← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16584

الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (5 311 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. ٢٢ - بَابُ رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ وقَالَ رَبِيعَةُ: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ». ٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ ــ العلماء، واقتصر على نفي الكلأ في الأرض المذمومة، لأن انتفاء العام يستلزم انتفاء الخاص، وشبّه حالَ من فقُه في دين الله ولم يعمل بعلمه بحال أرض يابسة أمسكت الماء، ولم تدخل في أجزائها، إلا أنها أمسكت فانتفع بها الناس والدواب، وشبَّه حالَ الطائفة الأخرى بالقيعان لم تنتفعَ بالماء ولا أمسكته لينتفع به الناس والدواب، فالمشبهات الثلاث من التمثيل، وتشبيه الحال بالحال كما أشرنا إليه، وجعله من التشبيه المفرق تكلفٌ وإنزالُ الكلام من الأوج إلى الحضيض، وعدولٌ عن ظاهر لفظ المثل. (قال أبو عبد الله: قال إسحاق عن أبي أسامة: وكان منها طائفة قيّلت الماء) كذا وقع، إسحاق غير منسوب قال الغساني: إذا قال البخاري: حدثنا إسحاق عن أبي أسامة يجوز أن يكون ابنَ راهويه، وأن يكون إسحاقَ بن منصور؛ فإن البخاري يروي عن هؤلاء الثلاثة عن أبي أسامة، وهو حَمّاد بن أُسامة. أشار إلى أن في روايته عن إسحاق لفظ: قيّلت -بالقاف والمثناة تحت مشددة- بدل "أمسكت" وهو بمعناه، ذكره ابنُ الأثير. ويروى: قبلت من القبول. باب رفع العلم وظهور الجهل (وقال ربيعة: لا ينبغي لأحدٍ عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه) ربيعة هذا هو ابن فروخ. يكنى أبا عثمان مولى المنكدر، روى عنه مالكٌ والثوريُّ، ويقال له: ربيعة الرأي، قال النووي: قال ابن سعد: كانوا يسمّونه لموضع الرأي. وقوله: أن يضيع نفسه من الوَضْع أي: يحط عن مرتبته، بل عليه الإظهار لينتفع الناس بعلمه. ويروى بضم الياء في الأولَ وتشديد الثانية من التضييع وذلك بأن لا يشتغل بالمطالعة والدرس فينسى ما حصَّله. ٨٠ - (عمران بن مَيْسرة) بكسر السين وفتح الميم (أبو التَّيّاح) -بفتح المثناة وتشديدها تحت- يزيد بن حُمَيد بضم الحاء على وزن المصغر قال أبو الفضل المقدسي:

стр. 177

بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا". [الحديث ٨٠ - أطرافه في: ٨١ - ٥٢٣١ - ٥٥٧٧ - ٦٨٠٨]. ٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ". ــ أبو التِّياح لقبٌ له، وكنيتُه أبو حماد (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم وَيثْبُتَ الجهل) الأشراط بفتح الهمزة جمع شَرَط -بفتح الراء- وهي العلامة ومنه الشرط المتعارف، لأنه علامة المشروط، والمرادُ برفع العلم: موت العلماء كما دلَّ الحديث عليه الآتي في البخاري: "إن الله لا ينتزع هذا العلم انتزاعًا، ولكن يقبضُهُ بقبضِ العلماء" (١)، ولما مات زيد بن ثابت، وحضر عبد الله بن عباس دَفْنَهُ، فلما دَلّوْهُ في قبره قال: من أراد أن يعرف كيف يُرفع العلم، فلينظر إلى هذا. (ويُشرب الخمر ويظهر الزنا) أي: علانية؛ فإن شرب الخمر والزنا كانا موجودين في زمانه؛ فإنه قد حدّ شارب الخمر ورجَمَ الزناة. ٨١ - (مسدَّد) بضم الميم على وزن المفعول (عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي) لأنه لم يكن بالعراق غيره صحابي، كان آخرهم موتًا (وتكثر النساء ويقلّ الرجال) وإنما كان قلتهم علامةً للساعة؛ لأنهم أهل الجهاد والعلم والقوام على الأرامل والأيتام، فيكون عدمهم مستلزمًا لفساد الأحوال. فإن قلتَ: أي حاجة إلى ذكر قلة الرجال مع كثرة النساء؟ قلتُ: لئلا يتوهم أن المراد من كثرة النساء في نفس الأمر لا بالنسبة، فإن الكثرة والقلة يستعملان على وجهين: تارةً بالنسبة إلى المقابل وأخرى بالنسبة إلى نفس الأمر، ونظيرها في الحديث قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]. (حتى يكون لخمسين امرأة القيمُ الواحد) قال بعضُ شُرّاح "المشارق": إنه وجد في

стр. 178

٢٣ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ ٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ [ص:٢٨]، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ــ بلاد الروم، هذا العدد من النساء مع قيّم واحد. فإن قلت: ما المراد من القيّم؟ قلتُ: هو مَنْ يقوم بشأنهن سواء كان للزوجية أو القرابة. فإن قلتَ: ما وجهُ التعريف؟ وهلا قيل: قيّم واحد؟ قلتُ: أشار باللام إلى ما في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] والظاهر أن هذا يكون بواسطة قتل الرجال في الحرب كما أشار إليه في الرواية الأخرى، أو لأن النساء حبائل الشيطان يكثِّرُهُن الله في آخر الزمان ابتلاء. وهذه الأشراط غير العلامات العشر التي أودرها في حديثٍ آخر، وليست الأشراط منحصرةً في المذكورات حتى يسأل عن وجه الحصر، أَلَا ترى أن في رواية مُسَدَّد لم يذكر شُرْبَ الخمر، وإنما كانت هذه الأمور من أشراط الساعة؛ لأن رفع العلم هدم للدين، وشرب الخمر يذهب العقل، والزنا لاختلال النسب، وكثرة الفتن لذهاب الأموال والأرواح. باب: فضل العلم ٨٢ - (سعيد بن عُفَير) يضم العين على وزن المصغر، وكذا (عُقَيل)، (بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى أني لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظفاري) تقدم أن بين ظرف زمان يدل على المفاجأة، والعامل فيه: جوابُهُ وألفه للإشباع، وما: زائدة في بعض الروايات والري: -بكسر الراء وتشديد الياء- مصدر رَوِي - على وزن علم- أطلق على ما به الري، فإنه الذي يخرج لا نفس الري، ويروى: من أظفاري، والمعنيان متلازمان؛ لأن الخارج من الظفر، لا بد وأن يكون الظفر ظرفًا له، إلا أن رواية: في، أقوى في المعنى من لفظة: من، لدلالته على التمكن التام، والاستقرار.

стр. 179

ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ». [الحديث ٨٢ - أطرافه في: ٣٦٨١ - ٧٠٠٦ - ٧٠٠٧ - ٧٠٢٧ - ٧٠٣٢]. ٢٤ - بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا ــ (ثم أَعطيت فضلي عمرَ بنَ الخطاب قالوا: فما أَوَّلْتَهُ يا رسول الله؟ قال: العلمَ) بالنصب مفعول لفعل مقدر، ويجوزُ الرفع أي: المؤول العلم من حيثُ إن اللبن غذاء الإنسان وسبب للحياة في هذه الدار، والعلم سبب للحياة في الآخرة. قال بعض الشارحين: فإن قلت: رؤيا الأنبياء وحيٌ، فهل كان هذا الشربُ حقيقة أو هو مع سبيل التخيل؟ قلت: واقع حقيقة ولا محذور فيه؛ إذ هو ممكن واللهُ على كل شيء قدير. هذا كلامُهُ. وهو خطأ؛ لأن شرب اللبن على ذلك الوجه الذي وصفه من خروجه من الأظفار لا يمكن أن يقع منه، كيف ولو كان حقيقة لم يكن للتأويل معنى، لأنه إنما يعبر به عن خلاف الظاهر، وكم شرب لبنًا وأعطى فضله لغيره ولم يكن معناه العلم؟ أو كيف يعقل إعطاء ما فَضَل في المنام لعمر؟ ثم قال: لا تغفل عن الفرق بين فضل العلم وفضيلته؛ إذ الحديث دلَّ على فضل العلم لا على الفضيلة، وهذا أيضًا خبط آخر، إذ لا يَشُك عاقل في عدم الفرق، وإن غرض البخاري من قوله: باب الفضل هو الفضيلة، وإنما التبس عليه من قوله: "أعطيتُ فضلي عمر" فإنه بمعنى الفضلة أي: الزائد على شربه، وهل يعقل أن يعطي بأفضل من العلم لأحد، أو هل يفضل العلم؟ أو له وجه التكرار؟ وليت شعري، من أين علم أن عمر كان عنده؟ وكيف يعقل أن يعطي القدح أحدًا وهو نائم؟ فإن قلت: فيقع التكرار فإنه قدم في أول كتاب العلم باب فضل العلم؟ قلتُ: التكرار إنما يكون إذا أعيد فيه من غير زيادة أو نقصان، والتفاوت بين ما أورد في البابين ظاهر فتأمل. باب الفُتيا وهو واقفٌ على الدابة وغيرها الفُتيا بضم الفاء والفتوى بفتحها: اسم من الفتاء بالمد، مصدر فتي -بالكسر- كعلم، وهو حداثة الشيء، قال الشاعر: إذا عاشَ الفتى ستين عامًا ... فقد ذهب المسرّة والفتاء

