Полный текст (5 311 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِىَ رَجُلاً، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». أطرافه ١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤
١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِىَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». طرفاه ٢٠٧٥، ٢٣٧٣
١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى ثُمَّ قَالَ «يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ،
ــ
يفنى، وأجر الصبر باق، وأما كونه أوسع فإنه يدوم دوام العمر، والمال يفنى سريعًا، والجار في "من الصبر" يتعلق بأحد الفعلين على طريق التنازع.
١٤٧٠ - (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله منعه أو أعطاه) لأنه إن منعه فقد أراق ماء وجهه بلا فائدة؛ وإن أعطاه فكان وسخًا من الأوساخ، واحتطابه حفظٌ عن ذلك كله، وكسب للحلال الذي هو دأب الأنبياء والأولياء.
١٤٧١ - (وهيب) بضم الواو مصغر (بحزمة حطب) -بضم الحاء وسكون الزاي- مقدار ما يربط بالحبل.
١٤٧٢ - (أنَّ حكيم بن حزام) بكسر الحاء وزاي معجمة (قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته، فأعطاني، ثم سألته، فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إنَّ هذا المال حلوة خضرة) الإشارة إلى الجنس، وذكر أحسن الطعوم والألوان؛ اللذان هما يجذبان النفس،
стр. 1437
فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ - رضى الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ إِنِّى أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّى أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّىَ. أطرافه ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١
ــ
ويحثانه على الطلب، والثانية باعتبار الأنواع، وذكَّر الضمير في قوله: (فمن أخذه) باعتبار اللفظ (بسخاوة نفس بورك له فيه) أي: بسهولة وعدم تكلف؛ من السخو؛ وهو: السهولة، قاله الجوهري.
(ومن أخذه بإشراف نفس) الإشراف: الاطلاع على الشيء طمعًا وحرصًا؛ من الشرف، وهو المكان العالي، ونفس السائل أشرنا إليه، وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى: "وأنت غير مشرف" فقول القاضي: يجوز أن يكون نفس المعطي، في غاية السقوط.
(وكان كالذي يأكل ولا يشبع) تشبيه المعقول بالمحسوس، والذي يأكل ولا يشبع من به جوع الكلب؛ مرض معروف، قيل: يشبه الحطب مع النار، كلما كثر الحطب ازدادت النار اشتعالًا (اليد العليا خير من اليد السفلى) صريح في أنَّ اليد العليا هي المعطية والأوفق للمقام أن يراد بها المتعفف؛ لأنه بصدد المنع عن السؤال، والحث على الكسب.
(فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أزرأ بعدك شيئًا) بتقديم الزاي المعجمة [أعلى] المهملة، أي: لا أسأل ولا أقبل من أحدٍ، وأصل الرزء: النقص، كما في حديث صاحب المزادتين، قال لها رسول الله ﷺ :"اعلمي أنَّا ما رزئنا من مائك شيئًا".
стр. 1438
٥٢ - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِى الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّى فَقَالَ «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَىْءٌ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». طرفاه ٧١٦٣، ٧١٦٤
ــ
باب: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] ومن أعطاه الله شيئًا من غير مسألة، ولا إشراف نفس
١٤٧٣ - روى في الباب عن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان يعطيه العطاء فيقول: أعطه من هو أفقر مني إليه (فقال له رسول الله ﷺ : ما جاءك من مال الدنيا من غير طلب ولا إشراف نفس لا تردَّه) لأنك تصرفه في وجوه الخير يبقى لك أجره واستدل البخاري بالآية الكريمة؛ لأن الله ساقها في معرض المدح على الذين يعطون من أموالهم المحتاجين.
قال النووي: اختلف العلماء فيمن جاءه مال من غير طلب ولا إشراف نفس، هل يجب عليه قبوله؟ قال: والحق أنه لا وجوب بل يستحب إذا كان حله معلومًا؛ وأمَّا عطية السلطان إن كان الغالب على ما تحت يده الحرمة فالأخذ حرام؛ وإلا فمباح. وقال طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره، وآخرون مندوب من السلطان وغيره، والمراد بالمحروم المتعفف؛ ولذلك أوقعه في مقابلة السائل، وبه وفق حديث عمر.
فإن قلت: إعطاؤه لعمر لم يكن من الزكاة؟ قلت: أشار إلى عدم الفرق، وأن الفقير إذا أعطي من الزكاة من غير طلب، فيندب له قبوله، أما أن ينفق رسول الله ﷺ على نفسه؛ أو يعطيه لآخر فيحصل له الأجر.
стр. 1439
٥٣ - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا
١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».
١٤٧٥ - وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ». وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى جَعْفَرٍ «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِى حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ».
ــ
باب من يسأل الناس تكثرًا
١٤٧٤ - (يحيى بن بكير) بضم الباء (قال النبي ﷺ ما يزال الرَّجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة، وليس في وجهه مزعة لحم) -بضم الميم وزاي معجمة وعين مهملة- أي: قطعة، محمول على الحقيقة، يفعل الله ما يشاء، أو مجاز عن الذلة، يقال: فلان ليس له وجه عند الناس؛ أي: قدر، وهذا متعارف بين الناس (وقال: إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الآذان).
فإن قلت: أي مناسبة لهذا الكلام بما قبله؟ قلت: هذا حديث مستقل عطفه على الحديث قبله، كأنه سمع الحديثين في مجلس واحد فنقل كما سمع، وهذا الذي يبلغ العرق آذانه هو الكافر، وفي رواية مسلم: "تكون الشمس على مقدار ميل، والناس في العرق على قدر أعمالهم، آخرهم من يلجمه العرق إلجامًا".
١٤٧٥ - (فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم) للشفاعة (فيشفع ليقضى بين الخلق) على بناء المجهول، هذه الشفاعة العظمى ليقضي الله بين العباد كافة، المؤمن والكافر (فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب) أي: باب الجنة فيفتح له، فإذا دخل الجنة رأى ربه، فخرَّ له ساجدًا، فهناك تقع الشفاعة، وبه يظهر أن لا وجه لحمل حلق الباب على كونه مجازًا عن القرب.
فإن قلت: ليس في الباب ما يدل على التكثر كما ترجم له؟ قلت: قيل أشار إلى ما
стр. 1440
وَقَالَ مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِى الزُّهْرِىِّ عَنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْأَلَةِ. طرفه ٤٧١٨
٥٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وَكَمِ الْغِنَى
ــ
رواه مسلم: "من سأل الناس تكثرًا" ولا حاجة إلى ذلك فإن قوله: "ما يزال الرجل يسأل" دال عليه، ولذلك لم يبق في وجهه مزعة لحم.
فإن قلت: ما الحكمة في ذلك، وهلا شفع في الموقف؟ قلت: الحكمة -والله أعلم- أنَّ الجنة دار الرحمة، فخرج من موضع الغضب، وأيضًا من يشفع لأحد عند ملك يذهب إلى بابه ليكون له حرمة الدخول في حريمه، وإليه أشار في الرواية الأخرى: "فأستاذن على ربي في داره".
(وقال: معلَّى) -بضم الميم وتشديد اللام- هو معلى بن أسد شيخ البخاري والرواية عنه بقال لأنه سمعه منه ذاكرة لا تحملًا (في المسألة) أي: متابعته لابن بكير إنما هو في المسألة، أي: في سؤال الناس لا في الزيادة بعدها، وهذا القدر هو الذي ترجم الباب عليه، واعلم أن بكون السؤال تكثرًا كثرة توعد عليها الشارع؛ وأما إذا لم يكن تكثرًا فتارة يكون واجبًا ومباحًا ومندوبًا باعتبار الأحوال والأوقات.
باب قول الله : ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وكم الغنى
الإلحاف: المبالغة، قال ابن الأثير: منه ألحف شاربَهُ؛ أي: استأصله، وللمفسرين في معنى الآية قولان:
الأول: أن النفي متوجه نحو القيد، أي: يسألون، لكن لا على وجه الإلحاف، كقولك في ضرب الغلام: ما ضربته عبثًا.
