← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16584

الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (5 311 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ». [الحديث ٤٥ - أطرافه في: ٤٤٠٧ - ٤٦٠٦ - ٧٢٦٨] ــ ٤٥ - (الحسن بن الصَبَّاح) بفتح الصاد وتشديد الموحدة (أبو العُميس) -بضم المهملة على وزن المصغر- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (آية في كتابكم تقرؤونها) آية: مبتدأ، وفي كتابكم تقرؤونها: وصفان له (لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ) أي: لو نزلتْ علينا. والمذكور مفسر لذلك المقدّر، لأنَّ "لو" لا تدخل إلَّا على الفعل. والشرطية مع الجزاء خبر المبتدأ، وانتصاب معشرَ على الاختصاص (قد عرفنا ذلك اليومَ والمكان الذي نزلت فيه على النَّبيِّ ﷺ وهو واقفٌ بعرفة) هذا من الأسلوب الحكيم، وذلك أن السؤالَ لم يقع إلَّا عن الزمان. فأجاب بالزمان والمكان والأوضاع التي كان عليها رسول الله ﷺ . قوله (وهو واقفٌ بعرفةَ يوم الجمعة) أشار بعرفة إلى المكان. ويوم الجمعة إلى الزمان. وقد اشتبهَ هذا الموضع على بعضهم، فقال: فإن قلتَ: العرفةُ والجمعة يدلان على الزمان، فما الذي يدل على المكان؟ قلتُ: إما أن يقال: عُلم من عرفة أيضًا إما لأن زمان الوقوف بعرفة، إنَّما هو بعرفات، وإما لأن عرفة قد تُطلق على عرفات، فيُرادُ به كلا المعنيين على مذهب مَنْ جوز إعمال المشترك في معنييه. وهو الشَّافعي. وهذا كلُّه خبط؛ لأنَّ عرفة ليس اسم الزمان، بل هو مرادفُ عرفات. وقولهم: "يوم عرفة" معناه: يوم الوقوف بعرفة. وكيف يجوزُ أن يُراد به الزمان في قوله: وهو واقف بعرفة؟ هل يقول أحدٌ: قام فلان بالزمان، أو وقف بالزمان؟ قال الجوهري: لفظ عرفات لفظُ جمعٍ. وقال الفراء: ولا واحدَ له بصحة وقول النَّاس: نزلنا عرفةَ شبيهٌ بالمُولَّد، وليس بعربي محضٍ. قال الشارح المذكور آنفًا: فإن قلتَ: كيف طابق الجواب ويوم عرفة ليس يوم عيد؟

стр. 107

٣٥ - بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ــ قلتُ: إنَّما لم يجعلوا يوم النزول عيدًا؛ لأنَّه ثبت في الصَّحيح أن الآية نزلت بعد العصر. ولا يتحقق العيدُ إلَّا في أول النهار. ولهذا قال الفقيه: رؤيةُ الهلال بالنهار لليلة المستقبلة. قلتُ: قد فهم هذا أن المراد بالعيد في قول اليهودي: لاتخذناه عيدًا: العيد المصطلح وليس كذلك، بل المراد تعظيم ذلك اليوم كتعظيم السبت. وهذا كما روى الطّبرانيّ في "الأوسط" عن أنس أن جبريل جاء بالجمعة إلى رسول الله ﷺ وقال: "هذه الجمعة يعرضُها عليك ربُّك، لتكون لك عيدًا ولقومك بعدكَ". وليس المراد باليوم ذلك اليوم الذي نزلت فيه حتَّى يعتذر عنه بأنه كان بعد العصر، بل المراد أن يكون عيدًا إلى آخر الدهر، والذي يقطع دابر الشبهة ما رواه الطبري والطبراني: نزلتْ يوم عرفةَ ويومَ جمعة، وهما لنا عيدان. وكذا في رواية التِّرمذيِّ عن ابن عباس. وقياسُهُ على مسألة الفقه فاسدٌ، بل نظيره ما إذا شهِدوا بعد العصر: هذا يوم عيد، فإنَّه يحكم بكونه عيدًا. فإن قلتَ: لِمَ عَرَّف الجمعة؟ قلتُ: هو اسم حادث، وكانت العربُ تُسميه: يومَ العروبة، فهو مصدر في الأصل بمعنى الاجتماع، فلُوحِظَ فيه ذلك. وقد يجرد كما جاء في روايةٍ هنا. بابٌ: الزكاة من الإسلام الباب منوّنٌ، والزكاة من الإسلام: مبتدأ وخبر. والزكاة لغةً: النماءُ والطُهْرة. وفي الشرع: اسمُ المال المخرَجِ. وشرائطه وفروعُهُ مذكورة في الفروع (وقولُه تعالى) مرفوعٌ لأنَّه دليلُهُ. ويجوزُ الجر على الجِوَارِ (﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]). استدل الفقهاءُ بالآية على وجوب النيَّة (﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾) من عطف العام على الخاص إظهارًا لشرفهما. ويجوزُ أن يكون المراد بقوله: (﴿لِيَعْبُدُوا﴾): التوحيد. واكتفى من

стр. 108

٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، ــ الفروع بهما، لأنهما أُمّا العبادات، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فانطوى المأموراتُ والمنهيات تحتها. ٤٦ - (إسماعيل) هو ابنُ أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس (عن عَمّه أبي سُهَيل) -بضم السِّين على وزن المصغر- اسمه: نافعٌ (طلحة بن عُبَيد الله) -على وزن المصغر- التَّيميّ القريشي. يلاقي نسبه نسب رسول الله ﷺ في مرَّة بن كعب. ويقال له: طلحة الفيَّاض، قاله رسول الله ﷺ نَقَلَه ابنُ عبد البر، أحدُ العشرة المبشَّرة، أحدُ الستة أصحابُ الشورى من السابقين الأولين إلى الإسلام. قتل يوم الجَمَل جاءه سهمٌ غرب وقيل: قتله مروان بن الحكم. أول مشاهده أُحُدٌ، لم يشهد بدرًا وكان مسافرًا في التجارة في الشام. قاله ابن عبد البر وأبو الفضل المقدسي. وقيل: أرسله رسولُ الله ﷺ يتجسسُ الأخبار. فلما قدم ضَرَب له رسول الله ﷺ بسهم في القسمة. قال: وأجري قال: "وأجرك". وكان رسول الله ﷺ ظاهر من درعين يوم أحد، فأراد أن يصعد الصَّخرة فثقل عليه، حمله طلحة على ظهره حتَّى صعد، فلما صعد قال "أوجب طلحة"، وليس هو طلحة الطَلَحات، ذاك طلحة بن عُبيد الله بن خلف الخزاعي البصري. ليس له ذكرٌ في الكتب الستة. (جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ من أهل نَجْدٍ) قال الجوهري: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجدٌ (ثائر الرأس) بالرفع على الصفة، أو النصب على الحال، روايتان مشهورتان. وإنَّما صَحّ الحال، لأنَّ النكرة موصوفة. أي: ثائر شعر وأسه. من الثَوَران. وحاصلُة منتشر الشعر، تلوث بالغبار على دأب المسافر. (يسْمَع دَوِيُّ صوته ولا يُفقَه ما يقول) قال ابن الأثير: الدَّوِيُّ على وزن الصبي:

стр. 109

حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ــ صوتٌ ليس بالعالي كصوت النحل. بالرفع والنصب، تفريقًا على رواية النون، وبناء الفاعل في يسمعُ ويفقه، وروايةُ الياء وبناء المفعول فيهما (فإذا هو يَسْأَلُ عن الإسلام) إذا للمفاجأة، والمراد: شرائع الإسلام كما فصل في الجواب. ولم يذكر التوحيد، وقد سَبَق أن إيراد الإسلام في باب الإيمان يدل على اتحادهما صدقًا، وإن اختلفا مفهومًا (خمسُ صلواتٍ في اليوم واللبل) خبر مبتدأٌ أي: هي أو هو (قال: هل عليّ غيرُها قال: لا إلّا أن تطوّع) حَمَل أبو حنيفة الاستثناء على الاتصال كما هو الأصلُ، وحَمَلَهُ الشَّافعي على الانقطاع؛ فلا يجبُ عنده النوافل، بالشروع فيها. قال بعضهم: استدلالُ أبي حنيفة بالحديث مغالطة، لأنَّ الاستثناء فيه من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. أي: لا عليك بعد الفرائض إلّا التطوّع. وقد علم أن التطوع ليس بواجب. قلتُ: الأصلُ في الاستثناءِ الاتصالُ، وما ذكره أمر لا يعرفُهُ إلَّا آحاد العلماء. فكيف يُحمل عليه جوابُ السائل، على أن التقدير عند الحنفية إلَّا أن يشرع في التطوع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. هذا وما ورد على الحنفية بأن إتمام النافلة واجب، فيكون استثناؤه من الفرض منقطعًا، ليس بواردٍ؛ لأنَّ المذكور في الحديث لفظُ "عليّ" وهو يدلُّ على اللزوم الشامل للفرض والوجوب والنفل، على أن التفرقة بين الواجب والفرض، وأيضًا التفرقةُ بين الواجب والفرض فيما طريقه ظني كأخبار الآحاد. والذي سمع من رسول الله ﷺ قطعي بلا خلاف، بل الجواب للشافعي قوله ﷺ : "الصائمُ المتطوع أميرٌ لنفسه" ونظائره. (وذكر له الزكاةَ) غير الأسلوب؛ لأنَّه لم يحفظ عبارته فيه، فأطلق الذكر؛ لأنَّه لازمه. (والله لا أزيدُ على هذا ولا أُنقص) اختلف العلماءُ فيما أشير إليه بهذا. قيل: أشار إلى كل ما

стр. 110

«أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [الحديث ٤٦ - أطرافه في: ١٨٩١ - ٢٦٧٨ - ٦٩٥٦] ــ سَمِعَهُ. والمعنى: لا أزيدُ على ما سمعتُ لا عملًا ولا إخبارًا، لا سيما إذا كان هذا السائل ضمام بن ثعلبة؛ فإنَّه كان رسول قومه لقوله في الرّواية الأخرى: وأنا رسول من ورائي بني سعد بن بكر. وقيل: كان هذا قبل مشروعية [فرائض] أخرى. وقيل: أورد المبالغة في التصديق، أو أُريد تغيير الأوصاف بأن يَجعَلَ الصبح أربعًا، أو الظهر ثلاثًا. والوجه هو الأول. فإن قلتَ: سيأتي في كتاب الصيام أنَّه قال: "والذي كرمك لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله"؟ قلتُ: لا ينافي الوجه الأول؛ لأنَّه يخبر -بما يسمع- قومه، واستفاد بتقرير رسول الله ﷺ قوله: إن الاقتصار على الفرائض يوجب النجاة، وإن كانت النوافل توجب الفضيلة. قال النووي: وأمَّا النوافلُ فيُحتمل أنَّه كان قبل شرعها. وفيه بُعْدٌ، وأي معنى لقوله: "إلَّا أن تطوّع" إن لم تكن مشروعة، ولو سلَّم فقوله: "إلَّا أن تطوّع" عين المشروعية وهنا جواب آخر أحسن ممَّا تقدم كله. وهو أن يكون هذا إشارة إلى ما أخبر به من الواجبات. فإنَّها التي لا تقبل الزيادة والنقص بخلاف النوافل، فإنَّها قابلة للزيادة والنقصان. فإن قلتَ: لم يذكر الحج له. قلت: لم يكن واجبًا. فإن قلتَ: اختلفت الروايات ففي بعضها أيضًا ترك الصوم، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الزكاة، وفي بعضها أداء الخمس. قلتُ: الكل صحيح؛ لأنها زيادات الثقات. قال ابن الصلاح: منشؤه تفاوت الرواة في الحفظ، وقد قدمنا أن زيادة الثقة منه مقبوله. (أفلَحَ الرجلُ إن صَدَق) وفي بعض الروايات وفي مسلم: "أفلح وأبيه". واستشكل فإنَّه نَهَى عن الحلف بالآباء، كما سيأتي في البُخاريّ في حلف عمر بأبيه، وليس بمشكل؛ لأنَّه لم يرد به معنى الحلف، وهو تعظيم المحذوف به لبُعْدِ مقامه عن الحلف برجل مجهولٍ، بل هذا وأمثالُهُ كلمات تجري في المحاورة من غير قصد إلى معناه. والفلاح هو الفوز بالمطلوب. والهمزة فيه بمعنى التصيير أي: صار ذا فلاحٍ، أو دَخَل في الفلاح. فإن قلتَ: في رواية أبي هريرة في البُخاريّ ومسلم: "مَنْ سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ من