стр. 180

٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» ــ فأُطلقا على جواب الحادثة، والمناسبة ظاهرة. ٨٣ - (عن عيسى بن طَلْحة بن عُبَيد الله) أحد العشرة المبشرة (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) أخ الصحابي المكرم أكثر الصحابة حديثًا قاله أبو هريرة، إلا أنه سكن مصر، وهو قُطر من الأقطار، وأهله أهل لهو ولعب، ضاع علمه بها كما ضاع علمُ الليث بن سعد، وعَمرو: يكتب بالواو في الرفع والجر، لئلا يلتبس بعمر. فإن قلتَ: الواو تناسب الضم فكان عُمر أولى بها؟ قلتُ: عمرو منصرف أولى بالتصرف فيه. (أن رسول الله ﷺ وَقَفَ في حجة الوداع بمنى) حَجة بفتح الحاء وكسرها، قال الجوهري: والكسر شاذٌ؛ لأن قياس الكسر أن يكون للنوع وليس المعنى على النوع. قال بعضهم: يجوزُ أن يكون الكسرُ مصدر باب المفاعلة، فلا يكون شاذًا وهذا غلطٌ، لأن المفاعلة لا معنى لها في هذا المقام، ولا جاء مصدر المفاعلة على هذا الوزن، والكلام في كسر لفظ الحجة، وإنما سَبَق وهمُهُ إلى لفظ الوداع وصَحَّفه بالكسر، والوداع -بفتح الواو- اسم التوديع، وتلك الحجة سميت بذلك؛ لأن رسول الله ﷺ وَدَّع فيها الناسَ، ومنى: مقصور، موضع بين مكة وعرفات، يصرف ولا يصرف باعتبار المكان والبقعة. قال النووي: والصرف أكثر، ويكتب بالياء بناءً على عدم الصرف، وبالألف بناء على الصرّف. (فجاءه رجلٌ فقال: لم أشعر حَلَقْتُ قبل أن أذبَحَ [فقال: اذبح] ولا حرج) لم أشعُر -بضم العين- من الشعور وهو العلم المكتسب بأي المشاعر الظاهرة أي: الحواس الخمسة، ثم

стр. 181

فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [الحديث ٨٣ - أطرافه في: ١٢٤ - ١٧٣٦ - ١٧٣٧ - ١٧٣٨ - ٦٦٦٥]. ٢٥ - بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ ٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ: «وَلَا حَرَجَ» قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: «وَلَا حَرَجَ». ــ اتسع فيه فأطلق على ما يطلق عليه العلم. والحَرَجُ: الإثم (فما سُئل النبي ﷺ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخّر إلا قال: افعل ولا حَرَج) إما قاله وحيًا أو اجتهادًا. والظاهر الأول؛ لأن في الاجتهاد لا بد من تربص الوحي زمانًا. وفي رواية مسلم: قُدّم أو أُخّر. ومعنى العبارتين واحد، أي: سواء أُخّر أو قُدّم لا ضرر فيه. قال بعضُ الشارحين: لا بُدَّ من تقديرٍ لا في الأول؛ لأن: لا إذا دخلت على الماضي لا بد من تكررها. هذا كلامُهُ. وهو سهوٌ ظاهر؛ لأن ذلك إنما يكون إذا أُريدَ نفي الأمرين مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] وهنا المراد إثبات الأمرين كما فسره رواية مسلم، فلو قيل: ما سئل عن شيءٍ لا قُدم ولا أُخر. فَسَد المعنى. والتحقيقُ أن لا زائدة، والواو بمعنى أو. فإن قلت: قيَّد الوقوف في الترجمة بكونه على ظهر الدابة، وليس في الحديث الذي استدل به ذكرُ الدابة ولا غيرها؟ قلتُ: ذكره في كتاب الحج من طريق إسحاق، ولم يذكر ذلك الطريق هنا، كما هو دأبه في الاستدلال بالخفي، وفائدته أنه يعلم بذلك أن للحديث طريقًا آخر؛ لأن المذكور في الباب لا دلالةَ فيه إلا بذلك. واستدل بالحديث الشافعيُّ وأحمدُ، فلم يوجبا الترتيب في هذه الأشياء، وأوجب مالك وأبو حنيفة الترتيب، وحَمَلا قوله: "لا حرج" على رفع الإثم فأوجبا الفدية على تارك الترتيب. باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد ٨٤ - (وُهَيب) بضم الواو على وزن المصغر (فأومأ بيده ولا حرج) أومأ: مهموز

стр. 182

[الحديث ٨٤ - أطرافه في: ١٧٢١ - ١٧٢٢ - ١٧٢٣ - ١٧٣٤ - ١٧٣٥ - ٦٦٦٦]. ٨٥ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ»، ــ اللام. قال الجوهري: ولا تقل: أوميت بالياء، ويقال: ومأت أمأ لغة، قال الشاعر: وما كان إلا ومؤها بالحواجب قال بعض الشارحين: لفظ قال هنا مقدر، أي: أشار قائلًا، أو قال: ولا حرج. قلتُ: لو قدر قال لم يصحّ استدلال البخاري على أن جواب الفتيا كان بالإشارة، ثم قال: فإن قلت: لِمَ تَرَكَ الواو أولًا في: "لا حرج" وذكره ثانيًا؟ قلتُ: لأن الأول كان في ابتداء الحكم، والثاني معطوف على المذكور أولًا، هذا كلامه. وليس في هذا الحديث: لا حرج بلا واو في النُّسَخ التي وقعنا عليها، بل وقع في بعضها: أن لا حَرَج. بدل: ولا حرج. ولئن سُلّم أن الواقع أولًا بلا واو، والثاني مع الواو، فليست الواو للعطف، بل الواو حالية، وكذا لا حرج بدون الواو، والمعنى: افعل حال كونك غير آثمٍ. ٨٥ - (المكي بن إبراهيم) يكنى أبا السَكَن بفتح السين والكاف [حنظلة، بفتح الحاء والظاء المعجمة (قال يُقبض العلم ويظهر [الجهل و] الفتن ويكثر الهَرْجُ) سيذكر وجه قبض العلم بأنه يكون بموت العلماء، والفتن: جمع فتنةٍ، من فَتَنَهُ: أَضَلَّه. وفي الحديث: "المسلمُ أخو المسلم يتعاونان على الفُتَّان" -بضم الفاء وتشديد التاء

стр. 183

قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ: «هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ». [الحديث ٨٥ - أطرافه في: ١٠٣٦ - ١٤١٢ - ٣٦٠٨ - ٣٦٠٩ - ٤٦٣٥ - ٤٦٣٦ - ٦٠٣٧ - ٦٥٠٦ - ٦٩٣٥ - ٧٠٦١ - ٧١١٥ - ٧١٢١]. ٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ ــ - أي: على الذين يضلون الناس. ذكره ابن الأثير. والهَرْج -بفتح الهاء وسكون الراء-: القتلُ بلغة الحبشة (فقال: هكذا حرّفها كأنه يريد القتل) هذا موضعُ الدلالة على الترجمة. ٨٦ - (وُهَيب) بضم الواو وفتح الهاء على وزن المصغر (عن فاطمة) هي: بنت المنذر بن الزبير بن العوام (عن أسماء) هي بنت أبي بكر ذات النطاقين، امرأةُ زبير بن العوام (قالت: أتيتُ عائشةَ وهي تصلي، فقلتُ: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء) هذا موضعُ الدلالة على الترجمة. فإن قلت: هذه الأحاديث صريحة في الاعتبار بالإشارة، فلِمَ لَمْ يقل بها الفقهاء؟ قلت: قالوا بها في العبادات دون العقود والفسوخ احتياطًا. (فإذا الناس قيامٌ) إذا للمفاجأة، وقيام جمع قائم كصيام في صائم (فقالت: سبحان الله) أي: قالت عائشة سبحان الله وكأنها قالته، لأن أسماء لم تفهم الإشارة، ولذلك قالت بعده: (قلتُ: آيةٌ؟ فأشارت برأسها أي: نعم). قال بعضُ الشارحين: فإن قلت: سبحان علم التسبيح، فكيف أضيف؟ قلت: نُكِّر فأضيف، وهذا الذي قاله موجود في كلام ابن الحاجب، فإنه قال: علم قي غير حال الإضافة، لكن ردَّه صاحب "الكشف" بأن العلمية لا تنافي الإضافة، كما في حاتم طيّ، وعنترة عبس. وآية: مقدر بالاستفهام. (فقُمتُ حتى تجلاني الغشيّ) أصله: تجللني بلامينِ، حذفت إحداهما وعُوّض عنها