والثاني: نفي أصل الكلام القيد مع المقيد؛ أي: يسألون رأسًا، وهذا هو الظاهر؛ لأن الآية نزلت في أصحاب الصفة، ولم ينقل عن أحد منهم السؤال.
стр. 1441
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ». (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إِلَى قَوُلِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).
١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِى تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِى لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِى أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا». طرفاه ١٤٧٩، ٤٥٣٩
ــ
وأمَّا قوله: وكم الغنى فلم يورد له حديثًا، كأنه لم يجده بشرطه، قال ابن الأثير في "النهاية": من سأل وله أربعون درهمًا فقد سأل إلحافًا. وعن ابن مسعود: خمسون درهمًا. وروي: قدر ما يغديه ويعشيه. والغِنى -بكسر الغين مقصورًا- هو اليسار، ويكتب بالياء، وعليه اتفقت الروايات، قال بعض الشارحين: لو صحت الرواية بفتح الغين والمد كان معناه الكفاية، وهذا سهو؛ لأن الكفاية هي معنى الإغناء، وأمَّا الغناء -بالفتح والمد- هو: النفع، ولا معنى له في الحديث.
(وقول النبي ﷺ : ولم يجد غنى يغنيه) هذا بعض حديث أبي هريرة في الباب: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَن له". (لقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] دليل عليه؛ لأن الآية شرح له، ولذلك أعاد الآية بعد أن صدَّر الترجمة بآخرها، لأنه الحكم الذي استدل عليه بصدر الآية، وما يقال: إن قوله: تعالى علةٌ لقوله: وكم الغنى، فليس كذلك؛ إذ يلزم منه أن تكون الصدقة منحصرة فيمن يكون بهذه الصفة، وليس كذلك؛ بل الآية مسوقة لبيان الأولوية، وأيضًا ليس فيها ما يدل على كمية الغنى.
١٤٧٦ - (حجاج بن منهال) بفتح الحاء وتشديد الجيم وكسر الميم (محمد بن زياد) بكسر الزاي بعدها ياء (لكن المسكين الذي لا يجد غنى ويستحيي، أو لا يسأل الناس إلحافًا) يجوز أن يكون شكًّا من الراوي، أو لفظ "أو" بمعنى الواو، وهذا أظهرُ لرواية أبي هريرة "ولا يقوم فيسأل الناس" واعلم أن نفي المسكنة عن غيره نفي الكمال؛ أي: ليس كاملًا في المسكنة؛ للإجماع على جواز صرف الزكاة إليه.
стр. 1442
١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِىِّ حَدَّثَنِى كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَىَّ بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». طرفه ٨٤٤
١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِىُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
ــ
١٤٧٧ - (ابن علية) -بضم العين وتشديد الياء مصغر- اسم أمه، وأبوه إبراهيم (ابن أشوع) -بفتح الهمزة وشين معجمة- نسبته إلى جده؟ وهو: سعيد بن عمرو بن أشوع قاضي الكوفة (الشعبي) -بفتح الشين- أبو عمرو، عامر الكوفي (كاتب المغيرة) اسمه ورّاد (إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، واضاعة المال، وكثرة السؤال) قيل وقال: فعلان، الأول على بناء المفعول؟ والثاني على بناء الفاعل، والمعنى: لا يتحدث بكل ما سمع حتى يعلم صدقه، ولا يكتفي بقال فلان، ولا بقيل، كذا لما في الحديث: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" وقال الجوهري: هما اسمان منونان، والمعنى: النهي عن كثرة الكلام، وهذا بين الناس متعارف، يقال: دعني من القيل والقال.
فإن قلت: لو كانا اسمين كان الظاهر تعريفهما قلت: التنوين للتقليل مبالغة في النهي عن أدنى ما يصدق عليه هذا المعنى، وأما قول صاحب المحكم: القيل يستعمل في الخير، والقال في الشر، فليس بشيء؛ لقراءة ابن مسعود: ذلك عيسى ابن مريم قال الحق.
فإن قلت: ما إضاعة المال؟ قلت: الإسراف والتبذير، وصرفه في المحرمات، وعدم رعاية العبيد والإماء وسائر الرقاب.
وكثرةُ السؤال الظاهر منه أنه النهي عن الأمور الغير المهمة، والتعمق في طلب الحلال، وأن لا يعتمد على قول الناس، ويبالغَ في الفحص؛ فإنه يوجب تضييع العمر في غير طاعة الله، والوسوسة في الدين، والبخاري حمله على سؤال الناس إلحافًا.
١٤٧٨ - (محمد بن غرير) بضم المعجمة مصغر.
стр. 1443
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلاً لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَاللَّهِ إِنِّى لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ «أَوْ مُسْلِمًا» قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَاللَّهِ إِنِّى لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ «أَوْ مُسْلِمًا». قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَاللَّهِ إِنِّى لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ «أَوْ مُسْلِمًا - يَعْنِى فَقَالَ - إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ هَذَا فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِى وَكَتِفِى
ــ
روى حديث سعد بن أبي وقاص: (أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وأنا جالس وترك رجلًا هو أعجبهم إليّ) مع شرحه سلف في كتاب الإيمان، في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ونشير هنا إلى بعض مواضعه:
(الرّهط) من الثلاثة إلى العشرة في الرجال خاصة (مالك عن فلان، والله إني لأراه مومنًا؟) قال النووي: بفتح الهمزة معناه العلم؛ لقوله: (ثم غلبني ما أعلم فيه)، (قال: أو مسلمًا) أو تراه مسلمًا، لقنه الصواب في الحكم عليه؛ لأن الإسلام يتعلق به ظاهرًا، وأمّا الإيمان فمحله القلب، ولا اطلاع لأحد على ذلك، ولا دلالة فيه على أن المسلم عند الله قد لا يكون مؤمنًا؛ بل كل مسلم عند الله فهو مؤمن؛ وبالعكس (إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إلي خشية أن يكب في النار) أي: لضعف إيمانه إذا لم يعط ينكر ذلك الفعل، ولا شك أن الاعتراض على رسول الله ﷺ في أحكام كفر، ويكب -على بناء المجهول- أي: يلقى في النار على وجهه معكوسًا.
(وعن أبيه) عطف على أبيه في قوله: حدثنا يعقوب عن أبيه (سمعت أبي يحدث) أبوه محمد بن سعد، رواه مرسلًا تقوية لما أسنده أولًا (فضرب رسول الله ﷺ فجمع بين عنقي وكتفي) أي: وقع ضربه على الموضعين، وفي بعضها: بجمع -بالباء الموحدة وضم الجيم
стр. 1444
ثُمَّ قَالَ «أَقْبِلْ أَىْ سَعْدُ إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (فَكُبْكِبُوا) قُلِبُوا (مُكِبًّا) أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتَ كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. طرفه ٢٧
١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِى يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِى لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». طرفه ١٤٧٦
ــ
وسكون الميم- أي: بمجموع يده، والمعنى على هذا أن ضربه هذا وقع بين العنق والكتف، وجعله على هذه الرواية من قبيل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] سهو؛ لأن البينَ في قراءة الرفع: الوصلُ؛ ضد الفراق.
(ثم قال: أقبل) -بهمزة القطع- من الإقبال، ويروى بالوصل؛ من القبول، وفي رواية مسلم: "أقتالًا يا سعد" وهذه الروأية تلائم الضرب أشدّ ملائمة.
(أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد) أي: هو فعل لازم؛ لا يتجاوز عن فاعله (فإذا وقع قلت: كبه الله على وجهه) أي: الثلاثي متعد عكس المزيد، وهذا معدود من النوادر؛ لأن القاعدة أن الثلاثي إذا كان لازمًا ونقل إلى المزيد يصير متعديًا، هذا كلام الجمهور، ولم يرتضه صاحب الكشاف، قال: الهمزة في أكب ليست للمطاوعة؛ بل مطاوع كبّه انكبَّ، ومعنى أكب صار ذا كب؛ مثل أغدّ إذا صار ذا غدّة، قال: وأمّا قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤] إنما كرر ليدل على تكرار المعنى؛ أي: كبَّا بعد كبّ في النار، أعاذنا الله منها بحرمة نبيه نبي الرحمة ﷺ .
١٤٧٩ - (عن أبي الزناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان) -بضم اللام- اسم ما يلقم في الفم؛ كالأكلة لفظًا ومعنى.
стр. 1445
١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ - أَحْسِبُهُ قَالَ - إِلَى الْجَبَلِ فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِىِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ.
٥٥ - باب خَرْصِ التَّمْرِ
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِىِّ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِىَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ
ــ
١٤٨٠ - (غياث) بكسر المعجمة آخره ثاء مثلثة. وحديث أبي هريرة: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب) تقدم في باب الاستعفاف قريبًا.
باب خرص التمر
الخرص -بالخاء المعجمة والضاد المهملة- الظن والتخمين قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
١٤٨١ - (بكار) بفتح الباء وتشديد الكاف (وهيب) بضم الواو مصغر (عن أبي حميد الساعدي) اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر (غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك) -بفتح التاء غير منصرف- علم بقعة بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبين الشام إحدى عشر، قال الجوهري: إنما سمي ذلك المكان تبوك؛ لأن رسول الله ﷺ رأى قومًا يبوكون عينًا هناك؛ أي: يدخلون فيه القدح؛ لإخراج الماء، فقال: "ما زلتم تبوكونها بوكًا" فسميت تبوك، وأضيفت تلك الغزوة إليها (فلما جاء وادي القرى) قال السمعاني: مدينة قديمة بأرض الحجاز تلي الشام، وهي من أعمال المدينة (إذا امرأة في حديقة) الحديقة: أرض ذات أشجار، لها حائط حولها، وقيل: تخص بالنخل.
فإن قلت: النكرة المحضة لا تقع مبتدأ، وامرأة هناك كذلك؛ قلت: المحققون من
стр. 1446
«اخْرُصُوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا «أَحْصِى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ «أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ». فَعَقَلْنَاهَا وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ - وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِىِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ - فَلَمَّا أَتَى وَادِىَ الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ «كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ». قَالَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنِّى مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِى فَلْيَتَعَجَّلْ». فَلَمَّا - قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا - أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ «هَذِهِ طَابَةُ». فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ». قَالُوا
ــ
النحاة أن المدار صحة المعنى، فإذا صحّ أخبر بما شئت عمّا شئت.
(قال رسول الله ﷺ وهو بتبوك: أمَا إنّه سَيهُبّ الليلة ريح شديدة، فلا يقومن أحد فقام رجل فألقته بجبلي طيء) هما جبلان ببلاد طيء، أجأ -بفتح الهمزة بعدها جيم وآخره همزة أيضًا على وزن فرس- وسلمى، ذكر الكلبي أنهما اسمان لرجل وامرأة من قوم عاد، وأورد قصة أعرضنا عنها، فالله أعلم بصحتها.
(وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء) أيلة -بفتح الهمزة- مدينة بين مصر ومكة على شاطئ البحر، واسم ذلك الملك قيل: يوحنا -بضم الياء وفتح الحاء وتشديد النون- ابن رؤبة، وفي رواية الإسماعيلي وابن إسحاق: [يحنة بن رؤبة] بضم الراء وفتح الباء الموحدة (وكساه بردًا وكتب له ببحرهم) فاعل كسا وكتب رسول الله ﷺ والبحر: البلد، كان كتاب أمان؛ فإنه لم يسلم (خرص رسول الله ﷺ بدل من عشرة أوسق (إني متعجل إلى المدينة فمن أراد منكم أن يتعجل فليتعجل) إنما أذن لهم في ذلك لئلا يظن أن له غرضًا في الإنفراد (قال: هذه طابة) من أسماء المدينة الشريفة، مثل طيبة وكان اسمها في الجاهلية يثرب، فكرهه ﷺ ونهى عن ذكرها بذلك الاسم (فلما رأى أحدًا قال: هذا جبل يحبّنا ونحبّه) قيل: أراد أهل أحد؛ أي: أهل المدينة، والحق أنه محمول على الحقيقة؛ كتسليم الحجر، وإنما خصّه بالذكر وإن كانت الجمادات في حقه سواء إزالة للتشاؤم به لما قتل به أصحابه (خير دور الأنصار) الدور جمع الدار، وهي المحلة؛ لأنها تدور على طائفة من الناس، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحالّ؛ إذ لا ريب في أن الخيرية هي لأصحاب الحال.
стр. 1447
بَلَى. قَالَ «دُورُ بَنِى النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِى عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِى سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَفِى كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ - يَعْنِى - خَيْرًا». أطرافه ١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢
١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِى عَمْرٌو «ثُمَّ دَارُ بَنِى الْحَارِثِ، ثُمَّ بَنِى سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ حَدِيقَةٌ.
٥٦ - باب الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِى
وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا.
ــ
١٤٨٢ - (وقال سليمان بن بلال: ثم دور بني الحارث) سليمان بن بلال شيخ البخاري أراد أنّ في روايته جزم بتقديم دور بني الحارث (عمارة بن غزية) بالعين المهملة في الأول، وتخفيف الميم والغين المعجمة في الثاني وكسر الزاي وتشديد الياء (عن عبّاس) بالباء الموحدة (عن أبيه) أبوه أبو حميد الساعدي. أراد أن في رواية "أحد يحبنا ويحبه" وفي رواية ابن بكار: "جبل يحبنا ونحبه" ولا فرق في المعنى لاتحاد المقصود.
وموضع الدلالة في الحديقة هو خرصها، وقال باستحباب الخرص الأئمة إلا أبا حنيفة، وفائدة الخرص اننقال حق المصارف إلى ذمة المالك؛ إلا أنه إذا تلف بسبب من الأسباب لا يضمن.
فإن قلت: فأي فائدة في الخرص؟ قلت: معرفة حق المستحقين، ونفاذ تصرف المالك في الثمر كله بيعًا وأكلًا وغيرهما من التصرفات.
باب العشر فيما يسقى من ماء السماء والماء الجاري
لفظ الحديث "العيون"، أبدله بلفظ الجاري ليشمل الأنهار؛ إشارة إلى ما رواه أبو داود بلفظ "الأنهار والعيون".
(ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسل شيئًا) وبه قال مالك والشافعي، وقال أحمد:
стр. 1448
١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ - يَعْنِى حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِى عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ. وَقَالَ بِلَالٌ قَدْ صَلَّى. فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ.
ــ
يؤخذ منه العشر سواء كان في موات أو ملك إذا بلغ نصابه عشرة أفراق، قال: وكل فرق ستون رطلًا. وقال أبو حنيفة: يؤخذ منه العشر إذا لم يكن في أرض خراجية بأن كان في الجبل أو في أرض عشرية.
(كان عثريًّا العشر) قال الترمذي: لم يصح في العسل حديث، ولم يقدر له نصابًا.
١٤٨٣ - (عن النبي ﷺ : فيما سقت السماء أو العيون أو [كان عثريًّا] العشر) -بفتح العين والثاء المثلثة- ما يشرب بعروقه؛ لقربه من الماء، قال ابن الأثير: مأخوذ من العثار؛ وهو الوقوع في الماء (وما سقي بالنضح نصف العشر) النضح لغة: الرش؛ والمراد به ما يسقي الدواب من الدوالي والسوان؛ الدوالي: جمع دالية؛ وهي جذع في رأسه مغرفة يسقى بها، والسانية: البعير، وإنما كان فيه نصف العشر لكثرة العمل فيه تخفيفًا، ألا ترى أن الركاز لما كان حاصلًا من غير تعب كيف أوجب فيه الخمس (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول؛ لأنه لم يوقت في الأول، يعني حديث ابن عمر: فيما سقت السماء العشر، وبيّن [في] هذا ووقَّت، والزبادة مقبولة، والمُفَسر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت).
