Полный текст (5 311 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
«أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». طرفه ٥٦٥٧
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ. أطرافه ٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧
١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِى أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّىَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ،
ــ
أسلم، فنظر إلى أبيه، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم).
وفي الحديث دلالة على صحة إسلام الصبي كما قاله أبو حنيفة ومالك، وليس للشافعي عنه جواب شافٍ اللهم إلا أن يكون كان بالغًا بدليل قوله: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) لأن أولاد المشركين قبل البلوغ في الجنة، كما سيأتي في البخاري.
١٣٥٧ - (سمعت ابن عباس يقول: كنت وأنا وأمي من المستضعفين) ليس فيه دليل على صحة إسلام الصبي؛ لأنه كان تابعًا لأمه إلا على مذهب الزهريّ ومالك.
١٣٥٨ - (قال ابن شهاب: يصلى على كل مولود متوفى وإن كان لغية) -بفتح الغين المعجمة وتشديد الياء، ويروى بكسر الغين والمراد به ولد الزنا، وولد النكاح يسمى ولد الرشدة (من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدير أبواه الإسلام أو أبوه خاصة) هذا مذهب الزهريّ لا يعتد بإسلام الأم، وهو أحد قولي مالك (فإن أبا هريرة كان يحدث: قال النبي ﷺ : ما من مولود إلا يولد على الفطرة) هذا ظاهر في أن ابن شهاب سمع هذا الكلام
стр. 1332
فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الآيَةَ. أطرافه ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). طرفه ١٣٥٨
ــ
من أبي هريرة، إلا أن الذهبي قال: حديثه عن أبي هريرة في الترمذي فالحديث منقطع، إلا أنه وصل بعده عن أبي سلمة.
الفطرة -بكسر الفاء- النوع والحالة من الفطر، وهو الخلق، والمراد به الحالة التي ولد عليها من التهيؤ لقبول الإسلام، بحيث لو خلا من مانع لما اختار غير الاسلام (كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء) -بضم التاء الأولى على بناء المجهول-، قال الجوهري: نتجت الناقة على بناء المفعول، نتج كذلك، وقد نتجها أهلها. قال ابن الأثير: الناتج للإبل كالقابلة للنساء، وحاصله أن من يقوم عليها حين الولادة، فهو الناتج، وانتصابُ بهيمة على أنه مفعول ثان، وجمعاء تأكيد معنوي، أي: سالمة من العيوب (هل تُحسّون) -بضم التاء وفتحها- يقال: حسّ وأحسَّ إذا أبصر (من جدعاء) -بدال مهملة- من الجدع، وهو قطع طرف من الأطراف (ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
فإن قلت: إذا كان أبواه يهودانه أو يمجسانه فما معنى قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]؟ قلت: معناه لا ينبغي تبديله، ولذلك أشار في آخر الآية إلى ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، ودل عليه أيضًا تقدير حب فطرة الله؛ أي: الزموا فطرة الله، كذا قدره صاحب الكشاف؛ إذ المعنى فعل الأبوين نوع دلالة، والمقدر هو الكائن، فلا قدرة لأحد على شيء من تبديل ما أراده.
стр. 1333
٨٠ - باب إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِى طَالِبٍ «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ) الآيَةَ. أطرافه ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١
ــ
باب إذا قال المشرك عند موته: لا إله إلا الله
١٣٦٠ - (إسحاق) كذا وقع غير منسوب. قال الغساني: إذا قال البخاري حدثنا إسحاق عن يعقوب فهو إمّا ابن راهويه أو ابن منصور؛ فإن كل واحد منهما يروي عن يعقوب ابن إبراهيم الزهريّ (لما حضر أبا طالب الوفاة) اسم أبي طالب عبد مناف (جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام) اسمه عمرو، وكان يكنى أبا الحكم، فكناه رسول الله ﷺ أبا جهل (وعبد الله بن أبي أمية) بضم الهمزة وتشديد الياء (أي عم) -بفتح الهمزة- حرف نداء (قل: لا إله إلا الله كلمة) بدل من لا إله إلا الله؛ إذ ليس المراد من الكلمة متعارف النحاة (ولم يزل يعرضها عليه حتى آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب) لفظ هو إما من كلام أبي طالب، أو من كلام الراوي، أورده بدل لفظ أتاه، لوقوعه على المتكلم الحاكي، وهذا من محاسن الكلام (أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك) كأنه كان يشعر بأنه سينهى عنه؛ لأنه مشرك، والله لا يغفر لمن أشرك (فأنزل الله فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] هذا وقد أشكل، فإن هذه الآية في سورة براءة، وهي من
стр. 1334
٨١ - باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ. (٨١) وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِىُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ .
وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ رَأَيْتُنِى وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ.
ــ
أواخر القرآن نزولًا، وأبو طالب مات قبل الهجرة بثلاث سنين. وأجاب بعض الفضلاء أنه كان مستمرًا على الاستغفار إلى نزول الآية.
وقد ظهر لك من هذا أن ما ذكره القرطبي في تذكرته من إيمان أبي طالب لا يجوز اعتقاده، كيف وسيأتي في البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: "أخرجته من قعر النار إلى ضحضاخ منه".
واعلم أن الحديث من مراسيل الصحابي، لأن المسيب رواه عن أبيه، وهما من مسلمة الفتح، قال مصعب: هذا مما لم يختلف فيه علماؤنا. لكن ذكر ابن عبد البر أنه هاجر وشهد بيعة الرّضوان مع أبيه، وعلى هذا يدل لفظ البخاري في قضية الشجرة كما سيأتي إن شاء الله.
باب الجريد على القبر
الجريد -على وزن فعيل- غصن النخل، جرد عن الخوص.
(ووصى بريدة الأسلمي) بضم الباء مصغر (أن يجعل على قبره جريدتان) اقتداء بما فعل رسول الله ﷺ بالقبرين كما تقدم في كتاب الإيمان وذكره هنا بعد هذا الحديث (ورأى ابن عمر فسطاطًا على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر (قال الجوهري: الفسطاط -بضم الفاء- بيت من الشعر. وقال صاحب الكشاف: ضرب من الأبنية في السفر دون السُرادق (وقال خارجة بن زيد: رأيتُنِي ونحن شبان في زمن عثمان وإن أشدّنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون) هذا إنما أحدثوه بعد رسول الله ﷺ ، وإلا فرسول الله ﷺ إنما وضع حجرًا واحدًا من جهة رأسه ليُعرف به، والبناء على القبور مكروه، بل محرم في هذا الزمان؛ لأنهم يتباهون به.
стр. 1335
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ
ــ
(وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة بن زيد بن ثابت فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت، قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه) أي: تغوط، وهذا تأويل باطل، لما روى مسلم وأصحاب السنن غير الترمذي: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" وفي السنن أيضًا غير الترمذي أن رسول الله ﷺ نهى عن المشي بين القبور بالنعلين.
١٣٦١ - (يحيى) كذا وقع غير منسوب، يحتمل أن يكون ابن موسى وابن جعفر؛ لأن كل واحد منهما يروى عن أبي معاوية. قال شيخنا ابن حجر: وقيل هو يحيى بن يحيى، والمعتمد يحيى بن موسى و (أبو معاوية) هو محمد بن خازم بالخاء المعجمة.
روى عن ابن عباس حديث الرجلين اللذين كانا يعذبان، وقد أخذ رسول الله ﷺ جريدة فشقها شقتين، وغرز في كل قبر قطعة، وقد سلف الحديث في كتاب الإيمان في باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، ونقلنا هناك عن رواية مسلم أنه إنما فعل ذلك لأنّ الله حدّ له
стр. 1336
وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». طرفه ٢١٦
٨٢ - باب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
(يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ) الأَجْدَاثُ الْقُبُورُ. (بُعْثِرَتْ) أُثِيرَتْ. بَعْثَرْتُ حَوْضِى أَىْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الإِيفَاضُ الإِسْرَاعُ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ (إِلَى نَصْبٍ) إِلَى شَىْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ يَوْمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْقُبُورِ. (يَنْسِلُونَ) يَخْرُجُونَ.
ــ
أن يخفف عنهما ما لم ييبسا، ونقلنا وجوهًا أخر مما ذكروه، والعمدة على ما في مسلم.
