظر في أمره، فإن ثبت عليه ما يقتضي قتله قتلناه، وإلا فلا سبيل إلى قتله، فشدد النائب في أمره، وقال: لا بد من قتله، فقال له القاضي: والله لو قتلته

стр. 927

بحضوري لكنت أقتلك بيدي، وأعلقك إلى جانبه كما أنت بخلعة السلطان، فلم يقدر النائب مراجعته لهيبته، ودخل إلى المدينة ولم يستطع قتل ذلك الرجل، وله مثل ذلك أخبار كثيرة، عفا الله عنه، واستمر على القضاء بالقدس إلى أن توفي في شهور سنة ٨٥٤ هـ (١)، ﵀. قضاة المالكية وممن ولي قضاء المالكية بالقدس الشريف القاضي برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن زين الدين أبي المعالي منصور التلمساني المالكي، وكان متوليا في سنة ٨٥٨ هـ (٢). ومنهم الشيخ الشريف القاضي كمال الدين محمد بن الشيخ بن الصفا إبراهيم بن أبي الوفاء، كان على مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب الإمام مالك، وولي القضاء بالقدس الشريف، وكان متوليا في سنة ٨٦٦ هـ (٣)، ثم عزل وانتقل إلى مذهبه الأول، وناب في الحكم بالديار المصرية عن قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي مدة ولايته، ثم بعد عزل ابن الشحنة من القضاء استمر هو معزولا من النيابة، وهو حي يرزق إلى يومنا. ومنهم القاضي شمس الدين محمد بن أحمد (٤) بن شداد الشافعي ثم المالكي، كان من فقهاء الشافعية، وباشر الحكم نيابة عن قاضي القضاة الشيخ برهان الدين بن جماعة الشافعي، ثم انتقل إلى مذهب الإمام مالك، وولي القضاء بالقدس الشريف في حدود السبعين والثمانمائة (٥) أو بعدها بيسير، ودخل إلى القدس الشريف، فلم (٦) يقم إلا مدة يسيرة نحو شهر أو دون ذلك، فاعتصب جماعة من (٧) المالكية والمغاربة وغيرهم في أمره، وشنعوا عليه، وأشيع عزله فتوجه إلى القاهرة، وأقام أياما (٨) يسيرة وتوفي بها، وأظن أن وفاته سنة ٨٧١ هـ (٩) والله أعلم.

стр. 928

الشيخ شمس الدين محمد بن علي المغربي المالكي، المشهور (١) بالفلاح، وكان يكتب له في ترجمة المطغر (٢) بطاء مهملة وعين معجمة مفتوحة، كان يكتب هذا، واشتهر بالفلاح، لأنه كان أول قدومه يقيم بالقرى، ويلبس لباس الفلاحين فسمي بالفلاح، كان من أهل العلم، وباشر الحكم بالقدس الشريف نيابة عن القاضي شمس الدين المغراوي، وتوفي سنة ٨٧٦ هـ (٣). وممن باشر نيابة الحكم بالقدس الشريف، القاضي جمال الدين يوسف المارديني (٤) المالكي، ولم أطلع على ترجمته. قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن التلمساني (٥) المالكي، المشهور بالجزائري، ولي قضاء المالكية بالقدس الشريف، ورد الأمر بولايته في مستهل ربيع الآخر سنة ٨٦٧ هـ (٦) وعزل في أواخر رمضان منها، وأعيد القاضي شمس الدين المغراوي، وهو قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد (٧) المغراوي المالكي، مولده في سنة ٨٠٧ هـ (٨) وكان رجلا مباركا يحفظ القرآن، قدم من بلاده إلى الرملة، وأقام بها، ثم ولي قضاءها (٩) مدة طويلة، ثم ولي قضاء القدس الشريف سنة ٨٥٤ هـ (١٠)، ووقع له العزل والولاية مرات، وتوفي وهو باق على القضاء، في نصف شعبان سنة ٨٧٣ هـ (١١). العدل شهاب الدين أحمد بن الرياحي المغربي الأصل المالكي، وكان من العدول بالقدس الشريف، ومن طلبة العلم، وكان يؤذن بالمسجد الأقصى الشريف،

стр. 929

وعنده مروءة ومحبة لأصحابه، توجه إلى الحجاز (١) الشريف سنة ٨٧٤ هـ (٢). قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم البدرشي (٣) البحري المالكي المصري (٤)، الشيخ الإمام العالم العلامة شيخنا، كان من أهل العلم، وله مروءة ومعرفة (٥) تامة بالعربية، وعلم الفرائض والحساب والحديث الشريف النبوي، وكان من جلساء القاضي زين بن مزهر، كاتب السر الشريف وأخصائه، ومن جملة قراء الحديث بقلعة الجبل المنصورة (٦) بالقاهرة، وكان يحترف بالشهادة بالقاهرة، ثم باشر (٧) نيابة الحكم بها عن قاضي القضاة سراج الدين بن حريز، ثم ولي قضاء المالكية بالقدس الشريف في أواخر سنة ٨٧٥ هـ، ودخل إليها في أوائل المحرم سنة ٨٧٦ هـ (٨)، فباشر بعفة ونزاهة وحرمة وشهامة، ونشر العلم واشتغل (٩) عليه الطلبة، وعلت كلمته، ونفذ (١٠) أمره لعفته وشهامته، ومع ذلك كان متواضعا لين الجانب يحب العلم ونشره (١١)، وله مصنف في النحو، وكان يحفظ القرآن حفظا جيدا، ويكثر التلاوة. وقد قرأت عليه قطعة من آخر كتاب الخرقي في فقه مذهب الإمام أحمد قراءة بحث وفهم، ثم قرأت عليه قطعة من أول المقنع قراءة بحث وفهم، فكان يقرر لي العبارة تقريرا حسنا، لعل كثيرا من أهل المذهب لا يقرره، وقرأت عليه في النحو، ولازمت مجالسه وترددت إليه كثيرا، وحصل لي منه غاية الخير والنفع، ولكن (١٢) اخترمته المنية بسرعة قبل بلوغ المراد منه. ولما توفي قاضي القضاة جمال الدين الديري الحنفي في حادي عشري ربيع الآخر حصر ضبط تركته، ثم مرض أياما، وتوفي في صبيحة يوم السبت ثاني جمادى