стр. 184

وَجَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، ــ الياء كما في تَقَضَّى البازي، وفي بعضها: علاني بدله. والغَشْي: بفتح الغين المعجمة وسكون الشين، وبفتحها وسكون الشين وتشديد الياء. هو الإغماء. فإن قلت: إذا أُغمي عليها كيف قالت: فجعلتُ أصبُّ فوق رأسي الماء؟ قلتُ: أرادت قرب الغشي، فلذلك لم تقل: غشي عليَّ، بل قالت: علاني أو تجللني، كما يقول الوسنان: غلبني النومُ. وعلى هذا الغشي مستعمل في معناه حقيقة. فإن قلت: كيف صبَّت فوق رأسها الماء، وهي في الصلاة، فإنه يحتاج إلى عمل كثير؟ قلت: لم يوجد في طريقٍ من الحديث أنها أحرمت بالصلاة. فإن قلتَ: فلم وقفت حتى علاها الغَشْي؟ قلتُ: قامت تنظر ما يقول رسول الله ﷺ بعد فراغه من الصلاة، لوجود الآية، ولئن سُلّم أنها كانت في الصلاة، فلعلها لم تعلم أن ذلك مبطل للصلاة كما سيأتي [في] باب السهو في الصلاة. وإليه ذَهَبَ طائفةٌ من العلماء. (ما من شيءٍ لم أكن رأيته إلا رأيته في مقامي هذا) زيادة من الاستغراقية، ولفظ شيء المتناول كل موجود يدلان على أنه رأى كل ما يمكن رؤيته من الجواهر والأعراض، وإن كانت لا تُرى عادةً، كما تجعل الأعراض في صور الأجسام من العبادات في الميزان يوم القيامة، ويحتمل أن يُريد ما جرت العادة برؤيته. قال بعضُهم: فإن قلتَ: هل دَلَّ على أنه رأى في ذلك المقام الربَّ تعالى وتقدس؟ قلتُ: نعم إذ الغَشْي يتناوله، والعقلُ لا يمنعه، والعُرف لا يُخرجه. وَأنا أقول: لو كان رؤيته تعالى واقعة له في ذلك المقام، كان السياق يقتضي أن يقول: حتى الله، بدل قوله: "حتى الجنة والنار". ولمّا جعل الجنةَ والنار غايةَ رؤيته، عُلم أن المراد رؤيةُ الممكنات، وقال أيضًا: يجوزُ أن تكون الرؤية بمعنى العلم. وهذا الاحتمالُ أيضًا ساقطٌ لما سيأتي في باب الكسوف: أنهم قالوا له: رأيناك تناولْتَ شيئًا؟ قال: "تناولتُ عنقودًا، ولو أصبتُهُ لأكلتُم منه ما بقيت الدنيا" ولا شك أن هذا التناول لا يكون إلا مع الإبصار حقيقةً،

стр. 185

يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، ــ وأيضًا: لو حمل على العلم، لم يكن لجعل الجنة والنار غاية وجه؛ لأنهما من أظهر المعلومات. فإن قلت: أي إعراب يعرب الجنة والنار؟ قلتُ: النصب إن جعلت حتى عاطفةً، لأنهما مفعول الرؤية. والجرُ على أنها من حروف الجر، ومعنى الغاية لازمةٌ لها على أي تقديرٍ كان. (فأُوحي إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال) قال القاضي: هذه الرواية أحسنُ الروايات، يريدُ بها تنوين الثاني، وتركَهُ في الأول، لأنه في تقدير الإضافة حذف منه المضاف إليه لدلالة "من فتنة" عليه، ويروى بعدم التنوين في الاسمين لتقدير الإضافة فيها، ومن فتنتة بيان. وبتنوينهما على التنازع في من فتنة، ومعنى الفتنة في الحديث: الابتلاءُ والامتحان، وإن ذلك منصوب مفعول لا أدري؛ لأنه بمعنى المعرفة، ولذلك اقتصر على مفعول واحد. وأَيْ وإن كان في الأصل للاستفهام إلا أنه جرّد عنه ذلك المعنى، كما في ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ولا يجوزُ أن يكون مقول قالت أسماء، لبقاء لا أدري بلا مفعول، ولفساد المعنى، فتأمل. ولا أن تكون موصولة لذلك. فإن قلت: لا يضاف أي إلا إلى متعدد، فكيف أُضيف إلى ذلك؟ قلتُ: ذلك متعدد معنىّ، وإفراده باعتبار المذكور. والمسيح فَعيل بمعنى المفعول، لأنه ممسوح العين، أو لأنه ممسوح البركة والخير، أو بمعنى الفاعل، لأنه يمسح الأرض، وقد ذكر في "القاموس" في وجه هذه التسمية خمسين قولًا. والدجَّال من الدَّجَل وهو اللبس والخلط، ومنه سُمي النهر المعروف دجلة لستره وجه الأرض. (يقال: ما علمك بهذا الرجل؟) المشار إليه: رسول الله ﷺ . عبَّر عنه بالرجل لئلا يتلقن لو قيل: رسول الله ﷺ ونحوه (جاءنا بالبينات والهدى) البينات: المعجزات الواضحات، والهدى: الدلالة إلى ما يوصل إلى ما هو المطلوب، أو الشرع الذي يشرعه (هو محمد ثلاثًا) أي: يقول هذا الكلام ثلاثَ مراتٍ تقريرًا أو تحقيقًا، اللهم اجعلنا منهم

стр. 186

سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". [الحديث ٨٦ - أطرافه في: ١٨٤ - ٩٢٢ - ١٠٥٣ - ١٠٥٤ - ١٠٦١ - ١٢٣٥ - ١٣٧٣ - ٢٥١٩ - ٢٥٢٠ - ٧٢٨٧]. ٢٦ - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ وقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ». ــ بحق هذا النبي ﷺ المكرم (سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلتُه) هذا كذبٌ منه كما كان يكذب في الدنيا. فإن قلت: في رواية الإمام أحمد والترمذي أنه يقول: "هاه هاه" (١)؟ قلتُ: لا ينافي، يقول هذا وذاك. فإن قلت: هل تعاد روحه إلى جسده كما كان في الدنيا، أو يحصل تعلق يدرك به الألم واللذة؟ قلتُ: في رواية الترمذي والإمام أحمد تعاد روحه إلى جسده (٢). فإن قلت: إذا عادت روحه إلى جسده، هل تفارقه بعد المسألة؟ قلتُ: لا ألا ترى إلى قوله: "تسلّط عليه تسعةٌ وتسعون تِنينًا تَلْدَغُهُ إلى قيام الساعة" (٣) ولفظ الحديث أيضًا صريح فيه حيث قالوا للمؤمن: "نم صالحًا". وللغزالي في هذا الباب بَسْطٌ شافٍ من أراده فعليه بمطالعة "الإحياء". باب: تحريض النبي ﷺ وَفْدَ عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلمَ ويخبروا مَنْ وراءَهم الوفد جمعُ الوافد كصَحْب في صاحب، وهو الذي يَرِدُ على الملوك لمهمات قومه. وعبد القيس: قبيلة من أسدٍ، أبوهم عبدُ القيس بن أفصى من أولاد أسد بن ربيعة، وقد تقدم أنهم وفدوا سنة تسعٍ بعد حج أبي بكر (وقال مالك بن الحويرث) بضم الحاء على وزن المصغر الليثي يكنى أبا سليمان، سيأتي حديثه مسندًا في كتاب الصلاة، روى حديثه معلقًا تقوية لما أسنده بعده.