قيل: إنما أخذ جريد النخل لأنه أطول الثمار، ولأن النخل خلق من بقية طين آدم.
باب موعظة المحدِّث عند القبر، وجلوس أصحابه عنده حوله
﴿يخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] جمع جدث، كأفراس في فرس، وهو القبر. قال الشاعر:
سقى جدثًا أمسى بدومة ثاويًا
(وقرأ الأعمش إلى نصب) -بضم النون والضاد- وهي قراءة ابن عامر وعاصم من رواية حفص، والباقون بفتح النون وسكون الصاد، قال الجعبري: النصب -بضمتين- جمع نصب -بفتح النون وسكون الصاد- كسقف في سقف، وهذا مخالف لتفسير البخاري؛ اللهم إلا أن لا يريد القراءة، بل بيان اللغة، لأنّ إسراعهم إنما كان إلى ذلك الشيء المنصوب، وعن الحسن في تفسير الآية: أن الكفار كانوا يبتدرون عند طلوع الفجر إلى عبادة الأصنام، فحشروا على ذلك الوصف تموتون كما تعيشون، وتبعثون كما تموتون.
стр. 1337
١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِى جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ
ــ
١٣٦٢ - (عبيدة) بضم العين مصغر (عن أبي عبد الرحمن) هو عبد الله بن حبيب السلمي (عن علي قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد) -بفتح الباء وكسر القاف- والغرقد -بالغين المعجمة- شجر اليهود (فأتانا النبي ﷺ فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة) -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة- العصا، أو القضيب الذي كان يأخذه في يده، وتوارثه الخلفاء بعده (فنكس) أي: خفض رأسه (فجعل ينكث) أي شرع، والنكت -بالتاء المثناة- الضرب في الأرض بالعود أو الإصبع عند التفكر (ما من نفس منفوسة) أي: مخلوقة (إلا كُتب مكانها من الجنة والنار. فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل؟) إذ من سبقت له السعادة فهو السعيد، فأي حاجة إلى العمل؛ فهذا تعلق بالسبب الحقيقي: فأجابه بقوله: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة) فهذا سبب مجازي جُعل علامة على السبب الحقيقي، وعلى هذا بني التكليف، وأرسلت الرسل فكيف يجوز ترك العمل، وبهذا الطريق يجمع بين قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، بالباء الدالة على السببية؛ وبين قوله ﷺ : "لا يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا" فإنه أشار إلى السبب المؤثر، والآية دلت على السبب المجازي.
ومن الفضلاء من قال: أصل دخول الجنة بفضل الله، والمراتب بالأعمال. وهذا وإن
стр. 1338
فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) الآيَةَ. أطرافه ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢
٨٣ - باب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ
١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». أطرافه ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢
ــ
كان كلامًا صادقًا في نفس الأمر: إلا أنه أخرج الباء عن معناه؛ لأن الواقع في مقابلة الباء إنما هو نفس الجنة، لا المراتب، فالتعويل على ما أشرنا إليه لا يجوز غيره.
(ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥]) أيد بالآية الكريمة مقالته، فإن الحديث شرح لما تضمنته الآية، هذا وليعلم أن هذه مسألة القدر التي لا يجوز الخوض فيها لأحد من الأنبياء والرّسل، فعليك العمل لمولاك سواء منعك أو أعطاك.
باب ما جاء في قاتل النفس
١٣٦٣ - (مسدد) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة (يزيد بن زريع) مصغر زرع (عن أبي قلابة) بكسر القاف (من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم).
صورة المسألة الأولى أن يقول: إن فعل الشيء الفلاني فيكون يهوديًّا، قال مالك والشافعي: لا ينعقد به نذر ويمين، بل لغو من الكلام، كان فعل ذلك. وقال أبو حنيفة: عليه كفارة اليمين كالمظاهر؛ لأنه أتى منكرًا من القول وزورًا.
стр. 1339
١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ - رضى الله عنه - فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». طرفه ٣٤٦٣
١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الَّذِى يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِى يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ». طرفه ٥٧٧٨
ــ
وأمّا قتل النفس وإن القاتل يعذب بما قتل به نفسه، فلأن الجزاء من جنس العمل؛ مثل قطع السارق؛ لأن خيانة السرقة تكون باليد، لكن هذا إذا لم يغفر الله ذنبه؛ أو كان مستحلًا، والا فالله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء.
١٣٦٤ - (وقال الحجاج بن منهال) بفتح الحاء وتشديد الجيم وكسر الميم (جرير بن حازم) بالحاء المهملة (جندب) بضم الجيم والدّال ويفتح (بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) لأن قبض الأرواح حقها أن يكون ممن أعطاها، فأتى بما يناقض شأن الربوبية، وهذا أيضًا محمول على أن لا يغفر له أو كان معتقدًا جوازه، فإن من أنكر حكمًا قطعيًّا فهو كافر بالشرعة.
ومن الشارحين من قال: معناه حرمت الجنة؛ أي: جنة مخصوصة لأن الجنان كثيرة. وهذا الذي قاله لا يجوز قطعًا؛ لأن هذا الكلام إنما يبقى في مقام التحذير، وإن مرتكبه من أهل النار على التأبيد، ولذلك عبر عنه بلفظ التحريم الدال على حكم الله بذلك في الأذى، فأي وجه لذلك الذي قاله، أو كيف يلائم هذا الغرض الذي سيق له الكلام؟ وسيأتي في المغازي قوله فيمن قتل نفسه أنه من أهلُ النَّار.
فإن قلت: ترجم على قاتل النفس مطلقًا، وروى حديث "من قتل نفسه"؟ قلت: يعلم منه حكمه من باب الأولى، أو المراد نفس القاتل؛ لأن الباب باب الجنائز، والله الموفق.
١٣٦٥ - (أبو الزناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار) جزاء من
стр. 1340
٨٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنهم - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِىَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا - أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ
ــ
جنس عمله وقد عرفت أن هذا إذا لم تنله مغفرة الله خير الغافرين. قال الجوهري: يقال طعنه بالرمح، وطعن في السن يطعن -بالضم- وطعن فيه بالقول يطعن أيضًا. وقال ابن الأثير: طعن فيه وعليه -بالقول- يطعن بالفتح والضم.
باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين
قيل: إنما لم يقل باب كراهية الصلاة دلالة على أن الامتناع من طلب المغفرة إنما هو لمن لا يستحقها، لا لأجل العبادة.
قلت: (من) بيانية، فالمكروه هو نفس الصلاة، مع أن اللفظ لا دلالة له على ما قاله، والحكمة في العدول شناعة إيقاع لفظ الكراهة على الصلاة صريحًا، وهذا باب معروف في البلاغة.
١٣٦٦ - (يحيى بن بكير) بضم الباء مصغر، وكذا (عقيل) و (عبيد الله) روى حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب (لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول) بتنوين أُبي وزيادة ألف ابن لأنه ليس صفة أُبي بل صفة عبد الله؛ لأنّ أباه أُبي، وسلول أمه ولذلك لم يُصرف، وقد سلف حديثه في باب الكفن في القميص (فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه) الوثوب: القيام إلى الشيء دفعة بسرعة. قال ابن الأثير: هذا في غير لغة حمير. هذا كلامه.
قلت: معناه في لغة حمير القعود؛ وهو ضد القيام (أخر عني با عمر) أي: تأخر، فعل
стр. 1341
«أَخِّرْ عَنِّى يَا عُمَرُ». فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ «إِنِّى خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّى إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَاّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ (بَرَاءَةٌ) (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) إِلَى (وَهُمْ فَاسِقُونَ) قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. طرفه ٤٦٧١
٨٥ - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ
١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - مَا وَجَبَتْ قَالَ «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ». طرفه ٢٦٤٢
ــ
بمعنى تفعل، أو أخر نفسك (لو علمت أني إن زدت على السبعين ينفر له لزدت عليها) وهذا يدل على أن مفهوم العدد ليس معتبرًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] [لو كان قيد الزيادة].
ولقائل أن يقول: إنما لم يعد ما فوق السبعين لأنه لم يرد به معناه، بل أريد الكثرة كناية. وفي الحديث ردّ على صاحب "الكشاف" حيث ذكر أنه لم يصل عليه.
