← История

История · id 1657

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس

مجير الدين العليمي

Полный текст (1 075 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

البناء الجديد وبعض البناء القديم، ولم يزل العوام يهدمون حتى نهاهم القاضي، واستمرت مهدومة إلى يومنا هذا. وقد أخذت (١) هذه الحادثة عن الشيخ أبي الوفاء المشار إليه من لفظه، رحمه الله تعالى، ومنها أنه كان (٢) النصارى ببيت المقدس أحدثوا بناء في الكنيسة، وورد مرسوم بالنظر في ذلك، فتوجه نائب السلطنة وشيخ الصلاحية والقضاة والمشايخ الصوفية إلى بيت المقدس، وسأل (٣) الحاكم القاضي (٤) شمس الدين العليمي الحكم بما يقتضيه الشرع الشريف، فحكم بهدم ما استجد من البناء، ولم (٥) يخف في الله لومة لائم، وكان ذلك في يوم الثلاثاء تاسع عشري صفر سنة ٨٥٦، ثم توجه جماعة من الفقراء والنائب وهدم البناء في يوم الأحد رابع ربيع الأول، وكان يوم كثير المطر. ثم في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، توجه القاضي شمس الدين إلى كنيسة قمامة، وهدم الدرابزين الخشب المستجد بها، ونقل أخشابه إلى المسجد الأقصى الشريف بالتكبير والتهليل، وكان يوما مشهودا. ومنها أن نصرانيا من طائفة الحبش، وقع في حق النبي، ﷺ ، فرفع إليه أمره، واعترف عنده بما صدر منه، فخوفه (٦) بعض الناس وقال له: إن هذه الطائفة للدولة بها اعتناء وتخشى عاقبة هذا من جهة السلطان، فلم يلتفت لذلك، وحكم بسفك دمه (٧) وضرب عنقه، ثم أخذه العوام وأحرقوه في صحن كنيسة قمامة. ومنها أنه كان يبادر إلى أطفال (٨) من يموت من أهل الذمة، ويحكم بإسلامهم على قاعدة المذهب، فعارضه قاض شافعي بالقدس، وحكم لجماعة من أولاد الذمة ببقائهم على دينهم، وتعارض الحكمان، فرفع الأمر للملك الظاهر جقمق، واجتمع العلماء بالمدرسة الصلاحية للنظر في ذلك، واتفق علماء (٩) ذلك العصر على صحة الحكم بالإسلام، وأنه هو المعمول به، وأن ما حكم به الشافعي غير صحيح،

стр. 947

وطلب الحاكم الشافعي للديار المصرية ورتب عليه التعزير، ومنع من الحكم بالقدس الشريف منعا مؤبدا، وشرع أهل الذمة في الانتماء إلى من له شوكة من أركان الدولة، لينقذهم من الحكم بإسلام أولاد من مات منهم، فلم يلتفت إلى ذلك؛ ولم يزل مصمما على الحكم بذلك كلما رفع إليه إلى أن لحق بالله تعالى. واستمر بالقدس الشريف إلى أن عزل عن القضاء في شهر جمادى الأولى سنة ٧٣ هـ. ثم ورد عليه توقيع السلطان بقضاء الرملة، فتوجه إليها في يوم الأحد خامس رمضان، وأقام بها تسعة وخمسين يوما، وتوفي بالطاعون بعد آذان الظهر من يوم الثلاثاء رابع شهر ذي القعدة الحرام سنة ٨٧٣ هـ بالدار الكائنة بداخل مسجد شيخه العلامة شهاب الدين بن أرسلان، ﵁، بحارة الباشقردي، وصلي عليه من يومه بعد العصر بجامع السوق، ودفن على باب الجامع الأبيض ظاهر مدينة الرملة من جهة الغرب، إلى جانب حوش ملاصق لحائط جامع أحمد (١) النسائي، صاحب السنن في الحديث، وكانت جنازته حافلة، وصلي عليه بالمسجد الأقصى صلاة الغائب في يوم الجمعة سابع ذي القعدة، وكثر التأسف عليه. ومن عجب الاتفاق أن القاضي شمس الدين العليمي الحنبلي، والقاضي شمس الدين المغراوي المالكي، المتقدم ذكره، مولدهما في سنة واحدة هي سنة سبع وثمانمائة، وكانا قاضيين بمدينة الرملة، ثم صارا قاضيين بالقدس، وكل منهما ولي قضاء صفد، وتوفيا في سنة واحدة وهي سنة ٨٧٣ هـ (٢)، ولما توفي المغراوي في نصف شعبان، أخبر القاضي شمس الدين العليمي أن القاضي المالكي قد توفي، وصلي عليه وحمل إلى ماملا، فقال: لا إله إلا الله، الناس اليوم يقولون توفي القاضي المالكي، وعن قريب يقولون توفي الحنبلي، فما مضى على ذلك إلا دون عشرة أيام وورد عليه توقيع بقضاء الرملة، فتوجه إليها في خامس رمضان، وتوفي في رابع ذي القعدة بعد المغراوي بنحو ثمانين يوما، ﵀، وعفا عنه، عوضه الجنة. والعمري نسبة إلى سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، والعليمي نسبة إلى سيدنا علي بن عليل المشهور عند الناس علي بن عليم، والصحيح أنه عليل باللام (٣) كذا في نسبه الثابت.

стр. 948

فلنذكر مسلسل النسب في هذه الترجمة تبركا بها، فأقول هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عيسى بن تقي الدين بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم (١) بن محمد بن عبد المجيد بن الشيخ تقي الدين بن عبد السلام بن إبراهيم بن أبي العياض (٢) بن الشيخ الرباني، القدوة العارف، أبي الحسن علي المدفون بشاطئ البحر المالح، بساحل أرسوف، صاحب المناقب المشهورة والكرامات الظاهرة، قدس الله روحه ونوّر ضريحه، ابن الشيخ عليل ابن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل، الزاهد العابد الصوام القوام الصحابي عبد الله، ﵁، بن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي القرشي، ﵁ وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين، وهذا النسب ثابت لجده القاضي شمس الدين، المشار إليه، الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف، محكوم (٣) به لدى قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل (٤) ابن قدامة الحنبلي (٥)، بالشام المحروسة، في شهور سنة ٧٧٠ هـ (٦) رحمة الله عليهم أجمعين. الشيخ عمر بن إسماعيل الحنبلي (٧) كان (٨) رجلا صالحا يحفظ القرآن، ويؤدب الأطفال بالمسجد الأقصى بالمكان المجاور لجامع المغاربة من جهة القبلة، والناس سالمون من يده ولسانه، توفي في شهر رجب سنة ٨٨٠ هـ (٩) بالقدس الشريف. قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة شرف الدين أبي حاتم عبد القادر بن شيخ الإسلام شمس الدين بن عبد الله محمد الجعبري النابلسي

стр. 949

الحنبلي (١)، ولد سنة ٢ وقيل ٧٩١ هـ (٢) بنابلس (٣)، ونشأ على طريقة حسنة، وهو من بيت علم ورئاسة، سمع من جده، وابن العلائي وجماعة، واشتغل بالعلم وحصل، وباشر القضاء بنابلس نيابة، ثم وليها استقلالا بعد الأربعين والثمانمائة، ثم أضيف إليه قضاء القدس الشريف بعد (٤) عزل القاضي شمس الدين العليمي قبل الخمسين والثمانمائة (٥) ثم عزل من القدس واستمر بنابلس. ثم باشر قضاء القدس مرتين عوضا عن القاضي شمس الدين العليمي، الأولى في شهور سنة أربع وستين وثمانمائة، والثانية سنة ست وستين وثمانمائة (٦)، وكل مرة يقيم مدة يسيرة ثم يعاد إلى قضاء نابلس، وولي قضاء الرملة، ونيابة الحكم بالديار المصرية، وكان حسن السيرة عفيفا في مباشرته القضاء مهيبا عند الناس، وكان حسن الشكل منوّر الشيبة عليه الأبهة والوقار ونورانية العلم والتقوى، وعمر ورزق الأولاد وألحق الأحفاد بالأجداد، ومتع بدنياه، ثم عزل عن قضاء نابلس في أواخر عمره، فلم يلتفت إليه بعد ذلك، واستمر إلى أن توفي بنابلس في يوم الخميس سادس عشر رمضان سنة ٨٨١ هـ (٧) وله نحو تسعين سنة. وكان له عدة أولاد أمثلهم قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد (٨)، ولد سنة نيف و ٨٣٠ (٩)، دأب وحصل، وسافر إلى البلاد، واشتغل بالعلم، وأخذ عن المشايخ، وفضل وبرع في المذهب، وأذن له الشيخ علاء الدين المرداوي (١٠)، عالم الحنابلة في وقته، ومصحح مذهب الإمام أحمد ومنقحه بالإفتاء والتدريس في سنة ٨٥١ (١١)، ثم أذن له الشيخ تقي الدين بن قندس (١٢) أيضا، فتميز وصار من

стр. 950

أعيان الحنابلة، وأفتى وناظر، وكان عنده معرفة بطرق الأحكام، وباشر القضاء نيابة عن والده بنابلس. ثم باشر نيابة الحكم بالديار المصرية عن قاضي القضاة غرس الدين (١) الكناني، ثم باشر القضاء بالقدس الشريف والرملة في شهر جمادى الأولى سنة ٨٧٣ (٢)، عوضا عن القاضي شمس الدين العليمي، المتقدم ذكره، ثم أضيف إليه بعد وفاته قضاء الرملة، ثم قضاء نابلس، وعزل عن القضاء في شهر شعبان (٣) سنة ٧٩ هـ، واستمر سنة كاملة، وأعيد في سنة تسع وسبعين، ثم عزل في جمادى الآخرة سنة ٨٨٢ هـ (٤). وتوجه إلى القاهرة، فباشر نيابة الحكم عن شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين السعدي مدة يسيرة، ثم عزل في شهور شوال سنة ٨٨٣ (٥). وتوجه إلى دمشق، فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثم توجه إلى ثغر دمياط، وباشر نيابة الحكم، ثم سافر من دمياط وانقطع خبره ولم يعلم مقره، ثم ورد إلى القاهرة خبر وفاته بمدينة الإسكندرية في شهور سنة ٨٨٩ هـ، ولم يعلم حقيقة الحال في وفاته ﵀ وعفا عنه. ذكر ما تيسر من أسماء من ولي النظر والنيابة بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل ﵇ ولم أستوعب اسماءهم ولا تراجمهم أجمعهم، فإن ذلك تطويل لا طائل تحته، خصوصا حكام الشرطة من النواب، ليس في الاعتناء بذكرهم كبير فائدة، وإنما أذكر من النظار والنواب من اشتهر من أعيانهم، ومن عرف له فعل بر ومعروف، فأقول والله الموفق. الشيخ القدسي (٦) موسى بن غانم الأنصاري، قرره السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في مشيخة الحرم بالقدس الشريف، والنظر عليه