стр. 187

٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ» قَالُوا: رَبِيعَةُ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ» وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ. ــ ٨٧ - (محمد بن بَشّار) بفتح الباء وتشديد المعجمة (غُنْدَر) بضم الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة محمد بن جعفر البصري، وغُنْدَر لقبٌ له (عن أبي جَمْرة) -بالجيم- نصر بن عمران الضبعي (من الوفدُ؟ أو مَنْ القوم؟) الشك من ابن عباس (قالوا: ربيعةُ) أي: أولاد ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (مرحبًا بالقوم) أصلْ الرَّحب: السعة. قال تعالى: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] ومعنى قوله: مرحبًا، أي: رحَّب الله بهم. قال ابن الأثير: جعل المَرْحَب موضع الترحيب. (غير خزايا ولا ندامى) جمع خزيان وندمان. ويروى الاسمان معرفتين، وقد تقدم الحديث بشرحه في كتاب الإيمان في باب أداء الخُمُس من الإيمان (١)، (من شقة بعيدة) -بضم الشين وتشديد القاف- قال ابن الأثير: والشقة أيضًا السفر. قلتُ: اشتقاق اللفظ من الشق؛ لأن المسافر يَشُق الأرضَ، أو من المشقة لأنه يحتملها. (فمُرنا بأمرٍ نُخبر به من وراءنا وندخل به الجنة) يروى الفعلان بالجزم على الجواب، والرفع على الاستئناف، أو على صيغة أمر، والنصب على أنه حال مقدرة من الفاعل (وتُعطوا الخُمسَ) نُصب بتقدير: أن؛ لأنه معطوف على الإيمان بالله (ونهاهم عن الدُبَّاء والحَنْتَم والمُزَفَّت) الدباء: القرع، والحنتم: الجرة الخضراء، والمُزَفَّت: الذي طُلي بالزّفت

стр. 188

قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ» وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ». ٢٧ - بَابُ الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ، وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ ٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ ــ (قال شعبة: ربما قال النقير، وربما قمال: المقيّر) النقير فعيل بمعنى المفعول هو الجذع المنقور، والمقيّر على وزن المفعول: المطلي بالقير. والكلامُ على معنى الحديث مستوفى تقدم في كتاب الإيمان في باب أداء الخُمس من الإيمان، وقد أبدينا هناك فائدة جليلة فراجعها. باب: الرحلة في المسألة النازلة الرّحلة -بكسر الراء- مصدر نوعي من الارتحال -وبضم الراء- الرَّحل الذي يرحل إليه، أو الجهة التي يرحل إليها. ٨٨ - (محمد بن مقاتل) -بضم الميم وكسر التاء- أبو الحسن (عبد الله) هو ابن المبارك، بحر العلم ومعدن التقوى والزهد (عمر بن سعيد بن [أبي] الحسين)، (عبد الله بن أبي مُلَيكة) هو عُبيد الله على وزن المصغر، وأبو مُلَيكة -بضم الميم على وزن المصغر- جده، واسمُهُ زهير، تابعي معروف جليلُ القدر (عن عُقْبة بن الحارث) -بضم العين وسكون القاف- أبو سروعة القريشي. قال الكرماني نقلًا عن ابن عبد البرّ: إنَّ ابنَ أبي مُلَيكة لم يسمع من عُقْبة، وبينهما عُبيد بن أبي مريم، قال: وذاك سهو؛ فإن ابن أبي مُليكة قال في باب شهادة المرضعة: سمعتُ من عقبة هذا كلامه. والذي وقعنا عليه من نُسَخ البخاري في هذا الباب أن ما يرويه معنعن لكن ابن أبي مُلَيكة ثقة. قال النووي: رأى ثلاثين من الصحابة، ولم يذكره أحد بالتدليس، فإذا كان بهذه المثابة مُعنعَنُهُ في قوة السماع. (تزوَّج ابنةً لأبي إهابِ بن عزيزٍ) بكسر الهمزة في إهاب، وقيل: ابنة أبي إهاب هذه

стр. 189

وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. [الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٢٠٥٢ - ٢٦٤٠ - ٢٦٥٩ - ٢٦٦٠ - ٥١٠٤]. ــ تكنى أم يحيى ولم يُعلم اسمُها. قلتُ: جاء في بعض الروايات: تزوجت زينب بنت أبي إهاب، وقيل: اسمها غنية. ذكره السهيلي في "روضة الأنف". (فأتتْهُ امرأة فقالت: إني قد أرضعتُ عُقبة، والتي تزوَّجها) كان الظاهر أن تقول: أرضعتك، إلا أنه التفات في غاية الحُسْن؛ لأن الخطاب يسوء المخاطب، أو أنها لما جاءت عقبةَ خاطبتْ غيرَه من الناس. (فقال لها عُقبة: ما أعلمُ أنكِ أرضعتني، ولا أخبرْتِني) يروى الفعلان بدون الياء بعد التاء على ما هو الأصل، ومع الياء الحاصلة من إشباع الكسرة. قال بعضُ الشارحين: ولا أخبرتني عطف على ما أعلم. وإنما اختار في: "ما أعلم "، المضارع، وفي: "أخبرتني"، الماضي؛ لأن نفي العلم حاصلٌ بخلاف نفي الإخبار، فإنه كان في الماضي فقط. وهذا سهو؛ فإن عُقْبةَ نَفَى العلمَ والإخبارَ في الماضي؛ إذ لو علم أو أخبرته لم يتزوجها. والصواب: أن عدم العلم مستمر في الحال حاصل دون عدم الإخبار؛ فإنه واقع في تلك الحالة. فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة) قوله: بالمدينة، حال من رسول الله ﷺ ، أي: حال كونه مقيمًا بالمدينة (فقال رسول الله ﷺ : كيف وقد قيل؟) هذا ظاهر في أنه لم يكن منه حكمٌ بقول المرضعة وحدها كما ذهب إليه الإمام أحمد في روايةٍ، وأصرح منه قوله: (ففارَقَها عقبةُ) إذ لو كان حكمه بالتفريق لأجل الرضاع، لم يحتج إلى فراق الزوج. وإنما كره رسول الله ﷺ ذلك النكاح، لأن شأن الفروج الاحتياطُ فيها، وأيضًا مع هذا الوهم لا تطيب العشرةُ (ونكحتْ زوجًا غيرَهُ) اسمُ هذا الزوج ضُرَيب، مصغر ضرب، فائدة هذا الكلام الدلالة على أن الراوي قد أحاط بالواقعة علمًا كما ينبغي. فإن قلت: ما الفرقُ بين هذه الترجمة وبين ما تقدم من الخروج لطلب العلم؟ قلتُ: هذا في المسألة الضرورية والحادثة اليومية، وذاك في طلب علم ليس عنده استكمالًا.

стр. 190

٢٨ - بَابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ ٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ ــ باب التناوب في العلم التناوب: قيام أحد الشخصين مقام الآخر في أمر من الأمور. ٨٩ - (أبو اليمان) بالتخفيف، هو الحكم بن نافع (وقال ابن وهب) عطف على: حدثنا أبو اليمان، وابن وهب هذا: عبد الله، وقد يوجد قبله حاء التحويل، والأولى عدمها، فإن هذا تعليق من البخاري؛ لأن ابن وهب شيخ شيوخه (عبيد الله بن أبي ثور) بضم العين على وزن المصغر، وثور: بالثاء المثلثة. (كنت أنا وجار لي من الأنصار) قيل: جاره هذا عتبان بن مالك، وقيل: عويم بن ساعدة، وقيل: أوس بن خولي (في بني أمية بن زيد) قبيلة من قبائل الأنصار (وهي من عوالي المدينة) الضمير لمنازلهم، لوجود القرينة، والعوالي: مواضع بأعالي المدينة، أدناها على أربعة أميال، وأبعدها على ثمانية أميال، والنسبة إليها علوي على غير قياس (فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم، فدخلت على حفصة) وفي بعضها: دخلت، كذا هنا مختصرًا، وفي سائر الروايات: قلت: جاء الغساني فقال: أعظم من ذلك طلق رسول الله نساءه، وإنما عدَّ طلاق نسائه أمرًا عظيمًا؛ لأن الطلاق أنكر المباحات، فلا يرتكبه رسول الله ﷺ إلا لباعث قويٍّ، لا سيما طلاق الجميع وفيهن بنت أبي بكر وعمر.

стр. 191

تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا» فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. [الحديث ٨٩ - أطرافه في: ٢٤٦٨ - ٤٩١٣ - ٤٩١٥ - ٥١٩١ - ٥٢١٨ - ٥٨٤٣ - ٧٢٥٦ - ٧٢٦٣]. ٢٩ - بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ ٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، ــ (فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، فقلت: الله كبر) إنما سأله وهو واقف لغاية الاهتمام، وقوله: الله أكبر، تعجب إما من إشهار الكذب عنه بين الصحابة وهو بين أظهرهم، أو كبَّر فرحًا بما سمعه، وسيأتي الحديث بأطول وأطول، وإنما أورده بأخصر طرقه لحصول غرضه، كما أشرنا إلى مثله في حديث: "الأعمال بالنيات". وفي الحديث دلالة على قبول خبر الواحد، وأن الكذب من غير قصد لا يقدح في العدالة، وفيه ما كان عليه الصحابة من الحرص على العلم، وضبط أحوال رسول الله ﷺ ، وفيه جواز دخول أبي المرأة عليها من غير إذن الزوج إذا عَلِم أنه لا يغيظه ذلك، وجواز البكاء على أمر ديني، وفيه أحكام كثيرة بوَّب عليها البخاري أبوابًا. باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره ٩٠ - (محمد [بن] كثير) ضد القليل (عن ابن أبي خالد) هو أبو عبد الله إسماعيل البجلي (عن قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة (عن أبي مسعود الأنصاري) هو عقبة بن عمرو الخزرجي المعروف بالبدري، ولم يكن شاهدًا في غزاة بدر، بل كان سكن بدرًا. (قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا فلان) ويروى: مما يطيل،