стр. 111

٣٦ - بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ ٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ ــ أهل الجنَّة، فلينظر إلى هذا". وقد علَّقه هنا بالشّرط ولم يجزم به؟ قلتُ: إن كان السائل متعددًا فلا إشكال، وإن كان واحدًا فلعلّه لم يكن عالمًا بكونه من أهل الجنَّة إلَّا بعد ذلك. أو قال أولًا له مواجهة معلقًا بشرط صدقه، لئلا يغترّ، ثم لمّا ولّى جَزَم بذلك لأصحابه حتَّى ينبّه على أنَّه من أتى بمثل فعله فهو مثلُه من المفلحين. وفي الحديث دلالةٌ على أن من أتى بالواجبات فهو من المفلحين. باب: اتباع الجنائز من الإيمان الاتباع: بتشديد التاء مصدر اتّبع. والجنائز جمع جَنازة وهي بفتح الجيم وكسرها: الميّت وسريره. وقيل: بالكسر: السريرُ، وبالفتح: الميّت. ٤٧ - (أحمد بن علي المَنْجُوفيُّ) نسبةً إلى جَده الأعلى، بفتح الميم وسكون النون. (رَوْح) بفتح الراء والحاء المهملة (الحسن) هو أبو سعيد الإمامُ البصري، أفضلُ التّابعين في علم الآخرة، ومعرفةِ أحوال الإنسان، أدرك مئة وعشرين من الصّحابة. والأكثرون على أنَّه لم يلقَ أبا هريرة، ولذلك أتبعه البُخاريّ لمحمد بن سيرين، و (محمد). بالجر عطف على الحسنِ، وهو ابن سيرين، صاحب علم التعبير. قال الواقدي: ابنُ سيرين مولى أنس بن مالك، كان من سبي عين التمر فكاتبه أنس على عشرين ألف درهم، وابنه محمد: تابعي جليل القَدْرِ لا سيّما في علم الحديث. وكان لا يرى رواية الحديث بالمعنى. قال ابن المديني: أصحّ الأسانيد: ابن سيرين عن عُبيدة السَّلْماني. (من اتّبع جنازة مسلم حتَّى يُصَلّى عليها ويفرغ من دفنها، فإنَّه يرجع من

стр. 112

الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. [الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٣ - ١٣٢٥] ــ الأجر بقيراطَينِ، كل قيراطٍ مثلُ أُحُد) لم يَرِدْ بالقيراط ما عليها العرفُ وهو جزء من أربعٍ وعشرين جزءًا من الدينار، وإلا لم يصحَّ التشبيهُ بأُحد، بل نصيبًا وافرًا. استدل أبو حنيفة بلفظ الاتباع على أن المشي وراءها أفضل، والأئمة الثلاثة على أن المشي قُدَّامها أفضل، لأنَّ المتقدمين كالشفعاء للميت. وشأنُ الشفيعِ التقدُّمُ. فإن قلتَ: في بعض الروايات: "من صلَّى على جنازةٍ قله قيراطٌ، ومن تبعه حتَّى يُدفَنَ فله قيراطان"، يدل على أن الحاصلَ لمن صَلَّى وحضر الدفن ثلاثة قراريط. قلتُ: حديث الباب نص في القيراطين، فيكون معنى تلك العبارة: له تمامُ القيراطين مع الأول، كما قالوا في تفسير أربعة أيَّام في تمام أربعة أيَّام لئلا تزيد الأيَّام على الستة. (تابعه عثمان المُؤذن) الضمير في تابعه: يجوزُ عودُهُ إلى أحمد، وإلى رَوْح. وذلك أن البُخاريّ يروي عن عثمان المؤذن تارةً بلا واسطةٍ، وتارةً مع الواسطة، وعلى الأول: تكون المتابعة تامةً. قال بعض الشارحين: إذا قال البُخاريّ: عن فلان، يُحمَلُ على السماع عند إمكان اللقاء، فهل إذا قال: تابعه فلانٌ يُجزم بسماع؟ قلتُ: قياسُ المتابعة على العنعنة يقتضي ذلك، لكنهم صَرَّحوا بذلك في العنعنة دون المتابعة. وأنا أقول: هذا كلامٌ لا طائل تحته؛ فإن المتابعةَ إذا كان شيخ البُخاريّ مثل المتابع عليه، أقل درجات أن يكون معنعنًا، لاحتمال أن يكون لو صَرَّح بالعبارة كانت بلفظ السماع ونحوه. قال النووي: القيراطُ الثَّاني إنَّما يحصُلُ إذا تبع الجنازة. أما لو ذَهَبَ إلى القبر وحده ثم حضرت الجنازة، ثم يحصُلْ له ذلك القيراط، والدفن: عبارةٌ عن تسوية تمام التُّراب.

стр. 113

٣٧ - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. ــ باب: خوفُ المؤمن من أن يحبط عملُهُ وهو لا يشعر حبوط العمل عبارةٌ عن بطلان ثوابه. من حَبِط بالكسر: بَطَل. أصلُهُ ذهابُ الماء من الحوض بحيث لا يعود (ما عَرَضْتُ قولي على عَمَلي إلَّا خَشِيتُ أن أكون مُكَذِّبًا). -بكسر الذال- لأنَّه إذا لم يوافق قولُه عملَه، فكان القولُ كاذبًا غير واقع. ويُروى بالفتح؛ كأن غيره يُكَذبُهُ إذا رأى قوله مخالفًا لفعله (وقال ابنُ أبي مُلَيْكَة) -بضم الميم على وزن المصغر- هو عُبيد الله بن عبد الله، الأول مُصَغَّر والثاني مكبَّر. وأبو مُلَيكة جدّه. أدرَكَ ثلاثين من أصحاب النَّبيِّ ﷺ كلُّهم يخافُ النفاقَ على نفسه. ليس المراد من النفاق الكفرَ الذي يُضَادُّ الإيمانَ، بل العملَ الذي يَشُوبه الرياء؛ وذلك [مع] بعد مقام الصّحابة من ذلك. (ويُذكَرُ عن الحسن) المنقول عن إبراهيم وعن ابن أبي مُلَيكة، وعن الحسن تعليقًا. وإنَّما ذكر في الأولين بلفظ قال. وفي الآخر بلفظ يذكر تَفَنُّنًا في العبارة. وقيل: إنَّما جزم في الأولين وأتى بصيغة التمريض في الآخر بجزمه باتصال الإسناد في الأولين دونه. قلتُ: هذا قول مشهور بين الشارحين، لكن هذا ليس قانونًا كليًّا؛ لأنَّه قد يَذكُرُ الحديثَ المسند بلفظ: يذكر. كما سننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. قال العاقي: إنَّما يأتي بصيغة التمريض إذا اختصر الحديثَ أو أتى به بالمعنى (ما خافه إلَّا مؤمن ولا أَمِنَهُ إلَّا منافقٌ) الضميران للحبوط؛ لأنَّه المقصود الذي ترجم له، أو للنفاق الذي سبق ذكره في قول ابن أبي مليكة، وجعلُ الضمير في الموضعين لله لا وجهَ له، يدل عليه ما رواه معلَّى بن زياد عن الحسن: "ما قضى مؤمن ولا تقي إلَّا وهو يشفق من النفاق" ولو كان الضمير لله، ولا احتياج إلى جعله من حذف الجار وإيصال الفعل، لأنَّ خاف يتعدَّى بنفسه. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾

стр. 114

وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. ٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». [الحديث ٤٨ - طرفاه في: ٦٠٤٤ - ٧٠٧٦] ــ [آل عمران: ١٧٥] وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]. (وما يُحذَر من النفاق والعصيان من غير توبة) عطف على خوف المؤمن في أول الترجمة مندرج تحتها، ويُحذَرُ: بلفظ المجهول وعطفه على يقول، وجعل ما نافيةً. أي: ما منهم أحدٌ ما يَحْذَرُ عليّ بناء الفاعل يَرُدُّهُ الآية، فإنَّها عامة، والمعطوف عليه قول الصّحابة خاصة. ويروى مكان النفاق "التقاتل". ٤٨ - (محمد بن عَرْعَرة) بعين وراء مهملة مكررتين (زبيد) -بضم الزَّاي على وزن المصغر- هو الحارث اليامي العابد الناسك. قال ابن عيينة: قال زبيد: ألف بعرة عندي خيرٌ من ألف دينار (سألتُ أبا وائل) هو سلمة بن شقيق التَّابعي المعروف الحَضْرمي الأسدي الكوفيِّ. و (المرجئة) طائفة يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان المعاصي، كما لا ينفع مع الكفر الطاعاتُ. من الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخَّروا العقاب عن المؤمن العاصي. يقال -بالهمزة والياء- بناءً على الاختلاف في كونه مهموزًا أو معتلًا، فإن كان مهموزًا فالنسبة فيه مرجَئي بفتح الجيم بعده همزة مكسورة، وإن كان معتلًا فالنسبةُ إليه مرجي -بكسر الجيم- قاله ابن الأثير. قال الجوهري: يقال: مرجية أيضًا بتشديد الياء (سباب المسلم فُسُوق وقتالُهُ كفر) استدلَّ به على بطلان قول المرجئة وهو ظاهر. والسِّباب -بكسر السِّين- مصدر سَبَّ. يقال: سبَّه سبًّا وسبابًا قاله ابن الأثير. من السُّبة -بضم السِّين- وهو العار. فإن قلتَ: المؤمن لا يكفر بالقتال. قلتُ: محمول على الاستحلال، واستحلال المجمع على حرمته كفر، أو كفران نعمة أُخوة الإسلام، أو المراد منه التغليظ تنفيرًا عن فعله

стр. 115

٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ». [الحديث ٤٩ - طرفاه في: ٢٠٣٣ - ٦٠٤٩] ــ كما فعله في نظيره في مواضع. فلا دليل فيه للخوارج على أن صاحب الكبيرة كافر. ٤٩ - (قتيبة بن سعيد) بضم القاف على وزن المصغر، وكذا (حُمَيد) وهو ابن تير بفتح المثناة فوق وسكون التحتانية وسكون الراء وقيل تيرويه وقيل: داود. وكلها ألفاظ عجمية. ويُلَقب بحُميد الطَّويل. قيل: كان قصير القامة، والطُول كان في يديه، وعن الأصمعي: إنَّما قيل له: الطَّويل؛ لأنَّه كان في جيرانه حميد القصير، فأرادوا التمييز بذلك، ولم يكن فيه طول (تلاحى فلان وفلان) التلاحي هو التنازع من لحيت الرجل إذا عَذَلْتَهُ ولُمتَهُ. قيل: المتلاحيان اللذان كنّى عنهما بفلان وفلان هما كعب بن مالك، وابن أبي حدرد فإن كعبًا تقاضاه دينًا له عليه كما سيأتي صريحًا (فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم) الضمير في رفعت لليلة القدر والمراد: رفع العلم بوقتها المعين، لا رفع الليلة، وإلَّا لم يأمر بطلبها. فإن قلتَ: مساق الكلام اقتضى كون التلاحي مذمومًا، وآخرُ الكلام يدل على كونه محمودًا فإنَّه قال: عسى أن يكون رفع العلم بها خيرًا؟ قلتُ: جهة الخيرية مختلفة ولو كانت معلومة لنالها كل أحد. وأمَّا إذا جُهلت فالخيرية في كثرة الاجتهاد في طلبها ولا يقدر على ذلك الأفراد من النَّاس. فإن قلت: ما وجهُ إيراد هذا في هذا الباب؟ قلتُ: أجاب شيخ الإسلام بأن ذلك التلاحي كان بحضرة رسول الله ﷺ ورفع الصوت بحضرته محبط للعمل بنص القرآن، واستحسنه بأنه وجهٌ حَسَن قَل من تَنَبَّهَ له، وهذا كلام حسنٌ، إلَّا أن ذلك مُقَيَّدٌ برفع الصوت فوق صوته. وقوله في الحديث: "فتلاحى فلان وفلان فرفعت" يدل على أن منشأ ذلك نفسُ التلاحي من غير إشارة إلى شيء آخر. فالصوابُ في الجواب أنَّه أورده دليلًا على الشق الثَّاني من الترجمة وهو الحَذَرُ من العصيان؛ لأنَّ الرجلين لم يقصدا بالتلاحي المعصية، فعلى المؤمن الحذر في الأفعال التي ظاهرُها الإبانة أن لا تؤديه إلى المعصية.