باب ثناء الناس على الميت
١٣٦٧ - (صهيب) بضم الصاد مصغر (سمعت أنس بن مالك يقول: مُرّ بجنازة) -بضم الميم- على بناء المجهول (فأثنوا عليها خيرًا فقال النبي ﷺ : وجبت) أي وجبت له الجنة كما شرحه بعد.
فإن قلت: مذهب أهل الحق أن لا وجوب على الله. قلت: معناه اللزوم وعدم التخلف بموجب وعده.
(أنتم شهداء الله في أرضه) لأنهم الذين اعتقدوا منه التوحيد ونفي الولد والإشراك الذي قاله اليهود والنصارى والمشركون ولأنهم الذين يشهدون للرسل يوم القيامة بأنهم بلغوا عن
стр. 1342
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى الْفُرَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِىَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِىَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِىَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ». فَقُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ «وَثَلَاثَةٌ». فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. طرفه ٢٦٤٣
ــ
الله ما أُمروا بتبليغه.
١٣٦٨ - (عَفّان بن مسلم) بفتح العين وتشديد الفاء (أبي الفرات) بضم الفاء (بريدة) بضم الباء مصغر بردة (عن أبي الأسود) الدؤلي التابعي المشهور أوّل من دون علم النحو، واسمه ظالم بن عمرو (فأُثني على صاحبها خير) -بضم الهمزة- على بناء المجهول. وفي بعضها "خيرًا" بالنصب. قال النووي: انتصابه بنزع الخافض، فيكون هو القائم مقام الفاعل (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. فقلنا وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ولم نسأله عن الواحد) لعل تخصيص الأربعة لأنها آخر عدد يثبت به حكم شرعي، واثنان أول عدد كذلك. قال النووي: سواء كانوا عدولًا، أو غير عدول، وسواء كانوا صادقين في ذاك الثناء أو كاذبين، ولذلك أطلقه في الحديث.
قلت: ويؤيده ما رواه الإمام أحمد والحاكم عن أنس مرفوعًا "ما من مسلم يصوت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا إلا قال الله: قبلت قولكم وغفرت له" ولله الحمد، اللهم اجعلنا من أولئك بفضلك وكرمك.
واعلم أن لفظ الثناء أصله في المدح واستعماله [في] الشر للازدواج والمشاكلة.
باب ما جاء في عذاب القبر
стр. 1343
٨٦ - باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى (إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) هُوَ الْهَوَانُ، وَالْهَوْنُ الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ
ــ
(وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] جمع غمرة، والغمر: هو الستر، والمراد سكرات الموت هوّنها الله علينا برحمته الواسعة. وجواب لو في الآية محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا عظيمًا، وموضع الدلالة قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]) فإن اليوم أريد به الوقت الممتد بعد الموت إلى آخر الأبد (﴿سَنُعَذِبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]) قيل: المرة الأولى القتل؛ والأخرى عذاب القبر. وقيل: الأول أخذ الزكاة، والثاني: عذاب القبر، أو الأول: سكرات الموت التي أشير إليها في الآية الأولى بالغمرات.
فإن قلت: النفس ليس في قدرة الكفار، فما معنى قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]؟ قلت: لم يرد بالأمر معناه، بل المقصود تغليظ العذاب بإسماعه أشدّ ما يكرهه زيادة في العذاب.
﴿(ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]) لا يعلم كنهه إلا الله، وهو عذاب الآخرة. وقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥] هو عذاب القبر؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] عذاب جهنم.
١٣٦٩ - (مرثد) بفتح الميم وثاء مثلثة (عبيدة) بضم العين (إذا أقعد المؤمن في قبره) أقعد على بناء المجهول، وكذا أُتي (فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
стр. 1344
فِي قَبْرِهِ أُتِىَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)». طرفه ٤٦٩٩
١٣٦٩ م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ قَالَ اطَّلَعَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ «وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا». فَقِيلَ لَهُ تَدْعُو أَمْوَاتًا فَقَالَ «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ». طرفاه ٣٩٨٠، ٤٠٢٦
١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ إِنَّمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)». طرفاه ٣٩٧٩، ٣٩٨١
ــ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) أي: يلقنه ويلهمه في الدّارين.
فإن قلت: ليس فيه ذكر عذاب القبر الذي ترجم له؟ قلت: رواه مختصرًا على دأبه من الاستدلال بالخفي، وله تتمة ذكر فيها عذاب الكافر. هذا والحق أن الآية دالة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] فإنه في مقابلة قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ولذلك قال: الآية نزلت في عذاب القبر.
١٣٧٠ - (اطلع النبي ﷺ على القليب) القليب: بئر لم توطأ، فعيل بمعنى المفعول، والمراد قليب بدر، اللام فيه للعهد، بل صار كالعلم بالغلبة حتى لا يفهم غيره عند الإطلاق. (فقال: وجدتم ما وعد ربكم حقًّا فقيل: أتدعو أمواتًا؟) أي: تخاطب، والقائل عمر، جاء في الرواية الأخرى صريحًا.
١٣٧١ - (عن عائشة: إنما قال النبي ﷺ : إنهم ليعلمون) أن الذي قلت لهم كان حقًّا (وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]) هذا الرّد من عائشة ليس بمسلم لأن المثبت مقدم على النافي، والآية التي استدلت بها لا دلالة فيها؛ لأن صدرها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٢٢]، وأما قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] كلام جار على
стр. 1345
١٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ «نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ». قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَاّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ «عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ». طرفه ١٠٤٩
ــ
المتعارف تمثيلًا للكفار بأصحاب القبور، كيف وقد تقدم أن الميت يسمع قرع النعال.
١٣٧٢ - (عبدان) -على وزن شعبان- عبد الله المروزي (الأشعث) بالشين المعجمة آخره ثاء مثلثة (أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر) أي: (قالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر) وكانت عائشة لم تعلم ذلك (فسألت رسول الله ﷺ فقال: نعم عذاب القبر) ثم لازم على الاستعاذة من عذاب القبر، لأنه رأى أنه خفي على أقرب الناس إليه، فأراد إشهاره.
قال الطحاوي: أوحي إليه بعد كلام اليهودية: إن عذاب القبر حق. ولفظ الحديث لا يساعده؛ فإن جوابه حين سؤال عائشة على الفور من غير انتظار وحي، وأيضًا آية عذاب آل فرعون في القبر مكية، وسؤال عائشة بالمدينة بعد كلام اليهودية.
فإن قلت: في رواية مسلم أن رسول الله ﷺ قال لليهودية: "إنما تفتن اليهود" وهذا يخالف قوله: "أوحي إليّ أنكم تفتنون". قلت: أوحي إليه بعد ذلك القول أن بعض الموحدين يُعذّب.
(زاد غندر: عذاب القبر حق) أي زاد على رواية عبدان لفظ حق، وهو خبر المبتدأ، وفي رواية عبدان محذوف.
١٣٧٣ - ثم روى حديث أسماء: أن رسول الله ﷺ صلّى صلاة الكسوف ثم قام
стр. 1346
١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنهما - تَقُولُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِى يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً. طرفه ٨٦
١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا». قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِى، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ
ــ
خطيبًا. وموضع الدلالة قولها: (فذكر فتنة القبر) وقد تقدم الحديث بطوله في باب الفتيا بإشارة الرأس في كتاب العلم (فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة) -بفتح الضاد- مرّة من الضج. قال ابن الأثير: هو رفع الصوت عند إصابة المكروه.
١٣٧٤ - (عياش) بفتح العين والياء المثناة تحت وشين معجمة. روى عن أنس حديث المنكر والنكير، وإن الميت ليسمع قرع نعال الحاضرين حين يجيئه الملكان، والحديث بشرحه تقدم في باب الميت يسمع قرع النعال، وزاد قتادة: أن أنسًا ذكر لهم أنه يفسح في قبره. وقد جاء في رواية "مدّ بصره" وذكر أن الكافر يضرب بمطارق ولفظ الجمع باعتبار أجزاء المطرقة كأنها لعظمها كل جزء منها مطرقة [إمّا أن يكون وإما أن
стр. 1347
حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ».
٨٧ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى عَوْنُ بْنُ أَبِى جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ - رضى الله عنهم - قَالَ خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا».