стр. 192

فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ». [الحديث ٩٠ - أطرافه في: ٧٠٢ - ٧٠٤ - ٦١١٠ - ٧١٥٩]. ــ والأول أبلغ، هذا الرجل هو حرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وقوله: لا أكاد أدرك الصلاة، نفي لقرب الإدراك فضلًا عن الإدراك؛ لأن كاد من أفعال المقاربة، وفيه لغتان: كود يكود، على وزن: علم يعلم، وكود يكود، على وزن: نصر ينصر، وعلى اللغة الأولى جاء ما في الحديث، وغرضه أنه ترك الجماعة لما يطوِّل الإمام، وقد جاء صريحًا في رواية أخرى من طريق أحمد بن يونس في كتاب الصلاة: إني لأتأخر عن صلاة الغداة، وفي رواية محمد بن يوسف: عن صلاة الفجر، وبهذا سقط ما يقال: لعل الرواية: لأكاد، فإن التطويل يقتضي الإدراك. (أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة) وفي رواية في كتاب الصلاة بدل: "الضعيف" "الكبير" يشمل الضعيف المريض وغيره، وفي أخرى: "الضعيف والسقيم والكبير" فيشمل الضعيف ذا الحاجة، وجعل هنا الضعيف شاملًا للكبير، وسيأتي أيضًا أن من صلى بقومٍ فليقتدي بأضعفهم، وكان فعل رسول الله ﷺ على هذا النمط، يطوِّل تارة ويقصر أخرى باعتبار أحوال المقتدين به، وسيأتي في أبواب الصلاة كل ذلك مفصلًا، وهذا كله بناء على ما تقدم في كتاب الإيمان من أن الدين يُسر. فإن قلت: (أشد غضبًا من يومئذٍ) فيه تفضيل الشيء على نفسه؟ قلت: لا ضرر فإنه باعتبارين.

стр. 193

٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، ــ ٩١ - (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون؛ لأنه كان يتبع الأحاديث المسندة (أبو عامر العقدي) اسم عبد الملك، وعقد -بفتح العين والقاف- قبيلة بيمن (سليمان بن بلال المديني) نسبة إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وهذا يخالف ما قاله الجوهري من أن نسبة الشيء إلى مدينة رسول الله ﷺ : مدني، بغير ياء، والنسبة إلى مدينة المنصور بالياء، وكذا يخالف قاعدة الصرف في أن النسبة إلى فعيلة إذا كانت صحيحة العين بحذف الياء وفتح ما قبلها لكن يوافق ما نقل عن البخاري من أن المديني -بالياء- من سكن مدينة رسول الله ﷺ ولم يفارقها. والمدني بحذف الياء: من سكنها وغيرَها. (عن رَبِيعة بن عبد الرحمن) -بفتح الراء وكسر الباء- شيخ مالك بن أنس، يُعرف بربيعة الرأي (عن يزيد) من الزيادة (مولى المُنْبعِث) بضم الميم وكسر الباء آخره ثاء مثلثة (عن زيد بن خالد الجُهَني) -بضم الجيم وفتح الهاء- نسبةً إلى جُهَينة على وزن المصغر. قبيلة من قبائل العرب معروفة، قال الشاعر: وعند جُهَينة الخبر اليقينُ قال ابن العربي: هذا قول أهل الجنة، فإن آخر من يخرج من النار رجلٌ من جُهينة، فيسألونه هل بقي في النار أحد فيقول: لا. وقال الجوهري: رواها ابن الأعرابي: جُفَينة بالجيم والفاء. قال ابنُ السِكِّيت: هو اسم خَمَّار. وكذا عند الأصمعي، وفي بعض التواريخ: جهينة اسمُ فاحشة، يُضرب بها المَثَلُ، وكانت عارفةً بأمور النساء، فإذا التبس عليهنّ أمر قلن: عند جهينة الخبرُ اليقينُ. (سأله رجلٌ عن اللقطة) -بضم اللام وفتح القاف- اسمُ المال الملقوط، من الالتقاط

стр. 194

فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، ــ وهي العثورُ على الشيء من غير قصدٍ وطلب. قال ابن الأثير: وقيل: اسمٌ لمن يأخذه أي: الملتقِطُ قياسًا على الضحكة والهُمزة، قال: والأول أصحّ. قلت: لا تنافي يكونُ لفظًا مشتركًا، لكنه في عرف الشرع خصّ بالمال الملقوط. (فقال: اعرفْ وكاءَها -أو قال: وِعَاءَها- وعفاصها، ثم عَرّفها سنةً) الوكاء -بكسر الواو- ما يربط به الشيء كالخيط ونحوه. والوعاءُ: -بكسر الواو- الظرفُ الذي يُوعى فيه الشيء. أي: يحفظ. والعِفَاصُ -بكسر العين وصاد المهملة- هو الوعاء الذي فيه النفقة من خِرقة أو جلد، من العفص وهو العطف والثني. قلتُ: فعلى هذا هو في الحديث من عطف الخاص على العام. والتعريفُ في السنة له ترتيب يُعرّفه طرفَيْ النهار في أول الأمر، يذكر بعض أوصافه، ثم في كل أسبوع مرة، ثم في كل شهر مرةً. هذا في الشيء الذي له قدرٌ يُعتدّ به. وأما في الشيء النزر اليسير إنما يُعرّفه بقدر ما يغلب على الظن إعراض صاحبه. (ثم استمتعْ بها) دليل للشافعي في جواز تملكها، وعن الإمام أحمد في روايةِ بعد التعريف يدخل في ملكه دخولًا لازمًا، إن كان من الأثمان. وفي غيرها له روايتان، وعند أبي حنيفة: لا يجوزُ تملكها رأسًا والحديثُ حُجة عليه. وعلى كل قول ومذهب: "إذا جاء مالِكُها يغرمها له". (قال فضالّةُ الإبل فغضب حتى احمرَّتْ وجنتاه، أو قال: وجهُهُ) إنما غضب لأنه استقصر فهمه مع ظهور الدليل، وذلك أن لفظ اللقطة ظاهر في الأثمان وما يقاربها، ولا يلائم الإبل، والحكمة في جواز أخذ مال الغير: خوف الضياع، ولذلك أشار إلى الأسباب المانعة من ذلك بقوله: (ما لَكَ ولها معها سقاؤها وحذاؤها تَرِدُ الماءَ وترعى الشجر) قوله: "ما لَكَ" مبتدأ وخبر. وما: استفهامية. "ولها" عطف على الخبر. ومعنى الاستفهام: الإنكارُ. ويُروى: وما لَكَ بالواو عطف قصة على أخرى، ثم كشف الغطاء عن وجه الإنكار بأن لها أسباب التعيش بقوله: "معها سِقاؤها" -بكسر السين- الظرف الذي يُحفظ الماء فيه، وذلك أن الإبل تشربُ في يومٍ مقدار ما يكفيها أيامًا. شبَّه موضع ذلك الماء من بطنها بالسقاء، والحذاء -بكسر الحاء المهملة، وذال معجمة- خف رجلها، وأصلها النعل، فالكلام على التشبيه.

стр. 195

فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» [الحديث ٩١ - أطرافه في: ٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢]. ٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» فَقَامَ آخَرُ ــ قال الشافعي: هذا إنما يكون في المفازة، وإليه أشار بقوله: "ترعى الشجر" والمنعُ أيضًا مقيَّدٌ بقصد التملك، وأما الأخذُ للحفظ على صاحبها فلا. وأما في العُمران فيجوزُ الأخذُ لقَصْدِ التملك أيضًا؛ لأنه يخاف عليها الضياع ولا ماء ولا مَرْعى. (قال: فضالّةُ الغنم؟ قال: لَكَ أو لأخيك أو للذئب) هذا الجواب من الأسلوب الحكيم، وذلك أنَّه كان ظاهر الجواب أن يقول: يجوزُ أخذُهُ. فأشار إلى ذلك في ضمن أحكام مهمة، وهي أنَّه يملكها إن لم يَجئْ المالك. وبقوله: "أو لأخيك". إن جاء، وبلفظ الأخ دون المالك، لأنه مال أخيه لا يقصر في حقه، ولا يخونه وبقوله: "أو للذئب" إلى الأخذ، فإن الغنم لا يقدر على الامتناع عن الذئب ونحوه. ٩٢ - (محمد بن العلاء) بفتح العين والمدّ (أبو أسامة) -بضم الهمزة - حماد بن أسامة (بُرَيْد) بضم الباء على وزن المصغر (عن أبي بُرْدَة) -بضم الباء - عامر بن أبي موسى، واسم أبي موسى عبدُ الله بن قيس. (سئل رسول الله ﷺ عن أشياء كرهها) وزن أشياء فعلاء عند الخليل وسيبويه، وأفعلاء عند الفراء والأخفش، وأفعال عند، الكسائي. غير منصرف اتفاقًا، إلا أن وجهَ منع الصرف غير ظاهر على ما قاله الكسائي. والقولُ بأنه مشبه بفعلاء وجه الشبه فيه غير ظاهر. فإن قلت: لِمَ كَرِهَ السؤال عن أشياء، وقد رَوَى أبو داود وابن ماجة عن جابرٍ أنهم كانوا في سفر فاصاب رجلًا منهم جنابة، وكان في رأسه شجة، فأَمَرُوه بالغسل فمات منه، فلما بَلغَ رسول الله ﷺ قال: "قتلوه قَتَلَهم اللهُ، هلَّا سألوا إذ جهلوا؟، فإنما شفاء العي السؤال"؟ قلتُ: سؤال هؤلاء لم يكن عن أمر ضروري في الدين، ألا ترى إلى قول الرجل (من أبي)، وكان الرجل إذا ضلت ناقته يقول: أين ناقتي يا

