Полный текст (5 311 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ،
ــ
أُخَر بعيدةً، ونَقَل السُّهيلي عن سنن الحارث بن أسامة مرفوعًا أن رسول الله ﷺ بيَّن وَجْهَ الشَّبه، وقال: "كما أن النخلةَ لا يَسْقُطُ ورقُها، كذلك المؤمن لا تسقط دعوتُهُ". وهذا محمولٌ على أن الله تعالى إما أن يعطيه ما مسألة، وإما أن يدخر له في الآخرة، أو في العاقبة ما هو أنفع له، وإلا فكم من شيء يسأله الإنسانُ ولا يحصُلُ له.
فإن قلتَ: غرضُ البُخاريّ إثباتُ عدم الفرق بين هذه الألفاظ قراءةً وسماعًا. وما ذكره ليس فيه دلالة على قراءة المحدث، بل كلّها سماعات. قلتُ: قال بعضُهم: حيث نَقَل مذهب الاتحاد من غير رَدٍّ، وغير ذكر المخالف أشعَرَ بأن مَيْلَهُ إلى عدم الفرق. قلتُ: هذا كلامُهُ لا طائل تحته؛ فإن المحققين من أهل هذا الشأن نقلوا أن مذهبَهُ عدمُ الفرق، فالوجه: أن يكون في أحاديث الباب دلالةٌ على ذلك. فالحقُ أن قول ابن مسعود تارةً سمعتُ، وتارةً حدّثنا، دلَّ على عدم الفرق بينهما. وقول أنس: يرويه، وكذا قول ابن عباس، وقول أبي هريرة: يرويه عن ربكم. يحتمل السماع من الله، والقراءة عليه. أما السماع فظاهرٌ. وأمَّا القراءةُ فكما في قوله: رأيتُ رَبِّي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمدُ فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الكفارات والحدود". فهذه قراءةٌ منه، ولمّا عبّر بلفظ الرّواية عما يحتمل الأمرين صحّ أنَّه لا فرقَ عنده، وإلا لَعُيِّن المراد. وأما حدّثنا ابن عمر ففيه دلالةٌ على أن لفظ التحديث يقال في القراءة والسماع، لأنَّ قوله "حدثوني" معناه القراءة، وقولهم: حدّثنا. فيه معنى السماع. هذا تحقيق المقام.
باب: طرح المسألة على أصحابه ليختبرَ ما عندهم من العلم
الاختبار: افتعال من الخبرة، وهي المعرفة ببواطن الأمور والاطّلاع عليها.
٦٢ - (خالد بن مَخْلَد) بفتح الميم (إن من الشجر شجرةً لا يسقُطُ ورقُها، وإنَّها مَثَلُ المسلم) في قوله: "لا يسقُطُ ورقُها" إشارة إلى وجه الشبه على ما قدمنا في الباب الذي قبله من رواية السهيلي في مسند الحارث أن رسول الله ﷺ قال: "كما أنها لا يسقط ورقُها كذلك
стр. 142
حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». [طرفه في: ٦١]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
٧ - باب القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ
وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً»، قال أبو عبد الله وسمعت أبا عاصم
ــ
المؤمن لا تسقط دعوته" وإنما أعاد الحديث المتقدم على دأبه في استنباط الأحكام بقدر ما يحتمل لفظ الحديث يورده في كل باب مع اختلاف المشايخ وفيه إشارةٌ إلى كثرة طرق الحديث، وهي فائدة جليلة. ولم ما أن هناك: "فحدثوني" وهنا "حدثوني" بدون الفاء، منشؤه تفاوت حفظ الرواة فإن القصة واحدة بلا خلاف. فلا فَرْقَ في ذلك المراد وإن تغايرت بعضُ الألفاظ. وما يقال: إن تغيَّر الرجال في الإسناد إنَّما هو لاختلاف المقامات، فرواية قُتيبة للبخاري إنَّما كانت في مقام بيانٍ مع التحديث، وروايةُ خالد في مقام طرح المسألة فشيء لا يعقل؛ وذلك أن كلًّا منهما حدث البُخاريّ بما سمع. وقد عرفت أن القصة واحدة، غايتُهُ: أن البُخاريّ يستنبط من الحديث أحكامًا مختلفة مستفادة من الحديث، ويورد الحديث في كل باب إثباتًا لما ترجم له.
(فوقع النَّاس في شجر البوادي) وفي بعضٍ: البواد بغير ياء. وفي غير البُخاريّ: "الوادي" عوض البوادي. وفي الحديث دلالة على استحباب امنحان العالم تلاميذه ليعلم ما عند كل واحدٍ من الفهم، وليس من الامتحان المحرم، وهو أن يريد تخجيلَ أخيه المؤمن وإظهار جهله.
باب: القراءةُ والعرض على المحدث
قال ابن الصلاح: أكثرُ المحدثين يسمي القراءة على الشَّيخ عرضًا. قال العراقي في وجه التّسمية: لأنَّ القارئ يعرض على شيخه، فعلى هذا عطف العرض على القراءة تفسير لئلا يتوهم من القراءة السماع؛ لأنَّه يقال في العرض: قرأ على فلان على طريقة السماع منه.
(ورأى الحسن والثوري ومالك القراءةَ جائزةً) الحسن هو البصري حيثُ أُطلق، أبو سعيد الإمامُ، ابنُ يَسَار، والده من بني بنان، كان عبدًا لزيد بن ثابت، وقيل: لابن قطبة.
стр. 143
يذكر عن سفيان الثوري ومالك كانا يريان القراءة والسماع جائزا. حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قريء على المحدث فلا بأس أن يقول حدثني وسمعت وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
ــ
قال الذهبي: أعتقته الرّبيع بنت النضر، وأمه خيرة مولاةٌ لأم سلمة أمِّ المؤمنين. قيل: كانت أمه تذهب في الحاجة، فإذا بكى عَلَّلَتْهُ أم سملمة بثديها فيدرّ له اللبن فهو ابنُ رسول الله ﷺ رضاعًا. والثوري: هو الإمام سفيان، نسبه إلى جده الأعلى (واحتجّ بعضهم بالقراءة على العالم بحديث ضِمام بن ثعلبة) بكسر الضَّاد المعجمة وحديثه هو الذي يرويه في الباب.
(واحتج مالكٌ بالصَّكِّ) -بالصاد المهملة وتشديد الكاف- قال ابنُ الأثير: هو الكتاب.
قلتُ: لا يطلق في العرف إلَّا على كتب الأملاك والأوقاف وسائر المعاملات.
(ويُقرأ على المقرئ، فيقول القارئ: أقرأني فلانٌ).
فإن قلتَ: هذا كذبٌ فإنَّه لم يقرئه. قلتُ: ليس بكذب؛ فإن معناه: صَيّرني قارئًا بسماعه، إذ لو لم يكن له سماعٌ لا يجوزُ قراءته.
(محمد بن سَلَام) بلام مخففة على الأكثر (عُبَيد الله بن موسى) على وزن المصغر.
(سمعتُ أبا عاصمٍ يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم وقراءتُهُ عليه سواء) قد فصلنا القولَ فيه في باب قول المحدث بما لا مزيد عليه.
стр. 144
٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ
ــ
٦٣ - (عن سعيد المَقْبُريُّ) -بضم الباء وفتحها- لأنَّه كان يسكن بقرب المقابر (عن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر) -بفتح النون وكسر الميم- النَّخعيّ الكوفيّ. قال شيخ الإسلام: شَريك بن عبد الله: صَدُوق إلَّا أنَّه يخطئ كثيرًا تغيّر حفظه منذ وَليَ القضاء بكوفة. وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع (بينما نحن جلوس) قد تقدم أنّ (بَين) ظرف زمان، وألفُهُ ألفُ إشباع، وقد يزاد عليه (ما) ومعناه: المفاجأة (دَخَل رجل على جَمَلٍ فأناخه في المسجد ثم عَقَله) أي: ربطه بالعِقال -بكسر العين- من العقل وهو المنع، ومنه: عقلُ الإنسان؛ لأنَّه يمنعُهُ عن الرذائل (والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم) أصله: ظهريهم زِيدت الألفُ والنون توكيدًا، والمعنى: ظهر منهم خلفه وظهر قُدَّامه. قال ابنُ الأثير: أي: مكفوف من جانبيه، ثم أكثر حتَّى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا. (فقلنا: هذا الرجل الأبيض)، يحتمل أن يكون ذلك لبياض ملبوسه، وأن يكون لبياض لونه. كما قال أبو طالب في وصف لونه:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصبة للأرامل (١)
(فقال له الرجل: آبن عبد المطلب) بالنصب على النداء وفتح الهمزة على أنَّه حرف النداء، أو بهمزة الوصل على أن حرف النداء محذوف. وفي رواية أبي داود: "يا ابنَ عبد المطلب". بإثبات حرف النداء (قد أجبتُك) قائمٌ مقامَ لبيك، وإنَّما اختاره على لبيك على
стр. 145
الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
ــ
دأب البلغاء يراعون حالَ المخاطب. ولما دَخَل المسجد بالجمل وسأل عن رسول الله ﷺ مع أنه غيرُ ملتبس بأحدٍ، لما عليه من أنوار الرسالة وجلالة القدر، ثم لم يقل: رسول الله ﷺ وأمثاله. بل قال: أيُّكم محمد؟ وكان متكئًا. ولا يمكن أن يكون غيرُهُ متكئًا بحضوره. ونظيرُهُ ما يُحكى عن علي العراقي مع شريح القاضي، لما وَرَد عليه، وقال: أين أنت؟ قال: بينَك وبين الحائط (أنا سائلك فمشدد عليك فلا تَجدْ عليَّ) أي: لا تغضب. يقال: وَجَد عليه وَجْدًا وموجدة أي: غضب (الله أرسك إلى الناس كلهم) يقال بالمدّ وتسهيل الهمزة بين بين قرئ بهما في السبع (قال: اللهم نعم) قوله: نعم، تقريرٌ لما سأله، و"اللهم": في قوة القَسَم، لأن تشديدَهُ في السؤال في قوة الإنكار (قال: أنشدُكُ) وفي بعضها: فقال، يقال: نشدتُ الله. ونشدته بالله. من النشيد وهو رفع الصوت، أو من النشدة وهو الطلب (أن نصليَ الصلوات) أي: بأن. حُذفت الباء كما اطّرد حذف الجار من أنْ وأنَّ (أنْ نصومَ هذا الشهرَ من السنة) يريدُ شهرَ رمضان. وإنما أطلقه لتعينه كقولهم: ركب الأمير (أن تأخذ هذه الصدقة) أي: الزكاة (من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا) استدل به الشافعي على عدم جواز نقل الزكاة، لأنه لما خصّ بفقرائهم قرره رسول الله ﷺ (فقال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به) بحتمل أن يكون هذا ابتداءَ إسلامه، وأن يكون معناه الاستمرار؛ لأن من يعلم هذه الشرائع يبعُدُ أن لا يكون مؤمنًا (وأنا ضِمام بن ثَعْلبة) أشار إلى أنه من الأشراف المعروفين (أخو بني سعد بن بكر) هذا على طريقة العرب يقولون لمن نشأَ بين أقوام: أخو بني فلان. كقوله تعالى: ﴿أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ [الشعراء: ١٠٦] ﴿ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ونظائرهم. وقيّد سعدًا ببني بكر؛ لأن في
стр. 146
وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
ــ
العرب سعودًا كثيرة، وفي المثل: بكل وادٍ سعدٌ. إشارةً إلى الكثرة. وهؤلاء أخوال رسول الله ﷺ رضاعًا منهم حليمة السعدية أمُّه رضاعًا. وهم أفصَحُ العرب. قال رسول الله ﷺ : "أنا أفصَحُ العرب بيدَ أني من قريش، ورضعتُ في بني سعد". وكأنّ ضمامًا ذكرهم تذكيرًا لرسول [لله ﷺ ] بسابق حقهم عليه.