стр. 116

٣٨ - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ــ باب: سؤال جبريل النَّبيَّ ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة إضافة السؤال إلى جبريل من إضافة المصدر إلى الفاعل (ثم قال: جاء جبريل يعلمكم دينَكم) فجعل ذلك كلَّه دِينًا، إسناد التعليم إلى جبريل إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنَّه بسؤاله تَعَلّموا من شرح رسول الله ﷺ فقد تقدم منا مرارًا أن الإسلام والدين والإيمان متحدة صدقًا، وإن اختلفت مفهومًا. واشتقاق الساعة من السَّوع مصدر ساعت الإبل إذا ذهبت إلى المرعى، لأنها تطلق على كل جزء من أربعة وعشرين جزءًا من الزمان، وصارت من الأعلام الغالبة للوقت الذي تقوم فيه القيامة لوقوع أمر عظيم في وقتٍ يسيير. وقيل: لطولها، تسمية الشيء باسم ضدّه كقولهم في اللديغ: سليم. وفي المَهْلَكَةِ: مفازة (وما بيَّن النَّبيُّ ﷺ لوفد عبد القيس) أي: من شرائع الإيمان. يجوزُ أن يكون عطفًا على سؤال جبريل داخلًا تحت الترجمة، وأن يكون دليل الترجمة كالآية المذكورة بعدها، فإنها دليلٌ لذلك. فإن قلتَ: لو كان من الترجمة لذكَرَ حديث وفد عبد القيس دليلًا عليه، كما أورَدَ حديثَ سؤال جبريل. قلتُ: حديث جبريل دليلٌ عليه أيضًا؛ لاشتمال كل منهما على الإيمان بالله وشرائع الإسلام من الصَّلاة والصيام والزكاة. فإن قلتَ: سلمنا هذا فكيف يكون دليلًا على سؤال جبريل ولم يذكر في الباب حديث وفد عبد القيس؟ قلتُ: سيذكره مرارًا فأشار بما بيَّن رسول الله ﷺ للوفد إليه على دأبه من الاستدلال بما في دلالته خفاء. ٥٠ - (مُسدّد) بضم الميم وتشديد الدال على وزن المفعول (أبو حيان) بفتح الحاء

стр. 117

عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: " الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، ــ وتشديد المثناة هو يَحْيَى بن سعيد (عن أبي زُرْعة) -بضم المعجمة أولًا- هو هرم بن عمرو كان النَّبيُّ ﷺ بارزًا يومًا للناس) أي: ظاهرًا في موضع لا يحتاج أحدٌ إلى الإذن في الدخول عليه (قال: ما الإيمان)؟ سؤال عن حقيقته، فإن "ما" يسأل به عن حقيقة الشيء (قال: الإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث) الإيمانُ بالله؛ التصديق بوجوده متصفًا بكلِّ ما يليق به من نعوت الجلال والكمال تعالى وتقدّس. والإيمان بالملائكة: التصديقُ بأنهم عباد مُكَرَّمون، لا يعصون اللهَ ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وبلقائه أي: برؤيته؛ لأنَّ المؤمنين يرونه حقًّا، أو بالجزاء؛ فإنَّه شائع فيه. ذَكَرَهُ علماءُ التفسير. ورسله بأنهم مرسَلون من عند الله لإرشاد عباده. وتؤمن بالبعث أي: بحشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها. فإن قلتَ: هذا تعريف الإيمان بالإيمان وهو تعريف الشيء بنفسه. قلتُ: اعتبر في المحدود الأشياء المذكورة إجمالًا، وفي الحدّ مفصلة فلا محذور. وقيل: الإيمان في المعرّف أُريدَ به معناه اللغوي، وفي المحدود الإيمان الشرعي. وهذا ليس بشيء، أما أولًا فلأن اللغوي لا يكون معرفًا للمعنى الشرعي، ولا لشيء من الاصطلاحي، أشار إلى هذا ابن الحاجب في تعريف اسم الإشارة. وأمَّا ثانيًا: فلأن الإيمان لم ينقل عن معناه اللغوي صرّح به المحققون في شروح "الكشاف". (قال: ما الإسلام؟) أي: شرائعه؛ فالإسلام هو الإيمانُ فإن ما جعله جواب جبريل هنا جعله جواب وفد عبد القيس في الإيمان (إن تعبد الله ولا تشرك به) أراد: الطاعاتِ بالجوارح؛ لأنَّ ما يتعلقُ بالاعتقاد تقدم في شرح الإيمان، أو الاعتقادَ، وإنما أعاده تصريحًا بنفي الشركة (قال: ما الإحسان)؛ الحُسْنُ وصفٌ زائدٌ على الشيء بعد تمامه. ولمّا علم حقيقة الإيمان أصلًا وفرعًا، مسألة عما به كمالُهُ (قال: أن تعبد اللهَ كأنك تراه) أي. حال كان حالتك في العبادة شبيهة بحالتك حين رؤيته وأنت شاهده، فإن العبد إذا أمره المولى بفعلٍ وشَرَعَ في ذلك وهو يشاهد مولاه، يَصرِفُ ما أمكنه إليه من القوى، ولا يخطر بباله غيرُهُ. ثم انتقل إلى ما هو أدْعى إلى ذلك بقوله: (فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك) حقيقة، وإذا كان المولى ناظرًا إلى العبد وهو يباشرُ الفعل المأمور به، يكون الباعث أقوى وأدعى إلى عدم الالتفات

стр. 118

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، ــ إلى ما سواه. وإليه أشار الشاعر بقوله: حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومَسْمَعِ فإن قلتَ: قوله: "فإنَّه يراك": لا يصلح أن يكون جوابَ الشرط لعدم الربط بينهما. قلتُ: تقديره: فإن لم تكن تراه، فلا تعتبر ذلك فإنَّه يراك. وعند بعض العارفين: أن جواب الشرط هو: تراه. والمعنى: إن لم تكن موجودًا وفنيت في الله تراه حينئذٍ وما دُمْتَ في حجاب النَّفس فأنت عن ذاك بمعزلِ. ثم عَلَّله بقوله: "فإنَّه يراك" ويعلم متى تَصْلُحُ لذلك. (قال: متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل). فإن قلتَ: إذا قيل: ليس في البلد أعلمُ من زيدِ، لا ينفي المساواة في العلم. قلتُ: ذاك باعتبار اللغة، وأمَّا عُرْفًا فيدل على عدم المساواة، وهذا هو المرادُ من الحديث. أي: لا علم للمسؤول عنها كما لا علم للسائل. (وسأخبرُكَ عن أشراطها) الأشراط: جمع شَرَطَ -بفتح الراء- والشَرط: العلامة، ومنه الشرط الشرعي، فإنَّه علامة وقوع المشروط. (إذا وَلَدَتِ الأمَةُ رَبَّهَا) ويُروى: "ربتهَا"، ولا بدّ من تقدير مضاف؛ لأنَّ الوقت نفسَه ليس علامة، بل الولادةُ المذكورة فيه، والربّ هو المالكُ والسيدُ، ولا يُطلق على غير الله إلَّا مضافًا، مثل: رب الدار ورب الفرس. قال الجوهري وغيرُهُ: فلا وجهَ لما يقال: هذا من قبيل التشديد، أو رسول الله ﷺ مخصوص منه، على أني لا أعرف ما معنى قوله: هذا من باب التشديد. قال الجوهري: وقد قالوا من غير إضافة للملك في الجاهلية، قال الحارث بن حلزة: وهو الربّ والشهيد علينا فإن قلتَ: ما معنى ولادة الأَمَة ربّها؟ قلتُ: لأنَّه يصير سببًا لإعتاقها وذاك شأن السيد، ولأن وَلَدَ السيد سيدٌ عند وفاته. فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من أشراط الساعة؟ قلتُ: لأنَّ كثرة السبي تكون عند شوكة الإسلام، وإذا تمّ الأمرُ دَنَا نقصُهُ، ولذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾

стр. 119

وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ " ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ» فَلَمْ ــ [المائدة: ٣] بكى عمرُ، فقال له رسول الله ﷺ : "لِمَ تَبكِ يا عمرُ؟ " قال لأنا كُنَّا في الازدياد، وبعد أن صار ديننا كاملًا فلا زيادة. قال: "كذلك يا عمر" قال الشاعر: إذا تمَّ أمرٌ دنا نقصُهُ ... توقع زوالًا إذا قيل تَمْ وقيل: لأنَّ الإماء يَلدْنَ الملوكَ فتكون الأم من الرعية. وقيل: لأنَّ في آخر الزمان يتغير الشرع، فتباع أمهاتُ الأولاد فيشتريها ولدها، أو تَلِدُ حُرًا من غير سيدها بالوطء شبهةً، أو رقيقًا ثم يعتق فيشتريها، ولا حاجة إلى القيد: بأنه يشتريها وهو لا يدري، لأنَّ الحال في الشراء لا يتفاوت، سواء علم أو لم يعلم. وليس في الحديث ما يفيد الحَصْرَ حتَّى يقال: ليس هذا مخصوصًا بالإماء. (وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْم في البنيان) الرعاة -بضم الراء- جمع راع كقضاة في قاضٍ. وفي رواية مسلم "رعاء" بكسر الراء بدون التاء. والبُهُم بضم الباء والهاء، ويروى بإسكان الهاء جمع بهيم، وهو الأسود الذي لا يشوب لونَهُ لونٌ آخر. ومنه الليل البهيم أي: المظلم. ويروى بالرفع على أنَّه وصفُ الرعاة. ويُروى "البَهْم" بفتح الباء وسكون الهاء وهو ولدُ الضأن، أُطلِق على الإبل على طريقة الاستعارة. وروى ابن الأثير في "النهاية": "والبهم": بالواو. فعلى هذا حرفُ العطف محذوفٌ في الرّواية الأولى، ويؤيده روايةُ مسلم: "رعاء الشَاءِ". وإنَّما كان هذا من أمارة الساعة، لأنَّ انقلابَ الأحوال، وصيرورة الأذلة أعزةً، دليل على انقلاب الزمان، كقوله في الحديث الآخر: "إذا وُسد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة". (في خمسٍ لا يعلمهُنّ إلَّا اللهُ) خبر مبتدأ؛ أي: علم الساعة مندرج في هذه الخمس. واستدل على ذلك بالآية: (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾) إلى آخر الآية [لقمان: ٣٤] فإن تقديم