стр. 196

فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ [الحديث ٩٢ - طرفه في: ٧٢٩١]. ٣٠ - بَابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ المُحَدِّثِ ٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي» فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا ــ رسول الله وأمثال هذه الأشياء. وأما السؤال عن الأمر الديني فيكون واجبًا، ولهذا كان يجمله السائل إذا كان سؤاله عن أمر مُهم في الدين. وقد تقدم أنَّه سُئل عن تقديم بعض أفعال الحج وتأخير البعض، قال: "افعلْ ولا حرج" وكم له نظائرُ. (قال رجل: من أبي)؟ هذا الرجلُ: عبدُ الله بن حُذافة، والرجل الآخر بعده سعدُ بن سالم. باب: [مَنْ] بَرَكَ على ركبتيه عند الإمام أو المحدث بَرَكَ على وزن نَصر، مخصوص بالبعير، يقال: برك البعيرُ إذا استناخ من البرك على وزن الأكل وهو الصدر وذلك أن البعير يعتمد عليه إذا أنيخ. فعلى هذا استعمالُهُ في الإنسان من إطلاق المقيد على المطلق مجازًا مرسلًا، أو استعارة. ٩٣ - (أبو اليمان) -بتخفيف النون- الحكم بن نافع (فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حُدْافةُ) بضم الحاء وذال معجمة. إنما سأله لأنه كان متهمًا في أبيه. قال بعضُ الشارحين: فإن قلتَ: من أين عَرَف أنَّه ابنُهُ؟ قلتُ: إما بالوحي أو بحُكم الفراسة، أو القياس، أو بالاستلحاق، هذا كلامُهُ. والصواب أنَّه بالوحي، كَشَف الله له الحجاب في تلك الحالة ولذلك جاء في رواية: "لا تَسْأَلون عن شيءٍ إلا أخبرتكم ما دُمْتُ في مقامي" هذا، وليت شعري ما معنى القياس في هذا المقام؟ أو الاستلحاق

стр. 197

وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا فَسَكَتَ. [الحديث ٩٣ - أطرافه في: ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥]. ٣١ - بَابُ مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا ــ بعد قوله: "الولدُ للفراش". وإنما قوله: "أبوك حذافة" بيان ما في نفس الأمر، ألا ترى أن رجلًا آخر قال: أين أبي؟ قال: "أبوك في النار" كما سيأتي في البخاري. فإن قلتَ: هذه أحكام شرعية كيف حَكَم بها في حال الغضب؟ وقد قال: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"؟ قلتُ: هو مستثنى عن القاعدة، محفوظ من عند الله، لا يقول إلا الصواب، وقد يقال: حالُ الموعظة ليس كحال الحكمِ، فيجوزُ مع الغضب. بل أولى أن يكون في حالة الغضب، قلت: ترجمة البخاري تدل على ذلك، فيجوزُ لكل أحدٍ الموعظةُ فيها. (فبَرَك عمرُ على ركبتيه) إجلالًا لرسول الله ﷺ . باب من أعاد الحديثَ ثلاثًا ليُفْهَم عنه بضم الياء وفتح الهاء علي بناء المجهول فقال: (أَلَا وقولُ الزور، فما زال يكررها) الضمير لقول الزور أنثه باعتبار الجملة أو الكلمة، والزور لغةً الميل، أراد به الميلَ عن الحق، وهذا قطعةٌ من حديث مسندٍ عنده أسنده في كتاب الشهادات ولفظه: "قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى. قال: "الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين"، وكان متكئًا فجلس وقال: "أَلَا وقول الزور"، فما زال يكررها حتَّى قلنا: ليته سكت. وقوله: (حتَّى قلنا) هو غاية التكرير فسقط ما يقال: ما زال يكررها ما دام في المجلس، فإنه خلاف الواقع مع عدم دلالة الكلام عليه.

стр. 198

وَقَالَ: ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا؟». ٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا». [الحديث ٩٤ - طرفاه في: ٩٥، ٦٢٤٤]. ٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا». ــ (وقال ابن عُمر: قال رسول الله ﷺ : هل بَلَّغْتُ ثلاثًا؟) هذا تعليق لحديث سيرويه في كتاب الحج، أورده تعليقًا اختصارًا تقوية لمّا استدل به. ٩٤ - (عَبْدَةُ) -بضم العين وسكون الباء- هو ابن عبد الله، أبو سهل الصفَّار الخُزاعي (عبد الله بن المُثَنَّى) بضم الميم وتشديد النون (ثُمامة) بضم الثاء كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا). أراد بالكلمة: الكلامَ المشتملَ على حكم أو أحكام، لا اللفظ المفرد؛ فإنه اصطلاحٌ حادثٌ، وهذا كان منه في الأمور المهمة، ولفظ: إذا، إنما يدل على الجزم بالوقوع لا على الدوام، كما ظُنَّ، لكن لفظ: كان، يدل على الاستمرار، ومجمله ما ذكرنا، إذ لا يشك أحد في أنَّه في محاورته مع أصحابه، أو مع الوفود لم يُعدْ كل كلمةٍ ثلاث مراتٍ. ٩٥ - (وإذا أتى على قومٍ فسَلَّم عليهم سلم عليهم ثلاثًا) قوله: فسلَّم عطفٌ على قوله: أتى. وقوله: سلَّم، جواب الشرط، والتسليمات الثلاث: الاستئذان، لما سيأتي من حديث أبي موسى مع عُمر، ولما رَوَى أنس بنُ مالك أن رسول الله ﷺ أتى بابَ سعد بن عُبادة فَسَلَّم ثلاثًا، ثم انصَرَفَ فتبعه سعدٌ، وقال: يا رسول الله ما من تسليمةٍ إلا وهي بأذني

стр. 199

٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ، صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا». ــ إلا أني أردتُ استكثار البركة. ولا يخفى أن مشروعية الثلاث، إنما يكون إذا لم يسمع الأول أو الثاني. وقد رَوَى أبو داود والترمذي عن كَلْدة بن حنبل أن أخاه صفوان بن أمية أرسله إلى رسول الله ﷺ فدخل ولم يستأذن. فقال له: ارجعْ وقل: السلام عليكم أدخُلُ. ولم يأمره بثلاثٍ. وحمل الحديثَ بعضُهم على سلام الاستئذان، وسلام الملاقاة، وسلام الوداع. وفيه بُعْدٌ ناب عنه قوله: إذا أتى على قومٍ. ٩٦ - (مسدّد) بضم الميم على وزن اسم المفعول (أبو عَوَانة) -بفتح العين- الوضّاح اليشكري الواسطي (عن أبي بِشْر) -بكسر الموحدة وشين معجمة- جعفر بن إياس (عن يوسف بن ماهَكَ) اسم أمه، غير منصرف علمٌ وعجمة وتأنيث، وماهَك تصغير ماه، مرادف قمر في العربية. (فأدركنا) بفتح الكاف (وقد أرهَقْنا الصلاةَ صلاةَ العصر) بفتح الهاء وسكون القاف، ونصب الصلاة، وصلاة العصر بدل منه، أي: أخّرناها حتَّى كِدْنا أن نُلحقها بالصلاة التي بعدها من الرَّهَقِ وهو القُرب. ومنه الغلامُ المراهقُ (فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا) أي: لأصحاب الأعقاب أو للأعقاب، لأنها محل الجناية، وقد تقدَّم شرحُ الحديث بسنده في باب رفع الصوت بالعلم برواية رفع الصلاة وأن معناها: أعجلتنا وغشيتنا.