стр. 930

الأولى سنة ٨٧٨ هـ (١)، فكان بين وفاته ووفاة القاضي جمال الدين الديري عشرة أيام، ودفن بباب الرحمة وكانت جنازته حافلة، ﵀ وعفا عنه وعوضه الجنة. قاضي القضاة حميد (٢) الدين أبو حامد، محمد بن بدر الدين أبي عبد الله الحسيني، البكري المالكي المغربي المقرئ الخليلي، المشهور بابن المغربي، كان يحفظ القرآن ويتقنه بالروايات، وولي قضاء بلد سيدنا الخليل ﵊، وهو أول من وليه من المالكية، ثم في سنة أربع وسبعين وثمانمائة ولي قضاء القدس الشريف، وأضيف إليه قضاء بلد الخليل، ثم عزل في أواخر سنة ٨٥٧ هـ، وتوجه إلى القاهرة، فولي قضاء طرابلس (٣)، وتوجه إليها، وتوفي بها في شهور سنة ٨٧٨ هـ (٤). قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن (٥) علي بن شمس الدين محمد الهاشمي المالكي، الكركي الأصل، المشهور بابن المزوار (٦) (٧)، ولي قضاء القدس في سنة ٨٦٤ هـ، ثم عزل وولي قضاء الكرك وقضاء غزة. ولما توفي القاضي نور الدين البدرشي، ولي القضاء بعده بالقدس الشريف في مستهل شوال سنة ٨٧٨ هـ، ولم يدخل القدس الشريف الأحد في صفر سنة ٨٨٠ هـ (٨)، واستمر إلى جمادى الآخرة سنة ٨٨٢ هـ (٩)، ثم توجه إلى القاهرة وأقام بها، وهو مستمر على الولاية إلى أن توفي في يوم الأحد تاسع عشر جمادى الأولى سنة ٨٨٥ هـ (١٠)، وصلي عليه بجامع المارديني، وكان عفيفا في مباشرته لا يتناول غير معلومه المرتب على وقف المسجد الأقصى، وهو في كل يوم عشرة دراهم فضة، ﵀. السيد الشريف شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الحسيني المالكي المغربي، كان من أهل الفضل، ويحفظ القرآن ويكتب على الفتوى قليلا، وباشر

стр. 931

الحكم بالقدس الشريف، نيابة عن قاضي القضاة شمس الدين الديري الحنفي، حين كان القاضي علاء الدين بن المزوار بالقاهرة، كما تقدم في ترجمته، وكان رجلا مباركا متواضعا، توجه إلى الحجاز الشريف في سنة ٨٨٥ هـ، ثم توجه إلى المدينة الشريفة، فتوفي بها في شهور سنة ٨٨٦ هـ (١)، ﵀. العدل شمس الدين محمد (٢) بن محمد السطاوي المغربي المالكي، كان من أهل القرآن واحترف بالشهادة دهرا طويلا، توفي في أواخر سنة ٨٨٧ هـ (٣). العدل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الناسك، الصالح القدوة، خليفة بن مسعود، المغربي الأصل (٤)، ثم المقدسي المالكي، ولد بالقدس في ليلة ثاني عشر رمضان سنة ٨٠١ هـ (٥)، وحفظ القرآن واتقنه بأبي عمرو، وحفظ الرسالة في فقه الإمام مالك، ﵁، ولقي جماعة من مشايخ الصوفية، وأخذ الحديث عن جماعة، واستقر في إمامة المالكية (٦) بالمسجد الأقصى ومشيخة المغاربة بالقدس بعد وفاة والده، وكان شيخنا أسمر ربعة ذا همة ومروءة، وعنده سخاء ومكارم أخلاق، ثم صرف عن مشيخة المغاربة سنة ٨٧٢ هـ (٧). وفي أواخر عمره أقبل على العبادة وترك النساء، وتقرب من التاريخ المذكور وفاته، وكانت ليلة الخامس عشر من شهر جمادى الآخرة سنة ٨٨٩ هـ (٨) ودفن عند والده بماملا. وولده الشيخ شمس الدين محمد خليفة، كان عبدا صالحا، وأهل بيت المقدس يعتقدونه وروي له كرامات، توفي في ليلة الخميس، وصلي عليه بعد الظهر من يوم الخميس، السابع والعشرين من شهر صفر سنة ٨٩٧ (٩) بالمسجد الأقصى،

стр. 932

ودفن بماملا عند والده وجده، وكان لجنازته مشهد عظيم شهده الخاص والعام، ﵀ ونفعنا به. الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن (١) بن علي بن عبد الرحمن، المغربي الأصل الخليلي، ثم المقدسي ثم المالكي، الشهير بابن المغربي، ولد سنة ٨٢٤ هـ (٢)، سمع الحديث على جماعة، وكان حافظا لكتاب الله تعالى، يكثر تلاوته، وجاور بالقدس الشريف مدة، ثم تحول إلى مذهب الإمام مالك، وباشر إمامة المالكية بالقدس الشريف نيابة وحدث، توفي في يوم الجمعة تاسع شهر ذي القعدة سنة ٨٩٣ (٣) بالبيمارستان الصلاحي (٤) (٥)، ودفن بباب الرحمة ﵀. قاضي القضاة العلامة شرف الدين يحيى بن محمد الأنصاري المغربي الأندلسي المالكي (٦)، ولد سنة ٨٥٦ هـ (٧) (٨)، وسمع ببلاده، وكان من أهل العلم، ماهرا في العربية، اشتغل بالعلم بالأندلس على قاضي القضاة شمس الدين بن الأزرق (٩) (١٠)، الذي ولي قضاء القدس بعده، وقدم من بلاد المغرب وأقام بحلب وبالقدس. ثم دخل القاهرة سنة ٨٨٨ هـ (١١) في أول رمضان، فحضر مجلس قاضي القضاة قطب الدين الخيضري الشافعي قاضي دمشق (١٢)، وهو بالجامع الأزهر