ــ
يكون] بيد كل واحد منهما مطرقة، وإطلاق لفظ الجمع على الإثنين كثير (يسمعها كل من يليه) أي: ما بين المشرق والمغرب كما جاء في الرّواية الأخرى (غير الثقلين) -بفتح الثاء والقاف- أي الجن والإنس، وقد جاء في رواية مسلم تعليله من قوله: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم".
واعلم أن الحديث دلّ على سؤال المؤمن والكافر، واختلف في الصغار والأنبياء، والذي يظهر عدم السؤال، أما الصغار فلعدم الفائدة؛ إذ لا عذاب عليهم، وأما الأنبياء فلأنهم أجل رتبة من ذلك.
باب التعوذ من عذاب القبر
١٣٧٥ - (محمد بن المثنى) بضم الميم وتشديد النون المفتوحة (عون بن أبي جحيفة) بفتح العين وسكون الواو آخره نون، وأبو جحيفة -بضم الجبم مصغر- وهب بن عبد الله الصحابي المكرّم، راوي الحديث (عن البراء) بفتح الباء والزاء المخففة، وهو أيضًا صحابي، ورواه البراء عن (أبي أيوب) وهو أيضًا صحابي. (خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس) أي: غابت (فسمع صوتًا، ففال: يهود تعذب في قبورها) يهود علم تلك الطائفة غير منصرف.
فإن قلت: قد سلف أنّ الذي يعذب يسمعه في القبر غير الثقلين. قلت: سماع
стр. 1348
وَقَالَ النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَوْنٌ سَمِعْتُ أَبِى سَمِعْتُ الْبَرَاءَ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
١٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَتْنِى ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. طرفه ٦٣٦٤
١٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
ــ
رسول الله ﷺ إنما هو بطريق خرق العادة، فلا ينافي، وكذا ما يسمعه الأولياء.
(وقال النضر) -بالضاد المعجمة- هو ابن شميل، من مشايخ البخاري. وفائدة هذا التعليق التصريح بالسماع من عون بن أبي جحيفة، وفيه دفع وهم التدليس بخلاف السند الأول.
فإن قلت: ليس في الحديث ذكر التعوذ من عذاب القبر كما ترجم عليه. قلت: عذاب القبر لا بدّ وأن يستعيذَ منه عادة، لا سيما ورسول الله ﷺ كان ملازمًا على الاستعاذة بدون السّماع، كما روت عائشة، أو كان في الحديث ذكر التعوذ، ولكن لم يكن على شرطه، فأشار إلى أصل الحديث كما هو دأبه.
١٣٧٦ - ١٣٧٧ - (معلى) بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة (وهيب) بضم الواو مصغر (كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات) أسماء الزمان من الحياة والموت، والفتنة: الابتلاء، ويجوز أن يكون بمعنى الإضلال، فقد جاء في دعائه "أعوذ بك أن أضل".
فإن قلت: كان مصونًا عن فتنة الدّارين، معلوم له، فما وجه استعاذته؟ قلت: الدعاء
стр. 1349
٨٨ - باب عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ
١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ - ثُمَّ قَالَ - بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». طرفه ٢١٦
ــ
مخُّ العبادة، فكما أن سائر طاعته كان شكرًا لما أنعم الله؛ فكذا الدّعاء، وفيه أيضًا إرشاد لأمته، وتعليم لهم تلك الدعوات.
وذكر فتنة الممات بعد ذكر عذاب القبر تعميم بعد التخصيص، كما أن ذكر المسيح الدّجال بعد فتنة المحيا تخصيص بعد التعميم.
باب عذاب القبر من الغيبة والبول
١٣٧٨ - (قتيبة) بضم القاف مصغر. روى في الباب حديث ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ مرّ على رجلين يعذبان في قبورهما، فأخذ عودًا رطبًا، فغرز على كل قبر منه قطعة، وقال: (لعله أن يخفف عنهما لم ييبسا) وقد سلف الحديث في باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، وبعده مرارًا.
وموضع الدلالة هنا: (أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة).
فإن قلت: ترجم على الغيبة وأورد في الحديث النميمة. قلت: الغيبة -بكسر الغين- فعلة من غابه إذا ذكره غائبًا عنه بما فيه مما يتأذى من ذكره، وأما إذا لم يكن فيه فذلك بهتان. والنميمة: نقل كلام الرجل عند غيره على وجه الإفساد، فهي أخص من الغيبة، فلذلك أوردها لوجود الغيبة في ضمنها، ولا يستلزم وجود الخاص وجود العام. وفيه نظر؛ لأن الوعيد على الخاص بخصوصه لا يستلزم الوعيد على العام بعمومه، والحق أنه أشار على دأبه إلى ما رواه الطبراني بلفظ الغيبة.
стр. 1350
٨٩ - باب الْمَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ
١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». طرفاه ٣٢٤٠، ٦٥١٥
ــ
باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
الغداة والغدو: من طلوع الفجر إلى الزوال، والعشي: ما بعد الزوال إلى الغروب.
١٣٧٩ - (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده) أي: مكانين [في] الجنة والنار، والتعبير بلفظ المقعد إشارة إلى الدوام وعدم الزّوال عنه (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) أي: فهو من الفائزين الذين بلغك حالهم فلا يتوهم عدم الفائدة من اتحاد الشرط والجزاء، وقد سبق نظيره في قوله: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله".
فإن قلت: الجسم البالي كيف يعرض عليه؟ قلت: العرض إنما هو للأرواح؛ فإنها أجسام لطيفة لا تفنى بفناء البدن.
فإن قلت: ما معنى قوله: (هذا مقدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)؟ قلت: قيل معناه ترى بعد البعث من الكرامة ما تنسى هذا المقعد؛ وليس بشيء، فإن "هذا مقعدك" إشارة إلى منزله في الجنة.
والصواب: أن المعنى هذا حالك في عرض منزلك من غير دخول إلى البعث، فإذا بعثت دخلت منزلك، يدل عليه رواية مسلم: "هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة".
стр. 1351
٩٠ - باب كَلَامِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَنَازَةِ
١٣٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِى قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا. يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». طرفه ١٣١٤
٩١ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
١٣٨١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ
ــ
باب كلام الميت على الجنازة
١٣٨٠ - (قتيبة) بضم القاف مصغر (أبا سعيد الخدري) بضم الخاء المعجمة ودال مهملة (إذا وضعت الجنازة) قد تقدم أن الجنازة -بفتح الجيم وكسرها- تطلق على الميت والسرير، والحديث مع شرحه سلف في باب حمل الجنازة.
باب ما قيل في أولاد المسلمين
(وقال أبو هريرة: من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار) تقدم هذا عن أبي هريرة مسندًا في باب من مات له ولد فاحتسب. والحنث: كناية عن البلوغ؛ لأنه يكتب عليه الحنث حينئذٍ أي: الإثم، وضمير كان للموت الذي دل عليه السّياق.
١٣٨١ - (ابن علية) -بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء- إسماعيل بن إبراهيم، وعليّة أمه، لم يذكر أحدٌ لها اسمًا غير عليّة (صهيب) بضم الصّاد مصغر (عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله [الله] الجنة بفضل
стр. 1352
رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». طرفه ١٢٤٨
١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا تُوُفِّىَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ». طرفاه ٣٢٥٥، ٦١٩٥
٩٢ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ
١٣٨٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ «اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». طرفه ٦٥٩٧
ــ
رحمته) تقدم الحديث بأطول منه في باب من مات له ولد.
١٣٨٢ - (لما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : إن له مرضعًا) أي: امرأة شأنها الإرضاع، قال الجوهري: يقال امرأة مرضع إذا كان لها ولد ترضِعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مُرْضِعَة، قال الخطابي: ورواه بعضهم مرضعًا -بفتح الميم- إما مصدر أو مكان، والمعنيان متلازمان.
اعلم أنه ترجم على ما قيل في أولاد المسلمين؛ وغرضه أنهم من أهل الجنة، ولم يذكر ما يدل عليه صريحًا. لأنهم إذا كانوا سبب دخول آبائهم يعلم ضرورة أنهم أولى بذلك.