стр. 951

والتصرف في أوقافه (١)، ورأيت توقيعه بذلك، وعليه علامة السلطان، الحمد لله على نعمه، وقد قطع تاريخه ولم أطلع للشيخ موسى على ترجمة ولا تاريخ وفاة، ﵀. الأمير حسام الدين ساروج (٢) التركي، أحد أمراء الملك صلاح الدين، كان ديّنا خيّرا، حسن السيرة، ولي إمرة القدس بعد الفتح، واستمر على ولايته إلى حين وقوع الهدنة بين السلطان والإفرنج في سنة ٥٨٨ هـ (٣). الأمير عز الدين جرديك (٤) أحد أمراء السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد ﵀، كان أميرا معتبرا شجاعا، واتصل بخدمة الملك الناصر (٥) صلاح الدين، وكان من أعيان جماعته، فلما حصل الصلح بين السلطان والإفرنج بالهدنة، فوّض إلى الأمير (٦) جرديك ولاية القدس الشريف، بعد الأمير حسام الدين، المذكور قبله في سنة ٥٨٨ هـ. وولي الأمير علم الدين قيصر أعمال الخليل وعسقلان وغزة والداروم (٧)، وما وراءها وذلك في السنة المذكورة. الأمير سنقر (٨) الكبير، صاحب القدس، كان متوليا عليه في سنة ٥٩٣ هـ (٩) توفي في السنة المذكورة. واستقر بعده في القدس الأمير صارم الدين (١٠) قطلو، مملوك عز الدين فرخشان بن شاهنشاه ابن أيوب. الأمير الأسفهسلار (١١) عز الدين سعيد السعداء، أبو عمرو عثمان بن علي بن عبد الله الزنجيلي، كان متوليا على القدس الشريف، وهو الذي عمّر قبة المعراج

стр. 952

بصحن الصخرة المشرفة (١) في سنة ٥٩٧ هـ (٢) وتقدم ذكر ذلك. الأمير حسام الدين أبو سعيد عثمان بن عبد الله المعظمي، متولي القدس الشريف، وهو الذي تولى عمارة قبة النحوية بصحن الصخرة الشريفة، بأمر الملك المعظم عيسى في سنة ٦٠٤ هـ (٣). الأمير رشيد الدين فرج بن عبد الله المعظمي، متولي بلد سيدنا الخليل، ﵇، في دولة الملك المعظم (٤) عيسى، هو الذي تولى عمارة المنارة بمقام سيدنا يوسف، ﵇، بقرية حلحول (٥) (٦) في شهر رجب ٦٢٣ هـ. الأمير الكبير علاء الدين الأعمى (٧)، هو ابن إيدغدي بن عبد الله الصالحي النجمي، كان من أكابر الأمراء، فلما أضر أقام بالقدس، وولي نظره فعمره وثمره، وكان ناظر الحرمين من أيام الظاهر بيبرس إلى أيام المنصور قلاوون، وكان مهيبا لا تخالف مراسيمه، وهو الذي بنى المطهرة قريبا من المسجد الشرقي النبوي، فانتفع الناس بها في الوضوء وتيسيره (٨)، أثابه الله تعالى، وأنشأ بالقدس الشريف رباطا بباب الناظر وآثارا حسنة وبلط صحن الصخرة الشريفة، وعمر المغلق ببلد سيدنا الخليل ﵇ على باب المسجد الشريف الذي بداخله الأفران والطواحين، وهو مكان من العجائب يغلق عليه باب واحد، والحاصل الذي يوضع فيه القمح والشعير علوه، وكان سماط الخليل، ﵇، في كل يوم خمس كيالج (٩) قمحا، وكيلجة عدسا، فما مات إلا والسماط في كل يوم غرارتان قمحا، وهذا يعد من حسن سيرته وطيب أيامه، وكان يباشر الأمور بنفسه، وله حرمة وافرة، توفي في شهر شوال سنة ٦٩٣ هـ (١٠) ودفن برباطه بباب الناظر بالقدس الشريف، وصلي عليه صلاة الغائب بدمشق، والدعاء عند قبره مستجاب، ﵀ ونفع به.

стр. 953

القاضي شرف الدين بن الصاحب الوزير فخر الدين الخليلي، ناظر الحرمين الشريفين مكة والمدينة، وحرمي القدس والخليل، وقفت على توقيعه بذلك من الملك المنصور حسام الدين لاجين، مؤرخ في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٦٩٧ هـ (١)، وهو الذي عمر منارة الغوانمة بالمسجد الأقصى، وتقدم ذكر ذلك. الملك الأوحد نجم الدين يوسف بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى، ولي نظر القدس والخليل في رجب سنة ٦٩٤ هـ (٢)، سمع من ابن الليثي (٣) وغيره، وروى عن الدمياطي في معجمه، وسمع منه البرزالي والمقاتلي (٤)، والذهبي، وقاضي القدس تاج الدين أبو بكر بن الكمال، وسمع الشيخ شمس الدين بن الديري (٥) الحنفي، قاضي القضاة بالديار المصرية على قاضي القدس بن الكمال المذكور صحيح البخاري بسماعه له على الملك الأوحد، بسماعه عن ابن الليثي (٦) بسنده، توفي الملك الأوحد ليلة الثلاثاء الرابع من ذي الحجة سنة ٦٩٨ هـ (٧) ودفن برباطه المعروف بالمدرسة الأوحدية بباب حطة عن سبعين سنة، وحضر جنازته خلق كثير، كان من أخيار أبناء الملوك دينا وفضيلة وإحسانا إلى الضعفاء (٨)، ﵀. الأمير ركن الدين منكورس الجاشنكير (٩)، نائب السلطنة بقلعة القدس الشريف، توفي في شعبان سنة ٧١٩ هـ (١٠) (١١) ودفن بماملا. الأمير ناصر الدين، مشد الأوقاف، ولي نظر القدس والخليل في المحرم سنة ٧٢٩ هـ (١٢) فعمر عمارات كثيرة، وفتح في المسجد الأقصى الشباكين اللذين عن

стр. 954

يمين المحراب ويساره (١)، وعمل الرخام بصدر الجامع الأقصى، بمرسوم الأمير تنكز نائب الشام في سنة ٧٣١ هـ (٢). الأمير الكبير علم الدين أبو سعيد سنجر بن عبد الله الجاولي الشافعي (٣)، ولد سنة ٦٥٣ هـ بآمد (٤)، ثم صار الأمير من الظاهرية يسمى جاولي، وانتقل بعد موته إلى بيت المنصور، وانتقلت به الأحوال إلى أن صار مقدما بالشام. وفي زمن الملك الناصر محمد بن (٥) قلاوون ولي نظر الحرمين الشريفين، والنيابة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇، وولي نيابة غزة وقبض عليه وامتحن، ثم استقر أميرا مقدما بمصر، ثم ولي نيابة حماة مدة يسيرة، ثم أعيد إلى نيابة غزة، ثم عاد إلى مصر، وقد روى مسند الشافعي عن قاضي الشوبك دانيال (٦) بن شكلي، وحدث به غير مرة، ورتب مسند الشافعي ترتيبا حسنا، وشرحه في مجلدات بمعاونة غيره، جمع بين شرحه لابن الأثير والرافعي، وزاد عليهما من شرح مسلم للنووي، وبنى عند مسجد الخليل ﵇ المعروف بالجاولية وتقدم ذكره، وهو في غاية الحسن، عمره من ماله حين كان ناظرا، وعمر جامعا بغزة، وخانقاه بظاهر القاهرة، ومدرسة بالقدس الشريف (٧)، وهي التي صارت في عصرنا سكنا للنواب بالقدس الشريف، ووقف أوقافا كثيرة بغزة والخليل والقدس، وغيرها وكان له معرفة بمذهب الشافعي، وكان رجلا فاضلا، ويستحضر كثيرا من نصوص الشافعي، توفي في شهر رمضان سنة ٧٤٥ هـ (٨)، ودفن بالخانقاه التي أنشأها بالقاهرة، وهي عند مكان يعرف بالكبش (٩) بالقرب من جامع ابن طولون (١٠). الأمير أبو القاسم (١١) عثمان بن أبي القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد

стр. 955

التميمي البصروي الحنفي، أحد أمراء الطبلخانة، ولي نابلس ونظر القدس والخليل، وتوفي في ذي الحجة سنة ٧٦٠ (١) هـ (٢) ودفن بماملا. الأمير تمراز، ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇، كان متوليا في سنة ٧٧٧ هـ (٣). الأمير قطلوبغا، ناظر الحرمين الشريفين، كان متوليا في دولة الملك الأشرف شعبان (٤) بن حسين في سنة ٧٦٩ هـ (٥) وهو الذي عمّر منارة باب الأسباط، وتقدم ذكر ذلك. الأمير بدر الدين حسن بن عماد الدين العسكري، ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل، ﵇، كان متوليا في سنة ٧٨٢ هـ (٦). الأمير ناصر الدين محمد بن بهادر (٧) الفخري الظاهري، ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة في دولة الملك الظاهر برقوق، وكان متوليا في سنة ٧٨٩ هـ (٨) وفي هذه السنة عمّر دكة المؤذنين بالصخرة الشريفة كما تقدم. الأمير شهاب الدين (٩) موسى بن بدر الدين حسن، ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة كان متوليا في سنة ٧٩٣ هـ (١٠). الأمير بلوي الظاهري، ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة، وهو الذي عمّر المحراب والمسطبة الكائنة تحت شجرة الميس المحددة، تجاه باب الناظر، أحد أبواب المسجد الأقصى الشريف في شهر ذي الحجة سنة ٧٩٥ هـ (١١)، والسبب في عمل السلسلة الحديد عليها أنها شجرة عظيمة، وتفسخت أغصانها في زمن

стр. 956

الأمير أركماس، الآتي ذكره (١)، فجعل السلسلة الحديد صيانة لها من التفسخ، ثم في زمن الأمير طوغان (٢) تفسخت، فزاد عليها سلسلة ثانية، فصارت تعرف بالميسة المحددة (٣). الأمير جانتمر (٤) الركني الظاهري ناظر الحرمين ونائب السلطنة كان متوليا في سنة ٧٩٦ هـ (٥). الأمير شهاب الدين أحمد اليغموري (٦)، ولي نظر الحرمين ونيابة السلطنة بالقدس (٧) الشريف، وبلد سيدنا الخليل، ﵇، في دولة الظاهر برقوق في شهر رجب سنة ٧٩٦ هـ، وأبطل المكوس والمظالم والرسوم التي أحدثها النواب قبله، وعمّر الحرم الشريف الخليلي ومقام السيد يوسف الصديق، وتقدم ذكر ذلك في ترجمة الملك الظاهر برقوق، وفي ذكر المسجد الشريف الخليلي. الأمير أصفهان بلاط، ناظر الحرمين الشريفين، كان متوليا في سنة ٨٠٤ هـ، بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل، ﵇. الأمير ركن (٨) الدين عمر بن علم الدين سليمان، المشهور بابن العلم، نسبته لوالده، وكان والده يعرف بابن المهذب، ولي النيابة والنظر بالقدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل ﵇، وتوفي قتلا سنة ٨٠٦ هـ (٩) (١٠)، وممن ولي بعده الأمير علاء الدين الكركي، ثم ولي شاهين المؤيدي وكان متوليا سنة ٨١٦ هـ (١١) (١٢). الأمير علاء الدين علي بن نائب الصبيبة ناصر الدين محمد، ولي قلعة الصبيبة (١٣) بعد والده، وولي الحجوبية بالشام غير مرة، وولي نيابة القدس