فإن قلتَ: لم يذكر الحج. قلتُ: قد مَرَّ أن وفود العرب كان سنة تسع بعد حج أبي بكر، ولم يكن الحج فرض كذا قيل. وليس بصواب لوقوع الحج في رواية مسّلم، وقيل: أو لأنه لم يكن ضمامٌ من أهل الاستطاعة. وليس بشيءٍ؛ لأنه رسولُ مَنْ وراءه من قومه. قال ابن الصلاح: وفيه دليل على صحة إيمان المقلد. قلتُ: لا دلالة فيه؛ لأن المقلد الذي فيه الخلاف هل يقبل إيمانه؟ ليس في مقابلة من يقدر على الاستدلال. وليس المراد بالاستدلال ترتيب المقدمات على طريقة أهل المنطق، بل المراد به انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثّر. قال التفتازاني: فعلى هذا لا يتصور أن يكون أحدٌ من أهل الأمصار والقرى، ومن نَشَأَ بين المسلمين في الجملة مقلدًا، وإنما يتصوّر أن يكون نشأ في شاهقٍ من الجبل، ولم يتفكر في ملكوت السماوات والأرض، ثم أخبره وصدّقه بمجرد الإخبار من غير تفكر.
فإن قلتَ: كيف آمن من غير وقوف على معجزة منه؟ قلتُ: معجزاته كانت قد تواترت عندهم، فلذلك لم يسأله إلا عن شرائع الإسلام. واعلم أن الإيمان به لا يتوقف على إظهار المعجزة، وكم مؤمنٍ به من غير طلب معجزة كالصديق وأبي ذرٍ، وذلك أن المعجزة تصديق من الله لمن ينكر رسالته.
وإنما لم يروه عنه موصولًا، لأنه يرويه عن سليمان بن المغيرة وليس على شرطه، وليس في الحديث دلالةٌ على طهارة أبوال الإبل، لأنه ليس فيه أنه بَالَ الجملُ، فسقَطَ استدلالُ ابن بطال على ذلك.
(رواه موسى) هو ابن إسماعيل شيخ البخاري (وعلي بن عبد الحميد) الأزدي المعني (عن سليمان) ابن المغيرة (عن ثابت) -بالثاء المثلثة-البناني -بضم الباء- نسبةً إلى بُنانة،
стр. 147
٨ - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ
ــ
بطنٌ من قريش. قال أبو الفضل المقدسي: بنانة هو أسعد بن لؤي بن غالب.
باب: ما يُذكر في المناولة
المناولةُ لغةً: إعطاءُ شيءٍ من يدٍ إلى يدٍ من النَّول وهو العطاء. واصطلاحًا عند أهل هذا الفن: قسم من أقسام الأخذ والتحمُّل. وهي على قسمين؛ مقرونة بالإجازة وعاريةٌ عنها. فالأُولى أعلى أنواع الإجازة ولها صورٌ أعلاها أن يناوله شيئًا من سماعاته أصلًا أو فرعًا مقابلًا به، ويقول له: خذ هذا فإنه سماعي أو روايتي فاروه عني، وأما المناولةُ المجردة وهي أن يناوله شيئًا من سماعه ويقول: هذا سماعي أو روايتي ولم يقل له: اروه عني ونحوهما مما يدلّ على الإذن والإجازة. فذهَبَ الخطيب وطائفةٌ إلى جواز الرواية بها.
وقال ابنُ الصلاح: لا يعتد بها. وكذا قاله النووي في "التقريب" وإن ذَهَب إلى الجواز بعضُ أرباب الأصول. ثم اختلفوا في عبارة الراوي بطريق المناولة: هل يجوزُ له أن يقول: حدثنا فلان، وأخبرنا من غير ذكر المناولة أو لا بدله من ذلك؟ فذهب مالكٌ وآخرون إلى جوازه.
قال العراقي: والمختار الذي عليه عمل الجمهور واختاره أهلُ الورع: المنعُ من ذلك. وصورة ذكرها: أن يقول الراوي: أخبرنا فلانٌ مناولةً. وهل الروايةُ بها تحل محل السماع؟ فيه خلافٌ. قال ابن الصلاح: فالصحيحُ أنها دون السماع درجةً، وإن ذهب مالكٌ مع طائفةٍ إلى أنها في رتبة السماع.
(وكتابِ أهل العلم بالعلم إلى البلدان) هذا شِقٌّ آخر للترجمة وهو أيضًا نوعٌ من أنواع التحمل. قال العراقي: الكتابة شبيهةٌ بالمناولة وهي أيضًا قسمان: مقرونة بالإجازة، ومجردة عنها. وكلاهما مقبولان في حكم الحديث الموصول عندهم. واستدل البخاري على هذا بقول أنسٍ: (كتب عثمانُ المصاحفَ فبَعَثَ بها إلى الآفاق) بَعَثَ واحدًا إلى مكة، وآخر إلى كوفة، وآخر إلى بصرة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى يمن، وآخر إلى البحرين (ورأى عُبيد الله بن عمير) بضم العين على وزن المصغر (ويحيى بن سعيد، ومالكٌ ذلك جائزًا) قد ذكرنا أنه قول الجمهور.
(واحتجّ بعضُ أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ﷺ حيث كَتَبَ لأميرِ) قال
стр. 148
السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ». [الحديث ٦٤ - أطرافه في: ٢٩٣٩ - ٤٤٢٤ - ٧٢٦٤].
ــ
الشافعي: إنما سميت البلاد المذكورة حجازًا، لأنها حجزتْ بين النجد والغور قال: وهي مكة والمدينة واليمامة وأريافها كالطائف لمكة، وخيبر للمدينة، وفي رواية عروة: "إذا سِرْتَ يومين فافتح الكتابَ" (السرية كتابًا وقال: لا تقرأْهُ حتى تبلغ مكان كذا وكذا) الأمير هو: عبد الله بن حُذَافة السَّهمي. والسرية: قد ذكرنا أنها من السّرو وهو الشرف؛ لأنها خيار الجيش، وأن أقصاها أربعمئة. قال البهي: هذا الاحتجاج ضعيفٌ؛ لأن التبديل كان غير متوهم في ذلك العهد لعدالة الصحابة. قلتُ: والكلام في نقل العدول في أي عهد كان.
٦٤ - (إبراهيم بن سعد) هو سبط عبد الرحمن بن عوف (عُبَيد الله بن عبد الله) الأول: مصغر (أن رسول الله ﷺ -بعث بكتابه رجلًا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين) الرجل المذكور هو: عبد الله بن حذافة كما سيأتي. وإنما قال: عظيم البحرين، ولم يقل: ملك؛ لأن الملوك كلُّها عُزلت بعد البعثة ولا ملكَ إلا لمن ولاّه رسول الله ﷺ -كما ذكرنا في قصة هرقل. وهذا أيضًا من قبيل الكتابة لا من قبيل المناولة. وقد ذكرنا أن حكم الكتابة حكمُ المناولة ما كان دليلًا لإحداهما دليل الأخرى (فدفعه عظيمُ البحرين إلى كسرى) -بفتح الكاف وكسرها- معرب خسرو من ألقاب ملوك الفرس كقيصر لمن ملك الروم، والنجاشي لملك الحبشة، واسمه بُرويز بن هرمز بن أنوشروان (فلما قرأه مَزَّقه) اْي: خَرَقَهُ. يقال: مَزَقَهُ مخففًا والتشديد للمبالغة (فحسِبْث أن ابنَ المسيَّب قال: فدَعَا عليهم رسولُ الله ﷺ أن يمَزَّقُوا كل مُمَزقٍ) قائلُ هذا الكلام: الزهريُ، ذكره البخاري تعليقًا، والضمير في عليهم لكسرى
стр. 149
٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ. [الحديث ٦٥ - أطرافه في: ٢٩٣٨ - ٥٨٧٠ - ٥٨٧٢ - ٥٨٧٤ - ٥٨٥٧ - ٥٨٧٧ - ٧١٦٢].
ــ
وأتباعه، وكذا جرى؛ فإنه قتله ابنه شيرويه خرق بطنه لينكح امرأته شيرين، ثم مات بعده نسله وانقرضتْ دولتهم وانقطع الملك عنهم ولا يملك بعدهم فارسي إلى آخر الدهر. صلى الله على صاحب المعجزات سيد المرسلين.
قال ابن بَطّال: وفيه دلالة على أن كتاب الحاكم إلى حاكم آخر يجوزُ أن يكون بإخبار الواحد، ولا يُشترط أن يكون معه شاهدان كما يفعله القضاة الآن. قلتُ: ليس في الحديث على ذلك دليلٌ؛ إذ لا خصم هنا، بل هذا من قبيل الأخبار التي يقبل فيها خبر الواحد. كيف وهذا من قبيل آداب الملوك من إرسال الرسل بالكتب مع عدم علمهم بما في الكتاب؟!
٦٥ - (محمد بن مقاتل) أبو الحسن بضم الميم وكسر التاء (كتب النبي ﷺ -كتابًا، أو
أراد أن يكتب) الشكُّ من أنس (فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا إذا كان مختومًا، فاتخذَ خاتمًا نقشُهُ: محمد رسول الله) يجوزُ في الخاتم كسر التاء وفتحها. سيأتي أن نقشَهُ كان ثلاثةَ أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر (كأني أنظرُ إلى بياضه في يده) فيه دلالة على زيادة علمه بالقضية. والمراد من الختم: علامة المرسل كما يرى الآن في كتب ملوك الفرس، لا الختم المانع من الاطلاع على ما في الكتاب؛ إذ لو كان المراد ذلك لم يحتجْ إلى الخاتم، بل كان يكفي العنوان كما يفعله الآن ملوكُ مصر.
стр. 150
٩ - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟
ــ
باب: مَنْ قَعَدَ حيثُ ينتهي به المجلسُ، ومن رأى فُرْجَةً في الحَلْقة فجَلَسَ بها الفرجةُ -بضم الفاء وفتحها- لغتان كالفُرفة، والفرجة: المكان الخالي. والحَلْقة -بفتح الحاء وسكون اللام- جمع على حِلَق -بكسر الحاء وفتح اللام- وهم الجماعة المستديرون. وقال الجوهري: جمعه حلق -بفتح الحاء- على غير قياس. وحُكي عن أبي عمرو: فتحُ الحاء في مفرده. وقال الشيباني: ليس في كلام العرب حلق بفتح الحاء إلا جمع حالق.