باب ما قيل في أولاد المشركين
١٣٨٣ - (حبّان) -بكسر الحاء وتشديد الموحدة- حبّان بن موسى (أبي بشر) -بكسر الموحدة وشين معجمة- جعفر بن إياس اليشكري (سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين) أي: عن حالهم في الآخرة (قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) في الجواب إجمالٌ، وفيه تفويض إلى علمه؛ أي: من علم الله أنه لو عاش كان مؤمنًا فهو من أهل الجنة؛ ومن عمل عمل أهل النار فهو من أهل النار، وهذا كلام صادق في نفس الأمر.
стр. 1353
١٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ ذَرَارِىِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». طرفاه ٦٥٩٨، ٦٦٠٠
١٣٨٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ». طرفه ١٣٥٨
ــ
قال النووي: الناس في أولاد المشركين ثلاث فرق: الأكثرون أنهم من أهل النار؛ لقوله في الحديث الآخر لما سئل قال: "هم من آبائهم" وتوقفت طائفة. والحقُّ المذهب الثالث؛ وهو أنهم كلهم من أهل الجنة، لما سيأتي في حديث المعراج: أنه رأى إبراهيم وحوله أولاد الناس، قيل: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين". وحديث "من آبائهم" محمول على أحكام الدنيا من جواز الاسترقاق، وعدم الصلاة عليهم.
وهذا الذي قاله هو الحق المؤيد بالدلائل، الأول: الحديث الذي في الباب: "كل مولود يولد على الفطرة"، الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. الثالث: أنه لما قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فهم باقون على ذلك الإقرار، وما رواه الإمام أحمد: أن خديجة سألته عن ولدين لها ماتا في الجاهلية قال: "هما في النار" لا يقابل ولا يعادل هذه الدلائل، وعلى تقدير صحنه يحمل على أنه قال ظنًّا واجتهادًا ثم بان له خلافه.
١٣٨٥ - (كل مولود يولد على الفطرة) على قابلية الإيمان والتّهيؤ بحيث لو تُرك لما اختار غيره، فأبواه هما اللذان يغيران تلك الفطرة، كصبغ الثوب الأبيض أسود (كمثل البهيمة تنتج البهيمة) بنصب البهيمة وتنتج -على بناء المفعول- فيه ضمير قائم مقام الفاعل، فالبهيمة
стр. 1354
٩٣ - بابٌ
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا». قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا». قُلْنَا لَا. قَالَ «لَكِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى فَأَخَذَا بِيَدِى، فَأَخْرَجَانِى إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى
ــ
منتوجة، وربّ البهيمة ناتج، وهذا تمثيل للمعقول بالمحسوس وقد مرّ مرارًا.
باب
كذا وقع من غير ترجمة.
١٣٨٦ - (جرير بن حازم) بالحاء المهملة (أبو رجاء) -بفتح الراء والمدّ- عمران العطاردي (عن سَمُرَة بن جُنْدَب) بفتح السين وضم الميم وضم الجيم وفتح الدال (من رأى منكم الليلة رؤيا) غير منون؛ لأنه غير منصرف كرجعى ونظائره من المصادر (فإذا رجل جالس) ويروى "جالسًا". (قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد) -بفتح الكاف وتشديد اللام، ويقال: كلاب أيضًا- حديدة معوجة، يعلق به اللحم، ويخرج به من القدر.
فإن قلت: قوله: قال بعض أصحابنا، رواية عن المجهول. قلت: هذا لا يقدح، فإنه روى الحديث عن مؤمل بن هشام في كتاب التعبير عن موسى، وكذا في آخر بدء الخلق، وفي أخبار الأنبياء.
قال بعض الشارحين: فإن قلت: هلّا ذكره باسمه حتى لا يلزم التدليس؟ قلت: نسي اسمه، أو لغرض آخر. وهذا لغو في هذا المقام؛ وذلك أن التدليس إمّا أن يكون في الإسناد بأن يقول: قال فلان كذا، موهمًا أنه سمعه منه؛ وإمّا في شيخه بأن يذكره باسم أو كنية أو وصف لم يكن معروفًا به؛ ليتوهم منه علو الإسناد، وليس من هذين الأمرين شيء في
стр. 1355
إِنَّهُ - يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِى فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ. فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِى أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِى فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِى دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِى مِنْهَا فَصَعِدَا بِى الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِى دَارًا هِىَ أَحْسَنُ
ــ
هذا الموضع؛ لأن الذي روى عنه ذلك البعض هو موسى بن إسماعيل شيخه، فكيف يعقل التدليس، وأي فائدة فيه؟
(يدخله في شدقه) -بكسر المعجمة والقاف- أحد جانبي الفم (ورجل قائم على رأسه بفهر) -بكسر الفاء- الحجر ملئ الكف (يشدخ) -بفتح الياء والخاء المعجمة- كسر الشيء الأجوف؛ كالكوز ونحوه (تدهده الحجر) مثل تدحرج وزنًا ومعنى (إلى نقب مثل التنور) -بفتح النون وسكون القاف- ويروى بثاء مثثة بدل النون (فإذا اقترب ارتفعوا) وفي رواية "قرب" ولأبي ذر "فترت" بالفاء والصواب: القاف، عليه المعنى.
(قال يزيد بن هارون ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شطّ النهر رجل بين يديه حجارة) أي: في روايته الشطّ بدل الوسط، وكذا رواه في باب التعبير، وهو الملائم؛ لأن الشط هو الجانب فيكون فيه جمع الحجارة (فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن
стр. 1356
وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. قُلْتُ طَوَّفْتُمَانِى اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِى عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا نَعَمْ، أَمَّا الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالَّذِى رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا. وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِى يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِى دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِى فَإِذَا فَوْقِى مِثْلُ السَّحَابِ. قَالَا ذَاكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ دَعَانِى أَدْخُلْ مَنْزِلِى. قَالَا إِنَّهُ بَقِىَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ». طرفه ٨٤٥
٩٤ - باب مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَقَالَ فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ فِي ثَلَاثَةِ
ــ
وأفضل فيها شيوخ وشباب) لم يذكر هنا النساء لأن هذه دار الشهداء، وقلما يكون النساء والصبيان من الشهداء (يحدث بالكذبة) -بفتح الكاف- المرّة من الكذب (فالشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس) هذا موضع الدلالة؛ فإن أولاد الناس يشمل أولاد المشركين، وقد رآهم مع إبراهيم في الجنة.
فإن قلت: منزل إبراهيم فوق الشهداء، فكيف وجده في أصل الجنة، ودار الشهداء فوقه؟ قلت: لم يقل: إنه كان في منزله ولهم سير في عالم الملكوت وجده هناك، وليلة المعراج وجده في السّماء السادسة تارة؛ وأخرى في السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكان مع الأنبياء في بيت المقدس لما صلّى أمام الأنبياء.
باب الموت يوم الإثنين
١٣٨٧ - (معلى بن أسد) بضم الميم وتشديد اللام (وهيب) بضم الواو مصغر (في كم كفنتم رسول الله؟) أي: في كم ثوب؟ (قالت) هذا كلام عروة يحكي عن عائشة (في ثلاثة
стр. 1357
أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا فِي أَىِّ يَوْمٍ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ فَأَىُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِى هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِى فِيهَا. قُلْتُ إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ إِنَّ الْحَىَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. طرفه ١٢٦٤
ــ
أثواب بيض سحولية) -بفتح السين- نسبة إلى القصار، أو قرية بيمن، وبالضم أيضًا قيل: اسم تلك القرية، قال ابن الأثير: بالضم جمع سحل؛ وهو: الثوب الأبيض النقي (قال: في أي يوم توفي رسول الله؟. قالت: يوم الإثنين) سؤاله عن كمية كفنه وموته في أيّ يوم دل على أنه كان في شدّة من المرض (قال: أرجو فيما بيني وبين الليلة) أي: أرجو الموت؛ أي: بين هذه الساعة وبين الليل، رجاء أن يكون موته موافقًا لرسول الله ﷺ في مثل ذلك اليوم، ولم يكن مقدرًا وفق رجائه.
قال ابن عبد البر: الأكثرون على أنه مات يوم الثلاثاء. ونقل شيخنا أبو الفضل ابن حجر عن ابن المنير: أن الحكم في تأخر موته عن يوم موت رسول الله ﷺ أنه قام بالأمر بعده.