стр. 957

الشريف، وعمر به مدرسة على المسجد الشريف بالصف الشمالي، وهي مشهورة، توفي بدمشق بخط القبيبات (١) في المحرم سنة ٨٠٩ هـ (٢)، ثم نقل إلى القدس بعد مدة، ودفن بمدرسته المذكورة رحمه الله تعالى. الأمير ناصر الدين محمد بن العطار، ناظر الحرمين الشريفين، توفي بالقدس الشريف، يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة ٨٢٨ هـ (٣) ودفن بماملا. الأمير شاهين، المشهور بالذباح نائب السلطنة بالقدس الشريف، كان أميرا معتبرا شجاعا، وسبب تسميته بالذباح أنه أمسك جماعة من العرب وذبحهم عند باب دار النيابة بالقدس، فجرى الدم إلى مسافة بعيدة لكثرة المذبوحين، وكانت ولايته في دولة الملك الأشرف برسباي في حدود الثلاثين والثمانمائة. وبعدها الأمير سودون المغربي (٤) ناظر الحرمين الشريفين، كان متوليا في صفر سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة (٥). الأمير شاهين الشجاعي (٦)، ناظر الحرمين الشريفين، ولي بعد الأمير سودون المغربي، المذكور قبله. الأمير شرف الدين يحيى بن شلوه الغزي، ناظر الحرمين الشريفين، كان متوليا في سنة ٨٣٣ هـ (٧). الأمير أركماس الجلباني (٨)، ولي نظر الحرمين الشريفين ونيابة السلطنة في دولة الملك الأشرف برسباي بعد شرف الدين بن شلوه، المذكور قبله، وكان حاكما معتبرا عمّر الأوقاف ونماها، وصرف المعاليم، واشترى للوقف مما أرصده من مال جهات من القرى والمسقفات، وورد مرسوم السلطان بصرف معاليم المستحقين منها، وأرصد مالا لمصالح الصخرة الشريفة، ونقش ذلك برخامة وألصقت بحائط الصخرة الشريفة تجاه قبة المعراج في سنة ٨٣٦ هـ (٩)، ثم عزل، وتوفي في ثالث

стр. 958

جمادى الأولى سنة ٨٣٨ هـ، ودفن بماملا. الأمير حسن نجا (١)، ناظر الحرمين الشريفين، ونائب السلطنة، ولي بعد الأمير أركماس وكان حاكما معتبرا. وفي أيامه سرق مال الوقف الموضوع بصندوق الصخرة الشريفة، واتهم به جماعة من الخدام، فأخذهم الأمير حسن فجاء (٢) بهم إلى دار النيابة، وضرب بعضهم بالمقارع، وحبس شيخ الحرم جمال الدين بن غانم، وكانت فتنة فاحشة، وكان متوليا في سنة ٨٣٨ هـ (٣) وبعدها. الأمير حسام الدين أبو محمد الحسن بن ناصر الدين محمد جمال الدين عبد الله، الشهير بالكشكلي (٤) الحنفي (٥)، ناظر الحرمين ونائب السلطنة، كان من الأمراء المعتبرين، عمّر المدرسة الحسنية المعروفة بباب الناظر (٦)، ووقف عليها أوقاف ورتب فيها وظائف من التصوف وغيره، وكانت عمارتها في سنة ٨٣٧ هـ (٧)، وتاريخ وقفها في أول شهر رجب سنة ٨٣٨ هـ، وتوفي بالقدس الشريف بعد انفصاله عن (٨) النيابة والنظر، في خامس عشر ذي الحجة سنة ٨٤٢ هـ (٩)، ودفن بماملا عند الشيخ أبي عبد الله القرشي. الأمير طوغان العثماني (١٠)، ناظر الحرمين ونائب السلطنة بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل، ﵇، وكاشف (١١) الرملة ونابلس، ومتولي السلط (١٢) وعجلون، وأستادار الأغوار، وغير ذلك من التكلم على الجهات السلطانية، جمع له بين هذه الوظائف في دولة الملك الأشرف برسباي في سنة ٨٤٠

стр. 959

هـ (١)، وبعدها في دولة الملك الظاهر جقمق، وكان من الحكام المعتبرين، له محاسن كثيرة ببيت المقدس من العمارة وإقامة الحرمة. ولما توفيت زوجته الست زهرة، جعل لها مصحفا شريفا يقرأ فيه بالصخرة الشريفة، ودفنها على رأس جبل طور زيتا في قبة عمّرها لها بالقرب من خروبة العشرة، وعزل في سنة ٨٤٠ هـ، وتوفي بغزة، ﵀. القاضي غرس الدين خليل بن أحمد بن محمد بن عبد الله السخاوي (٢)، جليس الحضرة الشريفة الظاهرية ومشيرها، ومولده في سنة ٨٧٨ هـ (٣)، وكان صحب الملك الظاهر جقمق قبل السلطنة، فلما تسلطن قدمه وولاه نظر الحرمين في أواخر سنة ٨٤٣ هـ (٤)، بعد أن أفردها عن نظر الأمير طوغان، واستمر الأمير طوغان نائبا. وقدم السخاوي القدس في مستهل ربيع الأول سنة أربع وأربعين هو والقاضي علاء الدين بن السائح، وقد ولي قضاء الشافعية، وكان دخولها في يوم واحد (٥)، وكل منهما عليه خلعة السلطان بطرحة، فعمّر الأوقاف، ورتب الوظائف، وأقام نظام الحرمين، وفعل فيهما من الخير ما لم يفعله غيره، وتقدم ذكر ذلك في ترجمة الملك الظاهر جقمق، ثم توجه إلى القاهرة، فتوفي فيها في أحد الجمادين سنة سبع وأربعين وثمانمائة (٦). الأمير خشقدم (٧) نائب السلطنة بالقدس الشريف، ولي النيابة في دولة الملك الظاهر جقمق، باشر بشهامة فحصل منه عسف للرعية وجار عليهم، فوثب أهل بيت المقدس عليه وشكوه للسلطان، فعزله وطلب إلى القاهرة. ثم بذل مالا وولي مرة ثانية، وحضر من القاهرة وهو يهدد أهل بيت المقدس ويعدهم بكل سوء، فدخل في يوم الخميس إلى القدس، وحصل له توعك عقب دخوله، فمات في يوم الخميس الثاني، ولم يمكنه الله من أحد من أهل بيت المقدس، ودفن بباب الرحمة سنة ٨٥٢ هـ (٨).

стр. 960

وقد ولي نيابة القدس الشريف جماعة وبعضهم أضيف إليه النظر قبل الثمانمائة وبعدها إلى نحو الأربعين والخمسين والثمانمائة، فمنهم: أحمد الحمصي، وأحمد الهيدباني (١)، وحسن بن باكيش (٢)، وعلاء الدين يلبغا العلائي، وأحمد حيدر، ومحمد الشريف، وأمير حاج (٣) بن سندمر، وأمير علي بن الحاجب، وجركس، وكمشبغا الرماح، وصدقة بن الطويل، ومنكلي بغا (٤) (٥)، ويونس الرماح (٦)، وشعبان بن اليغموري، في دولة الملك المؤيد شيخ، عمر بن الطحان (٧) الملك المؤيد أيضا، ويلبغا من الملك المؤيد، وخالد من الملك المؤيد، وإلياس، ويلباي (٨)، وأبو يزيد (٩) قحقار، ومغلباي (١٠)، وسودون الجاموس، ويعقوب شاه (١١) وطيبغا (١٢)، ومسعار (١٣)، وأحمد بن بكتمر، ومحمد بن مقبل (١٤)، وإينال الرجبي، وأقبغا الهيدباني (١٥) وخليل بن الحاجب، وقرابغا (١٦) وقوزي (١٧) وبرسباي (١٨) وعلي بن قرا، ويشبك طاز (١٩) وغيرهم جماعة وتقدم في أول الفصل أنني لم ألتزم باستيفائهم (٢٠) ولا أذكر أخبارهم لعدم الفائدة في ذلك.

стр. 961

الأمير تمراز المصارع (١)، نائب السلطنة كان متوليا في زمن الملك الظاهر جقمق في عصر القاضي أمين الدين عبد الرحمن بن الديري، ناظر الحرمين، ووقع بينهما فتنة اتصل أمرها بالسلطان، وطلب الناظر إلى القاهرة، وكان ذلك بعد الخمسين والثمانمائة. الأمير أحمد (٢) بن مبارك شاه (٣) نائب القدس الشريف، كان متوليا في دولة الملك الظاهر جقمق في سنة نيف وخمسين وثمانمائة، وكان حاكما معتبرا، وتقدم ذكر ما وقع له (٤) مع القاضي شرف الدين عيسى المالكي (٥) في ترجمته وهو والد الأمير أحمد بن مبارك شاه الذي ولي النيابة فيما بعد، كما سنذكره في ترجمة الملك الأشرف قايتباي، إن شاء الله تعالى. القاضي شمس الدين محمد بن الصلاح محمد الحموي الشافعي، الأديب المنشئ البليغ النحوي، الناظم الناثر الفاضل، مولده في المحرم سنة ٨٠٨ هـ (٦)، باشر التوقيع بديوان الإنشاء بالديار المصرية، ثم ولي في دولة الملك الظاهر جقمق نظر القدس والخليل في جمادى الآخرة سنة ٨٥٢ هـ (٧) وقدم القدس الشريف فعمّره. وفي أيامه أنعم الملك الظاهر جقمق على جهة الوقف بمبلغ ألفي دينار وخمسمائة دينار، ومائة وعشرين قنطار من الرصاص برسم العمارة، ﵀، وتوفي بالقدس الشريف في يوم الخميس ثالث عشر شهر رمضان سنة ٨٥٣ هـ (٨) ودفن بالمدرسة المعظمية. القاضي شهاب الدين أحمد بن محاسن النابلسي، ولي النظر في دولة الملك الظاهر جقمق (٩) في سنة ٨٥٢ هـ، ولم تطل مدته وعزل بعد أن حصلت عليه محن، ثم استوطن مكة دهرا طويلا إلى أن توفي بها بعد السبعين والثمانمائة.