قلت: هذا غلط من الناسخ؛ فإن هذا الكلام في نسخة الفربري هو في الباب
стр. 1449
٥٧ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا. طرفه ١٤٠٥
ــ
الذي بعده، فإنه روى أولًا حديث ابن عمر المبهم، ثمّ حديث أبي سعيد تفسير له، قال بعض الشارحين: لو كان هناك أيضًا لم يكن غلطًا؛ لأنه تقدم في باب ما أدي زكاته ليس بكنز، وفي باب فيما دون [خمس] ذود صدقة، وقد غلط فيما قال؛ لأن المذكور هناك في الباب حديث أبي سعيد المفسر، فكيف يمكن جعل الأول هو المبهم ثم قال: المفسر -بفتح السين- الخاص، والمبهم العام، والمبهم لم يحمل على المجمل لأنه واضح الدلالة هنا، والمجمل: ما لم تتضح دلالته، وهذا أيضًا غلط المفسر -بكسر السين- لأن عبارة البخاري: هذا تفسير الأول؛ أي: بيان له؛ لقولك. جاءني رجل؛ أي: زيد.
باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة
١٤٨٤ - ([ابن] أبي صعصعة) بصاد وعين مهملتين مكررتين (ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة) ما: زائدة، وشرح الحديث في الباب قبله. قال ابن بطال: أوجب أبو حنيفة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره الزكاة، وفد خالف في ذلك الإجماع، وكان في المدينة البقول وأنواع الرياحين ولم ينقل أحد أنه أخذ منه زكاة.
قلت: دليل أبي حنيفة حديث ابن عمر: "فيما سقت السماء العشر" ولفظ: "ما" عامّ، وأجاب عن حديث الأوسق بأنه محمول على مال التجارة؛ فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وكل وسق قيمته أربعون درهمًا.
стр. 1450
٥٨ - باب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِىُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ
١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الأَسَدِىُّ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِئُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رضى الله عنهما - يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ».
ــ
باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس تمر الصّدقة
الصرام -بفتح الصاد وكسرها- قطاف التمر، وفي لفظ: "عند" تسامح، لأن أخذ الصدقة يكون بعد الصرام إذا يبس.
١٤٨٥ - (إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء (محمد بن زياد) بزاي معجمة بعدها ياء (فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره) أي: بصدقة تمره، و [من] تبعيضية، ويجوز أن يكون المراد من قوله: بتمره؛ أي: جميع تمره تبرعًا؛ ولذلك عبّر أولًا بالباء؛ وثانيًا بمن (فيصير عنده كومًا) قال ابن الأثير: الكوم -بضم الكاف وفتحها- مثل الصبرة، وقيل بالضم اسم لما كُوّم، وبالفتح المصدر (فجعل الحسين والحسن يلعبان بذلك التمر) أي: شرعا في ذلك (فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه) الآخذ هو الحسن، جزم به في رواية مسلم (أما علمت أن آل محمد ﷺ لا يأكلون الصدقة؟) آل محمد ﷺ بنو هاشم وبنو المطلب؛ قاله الشافعي، وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: بنو هاشم، وعن مالك قولان: بنو هاشم، وقوله الآخر: إلى غالب بن لؤي ومواليهم على اختلافهم المذاهب ملحقة بهم؛ لقوله ﷺ : "مولى القوم منهم" والمحرّم على الآل الزكاة لا صدقة التطوع، وفي رواية عن مالك العكس، ومطلقه حرام على رسول الله ﷺ خاصة.
стр. 1451
٥٩ - باب مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ الْعُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا». فَلَمْ يَحْظُرِ الْبَيْعَ بَعْدَ الصَّلَاحِ عَلَى أَحَدٍ وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ.
١٤٨٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ
ــ
باب من باع ثماره، أو نخله، أو أرضه، أو زرعه، وقد وجب فيه العشر أو الصدقة، فأدى الزكاة من غيره
قلت: فإن قلت: لا زكاة في النخل والأرض إجماعًا؛ قلت: أراد بيعهما بما فيهما من الثمر والزرع.
(أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة) إما لقلته؛ أو لعدم بدو الصلاح.
(وقول النبي ﷺ : لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها. فلم يحظر البيع بعد بدو الصلاح على أحد) يحظر -بالظاء المعجمة- أي: لم يمنع، واعترض بهذا الكلام على الشافعي؛ فإن عنده بعد بدو الصلاح لا يصح بيع قدر الزكاة، وفي الباقي قولان تفريق الصّفقة، وهذا إذا لم يكن خرص على المالك؛ وإلا فبالخرص ينتقل الحق من العين إلى ذمة المالك، فهذا يصلح أن يكون دليلًا للشافعي؛ فإنه يقول: عام مخصص بالخرص، وأي فائدة للخرص سوى هذا؟
قال بعض من الشارحين مجيبًا للشافعي: إن قوله: "لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها" إنما يدل على الجواز بعد بدو الصلاح بالمفهوم، والمفهوم لا عموم له، وهذا غلط في أصل المسألة، قال ابن الحاجب: الخلاف في أن المفهوم لا عموم له لا يتحقق؛ لأن مفهوم الموافقة والمخالفة عام فيما سوى المنطوق به لا يختلفون فيه، ثمّ أشار إلى منشأ الغلط، فقال: وأمّا القائلون بأن المفهوم لا عموم له؛ كالغزالي، يريدون أن اللفظ بمنطوقه لم يدل عليه؛ بل بمفهومه؛ كالضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإن الدال عليه هو المفهوم من نفي الأذى مطلقًا، وهذا أيضًا مما لا خلاف فيه، فالخلاف أيضًا غير متصور، إذ لا ثالث يكون محل الخلاف.
١٤٨٦ - (حجاج) بفتح الحاء وتشديد الجيم (نهى النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو
стр. 1452
صَلَاحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ. أطرافه ٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢١٩٩، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩
١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما -. نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. أطرافه ٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١
١٤٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِىَ، قَالَ حَتَّى تَحْمَارَّ. أطرافه ٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨
٦٠ - باب هَلْ يَشْتَرِى صَدَقَتَهُ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِىَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إِنَّمَا نَهَى الْمُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنِ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ.
ــ
صلاحها، وتذهب عنها العاهة) أي: الآفة، من الدود، والريح، والبرد واعلم أنّ هذا قال به الأئمة إلا أبا حنيفة، ولا جواب له عن هذا الحديث؛ إذ لا معارض له، إلا أن فيه قيدين.
أحدهما: أن لا يكون بيع الثمر من الشجر.
والثاني: أن لا يكون بشرط القطع فإن الخوف من وصول الآفة مع القطع منتف.
١٤٨٧ - (خالد بن يزيد) من الزيادة (أبي رباح) بالباء الموحدة.
١٤٨٨ - (قتيبة) بضم القاف مصغر (نهى عن بع الثمار حتى تزهي) -بضم التاء- قال ابن الأثير: يقال: زها يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى؛ أي: احمر أو اصفر. وقيل: هما بمعنى، ومن هؤلاء من منع تزهو، وآخرون أنكروا تزهي، وألفاظ الحديث تارة تزهو، وأخرى في معنى إدراك الثمرة يرد على الطائفتين، وظاهره في الترادف.
باب هل يشتري صدقته ولا بأس بأن يشتري صدقة غيره
استدل على الشق الأخير من الترجمة بأن رسول الله ﷺ إنما نهى المتصدق خاصةً لا غير، وهذا الذي قاله مما لا خلاف فيه بين الأئمة.