стр. 120

يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. [الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧] ٣٩ - باب ٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، " أَنَّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، ــ الخبر يدل على الحصر. وفي البواقي يدلّ عليه بالعطف عليه؛ لأنَّ حكم المعطوف حكمُ المعطوف عليه. (قال أبو عبد الله: جَعَل ذلك كلَّه من الإيمان) هذا كلامُ الفِرَبْرِي. قال في أول الباب: فجعل ذلك كلَّه دينًا. وبدَّل لفظ الإيمان بالدّين هنا إشارةً إلى أنهما شيء واحد. قال بعضُهم: إن قيل: ما وجهُ الانحصار في هذه الخمس مع أن الأمور التي لا يعلُمها إلَّا الله، كثيرة فالجواب إما أنهم سألوا عن هذه الخمس، وسائرُ الغيوب عائدةٌ إلى هذه الخمس، وأنا أقول: الجواب الأول رجم بالغيب، والثاني محال، وأي معنى لعود سائر الغيوب إلى هذه الخمس؟ بل الجواب أن هذه الخمس ممَّا استأثَرَ اللهُ بها لا يطلع عليها أحدًا بخلاف غيرها، فإنَّه يطلع عليها من شاء من الرسل والأنبياء. ولهذا سمَّاها: أمهات الغيوب تارةً، ومفاتيحَ الغيوب أخرى. بابٌ كذا وقع من غير ترجمة، قال النووي: حديثُ هذا الباب وقع في بعض النُسخ في الباب الذي قبله، وهذا فاسدٌ، والصوابُ: لفظ الباب لأنَّ ترجمة الباب الذي تقدم لا يتعلق به هذا الحديث قال شيخُ الإسلام: سواء وُجِد لفظ الباب أم لا، لا بُدَّ من تعلُّق الحديث بما قبله؛ لأن الباب بلا ترجمة كالفصل للباب قبله، وتعلق حديث هرقل بما قبله أنَّه جعل الإيمانَ والدينَ واحدًا وهو مرادُ البُخاريّ. ٥١ - (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي (عن عُبيد الله بن عيد الله) الأول مصغر، والثاني مكبّر. ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (أن هِرَقْل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ويقال أيضًا بكسر الهاء وسكون الراء وكسر القاف (سألتُك هل يزيدون أم ينقصون). فإن قلتَ: أم متصلة أو منفصلة؟ قلتُ: متصلةٌ. فإن قلتَ: أم المتصلة تكون مع الهمزة دون هل. قلت: تقدم في أول الكتاب بالهمزة،

стр. 121

وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ، حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ". [الحديث ٥١ - أطرافه في: ٢٦٨١ - ٢٨٠٤ - ٢٩٤١ - ٢٩٧٨ - ٣١٧٤ - ٤٥٥٣] ٤٠ - بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، ــ وهنا بهَلْ موضع الهمزة، ولا ضَرَرَ في ذلك، فإن كلًّا منهما تستعمل للتصديق. فإن قلتَ: هل يجوزُ حملُها على المنقطعة؟ قلتُ: لا لأنها للإضراب ولا وجه له؛ لأنَّ هرقل بصدد الاستعلام وشرحِ الحال. قال النووي في الاستدلال بقول هرقل فيه إشكال؛ لأنَّه كافر لا اعتبار بقوله. ثم قال: وقد يقال: إن هذا الحديثَ تداولته الصّحابة ولم ينكروه. وقال بعض الشارحين: لا إشكال فيه، أما أولًا: فلأنه اختلف في إيمانه، وأمَّا ثانيًا: فلأن هذا ليس أمرًا شرعيًّا، بل محاورة. قلتُ: أما قوله: إيمانُهُ مختلَفٌ فيه. فليس كذلك؛ إذ لم يحكم أحدٌ بإيمانه، بل آخر كلامه تقريرُ النصارى على دينهم كما تقدَّم في أول الكتاب. وأمَّا قوله: ليس هذا أمرًا شرعيًّا. فليس كذلك، لأنَّ كلامه في أحوال النبوة والإيمان، واستحسنه كل من سمعه ورسول الله ﷺ ؛ لأنَّه كان بحضرة رسوله الذي أرسله بالكتاب. (وكذلك الإيمانُ حين تخالط بشاشتُه القلوبَ لا يَسْخَطُهُ أحدٌ) البَشَاسْة -بفتح الباء- قال ابنُ الأثير: هو الفرح بالشيء والأُنْسُ به. مرفوعٌ على الفاعلية. ورُوي بشاشةَ بالنصب بدون الهاء على أن الفاعل ضمير الإيمان. باب: من استبرأ لدينه أي: طلب البُرْءَ. قال ابنُ الأثير: بَرَأَ بفتح الراء والمصدر منه: بَرَأ بالفتح أيضًا، وأهلُ الحجاز يقولون: بَرِئ بالكسر، والمصدر بُرْءًا بالضم. وأصلُ الكلمة الخلوص والشفاء، ومنه برء المريض، وغرض البُخاريّ من وضع هذا الباب أن الورع أصلٌ عظيم في الإيمان وكماله. ٥٢ - (أبو نُعَيم) -بضم النون على وزن المصغر- هو الفضل بن دُكَين (رْكريا) بالمد والقصر قُرئ بهما في السبع (النُعمان بن بشير) -بضم النون- في الأول، وفتح الباء في

стр. 122

يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ". [الحديث ٥٢ - طرفه في: ٢٠٥١] ــ الثَّاني الأنصاري الخزرجي، الصحابي ابن الصحابي ابن الصحابية، أول مولود من الأنصار بعد قُدُوم رسول الله ﷺ المدينة. (سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: الحلالُ بَيّن والحرامُ بَيّن) وهو الذي دَلَّ عليه نصٌّ أو إجماعٌ أو قياس جلي (وبينهما مُشَبَّهاتٌ) اسم فاعل مِن أشبهَ، ومِن اشتبه، ومِن تشبَّه. واسم مفعول مِن أشبه وشبه. والحاصلُ واحدٌ لا يخفى على من أتقن العربية. (لا يعلمُها كثير من النَّاس) بل العلماء الراسخون (فمن اتقى الشبهات) أي: تلك الأمور الملتبسة (استبرأ لعرضه ودينه) العِرْضُ: ما يصونه الإنسانُ من المثالب، سواء كان فيه أو في سلفه وهو أعمُّ من الدين، ولذلك عطفه عليه. وأحسنُ ما قيل فيه: هو موضع المدح والذم (ومن وَقَع في الشُّبُهات كراع) ويروى: كالراعي (يرعى حول الحِمَى. يوشك أن يواقعه) أي: يَقْرُبُ من أفعال المقاربة. والحِمَى: -بكسر الحاء والقصر- أرضٌ يمنعها الإمامُ عن العامة لنعم الصدقة وخيل الغزاة وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس على طريقة التمثيل (إلَّا إن حمى الله محارمُهُ) جمع مَحْرَم بمعنى المحرّم، أو موضع الحرمة. ولفظ الحمى مستعارٌ، والجامع المنع (أَلَا وإن في الجسد مُضْغَه) ويُروى: لمضغةً -بضم الميم وضاد معجمة-: قطعةٌ من اللحم بقدر ما يمضغ كالأكلة واللقمة (إذا صلحت صلح الجسدُ كلّه، ألا وهي القلب) القلبُ هو العضو الصَّنَوْبَري المعروف، وليس المراد به ذلك العضو، لأنه ليس مبعوثًا لبيان ما يعرض للأجسام من الأمراض، وهو ظاهر، بل المرادُ بالقلب: النَّفس الناطقة التي ذلك العضو سرير لها، فإذا استقامت النَّفس استقامت سائر القوى، فإنها آلاف لها، أو القوة العاقلة التي شأنُها إيثار الخيرات، فإذا قويت على القوى الشهوانية والغضبية التي هي جنود الشَّيطان، وقَهَرَها واستعملَها في الخير كرهًا، فقد صَلُح الجسدُ وسَلِم ونجا من عذاب النَّار وذل الندامة. ولعظم هذا المعنى قالوا: هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي عليها مدارُ الإسلام. وهي ثلاثةٌ. هذا، وحديث: "الأعمال بالنيات"، وحديث: "من حُسْن إسلام

стр. 123

٤١ - بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ ٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ــ المرء تركه ما لا يعنيه". وقيل: أربعة. هذه، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتَّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ونُقل عن الشَّافعي حديث: "ازهَدْ في الدُّنيا يُحبَّك اللهُ، وازهَدْ عما في يد النَّاس يُحبّك النَّاس". وقد نظمت على هذا الوجه: عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهنّ خير البرية اتركْ المشبهات وازهَدْ ودع ... ما ليس يعنيك، واعملن بنيه ولولا خوفُ الإطالة لأرخينا عنان القلم في مضمار التدقيق. والله الموفق، ولشدة الاهتمام بالمقام كرّر: أَلَا، التي هي للتنبيه في أربعة مواضع. باب: أداءُ الخمُس مِن الإيمان ٥٣ - (علي بن الجَعْد) بفتح الجيم وسكون العين (عن أبي جمرة) -بفتح الجيم- هو نصر بن عمران الضُبعي -بضم المعجمة- نسبةَ إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة حيٌّ من بني بكر بن وائل. قال شيخ الإسلام: كذا قالوه والصَّواب أنَّه من بني ضبعة؛ بطن من عبد القيس (قال: كنتُ أقعدُ مع ابن عباس) وإنَّما قال: أقعُدُ مع أن كان ماضٍ حكاية لتلك الحالة (فيجلسني) تفسير لذلك القعود (قال: أقِمْ عندي حتَّى أجعَلَ لك سَهْمًا من مالي) ولهذا الكلام سببٌ سيذكره البُخاريّ وهو أن ابن عباس كان يفتي بالتمتع في الحج، وبعض النَّاس يخالفونه منهم

стр. 124

ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، ــ عمر بن الخطاب. فرأى أبو جمرة في المنام أن رجلًا أو ملكًا يقول له: حجٌ مبرور وعُمرة مُتَقَبَّلَةٌ. فقال لابن عباس، فقال: اللهُ أكبر! سنةُ أبي القاسم. وكان يكرمه لذلك. (قال: إن وفد عبد القيس) الوافد من يرد على الملوك والعظماء لأمرٍ مهم في الدُّنيا أو الدين. والوفد اسم جمع له، كصحب في صاحب. وعبد القيس أبو قبيلة من أسد وهو عبد القيس بن أفصى -بالفاء والصاد المهملة- ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. قال الجوهري: والنسبة إلى عبد قيس: عَبْقَسي، وإن شئت: عَبْدي. وكان وفودُهم سنةَ تسعٍ بعد حجَّ أبي بكر، وكانوا يسكنون بأرض هجر، فقدم منهم منقذ بن حَيَّان إلى المدينة في تجارةٍ له، فرأى رسول الله ﷺ وآمَنَ به. فكتب معه كتابًا إلى قومه يدعوهم إلى الله، فآمنوا به وأرسلوا إليه أربعة عَشَر رجلًا، مقدمهم الأشج العصري وهو الذي قال له رسول الله ﷺ : "فيك خصلتان يحبهما الله: الحِلْم والأناة" وقيل: كانوا ثلاثة عشر. وقيل: أربعين. ووجهُ الجمع أن أربعة عشر كانوا الرؤساء والباقي تَبَعٌ. والأَنَاةُ على وزن القناة، اسمٌ من التأني وهو الرفق (مرحبًا بالقوم أو بالوفد) الشَّك من ابن عباس، وانتصاب مرحبًا على المفعولية؛ أي: أتيتُمْ مكانًا ذا سَعَةٍ كناية عن حُسن الحال وطِيب البال (عْيرَ خَزَايا ولا نَدَامى) جمع خِزْيان ونادم من الخِزْي وهو الذل والفضيحة، فإنهم جاؤوا من غير قتالٍ وسبي. ويجوزُ أن يكون دعاء لهم، وكان القياس: نادمين، إلَّا أنَّه جاء كذا على الإتباع، كما في العشايا والغدايا. وفى رواية مسلم: "غير خزايا ولا الندامى" ويروى: بتعريف الاسمين. ولا إشكالَ في انتصاب (غيرَ) على الحال، لأنها لا تتعرف بالإضافة إلَّا إذا كان الضدّ متعينًا نحو عليك بالحركة غير السكون (إنا لا نستطيع أن نأتيك إلَّا في الشهر الحرام) المراد به الجنس ليتناول الأربعة الحُرُم. وروي شهرُ الحُرُم، بإضافة الأول. وشهرٌ حرامٌ بتنوين الأول على أن الثَّاني وصفٌ له، وإنَّما سُمِّي ما بين الهلالين شهرًا لشهرته (وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر)