стр. 962

الأمير فارس الدين (١) العثماني، نائب السلطنة بالقدس الشريف، كان متوليا في سنة ٨٥٦ هـ (٢). الأمير أسنبغا الكاملي، ولي نظر الحرمين ونيابة السلطنة بالقدس الشريف وبلد سيدنا (٣) الخليل ﵇، في أواخر سنة دولة الملك الظاهر جقمق، ودخل متسلمه القدس الشريف في نهار الخميس سلخ ذي الحجة سنة ٨٥٦ هـ، وفي يوم الأحد مستهل شهر صفر سنة ٨٥٧ هـ (٤) دخل ولده ناصر الدين محمد إلى القدس بخلعة السلطان، وقرئ مرسوم السلطان لوالده باستقراره في النيابة والنظر، ومرسوم الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق بالإعلام بأن والده خلع نفسه من الملك وأنه استقر هو في الملك في يوم الخميس حادي عشر المحرم، ثم دخل الأمير أسنبغا إلى القدس الشريف في يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول بخلعة السلطان بالنيابة والنظر، وقرئ توقيعه بالمسجد الأقصى الشريف، فلم تطل مدته وعزل بعد أربعين يوما في أول دولة الملك الأشرف إينال. واستقر في النيابة الأمير حسن بن أيوب، ودخل متسلمه ابن أخيه عيسى بن أيوب إلى القدس الشريف، في يوم الخميس عاشر ربيع الآخر سنة ٨٥٧ هـ (٥). واستقر الأمير عز الدين عبد العزيز بن المعلاق العراقي (٦) في النظر، ودخل ولده حسن متسلمه صحبة النائب الأمير حسن بن أيوب في يوم الاثنين رابع عشر ربيع الآخر سنة ٨٥٧ هـ، ثم دخل الناظر إلى القدس في يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر سنة ٨٥٧ هـ. وفي أيامه أنعم الملك الأشرف إينال على جهة الوقف بألف ومائتي إردب (٧) قمح، القيمة عنها أربعة آلاف دينار وثمانمائة دينار، استمر ناظرا إلى أن توفي الملك الأشرف إينال (٨) في سنة ٨٦٥ هـ (٩)، فإنه كان خصيصا به وله عنده وجاهة،

стр. 963

وقد عمّر الأوقاف وصرف المعاليم كاملة، وكانت مباشرته حسنة. فلما توفي الأشرف إينال حصل له من الظاهر خشقدم (١) محنة وصودر وعزل، واستمر معزولا مقيما ببلدة الرملة إلى أن توفي بها بعد السبعين والثمانمائة. وأما الأمير حسن بن أيوب فإنه وقع له العزل والولاية من النيابة مرات إلى آخر دولة الظاهر خشقدم، وأول ولاية الملك الأشرف قايتباي، وولي الكرك وعزل منها، وآخر مرة أنه استمر معزولا (٢) بالقدس الشريف إلى أن توفي يوم السبت عشري جمادى الأولى سنة ٨٨٠ هـ (٣). الأمير قانصوه ولي نيابة القدس الشريف، عوضا عن الأمير حسن بن أيوب في دولة الملك الأشرف إينال، ودخل إلى القدس الشريف في يوم الخميس عاشر ربيع الآخر سنة ستين وثمانمائة، وقرئ توقيعه في يوم الجمعة ثاني يوم دخوله بالمسجد الأقصى الشريف، وعزل بسرعة وأعيد ابن أيوب، ودخل القدس في يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة (٤) من السنة المذكورة. الأمير إياس البجاسي (٥) (٦)، ولي نيابة القدس الشريف عوضا عن الأمير حسن بن أيوب، ودخل متسلمه (٧) إلى القدس يوم الاثنين ثاني عشر صفر سنة ٨٦٣ هـ (٨) في دولة الملك الأشرف وطلب الأمير حسن إلى القاهرة وامتحن من قبل السلطان بالضرب، ثم عزل إياس بعد مدة يسيرة نحو الشهر. وولي الأمير شاه بكر (٩) منصور بن شهري، ودخل إلى القدس في يوم الاثنين ثاني ربيع الآخر، وعزل في شهر رجب، ووليّ الأمير حسن بن أيوب. الأمير أبو بكر المشهور بميزه، أصله من بلاد المشرق، يقال أنه من الرّها، ولي نيابة القدس الشريف في دولة الملك الظاهر خشقدم، ودخل إلى القدس الشريف في يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة ٨٦٧ هـ، والسبب في تلقيبه بميزه أنه

стр. 964

كان لما يحضر الخصم بين يديه من أرباب الجرائم وغيرهم، يشير إلى أعوانه ويقول ميزه، يريد بذلك إبراز الخصم (١) من بين الناس ليتميز عن غيره، وأقام مدة في النيابة نحو سنة، وعزل وتقلبت به الأحوال بعد ذلك، وصار تاجرا بسوق الرميلة (٢) بالقاهرة، وبقي إلى بعد الثمانين والثمانمائة. الأمير تغري بردي (٣) والي قطيا (٤)، ولي النيابة بالقدس الشريف، وكان يقال له أبو القرون، وسبب ذلك أنه كان يلبس العمامة على طريقة أمراء مصر، ولم يعهد ذلك قبله ببيت المقدس، فظهر هذا اللقب عليه، وكان يدق الكؤوس والطبلخانة في كل ليلة على عادة الأمراء بمصر وغيرها، ولم تجر بذلك عادة بالقدس الشريف، ولم تطل مدته وعزل في سنة ٨٦٧ هـ (٥)، وولي (٦) بعده الأمير حسن بن أيوب واستمر في النيابة إلى دولة الملك الأشرف قايتباي. وسنذكر من ولي النيابة بعده إلى آخر وقت في ترجمة السلطان، إن شاء الله، وفي أيامه أنعم السلطان الملك الظاهر خشقدم على جهة الوقف بستين غرارة من القمح، القيمة اختل نظام القلعة، وكان بالقدس الشريف فيما تقدم أمير حاجب (٧)، على عادت غيره من البلاد، وكان يحكم بين الناس، وترفع إليه الأمور المتعلقة بأرباب الجرائم (٨) وغيرها، مما يرفع إلى حكام (٩) الشرطة. وكان من جملة من وليها (١٠) الأمير شاهين الحاجب (١١). ثم ولي بعده جماعة منهم شهاب الدين أحمد بن شرف الدين موسى بن

стр. 965

العلم، وكان متوليا في سنة ٨٥٠ هـ (١). ثم ولي القاضي ناصر الدين صرف العلمي المتقدم ذكره عند فقهاء الحنفية، وليها بعده ولده زين الدين عمر، وأقام نظامها في سلطنة الملك الأشرف إينال، ثم بطل هذا الأمر واختص الأمر من الحكم بنواب القدس الشريف من نحو ستين وثمانمائة، وكان في الزمن السابق تولية النيابة والنظر من نواب الشام، ولم يزل الأمر على ذلك إلى نحو الثمانمائة، ثم عاد الأمر من السلطان بالديار المصرية، وهو مستمر على ذلك إلى يومنا هذا، وبالله التوفيق. ذكر ترجمة ملك العصر والزمان (٢) مولانا المقام الشريف الإمام الأعظم السلطان الملك الأشرف، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، قاتل الكفرة والمشركين، مبيد الطغاة والمارقين، جامع كلمة الإيمان، قامع عبدة الصلبان (٣)، وارث الملك، سيد ملوك العرب والعجم والترك، وظل الله الوارف، ورحمته السابغة للبادي والعاكف، وناصر دينه الذي قطعت الآراء بتفضيله، ولا يخالف ملك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى ومسجد الخليل النيرين، هو سيف الله القاطع أبو النصر قايتباي بن عبد الله الظاهري (٤) (٥)، نسبة إلى الملك الظاهر جقمق، ﵀، ونصر (٦) مولانا السلطان، المشار إليه، نصرا عزيزا، وفتح له فتحا مبينا، مولده في سنة ست وعشرين وثمانمائة، ودخل إلى الديار المصرية سنة ٨٣٨ هـ (٧) في

стр. 966

سلطنة الملك الأشرف برسباي، وكان من مماليكه، ثم انتقل إلى ملك الظاهر جقمق (١) فأعتقه فنسب إليه، ثم رفعه الله، وساد على أقرانه إلى أن ملّكه الله (٢) الأرض، وبويع له بالسلطنة بحضرة أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن محمد العباسي (٣)، تغمده الله برحمته، وقضاة القضاة ذوي المذاهب الأربعة بالديار المصرية، وهم قاضي القضاة ولي الدين أبو الفضل أحمد الأسيوطي الشافعي (٤)، وقاضي القضاة محب الدين أبو الفضل محمد بن الشحنة الحنفي (٥)، وقاضي القضاة حسام الدين أبو عبد الله محمد الحسيني المالكي (٦)، المشهور بابن حريز، وقاضي القضاة عز الدين أبو البركات أحمد الكناني العسقلاني الحنبلي (٧)، وأركان الدولة من الأمراء والوزراء (٨)، وأصحاب الدولة والحل والعقد، وكان المتولي لاستدعاء البيعة له القاضي زين الدين أبو بكر بن مزهر (٩) الأنصاري الشافعي، صاحب ديوان الإنشاء الشريف، بعد خلع الملك الظاهر تمربغا والقبض عليه، وجلس على سرير الملك الشريف في بكرة يوم الاثنين سادس شهر رجب الفرد سنة ٨٧٢ هـ، ونشر العدل في الرعية، واطمأن الناس بولايته، وزين له بيت المقدس، ودقت البشائر، عندما ورد الخبر (١٠) بسلطنته، وكان في ذلك التاريخ ناظر الحرمين بالقدس الشريف والخليل الأمير حسن بن ططر الظاهري (١١) ونائب

стр. 967

السلطنة بهما الأمير حسن بن أيوب، وشيخ الصلاحية، وقاضي القضاة الشافعي شيخ الإسلام نجم الدين أبو البقاء محمد بن جماعة، وقاضي القضاة الحنفي جمال الدين أبو العزم عبد الله بن الديري، وقاضي القضاة المالكي شمس الدين أبو عبد الله محمد الغمراوي (١)، وقاضي القضاة الحنبلي شمس الدين أبو عبد الله محمد العليمي، وتقدم ذكرهم في تراجمهم، ففي السنة المذكورة وهي سنة ٧٢ هـ عقب سلطنته برز مرسوم شريف بالإفراج عن الأمراء المقيمين بالقدس الشريف من زمن الملك الظاهر خشقدم، وهم بيبرس خال العزيز (٢)، وبيبرس الطويل (٣)، وجاني بك المشد (٤) وغيرهم، ثم جهزهم إلى الديار المصرية، فتوجهوا إلى أن وصلوا بالقرب من القاهرة، فرسم بعودهم إلى القدس الشريف على ما كانوا عليه، وحضر أيضا إلى القدس الشريف جماعة من الأمراء الذين أمر بإخراجهم من القاهرة، منهم الأمير يشبك الفقيه الدوادار (٥) الكبير (٦)، وجانبك كوهيه الدوادار الثاني، ومغلباي المحتسب وغيرهم، فمنهم من أقام بالقدس إلى أن توفي، ومنهم من أفرج عنه، وتوجه بعد ذلك من القدس. وفيها أعني السنة المذكورة، استقر الأمير برد بك التاجي (٧) في وظيفة نظر الحرمين عوضا عن حسن الظاهري، واستقر الأمير دمرداش (٨) العثماني في نيابة السلطنة الشريفة عوضا عن الأمير حسن (٩) بن أيوب، ودخل كل منهما إلى القدس، واستقر قاضي القضاة غرس الدين أبو الصفاء خليل بن عبد الله الكناني الشافعي أخو الشيخ أبو العباس الواعظ في مشيخة الصلاحية، وقضاء الشافعية، عوضا عن الشيخ نجم الدين بن جماعة، ودخل إلى القدس في شهر ذي القعدة، ثم أضيف إليه قضاء بلد سيدنا الخليل، ﵇، والرملة، وكان الملك الظاهر خشقدم قد شرع في