стр. 200

٣٢ - بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ ٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، ــ باب تعليمُ الرجل أَمَتَه وأهلَهُ ٩٧ - (محمد بن مَلَام) بتخفيف اللام على الأشهر (المحاربي) -بضم الميم والحاء المهملة آخره باء موحدة- هو عبد الرحمن بن محمد الكوفي (صالح بن حَيَّان) -بفتح الحاء وتشديد المثناة- الهمذاني من نسل أبي بردة وليس هذا صالح بن حيان القرشي، فإن البخاري قال فيه: إنه ضعيف، (الشعبي) -بفتح الشين المعجمة - أبو عامر بن شراحيل، قال الجوهري: نسبةً إلى شعب، وهو جبلٌ بيمن، ذو شعبين. نزله حسان بن عمرو الحميري، وولده، فنسبوا إليه، ومنهم: عمرو بن شراحيل وهو تابعي جليلُ القدر، معروفٌ. قيل: إنه رأى خمسين من الصحابة (أبو بُرْدَة) -بضم الباء- عامر بن أبي موسى. (قال رسول الله ﷺ : ثلاثةٌ لهم أجران: رجلٌ من أهل الكتاب آمَنَ بنبيه، وآمَنَ بمحمدٍ ﷺ ) المراد مِن أهل الكتاب: اليهود والنصارى، لأن الزبور لم يشتمل على الأحكام، بل تحميد وتقديس، وقوله: "آمن بنبيه": يدل على أن شرع عيسى لم يكن ناسخًا شَرْعَ موسى، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فإن قلت: فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] قلت: المراد منه ما لا يعارض التوراة جمعًا بين الآيتين. فإن قلتَ: "آمن بنبيه" يدل على أن مَنْ آمَنَ مِنْ أهل الكتاب يكون له أجران في هذا الزمان؟ قلتُ: لا دلالة فيه، لأنه بعد بعثة رسول الله ﷺ ليس نبيًّا له، لأنه بُعث إلى الأسود والأحمر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِلْنَّاسِ بَشِّيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. فإن قلتَ: فقد جاء "بعيسى" بدل نبيّه ﷺ ، وذا صريحٌ في أنَّه نسخ شريعة موسى؟ قلتُ: لا دلالة فيه، فإنه مفهوم اللقب، مثل إيماننا بمحمد مع أنا مؤمنون بجميع الأنبياء.

стр. 201

وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ. ــ فإن قلت: اليهود الذين كفروا بعيسى، هل يدخلون في هذا الحكم؟ قلت: لا لأن من كفر بنبي فهو كافر بكل الأنبياء. (والعبدُ المملوك إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه) قَيَّد العبد بالمملوك، ليتعين لفظ المولى للسيد، لأن لفظَه مشترك بين السيد والعبد. ونكَّر الرجل وعرَّف العبد، تفننًا في العبارة، والمسافة بين النكرة والمعرفة بلام الجنس قريبه، وأتى بلفظ الجمع في المولى ليعلم أن العبد المشترك، إنما يحصل له الأجران إذا وفى بحق كل واحد من الموالي، والمراد بحق الله: الأحكام العامة بين الأحرار والعبيد، كالصلاة والصوم والكفّ عن المناهي. فإن قلتَ: يلزم أن يكون مؤمن أهل الكتاب، وهذا العبد الَّذي هذا شأنه، أفضل من أكابر الصحابة؟ قلت: كذلك، لكن من هذا الوجه، ولا محذور فيه؛ لأن لهم الفضل من جهاتٍ أخرى. ورَوَى الطبراني في "الأكبر" و"الأوسط" عن ابن عباس: "إن العبد يدخل الجنّة قبل مولاه بسبعين خريفًا، فيقول مولاه: يا ربّ، هذا كان عبدي؟ فيقول الله تعالى: بلى ولكن جازيته بعمله، وجازيتُك بعملك". وروى الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق "أن أول من يَقْرَعُ بابَ الجنّة المماليك إذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين مواليهم". (ورجلٌ كانت عنده أَمَةٌ يَطَؤها فأَدَّبَها فأحسَنَ تأديبَها، وعَلَّمها فأحسَنَ تعليمَها) المراد بالوطء: التمكّن منه، سواء صدر منه بالفعل أو لا، وفائدة ذكره الدلالة على أن ذلك التأديب والعلم والإعتاق، كان لوجه الله؛ لأن ما يتعلق بهوى النفس كان حاصلًا له. فإن قلت: ما الفرقُ بين التأديب والتعليم؟ قلت: التأديب: الحمل على محاسن الأخلاق، فهو من مقدمات تعليم الأحكام، وإنما آثر في الإعتاق ثَمَّ، لأن الإعتاق يتراخى عن التأديب والتعليم، أو إشارة إلى تراخي رتبة الإعتاق؛ إذ لا عبادةَ أفضلُ منه، ولذلك قال الفقهاء: لو أوصى يصرف ثلث ماله على أقرب القربات تصرف إلى إعتاق الأرقاء. (فله أجران) أعاده لطول الفصل، ولأن كثيرًا من الناس يستنكف نكاح أمته، خَصَّه بالذكر ترغيبًا.

стр. 202

ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ [الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣]. ٣٣ - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ ٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ــ واعلم أن الرجل والمرأة في الأحكام المشتركة سواء، وإنما يكثر التعبير بلفظ الرجل، لأنهم أهل المحافل والقوام بالأمور. (قال عامر) هو الشعبي (أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دُونها إلى المدينة) والخطاب للراوي وعن الشعبي كذا قيل، قال شيخ الإسلام: وليس كذلك بل خطاب لرجل خراساني سأله عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، والضمير للحديث، أَنَّثَهُ باعتبار ما فيه من المسائل، والمدينة مدينة رسول الله ﷺ طابة، على ساكنها أفضل الصلوات وأكمل التسليم كانت إذ ذاك كرسي العلم ومقرّ الخلافة، وصدر هذا القول من الشعبي وهو بكوفة. فإن قلت: ذكر في الترجمة تعليم الأمَة والأهل، وليس في الباب إلا حديث الأمَة؟ قلتُ: يعرف من بيانه في الأَمة، وحكم المرأة وسائر ما يتعلق بالإنسان من باب الأَوْلَى، فلا وجهَ لما يقال: بَوَّب البخاري ولم يتفقْ له حديثٌ يناسب. فإن قلت: ذكر في الأَمَة أمورًا أربعة، فكان الظاهر ترتب أجور أربعة؟ قلت: التأديب والتعليم شيء واحد، كما أشرنا إليه، والإعتاق مع التزوّج شيء واحد، ويجوزُ أن يكون الأجران للإعتاق والتزوّج والتأديب والتعليم، كالمقدمة لها؛ لأن الغالبَ عدم تزوّج من لم تكن بتلك الصفة. باب: عظة الإمام النساءَ وتعليمهنّ العِظَة -بكسر العين- مصدر وَعَظَ، والوعظُ: التذكير بأمر الآخرة، وعطف التعليم عليه من عطف العام على الخاص. ٩٨ - (سمعتُ ابن عباس يقول: قال: أشهَدُ على النبي ﷺ أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس) الشك من شعبة وعطاء هذا هو ابن أبي رباح -بفتح الحاء وباء موحدة- واسمه

стр. 203

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ [الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥]. ــ أسلم فقيه مشهور، رَوى عن أبي حنيفة، ومن المسائل التي انفرد بها جواز إجارة الجواري للوطء، وقال: إذا اجتمع العيد والجمعة، فلا تصلى الجمعة ولا الظهر، وإنما زاد لفظ أشهد مبالغة في تحقيق المُخبَربه؛ لأنه جارٍ مجرى القسم. (خرج ومعه بلال) أي: خَرَج إلى المصلى يوم العيد كما سيأتي مطولًا. (فظَنَّ أنَّه لم يُسْمِعِ النساءَ) -بضم الياء وكسر الميم- أي: ظن رسول الله ﷺ أنَّه لم يسمع النساء حين خَطَبَ لعيده (فوعظهنَّ وأمَرَهُنّ بالصدقة) من عطف الخاص على العام. (فجعلَتْ المرأةُ تُلْقِي الخاتِم والقُرْط) أي: شَرَعَتْ كلُ واحدةٍ منهن في الصدقة بما قدرت عليه، الخاتِم بكسر التاء وفتحها لغتان مشهورتان، وفيه أربع أخرى: خَتَام بفتح الخاء وتخفيف المثناة وخاتام وختام بكسر الخاء وختم بفتح الحاء وتشديد التاء، والقُرْطُ -بضم القاف- حُلي معروف تجعلها النساء في الآذان، يُجمع على أَقرَاط وقُرَطة. (وبلال يأخذ في أطراف ثوبه) هذا بلال بن رَبَاح، كان من مولَّدي سراة الشام، اشتراه عباس بن عبد المطلب، من بني جُمح، ووهَبَه للصديق وقيل: اشتراه الصديق فأعتقه، ثم صار مؤذن رسول الله ﷺ وأمينه على الأموال، سكن دمشق بعد رسول الله ﷺ مرابطًا ومات بها، وقبره معروفٌ يزار. (وقال إسماعيل) هو ابن عُلَية، ذكره تعليقًا، لأن في رواية الجزم بأن ابن عباس هو القائل: أشهد وبه جزم أيضًا أبو نُعيم بخلاف الحديث المسند، فإن فيه ترددًا. قيل: ويجوزُ أن يكون عطفًا على قال المدني وصدقة وقُتيبة بن سعيد. (وقال سليمان) [بن] حرب روى عن شعبة ووهيب عن البخاري، وعن حَمَّاد بن زيد عندهما، وفي الحديث دلالةٌ على جواز خروج النساء إلى المصلى، وجواز وعظهنّ إن لم