٦٦ - (أنّ أبا مُرّة) بضم الميم وتشديد الراء (مولى عَقِيل بن أبي طالب) بفتح العين وكسر القاف كذا أطلقه النووي. وقال شيخ الإسلام: ويقال: مولى أخته أمّ هانئ، وإنما أضيف إلى عَقيل للزومه إياه (عن أبي واقدٍ) -بالقاف هو الليثي صحابيٌّ مكرَّم. واسمُهُ الحارث بن مالك. وقيل: اسمُهُ عوف (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ) أي: في زمان قد ذكرنا أنه ظرف زمان فيه معنى المفاجأة، وألفه للإشباع وما زائدة (أقببل ثلاثةُ نفَرٍ) -بفتح النون والفاء-: اسم جمعٍ يقعُ على الرجال خاصةً ما بين الثلاثة إلى العشرة. الإضافة فيه بيانية كما في ثلاثة رجال، وإنما وقع تمييزًا لثلاثة، لأنه في معنى الجمع كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] (قال: أَلَا أخبركم بالنفر الثلاثة) همزة الاستفهام دخلت على النفي أفادت الإثبات. ومعني هذا الكلام العرض كما في قولك: ألا تنزل بنا فتصب خيرًا، ومحصّله: تحقيق الإخبار منه، وحمله على تنبيه المخاطبين أو على الاستفهام
стр. 151
أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». [الحديث ٦٦ - طرفه في: ٤٧٤]
ــ
ليوطئ الكلام كأنه قال: ألا أخبركم؟ قالوا: أخبرنا [....] (أما أحدهم فآوى إلى الله) مقصور أي: رجع والتجأ إلى الله، لازم. وقد جاء متعديًا كقوله في الحديث: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ حتى تؤويه الجرين" وفي الحديث أيضًا: "لا يأوي الضالة إلاّ ضال". قال الأزهري: لغةٌ فصيحة. قلتُ: كفاها فصاحةً تكلّمَ سيدُ الفصحاء بها (فآواه الله) قال القاضي: الأشهر فيه المدّ، وفي الأول القصرُ، وإن كان في كل منهما الوجهان، لكن ابن الأثير لم يقل: الوجهان إلا في الأول، وهو ظاهرُ كلام الجوهري؛ لأنه قال: آوى فلانٌ إلى منزله، وآويته بالمد، وأويته بالقصر (وأما الآخر فاستحيا فاستحيا اللهُ منه) قد تقدم في كتاب الإيمان أن الحياء غريزة في الإنسان تمنعه من ارتكاب ما يلام به وهو من الأعراض النفسانية التي يستحيل اتصافُ الباري تعالى به، فالمراد لازمه وهو ترك العقاب والإكرام والعلاقة اللزوم الذي أشرنا إليه، وإنما ذكره بلفظه مشاكلة.
ومنهم من قال: فإن قلتَ: ما العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازى؟ قلتُ: اللزوم. ثم قال: فإن قلت: هذا من أيّ أنواع المجاز؟ قلتُ: من باب المشاكلة فالقول ما أشرنا إليه من أنّ العلاقة هو اللزوم، والتعبيرُ بلفظ الاستحياء للمشاكلة لوقوعه في مجاورة استحياء الرجل. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] ليس فيه مشاكلة مع بقاء المعنى المجازي المستند إلى اللزوم، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] بعد قوله تعالى حكايةً عن قول المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
(وأما الآخر) بفتح الهمزة والخاء أفعل التفضيل في الأصل، ولكن اتسع فيه فأطلق على كل واحد من الشيئين أو الأشياء، ولذلك أطلقه على الثاني أيضًا (فأعرَضَ فأعرَضَ اللهُ عنه) معنى أعرض الله: عدم اللطف به، وكونه في معرض سخطه، لأنه ترك ذلك المجلس الذي حقه أن يسعى إليه مشيًا على القدم.
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن فوائد الحديث أن الإنسان إذا حَضَر مجلسَ علمٍ أو غيره إن وَجَد فُرْجَةً جلس فيها، وإلا لا يتخطّى الناس، بل يجلسُ خَلْفهم، وإذا وجد مجلس ذكر أو علم لا يولي ذاهبًا إلا لضرورة أكيدة.
فإن قلت: ربما كانت لمن ولى ضرورة؟ قلت: لو لم يعلم أنه إنما ذَهَبَ معرضًا لم يقل له ما قاله، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.
باب: قول النبي ﷺ : "رُبّ مُبَلَّغ أوعى مِن سَامِعٍ"
رُبَّ أصله التقليل ثم كثُر استعمالُهُ في التكثير، كما في الحديث هنا، وما دَخَله يكون موصوفًا غالبًا، وهو حرف جر عند البصريين، ويتعلقُ بجوابه الماضي، وقد يحذف كما في الحديث هنا. أي: رُبَّ مبلَغ حاصل أو موجود. واسم عند الكوفيين مضاف يكون أبدًا مبتدأ، ما بعده خبره. و"مُبَلَّغ" -بفتح اللام- يقال: بلغ كذا متعديًا إلى مفعول واحد. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢] وإذا نقل إلى المزيد تعدى إلى مفعولين. قال النابغة يخاطب النعمان بن المنذر:
لئن كنت قد بُلِّغتَ عني خيانة
وليس من قبيل الحذف والإيصال كما توهم.
قال بعضُهم: تقديره: رُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع مني. لا بد من هذا القيد، لأنه المقصود. وليس بشيء لأن مراده من هذا الكلام: الحث على التبليغ إلى آخر الدهر، ولهذا نكّر كلَّ واحدٍ من الاسمين، يدلّ على ما ذكرنا رواية الإمام أحمد وابن ماجه والطبراني: "رُب حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه" فإن قلتَ: فقد جاء في رواية أبي داود والترمذي: "نَضَّر اللهُ أمرأَ سمع منّي شيئًا فبلّغه كما سمعه"؟ قلت: لا دلالة في هذا فإنه أردفَهُ بقوله: (رب
стр. 153
١٠ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ،
ــ
مبلغ) ليدل على العموم في كل وقت، ولو كان مقصورًا على السماع منه لم يذكر هذا بعده، لأن قيده بالسماع منه أولًا مانع منه.
٦٧ - (مسدّد) بفتح الدال على وزن المفعول (بِشْر) بكسر الموحدة وشين معجمة (ابن عون) -بفتح العين- عبد الله الفقيه المعروف (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة) هو: نُفَيع بن الحارث، أمه سمية أم الحارث بن كلدة، أخو زياد بن أبيه عتيق رسول الله ﷺ ، نَزَل من حِصْنِ الطالْف على بَكْرَةٍ، فكَنَّاه رسول الله ﷺ : أبو بكرة (ذكر أن رسول الله ﷺ قَعَد على بعيره، وأخذ إنسان بخِطَامه أو بزمامه) الشكُ من أبي بكرة. وكذا قيل. قال شيخُ الإسلام: والصوابُ خلافُهُ لما رَوَى الإسماعيلي أنّ أبا بكرة هو الآخذُ بالخِطَام، فلا يمكن الشكُ فيه. والخِطام -بكسر الخاء- حبلٌ من ليف أو من غيره، في أحد طَرَفَيْه حَلْقة يشدُّ فيها الطرفُ الآخر، ثم يثنى على خطمه، والخطم الأنف. قال كعب بن زُهَير:
من خطمها ومن اللحيين برطيل
والزمام خيط رقيق يجعل في أنف البعير. وإنما أمسك إنسانٌ بخطامه لئلا يتحرك البعيرُ، فيُشوشَ عليه في الكلام (أيُّ يومٍ هذا) ثم (أيُّ شهرٍ هذا) مراده من هذا: استحضارُ أفهام الحاضرين لئلا يفوتهم شيءٌ من مقالته، ولهذا رغَّب في آخر الحديث كلَّ أحدٍ وحَثَّهُ: (فإن دماءَكم أموالكم وأعراضَكم) جمع عِرض -بالكسر- وهو موضع المدح والذم من
стр. 154
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ». [الحديث ٦٧ - أطرافه في: ١٠٥ - ١٧٤١ - ٣١٩٧ - ٤٤٠٧ - ٤٦٦٢ - ٥٥٥٠ - ٧٠٧٨ - ٧٤٤٧].
١١ - بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ «وَأَنَّ
ــ
الإنسان. والمراد من الحديث: القَدْحُ في محل المدح. قال عنترة:
وعرضي وافر لم يُكْلَم
ولا بُدّ من تقدير مضاف، أي: سفك دمائكم وأخذَ أموالكم، والقدحَ في أعراضكم. (كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) اليوم يوم النحر كما سيأتي صريحًا، والشهرُ: ذو الحجة، والبلد: مكة.
فإن قلتَ: المشبّه أقوى وأغلظ من المشبه به في وجه الشبه الذي هو الحرمة. قلتُ: كذلك ولا ضيرَ؛ لأن المرادَ إلحاق الخفي بالأشهر لا الناقصِ بالكامل، وكان حرمةُ هذه الأشياء أمرًا جليًّا عندهم، بخلاف سفك الدم وأخذِ المال والقدح في الأعراض.
(ليبلّغ الشاهدُ الغائبَ) أي: هذه المقالةَ، حُذفت للعلم بها. أو كل ما سمع حذف للعموم. والأمر للوجوب، دلّ عليه الآياتُ والأحاديث الواردةُ في كتمان العلم، وإنما خَطَبَ على البعير ليكون بارزًا، يَفْهَمُ مقالتهُ كلُّ حاضر.
باب: العلمُ قبل القول والعمل
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]) استدل به على أن العلم قبل العمل، لأن الله تعالى خاطَبَ أعلمَ الخَلْق به، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ والاستغفار يكون فعل القلب واللسان.
فإن قلت: رسول الله ﷺ كان عالمًا بهذا الحكمِ قبل هذا الخطاب؟ قلتُ: له نظائر يُخاطَبُ هو ويراد أمتُه، أو أُريدَ به الدوام والثبات عليه، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾
стр. 155
العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]
ــ
[الأحزاب:١] أو الترقي بالتأمل في دلائل التوحيد.
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحدُ (١)
(وإن العلماء هم ورثة الأنبياء) وإن: بالكسر. هذا حديثٌ رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد (٢) أدخله في الترجمة دلالة على فضل العلم (ورّثوا العلم) بالتشديد أي: ليس المراد وراثة المال كما هو المتعارف (من أخَذَه أَخَذَ بحظٍ وافرٍ) لأنه سببٌ لسعادة الدارين، وأيّ حظ وافر منه. وإن كنتَ في ريب فتأمل في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] (ومن سَلَكَ طريقًا يطلب به علمًا سَهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنة) أي: نوعًا من العلوم الشرعية، أو ما يتوقف معرفتها عليه كعلم العربية (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]) استُدلّ بحصر الخشية في العلماء على فضل العلم، لأن نتيجته الخشية من الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والمراد بها: الخشية الكاملة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]) الضمير: للأمثال المتقدمة، ودلالته على فضل العلم ظاهرة. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]، أي: لو كنا نعلم ونعقل الآيات والنذر؛ إذ لا شك أنهم كانوا أعقل الناس بأمور الدنيا، وناهيك بفعل شيء يمنع عن الدخول في زُمرة الأشقياء أصحاب السعير. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] الاستفهام للإنكار أي: لا مساواة بين الطائفتين بوزن، وهذا الحكم دمان كان معلومًا لكل واحد، ولكن سيق الكلام حَثًّا للجاهل على التعلّم، فليس المراد بالإخبار فائدة ولا لازمها.