стр. 968

عمارة العين الواصلة من العروب إلى القدس الشريف، ومات وهي محتاجة إلى إكمال العمارة، فلما (١) ولي بعده الملك الظاهر يلباي، ثم الملك الظاهر تمربغا، رسم كل منها بإكمال العمارة، فلم تطل مدة واحد منهما، فكتب أهل بيت المقدس من المشايخ والقضاة والأعيان استدعاء للسلطان الملك الأشرف يتضمن سؤال صدقاته في إكمال عمارتها، فبرز مرسوم شريف بذلك، فعمّرت ووصل الماء إلى القدس الشريف، وأعيد الجواب للسلطان بذلك، وكان الأمير حسن (٢) الظاهري الناظر قد عمّر مدرسة للملك الظاهر خشقدم على ظهر الرواق المجاور لباب السلسلة من جهة الشمال، وكان المصروف من مال الأمير حسن، فتوفي الظاهر خشقدم قبل (٣) إكمال عقودها، وقبل انتهاء أمرها من القصارة وعمل الأبواب الخشب، فلما عزل الأمير حسن من النظر وتوجه إلى الديار المصرية، أنهي إلى السلطان أنه عمّر المدرسة من ماله، وهي باقية على ملكه، وسأل السلطان في قبولها، وأن تكون منسوبة إليه فقبلها، وكتب اسمه على بابها، وكان بناؤها على حكم المدارس الموجودة بالمسجد، ويتوصل إليها من الباب الذي يصعد منه إلى المنارة، وكانت عمارتها على هيئة عمائر المدارس بالقدس (٤) الشريف ليس فيها كبير أمر، فإنها تشمل (٥) على مجمع وطارقة، وخلوة للشيخ على ظهر رواق المسجد، ويقابل ذلك من جهة الغرب ساحة على ظهر إيوان المدرسة البلدية، وفيها بعض خلاوي، وكان السلم الموصل (٦) منه إليها وإلى المنارة ضيقا عسرا، وكان الشيخ شهاب الدين العميري الشافعي، ﵀، قد تعين لمشيختها من زمن الملك الظاهر خشقدم، فلما آل أمرها إلى مولانا السلطان الملك الأشرف، استمر على ما هو عليه، ثم كان من الأمراء ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ثم دخلت ٨٧٣ هـ (٧) (٨) فيها احتبس المطر ببيت المقدس حتى دخل أكثر (٩) الشتاء وحصل للناس شدة

стр. 969

من قلة الماء، ثم حصل الغلاء العظيم في جميع المملكة، واشتد الأمر ببيت المقدس وقلت الأقوات فيه، ووصل سعر القمح كل مد بدينار، والشعير كل مد بعشرين درهما، ووقع الغلاء في كل الأصناف من الأرز والزيت والبصل وغير ذلك، حتى الخضراوات، وضج الناس إلى الله . وفيها كثرت الفتن بين ناظر الحرمين بردبك التاجي ونائب السلطة دمرداش العثماني، ووقع الخلاف بينهما، وكثر القيل والقال، وانتهى الحال إلى أن ناظر الحرمين كان بظاهر المدينة عند بركة السلطان، وكانت قناة السبيل هناك محتاجة إلى عمارة، وقد شرع الصناع في ذلك العمل، فخرج الناظر للإشراف عليهم وهو في جمع قليل من حاشيته، فسلط النائب جماعة من أعوانه فخرجوا إلى الناظر إلى ذلك المكان على بغتة، وضربوه ضربا مؤلما، وأغلظوا عليه في الكلام، وشتموه وأفحشوا له في القول، فأقيمت الثائرة لذلك، ووصل المستنفرون إلى داخل المدينة، فبادر قاضي القضاة الحنفي جمال الدين عبد الله بن الديري (١)، وركب معه جماعة إلى ظاهر البلد، ودخل الناظر (٢) إلى المدينة على هيئة قبيحة، مما حصل في حقه، وعقد بالمسجد مجلس، وكتب ما وقع وجهز إلى السلطان، فحضر من القاهرة خاصكي سلطانه للكشف على ذلك، وبقي بعض أهل القدس في جهة الناظر، وبعضهم في جهة النائب، واشتد الأمر في وقوع الفتن والاختلاف بين الأكابر، وحصل للقاضي الحنفي ضرر لكونه ركب إلى ظاهر البلد في يوم ضرب الناظر، وغرم مالا بسبب ذلك، ثم حصل الخلل في نظام الوقفين المبررين بالقدس والخليل لسوء تدبر الناظر بردبك التاجي (٣) وعدم توفيقه، وتلاشت الأحوال وفحشت، وكثرت المناحيس من الأشرار (٤) وقطاع الطرق. وفيها استقر القاضي كمال الدين النابلسي الحنبلي في قضاء الحنابلة بالقدس الشريف والرملة، عوضا عن القاضي شمس الدين العلمي، وتقدم ذكر (٥) ذلك، وكتب توقيعه في ثاني جمادى الأولى، ودخل إلى القدس في أواخر شهر جمادى الآخرة. وفيها اهتم الأمير بردبك التاجي ناظر الحرمين بإكمال عمارة المدرسة التي

стр. 970

نسبت للسلطان كما تقدم، وعمل لها أبواب وفرشت بالبسط، وجلس الشيخ شهاب الدين العميري فيها بعد صلاة الجمعة في شهر رجب. وحضر معه القضاة والعلماء بالمجمع، وعمل درسا وتكلم فيه على قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، ثم إن ناظر الحرمين عمل سماطا (٢) من الحلوى السكب وأطعم الخاص والعام، وكان يوما مشهودا. وفيها توفي القاضي شمس الدين المغراوي المالكي، قاضي القدس الشريف في نصف شهر شعبان، وتقدم ذكر ذلك في ترجمته. وفيها وقع الوباء بالطاعون في جميع أنحاء المملكة، ودخل إلى بيت المقدس في أوائل شهر ذي القعدة، واشتد أمره وكثر من العشر الثالث من ذي القعدة إلى أواخر ذي الحجة، وفي ليلة عيد الأضحى غسّل الأموات في الليل، وحملوا وقت الصبح إلى صحن الصخرة المشرفة، وصلي عليهم عقب صلاة الصبح، وحملوا إلى التربة قبل صلاة العيد، وكانت سنة شديدة، حصل فيها من الجدب والغلاء والوباء والفتن، والخلف بين (٣) الحكام والأكابر، وحصول المحن فسبحان من يتصرف في عباده بما يشاء. وفيها توجه الأمير بردبك التاجي ناظر الحرمين من القدس إلى الديار المصرية، وهو مستمر على الولاية، واستناب عنه في النظر القاضي فخر الدين بن نسيبة الخزرجي (٤)، ولم يقدر له بعد ذلك الرجوع إلى القدس إلى أن انفصل من النظر. ثم دخلت سنة ٨٧٤ هـ (٥) (٦) فيها سير السلطان الأمير ناصر الدين محمد بن النشاشيبي أحد الخزندارية (٧) بالحرم الشريف لكشف أوقاف الحرمين الشريفين بالقدس والخليل، وتحرير أمرهما وإصلاح ما اختل من نظامهما في أيام الأمير بردبك التاجي، فحضر إلى القدس، ودخل بخلعة (٨) السلطان، ونظر في مصالح الأوقاف، وعمّر المسجد الأقصى،

стр. 971

وصرف المعاليم، وباشر تدبير الأمور حتى صلح منها ما فسد في زمن برد بك التاجي، وتراجعت أحوال بيت المقدس إلى الخير، وحصل الرخاء، وتباشر الناس بالفرج بعد الشدة، وكانت العين الواصلة إلى القدس قد قطعت، فدخلت إلى القدس في شهر جمادى الآخرة، وتباشر الناس بذلك، وعد ذلك من بركة الأمير ناصر الدين النشاشيبي، ونقشت رخامة بذلك (١)، وألصقت بالحائط الكائن عند درج العين بجوار التربة الجالقية. وفيها استقر القاضي حميد الدين أبو حامد المالكي في قضاء المالكية بالقدس الشريف وبلد سيدنا الخليل، ﵇، ودخل إلى القدس في شهر رجب، وتقدم ذكر ذلك في ترجمته. وفيها استقر (٢) الأمير يوسف الجمالي، المشهور بابن أقطيش (٣) خازندار جانم نائب الشام في نيابة السلطنة بالقدس الشريف عوضا (٤) عن دمرداش العثماني، ودخل إليه في شهر شوال في يوم خروج الحاج (٥) وكان دخوله بعد الظهر، وهو اليوم الذي توفي به الشيخ برهان الدين ابن أبي الوفاء (٦)، ثم توجه الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي إلى الأبواب الشريفة في أواخر السنة. وفيها في شهر رمضان استقر القاضي برهان الدين إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين التميمي الشافعي في قضاء الشافعية بمدينة سيدنا الخليل، ﵇، عوضا عن شيخ الصلاحية القاضي غرس الدين خليل الكناني، ورسم بإبطال ما كتبه للقاضي أبو حامد المالكي من قضاة المالكية بمدينة سيدنا الخليل، ﵇. ثم دخلت سنة ٨٧٥ هـ (٧) وفيها استقر الأمير ناصر الدين محمد بن النشاشيبي في نظر الحرمين بالقدس الشريف والخليل استقلالا ودخل إلى القدس الشريف في يوم الجمعة ثامن عشري المحرم، وكان يوما مشهودا وقرئ توقيعه بعد صلاة الجمعة، وأوقد المسجد في تلك الليلة، وشرع في عمارة الأوقاف وصلح حال سماط سيدنا الخليل، عليه