стр. 933

وتكلم في درسه فظهر له فضله، فسعى له في قضاء المالكية بالقدس، فولاه السلطان في أواخر سنة ٨٨٨ هـ من غير بذل ولا كلفة. ثم حضر إلى القدس في صفر سنة ٨٨٩ هـ (١)، واستمر إلى (٢) شهر ذي الحجة سنة ٨٩١ هـ (٣)، فورد كتاب القاضي زين الدين بن مزهر صاحب ديوان الإنشاء بعزله، فتوجه من القدس الشريف إلى القاهرة، وأقام بها أياما، ثم توجه إلى الحجاز الشريف، وسافر (٤) إلى بلاد جازان (٥)، فتوفي بها في شوال سنة ٨٩٥ هـ (٦). وكانت ولايته قضاء القدس بعد شغوره عن القاضي علاء الدين بن المزوار نحو سبع سنين، فإن القاضي علاء الدين توجه من القدس في سنة ٨٨٢ هـ وأقام بالقاهرة، وهو باق على الولاية إلى حين (٧) وفاته في سنة ٨٨٥ هـ، ولم يستخلف أحدا عنه في الحكم، ثم استمرت الوظيفة على الشغور نحو أربع سنين بعد وفاته، إلى أن استقر بها القاضي شرف الدين في التاريخ المتقدم ذكره. السيد الشريف (٨)، شرف الدين عيسى بن عمر الحسيني المغربي العجيمي المالكي، قدم من بلاده إلى القدس الشريف، وأقام به مدة طويلة، وكان يحفظ القرآن، وله مشاركة في فقه المالكية، ولي مشيخة المغاربة بالقدس الشريف وطرابلس، وحصل له ضعف في بدنه، وتوجه من القدس إلى جهة حلب، فتوفي بها في ٨٩٧ هـ (٩) (١٠). وتوفي في هذه السنة القاضي تقي الدين أبو بكر بن القاضي ناصر الدين

стр. 934

محمد بن العلم المالكي، المشهور والده بعرق، وتقدم ذكره مع فقهاء الحنفية، وكان القاضي تقي الدين أولا حنفيا كأبيه، ثم انتقل إلى مذهب الإمام مالك، ﵁، وولي قضاء المالكية بالرملة في المحرم سنة ٨٧٣ هـ (١)، واستمر إلى سنة ٨٧٥ هـ (٢)، وتوجه إلى القاهرة للسعي في قضاء القدس الشريف، فلم يتيسر له ذلك، فأقام هناك مدة، ثم عاد إلى القدس بعد وفاة والده في شهور سنة ٨٧٨ هـ (٣) وكان يحترف بالشهادة. ثم استخلفه القاضي شمس الدين محمد بن مازن المغربي (٤) في الحكم بالقدس، حيث توجه إلى وطنه بغزة من أوائل شوال سنة ٨٩٥ هـ إلى أن قدم إلى القدس في مستهل ربيع الأول سنة ٨٩٦ هـ (٥)، ولم يقدر له على ولاية بعد ذلك، توفي القاضي تقي الدين بن العلم في شهر ربيع الأول سنة ٨٩٧ هـ (٦)، ودفن بماملا. وأما مستخلفه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن مازن الرجبي (٧) الغزي المالكي، فإنه كان على مذهب الإمام الشافعي، وباشر نيابة الحكم بغزة وهو شافعي، ثم انتقل إلى مذهب الإمام مالك، وولي قضاء المالكية بغزة سنة ٨٩١ هـ (٨)، فأقام نحو ستة أشهر، ثم عزل، ثم ولي قضاء المالكية بالقدس الشريف في شهر شوال سنة ٨٩٣ هـ (٩) بعد شغوره عن القاضي شرف الدين يحيى المغربي الأندلسي، المتقدم ذكره. وكان يتردد إلى القدس ويعود إلى وطنه بغزة، ثم عزل في شهر رمضان سنة ٨٩٩ هـ (١٠)، وتوجه إلى مدينة غزة (١١) وأقام بها، ولم يقدر له ولاية إلى حين وفاته بمدينة غزة، في أواخر شهر ذي الحجة سنة ٩٠٠ هـ (١٢)، وسنذكر قدومه إلى القدس الشريف، وتردده إلى غزة فيما بعد في ترجمة السلطان، إن شاء الله تعالى.

стр. 935

قاضي القضاة، الإمام العالم المحقق، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن الأزرقي المغربي الأندلسي المالكي، كان من أهل العلم والصلاح، حسن الشكل، منور الشيبة، عليه الأبهة والوقار، وكان قاضيا بمدينة غرناطة (١) بالأندلس، فلما استولى عليها الإفرنج خرج يستنفر ملوك الأرض لنجدة صاحب غرناطة، فتوجه لملوك الغرب ولم يحصل منهم نتيجة (٢)، فحضر إلى السلطان الملك الأشرف قايتباي، نصره الله تعالى، وكان مشتغلا بقتال ملك الروم بايزيد (٣) ابن عثمان، فتوجه إلى مكة المشرفة، وجاور بها وزار النبي، ﷺ ، ورجع إلى القاهرة المحروسة في أول سنة ٨٩٦ هـ، فتكلم له في شيء يحصل له منه ما يستعين به على القوت (٤)، فولاه السلطان قضاء المالكية بالقدس الشريف في رابع رمضان من السنة المذكورة، عوضا عن القاضي شمس الدين محمد بن مازن المغربي، وقدم إلى القدس في يوم الاثنين سادس عشر شوال سنة ٨٩٦ هـ، وأقام بها نحو شهر وهو يتعاطى الأحكام الشرعية بعفة ونزاهة من غير تناول شيء من الناس. ثم حصل له توعك، واستمر إلى أن توفي في يوم الجمعة بعد فراغ الصلاة سابع عشر ذي الحجة سنة ٨٩٦ هـ، وصلي عليه من يومه (٥) بعد صلاة العصر بالمسجد الأقصى، ودفن بماملا إلى جانب حوش البسطامية من جهة الغرب، وكانت إقامته بالقدس واحدا وستين يوما، وله خمس وستون سنة، ﵀. وهو شيخ القاضي شرف الدين يحيى الأندلسي، المتقدم ذكره، وقد كان من قضاة العدل، ومما يستدل به على حسن خاتمته سرعة وفاته قبل توغله في الأحكام ودخوله في الأمور المشكلة، فإنه باشر الحكم دون الشهر بعفة وتقوى وسيرة محمودة، ثم لحق بالله ، والناس راضون منه.