стр. 1453
١٤٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَاّ جَعَلَهُ صَدَقَةً. أطرافه ٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢
١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ - رضى الله عنه - يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِى كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». أطرافه ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣
ــ
١٤٨٩ - ١٤٩٠ - (بكير) -بضم الباء- مصغر، وكذا (عُقيل)، (أن عمر بن الخطاب تصدق بفرس، فوجده يباع، فاراد أن يشتريه، ثم أتى النبي ﷺ فاستأمره) أي: استشاره، كأنّه يطلب منه أن يأمُرُه (فقال: لا تعد في صدقتك) وعلله بأن (العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه) وأكثر الأئمة كأبي حنيفة والشافعي ومالك أن هذا النهي تنزيه؛ لأنه شبهه بمستقذر غير محرم، قال العلماء: الحكم في المنع من الشراء أن ذلك الرجل يسامحه في الثمن؛ لأنه هو الذي تصدق به، فيستحي أن يماكسه، وفيه نظر؛ لأن قوله: (ولو أعطاك بدرهم) ينافي هذا الذي قالوه، إذ الملائم في أن يقول: ولو أعطاك بأعلى ثمن وأرفعه، فالصواب أنه كره أن يعود إلى ملكه شيء خرج عنه لله تعالى، وهذا المعنى لا يوجد في شراء صدقة غيره، فاستقام استدلال البخاري على عدم كراهة شراء صدقة الغير.
فإن قلت: إذا كان النهي مطلقًا فأيُّ وجه لقوله: "ولو أعطاكه بدرهم"؟ قلت: هذا ورد على سبب خاص، وذلك أن عمر قال في الرواية الأخرى: ظننت أن بائعه يرخص.
стр. 1454
٦١ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِىِّ ﷺ -
١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ - رضى الله عنهما - تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «كِخٍ كِخٍ - لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ - أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». طرفه ١٤٨٥
٦٢ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ -
١٤٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ وَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ
ــ
باب ما يذكر في صدقة النبي ﷺ وآله
١٤٩١ - روى في الباب (أخذ حسن بن علي تمرة من الصدقة لجعلها في فيه، فقال له النبي ﷺ : كخ كخ) قال ابن الأثير: بفتح الكاف وكسرها وخاء معجمة ساكنة أو مكسورة منونة وغير منونة: كلمة يُزجر بها الصغير، وقد تقال عند التقذر من الشيء، وقال: وهي كلمة عجمية عُرِّبت. (أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟) أي: الزكاة فإن آله ﷺ يجوز لهم أكل صدقة التطوع، وهو منفرد بحرمتها مختصة.
[فإن] قلت: إذا حمل الصدقة وهنا على الزكاة فائدتان دليل حرمة مطلقها عليه؟ قلت: سيأتي في أبواب اللقطة، وهو ما رواه أبو هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها".
باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ
١٤٩٢ - (عفير) بضم العين مصغر (وجد شاة ميتة أُعطيتها مولاة لميمونة) بنت الحارث
стр. 1455
«هَلَاّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا». قَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». أطرافه ٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢
١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ وَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». طرفه ٤٥٦
ــ
زوج النبي ﷺ (هلا انتفعتم بجلدها) أي: بالدباغ فإنه طهور؛ لقوله في الرواية الأخرى: "دباغها طهورها" اتفق الأئمة سوى الإمام أحمد على طهارة الجلد بالدباغ، فعند مالك كل جلد حتى الخنزير طاهر، جلده دون باطنه، وعند أبي حنيفة: سوى الخنزير، وعند الشافعي: سوى الكلب والخنزير.
١٤٩٣ - ثم روى حديث بريرة، أنه تصدق عليها بشاة، ثم أكل رسول الله ﷺ من لحمها، وقال: (عليها صدقة وعلينا هدية). ومدار الأحكام إنما هي الأوصاف لا الذوات.
وحديث بريرة هذا رواه فيما سلف وسيرويه مرارًا بعدُ، وموضع الدلالة في الحديثين جواز الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ ، لكن الشرط لا تكون السيدة هاشمية، ولا مطلبية، وميمونة هلالية، وعائشة شمسية ليستا من بني هاشم ولا بني المطلب، وإنما لم يذكر حكم أزواج رسول الله ﷺ لعدم دخولهن في الأول، وما روي عن عائشة: "إنّا آل محمد لا يحل لنا الصدقة" فلم ترفعه إلى رسول الله ﷺ .
فإن قلت: من أزواجه زينب بنت جحش وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم؛ قلت: النسبة إلى الآباء لا الأمهات.
وأما الإشكال بأن قول رسول الله ﷺ لها: "اشتريها واشترطي" كيف يجوز أن تشترط،
стр. 1456
٦٣ - باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ
١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقَالَ «هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ». فَقَالَتْ لَا. إِلَاّ شَىْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِى بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». طرفه ١٤٤٦
١٤٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ». ١٤٩٥ م - وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . طرفه ٢٥٧٧
ــ
أو يأمر بشرط باطل مع أن صورته المخادعة؟ فالجواب عنه تقدم أن أمره به؛ ثم إبطاله أوقعُ في الزجر من أن يقول أولًا لا يجوز فإنما الولاء لمن أعتق علة لبطلان الشرط، وفي الحديث: "لحمة كلحمة النسب" وفي رواية "شجنة" -بالشين والجيم- وكما لا يجوز للإنسان الخروج والإخراج من النسب كذلك عن الولاء.
باب إذا تحولت الصدقة
١٤٩٤ - (يزيد بن زريع) مصغر زرع (أم عطية) هي نسيبة المذكورة بعد (إنها قد بلغت محلها) -بكسر اللام- أي: مكان حلولها، أو مكان الحل؛ ضد الحرمة لما قدمنا أن مدار الأحكام إنما هو الأوصاف، وبزوال الصدقة وتبدله باسم الهبة انتقل الحكم من الحرمة إلى الحل.
١٤٩٥ - (وقال أبو داود) هو سليمان الطيالسي. وفائدة هذا التعليق تصريح السماع من قتادة، فإنه يدلس، فيؤمن من التدليس.
стр. 1457
٦٤ - باب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا
١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِىٍّ عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ «إِنَّكَ سَتَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». طرفه ١٣٩٥
ــ
باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء
١٤٩٦ - (ابن صيفي) ضد الشتاء (عن أبي معبد مولى ابن عباس) واسمه نافذ -بالنون والفاء- روى حديث بعثة رسول الله ﷺ معاذًا لأخذ الزكاة من أهل اليمن، وقد سلف حديثه في أول الكتاب، وموضع الدلالة على ما ترجم قوله:
(قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) قد سلف في باب زكاة العروض بيان اختلاف العلماء في جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر مع الأدلة من الطرفين، فراجعه، ودليل المانع؛ وهو الشافعي ومن وافقه حديث الباب، وأشرنا هناك إلى أن الاختصار على الفقراء دون ذكر سائر الأصناف لكثرة الوجود في كل بلد، قال الشافعي: يجب استيعاب الأصناف الثمانية، من كل صنف ثلاثة أشخاص. وقال غيره: يجوز دفعه إلى صنف واحد؛ ولو اقتصر من ذلك الصنف على واحد أجزأه. قال الإمام أحمد: لكن يستحب الاستيعاب. وهذا الخلاف إنما هو عند وجود جميع الأصناف؛ وأما إذا لم يوجد فعلى الاقتصار على الموجود للإجماع، قال الشافعي اعتراضًا على من لم يقل بالاستيعاب: لو أوصى إنسان لهؤلاء الأصناف يجب الاستيعاب عندكم، فما الفرق بين المسألتين؟
(واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أي: مقبولة لا محالة.
فإن قلت: كم مظلومٍ تراه في يد الظالم، ويدعو عليه بكل دعوة، ولا ترى يصيبه شيء؟
стр. 1458
٦٥ - باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ
وَقَوْلِهِ (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).