стр. 125

فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» ــ قال الجوهري: الحيّ أحدُ أحياء العرب. وقال صاحب "المطالع": هو مَنْزِلُ القبيلة. وسُميت به لأنَّ بعضَهم يحيا ببعض. ومُضَر: -بضم الميم والضاد المعجمة- ابن نزار بن معدّ بن عدنان. ويقال له: مضر بن الحمراء؛ لأنَّ نزارًا كان صاحب الذَّهب والخيل وكان له ابنان: ربيعة ومضر، فاختار ربيعة الخيل ومضر الذَّهب. فقيل لربيعة: ربيعة الفرس، ولمضر: مضر الحمراء. (فَمُرْنا بأمرٍ فصل نُخبرْ به مَنْ وراءَنا ونَدْخُل به الجنَّة) الفصل مصدر إما بمعنى الفاعل. أي: فاصل بين الحق والباطل، وإما بمعنى المفعول أي: مفصول مبين لا اشتباه فيه، ومن وراءهم قومهم الذين هؤلاء وفدوا لأجلهم. ويروى: من ورائنا، بمن الجارة، والمعنى واحد، قال القرطبي: يروى برفع: نخبرُ وندخلُ، وبالجزم على الجواب، وبالواو في ندخل وحذفها. (أمرهم بأربع ونَهَاهم عن أربعٍ، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن نعطوا من المغنم الخُمس) هذه هي الأمور الأربعة. وما بين الإيمان بالله وحده، وبين هذه من قوله: (أتدرون ما الإيمان) تفسيرٌ له جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، فسقط ما تَوهّم من أن قوله أولًا: أمرهم بأربع. ثم قال ثانيًا: أمرهم بالإيمان [بالله] وحده إنَّما صَحَّ باعتبار اشتمال الإيمان على الأجزاء الأربعة. قال النووي: عدّ لهم الأربعة التي وَعَدهم بها. ثم زاد الخامسة، لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر مجاهدين. ومثله قول ابن الصلاح: (وأن تعطوا) ليس من الأربع بل هو معطوف عليها. قلتُ: يُشْكِلُ هذا بما رواه البُخاريّ في كتاب الأدب: "هكذا أربع أربع، أقيموا الصَّلاة إلى آخره، بطرح كلمة الشهادة. فإن قلت: فكيف يجمع مع قوله: "أمركم بأربع: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلَّا الله وعقد واحدةً" كذا رواه البُخاريّ في كتاب المغازي؟ قلتُ: وجهُ الجمع أنهم كانوا

стр. 126

وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ "، وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ». [الحديث ٥٣ - أطرافه في: ٨٧ - ٥٢٣ - ١٣٩٨ - ٣٠٩٥ - ٣٥١٠ - ٤٣٦٨ - ٤٣٦٩ - ٦١٧٦ - ٧٢٦٦ - ٧٥٥٦] ــ مؤمنين مُقِرّين بالتوحيد، فحيثُ عدّ كلمة التوحيد أشار إلى أركان الإسلام، وحيث قال: أربع وأربع: أشار إلى ما وقع به التعليم. قال بعضُهم معترضًا على النووي: هذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ البُخاريّ عَقَدَ الباب على أن أداء الخمس من الإيمان، فلا بد من كونه داخلًا تحت أجزاء الإيمان. وهذا في غاية السقوط، لأنَّ الإيمان الكاملَ بِضْعٌ وسبعون شعبةً. وكون الخمس غير أحد الأمور الأربعة لا يخرجه عن كونه جزءًا، وكذا ما يقال: إن الخمسة تفسير الإيمان، والثلاثة الباقية متروكة إما نسيانًا أو اختصارًا. وقيل: القومُ كانوا مُقِرّين بالتوحيد وكلمة الشهادة، فالأربعة هي المذكورة بعدها ولم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يكن واجبًا. وقد تقدَّم منّا أن ما ذكره في جواب جبريل سؤاله عن الإسلام جعله جوابًا لوفد عبد القيس في تفسير الإيمان دلالة على أن الإيمانَ والإسلامَ شيء واحد ذاتًا، وإن اختلفا مفهومًا. فإن قلتَ: روى البُخاريّ في آخر باب الأنبياء: "الإيمان بالله وشهادة" بالواو، فما وجهه؟ قلتُ: هو من عطف المفصل على المجمل باعتبار التغاير اعتبارًا. (ونهاهم عن أربع، عن الحنتم) -بفتح الحاء وسكون النون- الجرة الخضراء واحدها حنتمة. (والدباء) -بضم الدال والمدّ- القَرْعَةُ (والنقير) المنقور من الخشب (والمزفت) وربما قال: المقيّر أي: المطلي بالزفت والقير قيل: الحكمة في هذا: أنهم كانوا يلقون في الماء التمرات ليجذب ملوحة الماء. وهذه الأواني لا تنفذ فيها الريح. فربما صار خمرًا سريعًا، فكانوا قريبي العهد بالإسلام. فلما أشاع الإسلام ورسخوا فيه أباح الأواني المذكورة. ونسخ ذلك الحكم بقوله: "كنتُ نهيتكم عن الأشربة إلَّا في ظروف الأدم والظرف لا يحل شيئًا ولا يحرم. فاشربُوا في كل إناءٍ غيرَ أن لا تشربوا مسكرًا" ذَهَبَ مالك وأحمد إلى بقاء هذا الحكم، وكأنه لم يبلغهما هذا الحديث الذي رواه مسلم.

стр. 127

٤٢ - بَابٌ: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، ــ باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحِسْبة، ولكل امرئٍ ما نوى تقدم في أول الكتاب أن النيَّة: قصدُ التقريب إلى الله تعالى بالطاعة، والحِسْبة -بكسر الحاء- اسمٌ من الاحتساب وهو الإخلاص في العمل. وقول الجوهري: الحِسْبة بالكسر: الأجرُ، تسامحٌ ظاهر. (فَدَخَل فيه الإيمان والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام) أي: بقية العبادات كلها. ومن قال: يدخل فيه تمام المعاملات والمناكحات. ولهذا لو سبق لسانُهُ إلى نعت وطلقت ونكحت لم يصحّ شيءٌ منها، فقد أبعد عن الصواب. أما أولًا: فلأن حديث: "إنَّما الأعمال" عامٌ مخصّص، فإن المراد بها الطاعاتُ كما تقدم في أول الكتاب. وأمَّا ثانيًا: فلأن صرائح هذه العقود لا يحتاج إلى النيَّة. قال التفتازاني في "التلويح": البيعُ والنكاح وأمثالُهما لا تحتاجُ إلى النيَّة إجماعًا. ومن سبق لسانُه إلى قوله: أنتَ حرٌّ لعبده. أو إلى: أنتِ طالقٌ لامرأته. عتق العبدُ وطلقت المرأةُ اتفاقًا، وأمَّا الكناياتُ فالنية إنَّما اعتبرت لتعيين المقصود. وأمَّا النيَّة المستفادة من قوله: "إنَّما الأعمال بالنيات" هي بمعنى قصد التقريب إلى الله ولهذا ذهب أبو حنيفة إلى أن التقدير: ثوابُ الأعمال بالنيات. ثم قوله: دخل فيه الإيمان. يردّ صريحًا قول هذا القائل: إن أعمال القلب لا تحتاج إلى النيَّة، ذكره في صدر الكتاب، وقد نَبّهنا عليه هناك. والعجبُ ممن هو عَلَمٌ في هذا الفنّ صَرّح بأن الإيمان الذي هو بمعنى التصديق لا يحتاج إلى النيَّة كسائر أعمال القلب. هذا بعد أن قال المصنف في أول الباب: دخل فيه الإيمان. أي: فيما يحتاج إلى النيَّة. وتحقيق المقام: أن كل ما يحتاج إلى النيَّة: هو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، ويطلب به الجنَّة، والإيمان وأعمال القلب أشرف وأعظم ما يتقرب به، ولمَ كانت نيَّة المؤمن هو خير من عمله لو لم تكن أعمال القلب مفتقرة إلى النيَّة؟ وكيف ذهل عن قول البُخاريّ: الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وهل يعقل أن يكون محل الحب غير القلب؟ وما فائدة الحصر في قوله: "وأن يُحب المرء لا يُحبه إلا لله"؟

стр. 128

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] عَلَى نِيَّتِهِ. «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ» وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». ٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ ــ "وقال الله تعالى: (﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]) الشاكلةُ لغةً: الخَاصِرَةُ. قال ابنُ الأثير: استُعير للطريقة والقصد (وقال النَّبيُّ ﷺ : ولكن جهاد ونية) هذا بعضُ حديثٍ سيرويه مسندًا. وكذا قوله: "ونفقة الرجل". رواهما هنا تعليقًا تقوية لما استدل به وإثباتًا لما ترجم له بالطريقين. ٥٤ - (عبد الله بن مَسْلَمَة) بفتح الميم واللام (عن عُمر أنّ رسول الله ﷺ قال: (الأعمالُ بالنية) أي: لا عَمَلَ إلَّا بالنية؛ لأنَّ هذه اللام للاستغراقِ، وقد سَبَقَ أن هذا حصر المسند إليه في المسند، وتقدّم أيضًا تحقيق الحديث بما لا مزيد عليه في صدر الكتاب. فإن قلت: لم أعادَ الحديث وقد عُلم معناه في أول الكتاب؟ قلتُ: أعاده إشارةً إلى أن النيَّة من شعب الإيمان، وأنّ الإيمان الذي هو فعل القلب لا يعتد به بدون النيَّة، وفيه ردٌّ على الكرَّامية والمرجئة القائلين: بأن الإيمان هو القول وحده، مع اختلاف شيخه، وزيادة بعض الألفاظ. وأعلم أن هذا الإطلاق مقيدٌ بإجتماع الشرائط، فلا يردُ أن الإنسان إذا نوى المنذر أو القضاء في رمضان لا يحصل له ما نوى، لأنَّ المحل غيرُ قابلٍ، وإزالة النجاسة إن قَصَدَ بها التقرب إلى الله يُثاب عليها، وإن أريد الإزالة لا غير فلا. قال بعضُهم: فإن قلت: يَرِدُ عليه بعض الأفعال كاعتداد المرأة المتوفى عنها زوجُها وهي غير عالمة، فإن عِدَّتها تنقضي مع عدم قصدها؟ قلتُ: هذا ليس فعلًا ولا تركًا، بل هو عبارة عن انقضاء مدةٍ يُعلم منه براءة الرحم، هذا كلامه، وقد نبّهناك على أن هذا غلطٌ، فإن الكلامَ في العبادات لا غير، على أن قوله: هذا ليس بفعل مخالف لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (ولكل امرئٍ ما نوى) هذا حصرُ المسند على المسند إليه عكس الأول (ومن كانت

стр. 129

هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». ٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ». [الحديث ٥٥ - طرفاه في: ٤٠٠٦ - ٥٣٥١] ٥٦ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ». ــ هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُهُ الى الله ورسوله) أي: فهجرتُه تلك الهجرة الكاملة، فلا يُتَوهَّم اتحاد الشرط والجزاء. ومثله قوله: (ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبها فهجرتُه [إلى] ما هاجر إليه) أي: هجرته تلك الهجرة الخسيسة، وقد تقدم في أول الكتاب الكلامُ على هذا الحديث بأطولَ من هذا. ٥٥ - (حَجّاج بن مِنْهال) بفتح الحاء وتشديد الجيم وكسر الميم (عَدِي بن ثابت) بفتح العين وكسر الدال وتشديد الياء (عبد الله بن يزيدَ) من الزيادة (عن أبي مسعود) عقبة [بن] عمرو الأنصاري الخزرجي المشهور بالبدري. قال ابن الصلاح: لم يشهدْ بدرًا، وسكن به فنُسِبَ إليه. (إذا أنفَقَ الرجلُ على أهله يَحْتَسِبُها) أي: امتثالًا لأمر الله، وقصدًا إلى القيام بما أوجب الله أو نَدَبَ إليه (فهو له صدقةٌ) أي: يثاب به كما يثاب بالصدقة؛ لأنَّه ليس صدقةً في العرف. ٥٦ - (الحكم بن نافع) بفتح الحاء والكاف (عن سعد بن أبي وقاص) واسم أبي وقاص: مالك بن سنان (إن رسول الله ﷺ قال: إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتَّى ما تَجعَلُ في فم امرأتك) الخطابُ لسعدٍ وإن كان الحكم عامًّا؛ لأنَّه تمام