стр. 936

ذكر فقهاء الحنابلة من القضاة والعلماء وطلبة العلم الشريف قد تقدم عند ذكر الفتح الصلاحي أنه لما خطب القاضي محيى الدين بن الزكي (١) أول جمعة بعد الفتح وقضيت الصلاة انتشر الناس وكان قد نصب سرير الوعظ تجاه القبلة، فجلس عليه الشيخ زين الدين بن نجية وعقد مجلسا للوعظ. وهو الشيخ الإمام الفقيه الواعظ، المفسر زين الدين أبو الحسن علي بن رضي الدين أبي الطاهر إبراهيم بن نجا بن غانم الأنصاري الدمشقي، المعروف بابن نجية (٢) الحنبلي (٣)، نزيل مصر، سبط الشيخ أبي الفرج الشيرازي الحنبلي، الذي نشر مذهب الإمام أحمد، ﵁، بالقدس الشريف وما حوله، وتقدم ذكره، فيمن كان ببيت المقدس قبل استيلاء، الإفرنج عليه، ولد الشيخ زين الدين بن نجية بدمشق سنة ثمان وقيل عشر وخمسمائة، وكان من أهل العلم وأعيان الناس وله رأي صائب، وكان الملك صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص، ويعمل برأيه ويكاتبه ويحضر مجلسه، وله جاه عظيم وحرمة زائدة حضر فتح بيت المقدس مع الملك صلاح الدين، وجلس للوعظ عقب صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى، كما تقدم، وكان مجلسا حافلا حصل به الأنس والبهجة والخشوع، وتوفي في شهر رمضان في سابعه، وقيل ثامن منه سنة ٥٩٩ هـ بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح الجبل (٤) المقطم. الفقيه المحدث تقي الدين أبو عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور ابن رافع (٥) بن حسن بن جعفر المقدسي، ثم النابلسي الحنبلي (٦)، ولد سنة ٥٨٦ هـ تقديرا بالقدس الشريف، وسمع بدمشق من جماعة، وتفقه وولي الإمامة بالجامع الغربي بنابلس (٧)، وحدث، وهو ابن عم الحافظ عبد الغني المقدسي (٨)

стр. 937

وكان على طريقة حسنة، توفي عاشر ذي القعدة سنة ٦٣٨ هـ (١) بنابلس، ﵀. الشيخ العلامة نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد العزيز بن عبد الكريم الطوفي (٢) الصرصري (٣)، ثم البغدادي الحنبلي الفقيه الأصولي المتفنن، ولد سنة ٦٧٦ هـ (٤) بقرية طوف (٥) من أعمال صرصر (٦)، ثم دخل بغداد في سنة ٦٩١ (٧)، فحفظ المحرر في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدين الزريراني (٨) (٩)، وقرأ العربية والتعريف والأصول والفرائض، وشيئا من المنطق وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون، وسمع الحديث من جماعة، وسافر إلى دمشق سنة ٧٠٤ هـ (١٠) (١١)، ولقي الشيخ تقي الدين بن تيمية (١٢) وغيره، ثم سافر إلى مصر، وجالس العلماء وجاور بالحرمين الشريفين، وأقام بالقاهرة، وولي الإعادة بالمدرستين الناصرية (١٣) والمنصورية (١٤)، وله تصانيف كثيرة منها: بغية السائل في أمهات المسائل في

стр. 938

أصول الدين (١)، قصيدة في العقيدة الكبيرة (٢) وشرحها، مختصر الروض (٣) في أصول الفقه، وشرحه في ثلاث مجلدات، مختصر الحاصل في أصول الفقه، والقواعد الكبرى (٤)، والقواعد الصغرى (٥)، والإكسير في قواعد التفسير (٦)، والرياض النواظر (٧) في الأسباب والنظائر (٨)، بغية الواصل إلى معرفة الفواصل (٩)، مصنف في الجدل وآخر صغير رد القول القبيح في التحسين والتقبيح (١٠) ومختصر المحصول، دفع (١١) التعارض عما يوهم التناقض في الكتاب والسنة (١٢)، ومعراج الأصول إلى علم الأصول (١٣) في أصول الفقه، والرسالة العلوية في القواعد (١٤) العربية، عناية المجتاز في عالم الحقيقة والمجاز، الباهر (١٥) في أحكام الأصول الباطن والظاهر (١٦)، يرد على الإلحادية، مختصر العالمين، جزئين فيه الفاتحة متضمنة لجميع القراءات، الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة (١٧)، الرحيق السليل في الأدب المسلسل (١٨)، تحفة أهل الأدب في معرفة لسان العرب (١٩)، الاقتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية، تعاليق على الرد على جماعة من النصارى، تعاليق على الأناجيل وتناقضها، شرح نصف مختصر الخرقي في الفقه، مقدمة في علم الفرائض، مختصر التبريزي (٢٠)، شرح مقامات الحريري في

стр. 939

مجلدات، وفوائد الحيس في شعر امرئ القيس، شرح الأربعين للنواوي (١)، واختصر كثيرا من كتب الأصول، ومن كتب الحديث أيضا، ولكن لم يكن له يد فيه، وفي كلامه تخبط كثير، وله نظم رائق وقصائد في مدح النبي، ﷺ ، وقصيدة في مدح الإمام أحمد ﵁، أولها: ألذ من الصوت الرحيم إذا شدا … وأحسن من وجه الحبيب إذا بدا ثنائي على الحبر الإمام ابن حنبل … إمام التقى محي الشريعة أحمدا سافر إلى الصعيد ولقي بها جماعة، ويقال أن له بقوص (٢) خزانة كتب من تصانيفه، فإنه أقام بها مدة، وقد حصل له محنة في آخر عمره، وحج إلى بيت الله الحرام في أواخر سنة ١٤ وجاور سنة ١٥ هـ، ثم حجّ ونزل إلى الشام إلى الأرض المقدسة، وأقام بمدينة سيدنا الخليل ﵇، فتوفي بها في شهر رجب سنة ٧١٠ هـ (٣) (٤) عفا الله عنه. الشيخ الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ تقي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي الحنبلي (٥)، الفقيه الأصولي اللغوي، ولد سنة ٦٤٨ هـ، وسمع الحديث من جماعة، وارتحل إلى مصر، فقرأ بها القراءات والأصول والعربية، وصنف شرحا كبيرا للشاطبية، وشرحا آخر للرائية في الرسم، وشرحا لألفية ابن معطي، وصنف تفسيرا وأشياء في القراءات، وكان صالحا متعففا، خشن العيش، جم الفضائل، ماهرا بالفن، فقيها بارعا، مقرءا متفننا نحويا، نشأ في صلاح ودين وزهد، وانتهت إليه مشيخة بيت المقدس، وحج وجاور بمكة، وكان يعد من العلماء الصالحين الأخيار، توفي بالقدس الشريف فجأة سحر يوم الأحد رابع رجب سنة ٧٢٨ هـ ودفن في اليوم المذكور بماملا، وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب في سادس عشر الشهر المذكور، رحمه الله تعالى. الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن الحسين