стр. 972

السلام، وباشر بعفة وشهامة، وحصل للأرض المقدسة الجمال بوجوده، وكان يكثر من مجالسة العلماء والفقهاء، ويحسن إليهم ويتلقاهم بالبشر والقبول، فعطف الناس عليه وابتهجوا به. وفيها في شهر شعبان ورد مرسوم السلطان (١) بعزل القاضي جمال الدين بن عمران من قضاء الحنفية بالقدس الشريف. واقعة أخي الشيخ أبي العباس (٢) وفيها في يوم السبت عاشر شهر رمضان، دخل إلى القدس الشريف القاضي شرف الدين موسى الأنصاري (٣)، وكيل المقام الشريف، ونزل بالمدرسة الجوهرية نحو باب الحديد، فحضر عنده القاضي غرس الدين خليل الكناني (٤)، أخو الشيخ أبي العباس الواعظ (٥)، وهو شيخ الصلاحية، قاضي القضاة الشافعي، للسلام عليه، فصادف حضوره عند حضور الشيخ شهاب الدين العميري الواعظ (٦) فقصد الشيخ شهاب الدين العميري الجلوس فوق القاضي، وكان غلطا منه، لأن القاضي كان شيخ الصلاحية، والشيخ شهاب الدين من المعيدين (٧) (٨) عنده، ورتبته لا تقتضي الجلوس فوقه، فحصل بينهما تشاجر وفحش (٩) القول، فكان من جملة كلام الشيخ شهاب الدين للقاضي أحرق عمامتك في رقبتك، فقال له القاضي: والله ما تعرف معنى العمامة ما هو، ثم خرجا من المجلس، وقد انتشر الكلام بينهما، فبلغ ذلك شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، فانتصر للشيخ شهاب الدين العميري، وانتهى الحال إلى أن اجتمع بمحراب الصخرة الشريفة جماعة مع الشيخ كمال الدين، منهم الشيخ أبو الوفاء بن أبي الوفاء، والشيخ شهاب الدين بن أبي

стр. 973

عبية (١) الذي ولي قضاء الشافعية فيما بعد، وجماعة من العلماء والفقراء والفقهاء، وأقيمت الغوغاء على القاضي، وانتهى الحال إلى أن العوام توجهوا إلى المدرسة الصلاحية، وهجموا على منزل القاضي وحريمه، ونهبوا له بعض أمتعة من منزله، واشتد الأمر والتفاحش وارتفعت الأصوات، وكان يوما كثير المطر، وبقي الناس أحزابا، وكانت فتنة فاحشة، ثم أن الشيخ شهاب الدين العميري، والشيخ شهاب الدين بن عبية، بادرا وختما صحيح البخاري قبل النصف من رمضان، وشرع شيخ الإسلام الكمال (٢) بن أبي شريف وهمّ بالسفر إلى القاهرة، فتوجهوا من القدس الشريف في سابع عشر شهر رمضان، وخرج الناس لوداعهم بالذكر والتهليل، وكان يوما مشهودا، وكان القاضي قد جهز ولده إبراهيم إلى القاهرة، وسعى في طلب الجماعة إلى الأبواب الشريفة، فبرز الأمر بذلك، وكان توجههم من القدس الشريف قبل وصول الطلب، ووصلوا إلى القاهرة في أواخر شهر رمضان، واجتمعوا بالسلطان، وهو أول اجتماع شيخ الإسلام الكمال بن أبي شريف به، فلما دخلوا عليه انتهر الشيخ شهاب الدين العميري وقال له: أخربت القدس؟ وجئت تخرب مصر! فانزعج لذلك وقرأ الفاتحة وانصرف، واستمر الشيخ كمال الدين جالسا، ثم وجه خطابه للسلطان وقال: يا مولانا السلطان نريد أن نتكلم بكلمات بين أيديكم (٣)، ولكن هيبة مولانا السلطان تمنعنا، فإن أذنتم لنا تكلمنا، فقال له: تكلم، فقال: يا مولانا السلطان تثبت، فحصل للسلطان سكون وزال ما كان عنده من الانزعاج، وأذن له في الكلام، فتكلم معه بكلام كان فيه الخير وعرّفه حقيقة أمر القاضي وما هو (٤) عليه، ثم انصرف، ولما وصل إبراهيم (٥) ولد القاضي إلى القدس، ووجد المشايخ قد سافروا قبل وصول الطلب، خشي القاضي على نفسه من طلب يرد عليه، فتوجه هو إلى القاهرة في شهر ذي القعدة، وصحبته جماعة من العوام مطلوبون بسبب شكواه، من جملتهم رجل اسمه عمر (٦) الزبال (٧)، وآخر يدعى زريق يحمل الأموات، وآخر يدعى كحيلة يدق الطبل مع الحرافيش، فلما

стр. 974

وصلوا إلى القاهرة، وقف القاضي للسلطان، وأنهى ما وقع في حقه فقال له: من هو غريمك؟ فقال: ما لي غريم فانتهره السلطان وقال له: من هو غريمك؟ وتكرر ذلك منه، فقال: غريمي عمر الزبال، وهو رجل من أقل العوام (١) يجمع الزبل للحمامات بالقدس، فأمر السلطان بضرب عمر المذكور، فضرب بالمقارع وهو مظلوم في الواقع، وبقي أهل القدس يسخرون بالقاضي ويقولون: غرماؤه عمر الزبال، وزريق الحمال، وكحيل الطبال، ثم انتهى الحال (٢) إلى تلاشي أحوال القاضي وانعكس أمره واختفى، فتحقق السلطان باختفائه أنه مبطل، فصرح بعزله، وخرجت سنة ٨٧٥ هـ (٣) والأمر على ذلك، والأخبار واردة إلى بيت المقدس على أنواع مختلفة، وأصحاب الأهواء كل منهم يتكلم بما يوافق هواه. ثم دخلت سنة ٨٧٦ هـ (٤) فيها دخل القاضي نور الدين البدرشي المالكي إلى القدس الشريف متوليا قضاء المالكية عوضا عن القاضي حميد الدين (٥) أبي حامد بعد استقراره في الوظيفة في أواخر سنة ٨٧٥ هـ، وكان دخوله إلى القدس الشريف في أوائل المحرم فقمع المبتدعين ونصر الشريعة. وفيها أنعم السلطان على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف باستقراره في مشيخة المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف من غير سعي منه ولا بذل، بل عيّنه السلطان (٦) لذلك، فتوقف في القبول ثم ألزم فقبل، وأنعم على القاضي شهاب الدين أبي حاتم أحمد (٧) بن عبية (٨) السلطان بقضاء الشافعية بالقدس الشريف، وعلى القاضي خير الدين أبي الخير محمد بن عمران الحنفي بقضاء الحنفية وعلى الشيخ شهاب الدين العميري بمشيخة المدرسة القديمة التي كان بناها الناظر حسن كما تقدم، وهي التي هدمت وبنى مكانها المدرسة الأشرفية الموجودة الآن بالمسجد الأقصى، وكان ذلك في يوم السبت في شهر صفر، وألبس الثلاثة وهم (٩): شيخ

стр. 975

الإسلام الكمالي بن أبي شريف، والقاضي الشافعي، والقاضي الحنفي، التشريف السلطاني على العادة، وألبس الشيخ شهاب الدين العميري جبة (١) (٢) صوف أخضر على سنجاب (٣) وحصل لهم الخير والإكرام (٤)، فإنهم لما أقبلوا على السلطان من باب الحوش ووصلوا إلى قريب من السرير الذي هو سرير الملك، نزل السلطان عن السرير وانتصب قائما وسلّم عليهم، ثم أمرهم القاضي زين الدين بن مزهر، كاتب السر، بالخروج من الحلقة وألبسهم الخلع، فألبسوا عن يمين السلطان تحت السحابة ثم عادوا إلى السلطان وهو واقف ولم يجلس، واستدعى (٥) القاضي زين الدين بن مزهر لهم الولاية من السلطان في مشيخة الصلاحية، وقضاء الشافعية، وقضاء الحنفية، فصرّح (٦) بتوليتهم فعند ذلك قال الشيخ شهاب الدين العميري: يا مولانا السلطان، فوضتم للمملوك مشيخة مدرستكم الشريفة، فقال: نعم، وكنت حاضرا ذلك المجلس، وانصرفوا من حضرة السلطان إلى منزلهم بالجامع الأزهر، وسافر شيخ الإسلام وصحبته القاضي الشافعي والحنفي من القاهرة في يوم الاثنين ثالث عشري شعبان (٧) ودخلوا إلى القدس الشريف في يوم الاثنين ثاني عشري الشهر المذكور، وكان يوما مشهودا، وقرئت التواقيع الشريفة بعد صلاة الجمعة سادس رمضان. وفيها في نهار الاثنين ثالث عشري شهر رمضان دخل إلى القدس الشريف الأمير يوسف الجمالي (٨) النائب عائدا من التجريدة، فإنه كان توجههم إلى التجريدة المجهزة لقتال شهسوار في شهر شوال صحبته الأمير يشبك الدوادار (٩)، وأذن له في الانصراف (١٠) إلى محل ولايته، فحضر في التاريخ المذكور، وفي شهر شعبان أيضا ظهر نجم في السماء له ذنب مستطيل، واستمر يطلع عدة (١١) ليالي وتطير الناس من ذلك.

стр. 976

وفيها في أواخر السنة، حضر إلى القدس الشريف برهان الدين بن ثابت النابلسي (١) وكيل السلطان، وكان في ابتداء أمر وكالته، وتوجه للسلام عليه قضاة بيت المقدس وأعيانه خشية سطوته. وفيها في شهر ذي القعدة توفي الإمام شهاب الدين أحمد بن حافظ إمام الصخرة الشريفة، فقرر ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي في الإمامة القاضي خير الدين بن عمران، والشيخ شهاب الدين بن الشنتير، فلم يتم ذلك، وبرز مرسوم السلطان بعزلهما وأن يستمر شهاب الدين (٢) بن الشنتير مباشرا إلى أن يرد على الناظر ما يعتمد عليه، وأشيع أن الوظيفة بقيت (٣) لإمام السلطان الشيخ ناصر الدين الأخميمي، الذي ولي قضاء الديار المصرية فيما بعد، وكان غائبا بمكة، فلما حضر إلى القاهرة امتنع من الحضور إلى القدس لمباشرة الإمامة، واستمر الشيخ شهاب الدين بن الشنتير يباشر على صفة النائب لصاحب الوظيفة إلى أواخر السنة الآتية وهي سنة ٨٧٧ هـ. ثم دخلت سنة ٨٧٧ هـ (٤) فيها في شهر المحرم، شرع الأمير ناصر الدين محمد (٥) بن النشاشيبي في عمارة الدرج المتوصل منها إلى صحن الصخرة الشريفة تجاه باب (٦) السلسلة المجاورة للقبة النحوية، وكان قبلها درجة ضيقة عليها قبو معقود، وكان يسمى زقاق البؤس فسده، وبنى فوقه الدرج الموجود الآن، وعمل لها قناطر على عمد كبقية الدرج التي للصخرة، وكان الفراغ من عمارتها في شهر جمادى الأولى، وحصل لها الابتهاج لكونها تقابل باب السلسلة، وهي عمدة أبواب المسجد. وفيها في شهر المحرم، حضر الشيخ شهاب الدين العميري (٧) من القاهرة، ودخل إلى القدس الشريف، وهو لابس التشريف السلطاني (٨) بمشيخة المدرسة التي