стр. 130

[الحديث ٥٦ - أطرافه في: ١٢٩٥ - ٢٧٤٢ - ٢٧٤٤ - ٣٩٣٦ - ٤٤٠٩ - ٥٣٥٤ - ٥٦٥٩ - ٥٦٦٨ - ٦٣٧٣ - ٦٧٣٣]. ــ حديث طويل. كان مريضًا فعاده رسول الله ﷺ . والقيدُ باللقمة وجعلُها في فم امرأته مبالغةٌ في الاعتداد بالنفقة على الأهل لأنَّ اللقمة مثلٌ في القلة، والإنسان إنَّما يجعلُ اللقمة في فم امرأته إذا كانت محبوبةً إليه، وإذا حصل الأجرُ مع ذلك فما ظنك بسائر الأهل والقرابات. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينارًا أنفقته على أهلك أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَهُ على أهلك" وروى الشيخان: "لا صدقة إلَّا عن ظهر غنىً، وابدأْ بمن تعولُ". واستدل بعضُ الشارحين على أن النفقة على الأهل ليست صدقة حقيقةً بل مجازًا لجواز صرفها على الزوجات الهاشميات. ثم قال: كيف صَحَّ التشبيهُ والثوابُ في النفقة زائدٌ؟ قلتُ: التشبيه في أصل الثواب لا في الكمية. ثم قال: فإن قلتَ: أهل البيان شرطوا أن يكون المشبَّه به في وجه التشبيه أقوى من المشبه. وهنا وَقَعَ بالعكس قلتُ: هذا من قبيل التشابه. هذا كلامه. وفيه خَبْطٌ من وجوهٍ: الأول: أن المحرّم على الهاشميات إنَّما هو الزكاة، لا سائرُ الصدقات صرّح بها الفقهاء. الثَّاني: أن قوله: هذا من قبيل التشابه بعدما سلَّم أن وجه الشبه في المشبّه به أقوى، ليس بصحيح؛ لأنَّ التشابه عند أهل البيان، إنَّما يكون إذا كان الطرفان متساويين. فإن قلتَ: فما الجوابُ الصواب؛ فإن الحديث الذي رويته عن مسلم دلَّ على زيادة ثواب النفقة على سائر الصدقات؟ قلتُ: الزيادة في المشبّه به إنَّما يكون عند إرادة إلحاق الناقص بالكامل؛ فإن التشبيه يقع في الكلام على سبعة وجوه. ولا تُعتبر الزيادة إلَّا في ذلك الوجه. وهذا الذي في الحديث من إلحاق الخفي بالمشهور يكفي فيه أن يكون المشبه به أشهر بوجه الشبه.

стр. 131

٤٣ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ــ فإن قلتَ: إلَّا أُجِرْتَ: كيف وقع مستثنى، وشرطُ الاستثناء أن يكون المستثنى اسمًا، لأنَّه من خَوَاصّ الاسم؟ قلتُ: مؤولٌ كأنه قيل: إلَّا وأنت ذو أجر. فإن قلتَ: ما المراد بوجه الله؟ قلتُ: ذاته تعالى، لأنَّ الوجه أشرفُ الأعضاء يُعبّر به عن الذّات من غير تخيّل جارحةٍ، تعالى عن ذلك. ومحصّله أن يكون مخلصًا في ذلك. فإن قلتَ: ما موقع (حتَّى)؟ قلتُ: يجوزُ أن تكون عطفًا على أُجِرْتَ وأن تكون ابتدائية. قال المحقق التفتازاني: ومعنى الغاية لازم لها على كل وجه استعملت. فائدة: قال بعضُ العارفين: شأن العاقل أن تكون أفعاله المباحة كلها طاعة، وذلك بأن ينوي بالأكل أن يكون سببًا للقوة على الطاعة، وبالنوم: النشاط على قيام الليل، وقِسْ على هذا. باب قول النَّبيِّ ﷺ : "الدينُ النصيحةُ: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" قال ابن الأثير: النصيحةُ كلمة يُعبّر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبّر عن معناها بكلمةٍ أخرى كالفلاح الدال على خير الدارين. يقال: نصحتُه ونصحتُ له. وأصل النُّصْحِ: الخُلُوص. ومعنى النصيحة لله اعتقاد وحدانيته واتصافه بصفات الكمال، وتقدسه عن كل نقص، ولكتاب الله: الإيمانُ به والتعبدُ بأحكامه. ولرسوله: تصديقُهُ في رسالته، والانقياد لأوامره. وللأئمة: الإطاعة لهم فيما لا يكون معصية. ولعامة المسلمين: إرشادهم إلى ما فيه صلاحٌ لهم، وأن تحب لهم ما تحبّ لنفسك، وكفّ الشرّ عنهم. فالحصرُ فيه حقيقي إذ لا يخرج شيءٌ من أمور الدين عن النصيحة المذكورة. وأعلم أن هذه الترجمة حديثٌ رواه مسلم عن تميم الداري مسندًا، ولم يكن رجاله من شرط البُخاريّ، فلم يَرْوِهِ مسندًا. قال النووي: وليس لتميمٍ حديثٌ في مسلم والبخاريِّ إلَّا هذا. فإن قلت: هذا من فروض الأعيان أو الكفاية؟ قلتُ: فرض عين على كل أحدٍ، ولذلك أخذ على جرير في المتابعة. والنصحِ لكل مسلم ومَنْ قال: الأمور المذكورة فرض كفاية،

стр. 132

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. ٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». [الحديث ٥٧ - أطرافه في: ٥٢٤ - ١٤٠١ - ٢١٥٧ - ٢٧٠٥ - ٢٧١٤ - ٧٢٠٤]. ٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: ــ فقد زَلَّتْ به القَدَمُ (وقوله ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]) استدل بالآية على حكم الترجمة. ٥٧ - (عن أبي حازم) بالحاء المهملة (عن جرير بن عبد الله: بايعتُ رسولَ الله ﷺ على إقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، والنصحِ لكل مسلم) اكتفى من أركان الإسلام بالصلاة والزكاة؛ لأنهما أصل سائر الأحكام، وقد قدّمنا أنهما أُمَّا العبادات. واكتفى بالنصح لكل مسلم عن النصح لله ورسوله وكتابه، لأنَّ مَنْ قام به قائمٌ بهما، أو المبايعة على إقامة الصَّلاة وإيتاء الزكاة دالة عليه لدلالته على امتثال أوامرهما. ٥٨ - (أبو النُّعمان) -بضم النون- محمد بن الفضل المعروف بعارم (أبو عَوَانة) -بفتح العين- الوضاح اليشكري (زياد بن عِلَاقة) بكسر الزَّاي والعين (سمعتُ جريرًا) أي: قوله فسره قوله: (فحَمِدَ الله) (يوم مات المغيرة بن شعبة) -بضم الميم- هو ابن عامر من أصحاب رسول الله ﷺ ، كان واليًا على كوفة لعمر بن الخطاب، ثم مات في إمارة معاوية، من دُهَاة العرب وهو من ثقيفٍ، وكان أعورَ (عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقارِ والسَّكينة، حتَّى يأتيَكم أميرٌ) ليس لقوله: "حتَّى" مفهوم، بل خاف أن يقع شرّ قبل وصول الأمير.

стр. 133

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. ــ والوقار: الثبات في الأمور. وأصله الوِقْر وهو الثقل. والسكينة: التأني من السكون. (استَعْفوا لأميركم) أي: اطلبوا له العفوَ من الله، فإنَّه كان يحب العفو عن المجرم، عسى الله أن يعامله بما كان يعامل به النَّاس (ورَبِّ هذا المسجد إنِّي لناصحٌ لكم) وكأنه بدا لَهُ من بعض الحاضرين نوعُ إنكارِ، ولهذا بالَغَ في التأكيد، أو أراد ترويج كلامه. قال الذهبي: جرير بن عبد الله كان سيدًا مطاعًا في قومه، وكان بديعَ الجمال، أكرمه رسول الله ﷺ وبَسَطَ له رداءه. أسلَمَ قبل انتقال رسول الله ﷺ إلى دار البقاء بأربعين يومًا، وقيل: ستة أشهر. هذا آخر كتاب الإيمان ونسأل الله تعالى أن يجعل آخر أيامنا به إنه على ذلك قدير.

стр. 134

٣ - كِتَابُ العِلْمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] وَقَوْلِهِ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. ــ كِتَابُ العِلْمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بَابُ فَضْلِ العِلْمِ (وقول الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]). استدل على ما ترجم له من فضل العلم بالآيتين. واستدلاله ظاهرٌ والتنكيرُ في ﴿دَرَجَاتٍ﴾ للتعظيم أو التكثير. والأحاديثُ في فضل العلم كثيرةِ منها: ما رواه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد عن ابن عباس عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "فضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب". وروى التِّرمذيُّ عن أبي أُمامة أن رسول الله ﷺ قال: "فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم". فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يورد في الباب حديثًا يدل على فضل العلم؟ قلتُ: اكتفى بالآيتين لكونهما قطعيتين مع ظهور الدلالة فيهم. قال العلماءُ: لم يأمرِ اللهُ رسولَهُ ﷺ بطلب الزيادة في شيءٍ إلا في العلم. هذا. وقال بعضُ الشارحين: إنَّما لم يذكر فيه؛ لأنَّه لم يتفق له حديثٌ يناسُبُه، أو لأمرٍ آخر. قلتُ: قوله: لم يتفق له حديث. ليس بشيء؛ لأنَّه روى بعده حديثَ: "لا حَسَدَ إلَّا في

стр. 135

بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، ــ اثنتين؛ [علم آتاه اللهُ مالًا] ... ". وحديث: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" وغيرهما، بل لو قيل: أحاديث الكتاب كلها دالةٌ عليه كان صحيحًا. والصَّواب: أنَّه فرّقَ تلك الأحاديثَ في الأبواب لاستنباط الأحكام منها. ثم قال الشارح المذكور: فإن قلت: فما تقول في قوله فيما بعد: باب فضل العلم؟ قلتُ: الفضل هناك بمعنى الفَضْلَة أي: الزيادة، وهنا بمعنى كثرة الثواب. هذا كلامه وقد التبَسَ عليه من قول رسول الله ﷺ : "شربتُ اللبن حتَّى رأيت الري يَخرُجُ من أظفاري، فأعطيتُ فَضْلَهُ عُمَر"؛ فإن المراد به ما فَضَل عن شُربه، ولم يَدْرِ أن المراد بقول البُخاريّ: باب فضل العلم هو شرب رسول الله ﷺ ذلك الشُّرب المُفْرِطَ؛ إذ لو لم يكن العلم غاية الفضل والكمال، لم يقع من رسول الله ﷺ . قيل: إنَّما بدأ ببيان فضل العلم دون بيان حقيقته؛ لأنَّ العلم عنده بديهي. قلتُ: هذا دعوى بلا دليل. والحقُّ أنَّه: إنَّما لم يتعرضْ لذلك، إذ لم يدلّ آية ولا حديث على أن حقيقة العلم ما هي. باب: مَنْ سُئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتمَّ الحديثَ ثم أجاب السائلَ ٥٩ - (محمد بن سِنان) بكسر السِّين (فُلَيح) -بضم الفاء- على وزن المصغر هو: أبو يَحْيَى عبد الملك الخزاعي، وفُلَيح لقبُهُ اشتهر به (ح) قد تقدم أنَّه إشارة إلى تحوُّل الإسناد. وقيل: رَمَزَ إلى (صح) وقيل: إلى الحديث (إبراهيم بن المنذِر) -بكسر الذال- الحِزَامي بكسر الحاء وزاي معجمة (عطاء بن يسار) -بالمثناة تحتُ وسين مهملة- الهلالي القاص مولى