стр. 940

القبابي الحنبلي (١)، سمع الحديث، وكان مشهورا بالصلاح، كريم النفس، كبير القدر، جامعا بين العلم والعمل، اشتغل وانتفع بالشيخ تقي الدين بن تيمية، ولم يسر (٢) على طريقة في الصلاح مثله، وخرّج له الحسيني شيخه، وحدث بها، توفي بالقدس الشريف في سنة ٧٥٥ هـ (٣) (٤) ودفن بباب الرحمة، ﵀. الشيخ المحدث المتفنن الضابط (٥)، شهاب أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن المهندس المقدسي الحنبلي (٦)، مولده في سنة ٧٤٤ هـ (٧)، حفظ وكتب وسمع على الحفاظ وروى عنه جماعة من الأعيان، منهم قاضي القضاة، القاضي سعد الدين الديري الحنفي، توفي بالقدس الشريف في شهر رمضان سنة ٨٠٤ هـ وقيل ٨٠٣ هـ (٨) ودفن بتربة باب القطانين عن يمين الخارج من باب الخوخة، ولم تبع تركته إلا في سنة ٩ (٩)، باعها وصيه شمس الدين بن حسان، وكان في عصر الشيخ شهاب الدين بن المهندس جماعة من الحنابلة بالقدس الشريف، وهم: الشيخ عبد الرحمن، شيخ الوجيهية، وولده الشيخ إسماعيل، والشيخ أبو عبد الله المرداوي، والشيخ علي ابن عبد الله بن أبي القاسم المرداوي، وشمس الدين محمد البغدادي، والشيخ خير الدين الرأس عيني، والشيخ علي الهيتي، والشيخ محمد بن المهندس، ولم اطلع على ترجمة أحد منهم ولا تاريخ وفاته، ولكن وقفت على ورقة بضبط أسماء الحنابلة بالقدس الشريف، ذكر فيها الشيخ شهاب الدين وهؤلاء الجماعة. وزين الدين عبد الرحمن بن الشيخ سراج الدين القبابي (١٠)، الآتي ذكره، أن القاضي علاء الدين العسقلاني الحنبلي، قاضي دمشق عين لهم معلوما يصرف لهم، من وقف المرحوم شمس الدين محمد بن معمر، رحمه الله تعالى، بشرط ملازمة

стр. 941

الاشتغال والاجتماع في الأيام المعتادة للدروس بالمسجد الأقصى الشريف، عمره الله بذكره، تاريخ الورقة المذكورة في العشر الأوسط من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، رحمة الله عليهم أجمعين. القاضي فخر الدين أبو عمرو عثمان بن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين، أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام الأوحد فخر الدين أبو عمرو عثمان الحنبلي، باشر الحكم بالقدس الشريف في ٨٠٩ هـ (١)، والظاهر أنه كان نائبا عن القاضي عز الدين البغدادي قاضي الأقاليم (٢) الآتي ذكره وبقي إلى بعد العشر والثمانمائة، ولم اطلع على تاريخ وفاته، ﵀. الشيخ المسند المعمر زين الدين أبو زيد عبد الرحمن ابن الشيخ سراج الدين، عمر بن الشيخ نجم الدين عبد الرحمن بن حسين بن عبد المحسن القبابي، ثم المقدسي الحنبلي (٣)، ولد في ليلة يسفر صباحها عن ثالث عشري شعبان سنة ٧٤٩ هـ (٤) وكان من الفقهاء المعتبرين، روي عن خلق من الأئمة الحديث، وروى عنه خلق وخرّج له الحافظ شيخ الإسلام قاضي القضاة بن حجر، رحمه الله تعالى، أسماء شيوخه، وأضاف إلى ذلك بيان مرويات الشيوخ الذين أجازوا للمسندة المعمرة الأصيلة فاطمة بنت الشيخ صلاح الدين بن أبي الفتح (٥)، وهي بنت أخي قاضي القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد الحنبلي، لكونها مشاركة في الكثير منهم في استدعاء مؤرخ في شهر ربيع الأول سنة ٧٥٦ هـ (٦)، ولخص في ذلك مصنفا لطيفا سماه المشيخة السامية للقباني وفاطمة. وكان الشيخ زين الدين محدث القدس الشريف، وكان شيخ المدرسة الفارسية المجاورة للملكية شمالي المسجد الأقصى الشريف، وقد أجاز شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف الشافعي، أمتع الله بوجوده الأنام، وتوفي الشيخ زين الدين في يوم الثلاثاء سابع ربيع الآخر سنة ٨٣٨ هـ (٧) بالقدس الشريف، ودفن بباب الرحمة،

стр. 942

إلى جانب والده وعتيقه بلال. كان يروي الحديث، وأخذ عنه جماعة، توفي في يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة سنة ٨٦٧ هـ (١)، ودفن عند سيده في باب الرحمة، تحت العمود الخارج من المسجد الأقصى الملاصق لأروقة سوق المعرفة، رحمهم الله تعالى. قاضي القضاة العلامة عز الدين أبو البركات عبد العزيز بن الشيخ العالم العلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن عبد العزيز محمود البغدادي الأصل، ثم المقدسي المنشأ، البكري الحنبلي (٢)، الإمام العالم، المفسر قاضي الأقاليم، مولده ببغداد في سنة ٧٧٧ هـ (٣) (٤) واشتغل بها. ثم قدم إلى دمشق، وأخذ الفقه عن الشيخ صلاح الدين بن اللحام (٥)، شيخ الحنابلة في وقته، وعرض عليه الخرقي، واعتنى بالوعظ، وكان يستحضر كثيرا من تفسير البغوي، واعتنى بعلم الحديث، وله مشاركة في الفقه والأصول، واشتغل ودرّس وكتب على الفتاوى شيئا يسيرا (٦)، وله مصنفات منها: مختصر المزني (٧)، وشرح الشاطبية، وصنف في المعاني والبيان، وجمع كتابا سماه القمر المنير في أحاديث البشير والنذير (٨). ولي قضاء بيت المقدس بعد فتنة تمرلنك (٩) في ٨٠٤ (١٠)، ولم يعلم أن حنبليا قبله ولي القدس، وطالت مدته فبلغ عشرين سنة، ثم ولي قضاء دمشق (١١) في صفر سنة ٨٢٣ (١٢) مدة يسيرة، ثم صرف عنها، فولي تدريس المؤيدية في القاهرة، ثم