стр. 977

هدمت، وأنه لما توجه الشيخ كمال الدين بن أبي شريف ومن معه من القاهرة، استمر هو مقيما إلى أن حضر في التاريخ المذكور. وفيها في عاشر المحرم ورد الخبر بالقبض على شهسوار (١) (٢) على يد الأمير يشبك الدوادار (٣) الكبير، وكان ذلك في أواخر السنة الماضية، وهي سنة ٨٧٦ هـ، والذي تولى إمساكه ووضعه في الحديد ملك الأمراء برقوق نائب الشام (٤)، وفي مستهل شهر ربيع الأول توجه شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف، وشيخ المدرسة الصلاحية، وصحبته القضاة الأربعة بالقدس الشريف، وهم القاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، والقاضي خير الدين بن عمران الحنفي، والقاضي نور الدين البدرشي المالكي، والقاضي كمال الدين النابلسي الحنبلي، وجماعة من الفقهاء من القدس الشريف للرملة لملاقاة الأمير يشبك الدواردار الكبير عند قدومه، وكان تقدمهم لملاقاة ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي (٥)، ونائب السلطنة يوسف الجمالي، ودخل يشبك الدوادار ومعه شهسوار والعساكر السلطانية إلى مدينة الرملة في رابع شهر ربيع الأول، وكان يوما مشهودا، ونزل على قبة الجاموس، واجتمع به شيخ الإسلام الكمالي والقضاة، وناظر الحرمين وسلموا عليه وهو في خيمته، فتلقاهم بالإكرام، وكان من خطاب شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف له: «المرجو من كرم الله تعالى كما جعلكم سببا لكشف هذه الغمة، أن يلهمكم شكر هذه النعمة»، ثم سافر من ليلته إلى جهة غزة، وتوجه شيخ الإسلام والقضاة إلى بيت المقدس. وفيها استقر الأمير دقماق الإينالي (٦) في نيابة السلطنة بالقدس الشريف عوضا عن يوسف الجمالي، ولاه الامير يشبك الدوادار بمدينة غزة عقب سفره من الرملة، ودخل إلى القدس الشريف في حادي عشر ربيع الأول، وحضر قراءة المولد الشريف في تلك الليلة، وأوقد له المسجد على العادة وكانت ليلة مشهودة. وباشر النيابة بحرمة زائدة وشهامة، وقمع المناحيس، لكنه كان عسوفا في أحكامه، ولم تطل

стр. 978

مدته، فأقام بالقدس مئة يوم وأربعة أيام وتوفي في خامس عشري جمادى الآخرة، ودفن بالزاوية القلندرية بتربة ماملا، واستقر بعده في النيابة الأمير جقمق (١) نائب دمياط الظالم العاجز (٢)، وكان كما قال به بعضهم: «لا فارس الجيل ولا وجه العرب»، ودخل متسلمه إلى القدس (٣) في يوم الثلاثاء حادي عشر رجب، ودخل جقمق في أوائل شهر رمضان، وكان يوم دخوله (٤) كثير المطر، ولما ورد الخبر بتوليته وأنه من جملة ترك الديار المصرية ظن الناس أنه ذوي شهامة، فشرع العوام يقولون: «تولى جمق (٥) من خالف شنق» فلما دخل في ذلك اليوم الكثير الأمطار، فقال (٦) الناس: إن لحيته باردة، فكان كذلك وشرع يكثر المزاح، ويتكلم بالكلام المهمل الموجب لضحك الناس، وتصدر منه ترهات وكلمات فشرية في المجالس والمحافل، منها أنه كان (٧) في عقد مجلس في المسجد الأقصى بحضور ناظر الحرمين والقضاة، وارتفع النهار (٨) فشرع يتقلق من الجلوس، ويقول: أنا إلى الآن ما أفطرت، وقد دخت (٩) من السفر، ثم أمر بإحضار بقسماط فأحضروا له وشرع يأكل منه، فقدر أن البقسماط كان يابسا فعسر عليه أكله، فشرع يعالجه والناس ينظرون إليه وهو يقول: «إذا طلعت الشمس على البرج حط يدك في الخرج» (١٠) والناس يضحكون منه، الخواص والعوام، ثم نهض قائما وتوجه إلى حال سبيله، وتبعه أعوانه، فقيل له: إن المجلس لم ينته، والأكابر جلوس، ولو جلست معهم، فقال: «ما يحتاج أنا حضوري لا فرض ولا سنة» وكان يصدر منه أشياء من هذا النسق، فكانت سببا لتلاشي أحوال البلاد، وفساد النظام، وكثرة السراق، وقطع الطرق. وفيها رتب السلطان للمدرسة بالقدس الشريف صوفية وفقهاء، وعين لها أوقافا بمدينة غزة، وجعل عدة الصوفية ستون (١١) نفرا، وعين لكل نفر في كل شهر

стр. 979

خمسة عشر درهما شامية، وجعل للطلبة في كل شهر خمسة وأربعين درهما، وجعل للشيخ خمسمائة درهما، وجعل لها أرباب وظائف من الفراش والبواب ونحو ذلك، وحضر ذلك شيخها الشيخ شهاب الدين العميري، وحضر معه الصوفية واشتغل الطلبة، وكان ذلك في شهر جمادى الآخرة (١)، واستمر الأمر على ذلك مدة، ثم قطع جميع ذلك لما قصد (٢) السلطان هدمها كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها ورد مرسوم شريف (٣) على يد ساع بطلب القاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي إلى الأبواب الشريفة، فتوجه من القدس في يوم الأحد خامس ذي الحجة الحرام، ولم يستخلف أحدا عنه في الحكم، واستناب في النظر على الأوقاف القاضي الحنبلي كمال بن (٤) النابلسي. وفيها استقر الشيخ سعد الله الحنفي في إمامة الصخرة الشريفة بعد منع القاضي خير الدين بن عمران، والشيخ شهاب الدين بن الشنتير، ودخل إلى القدس الشريف في يوم الأحد سادس عشري ذي الحجة وهو لابس خلعة السلطان، وهي تشريف وطرحة على العادة، ودخل معه قاصد ابن عثمان ملك الروم الوارد بالبشارة أن حسن بك توجه إلى بلاده، وعلى القاصد (٥) خلعة السلطان، وتقدم ذكر ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثمانمائة (٦) (٧) فيها في يوم الأحد سابع عشر المحرم، توجه ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن (٨) النشاشيبي إلى القاهرة، وصحبته جماعة المباشرين، بمرسوم شريف ورد يطلبهم. وفيها في شهر المحرم ورد الخبر إلى القدس الشريف صحبة الحجاج بوفاة الخطيب برهان الدين إبراهيم بن علاء الدين علي القلقشندي (٩)، أحد خطباء

стр. 980

المسجد الأقصى الشريف، وأنه توفي بعد فراغه من الحج وظهوره من مكة بمنزلة ببطن مر في خامس عشر (١) ذي الحجة سنة ٨٧٩ هـ (٢)، فتوجه ابن عمه الخطيب العلامة فتح الدين أبو الحرم محمد ابن شيخنا العلامة شيخ الإسلام التقوي القلقشندي (٣) إلى القاهرة المحروسة، للسعي فيما كان بيد ابن عمه الخطيب برهان الدين من نصف خطابة المسجد الأقصى الشريف، وغير ذلك من الوظائف الدينية، فوجد الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن المحوجب (٤) الدمشقي الشافعي (٥)، أحد أصحاب المقر الزيني أبي بكر بن مزهر كاتب السر الشريف، قد استقر في الوظائف المذكورة بمساعدة المقر المشاور إليه، وبرز له الأمر بذلك، وكتب له توقيع شريف، فلما وصل الخطيب فتح الدين القلقشندي إلى القاهرة وعلم به الشيخ شهاب الدين بن المحوجب، تنزه عن الوظائف وأسقط حقه منها، وسأل في استقرار الخطيب فتح الدين أبي الحرم فيها، فعرض الأمر على السلطان، ورسم له باستقراره في ذلك وانتظم الحال على ذلك، فعارض في ذلك القاضي برهان الدين ابن ثابت وكيل السلطان، وسعى في الوظائف المذكورة للخطيب محب الدين بن جماعة المتقدم ذكره، وأرسل إليه فتوجه من القدس إلى القاهرة، وقرئ أمره ببذل مال مع مساعدة وكيل السلطان، فأخرجت له الوظائف عن الخطيب أبي الحرم، واستقر الخطيب محب الدين ابن جماعة في نصف خطابة المسجد الأقصى الشريف، وما معها من الوظائف الدينية، عوضا عن الخطيب برهان الدين القلقشندي بحكم وفاته، ورجوع شهاب الدين بن المحوجب وعزل الخطيب أبي الحرم، وأضيف إليه نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية مشاركا للشيخ أبي البركات ابن غانم (٦)، وكتب له بذلك توقيع شريف، واستقر أخوه شيخ الإسلام نجم الدين بن جماعة في مشيخة المدرسة الصلاحية، عوضا عن شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، واستقر القاضي جمال الدين الديري (٧) في قضاء الحنفية بالقدس الشريف، عوضا عن القاضي خير الدين بن عمران رسم للقاضي شهاب الدين بن عبية باستمراره في قضاء الشافعية، والأمير

стр. 981

ناصر الدين بن النشاشيبي باستمراره في النظر على عادته، وكل ذلك في مدة متقاربة في أوائل سنة ٨٧٨ هـ، وكان القاضي غرس الدين خليل الكناني، الذي كان شيخ الصلاحية وقاضي القدس، قد شكى القاضي شهاب الدين بن عبية للسلطان بسبب ما وقع في حقه من النهب، وما تقدم شرحه في سنة ٨٧٥ هـ، وزعم أن غريمه القاضي شهاب الدين بن عبية وأنه هو الآمر بذلك وشهد له بذلك الشيخ جمال الدين بن غانم شيخ الحرم في حضرة السلطان في وجه القاضي شهاب الدين بن عبية، فرسم له السلطان بألف دينار، مائتا دينار على شيخ الإسلام الكمالي بن أبي شريف، ومائتا دينار على القاضي شهاب الدين بن عبية، وعلى الخزائن الشريفة أربعمائة دينار، فقبض ما رسم له من القاضي شهاب الدين بن عبية، ولم يقبض من غيره شيء ثم وقع بعد ذلك ما تقدم من استمرار (١) القاضي الشافعي، وناظر الحرمين، وولاية شيخ الصلاحية وأخيه القاضي الحنفي، وأذن لهم في السفر، فدخل إلى القدس الشريف ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن النشاشيبي، والقاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، وعلى كل منهما خلعة السلطان، وكذلك الأمير جقمق نائب السلطنة ألبس خلعة الاستمرار، ووردت عليه من القاهرة ودخل الثلاثة إلى القدس الشريف في يوم الاثنين ثاني (٢) عشر ربيع الأول، وكان يوما حافلا، ثم دخل القاضي جمال الدين الديري الحنفي إلى القدس الشريف في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر، وهو لابس تشريف الولاية، وهو ضعيف متوعك، وكان حمل في محفة (٣) من الرملة إلى قصر ابن عمه الشيخ تاج الدين الديري عند خان الظاهر، ثم ألبس الخلعة، ودخل وهو في غاية الانزعاج، فأقام أربعة عشر يوما، وتوفي في يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الآخر، ولم يقدر أنه حكم حكما ولا جلس للحكم، بعد مال كثير بذله في الولاية، وصلي عليه بالمسجد الأقصى الشريف، ودفن بماملا إلى جانب والده من جهة القبلة، وضبط موجوده، وكان من حضره قاضي القضاة المالكي نور الدين اليدرشي، ثم توفي بعده بعشرة أيام في ليلة السبت ثاني جمادى الأولى، ودفن بباب الرحمة، وتقدم ذكر ذلك مفصلا عند ذكر التراجم، وإنما ذكرت ذلك هنا لينتظم ذكر الحوادث الواقعة في زمن مولانا السلطان، وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الأولى، توفي شمس الدين محمد بن قطيبا الأنصاري المشهور بالعجمي (٤)، أحد أعيان المباشرين بالقدس