قلت: وكذلك اتفق لعمر فإنه مات يوم الأربعاء، ذكره ابن عبد البر، وفيه رمز إلى مراتبهم أيضًا.
(فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه) -بضم الياء وتشديد الراء- من التمريض؛ وهو: تعاهد المريض والقيام عليه به (ردع من زعفران) أي: أثر ولطخ (اغسلوا أثري هذا) إمّا لإزالة ذلك الردع؛ أو مبالغة في التنظيف (إن الحي أحق بالجديد إنما هو للمهلة) -بضم الميم- الصديد وكذا بكسر الميم والفتح. وقيل: يعود الضمير إلى الجديد، والمهلة: البقاء؛ أي: إنما هو للبقاء، والكفن للتراب والبلى.
فإن قلت: في رواية مسلم: "إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه"؟ قلت: ليس فيه دلالة على أن شرطه أن يكون أحسن موجود، ولا شك أن قميص الصديق كان حسنًا، وربما كان معه في بعض الغزوات والحروب.
стр. 1358
٩٥ - باب مَوْتِ الْفَجْأَةِ الْبَغْتَةِ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -. أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ إِنَّ أُمِّى افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ «نَعَمْ». طرفه ٢٧٦٠
ــ
باب موت الفجاءة بغتة
قال ابن الأثير: يقال: فجئه الأمر، وفجاه فُجاءة -بضم الفاء والمدّ- وفاجأه بغته؛ وكذا قاله الجوهري.
١٣٨٨ - (أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أُمّي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت) قال ابن عبد البر: هذا الرجل هو سعد بن عبادة. وسيأتي ذكره كما قاله في باب الصدقة عن الميت، واسم أمه عمرة بنت مسعود. وافتلتت: افتعال من الفلتة؛ وهي: البغتة، قال ابن الأثير: يروى بنصب النفس ورفعها، فالنصب على أن الفعل تعدى إلى مفعولين مثل: أختلسه الشيء فالمفعول الأول مضمر قائم مقام الفاعل؛ وأمّا الرفع فعلى تقدير أن يعدى الفعل إلى مفعول واحد تقديرُهُ: أخذت نفسها، وإذا كان الفعل جاء متعديًا فلا ضرورة إلى القول بالنصب على التميز، على أن التميز في المعارف لا يرتضيه المحققون من النحاة.
فإن قلت: لم يذكر حكم موت الفجأة؟ قلت: ذكر أن الصدقة عنه تنفعه، وروى ابن أبي الدنيا مرفوعًا: "على أن موتة الفجاءة راحة المؤمن، وأسف الفاجر" وأما ما يروى من كراهة السلف الموت بغتة فلا دليل لهم فيه؛ وانما قالوا ذلك لعدم تمكنه من الوصية وأداء الحقوق.
قال النووي: مات بعض الأنبياء فجاءة والصالحين، وكرهه بعضهم، قال: ويجمع بين القولين بأنه محبوب لمن كان مراقبًا للموت دون غيره.
(فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم) حذف جواب الشرط؛ لأن ما تقدم الشرط يدلّ عليه.
стр. 1359
٩٦ - باب مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما
(فَأَقْبَرَهُ) أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ. (كِفَاتًا) يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا.
١٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ عَنْ هِشَامٍ وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِى زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ «أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ أَيْنَ أَنَا غَدًا» اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِى قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِى وَنَحْرِى، وَدُفِنَ فِي بَيْتِى. أطرافه ٨٩٠
ــ
باب ما جاء في قبر رسول الله وأبي بكر وعمر
(﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]: جعل له قبرًا) أشار إلى تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس:٢١] ذكره من النعم التي أنعم بها على الإنسان بأن أكرمه بعد الموت؛ بخلاف سائر الحيوانات، فإنها تلقى على المزابل للكلاب (﴿كِفَاتًا﴾) -بكسر الكاف- أشار إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] قال الجوهري: الكفات: الموضع الذي يكفت فيه الشيء؛ أي: يضم من الكفت؛ وهو: الضم.
١٣٨٩ - (عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يتعذر في مرضه) قال ابن الأثير: أي يمتنع ويتعسّر عليه، من تعذر عليه الأمر إذا صعب. وفي بعضها "يقدر" بالقاف أي: يحسب قدر الأيام التي يدور فيها على نسائه.
(أين أنا اليوم، أين أنا غدًا) يقول ذلك لعل أن يفطن نساؤه أنه يريد يوم عائشة ففطِن له فأذنّ له، فلما كان اليوم الذي هو دور نوبتها انتقل إلى جوار الله (فلما كان يومي) كان تامة (قبضه الله بين سحري ونحري) -بفتح السين والنون وسكون الحاء فيهما- والسّحر: الرئة، والنحر: الصدر (ودفن في بيتي) هذه فضيلة فوق كل فضيلة، وسيأتي في البخاري أن ابتداء مرضه أيضًا كان في بيتها، إلا أن ظهوره كان في بيت ميمونة.
стр. 1360
١٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِى لَمْ يَقُمْ مِنْهُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِىَ أَوْ خُشِىَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالٍ قَالَ كَنَّانِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِى.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا.
ــ
١٣٩٠ - (أبو عوانة) -بفتح العين-: الوضاح الواسطي (قال في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لولا ذلك أبرز قبره).
فإن قلت: قد أُبرز أعظم ما يكون؟ قلت: ليس إبرازه على وجه يمكن أن يكون مسجدًا؛ بل بني على وجه لا يصلي إليه أحد.
(وعن هلال قال: كَنَّانِي عروة ابن الزبير ولم يولد لي) قيل: كناه أبا أمية، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا الجهم.
وغرض البخاري أن هلالًا لقي عروة؛ فإن روايته في السند معنعن، واتفق العلماء على سماعه من عروة.
(محمد قال: أخبرنا عبد الله) كذا وقع غير منسوب، قال الغساني: نسبه ابن السكن في بعض المواضع محمد بن مقاتل، وعبد الله الذي يروي عنه هو ابن المبارك، قال الغساني: وكذا نسبه البخاري في مواضع (أبو بكر بن عياش) بفتح العين وتشديد المثناة تحت (عن سفيان التمّار) -بفتح المثناة- الذي يبيع التمر (رأي قبر النبي ﷺ مُسنمًّا) -بضم الميم وتشديد النون- أي: مرفوعًا كسنام الإبل، وأخذ بذلك أبو حنيفة ومالك وأحمد وكثير من الشافعية لقبور المسلمين؛ وقال الشافعي: يسطح؛ لما روى أبو داود عن القاسم بن محمد: رأيت قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء الحمراء.
قال الشافعي: وبلغنا أن رسول الله ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم. وفي رواية مسلم: أن
стр. 1361
حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِىٌّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْحَائِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ لَا وَاللَّهِ مَا هِىَ قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ مَا هِىَ إِلَاّ قَدَمُ عُمَرَ - رضى الله عنه -. طرفه ٤٣٦
١٣٩١ - وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ - رضى الله عنهما - لَا تَدْفِنِّى مَعَهُمْ وَادْفِنِّى مَعَ صَوَاحِبِى بِالْبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا. طرفه ٧٣٢٧
١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِىِّ قَالَ رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه -
ــ
علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته. وقبور الأنصار والمهاجرين كانت مسطحة. وأجاب عن رواية سفيان التمّار بأنه إنما رآه مسنمًا بعدما سقط الحائط في إمارة الوليد بن عبد الملك، وكان الأمير على المدينة عمر بن عبد العزيز فأمر بأن يحفر موضع الحائط إلى أساس، وهذه الحجرة من سقف المسجد إلى الأرض هو الذي بناها.
(فروة بن أبي المغراء) بفتح الميم والغين المعجمة والمد (علي بن مسهر) بفتح الميم وكسر الهاء.
١٣٩١ - (عن عائشة: أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم) أي: مع النبي ﷺ وصاحبيه (وادفني مع صواحبي بالبقيع) بين مقابر المسلمين (لا أزكى به أبدًا) -بضم الهمزة وفتح الكاف على بناء المجهول- أي: لأن لا أزكى بالدفن معهم أن يذكر الناس أن عائشة مدفونة عند رسول الله ﷺ ، وهذا نهاية التقوى. ويروي "لا أزكي" -بكسر الكاف- أي: لا أزكي بذلك نفسي أبدًا على أنه قيد للنفي.