١٤٩٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِى بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِى أَوْفَى». أطرافه ٤١٦٦، ٦٣٣٢، ٦٣٥٩
ــ
قلت: الأمور مرهونة بأوقاتها، وفي بعض الروايات إمّا أن يجيب دعوته؛ أو يدخر له ما هو خير مما سأل، وإطلاقُه المظلوم يشمل المؤمن والكافر.
فإن قلت: إرسال معاذ إلى يمن كان سنة ثلاثة قبل حج رسول الله ﷺ ، وكان الحج والصوم واجبين، فلِمَ لَمْ يذكرهما في الحديث؟ قلت: الغرض هنا الدعاء إلى الإسلام، وقد ذكرنا مرارًا أن الصلاة والزكاة أُمَّا العبادات، فمن قام بهما لم يُخل بشيء من الأركان، ألا ترى كيف اكتفى بهما في صدر سورة البقرة.
باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة
(﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوية: ١٠٣]) هذه الآية نزلت في أبي أوفى، واسمه علقمة بن الحارث، تخلف هو وستةُ نفرٍ عن غزوة تبوك، فربطوا أنفسهم في السواري فأنزل الله فيهم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، فقبل رسول الله ﷺ توبتهم، فأتوا بصدقاتهم، فتوقف في أخذ الصدقة، فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: من .... الآثام ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: ادع لهم.
١٤٩٧ - (اللهم صلِّ على آل فلان) إقحام الآل للتعظيم؛ فإنه يضاف إلى ذوي الشرف والخطر، والصلاة مستلزمة للصلاة على ذي المال من باب الأولى. واستحب العلماء لأخذ الزكاة أن يدعو للمالك؛ إلا أنه لا يأتي بلفظ الصلاة؛ لأن هذا اللفظ خاص برسول الله ﷺ وإن كان معناه الدعاء، كما أن " ﷻ " مخصوص بالله؛ وإن كانت الأنبياء والرسل أعزة
стр. 1459
٦٦ - باب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَىْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ، فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِى يُصَابُ فِي الْمَاءِ.
١٤٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِى إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِى كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ». أطرافه ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١
ــ
أجلاء؛ ولذلك ذكر لفظ الصلاة في الترجمة وعطف عليها لفظ الدعاء، وذكر لفظ الإمام إشارة إلى بطلان شبهة أهل الرّدة كون أخذ الزكاة خاصًّا برسول الله ﷺ [لله] درّ البخاري ما أدق نظره، جمعنا الله وإياه في دار كرامته.
باب ما يستخرج من البحر
(وقال ابن عباس: ليس العنبر بركاز هو شيء دسره البحر) أي: دفعه وفي تكونه وحصوله أقوال لا يتعلق بها حكم. قيل: نبات ينبت في البحر، وقال ابن سينا: عين في البحر كالمعادن في البرّ (وقال الحسن: في العنبر واللولو الخمس) استدل البخاري على عدم استقامة قول الحسن بقول رسول الله ﷺ : (في الركاز الخمس) بتقديم الجار المفيد للحصر، وليس العنبر واللؤلؤ من الركاز في شيء.
١٤٩٨ - ثُمَّ روى عن أبي هريرة تعليقًا: (أنّ رجلًا من بني إسرائيل أسلف رجلًا ألف دينار) وهذا حديث سيأتي بطوله، وموضع الدلالة أنه وجد هذا المال في البحر، ولم يكن من الركاز الذي تجب فيه الركاة.
وأُورد على البخاري بأنَّ هذا الحديث لا تَعَلُّقَ له بهذا الباب؛ لأن رجلًا أقرض رجلًا مالًا ثم وجده. والجواب عنه: أنه لما وجد المال لم يزكِّ عنه زكاة الرِّكاز، فلو وجد إنسان
стр. 1460
٦٧ - باب فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ الرِّكَازُ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْخُمُسُ. وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ فِي الْمَعْدِنِ «جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ». وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَفِيهِ الْخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْعَدُوِّ فَفِيهَا الْخُمُسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لأَنَّهُ يُقَالُ أَرْكَزَ الْمَعْدِنُ. إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ. قِيلَ لَهُ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَىْءٌ، أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أَرْكَزْتَ. ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّىَ الْخُمُسَ.
ــ
مثله يكون حكمه حكم ذلك، إلا أن فيه شبهة؛ وذلك أن الخشبة كان فيها ورقة باسم الرجل الذي اقترض، اللهم إلا أن يقال تلك الورقة لا يُعتَدُّ بها؛ لأنها لم تكن حجة شرعية.
باب في الركاز الخمس
(وقال مالك وابن إدريس: الرّكاز دفن الجاهلية، ففي قليله وكثيره الخمس) وابن إدريس هذا هو الشافعي، وعليه الأكثرون، وقيل: هو عبد الله بن إدريس الأودي. وقال أحمد بما قاله مالك والشافعي. فليس في المسألة مخالف إلا أبو حنيفة، وعليه نبّه البخاري بقوله: (وقال بعض الناس: الرّكاز: المعدن) واستدل على بطلان هذا بقول رسول الله ﷺ : (المعدن جبار، وفي الرّكاز الخمس) جعل المعدن جبارًا، وفي الرِّكاز الخمس أي: جعل المعدن مقابلًا للرِّكاز.
(وقال الحسن: ما كان من ركاز في أرض الحرب فيه الخمس، وما كان من أرض السلم) -بكسر السين وفتحها- الصلح (ففيه الزكاة، وإن وجدت لُقطة في أرض العدو فعَرَّفها سنة، إن كانت من العدو ففيها الخمس) وبه قال أبو حنيفة، وعند غيره حكمها حكم سائر الأموال إذا حال الحول أخرج زكاته (ثمّ ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدِّ الخمس) وجه النقض أنه أوجب زكاته وجوز تركه؛ والوجوب والجواز متناقضان.
والجواب لأبي حنيفة ما قال ابن الأثير: أن الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة تحت الأرض، وعند أهل العراق المعادن. قال: واللغة تحتملها، وإذا احتمل اللفظ، وحمله أبو حنيفة على أحد المحملين فقط سقط الاعتراض. وأما المناقضة فقد أجاب الطحاوي: بأن قول الإمام إنما هو فيما إذا كان مستحقًا لو أخذه لنفسه جاز له ذلك.
стр. 1461
١٤٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ». أطرافه ٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣
٦٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ
١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ
ــ
١٤٩٩ - (أن رسول الله ﷺ قال: العجماء جبار، والبئر والمعدن جبار) العجماء: الدابة من المعجمة: وهو عدم النطق. والجبار -بضم الجيم وفتح الباء- الهدر الذي لا ضمان فيه، وهو في الأصل ما طال من النخل، بحيث لا تصل إليه اليد.
أخذ بظاهر الحديث أهل الظاهر فلم يوجبوا الضمان بوجه. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن لا ضمان في جناية البهيمة في النهار إذا لم يكن معها أحد، وإذا كان معها مالكها أو غيره من المستعير ونحوه فعند الشافعي يجب الضمان على كل حال على كل وجه. وقال مالك: لا ضمان فيما أصابته بيدها أو رجلها. وعن أبي حنيفة: يضمن السائق والقائد والراكب ما أصابت الذابة بيدها أو رجلها أو رأسها، أو كدمت أو خبطت؛ لا ما خربت برجلها أو ذنبها، أو تلف شيءٌ من بولها أو روثها إذا بالت أو راثت وهي سائرة إذا وقفها لذلك، وإن أوقفها لغيره ضمن.
وجبار البئر: إذا حفرها في ملكه، أو في موات، أو استأجر ليحفر البئر فوقع عليه، وكذلك حافر المعدن إذا وقع عليه.
باب قول الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] ومحاسبة الإمام مع المصدقين
-بفتح الصّاد المخففة، وتشديد الدّال- السعاة الذين يأخذون الزكاة من أربابها.