стр. 982

الشريف والخليل، ﵇، ودفن بماملا، وفي يوم الخميس سابع جمادى الأولى، وصل الخطيب محب الدين بن جماعة، ودخل هو وأخيه شيخ الإسلام النجمي (١) وعلى كل منهما خلعة السلطان بولاية ما تقدم ذكره من مشيخة الصلاحية، ودخلا إلى المسجد الأقصى الشريف والناس معهما، وجلسا في المحراب، وقرئ توقيع كل منهما وهما جالسان، وكان القارئ لهما شمس الدين بن عجور، وهذا خلاف المصطلح المعروف، فإن العادة جرت بتأخير قراءة التوقيع إلى بعد صلاة الجمعة، واستقر القاضي خير الدين بن عمران في قضاء الحنفية بالقدس الشريف والرملة، بحكم وفاة القاضي جمال الدين الديري، وكتب توقيعه في خامس عشر جمادى الأولى، وورد عليه التوقيع والتشريف، فلبس من المسجد الأقصى الشريف في صبيحة يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة، ومشى الناس في خدمته إلى منزله بباب الحديد، وقرئ توقيعه في يوم الجمعة. واقعة بلد سيدنا الخليل ﵊ (٢) وفيها وقعت حادثة بمدينة سيدنا الخليل وهي فتنة جرت بين طائفة الدارية (٣)، وطائفة الأكراد (٤) فحصل بينهما تشاجر وانتشر الكلام بينهما، فقتل من الفريقين ثمانية عشر نفرا، واستنفر كل من الطائفتين من ينتصر (٥) لها من العشير، فدخلوا إلى المدينة ونهبوا ما فيها عن آخره إلا القليل منها، وخربت أماكن واجتمع أهل البلد من الأكراد وأدخلوا أولادهم ونسائهم إلى المسجد الشريف، وأغلقوا الأبواب، ودخل جماعة الدارية إلى القلعة وتحصنوا بها، وكانت حادثة فاحشة لم يسمع بمثلها أحد (٦) في هذه الأزمنة، ورفع الأمر للسلطان، فسير الأمير على باي الخاصكي للكشف عن ذلك وتحريره، فحضر إلى القدس الشريف في يوم الثلاثاء من عشر جمادى الآخرة، ونزل بدار طوغان برأس (٧) درج المولة، وكان ظالما غشوما جبارا عنيدا لا يقرأ ولا يحسن الكلام بالعربي، فوقع له أنه صلى الصبح بقبة

стр. 983

الصخرة في يوم كثير المطر، فرأى الشيخ زين الدين عبد القادر بن قطلوشاه المغربي (١) يمشي على صحن الصخرة بالقبقاب، فأخذه وتوجه به إلى منزله وضربه ضربا مبرحا، ورسم عليه ولم يفلته إلا بمشقة بمساعدة ناظر الحرمين ابن النشاشيبي، والقاضي الشافعي شهاب الدين بن عبية (٢) والقاضي خير الدين الحنفي بن عمران، والقاضي الحنبلي كمال الدين النابلسي، وكان القاضي نور الدين البدرشي المالكي قد توفي إلى رحمة الله تعالى فتوجهوا إلى بلد سيدنا الخليل، ﵇، وجلسوا ومعهم أكابر بلد سيدنا الخليل، وكتبوا محضرا (٣) بما وقع في النهب والقتل، والسبب في ذلك، ثم قبض الخاصكي على أكابر بلد سيدنا الخليل من القضاة والمشايخ وطلب منهم اثنى عشر ألف دينار، وتوجه وهم معه معتقلا عليهم إلى أن وصل إلى مدينة غزة، فقتله (٤) يشبك العلائي نائب غزة بمرسوم شريف (٥) ورد عليه من السلطان خفية، وأشاع أنه دخل إلى الاصطبل ليأخذ فرسا طلبها النائب، فوقع عليه حائط فمات، وكان يوم موته (٦) في الأربعاء حادي عشر رجب، وثارت فتنة بسببه في القاهرة من المماليك الجلبان، واعتذر لهم السلطان، وأنكر أن يكون أمر نائب غزة بقتله، وحلف على ذلك. ومما وقع أنه لما ضرب زين الدين عبد القادر بن قلطو شاه كما تقدم، وكان من أهل القرآن، وضرب بغير حق، فكان يتضرع إلى الله ويدعو عليه، فبينما هو ذات ليلة نائم في فراشه، وإلى جانبه زوجته، وهي ابنة عمه، إذ سمعته وهو نائم (٧) يتكلم ويقول: اللهم خلص حقي عاجلا فإني لا أصبر للآخرة، لا أصبر للآخرة، كررها ثلاثا، ثم استيقظ من نومه فأخبرته زوجته بما سمعته منه، فصدقها على أنه تكلم بذلك في رؤيا رآها. ففي صبيحة تلك الليلة ورد الخبر إلى القدس بهلاكه بغزة، فسبحان قاسم الجبابرة، ثم توجه أهل الخليل إلى حضرة السلطان فلم يحصل لهم إلا الخير ببركة سيدنا الخليل، ﵇، وعادوا إلى أوطانهم وتراجع أمر مدينة الخليل إلى العمارة، وصلح حالها، ولله الحمد.

стр. 984

واقعة كنيسة اليهود (١) وفيها وقعت حادثة بالقدس الشريف، وهي أن بحارة اليهود مسجدا للمسلمين عليه منارة، وهو بلصق كنيسة اليهود من جهة القبلة، ويتوصل إلى المسجد من زقاق مستطيل من جهة القبلة، وبجوار المسجد من جهة الغرب دار من جملة أوقاف اليهود، فوقع المطر في زمن الشتاء، ولعله في شهر جمادى الآخرة، فهدمت الدار المذكورة فكشف باب المسجد من جهة الشارع المسلوك فيكون أقرب للمصلين، فقصد المسلمون الاستيلاء على الدار المنهدمة وأن الاستطراق إلى المسجد منها لكونها على الشارع المسلوك، فيكون أقرب للمصلين من الاستطراق من ذلك الزقاق القبلي، لبعده بالنسبة إلى هذا المكان، وامتنع (٢) اليهود من ذلك، ورفعوا أمرهم للقضاة، وأظهروا من أيديهم (٣) المستند الشاهد لهم باستحقاقهم الدار المذكورة، واتصل ثبوته بحكام الشريعة، فنازعهم المسلمون في ذلك وزعموا أن الدار المذكورة من حقوق المسجد، وانتهى الحال إلى أن القضاة توجهوا بأنفسهم لكشف (٤) ذلك وتحريره، فجلسوا بالمسجد المذكور، وهم: القاضي شهاب الدين بن عبية الشافعي، والقاضي خير الدين بن عمران الحنفي، والقاضي كمال الدين النابلسي الحنبلي، وكنت حاضرا (٥) ذلك المجلس، فحرر أمر الدار بالمهندسين (٦) وقرئ المكتوب المحضر من أيدي اليهود، فتبين أن الدار من جملة أوقاف اليهود، وأن الحق لهم فيها، وانفصل المجلس على ذلك، وكان في شهر رجب، فلم يرض المسلمون بذلك، واعتصب (٧) بعض العوام، وتوجه إلى القاهرة، ووقف للسلطان، فأنهى أن الكنيسة التي لليهود بالقدس محدثة، وأن الدار المذكورة من جملة حقوق المسجد، وهي بأيدي اليهود بغير حق، فبرز مرسوم السلطان بالنظر في ذلك وتحريره، وورد الأمر بذلك إلى القدس الشريف في شهر رمضان، فعقد مجلس بالمدرسة التنكزية بمجلس ناظر الحرمين ابن النشاشيبي،

стр. 985

بحضور القاضي الشافعي شهاب الدين بن عبية، والقاضي الحنفي خير الدين بن عمران، وكان المالكي قد توفي كما تقدم، والحنبلي قد عزل من شهر شعبان ولزم بيته، وحضر بالمجلس شيخ الإسلام نجم الدين (١) بن جماعة، شيخ الصلاحية، والشيخ برهان الدين الأنصاري، والشيخ شهاب الدين العميري، وجمع من الفقهاء، وقرئ المرسوم الشريف، ودار الكلام بين الحاضرين، وأقيمت بينة شهدت عند القاضي الشافعي أن كنيسة اليهود محدثة في دار الإسلام، فأشهد عليه القاضي أنه منع اليهود من اتخاذها كنيسة، لما صح عنده أنها محدثة في دار الإسلام، إذ لا دار لهم، فتكلم كبير اليهود، واسمه يعقوب بكلام يقتضي العناد لما أمر به القاضي، فانتهره القاضي وقال له: «يا ملعون تنازع (٢) في الأحكام الشرعية»، والله أحضر لك الجلاد يضرب عنقك، فهم المسلمون بالبطش باليهود (٣)، فنهاهم القاضي عن ذلك. وكان من لفظه «يا أمة التوحيد لا يعارضهم أحد، فإن هؤلاء ذمة الله وذمة رسوله، وذمة أمير المؤمنين». ثم كتب محضرا بما وقع، وكتب فيه (٤) العلماء والمشايخ خطوطهم، وكتب الموثق فيه ما صدر من القاضي الشافعي من منعهم، وكتب أن القاضي الحنفي نفذ المنع المذكور، فلما وقف القاضي الحنفي على المحضر أنكر أن يكون نفذ ذلك (٥)، ولم يضع خطه على المحضر، وأغلقت الكنيسة ومنع اليهود من دخولها والتعبد فيها على عادتهم، فرفع اليهود أمرهم إلى (٦) السلطان وأنهوا ما وقع لهم بالقدس، ومنعهم من كنيستهم، فرسم السلطان بعقد مجلس قضاة القضاة بالديار المصرية، وهم قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي (٧) الشافعي، والقاضي شمس الدين الأمشاطي الحنفي، وقاضي القضاة برهان الدين اللقاني المالكي، وقاضي القضاة بدر الدين السعدي الحنبلي، ومن العلماء: الشيخ سراج الدين العبادي، والشيخ جلال الدين البكري، والشيخ جلال بن الأمانة، وجمع من مشايخ الإسلام، والنواب والقضاة، وجمع من الفقهاء، وقرئ المحضر المكتتب بالقدس الشريف،
следующие страницы →