١٣٩٢ - (قتيبة) أيضًا بضم القاف مصغر، وكذا (حصين)، (عن عمرو بن عوف بن ميمون الأودي) -بفتح الهمزة ودال مهملة- نسبة إلى جدّه، قال الأفوه الأودي:
ملكنا مُلكٌ لَقاحٌ أوَّلٌ ... وأبونا من بني أَوْدٍ خيارُ
стр. 1362
قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَىَّ. قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِى، فَلأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِى. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ مَا كَانَ شَىْءٌ أَهَمَّ إِلَىَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِى ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَإِنْ أَذِنَتْ لِى فَادْفِنُونِى، وَإِلَاّ فَرُدُّونِى إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، إِنِّى لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِى فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ، كَانَ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ
ــ
(يا عبد الله اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل: إن عمر يقرأ عليك السلام ثم سلها أدفن مع صاحبي) هما رسول الله ﷺ وأبو بكر (فإذا قُبضت) على بناء المجهول (فاحملوني ثم سلموا، ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت فادفنوني، وإلا ردوني إلى مقابر المسلمين).
فإن قلت: فأي حاجة إلى هذا الإذن بعد أن أذنت في حياته؟ قلت: من غاية تقواه خاف أن يكون ذلك الإذن حياءً منه؛ إذ كان حيًّا، أو يكون بدا لها بعد ذلك الإذن.
(إني لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر) يريد الإمارة على المؤمنين والخليفة بعده (وولج عليه شاب من الأنصار، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى من الله) سيأتي في المناقب أن قائل هذا الكلام هو ابن عباس، ويجوز الجمع بين القولين بصدوره من كل واحد منهما (ثم الشهادة بعد هذا كله) لأنه قتل ظلمًا؛ فهو شهيد عند الله ثوابًا وإن كان في أحكام الدنيا يغسل ويصلى عليه، وسيأتي بيان قاتله، وكيفية القتل في البخاري إن شاء الله (وقدم في الإسلام) -بفتح القاف والدال- قال ابن الأثير: يقال: لفلان قدم في الخير والشر؛ أي:
стр. 1363
هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ لَيْتَنِى يَا ابْنَ أَخِى وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَىَّ وَلَا لِى أُوصِى الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِى بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. أطرافه ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧
٩٧ - باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ
١٣٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنِ الأَعْمَشِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الأَعْمَشِ.
ــ
تقدم وسابقة، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
(أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين) هم الذين صلوا إلى القبلتين (وأوصي بالأنصار خيرًا، الذي تبوؤوا الدار والإيمان) أي: دار الهجرة ودار الإيمان، حذف المضاف الثاني لدلالة الكلام عليه، أو تبوؤوا الدار وأظهروا الإيمان، يقال: بوأت المنزل إذا هيأته.
باب ما ينهى من سب الأموات
السبّ: هو الشتم، ونسبة الشخص إلى العار.
١٣٩٣ - (قال النبي ﷺ : لا تسبّوا الموتى فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا) أي: لا خير في ذلك فإنه قد وصل إلى ما قدم من العمل، وفائدة سب الحي أن يرجع إلى الحق ويترك ما كان فيه إذا سمع ما يكره.
فإن قلت: قد سلف أنهم أثنوا على جنازة شرًّا ولم ينه عنه؟ قلت: كان ذلك منافقًا، والحقُّ أن الظلمة من المؤمنين أيضًا يجوز سبُّهم، وقد روي عن الحسن البصري لما بلغه موت الحجاج بالغ في سبّه، وقول البخاري في الباب بعده سبّ الشرار دون الكفار يدل على هذا.
стр. 1364
تَابَعَهُ عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ شُعْبَةَ. طرفه ٥٦١٦
٩٨ - باب ذِكْرِ شِرَارِ الْمَوْتَى
١٣٩٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ أَبُو لَهَبٍ - عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ - لِلنَّبِىِّ ﷺ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ. فَنَزَلَتْ (تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ) أطرافه ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣
ــ
(تابعه علي بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين (ومحمد بن عرعرة) بعين وراء مكررتين مهملتين (وابن أبي عدي) -بفتح العين وكسر الدال-: محمد بن إبراهيم (ورواه عبد الله بن عبد القدوس ومحمد بن أنس عن الأعمش) الأولى متابعة تامة والثانية ناقصة، والتعبير أولّا بالمتابعة وثانيًا برواه تفنن في العبارة.
واعلم أن النهي عن سب الأموات إنما هو فيمن مات مؤمنًا لما سيأتي في الباب بعده.
باب ذكر شرار الموتى
شرار جمع شر، صفة مشبهة؛ كخيار في خير.
١٣٩٤ - (غياث) بكسر المعجمة آخره ثاء مثلثة (عمرو بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء (قال أبو لهب للنبي ﷺ : تبًّا لك سائر اليوم، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]) التب والتباب هو الهلاك، وسائر اليوم جميعه؛ قاله الجوهري، وقد يطلق على بقية الشيء.
فإن قلت: الآية نزلت وأبو لهب حيّ، فأين ذكر شرار الناس؟ قلت: قراءة سورة تبت إلى آخر الدهر ذكرٌ لأبي لهب بكل شر، وسيأتي الحديث بطوله في سورة الشعراء وفي سورة تبت إن شاء الله تعالى، والله الموفق.
стр. 1365
٢٤ - كتاب الزكاة
١ - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - حَدَّثَنِى أَبُو سُفْيَانَ - رضى الله عنه - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ.
ــ
كتاب الزكاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب وجوب الزكاة
(قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال ابن عباس: حدثني أبو سفيان، فذكر حديث النبي ﷺ ) أي: في إرساله إلى هرقل بكتابه، والحديث بطوله سلف [في] باب بدء الوحي، وموضع الدلالة هنا قوله: (يأمرنا بالصلاة والزكاة) قال ابن الأثير: الزكاة الطهارة والنماء والبركة والمدح وبكل ذلك قد جاء في القرآن والحديث.
وفي عرف الفقهاء: هو المال المخرج بشرائط معلومة في كتب الفروع، ويطلق على إخراج ذلك المال أيضًا، فعلة بمعنى التزكية، فهي طهرة للأموال وسبب نمائها، وهي أول واجب بعد التوحيد، لكن بيان المقادير كان بالمدينة، قال الله تعالى في آخر المزمل: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١٨] وقال في [فُصِّلَت]: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] وهاتان السورتان من أوائل القران نزولًا، والمقاديرُ تقررت بالمدينة، والزكاة أحد أركان الإسلام التي بني عليها الإسلام، من أنكر وجوبها كفر.
стр. 1366
١٣٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِىٍّ عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا - رضى الله عنه - إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». أطرافه ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢
ــ
١٣٩٥ - (أبو عاصم الضحاك بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) نسبة إلى الصيف ضد الشتاء (عن أبي معبد) بفتح الميم وسكون العين بعدها باء موحدة (أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن) قال الحاكم: كان إرساله بعد مقدمه من غزوة تبوك، بعثه وأبا موسى الأشعري كل واحد منهما على مخلاف، والمخلاف -بكسر الميم والخاء المعجمة- الرستاق في عرف أهل العراق والريف في عرف أهل مصر (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عيهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم).
فإن قلت: الزكاة وجوبها كان مقدمًا على الصلاة، فلم أخره في هذه القصة؟ قلت: الصلاة عامة في كل مكلف، والزكاة إنما تجب على الأغنياء، وأيضًا الصلاة عماد الدين، وأظهر شعائر الاسلام.
واستدل الشافعي ومالك بالحديث على عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد؛ اللهم إلا أن لا يوجد المستحق في ذلك البلد؛ لقوله ﷺ : "ترد في فقرائهم".
فإن قلت: مصارف الزكاة ثمانية بنص القرآن، فكيف وقع الاقتصار على الفقراء؟ قلت: آية المصارف محكمة، والاقتصار على الفقراء في الحديث لكون الفقراء أعم وجودًا.