стр. 943

ولي قضاء الديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة محب الدين (١) بن نصر الله، وكانت ولايته في ثامن عشري جمادى الآخرة سنة ٨٢٩ (٢)، ثم عزل بالقاضي محب الدين بن نصر الله في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة إحدى وثلاثين (٣)، ثم ولي قضاء دمشق في دفعات يكون مجموعها ثماني سنين. والسبب في تسميته بقاضي الأقاليم (٤) أنه ولي بغداد والعراق، ثم ولي قضاء القدس ومصر والشام، وكان فقيها دينا متقشفا (٥)، عديم التكليف في مجلسه ومركبه، وله معرفة تامة، ولما ولي قضاء الديار المصرية صار يمشي لحاجته في الأسواق، ويردف عبده على بغلته وشيئا من هذا النسق، وكانت جميع ولايته من غير سعي. توفي في ليلة الأحد مستهل ذي القعدة سنة ست وأربعين وثمانمائة بدمشق، وصلي عليه من الغد بالجامع الأموي، وحضر جنازته القضاة وبعض أركان الدولة، ودفن عند قبر والده بمقابر باب كيسان إلى جانب الطرق، رحمه الله تعالى. الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن الشحام الحنبلي (٦)، المؤذن بالجامع الأموي بدمشق، مولده في خامس عشر المحرم سنة ٧٨١ هـ (٧)، سمع من جماعة، وروي عنه من الأعيان، توفي بالقدس الشريف في نهار الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة سنة ٨٦٤ هـ (٨)، رحمه الله تعالى. قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ زين الدين أبي هريرة، عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد العمري العليمي الحنبلي، الخطيب الفقيه المحدث، وله سنة ٨٠٧ هـ (٩) بالرملة ونشأ بها، ثم توجه إلى مدينة صفد (١٠)، فأقام بها وقرأ القرآن، وحفظه برواية عاصم واتقنها

стр. 944

وأجيزها (١) من مشايخ القراء، ثم عاد إلى مدينة الرملة، وأقام بها واشتغل بالعلم الشريف في مذهب الإمام أحمد (٢)، ﵁، وحفظ مختصر الخرقي، وكل أسلافه شافعية، لم يكن فيهم من هو على مذهب الإمام أحمد سواه، ولأسلافه مآثر وصدقات. وكان يحترف بالشهادة، ثم باشر الحكم بالرملة على قاعدة مذهبه نيابة عن القضاة الشافعية، ثم اجتهد في تحصيل العلم، وسافر إلى الشام ومصر وبيت المقدس، وأخذ عن علماء المذهب وأئمة الحديث، وفضل في فنون من العلوم، وتفقه بالشيخ شهاب (٣) الدين بن يوسف المرداوي (٤)، وبرع في المذهب، وأفتى وناظر، وقرأ البخاري والشفاء مرارا، وكتب بخطه الكثير من نسخ البخاري، كتابة جيدة مضبوطة قائمة الإعراب، وكان بارعا في العربية، وكان خطيبا بليغا وصنف الخطب، ولي قضاء الرملة استقلالا سنة ٨٣٨ هـ (٥) ولم يعلم أن حنبليا قبله وليها (٦). ثم ولي قضاء (٧) القدس الشريف في أواخر دولة الملك الأشرف برسباي في شهر شعبان سنة إحدى (٨) وأربعين وثمانمائة (٩) بعد شغوره نحو تسع عشرة سنة عن شيخه قاضي القضاة عز الدين بالبغدادي، المتقدم ذكره، فهو ثاني حنبلي حكم بالقدس، ثم لما توفي الأشرف عزل عن قضاء القدس، وولي قضاء الرملة. ثم أعيد إلى قضاء القدس في دولة الملك الظاهر جقمق في أحد الجمادين سنة ٨٥٣ هـ (١٠)، وأقام به عشرين سنة متوالية، وأضيف إليه قضاء الرملة، ثم أضيف إليه قضاء بلد سيدنا الخليل، ﵇، وباشر الحكم نيابة بدمشق المحروسة، وولي قضاء الرملة في دولة الملك الأشرف إينال، وامتنع من مباشرة القضاء واختار الإقامة ببيت المقدس.