١٥٠٠ - (أبو أسامة) -بضم الهمزة- حماد بن أسامة (عن أبي حميد الساعدي) -بضم
стр. 1462
اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِى سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. طرفه ٩٢٥
٦٩ - باب اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ
١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَقَتَلُوا الرَّاعِىَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِىَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ،
ــ
الحاء- واسمه المنذر أو عبد الرحمن.
(استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأسد) -بفتح الهمزة وسكون السين- وفي بعضها بالزاي (على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه) سليم -بضم السين- مصغر. وابن اللتبية -بضم اللام وسكون الفوقانية بعدها موحدةٌ مكسورة، بعدها تحتانية مشدّدة مفتوحة، ويروى -بضم الهمزة وفتح التاء- قال ابن دريد: بنو ليث بطن من الأزد، وهذا الرجل اسمه عبد الله.
وفقه الحديث جواز نصب السّعاة، وجواز محاسبتهم. وسيروي حديثه بأطولَ من هذا مرارًا.
باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل
١٥٠١ - (عن أنس: أن ناسًا من عرينة اجتووا المدينة، فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها) عرينة: -بضم العين وفتح الراء- مصغر بعد الباء نون والاجتواء: -بالجيم- من الجوا. قال ابن الأثير: هو داء في الجوف إذا تطاول. ويقال أيضًا: اجتويت البلد: كرهتها. والمعنى على الأول: أي مرضوا في المدينة؛ لقوله في بعض الروايات: فلما صحوا. وليس في الحديث دلالة على طهارة الأبوال؛ لأنه كان للتداوي، ألا ترى إلى قول أنس: فرخص لهم رسول الله ﷺ .
(فاستاقوا الذود) -بفتح الذال وسكون الواو- الإبل من الثلاثة إلى العشرة، والظاهر أنه من إطلاق المقيد على المطلق (سمر أعينهم) -بفتح الميم المخففة- أي: كحل أعينهم
стр. 1463
وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ. تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ. طرفه ٢٣٣
٧٠ - باب وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ
ــ
بمسامير محماة، وفي رواية: "سمل". والسمل: قلع العين يجوز وقوع الأمرين، أو أحدهما حقيقة والآخر مجاز.
(وتركهم بالحرّة) الحرّة لغة: كل أرض ذات حجارة سود، والمراد: حرة المدينة الشريفة؛ فاللام للعهد (يعضون الحجارة) من العطش: لقوله: "يستقون فلا يسقون".
(تابعه أبو قلابة) -بكسر القاف- عبد الله الجرمي، أي: تابع قتادة، وكذا ثابت وحميد.
وليس في الحديث دلالة على اختصاص أبناء السبيل بذلك؛ فللإمام أن يعطي كل صنف من الأصناف، وإنما وضع الترجمة في ذلك ليطابق الحديث، وقاسَ الاستعمال على شرب اللبن.
باب وسم الإمام إبل الصدقة
١٥٠٢ - (إبراهيم بن المنذر) بكسر الذال (أبو عمرو) هو الأوزاعي.
(عن أنس قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه) -بضم الياء وتشديد النون المكسورة- تحنيك الولد: أن يجعل في فم الطفل حين يولد قبل أن يدخل جوفه شيءٌ تمرةً بعد أن يمضغه، ثم يحركه بأصبعه على حنكه ليكون تفاؤلًا بحلاوة الإيمان، وطيب العيش، والأَولى في ذلك العلماء والصالحون (فوافيته) -بالفاء- أي: وصلت إليه (وفي يده الميسم) -بكسر الميم- آلة الوسم، وهو: العلامة يسم به إبل الصدقة.
وفقه الحديث: جواز وسم النعم وإن كان فيه نوع تعذيب، كما شعار الهدي؛ لأنّ الحسن ما استحسنه الشرع، وليس فيه مخالف سوى أبي حنيفة وقال: إنه مثلة.
стр. 1464
يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. طرفاه ٥٥٤٢، ٥٨٢٤
٧١ - باب فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً.
١٥٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. أطرافه ١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١١، ١٥١٢
٧٢ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ. طرفه ١٥٠٣
٧٣ - بابٌ صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ
١٥٠٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. أطرافه ١٥٠٦، ١٥٠٨، ١٥١٠
стр. 1465
٧٤ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ
١٥٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ الْعَامِرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. طرفه ١٥٠٥
٧٥ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ
١٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - رضى الله عنه - فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. طرفه ١٥٠٣
٧٦ - باب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ
١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ الْعَدَنِىَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنِى عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. طرفه ١٥٠٥
٧٧ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ
١٥٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. طرفه ١٥٠٣
стр. 1466
١٥١٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. طرفه ١٥٠٥
٧٨ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ
وَقَالَ الزُّهْرِىُّ فِي الْمَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ، وَيُزَكَّى فِي الْفِطْرِ.
١٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ فَرَضَ النَّبِىُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ - أَوْ قَالَ رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يُعْطِى التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِى عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِى عَنْ بَنِىَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. طرفه ١٥٠٣
٧٩ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ
١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنه - قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ. طرفه ١٥٠٣
стр. 1467
الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري
تأليف
أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني الشافعي ثم الحنفي (المتوفى سنة ٨٩٣ هـ)
تحقيق
الشيخ أحمد عزو عناية
[المجلد الرابع]
стр. 1468
الْكَوْثَرُ الْجَارِي إلى رِيَاض أحَادِيثِ البُخَارِيّ
[٤]
стр. 1469
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
مؤسسة التَّارِيخ الْعَرَبِيّ للطباعة والنشر والتوزيع
العنوان الْجَدِيد
بيروت - طَرِيق المطار - خلف غولدن بلازا
هَاتِف: ٥٤٠٠٠٠/ ٠١ - ٤٥٥٥٥٩/ ٠١
فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ص. ب: ٧٩٥٧/ ١١
стр. 1470
٢٥ - كتاب الحج
١ - باب وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ
(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
ــ
كتاب المناسك
المناسك: جمع نسك -بفتح السين وكسرها- اشتقاقه من النسك، وهو: العبادة. قال ابن الأثير: المنسك يكون مصدرًا ومكانًا وزمانًا؛ لكن اشْتُهر في أفعال الحج واجبًا كان أو ندبًا.
باب وجوب الحج وفضله
(وقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]) وقول الله بالرفع؛ لأنه دليل الترجمة، وأكثرُ الرِّوايات بالجرِّ على الجوار.
والحج لغة: القصد. وفي عرف الشرع: قصد مخصوص بأعمال مخصوصة. وقرئ بفتح الحاء وكسرها، وكلاهما مصدر، الفتح لغة أسد والكسر لغة تميم، وقال الكسائي: الفتح لأهل العالية، والكسر لنجد. وقال الزجاج: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم منه.
اتفقت الأئمة على أنّ الحج أحد أركان الإسلام؛ وأنه واجب في العمر مرّة على من استطاع، والاستطاعة: الزاد والراحلة، ولم يشترط مالك الراحلة؛ بل إما الراحلة أو قوة المشي راجلًا ويجب على الأعمى إذا وجد قائدًا. وعبّر في الآية الكريمة عن ترك الحج بالكفر؛ إما تغليظًا في مقام الترهيب كقوله ﷺ :"من ترك الصلاة عامدًا فقد كفر"، أو محمول على الاستحلال كما في نظائره.
стр. 1471
١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)
(فِجَاجًا) الطُّرُقُ الْوَاسِعَةُ.
ــ
١٥١٣ - (كان الفضل رديف رسول الله ﷺ ) فعيل بمعنى الفاعل، يقال: ردفه إذا ركب وراءه على دابة (فجاءت امرأةٌ من خثعم) -بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة- حيّ من بجيلة -بفتح الباء وكسر الجيم- قال الجوهري: حي بيمن (فقالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده، أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع) شيخًا، وكبيرًا، ولا يثبت: أحوالٌ مترادفة، أي: متداخلة، والفاء في: فأحج عنه عاطفة على مقدَّرٍ هو مدخول الهمزة. وحجة الوداع: هي حجة رسول الله ﷺ من المدينة، لم يحج غيرها، وسميت حجةَ الوداع لأنه ودع فيها الناس.