стр. 136

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». [الحديث ٥٩ - طرفه في: ٦٤٩٦] ــ ميمونة أم المؤمنين (بينما النَّبيُّ ﷺ في مجلس يحدثُ القوم) بين: ظرف زمان، وفيه معنى المفاجأة، فتارةً تُشبَعُ الفتحةُ فيقال: بينا، وتارةً يزاد عليه ما. والقوم مصدر في الأصل يُطلق على الرجال خاصة (جاءه أعرابي) جواب "بينما" فإنَّه لا يتم إلَّا به. والأعرابي نسبة إلى الأعراب وهم سكان البادية، جمعٌ لا مفرد له، ولذلك نُسب إليه (فقال: متى الساعة) أي: وقت قيامها (فمَضَى رسول الله ﷺ يُحدِّث) أي: استمرّ في حديثه ولم يلتفت إليه (وقال بعضهم: بل لم يسمع) عطف على قول البعض: "سمع" كأنه عطف تلقائي، أو تقدر قبله سمع فعطف عليه (حتَّى إذا قضى حديثَهُ) أي: أتمّ الحديثَ الذي كان يُحدِّث به القوم غاية لقوله: "مضى في حديثه" وما في البين استطرادٌ أراد أن الراوي قد ضبط الحديث أحسنَ ضبطٍ، وليس من قبيل الاعتراض، إذ لا نكتةَ فيه والاعتراض إنَّما يكون لذلك كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ ثم قال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] إشارة إلى مزيد حقها. (قال: أين السائلُ عن الساعة، قال: ها أنا) مبتدأ خبره محذوف. أي: أنا السائلُ. وها: حرفُ تنبيه (قال: فإذا أُضِيعَتِ الأمانةُ فانتظرِ الساعةَ) قال ابنُ الأثير: الأمانة تقع على العبادة والطاعة والثقة والأمان، ولكن شيء من هذا لا يلائم قولَه: (إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله) بل المراد: تفويضُ الإمارة والرياسة إلى غير مَنْ يستحق. نظيرُهُ ما تقدم في كتاب الإيمان: "إذا تطاول رُعَاة الإبل في البنيان" وكأنه مأخوذٌ من الوسادة؛ لأنَّ العادة جلوس الأمير على الوسادة أي: جعل تحت تصرفهم، فإلى بمعنى اللام، وفي رواية القابسي: "أُوسد"-بالهمزة- لكن رواه البُخاريّ في أواخر الكتاب: "أُسند" قال: على ظاهرها، وإنَّما كرّر الراوي قال بدون العاطف؛ لأنَّه يحكي مجلس المقاولة. وفي مثله لا يَحسُنُ العطف لاستغلال كل كلام على حدة جوابًا وسؤالًا. ألا ترى إلى قوله تعالى حكايةً عن مقاولة أصحاب الكهف:

стр. 137

٢ - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ ٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ - ــ ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] وفي الحديث دلالةٌ على أن العالِم قاضيًا كان أو مفتيًا، يُقدم الأهم فالأهم، وإذا كان مشتغلًا بحديث لا يقطعه على السامعين [إلى] أن يتمه وعليه أن يَرْفُق بالمتعلم وإن بدا منه سوءُ أدبٍ، وعلى المتعلم أن يراجع إن لم يفهم المقصود. باب مَنْ رَفَعَ صوته بالعلم ٦٠ - (أبو النُعمان) -بضم النون- هو: محمد بن الفضل المعروف بعارم (أبو عَوَانة) -بفتح العين- الوضاح اليشكري (عن أبي بِشر) -بالموحدة وشين معجمة- جعفر بن إياس (يوسف بن ماهَكَ) في سين يوسف: الحركاتُ الثلاث. وماهَكْ مصغر ماه. وماهٌ مرادف للقمر في لغة الفرس. والكاف علامةُ التصغير كالياء في لغة العرب، غيرُ منصرفٍ لأنَّه علم المؤنث. قال الدارقطني: اسم أمه. ورواه الأصيلي بكسر الهاء وهو سهوٌ منه. وقال: إنه منصرف وقيل في توجيه صرفه: لأنَّ شرط المعجمة العلمية. قلتُ: قد ذكرنا نقلًا عن الدارقطني أنَّه عَلَمُ أمه. على أن الفاضل الرضي قد منع شرط كون العجم علمًا في العجمة، بل شرط أن لا يستعمل إلَّا علمًا في لغة العرب، كقالون فإنَّه غير منصرف مع كونه اسمَ جنسٍ. قال الدارقطني: اسم أبيه بُهْزاذ بضم الباء وسكون الهاء وزاي وقال معجمتين، وكذا ضبطه النووي، فارسي الأصل، نزيل مكّة (عبد الله بن عمرو) ابن العاص العابد العالم. قال أبو هريرة: ليس في الصّحابة أكثر حديثًا مني إلَّا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنَّه كان يكتب ولا أكتبُ. فإن قلتَ: فكيف رُوي الحديثُ عن أبي هريرة أكثرَ منه؟ قلتُ: كان بمصر في أيَّام إمارة أبيه، فلم يقع له من يروي عنه إلَّا قليل. (فأدرَكَنا وقد أرهقَتْنا الصلاةُ) وسيأتي في الكتاب أنها كانت صلاة العصر. بفتح الكاف

стр. 138

وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [الحديث ٦٠ - طرفاه في: ٩٦ - ١٦٣] ــ وسكون القاف والإرهاق من الرَّهَق وهو الدُّنُو. ومنه: الغلامُ المراهِقُ. وفي الحديث: "إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء فليرهقه". والمعنى: أخّرناها حتَّى كِدْنا أن نلحقها بالصلاة التي بعدها. قال القاضي: ويُروى بفتح القاف ورفع الصَّلاة. والمعنى: أعجلتنا الصَّلاة لقرب فوتها (ونحنُ نتوضأ) جملة حالية (فجعلنا نمسَحُ على أرجلنا) أي: شرعنا من أفعال المقاربة (فنادى بأعلى صوته: ويلٌ للأعقاب من النار) أي: لأصحابها حيث تركوا الفرض المقطوع به وهو قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وقيل: إنَّما خُصَّ، لأنها محل الجناية كقطع يد السارق. وفي رواية التِّرمذيِّ: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام" لأنَّ بطون الأقدام خَفيٌّ عن الأبصار لا يصل الماءُ إليه إلَّا إذا حوفظ عليها. فإن قلت: المسحُ عليه هو المستفاد من الآية. وهو قراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؟ قلتُ: هذا الحديث وإجماع الأمة ولا على أن الجرّ في آية الوضوء محمول على جرّ الجوار. وهو إعرابٌ صحيح استعمله البلغاءُ. قال الجعبري: يروى عن الشَّافعي أن قراءة الجر محمولةٌ على المسح على الخُف بيانًا لحال الرجل في الحالتين. هذا، ولم يُنقَلْ فعلٌ أو قول رسول الله ﷺ يومًا من الدهر. أنَّه فعل ذلك، أو أشار إلى جوازه. فويل للروافض من النَّار، والتعجبُ من جهلهم أنهم لا يجوزون المسحَ على الخفّ مع أنَّه من رواة حديث المسح: عليُّ بنُ أبي طالب. (مرتين أو ثلاثًا) قيد للنداء والشك من عبد الله، وإنَّما كرّره على دأبه فإنَّه كان إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا، وإن المقام يقتضي التأكيد. فإن قلتَ: اللام للنفع، و (على) للضرر، فما معنى اللام في قوله: "ويل للأعقاب ... "؟ قلتُ: ذاك معنى آخر، واللام هنا للاختصاص. قال بعضُهم: فإن قلتَ: المسحُ على ظهر القدم لا على الرجل كلها. قلتُ: أُريدَ القدمُ، والقرينةُ العرفُ الشرعي. هذا كلامه. قلتُ: هذا الذي ذكره بناءً على أن الرجل ليس موضوعًا للكل والجزء بالاشتراك، وفيه نزاعٌ مذكور في الأصول. وأيضًا ما ذكره إنَّما هو

стр. 139

٣ - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: أَخْبَرَنَا، وَحَدَّثَنَا وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: " كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ: ــ المسحُ على الخف، وهؤلاء إنَّما مسحوا على الرجل لشدة الاستعجال كيف اتفق، ولذلك خَصَّصَ الأعقابَ بالذكر. وفي الحديث دلالةٌ على جواز رفع الصوت بالعلم. قال ابنُ عُيينة: مررتُ بأبي حنيفة وأصحابه وقد ارتفعتْ أصواتهُم بالعلم، فقلتُ له في ذلك، فقال: دَعْهم، لا يتعلمون إلَّا كذلك لا سيّما في موضع الحاجة كالوعظ والخُطْبة. باب: قول المحدِّث أخبرنا وحدثنا (قال الحُميدي) -بضم الحاء على وزن المصغر المنسوب- هو عبدُ الله بن الزُّبير، شيخُ البُخاريّ. نقل عنه يقال لأنَّه سمعه مذاكرةً (كان عند ابن عُيينة) بضم العين على وزن المصغر (حدّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا وسمعتُ واحدًا) قال ابنُ الصلاح والعراقي: هذا مذهبُ البُخاريّ وآخرين من المشايخ، وعليه معظمُ أهل الحجاز والكوفيين والزهري. وقال الشَّافعي ومسلم: لا يقول حدّثنا إلَّا إذا سَمِعَهُ من شيخه. قال ابنُ الصلاح: وخير ما يقال في هذا المقام: إنَ هذا اصطلاحٌ؛ إذ بيانُهُ لغةً عَنَاءٌ. ومن خَصَّ التحديث بالسماع فَلِقُوّةِ إشعاره بالمنطق والمشافهة. ثم اختلفوا في أقوى وجوه التحمّل، هي القراءة على الشَّيخ أو السماع منه، فذهَبَ أبو حنيفة وبعضُ السلف إلى ترجيح القراءة على السماع منه، ورُوي هذا عن مالك. قال الشَّيخ ابنُ الصلاح: والصحيحُ أن السماع على الدرجات وكذا قال العراقي، وقد بان لَكَ أن المرادَ من المحدّث في قول البُخاريّ باب قول المحدث؛ هو رواي الحديث، لا المحدث لغةً. وكيف يصحُّ لغةً حدّثنا فيما إذا كان الراوي هو القارئ على الشَّيخ، أو ضرورة للبخاري في بيان المحدث لغة، وفد نقلت أيضًا عن ابن الصلاح أنَّ هذا أمرٌ اصطلاحي. (وقال ابن مسعود: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) أي: الذي يَصْدُق في الحديث مع الخَلْق، وما يقال له كله صدق من عند الله، سواء كان بواسطةٍ أو بدونها، منامًا كان أو يقظة، وقيل: المصدق من عند الله وهو معنًى ظاهر، إلَّا أن اللغة لا تُساعده. (وقال شَقيق) -بفتح المعجمة- يكنى أبا وائل (عن عبد الله) هو ابنُ المسعود حيثُ أُطلق من غير نسبة (قال النَّبيُّ ﷺ كلمةً) أي: كلامًا أو قضية (وقال حُذيفة) -بضم الحاء على وزن المصغر

стр. 140

حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ . ٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». [الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦٢ - ٧٢ - ١٣١ - ٢٢٠٩ - ٤٦٩٨ - ٥٤٤٤ - ٦١٣٢ - ٦١٤٤] ــ - هو ابن اليمان واسم اليمان حسيل حليف الأنصار، الصحابي المكرَّم المبجل ابن الصحابي كذلك، صاحبُ سرّ رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره، المطلع على أعيان المنافقين. كان عُمر في خلافته لا يَحْضُرُ جنازةً إلَّا إذا حضرها حذيفة) حدّثنا رسولُ الله ﷺ حديثين وقال أبو العالية) هو رفيع بن مهران. قالت حفصة بنت سيرين: سمعته يقول: قرأت القرآنَ على عمر بن الخطاب ثلاث مرات (عن ابن عباس عن النَّبيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربّه) موضع الاستشهاد هو قولُهُ: فيما يرويه عن ربه. وكذا قول أنسٍ بعده (يرويه عن ربه) وقول أبي هريرة: (يرويه عن ربكم). وهذه التعليقاتُ كلها أحاديثُ مسندة بعضُها عند البُخاريّ وبعضُها عند غيره، أوردها معلَّقةً إثباتًا لما هو بصدده تارةً بالتعليق وتارةً بالمسند. ٦١ - (قُتَيبة) ابن سعيد بضم القاف على وزن المصغر (إن من الشجر شجرةً لا يسقُطُ ورقها وإنها مَثَلُ المسلم، فحدثوني ما هي؟) أي: من جنس الشجر شجرة؛ أي: نوعٌ منه، هذا شأنه، ولغرابة الشأن أتى بلفظ المَثَل الذي يدل عليه لأنَّه لا يؤتى به إلَّا في الأمور الغريبة. وقيل: وجهُ الشبه كثرةُ المنافع إذ ليس شيء في النخلة من الأجزاء إلَّا ومنه نفع، وكذا ثمره من حين البُدُو إلى أن يصير تمرًا يابسًا يُؤكَلُ منه. وقيل: لأنَّه لا يثمر إلَّا إذا أُلْقِحَ من الذكر في الأنثى. وعلى هذا قيد المسلم ضائع لأنَّ نوع الإنسان كذلك. وقيل: لأنَّه إذا قطع رأسُه لا يعود بدله عضو؛ وفيه ما ذكر آنفًا من استدراك لفظ المسلم، وقد ذكروا أمورًا