стр. 156
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ " وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ علماء،
ــ
(وقال النبي ﷺ : من يُرد اللهُ به خيرًا يفقهه في الدين) هذا حديث ذكره فيما بعدُ من طريق سعيد بن عُفَير أورده هنا تعليقًا استظهارًا لما هو بصدد إثباته من فضل العلم، "وإنما العلم بالتعلّم" هذا حديث رواه أبو نعيم في كتاب "رياضة المتعلم" وتمامه: "والحلم بالتحلم" رواه الطبراني بأطول منه في "الكبير" عن معاولة: "إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (وقال أبو ذر: لو وضعتُم الصَّمْصَامَةَ على هذه -وأشار إلى قفاه-) الصِّمصامة -بكسر المهملة- السيف القاطع، والجمع صماصم. والصِّمصام عند العرب: سيف عمرو بن معد يكرب. (أُنْفِذُ كلمةً سمعتُها من رسول الله ﷺ قبلَ أن تجيزوا عليَّ لأُنْفذْتُها) بضم الهمزة وإسكان النون.
فإن قلت: على ماذا يدل هذا الكلام؟ قلتُ: يدل على فضل العلم، فإن أبا ذر لا يفعل هذا إلا لفضيلة بتعليم العلم. ويلزم منه فضل العلم من باب الأولى، رُوي في "الحلية" أن عثمان كان نهى أبا ذر عن الإفتاء، فأفتى الناس. فاعترض عليه رجل، فقال أبو ذر هذا الكلام.
(وقول النبي ﷺ ) عطف على قوله: لقول الله، في صدر الباب (ليبلّغ الشاهد الغائب) هذا حديثٌ تقدم في الباب قبله مسندًا (وقال ابن عباس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] حكماء فقهاء). الرباني نسبةً إلى الرب، والتعبير فيه للنسبة، والحكمة علم الشرائع، وقيل: صحةُ الفعل والقول، وذكر الفقه بعده من ذكر الخاص بعد العام. وفي بعض الروايات:
стр. 157
وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ".
١٢ - بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
ــ
حُلماء باللام، وكأنه قدّمه لأن زينة العلم إنما تكون به (ويقال: الرَّباني الذي يُربي الناس بصغار العلم قبل كباره) فعلى هذا: النسبة فيه إلى الربّ. مصدر رَبَّ بمعنى التربية، وعلى الوجهين دلالته على فضل العلم ظاهرة.
فإن قلت: لم يورد في الباب حديثًا مسندًا؟ قلتُ: الآياتُ والأحاديث الدالة على فضل العلم في غاية الكثرة، فأورد بعض آياتٍ واكتفى بالأحاديث المعلقة اختصارًا.
وقال بعضُ الشارحين: فإن قلت: هذا كله هو الترجمة فأين ما هذه ترجمة؟ قلتُ: إما أنه أراد أن يلحق الأحاديث المناسبة فلم يتفق له، وإما أنه للإشعار بأنه لم يثبتْ عنده شيء بشرطه. هذا كلامه وخبطه ظاهر. أما الأول: فليس المذكور كلّه ترجمة الباب، كيف وقد استدلَّ على الترجمة بقوله: لقوله تعالى؟ بل إنما ترجم لقوله: العلم قبل القول والعمل، وقوله: "وإن العلماء ورثة الأنبياء" لا غير.
وأما ثانيًا فلأنه أورد في الباب تعليقًا قوله ﷺ : "ليبلغ الشاهد الغائب" وقد رواه في الباب الذي قبله مسندًا، وكذا قوله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" سيرويه عن قريب مسندًا عن سعيد بن عُفَير (٢)، فكيف يصحّ أن يقال: لم يتفق له الأحاديث المناسبة، أو لم يجد على شرطه شيئًا؟.
باب: ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا يَنْفِرُوا
٦٨ - التخول -بالخاء المعجمة- من الخول وهو الحفظ. قال الجوهري: فُلان خوّل على أهله، وهو خال مال، وخائل مال، وخولي. وقال ابن الأثير في "النهاية" قال أبو عمرو: الصواب بالحاء المهملة أي: يتطلب حال نشاطنا، قال: وكان الأصمعي كذا، قيل:
стр. 158
وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا». [الحديث ٦٨ - طرفاه في: ٧٠ - ٦٤١١]
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا». [الحديث ٦٩ - طرفه في: ٦١٢٥]
ــ
قال شيخ الإسلام: والصوابُ: الثوري لأن محمد بن يوسف الفريابي، وإن كان يروي عن السفيانيين إلا أنه إذا أطلق يريد الثوري يرويه (يتخوننا) من الخيانة، والمعنى: كان يتجنب الخيانة في الموعظة، أي: لا يَعظهم إلا في حالة نشاطهم لئلا يفوتهم، قال شيخ الإسلام: والصواب رواية الأعمش بالخاء المعجمة واللام (سفيان) هو ابن عُيينة، فإن محمد بن يوسف عنه يروي (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم، أدركَ رسولَ الله ﷺ ، من كبار أصحاب ابن مسعود.
(كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة) قد تقدم أن الرواية بالخاء المعجمة، وأنه روي بالحاء المهملة. ويتخوننا من الخيانة، وأشرنا إلى معنى هذه الألفاظ (كراهةَ السآمة علينا) أي: المَلَالة. قال أبو العلاء المعري:
إذا سئمت مهنَّده يَمينٌ ... لطول الحمل بدله شمالًا (١)
٦٩ - (محمد بن بشار) بالموحدة وتشديد المعجمة (أبو التَّياح) بالفوقانية والتحتانية المشددة (يزيد بن حُميد الضُبَعي) بضم الضاد وفتح الموحدة (يسّروا ولا تعسّروا) من التعسير ضد التيسير (وبشروا) من البشارة (ولا تنفروا) من التنفير. والمقابل وإن كان الإنذار لكن لما كان المراد من التنفير آثره عليه، وإنما جمع بين الشيء وضده، مبالغة في الموعظة، واستغراقًا للأزمنة، فإن النهي يدل على التكرار بخلاف الأمر عند المحققين، ونظير هذا ما تقدم في كتابِ الإيمان، من قوله: "الدين يسر" (٢) والغرضُ أن الحكمة في وضع العبادات ملاحظة كبرياء الله، وعرض العبودية والافتقار، ومع الإكثار والتشديد يمل الإنسان وإذا مل عبادته كلا عبادة، بل عدمها أحسن، وأفضل من وجودها.
стр. 159
١٣ - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
١٤ - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
ــ
باب: من جَعَل لأهل العلم أيامًا معلومة
وفي بعضها: معلومات، وفي بعضها: يومًا معلومًا.
٧٠ - (عن منصور عن أبي وائل) هو منصور بن المعتمر، أوحد زمانه زهدًا وورعًا، كان له جار، ولذلك الجار بنت، لما مات منصور قالت بنتُ جاره: يا أبت كان في دار منصور عمود ما جرى له، فإنه لا يرى، قال: ذاك منصور كان يصلي بالليل حسبته عمودًا، وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي.
(كان عبد الله يُذكّر الناسَ) هو ابنُ مسعود حيث أطلق، التذكير: الوعظُ من الذكر -بضم الذال- وهو ذكر القلب. وحقيقته: أن يوقع في خاطر المخاطب ما كان ناسيًا له ذاهلًا عنه (لَوَدِدْتُ) اللام جواب قسم محذوف (أَمَا إني أَكرَهُ أَنْ أمِلَّكُم) أَمَا: حرف تنبيه وإني بالكسر استئناف، وأُمِلَّكم -بضم الهمزة وتشديد اللام- وهو الإيقاع في المَلَالَةِ، وفي المثَل: فلانٌ دلَّ فأمل، وتمام الكلام: على التخول، وسائر الروايات تقدم في باب ما كان يتخولنا بالموعظة عن قريب.
باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين
٧١ - (حدثنا سعيد بن عُفَير) -بضم العين على وزن المصغر- أبو عثمان الأنصاري المصري (ابن وهب) هو: عبد الله بن وهب، حُكي أنه قال: نذرتُ أن أصوم كل يوم لغيبة مسلم إذا اغتبتُه، فهان عليَّ ذلك، فنذرتُ أن أتصدَّقَ بدرهم لكل غيبةٍ، فانقطعتُ عن الغيبة
стр. 160
قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ». [الحديث ٧١ - أطرافه في: ٣٣١٦ - ٣٦٤١ - ٧٣١٢ - ٧٤٦٠]
ــ
لذلك (حُميد بن عبد الرحمن) على وزن المصغر (سمعتُ رسول الله ﷺ [يقول:] من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) أي: يعطيه الفهمَ في الدين من فقِه -بكسر القاف- إذا فهم.
فإن قلت: كيف ترجم على ما أسنده في الباب؟ قلت: أراد بالترجمة الحكم، وبالحديث الذي أسنده دليل ذلك الحكم فالمذكور في الترجمة ليس مذكورًا من حيث إنه حديث، بل هو كسائر التراجم الدالة على حُكْمٍ من الأحكام، وبهذا سَقَطَ ما يقال: إن هذه الترجمة حديث مرسل والمرسل إذا اتصل به إسناده بعده يكون مسندًا لا مرسلًا، وإنما كان ساقطًا، لأن ذلك إنما يكون في تقديم المتن على السند لا في مثل هذه التراجم.
(وإنما أنا قاسمٌ واللهُ يعطي) الحصر فيه إضافي بدليل قوله: (والله يعطي) أي: إن المعارف الإلهية أبلغها على وجه العموم، ولكن تأخذ الأفهام منها على قدر القرائح والفهوم؛ فإن القابليات بحسب الفطرة متفاوتة، ويجوزُ أن يكون المراد إعطاء الأموال والأرزاق؛ فإن المعطي هو الله، وإنما يَضَعُ رسولُ الله ﷺ حيث أُمر.
(ولن تزالَ هذه الأمة) أراد طائفةً من أمته، كما جاء في سائر الروايات (قائمة على أمر الله) أي: دينه الذي شرعه. واستعمل فيه على دلالةً على كونهم عالين على الخصم محيطين بجوانب هذا الأمر، بحيث لا يصل إليه كيد الأعداء. وقد فسّر هذا المعنى في حديث آخر بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدولُهُ، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (١). ولما فسر الأمر بمعنى الشرع، فلا حاجة إلى أن يقال: إنما اكتفى بالأمر عن ذكر النهي، لأن النهي في المعنى أمرٌ لأنه كفّ النفس، أو اكتفاء كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (حتى يأتي أمر الله) أي: بقيام الساعة، أو قضاؤه والمحققون على أن أمر الله هنا يراد به الريح الذي يقبض روح كل مؤمن على وجه الأرض، والمعنى أن قيامهم بأمر الله ينقطع عند قيام الساعة، فإنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، كما جاء في رواية مسلم: "لا تقومُ الساعة حتى لا يقال في
стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأرض: الله الله، ويبقى من لا خير فيهم، فعليهم تقوم الساعة" فلفظُ حتى متعلق بلَنْ تزال.