стр. 945

وكان خيّرا متواضعا، حسن الشكل، متتبعا للسنة، كثير التعظيم للأئمة الأربعة، ليس عنده تعصب، وكان سخيا مع قلة ماله، مكرما لمن يرد عليه، لا يحب الفخر ولا الخيلاء، ويدخل إلى المسجد الأقصى في أوقات الصلوات بمفرده، مع ما كان عليه من الهيبة والوقار، وله معرفة تامة بالمصطلح في الأحكام، وكتابة المستندات، وباشر القضاء بالأعمال المذكورة، وأفتى نحو أربعين سنة، وكانت أحكامه مرضية وأموره مسددة، ومات وهو باق على هيبته ووقاره، ولم يمتحن ولم يهن. ومن أعظم محاسنه التي شكرت له في الدنيا، ويرجى له الخير في الآخرة، أن بالقدس كنيسة للنصارى مجاورة لكنيسة قمامة بلصق الصومعة من جهة القبلة، وبناءها محكم ولها قبة عالية البناء، وكان النصارى يجتمعون بها (١) ويقرأون كتاباتهم ويرفعون أصواتهم حتى كان في بعض الأوقات يسمع ضجيجهم (٢) من قبة الصخرة الشريفة، فينزعج المسلمون من ذلك، فقدّر الله حصول الزلزلة، وقعت في يوم الأحد خامس المحرم سنة ٨٦٥ هـ (٣) فهدمت قبة الكنيسة المذكورة، فتوجه النصارى لنائب السلطنة، وللقاضي الحنفي بالقدس الشريف، ودفعوا إليهما (٤) مالا، فأذن لهم القاضي الحنفي في إعادتها بالبناء القديم، فحصل للقاضي شمس الدين العليمي الحنبلي غاية الانزعاج، واشتد غيظه لذلك، فحضر إليه النصارى وأحضروا له مالا على أن لا يعارضهم، فزجرهم زجرا بليغا، ثم بادر بالكتابة للملك الأشرف إينال، ورتب قصة أنهى فيها ما كان يقع من النصارى بالكنيسة المذكورة، وأن الله تعالى قد غار لدينه وهدمها بالزلزلة، وسأل في بروز مرسوم شريف بأن ينظر في ذلك على ما يقتضيه مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، فبرز له الأمر بذلك، وحضر قاصده إلى القدس الشريف، وقد شرع النصارى في البناء حتى كادت (٥) تنتهي كما كانت عليه، فاجتمع الخاص والعام، ونائب السلطنة، والقاضي الحنفي الآذن في البناء، وبقية القضاة، وصدرت الدعوى من الشيخ تاج الدين أبو الوفاء ابن أبي الوفاء، المتقدم ذكره، عند القاضي شمس الدين العليمي، وسأله ما يقتضيه الشرع الشريف، وحكم بعدم إعادة الكنيسة المذكورة، وبهدم البناء الجديد، فهدم بعض

стр. 946

البناء الجديد وبعض البناء القديم، ولم يزل العوام يهدمون حتى نهاهم القاضي، واستمرت مهدومة إلى يومنا هذا. وقد أخذت (١) هذه الحادثة عن الشيخ أبي الوفاء المشار إليه من لفظه، رحمه الله تعالى، ومنها أنه كان (٢) النصارى ببيت المقدس أحدثوا بناء في الكنيسة، وورد مرسوم بالنظر في ذلك، فتوجه نائب السلطنة وشيخ الصلاحية والقضاة والمشايخ الصوفية إلى بيت المقدس، وسأل (٣) الحاكم القاضي (٤) شمس الدين العليمي الحكم بما يقتضيه الشرع الشريف، فحكم بهدم ما استجد من البناء، ولم (٥) يخف في الله لومة لائم، وكان ذلك في يوم الثلاثاء تاسع عشري صفر سنة ٨٥٦، ثم توجه جماعة من الفقراء والنائب وهدم البناء في يوم الأحد رابع ربيع الأول، وكان يوم كثير المطر. ثم في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، توجه القاضي شمس الدين إلى كنيسة قمامة، وهدم الدرابزين الخشب المستجد بها، ونقل أخشابه إلى المسجد الأقصى الشريف بالتكبير والتهليل، وكان يوما مشهودا. ومنها أن نصرانيا من طائفة الحبش، وقع في حق النبي، ﷺ ، فرفع إليه أمره، واعترف عنده بما صدر منه، فخوفه (٦) بعض الناس وقال له: إن هذه الطائفة للدولة بها اعتناء وتخشى عاقبة هذا من جهة السلطان، فلم يلتفت لذلك، وحكم بسفك دمه (٧) وضرب عنقه، ثم أخذه العوام وأحرقوه في صحن كنيسة قمامة. ومنها أنه كان يبادر إلى أطفال (٨) من يموت من أهل الذمة، ويحكم بإسلامهم على قاعدة المذهب، فعارضه قاض شافعي بالقدس، وحكم لجماعة من أولاد الذمة ببقائهم على دينهم، وتعارض الحكمان، فرفع الأمر للملك الظاهر جقمق، واجتمع العلماء بالمدرسة الصلاحية للنظر في ذلك، واتفق علماء (٩) ذلك العصر على صحة الحكم بالإسلام، وأنه هو المعمول به، وأن ما حكم به الشافعي غير صحيح،

стр. 947

وطلب الحاكم الشافعي للديار المصرية ورتب عليه التعزير، ومنع من الحكم بالقدس الشريف منعا مؤبدا، وشرع أهل الذمة في الانتماء إلى من له شوكة من أركان الدولة، لينقذهم من الحكم بإسلام أولاد من مات منهم، فلم يلتفت إلى ذلك؛ ولم يزل مصمما على الحكم بذلك كلما رفع إليه إلى أن لحق بالله تعالى. واستمر بالقدس الشريف إلى أن عزل عن القضاء في شهر جمادى الأولى سنة ٧٣ هـ. ثم ورد عليه توقيع السلطان بقضاء الرملة، فتوجه إليها في يوم الأحد خامس رمضان، وأقام بها تسعة وخمسين يوما، وتوفي بالطاعون بعد آذان الظهر من يوم الثلاثاء رابع شهر ذي القعدة الحرام سنة ٨٧٣ هـ بالدار الكائنة بداخل مسجد شيخه العلامة شهاب الدين بن أرسلان، ﵁، بحارة الباشقردي، وصلي عليه من يومه بعد العصر بجامع السوق، ودفن على باب الجامع الأبيض ظاهر مدينة الرملة من جهة الغرب، إلى جانب حوش ملاصق لحائط جامع أحمد (١) النسائي، صاحب السنن في الحديث، وكانت جنازته حافلة، وصلي عليه بالمسجد الأقصى صلاة الغائب في يوم الجمعة سابع ذي القعدة، وكثر التأسف عليه. ومن عجب الاتفاق أن القاضي شمس الدين العليمي الحنبلي، والقاضي شمس الدين المغراوي المالكي، المتقدم ذكره، مولدهما في سنة واحدة هي سنة سبع وثمانمائة، وكانا قاضيين بمدينة الرملة، ثم صارا قاضيين بالقدس، وكل منهما ولي قضاء صفد، وتوفيا في سنة واحدة وهي سنة ٨٧٣ هـ (٢)، ولما توفي المغراوي في نصف شعبان، أخبر القاضي شمس الدين العليمي أن القاضي المالكي قد توفي، وصلي عليه وحمل إلى ماملا، فقال: لا إله إلا الله، الناس اليوم يقولون توفي القاضي المالكي، وعن قريب يقولون توفي الحنبلي، فما مضى على ذلك إلا دون عشرة أيام وورد عليه توقيع بقضاء الرملة، فتوجه إليها في خامس رمضان، وتوفي في رابع ذي القعدة بعد المغراوي بنحو ثمانين يوما، ﵀، وعفا عنه، عوضه الجنة. والعمري نسبة إلى سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، والعليمي نسبة إلى سيدنا علي بن عليل المشهور عند الناس علي بن عليم، والصحيح أنه عليل باللام (٣) كذا في نسبه الثابت.