قيل: هذه الإضافة ليست للتقييد لأنّه لم يحج من المدينة غيرها، وهو لغو من الكلام؛ لأن مفهوم الحج أعمُّ من حجة الوداع؛ سواء كان له حج غيرها أو لم يكن.
باب قول الله : ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]
الخطاب لإبراهيم خليل الله على نبينا وعليه أفضل الصلوات. والضامر: المركب النحيف من بعد الطريق ومشقته. والفج: الطريق الواسع. والعميق: البعيد.
стр. 1472
١٥١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِى الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِىَ بِهِ قَائِمَةً. طرفه ١٦٦
١٥١٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهم.
٣ - باب الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ
١٥١٦ - وَقَالَ أَبَانُ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ،
ــ
١٥١٤ - (رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته) رأيت: من رؤية البصر، ويركب: نصب على الحال (يهل بذي الحُليفة) أي: يرفع صوته بالتلبية. وذو الحليفة -بضم الحاء- مصغر، من المدينة على ستة أميال، ومن مكة على عشرة مراحل.
١٥١٥ - (الأوزاعي) -بفتح الهمزة- أبو عمرو، شيخُ الشام في زمانه.
(رواه أنس وابن عباس) أي: كما رواه جابر، وسيأتي موصولًا فيما بعد. وفي لفظ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ دليل لمالك في عدم اشتراط الرّحلة. وفي ركوب رسول الله ﷺ دليل الجمهور على أنَّ الركوبَ أفضلُ من المشي.
باب الحج على الرحل
قال ابن الأثير: الرحل: هو الكور؛ وهو للبعير كالسرج للفرس.
١٥١٦ - (وقال أبان) يجوز صرفه وعدم صرفه بناءً على جواز زيادة الألف والنون وعدم زيادتهما وهو أبان بن يزيد (عن عائشة أن النبي ﷺ بعث معها أخاها عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم) هو من مواقيت إحرام العمرة على طريق الشام من مكة على بعد
стр. 1473
وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ. وَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الْجِهَادَيْنِ. طرفه ٢٩٤
١٥١٧ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ.
١٥١٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. فَقَالَ «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ». فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ فَاعْتَمَرَتْ. طرفه ٢٩٤
٤ - باب فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ
ــ
فرسخ (وحملها على قَتب) -بفتح القاف والتاء الفوقانية- هو كالإكاف للحمار، ولقربه من الرحل، ذكره في بابه.
١٥١٧ - (وقال محمد بن أبي بكر المقدمي) بضم الميم وفتح القاف (يزيد بن زريع) مصغر زرع (ثُمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم.
(حج أنس على رحل ولم يكن شحيحًا) الشح: البخل والحرص؛ وإنما وصفه لئلا يُظن أنّ حج أنس بذلك الوصف كان لشحه (وكانت زاملته) أنث: ضمير كان باعتبار الراحلة التي دل عليها الرحل، واشتقاق الزاملة من الزمل -بكسر الزاي- وهو: الحمل؛ أي كان متاعُه وآلةُ سفرة تحتَه على الراحلة؛ وإنما فعل ذلك اقتداءً برسول الله ﷺ فإنه حجّ كذلك تواضعًا لله.
١٥١٨ - (أيمن) بفتح الهمزة (نابل) بالنون والباء الموحدة.
(فأعمرها) بهمزة القطع، أي: جعلها ذات عمرة (فأحقبها) أي: أركبها على حقيبة الرّحل. قال ابن الأثير: حقيبة الرحل: الزيادة التي تكون في مؤخرة الرّحل.
باب فضل الحج المبرور
وهو الذي لا يخالطه شيء من الإثم. وقيل: هو المقابلة بالبرِّ، وهو: الثواب. والأول أرجح، ورجحه النووي. يقال: بَرَّ حجه، وبُرَّ حجه، وبُرَّ على بناء الفاعل والمفعول.
стр. 1474
١٥١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ «حَجٌّ مَبْرُورٌ». طرفه ٢٦
١٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ». أطرافه ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦
١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». طرفاه ١٨١٩، ١٨٢٠
ــ
١٥١٩ - (أي الأعمال أفضل) أي: أكثر ثوابًا. (إيمان بالله) نكَّره تعظيمًا له؛ إيمان لا يشوبه شك ولا شبهة.
١٥٢٠ - (حبيب) ضد العدو.
(عن عائشة يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال) نرى: بالنون (لَكُنَّ أفضل الجهاد) -بفتح اللام وضم الكاف وتشديد النون- أي: يا معشر النساء، عمَّم الخطاب تغليبًا للمُخاطب على الغائب، وهذا من فنون البلاغة عزيز الفوائد. وفي رواية الحموي: لكن -بكسر الكاف- حرف الاستدراك (حج مبرور فإنه أحد الجهادين) كما تقدم من كلام عمر في الباب قبله أو أطلق عليه مشاكلة لوقوعه في كلام عائشة.
١٥٢١ - (من حج لله) أي: خالصًا لوجه الله من غير رياء (فلم يرفث ولم يفسق) قال ابن الأثير: الرَّفث: كلمة جامعة لكل ما يراد من النّساء. وقال ابن عباس: إنما يكون رفثًا إذا خاطب به النساء (رجع كيومَ ولدته أمه) -بفتح الميم- لكونه مبنيًّا لإضافية إلى الجملة؛ أي:
стр. 1475
٥ - باب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ
ــ
بريئًا من الذنوب؛ وهذا إنما هو فيما يكون حق الله معلوم من القواعد.
وقد روى ابن ماجه عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه، وكذا البيهقي: أنَّ رسول الله ﷺ سأل في حجة الوداع بعرفة ربه تعالى غفران ذنوب أُمَّته، فأجابه فيما بينه وبين الله، فألحَّ رسول الله ﷺ في السؤال، فقال: "يا ربّ أنت قادرٌ على إرضاء خصومهم" فلم يجبه تلك الليلة، فلما وقف يوم العيد بمزدلفة بالمشعر الحرام أجابه الله إلى ذلك السؤال، فتبسَّم، فسألوه عن ذلك، فأخبرهم، وأن تبسُّمَه إنما هو لكون إبليس لما علم بذلك حث التراب على رأسه، ودعا بالويل.
وهذا إن شاء الله تعالى واقع؛ لأنه داخل تحت المشيئة التي شملت دون الشرك رأفة من الله بعباده، وقد سلف منا تحقيقُ هذه المسالة؛ وهو: أنَّ حقوق العباد لا بدّ من الوفاء بها، وإيصالها إلى المظلوم لا محالة، ولكن لا يلزم أن يكون من حسنات الظالم؛ بل من خزائن رحمته يوصل إليه مقدار ما كان يستحقُّه في ذمة الظالم، ولكن هذا إذا تعلقت مشيئته، ألا ترى إلى سؤال رسول الله ﷺ الرَّب -تعالى وتقدَّس- في أن يُرضي خصومه. هذا الذي يجب اعتقاده على كل مسلم. وله شواهد من الأحاديث في البخاري، منها ذلك الذي قتل تسعة وتسعين، ثم قتل تمام مئة، ثم تاب إلى الله فتاب الله عليه. قال شيخنا أبو الفضل ابن حجر: حديث الباب من أقوى الشواهد لحديث عباس بن المرداس.
وههنا نكتة، وهي: أن الآية فيها ذكر الفسوق والرَّفث والجدال، وحُذِفَ في الحديث ذكرُ الجدال؛ لأن الإنسان قلَّما يسلم على نوعِ جدال، لا سيما مع الخدم والحمّال، وهذا أيضًا من ألطاف الله بعباده.
باب فرض مواقيت الحج والعمرة
١٥٢٢ - (زهير) بضم الزاي مصغر، وكذا (جبير).
следующие страницы →