قال بعضهم: فإن قلت: هل يجوزُ تعلُّق (حتى) بلا يضرهم من خالفهم؟ قلتُ: نعم على أن يكون المراد بأمر الله بلاؤه فيضرهم حينئذٍ فما بعد حتى مخالف لما قبلها. هذا كلامه وهو مخالفٌ لغرض الشارع، فإن مراده أن شريعته لا يقع فيها خَلَلٌ كسائر الشرائع، وصرَّح بهذا في الرواية الأخرى: "لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" وأما البلاء فهو موكّل بالمؤمن فلا وجه لقيده بقيام الساعة. ثم قال الشارح المذكور: فإن قلتَ: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعةُ حتى لا يقول أحدٌ اللهَ الله" (٣) وقال أيضًا: "لا تقوم الساعةُ إلا على شرار الناس"؟ قلنا: هذه الأحاديث لفظها على العموم، والمراد منها الخصوص والمعنى: لا تقوم الساعةُ على أحدٍ يوحّد الله إلا بموضع كذا، فإنه فيه طائفة على الحق، ولا تقوم على شرار الناس بموضع كذا. انظر في هذا كيف تخبط، فإنه جوّز قيام الساعة على طائفة قائمة على الحق مع أنه خلافُ منطوق الحديث، وارتكب تفصيلًا لا دليل عليه بوجهٍ من الوجوه.
قال النووي: قال البخاري: هذه الطائفة هم أهل العلم. وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهلَ الحديث فلا أدري مَنْ هم. قال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة مفرَّقة بين أنواع المؤمنين، منهم المحدثون، ومنهم الفقهاءُ، ومنهم الزهاد، ومنهم المقاتلون. قلت: هذا الاحتمال بعيدٌ؟ لأن أهل الأصول استدلوا بالحديث على أن الإجماع حجة، والإجماعُ اتفاقُ مجتهدي عصر واحدٍ على حكم شرعي، ووجه دلالة الحديث على ذلك أن رسول الله ﷺ بين أن الحق لا يعدوهم، وإذا كانت الطائفة مفترقة فيكون المعنى أن الحق لا يتجاوز تلك الطائفة المفرقة، فلا يبقى للحديث دلالةٌ على صحة الإجماع فتأمل.
стр. 162
١٥ - بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ
٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ».
ــ
بابُ: الفَهْم في العِلمِ
الفهم قوة دراكة يتفاوت بحسب الجبلة.
فإن قلتَ: قال الجوهري: فهمت الشيءَ: علمتُهُ. قلتُ: لا ينافي ما قلنا، فإن الفهم يطلق على الإدراك، وعلى مبدئه. ألا ترى إلى قولهم لفلان: فَهِمَ لو اشتغل بالعلم لفاق أقرانه، ودلّ عليه حديثُ ابن عمر، فإنه أعطي تلك القوة، وقول علي: إلاّ رجلٌ أُعطي فهمًا في كتاب الله، فإنه أراد ذلك. وقد تقدم هذا المعنى مستوفىً في شرح قوله: "إنما أنا قاسم والله المعطي".
٧٢ - (حدثنا علي) هو ابن عبد الله المديني، آية من آيات الله، روَى عنه أحمدُ بن حنبل وابنُ معين و (سفيانُ) هو ابنُ عُيينة (قال: قال لي ابن أبي نَحيح) اسم لابن عبد الله، وأبو نجيح هو يسار المكي عن مجاهد -بضم الميم على وزن الفاعل- هو الإمام الجليل في علم القراءة. قال: قرأتُ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرةً (كنا عند النبي ﷺ فأتي بجُمّار) بضم الجيم وتشديد الميم هو شحم النخل. معروفٌ عندهم (فقال: إن من الشجر شجرةً مَثَلُها كمَثَلِ المسلم) أي: شأنها الغريب، وقد حققنا وجهَ الشبه في باب: طرح الإمام المسألة بما لا مزيد عليه، فراجعْهُ (فأردتُ أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغرُ القوم) وفي بعض الروايات: وكان في القوم أبو بكر وعمر فسكتُّ، ظاهر الحديث وإن دلَّ على أن الصغير يُوقّر الكبير. ولكن ذلك في الآراء وغيرها، مما لا يكون المراد بيان ظهور العلم والفضل. ألا ترى أنه لما قال لعمر: "إني عرفتُ ذلك. فقال: لو قلتَ كان عندي خيرًا من حُمُر النَعَم" وأما قول مجاهد: لم أسمع ابن عمر يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا
стр. 163
١٦ - بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا». وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ».
ــ
وهو هذا الحديث المذكور فالظاهر أنه كان يذكره تأسفًا على ما فاته من الإخبار به في ذلك المجلس الشريف، وأما ما يقال: إنما لم يتحدث إلا بذلك، فلأنه [كان] متوقيًا الحديث عن رسول الله ﷺ عملًا بقول أبيه عمر: أقلّوا الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، فشيء بعيدٌ، وابن عُمر لم ينحصر حديثه في هذا، بل هو من المكثرين في الرواية، والقول بأن ابن عمر إنما كثُرت الرواية عنه؛ لأنه كان يسأل كثيرًا، ليس بظاهر؛ فإن كتمان العلم مذموم، وتبليغه مأمور به، فالوجهُ ما أرشدناك إليه، وإن كنت في ريب تأمل قول أبي هريرة: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم بشيء (٢)، على أن هذا لا يُسلَّم لهم، لأنه لو كان متوقيًا لم يكثر فتواه في المسائل، لأن هذا أحرى بالتوقي من مطلق الرواية.
باب الاغتباط: في العلم والحكمة
الاغتباط افتعال من الغبطة وهي تمنّي مثل ما لغيرك من غير إرادة زواله عنه. وأصلها حسن الحال، قاله الجوهري. وعطف الحكمة على العلم من قبيل عطف جبريل على الملائكة، لأنها علم الشريعة خاصة، أو العلم المقرون بالعمل، ولذلك اقتصر عليها في الحديث الذي رواه.
(وقال عمر: تفقهوا قبل أن تُسوَّدوا) بضم التاء على بناء المفعول من السَّيدودة وهي السيادة؟ وذلك أن الإنسان إذا صار سيد قومه يمنعه من كسب العلم شيئان: الاشتغال بأمور الناس، والاستحياء من الناس خوفًا على رياسته. ولهذا قال ابنُ معين: مَن عاجَلَ الرياسةَ فاته علمٌ كثير (قال أبو عبد الله: وبعد أن تَسَوَّدوا [وقد] تعلَّم أصحابُ النبي ﷺ في كبر سِنّهم). أبو عبد الله هو البخاري وناقل هذا الكلام عنه: الفِرَبْرِي. وأشار البخاري بهذا الكلام إلى أن المراد بقوله: تفقهوا قبل أن تُسوّدوا. هو بيان الأولى والأليق؛ لأن الإنسان إذا فاته ذلك يستمر مع الجهل، بل عليه السعي في تحصيله كما فعله خير القرون أصحابُ رسول الله ﷺ . هذا خُلاصة كلامه.
стр. 164
٧٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ:
ــ
قال بعضُ الشارحين: أقول لا بُدّ من مقدرٍ في الكلام يتعلق به لفظ: وبعد. والمناسب أن يقدر: تَفَهموا بمعنى الماضي، فيكون لفظ: تَسَوّدوا -بفتح التاء- ماضيًا أيضًا. ويحتمل أن يكون من التسويد المأخوذ من السواد أي: بعد أن يُسَوِّدوا لحيتهم في كبرهم. هذا كلامه. وقد فهم أن قول البخاري: وبعد أن تسودوا من تمام كلام عمر، فوقع في هذه الأشياء الركيكة التي تمجها الأسماعُ.
٧٣ - (الحُميدي) -بضم الحاء على وزن المصغر- المنسوب (قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة (قال النبي ﷺ : لا حَسَدَ إلا في اثنين).
فإن قلتَ: وَضَعَ البابَ للاغتباط، وهو ضدّ الحسد؛ لأنه تمني زوال نعمة الغير وحصولها لَكَ؟ قلتُ: أراد بالحسد: الاغتباط، بقرينة قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
فإن قلتَ: أيّ نكتة في العدول إلى المجاز من الحقيقة؟ قلت: المبالغة في ذلك الاغتباط حتى كأنه يبلغ به الحسد. وقيل: الحسدُ نوعان: منه ما هو جائزٌ كالواقع في الحديث هنا نظيره الكذب، فإنه قد يباح وليس بشيءٍ، لأن تمني زوال العلم عن المسلم أو المال. وحصوله لك مما لا يُسَوِّغُهُ عاقلٌ متدين، فكيف يطلقه الشارعُ؟ وقيل: هو من قبيل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وهذا أيضًا من ذلك النمط، لأن الشارع حَثَّ عليه ورغّب فيه، فكيف يرغب في شيء لا وجود له؟ وكيف يعقل الاستدلالُ حينئذٍ على الترجمة بالحديث؟ وقد اتفق هؤلاء على أنه لا يعقل في هذين الأمرين الحسدُ. وهذا ظاهر؛ فإنه لو تمنّى زوال العلم عن غيره. وحصوله له كان أقبحَ أنواع الحسد.
стр. 165
رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. [الحديث ٧٣ - أطرافه في: ١٤٠٩ - ٧١٤١ - ٧٣١٦].
١٧ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا).
ــ
(رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فسَلَّطه على هلكته في الحق) يجوزُ في رجل: الرفعُ على أنه خبر مبتدأ محذوف والجرُ على البدل. وإن روي اثنتين: بتاء التأنيث يقدر مضاف أي: خصلة رجل. والهلكةُ هو الهلاكُ. قاله الجوهري وقيده بالحق إخراجًا لما يُنفَقُ رياءً، أو في المعاصي، وعَبّر بالتسليط إشارةً إلى أنه بتوفيق الله تعالى، لأنه خلافُ هوى النفس، وعرّف الحكمة إشارةً إلى علم الشريعة، ونكّر المال لتنوعه وصدقه على كل صنف. وقوله: (فهو يقضي بها ويُعلمها) إشارةٌ إلى ثمرة العلم التي هي بمنزلة إنفاق المال. وفي رواية الترمذي: "استوى العامل في المال والمتمنى له في الأجر".
باب ما يذكر من ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر
(وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]).
الخضر -بفتح الخاء وكسر الضاد، وبكسر الخاء وسكون الضاد- قال الجوهري: هذا أفصَحُ، هذا لقبٌ له؛ وذلك أنه جَلَسَ على فَرْوَةٍ بيضاء، فإذا هي تهتز خلفه خضراء، ذكره البخاري في كتاب الأنبياء (٢) مرفوعًا. والفروةُ وجهُ الأرض، وقال ابن الأثير: الأرضُ اليابسة، واسمه: بليا بالموحدة ثم المثناةِ تحت، مقصور، ويكنى أبا العباس، واختُلف في نبوته، والظاهرُ: نبوتُه. لقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] والحمل على أنه أمره نبي في ذلك الزمان كالمحال، وذلك أن هذه الأمور صدرتْ منه. وموسى معه حاضرٌ، وأيضًا قوله لموسى: أنا على علمٍ علمني الله صريحٌ في ذلك، وأبعدُ مِنْ هذا مَنْ قال: إنه مَلَكٌ،
стр. 166
٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ
ــ
بل خطأ محضٌ. لقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] بعد قوله: ﴿اسْتَطْعَمَا﴾ والاستدلالُ على نبوته بتعلم موسى منه غير ناهض وذلك أن موسى لم يتعلم منه من أمور الشرعِ شيئًا؛ فإن موسى نبي مرسلٌ من أولي العزم. معه التوراة التي فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه في الدين، وإنما اتباعُهُ له كان ابتلاءً من الله حيثُ بَدَتْ منه تلك العبارة التي كان الأليق بحاله خلافَها، وهو رَدُّ العلم إلى اللهِ تعالى. قال في "الكشاف" كان في زمن أفريدون وكان على مقدمه إسكندر ذي القرنين الأكبر. قلتُ: قوله الأكبر يدل على تعدُّد ذي القرنين، وليس بصواب، فإن إسكندر الرومي الثاني هو تلميذ أرستطاطاليس لا يسمى ذا القرنين، بل هو رجل من الفلاسفة لم يُعلَم إيمانُهُ.