стр. 948

فلنذكر مسلسل النسب في هذه الترجمة تبركا بها، فأقول هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عيسى بن تقي الدين بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم (١) بن محمد بن عبد المجيد بن الشيخ تقي الدين بن عبد السلام بن إبراهيم بن أبي العياض (٢) بن الشيخ الرباني، القدوة العارف، أبي الحسن علي المدفون بشاطئ البحر المالح، بساحل أرسوف، صاحب المناقب المشهورة والكرامات الظاهرة، قدس الله روحه ونوّر ضريحه، ابن الشيخ عليل ابن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل، الزاهد العابد الصوام القوام الصحابي عبد الله، ﵁، بن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي القرشي، ﵁ وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين، وهذا النسب ثابت لجده القاضي شمس الدين، المشار إليه، الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف، محكوم (٣) به لدى قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل (٤) ابن قدامة الحنبلي (٥)، بالشام المحروسة، في شهور سنة ٧٧٠ هـ (٦) رحمة الله عليهم أجمعين. الشيخ عمر بن إسماعيل الحنبلي (٧) كان (٨) رجلا صالحا يحفظ القرآن، ويؤدب الأطفال بالمسجد الأقصى بالمكان المجاور لجامع المغاربة من جهة القبلة، والناس سالمون من يده ولسانه، توفي في شهر رجب سنة ٨٨٠ هـ (٩) بالقدس الشريف. قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة شرف الدين أبي حاتم عبد القادر بن شيخ الإسلام شمس الدين بن عبد الله محمد الجعبري النابلسي

стр. 949

الحنبلي (١)، ولد سنة ٢ وقيل ٧٩١ هـ (٢) بنابلس (٣)، ونشأ على طريقة حسنة، وهو من بيت علم ورئاسة، سمع من جده، وابن العلائي وجماعة، واشتغل بالعلم وحصل، وباشر القضاء بنابلس نيابة، ثم وليها استقلالا بعد الأربعين والثمانمائة، ثم أضيف إليه قضاء القدس الشريف بعد (٤) عزل القاضي شمس الدين العليمي قبل الخمسين والثمانمائة (٥) ثم عزل من القدس واستمر بنابلس. ثم باشر قضاء القدس مرتين عوضا عن القاضي شمس الدين العليمي، الأولى في شهور سنة أربع وستين وثمانمائة، والثانية سنة ست وستين وثمانمائة (٦)، وكل مرة يقيم مدة يسيرة ثم يعاد إلى قضاء نابلس، وولي قضاء الرملة، ونيابة الحكم بالديار المصرية، وكان حسن السيرة عفيفا في مباشرته القضاء مهيبا عند الناس، وكان حسن الشكل منوّر الشيبة عليه الأبهة والوقار ونورانية العلم والتقوى، وعمر ورزق الأولاد وألحق الأحفاد بالأجداد، ومتع بدنياه، ثم عزل عن قضاء نابلس في أواخر عمره، فلم يلتفت إليه بعد ذلك، واستمر إلى أن توفي بنابلس في يوم الخميس سادس عشر رمضان سنة ٨٨١ هـ (٧) وله نحو تسعين سنة. وكان له عدة أولاد أمثلهم قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد (٨)، ولد سنة نيف و ٨٣٠ (٩)، دأب وحصل، وسافر إلى البلاد، واشتغل بالعلم، وأخذ عن المشايخ، وفضل وبرع في المذهب، وأذن له الشيخ علاء الدين المرداوي (١٠)، عالم الحنابلة في وقته، ومصحح مذهب الإمام أحمد ومنقحه بالإفتاء والتدريس في سنة ٨٥١ (١١)، ثم أذن له الشيخ تقي الدين بن قندس (١٢) أيضا، فتميز وصار من

стр. 950

أعيان الحنابلة، وأفتى وناظر، وكان عنده معرفة بطرق الأحكام، وباشر القضاء نيابة عن والده بنابلس. ثم باشر نيابة الحكم بالديار المصرية عن قاضي القضاة غرس الدين (١) الكناني، ثم باشر القضاء بالقدس الشريف والرملة في شهر جمادى الأولى سنة ٨٧٣ (٢)، عوضا عن القاضي شمس الدين العليمي، المتقدم ذكره، ثم أضيف إليه بعد وفاته قضاء الرملة، ثم قضاء نابلس، وعزل عن القضاء في شهر شعبان (٣) سنة ٧٩ هـ، واستمر سنة كاملة، وأعيد في سنة تسع وسبعين، ثم عزل في جمادى الآخرة سنة ٨٨٢ هـ (٤). وتوجه إلى القاهرة، فباشر نيابة الحكم عن شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين السعدي مدة يسيرة، ثم عزل في شهور شوال سنة ٨٨٣ (٥). وتوجه إلى دمشق، فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثم توجه إلى ثغر دمياط، وباشر نيابة الحكم، ثم سافر من دمياط وانقطع خبره ولم يعلم مقره، ثم ورد إلى القاهرة خبر وفاته بمدينة الإسكندرية في شهور سنة ٨٨٩ هـ، ولم يعلم حقيقة الحال في وفاته ﵀ وعفا عنه. ذكر ما تيسر من أسماء من ولي النظر والنيابة بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵇ ولم أستوعب اسماءهم ولا تراجمهم أجمعهم، فإن ذلك تطويل لا طائل تحته، خصوصا حكام الشرطة من النواب، ليس في الاعتناء بذكرهم كبير فائدة، وإنما أذكر من النظار والنواب من اشتهر من أعيانهم، ومن عرف له فعل بر ومعروف، فأقول والله الموفق. الشيخ القدسي (٦) موسى بن غانم الأنصاري، قرره السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في مشيخة الحرم بالقدس الشريف، والنظر عليه
следующие страницы →