стр. 141

٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، ــ أُخَر بعيدةً، ونَقَل السُّهيلي عن سنن الحارث بن أسامة مرفوعًا أن رسول الله ﷺ بيَّن وَجْهَ الشَّبه، وقال: "كما أن النخلةَ لا يَسْقُطُ ورقُها، كذلك المؤمن لا تسقط دعوتُهُ". وهذا محمولٌ على أن الله تعالى إما أن يعطيه ما مسألة، وإما أن يدخر له في الآخرة، أو في العاقبة ما هو أنفع له، وإلا فكم من شيء يسأله الإنسانُ ولا يحصُلُ له. فإن قلتَ: غرضُ البُخاريّ إثباتُ عدم الفرق بين هذه الألفاظ قراءةً وسماعًا. وما ذكره ليس فيه دلالة على قراءة المحدث، بل كلّها سماعات. قلتُ: قال بعضُهم: حيث نَقَل مذهب الاتحاد من غير رَدٍّ، وغير ذكر المخالف أشعَرَ بأن مَيْلَهُ إلى عدم الفرق. قلتُ: هذا كلامُهُ لا طائل تحته؛ فإن المحققين من أهل هذا الشأن نقلوا أن مذهبَهُ عدمُ الفرق، فالوجه: أن يكون في أحاديث الباب دلالةٌ على ذلك. فالحقُ أن قول ابن مسعود تارةً سمعتُ، وتارةً حدّثنا، دلَّ على عدم الفرق بينهما. وقول أنس: يرويه، وكذا قول ابن عباس، وقول أبي هريرة: يرويه عن ربكم. يحتمل السماع من الله، والقراءة عليه. أما السماع فظاهرٌ. وأمَّا القراءةُ فكما في قوله: رأيتُ رَبِّي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمدُ فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الكفارات والحدود". فهذه قراءةٌ منه، ولمّا عبّر بلفظ الرّواية عما يحتمل الأمرين صحّ أنَّه لا فرقَ عنده، وإلا لَعُيِّن المراد. وأما حدّثنا ابن عمر ففيه دلالةٌ على أن لفظ التحديث يقال في القراءة والسماع، لأنَّ قوله "حدثوني" معناه القراءة، وقولهم: حدّثنا. فيه معنى السماع. هذا تحقيق المقام. باب: طرح المسألة على أصحابه ليختبرَ ما عندهم من العلم الاختبار: افتعال من الخبرة، وهي المعرفة ببواطن الأمور والاطّلاع عليها. ٦٢ - (خالد بن مَخْلَد) بفتح الميم (إن من الشجر شجرةً لا يسقُطُ ورقُها، وإنَّها مَثَلُ المسلم) في قوله: "لا يسقُطُ ورقُها" إشارة إلى وجه الشبه على ما قدمنا في الباب الذي قبله من رواية السهيلي في مسند الحارث أن رسول الله ﷺ قال: "كما أنها لا يسقط ورقُها كذلك

стр. 142

حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». [طرفه في: ٦١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. ٧ - باب القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً»، قال أبو عبد الله وسمعت أبا عاصم ــ المؤمن لا تسقط دعوته" وإنما أعاد الحديث المتقدم على دأبه في استنباط الأحكام بقدر ما يحتمل لفظ الحديث يورده في كل باب مع اختلاف المشايخ وفيه إشارةٌ إلى كثرة طرق الحديث، وهي فائدة جليلة. ولم ما أن هناك: "فحدثوني" وهنا "حدثوني" بدون الفاء، منشؤه تفاوت حفظ الرواة فإن القصة واحدة بلا خلاف. فلا فَرْقَ في ذلك المراد وإن تغايرت بعضُ الألفاظ. وما يقال: إن تغيَّر الرجال في الإسناد إنَّما هو لاختلاف المقامات، فرواية قُتيبة للبخاري إنَّما كانت في مقام بيانٍ مع التحديث، وروايةُ خالد في مقام طرح المسألة فشيء لا يعقل؛ وذلك أن كلًّا منهما حدث البُخاريّ بما سمع. وقد عرفت أن القصة واحدة، غايتُهُ: أن البُخاريّ يستنبط من الحديث أحكامًا مختلفة مستفادة من الحديث، ويورد الحديث في كل باب إثباتًا لما ترجم له. (فوقع النَّاس في شجر البوادي) وفي بعضٍ: البواد بغير ياء. وفي غير البُخاريّ: "الوادي" عوض البوادي. وفي الحديث دلالة على استحباب امنحان العالم تلاميذه ليعلم ما عند كل واحدٍ من الفهم، وليس من الامتحان المحرم، وهو أن يريد تخجيلَ أخيه المؤمن وإظهار جهله. باب: القراءةُ والعرض على المحدث قال ابن الصلاح: أكثرُ المحدثين يسمي القراءة على الشَّيخ عرضًا. قال العراقي في وجه التّسمية: لأنَّ القارئ يعرض على شيخه، فعلى هذا عطف العرض على القراءة تفسير لئلا يتوهم من القراءة السماع؛ لأنَّه يقال في العرض: قرأ على فلان على طريقة السماع منه. (ورأى الحسن والثوري ومالك القراءةَ جائزةً) الحسن هو البصري حيثُ أُطلق، أبو سعيد الإمامُ، ابنُ يَسَار، والده من بني بنان، كان عبدًا لزيد بن ثابت، وقيل: لابن قطبة.

стр. 143

يذكر عن سفيان الثوري ومالك كانا يريان القراءة والسماع جائزا. حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قريء على المحدث فلا بأس أن يقول حدثني وسمعت وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. ــ قال الذهبي: أعتقته الرّبيع بنت النضر، وأمه خيرة مولاةٌ لأم سلمة أمِّ المؤمنين. قيل: كانت أمه تذهب في الحاجة، فإذا بكى عَلَّلَتْهُ أم سملمة بثديها فيدرّ له اللبن فهو ابنُ رسول الله ﷺ رضاعًا. والثوري: هو الإمام سفيان، نسبه إلى جده الأعلى (واحتجّ بعضهم بالقراءة على العالم بحديث ضِمام بن ثعلبة) بكسر الضَّاد المعجمة وحديثه هو الذي يرويه في الباب. (واحتج مالكٌ بالصَّكِّ) -بالصاد المهملة وتشديد الكاف- قال ابنُ الأثير: هو الكتاب. قلتُ: لا يطلق في العرف إلَّا على كتب الأملاك والأوقاف وسائر المعاملات. (ويُقرأ على المقرئ، فيقول القارئ: أقرأني فلانٌ). فإن قلتَ: هذا كذبٌ فإنَّه لم يقرئه. قلتُ: ليس بكذب؛ فإن معناه: صَيّرني قارئًا بسماعه، إذ لو لم يكن له سماعٌ لا يجوزُ قراءته. (محمد بن سَلَام) بلام مخففة على الأكثر (عُبَيد الله بن موسى) على وزن المصغر. (سمعتُ أبا عاصمٍ يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم وقراءتُهُ عليه سواء) قد فصلنا القولَ فيه في باب قول المحدث بما لا مزيد عليه.

стр. 144

٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ ــ ٦٣ - (عن سعيد المَقْبُريُّ) -بضم الباء وفتحها- لأنَّه كان يسكن بقرب المقابر (عن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر) -بفتح النون وكسر الميم- النَّخعيّ الكوفيّ. قال شيخ الإسلام: شَريك بن عبد الله: صَدُوق إلَّا أنَّه يخطئ كثيرًا تغيّر حفظه منذ وَليَ القضاء بكوفة. وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع (بينما نحن جلوس) قد تقدم أنّ (بَين) ظرف زمان، وألفُهُ ألفُ إشباع، وقد يزاد عليه (ما) ومعناه: المفاجأة (دَخَل رجل على جَمَلٍ فأناخه في المسجد ثم عَقَله) أي: ربطه بالعِقال -بكسر العين- من العقل وهو المنع، ومنه: عقلُ الإنسان؛ لأنَّه يمنعُهُ عن الرذائل (والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم) أصله: ظهريهم زِيدت الألفُ والنون توكيدًا، والمعنى: ظهر منهم خلفه وظهر قُدَّامه. قال ابنُ الأثير: أي: مكفوف من جانبيه، ثم أكثر حتَّى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا. (فقلنا: هذا الرجل الأبيض)، يحتمل أن يكون ذلك لبياض ملبوسه، وأن يكون لبياض لونه. كما قال أبو طالب في وصف لونه: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصبة للأرامل (١) (فقال له الرجل: آبن عبد المطلب) بالنصب على النداء وفتح الهمزة على أنَّه حرف النداء، أو بهمزة الوصل على أن حرف النداء محذوف. وفي رواية أبي داود: "يا ابنَ عبد المطلب". بإثبات حرف النداء (قد أجبتُك) قائمٌ مقامَ لبيك، وإنَّما اختاره على لبيك على

стр. 145

الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. ــ دأب البلغاء يراعون حالَ المخاطب. ولما دَخَل المسجد بالجمل وسأل عن رسول الله ﷺ مع أنه غيرُ ملتبس بأحدٍ، لما عليه من أنوار الرسالة وجلالة القدر، ثم لم يقل: رسول الله ﷺ وأمثاله. بل قال: أيُّكم محمد؟ وكان متكئًا. ولا يمكن أن يكون غيرُهُ متكئًا بحضوره. ونظيرُهُ ما يُحكى عن علي العراقي مع شريح القاضي، لما وَرَد عليه، وقال: أين أنت؟ قال: بينَك وبين الحائط (أنا سائلك فمشدد عليك فلا تَجدْ عليَّ) أي: لا تغضب. يقال: وَجَد عليه وَجْدًا وموجدة أي: غضب (الله أرسك إلى الناس كلهم) يقال بالمدّ وتسهيل الهمزة بين بين قرئ بهما في السبع (قال: اللهم نعم) قوله: نعم، تقريرٌ لما سأله، و"اللهم": في قوة القَسَم، لأن تشديدَهُ في السؤال في قوة الإنكار (قال: أنشدُكُ) وفي بعضها: فقال، يقال: نشدتُ الله. ونشدته بالله. من النشيد وهو رفع الصوت، أو من النشدة وهو الطلب (أن نصليَ الصلوات) أي: بأن. حُذفت الباء كما اطّرد حذف الجار من أنْ وأنَّ (أنْ نصومَ هذا الشهرَ من السنة) يريدُ شهرَ رمضان. وإنما أطلقه لتعينه كقولهم: ركب الأمير (أن تأخذ هذه الصدقة) أي: الزكاة (من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا) استدل به الشافعي على عدم جواز نقل الزكاة، لأنه لما خصّ بفقرائهم قرره رسول الله ﷺ (فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به) بحتمل أن يكون هذا ابتداءَ إسلامه، وأن يكون معناه الاستمرار؛ لأن من يعلم هذه الشرائع يبعُدُ أن لا يكون مؤمنًا (وأنا ضِمام بن ثَعْلبة) أشار إلى أنه من الأشراف المعروفين (أخو بني سعد بن بكر) هذا على طريقة العرب يقولون لمن نشأَ بين أقوام: أخو بني فلان. كقوله تعالى: ﴿أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ [الشعراء: ١٠٦] ﴿ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ونظائرهم. وقيّد سعدًا ببني بكر؛ لأن في
следующие страницы →