قال النووي: الأكثرون على أنه حيٌّ، وعليه اتفاقُ الصوفية وحكاياتهم في رؤيته أكثر من أن تحصى. قلت: وسمعتُ أهل الشام يقولون: إن النووي كان يجتمع به في بستانٍ من البساتين بالليل. ويقال: إن الرجل الذي يقتله الدجال ثم يُحييه هو الخضر والله أعلم بحقيقة الحال.
٧٤ - (محمد بن غُرَير) -بضم المعجمة على وزن المصغر- الزهري، نزيل سمرقند.
فان قلت: في بعض النسخ: قال أبو عبد الله: وحدثنا محمد بن غرير بالواو ما وجهه؟
هذا الحديث رواه من طرق كثيرة، كأنه قال: حدثنا فلان وفلان ومحمد بن غرير.
(صالح يعني: ابن كَيْسان) بفتح الكاف بعده مثناة.
فإن قلت: هلا قال: صالح بن كيسان على ما هي عادته. وأيّ فائدة في زيادة يعني؟ قلتُ: الوصفُ بابن كيسان لم يكن سمعه من شيخه، فلذلك زاد لفظ يعني. وهذا غايةٌ في الورع والاجتناب عن الكذب، فتارةً يقول: يعني. وتارة يقول: هو ابن فلان.
(عُبيد الله بن عبد الله) الأول مصغر والثاني مُكَبّر: هو ابن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس أنه تَمَارى هو والحُرُّ بن قيسِ بن حِصْنٍ الفَزَاري اليماني) تفاعل من المراء وهو
стр. 167
عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ
ــ
الجدال. والحرُّ ضد العبد، من الوافدين على رسول الله ﷺ . وفزارة -بفتح الفاء- حي من غطفان. (أُبَي بن كعب) -بضم الهمزة وتشديد الياء- الأنصاري الخزرجي، سيد القراء. وكان عُمر يقول له: سيد المسلمين، من فقهاء الصحابة، سيأتي في الكتاب أن رسول الله ﷺ قال: "أَمَرَني الله أن أقرأ عليكَ القرآن، قال: سَمَّاني اللهُ باسمي؟ قال: نعم. فبكى أُبَىّ".
فإن قلتَ: فعلى هذا يكون أُبَيٌّ أقرأ من رسول الله ﷺ ؟ قلتُ: ليس بلازم، وإنما خصه بالذكر بين أقرانه، لأنه كان أكثرَ قابليةً، أراد تكميله ليُعلّم الناسَ على وفق ما سمع. ألا ترى إلى قوله: "أقرؤكم أُبَيٌّ" (٢) ولم يقل: أقرؤنا.
(سأل موسى السبيلَ إلى لُقيّه) بضم اللام مصدر كاللقاء (يذكر شأنه) أي: قصته (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل) أي: في أشراف قومه. وقد جاء أنه وَعَظَ موعظةً بليغةً رقّت لها القلوبُ، وذَرَفت بها العيونُ (فقال له واحدٌ من القوم: هل تعلمُ أحدًا أعلمَ منك؟ فقال: لا) وكان في ذلك القول صادقًا، إلا أنه كان الأولى بحاله أن يقول: الله أعلم.
والأنبياءُ والرسل يُعاتبون على أمثال ذلك (فأوحى الله إليه بلى، عبدُنا خَصرٌ) ويروى: "بل عبدنا". كذا في رواية الحُميدي. والوجه فيه أنه عطف تلقيني كأنه قال: قل: عبدنا خضر، وكان الظاهرُ عبدَ الله، إلا أنه أمره أن يحكي كلام الله.
فإن قلتَ: وضع في الترجمة الخضر باللام، وهذا بحذفه؟ قلتُ: الأعلام المشتقة
стр. 168
فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ". [الحديث ٧٤ - أطرافه في: ٧٨ - ١٢٢ - ٢٢٦٧ - ٣٢٧٨ - ٣٤٠٠ - ٣٤٠١ - ٤٧٢٥ - ٤٧٢٦ - ٤٧٢٧ - ٦٦٧٢ - ٧٤٧٨].
ــ
يجوز فيه اللام للمح معنى الوصفية، صَرَّح به النحاةُ في مثل العباس والحسن فلا ضرورة إلى أن يقال: مؤول بواحدٍ من الأمة المسماة بذلك الاسم.
(فجعل الله الحوتَ آية) علامةَ وجدانه لقوله: (إذا فقدتَ الحوتَ فارجع، فإنك ستلقاه، فكان يتّبع أثر الحوت) الضمير في كان لفتاه: يوشع بن نون، وذلك أن موسى قال له: إذا فقدت الحوت أخبرني، ففي الكلام اختصار سيأتي مطولًا عن قريب (﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]) قرأه بدون الياء عاصمٌ وابن عامر وحمزة ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) أي: يقصان من آثارهما. من: قصصت الشيء إذا تتبعته. انتصابه على المصدر. ومنه: القصة لأن الحاكي يتبع المسموع.
ومن فوائد الحديث أن العالم ينبغي أن لا يغترّ بعلمه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وإذا سمع ممن هو أعلمُ منه شيئًا يأخذ منه ولا يستنكف، وإن احتاج إلى الرحلة ارتحل، وأن المفضول له أن يخدم الفاضل، ومثله لا يعد من أخذ الأجر على العلم. وأَنَّ حمْلَ الزاد في السفر من آداب المرسلين، ولا يقدح ذلك في التوكل كما يزعمه جَهَلَةُ الصوفية، يكونون كَلا على المسلمين، وأن الأفعال وإن كانت بخلق الله، يجوز إسنادها إلى الأسباب كما في قوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣].
فإن قلت: ترجم على ذهاب موسى إلى الخضر في البحر، وليس له ذكر في الحديث؟ قلتُ: أشار إلى وروده في الحديث ولم يكن على شرطه. قال شيخ الإسلام: وقد جاء عن أبي العالية أنه وجده في جزيرةٍ من جزائر البحر. قلتُ: أخرج منه ما رواه ابن الأثير: وجده على كبد البحر. قال الجوهري: كبد الشيء وسطه.
стр. 169
١٨ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ»
٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ». [الحديث ٧٥ - أطرافه في: ١٤٣ - ٣٧٥٦ - ٧٢٧٠]
ــ
باب قول النبي ﷺ : "اللهم عَلّمه الكتاب"
هذا حديث الباب الذي رواه بسنده ذكره ترجمةً للباب باعتبار الحكم، ثم أسند بالحديث دليلًا، ومثل هذا ليس من التعليق، ولا من الحديث الذي قدم متنُه على السند، فإن التعليقَ حذف بعض السند أو كلّه إلى رسول الله ﷺ , إن كان الحديث مرفوعًا، أو إلى من دونه إن كان موقوفًا.
وقال شيخ الإسلام: إنما جُعل الحديث ترجمةً، دلالةً على أن ذلك جوازه لا يخص بابن عباس. والضمير على هذا لغير مذكور. هذا كلامُهُ ولم يظهر لي وجهه؛ لأن قول البخاري: باب قول النبي ﷺ يمنع صرف الضمير إلى غير ابن عباس، اللهم إلا أن يقال: في استتار الضمير رمزٌ إلى ذلك، على أنه بعيد.
٧٥ - (أبو مَعْمَر) -بفتح الميمين بينهما عينٌ ساكنة- هو عبد الله بن عمرو بن حجاج البصري المعروف بالمقعد (عِكْرمة) -بكسر العين وسكون الكاف- مولى ابن عباس (ضَمّني رسول الله ﷺ أي: إلى نفسه (وقال: اللهم علّمه الكتاب) أصله: يا الله حُذف منه حرف النداء وعُوّض عنه الميم المشددة، لأنها عوضٌ عن الحرفين. وهذا من خواصّ هذا الاسم كقطع همزته، ولا يُوصف عند سيبويه لوجود الفاصل، ولذلك قال في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]: إن مالك نداءٌ ثانٍ.
فإن قلت: ما المرادُ بتعليم الكتاب؟ قلتُ: المراد لفظه ومعناه. أما اللفظ فإن أكثر القراءات ينتهي سندها إليه، وأما المعنى فظاهر؛ فإنه ترجمانُ القرآن، والمسمى بين الصحابة بالبحر والحبر، وقد نقلنا عن ابن حنبل أن ابن عباس أكثرُ الصحابة فتوىً، وكل ذلك نتيجة ذلك الدعاء، وسيأتي في كتاب الأنبياء بدل الكتاب الحكمة. وفي بعض الروايات: "فقهه
стр. 170
١٩ - بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ؟
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ». [الحديث ٧٦ - أطرافه في: ٤٩٣ - ٨٦١ - ١٨٥٧ - ٤٤١٢].
ــ
في الدين وعلّمه التأويل" وفي كتاب الطهارة: أن فقهه في الدين.
باب: متى يصح سماع الصغير؟
(إسماعيل بن أبي أُويس) -بضم الهمزة- ابن أخت مالك (عُبيد الله بن عبد الله) الأول مصغر والثاني مكبّر.
(عن عبد الله بن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على حمار أَتان) -بفتح الهمزة-: الأنثى من الحمير. بدل من حمار، أو وصفٌ له.
(وأنا يومئذٍ قد ناهَزتُ الاحتلام) أي: قاربتُ من النهزة وهي السرعة (ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار) منى: موضع بين مكة وعرفات، يُصرف ولا يُصرف باعتبار المكان والبقعة، ويكتب بالياء والألف بناءً على صرفه وعدم صرفه. قال النووي: والأجودُ صرفه وكتابته بالألف. واشتقاقه من منيت إذا أرقت، لأن دماء القرابين تُرَاقُ بها.
فإن قلت: قوله: يصلي إلى غير جدار، ما المراد به؟ قلت: كناية عن عدم السترة.
فإن قلت: نفي الجدار لا يدل على نفي السترة مطلقًا وهو ظاهر؟ قلتُ: إنما خُصَّ الجدار؛ لأن مِنى فيه أبنية وعدم الإنكار عليه قرينة على أن لا سترة، إذ لو كانت لأنكر عليه بدليل سائر الأحاديث.
стр. 171
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ». [الحديث ٧٧ - أطرافه في: ١٨٩ - ٨٣٩ - ١١٨٥ - ٦٣٥٤ - ٦٤٢٢].