فإن قلت: لم يذكر في الحديث الصوم والحج مع كونهما واجبين؟ قلت: الحج في
стр. 1367
١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ رضى الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِى الْجَنَّةَ. قَالَ مَا لَهُ مَا لَهُ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَرَبٌ مَا لَهُ،
ــ
العمر مرة على من استطاع سبيلًا، والصوم في السنة مرّة وأيضًا القائم بالصلاة والزكلاة الأكثر أنه لا يخل بهما، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] كيف اقتصر عليهما.
١٣٩٦ - (عبد الله بن موهب) بفتح الميم والهاء (عن أبي أيوب الأنصاري) خالد بن زيد (أن رجلًا قال للنبي ﷺ أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: مَا لَهُ؟ وقال النبي ﷺ :أرب ما له).
هذا الرجل ذكروا أنه لقيط بن صبرة العنسي، وقال ابن قتيبة: هذا القائل أبو أيوب، وقد وهم في ذلك، فإن أبا أيوب راوي الحديث، والجواب عنه بانه يجوز أن يبهم الراوي نفسه، يرده رواية مسلم عن أبي أيوب، أن أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ ، وقوله: "ما له ما لهُ" من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما كرر الاستفهام تعجبًا من سؤاله، وماذا حمله على هذا السؤال، ثم أعرض عن ذلك وقال: "أرب ما له" قال ابن الأثير وغيره: هذه الكلمة تروى على ثلاثة أوجه:
الأول: أرب فعلًا ماضيًا على وزن علم؛ ومعناه: الدّعاء عليه أي: أجبت آرابهُ: أي: أعضاؤه، ولا يراد وقوع ذلك، بل هو مثل تربت يداه ونحوه، وفي تأويل هذا الدعاء قولان: الأول: التعجب من حرصه. والثاني: كراهته؛ لذلك السؤال والأول هو الملائم؛ لقوله: "ما له ما له". وقيل: هو من أرب الرجل إذا احتاج كأنه لما قال: "ما له" ثم قال: "أرب" أي: احتاج إلى السؤال "ما له"، أي: أيُّ شيء يريد، وفيه بُعْد لأنه تقدم منه قوله: أخبرني عن عمل يدخلني الجنة.
والوجه الثاني: أَرَبْ على وزن فَرَسْ وما زائدة؛ أي: له حاجة.
والوجه الثالث: أرب على وزن كَتِف -بفتح الأول وكسر الثاني- والأرب: العاقل الحاذق، أي: السائل كامل العقل، فإنه سأل عن أمر مهم له، وتعجب منه كيف اهتدى إلى
стр. 1368
تَعْبُدُ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَقَالَ بَهْزٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو .. طرفاه ٥٩٨٢، ٥٩٨٣
١٣٩٧ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ
ــ
هذا المطلب العزيز مع غفلة أكثر الناس عنه، وتقديره: هذا رجل حاذق، وهذا أحسن الوجوه، قال ابن الأثير: ورواه الهروي بكسر الهمزة وسكون الراء ومعناه الخبرة والعلم، وهذا أيضًا يؤيد الوجه الأخير.
(تعبد الله ولا تشرك به شيئًا) استئناف على الجواب، واقتصر فيه على الصلاة والزكاة؛ إما لأن الصوم والحج لم يكونا واجبين حين السؤال، أو لأن الآتي بالصلاة والزكاة لا يُخل بغيرهما، فاقتصر عليهما لأنهما أُمّا العبادات كما اقتصر عليهما في مواضع من القرآن الكريم.
(وقال بهز) -بفتح الباء وسكون الهاء آخره زاي معجمة- هذا تعليق؛ لأنّ بهزًا شيخ شيوخه، وسيأتي في كتاب الأدب موصولًا عطف المعلق على المسند، وغرضه أنّ في الطريقين وهم شعبة في تسمية عمرو بن عثمان، قال الدارقطني والغساني والكلاباذي: إن شعبة وهم في قوله: محمد بن عثمان، فإن راوي الحديث إنما هو عمرو بن عثمان، وفي رواية النسائي أيضًا عن محمد بن عثمان، وروى البخاري في كتاب الأدب عن شعبة عن ابن عثمان من غير تعيين.
١٣٩٧ - (عفان بن مسلم) بفتح العين وتشديد الفاء (وهيب) بضم الواو مصغر (سعيد بن حيان) بفتح الحاء ومثناة تحت (أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته
стр. 1369
دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا».
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
ــ
دخلت الجنة؟ قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان).
فإن قلت: لم يذكر في جواب السائل الأول قيد الفرض والكتابة وذكره هنا؟ قلت: هذا السائل أعرابي يحتاج إلى زيادة بيان؛ بخلاف الأوّل فإنه مخالط يعرف الفرائض وسائر الأحكام، أو ذكره ولكن لم يحفظ الراوي.
(قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا) في رواية "ولا أنقص".
فإن قلت: كيف حلف على عدم زيادة الخير؟ قلت: أجابوا بأنه كان وافد قومه، أراد أنه لا يزيد في إخبارهم به على ما سمع ولا ينقص، أو اليمين مصروفة إلى الفرض؛ أي: لا أزيد؛ أي: فرضًا آخر على ما سمعت.
(فلما ولى قال النبي ﷺ : من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا).
فإن قلت: جاء في الرواية الأخرى أنه قال ﷺ أفلح: إن صدق"؟ قلت: إما أن يكون ذلك غير هذا، أو قال في وجهه: "أفلح إن صدق" ترغيبًا له، ولئلا ينفر فلما ولّى قال في شأنه هذا، أو لا يكون علم بكونه من أهل الجنة ثم أعلم بذلك.
(عن ابن حيان) -بفتح الحاء وتشديد المثناة تحت- هو يحيى بن سعيد بن حيان الذي تقدم ذكرهُ آنفًا، ذكره هناك باسمه وهنا بكنيته (عن أبي زرعة) -بضم المعجمة وسكون المهملة- اسمه هرم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل غير هذا.
قال بعض الشارحين: الحديث في هذا الطريق مرسل؛ لأن أبا زرعة تابعي، فليس له أن يقول عن رسول الله ﷺ إلا على طريق الإرسال، والظاهر أنه وقع في نسخته سقط، وإلا في جميع النسخ عن أبي هريرة.
стр. 1370
١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَاّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَىْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ - وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ».
ــ
١٣٩٨ - (حجاج بن منهال) بفتح الحاء وتشديد الجيم وكسر الميم (حمّاد) بفتح الحاء وتشديد الميم (أبو جمرة) -بالجيم- نصر بن عمران الضبعي. روى في هذا السند حديث وفد عبد القيس، وقد سلف بشرحه في كتاب الإيمان، في باب أداء الخمس، ونشير هنا إلى بعض ألفاظه:
قال الجوهري: الوفد جمع وافد، والوافد من يرد إلى الملوك لِمُهِمٍّ يتعلق بمن وراءه من قومه. وعبد القيس قبيلة من أسد، أولاد عبد القيس بن أقصى بن دُعمي جديلة، وربيعة ومضر ابنا نزار بن عدنان. ونقل بعضهم عن ابن بطال أن عبد القيس قبيلة وربيعة بطن منهم ومضر وقريش. وفيه خبط؛ لأن قولهم: إن هذا الحي من ربيعة يدل على أن عبد القيس بطن من ربيعة؛ لا العكس. وقوله مضر وقريش أيضًا؛ لأن قريشًا أولاد النضر بن كنانة. قال الجوهري وغيره: وبين كنانة ومضر مسافة بعيدة.
(إنا هذا الحي) بالنصب على الاختصاص، وفي بعضها: "أنّ هذا الحي" (ولسنا نخلص إليك إلا في الشهر الحرام) أرادوا الأشهر الحرم، فاللام للجنس (فمرنا بشيء نأخذه عنك) بالرفع صفة الشيء (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع) والكلام على أن المأمور بها في الإجمال أربع والتفصيل خمس، تقدم في باب أداء الخمس، وملخصه أن المأمور به أصالة هي الأربع، وذكر أداء الخمس وقع استطرادًا؛ لأنهم كانوا أهل جهاد، فالمعدود أصالة هي أركان الإسلام.
فإن قلت: تقدم هناك ذكر الصوم وأنه من الأربع؟ قلت: تَرْكُهُ ذهول من بعض الرواة؛ لأن القصة متحدة.
следующие страницы →