ــ
فإن قلت: كيف صلى بدون السترة، وقد أمر بها؟ قلتُ: فَعَله بيانًا للجواز لا سيما بذلك المحضر ليحمل عنه في الآفاق. هكذا قيل. والصواب: أنه كان يصلي إلى السترة دل عليه قول البخاري: بأن سترة الإمام سترة من خلفه، وروى فيه الحديث عن ابن عباس (١).
٧٧ - (أبو مُسهِر) -بضم الميم وكسر الهاء- عبد الأعلى بن مُسهِر الغساني.
قال الذهبي: هو شيخ الشام وأفصحُهم وأحفظهم، جُرّد السيف ليقول بخلق القرآن فمنَّ عنقه ولم يقل به فحبس حتى مات (محمد بن يوسف) هو البيكندي، لأن الفِرْيَاني لا رواية له عن أبي مسهر (محمد بن حَرْب) -ضد الصلح- الزُّبيدي -بضم الزاي- أبو الهذيل محمد بن الوليد القاضي، وزُبيد بطن من مذحج رهط عمرو بن معد كرب. قال الأوزاعي: لم يسمع من الزهري أفضل منه.
(محمود بن الربيع) ضد الخريف (قال: عَقَلْتُ من رسول الله ﷺ مَجَّةً مَجَّها في وجهي، وأنا ابنُ خمس سنين من دَلْوٍ).
قال ابن الصلاح: استدل الجمهور بهذا الحديث على أن أقل زمان يجوزُ منه تحمل الحديث خمس. قال: والحق أنه ليس في الحديث ما ينفي الأقل منه، والمناط قدرةُ الصغير على الضبط وهي تتفاوت بحسب الفطرة. ثم حكى أن صبيًا كان عمره أربع سنين حُمل إلى المأمون الخليفة وكان قرأ القرآن ونظر في الرأي، وكان إذا جاع بكى.
فإن قلتَ: ترجم الباب على السماع وليس في الحديث ذكر السماع. قلت: هذا على دأبه من الاستدلال بالخفي، وذلك أنه جعل السماع مجازًا عن سائر وجوه التحمل، والمراد من الصغير ما دون البلوغ، فإنه الصغير شرعًا، فلا يَرِدُ أنَّ ابن عباس كان مراهقًا.
وفي الحديث دلالة على طهارة الريق، وعلى أن لا بأس بالمداعبة مع الصغار. قيل: كان الأولى إيراد حديث ابن الزبير لما رأى أباه يوم قريظة يختلف إليهم، فإن عمره كان
стр. 172
٢٠ - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ
وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ:
ــ
ثلاث سنين. وأُجيب بأن البخاري أراد ما يتعلق بأحوال رسول الله ﷺ . قلتُ: قوله: باب متى يصح سماع الصغير أعمّ، فالإيراد يتجه لو كان الباب موضوعًا للرواية عن رسول الله ﷺ ، أو لإثبات كون الراوي صحابيًّا كان لذلك وجه. وأما في إثبات سماع الصغير ليس أحسن منه حديث، لأن البخاري رواه عنه، وكان في قصة قريظة: ابن ثلاث، لأنه وُلد بالمدينة باتفاق الرواة.
باب: الخروج في طلب العلم
(ورحَلَ جابر بن عبد الله مسيرةَ شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد) هو جابر بن عبد الله الأنصاري الخزرجي وأُنيس على وزن المصغر، والحديث الذي رَحَل لأجله جابر قيل: هو حديث المظالم والقصاص يوم القيامة، أورده البخاري في آخر الكتاب بصيغة التمريض قال: ويذكر عن جابر، ودلَّ ذلك على أن ما يقال: إن البخاري إنما يذكر بصيغة التمريض إذا كان في إسناده ضعف، لم يكن كليًّا، بل أكثريًّا. وقيل: الحديث قوله: "يحشر الله العباد يوم القيامة، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب أنا الديان".
٨٧ - (أبو القاسم خالد بن خَلي) بفتح الخاء على وزن وَليّ (محمد بن حرب) ضد الصلح. (قال الأوزاعي) -بفتح الهمزة وسكون الواو بعده زاي معجمة- نسبةً إلى أوزاع
стр. 173
نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ مُوسَى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ".
٢١ - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ
٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
ــ
بطن من همدان، وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عُمر الدمشقي، قال أبو إسحاق في "الطبقات": أفتى وعمره ثلاث عشرة سنة. ورُوي أنه لما حج استقبله الثوري، وأخذ بخطام جمله يقوده وهو يقول: طرقوا للشيخ. فضائله لا تُعَدُّ، مات في الحمام قفل عليه الحمامي ثم جاء فوجده ميتًا. وشرحُ الحديث قد تقدم عن قريب في باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر، وإنما أعاده لأنه هناك أثبت أن السفر في البحر جائز، فعله الرسول المكرَّم موسى ابن عمران، وهنا لإثبات أن الخروج في طلب العلم -وإن كانت مسألة واحدة- تتحمل لها المشقة ويقطع في طلبها من كل شقة. وسيعيد البخاريُّ الحديثَ في مواضع شتى لاستنباط أحكام أُخَر، وسنُشير إلى كل واحد في موضعه إن شاء الله تعالى. وفي حديث جابر فائدتان فائقتان الأولى: شرفُ العلم وعِظَمه، والثانية: شرف علوّ السند؛ فإنه علم المسألة من الثقات، ولكن غرضه أن يسمع من الأصل.
باب: فضل مَنْ عَلِمَ وعَلَّم
٧٩ - (محمد بن العلاء) بالمد (حَمَّاد بن أسامة) بتشديد الميم (عن بُريد بن عبد الله)
стр. 174
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا،
ــ
بضم الباء على وزن المصغر (عن أبي بُرْدَة) -بضم الباء وسكون الراء- وهو عامر (عن أبي موسى) هو عبد الله بن قيس، نُسب إلى جده الأعلى أشعر بن يشجب القحطاني (مثلُ ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلم، كمثل الغيثِ الكثير أصاب أرضًا) المثل هو القول المشبه يضربه لمورده من غير تَغَيُّر في الألفاظ، ويقال له عند البلغاء: المثل السائر، وليس المراد به ذلك، بل الشأن والصفة الغريبة التي تشبه ذلك المثل السائر في الغرابة (فكان منها نقيَّة) بالنون والقاف بعده ياء. ومعناه: الظاهرة الخالصة مما يضر بالنبات، كما في بعض الأراضي الشديدة البرد أو الحرّ، أو غير ذلك. ويدل على هذا رواية مسلم "طيبة" بدل "نقية" وحكى السفاقسي عن الخطابي: ثغبة -بثاء مثلثة وغين معجمة ساكنة ومتحركة- وهي الغدير الذي يجتمع فيه الماء في أعالي الجبال، ويروى أيضًا: نَقْعة -بفتح النون وسكون القاف بعدها عين مهملة- وهي الموضع الذي ينتقع فيه الماء وهذا قريبٌ من المعنى الثاني.
(قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) الكلأ: -مقصور- هو نبات الأرض، سواء رطبه ويابسه، والعشب: الرطب خاصة. قال صاحب "المطالع": هذا يدل على أن رواية الثغْبة -بالثاء المثلثة- تصحيفٌ، لأن الثغبة لا تنبت. قلتُ: قد فسرت الثغبة بالغدير، وشأن الغدير أنه كلما نقص ماؤه نبت على مواضعه الكلأ، ولا يُرى مَرعىً أحسن منه لوجود الماء، والكلام في موضع واحد (وكانت منها أجادبُ أمسكتِ الماء، فنفع الله الناس بها، فشربوا وسقوا وزرعوا) الأجادبُ -بالجيم والباء- كذا رواية البخاري ومسلم. قال ابن الأثير: هي صلاب الأرض التي لا تنبت من الجَدْب -بالدال المهملة- وهو القحط، جمع الأَجْدُب على وزن أنْمُل جمع جَدْب، كأَكْلُب وأكالب في جمع كَلْب. وقال الخطابي: هذا تصحيف، بل الرواية: أجارد بالدال جمع جُردة -بالضم- وهي الأرض المتجردة. كذا قاله الجوهري. وقد ذكرنا أن رواية البخاري ومسلم أجادب، فلا وجه لحمل نقل الثقات على الخطأ بعد ظهور المعنى كما شرحناه.
стр. 175
وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
ــ
وقد يروى: أخاذات جمع أخاذة من الأخذ وهو ظاهر مع لفظ: أمسكت، ويُروى أيضًا: أحاذب بالحاء المهملة والذال. ويروى بالزاي موضع الذال. قال الخطابي: وهذان ليسا بشيءٍ (وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قِيْعان لا تُمسك ماءً، ولا تُنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله. ونَفَعه ما بعثني الله به فعَلمَ وعلَّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا) القِيْعان: جمع القاع، أصله قوعان قُلبت واوه ياءً لانكسار ما قبله، ورواه ابن الأثير بالياء من قيع، وقال: هو المكان المستوي الذي يعلق الماء فيمسكه ويسوي نباته. قلتُ: هذا مخالفٌ لمنطوق الحديث فلا يمكن جوازه.
فإن قلتَ: فقد قال في آخر الحديث: (قال أبو عبد الله: قاع يعلوه الماء)؟ قلت: ذلك على دأبه في شرح ما وقع من ذلك اللفظ في القرآن، لا أنه شرح الحديث، بل هو وصف أرض القيامة. وفَقُه -بالضم- أي: صار الفقهُ سجيةً له هو الرواية.
فإن قلت: ما الفرق بين الهدى والعلم حتى جمع بين اللفظين؟ قلتُ: المراد بالهدى: القرآن، مصدر بمعنى الفاعل، قال تعالى في وصف القرآن: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] والعلم هو ما عدا القرآن من الأحكام التي دلت عليها الأحاديث.
هذا والظاهرُ من اقتصاره على الهدى في قوله، ولم يقل: هدى الله الذي أرسلت به أن المراد بالهدى والعلم واحد، والعطف تفسيري، وجاز أن يقال: إنما اقتصر على الهدى لأن من لم يقبل القرآن فهو عن قبول غيره أبعد، وأما تفسير الهدى بالدلالة الموصلة إلى المطلوب غير سديد؛ لأن طائفةً من الناس لم تقبل ذلك الهدى، فكيف يكون موصلًا له؟ وكذا ما يقال: إن المراد بالعلم صفة توجب تميزًا لا يحتمل النقيض، لأن الذي بعث به وأمر بتبليغه ليس تلك الصفة، بل ما شرعه الله لعباده من المأمورات والمناهي، هذا وتحقيقُ المقام: أنه شبَّه حالَ من تعلَّم العلمَ وعمِل به وعلّم الناس بأرض نقيةٍ أصابها الغيث، فدخل في أعماقها، فانتفعت به وأنبتت الكلأ والعشب، فانتفع به الناسُ والدواب، وأشار بالغيث الكثير إلى غزارة المعارف التي جاء بها، وبالعشب الكثير إلى كثرةِ العلماء العاملين في أمته، وبالجمع بين الكلأ الشامل للرطب واليابس والعشب المخصوص بالرطب إلى تفاوت مراتب
стр. 176
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.
٢٢ - بَابُ رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ
وقَالَ رَبِيعَةُ: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ».
٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ
ــ
العلماء، واقتصر على نفي الكلأ في الأرض المذمومة، لأن انتفاء العام يستلزم انتفاء الخاص، وشبّه حالَ من فقُه في دين الله ولم يعمل بعلمه بحال أرض يابسة أمسكت الماء، ولم تدخل في أجزائها، إلا أنها أمسكت فانتفع بها الناس والدواب، وشبَّه حالَ الطائفة الأخرى بالقيعان لم تنتفعَ بالماء ولا أمسكته لينتفع به الناس والدواب، فالمشبهات الثلاث من التمثيل، وتشبيه الحال بالحال كما أشرنا إليه، وجعله من التشبيه المفرق تكلفٌ وإنزالُ الكلام من الأوج إلى الحضيض، وعدولٌ عن ظاهر لفظ المثل.
(قال أبو عبد الله: قال إسحاق عن أبي أسامة: وكان منها طائفة قيّلت الماء) كذا وقع، إسحاق غير منسوب قال الغساني: إذا قال البخاري: حدثنا إسحاق عن أبي أسامة يجوز أن يكون ابنَ راهويه، وأن يكون إسحاقَ بن منصور؛ فإن البخاري يروي عن هؤلاء الثلاثة عن أبي أسامة، وهو حَمّاد بن أُسامة. أشار إلى أن في روايته عن إسحاق لفظ: قيّلت -بالقاف والمثناة تحت مشددة- بدل "أمسكت" وهو بمعناه، ذكره ابنُ الأثير. ويروى: قبلت من القبول.
باب رفع العلم وظهور الجهل
(وقال ربيعة: لا ينبغي لأحدٍ عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه) ربيعة هذا هو ابن فروخ. يكنى أبا عثمان مولى المنكدر، روى عنه مالكٌ والثوريُّ، ويقال له: ربيعة الرأي، قال النووي: قال ابن سعد: كانوا يسمّونه لموضع الرأي. وقوله: أن يضيع نفسه من الوَضْع أي: يحط عن مرتبته، بل عليه الإظهار لينتفع الناس بعلمه. ويروى بضم الياء في الأولَ وتشديد الثانية من التضييع وذلك بأن لا يشتغل بالمطالعة والدرس فينسى ما حصَّله.
٨٠ - (عمران بن مَيْسرة) بكسر السين وفتح الميم (أبو التَّيّاح) -بفتح المثناة وتشديدها تحت- يزيد بن حُمَيد بضم الحاء على وزن المصغر قال أبو الفضل المقدسي:
стр. 177
بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا". [الحديث ٨٠ - أطرافه في: ٨١ - ٥٢٣١ - ٥٥٧٧ - ٦٨٠٨].
٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ".
ــ
أبو التِّياح لقبٌ له، وكنيتُه أبو حماد (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم وَيثْبُتَ الجهل) الأشراط بفتح الهمزة جمع شَرَط -بفتح الراء- وهي العلامة ومنه الشرط المتعارف، لأنه علامة المشروط، والمرادُ برفع العلم: موت العلماء كما دلَّ الحديث عليه الآتي في البخاري: "إن الله لا ينتزع هذا العلم انتزاعًا، ولكن يقبضُهُ بقبضِ العلماء" (١)، ولما مات زيد بن ثابت، وحضر عبد الله بن عباس دَفْنَهُ، فلما دَلّوْهُ في قبره قال: من أراد أن يعرف كيف يُرفع العلم، فلينظر إلى هذا.
(ويُشرب الخمر ويظهر الزنا) أي: علانية؛ فإن شرب الخمر والزنا كانا موجودين في زمانه؛ فإنه قد حدّ شارب الخمر ورجَمَ الزناة.
٨١ - (مسدَّد) بضم الميم على وزن المفعول (عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي) لأنه لم يكن بالعراق غيره صحابي، كان آخرهم موتًا (وتكثر النساء ويقلّ الرجال) وإنما كان قلتهم علامةً للساعة؛ لأنهم أهل الجهاد والعلم والقوام على الأرامل والأيتام، فيكون عدمهم مستلزمًا لفساد الأحوال.
فإن قلتَ: أي حاجة إلى ذكر قلة الرجال مع كثرة النساء؟ قلتُ: لئلا يتوهم أن المراد من كثرة النساء في نفس الأمر لا بالنسبة، فإن الكثرة والقلة يستعملان على وجهين: تارةً بالنسبة إلى المقابل وأخرى بالنسبة إلى نفس الأمر، ونظيرها في الحديث قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦].
(حتى يكون لخمسين امرأة القيمُ الواحد) قال بعضُ شُرّاح "المشارق": إنه وجد في
стр. 178
٢٣ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ
٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ [ص:٢٨]، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي
ــ
بلاد الروم، هذا العدد من النساء مع قيّم واحد.
فإن قلت: ما المراد من القيّم؟ قلتُ: هو مَنْ يقوم بشأنهن سواء كان للزوجية أو القرابة.
فإن قلتَ: ما وجهُ التعريف؟ وهلا قيل: قيّم واحد؟ قلتُ: أشار باللام إلى ما في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] والظاهر أن هذا يكون بواسطة قتل الرجال في الحرب كما أشار إليه في الرواية الأخرى، أو لأن النساء حبائل الشيطان يكثِّرُهُن الله في آخر الزمان ابتلاء. وهذه الأشراط غير العلامات العشر التي أودرها في حديثٍ آخر، وليست الأشراط منحصرةً في المذكورات حتى يسأل عن وجه الحصر، أَلَا ترى أن في رواية مُسَدَّد لم يذكر شُرْبَ الخمر، وإنما كانت هذه الأمور من أشراط الساعة؛ لأن رفع العلم هدم للدين، وشرب الخمر يذهب العقل، والزنا لاختلال النسب، وكثرة الفتن لذهاب الأموال والأرواح.
باب: فضل العلم
٨٢ - (سعيد بن عُفَير) يضم العين على وزن المصغر، وكذا (عُقَيل)، (بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى أني لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظفاري) تقدم أن بين ظرف زمان يدل على المفاجأة، والعامل فيه: جوابُهُ وألفه للإشباع، وما: زائدة في بعض الروايات والري: -بكسر الراء وتشديد الياء- مصدر رَوِي - على وزن علم- أطلق على ما به الري، فإنه الذي يخرج لا نفس الري، ويروى: من أظفاري، والمعنيان متلازمان؛ لأن الخارج من الظفر، لا بد وأن يكون الظفر ظرفًا له، إلا أن رواية: في، أقوى في المعنى من لفظة: من، لدلالته على التمكن التام، والاستقرار.
стр. 179
ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ». [الحديث ٨٢ - أطرافه في: ٣٦٨١ - ٧٠٠٦ - ٧٠٠٧ - ٧٠٢٧ - ٧٠٣٢].
٢٤ - بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا
ــ
(ثم أَعطيت فضلي عمرَ بنَ الخطاب قالوا: فما أَوَّلْتَهُ يا رسول الله؟ قال: العلمَ) بالنصب مفعول لفعل مقدر، ويجوزُ الرفع أي: المؤول العلم من حيثُ إن اللبن غذاء الإنسان وسبب للحياة في هذه الدار، والعلم سبب للحياة في الآخرة.
قال بعض الشارحين: فإن قلت: رؤيا الأنبياء وحيٌ، فهل كان هذا الشربُ حقيقة أو هو مع سبيل التخيل؟ قلت: واقع حقيقة ولا محذور فيه؛ إذ هو ممكن واللهُ على كل شيء قدير. هذا كلامُهُ. وهو خطأ؛ لأن شرب اللبن على ذلك الوجه الذي وصفه من خروجه من الأظفار لا يمكن أن يقع منه، كيف ولو كان حقيقة لم يكن للتأويل معنى، لأنه إنما يعبر به عن خلاف الظاهر، وكم شرب لبنًا وأعطى فضله لغيره ولم يكن معناه العلم؟ أو كيف يعقل إعطاء ما فَضَل في المنام لعمر؟
ثم قال: لا تغفل عن الفرق بين فضل العلم وفضيلته؛ إذ الحديث دلَّ على فضل العلم لا على الفضيلة، وهذا أيضًا خبط آخر، إذ لا يَشُك عاقل في عدم الفرق، وإن غرض البخاري من قوله: باب الفضل هو الفضيلة، وإنما التبس عليه من قوله: "أعطيتُ فضلي عمر" فإنه بمعنى الفضلة أي: الزائد على شربه، وهل يعقل أن يعطي بأفضل من العلم لأحد، أو هل يفضل العلم؟ أو له وجه التكرار؟ وليت شعري، من أين علم أن عمر كان عنده؟ وكيف يعقل أن يعطي القدح أحدًا وهو نائم؟
فإن قلت: فيقع التكرار فإنه قدم في أول كتاب العلم باب فضل العلم؟ قلتُ: التكرار إنما يكون إذا أعيد فيه من غير زيادة أو نقصان، والتفاوت بين ما أورد في البابين ظاهر فتأمل.
باب الفُتيا وهو واقفٌ على الدابة وغيرها
الفُتيا بضم الفاء والفتوى بفتحها: اسم من الفتاء بالمد، مصدر فتي -بالكسر- كعلم، وهو حداثة الشيء، قال الشاعر:
إذا عاشَ الفتى ستين عامًا ... فقد ذهب المسرّة والفتاء
стр. 180
٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»
ــ
فأُطلقا على جواب الحادثة، والمناسبة ظاهرة.
٨٣ - (عن عيسى بن طَلْحة بن عُبَيد الله) أحد العشرة المبشرة (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) أخ الصحابي المكرم أكثر الصحابة حديثًا قاله أبو هريرة، إلا أنه سكن مصر، وهو قُطر من الأقطار، وأهله أهل لهو ولعب، ضاع علمه بها كما ضاع علمُ الليث بن سعد، وعَمرو: يكتب بالواو في الرفع والجر، لئلا يلتبس بعمر.
فإن قلتَ: الواو تناسب الضم فكان عُمر أولى بها؟ قلتُ: عمرو منصرف أولى بالتصرف فيه.
(أن رسول الله ﷺ وَقَفَ في حجة الوداع بمنى) حَجة بفتح الحاء وكسرها، قال الجوهري: والكسر شاذٌ؛ لأن قياس الكسر أن يكون للنوع وليس المعنى على النوع. قال بعضهم: يجوزُ أن يكون الكسرُ مصدر باب المفاعلة، فلا يكون شاذًا وهذا غلطٌ، لأن المفاعلة لا معنى لها في هذا المقام، ولا جاء مصدر المفاعلة على هذا الوزن، والكلام في كسر لفظ الحجة، وإنما سَبَق وهمُهُ إلى لفظ الوداع وصَحَّفه بالكسر، والوداع -بفتح الواو- اسم التوديع، وتلك الحجة سميت بذلك؛ لأن رسول الله ﷺ وَدَّع فيها الناسَ، ومنى: مقصور، موضع بين مكة وعرفات، يصرف ولا يصرف باعتبار المكان والبقعة. قال النووي: والصرف أكثر، ويكتب بالياء بناءً على عدم الصرف، وبالألف بناء على الصرّف.
(فجاءه رجلٌ فقال: لم أشعر حَلَقْتُ قبل أن أذبَحَ [فقال: اذبح] ولا حرج) لم أشعُر -بضم العين- من الشعور وهو العلم المكتسب بأي المشاعر الظاهرة أي: الحواس الخمسة، ثم
следующие страницы →