стр. 204

٣٤ - بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ ٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ــ يخف الفتنة، وجواز صدقتهن من مالهِنَّ بغير إذن الأزواج، ومن غير قيد الثلث، كما ذَهَب إليه مالك. قال القاضي: والحديث محمول على أن الأزواج كانوا معهنَّ، وفيه نظرٌ؛ لأنهنّ في المصلى معتزلات عن الرجال، وكذا ما قيل: إن فيه دليلًا على أن الصدقات العامة يصرفها الإمام، لأن ما في الحديث حكاية حال فعل، لا تدل على انحصاره في الإمام، وفيه دلالة على جواز اتخاذ النساء الخواتم والقُرط، سواء كانت من ذَهَبٍ أو فضةٍ. فإن قلتَ: فما تقول فيما رواه أبو داود عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: "أيَّما امرأة جعلت في أذنها خرصًا من ذهب، جعل الله في أذنها مثله من النار يوم القيامة"؟ قلتُ: قال ابن الأثير في "النهاية": هذا منسوخٌ أو محمول على ما إذا لم تؤد زكاته. والخُرص -بضم الخاء وكسرها- الحلقة من الذهب أو الفضة. قاله الجوهري، والله أعلم. باب: الحرصُ على الحديث الحرصُ معروفٌ أصله الظهور، ومنه الحارصة وهي الجراحة التي تكشف الجلد، والسحاب الَّذي تكشف وجه الأرض بالمطر، والحديث يرادف الخبر لغةً. قال الجوهري: الحديث الخبرُ، يقع على القليل والكثير من الكلام، وعند أهل هذا الشأن: ما نقل عن رسول الله ﷺ فعلًا أو قولًا أو تقريرًا. وما يقال: لمّا كان في مقابلة القرآن لُوحظ فيه معنى الحديث ليس بشيء. أما أولًا فلأن القديمَ هو المعنى دون اللفظ، وأما ثانيًا: فلقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحسَنَ الْحَدِيْثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. ٩٩ - (عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما (عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري) -بفتح الباء وضمّها-؛ لأنه كان سكن بجانب المقابر (عن أبي هريرة أنّه قال: يا رسول الله،

стр. 205

مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» [الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]. ــ من أسعدُ الناسِ بشفاعتك؟) السعادة ضدّ الشقاوة، مأخوذ من الساعد لأنه مظهر القوة، والمراد بها في الحديث: الإعانة على النجاة من غضب الله، والشفاعة: من الشَّفع ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضمّ نفسَه إلى نفس المشفوع له في السؤال عن التجاوز، ويكون في الأمور الدنيوية أيضًا، والمشفِع -بكسر الفاء - من يقبل الشفاعة، وتفصيل الشفاعة وكمية عدادها وما يختصّ به رسولُ الله ﷺ من ذلك سيأتي في موضعه إن شاء الله. (لقد ظننتُ يا أبا هريرة أَنْ لا يسألني أحدٌ أول منك) برفع "أولُ" صفة "أحدٌ"، وبالنصب على الحال. قال أبو البقاء: وإنما جاز وقوع الحال عن النكرة، لأنها في سياق النفي، وهو اسم تفضيل استعمل بمن كأنه قال: أقدم منك أو أسبق. قال الجوهري: إذا جعلتَهُ صفةً فلا تصرفه، صماذا جعلته غير صفة صَرَفْتَهُ. وما يقال: إنما نصب؛ لأنه في حكم الظرف لغوٌ من الكلام. (أسعدُ الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه) الشكُ من أبي هريرة، والخُلُوص: الصفاءُ عن الغش، والمراد بقول: لا إله إلا الله: أعمّ من القول اللساني والقلبي. قال الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلًا فإن قلت: لا بد من ضَمّ: محمد رسول الله ﷺ ؟؛ قلت: ذاك معلوم من القاعدة، فتارةً ذكره، وتارةً يحذفه. فإن قلتَ: أسعدُ أفعلُ تفضيلٍ، وضدّ المخلِص المنافق، وهو لا حظّ له من الشفاعة، واسم التفضيل لا بُدَّ له من مفضّل ومفضّل عليه؟ قلتُ: اسم التفضيل إذا أُضيف، قد يُقصد به الزيادة المطلقة من غير ملاحظة المفضل عليه، كما في: يوسف أحسن إخوته، وما في الحديث من ذلك القبيل. قال بعضُ الشارحين: أفعل هنا بمعنى الفعيل، أو بمعناه. والمراد أنَّه أسعدُ ممَّن لم يكن بهذه المرتبة، لأنَّ المرادَ بالإخلاص في الحديث البالغ غايته، ولذلك يذكر القلب، كما

стр. 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قوله في كتمان الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] هذا كلامُهُ، وفيه خَلَلٌ من وجوه: الأول: إخراجه أفعل عن أصله من غير ضرورة. الثاني: أن المراد بالإخلاص هو ما يقعُ اسم الإخلاص عليه في الجملة احترازًا عن المنافق، وهو مقتضى قوله: "شفاعتي لأهل الكبائر". الثالث: أن استدلاله بقوله: ﴿ءَاثِمٌ قَلْبُهُ﴾ عليه لا له؛ لأن ذكر القلب هناك إشارة إلى أن محلَّ الكتمان هو القلب، واللسان ترجمانُهُ ومثله هنا، فإن الإيمان محلّه القلب. ثم قال: "من قلبه" يجوزُ أن يكون متعلقًا بـ "قال"، وأن يكون متعلقًا بـ "خالصًا"، وإذا تَعَلَّق بـ قال وهو الأظهرُ يكون لغوًا. ولو تعلق بـ خالصًا يكون مستقرًا. وهذا أيضًا خبطٌ؛ لأنه متعلق بـ خالصًا لأنه فعل القلب المخصوص به، ولذلك ذكره معه، والظرف لغوٌ مثله لو تعلق بـ قال. وما يقال: إنه أفعل تفضيل، وهو على أصله؛ لأن رسول الله ﷺ يشفع للكفار أيضًا، فلا يُعَوّل عليه، والاستدلال عليه بأنه شفع لأهل المحشر من المسلم والكافر، ليس بتامٍ، لأن ذلك للمؤمنين بالذات، وكذا الاستدلالُ بتخفيف العذاب عن أبي طالب، لأن ذلك مجازاة على إحسانه على رسول الله ﷺ ، لا للشفاعة. كيف وقد نُهي عن الاستغفار له. وسيأتي منا زيادةُ تحقيقٍ إن شاء الله. وفي الحديث دليلٌ ظاهر لأهل الحق من جواز الشفاعة لأهل الكبائر على أن قوله: "قال من قلبه" معنى ركيك. وفيه أيضًا أن الشيخ يُنَبّهُ الطالب على مقدار فهمه، ويُرَغّبه في طلب العلم، كما فعل رسول الله ﷺ مع أبي هريرة. فإن قلت: من قال: لا إله إلا الله مرةً، يجب أن يكون أسعدَ من سائر الناس؟ قلت: لا يلزم، لأنا قلنا: المراد: الزيادة المطلقةُ، ولو حمل على ذلك لا إشكال؛ لأنه أحوج الناس إلى الشفاعة، فمن ذلك الوجه أسعدُ.

стр. 207

٣٥ - بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا» حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، ــ باب: كيف يُقبض العلمُ بضم الياء علي بناء المجهول (وكتب عمرُ بن عبد العزيز) الإمامُ العادلُ، والخليفةُ أشجُّ بني مروان. قيل: إنه أزهدُ في الدنيا من أويس القَرَني، تابعي جليلُ القدر (إلى أبي بكر بن حَزْم) -بالحاء المهملة وزاي معجمة-: أبو بكر اسمه وكنيتُه أبو محمد، كان قاضيًا لسليمان بن عبد الملك بالمدينة، وبعده لعمر بن عبد العزيز (انظرْ ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتُبْهُ) وقد بيَّن سببه بقوله: (فإني خِفْتُ دُروسَ العلم) من دَرَسَ الشيء إذا لم يبق له وجودٌ وفي المثل: العلم صيدٌ والكتابةُ قيدٌ ولولا الكتابة لم تَرَ في هذا الزمان حديثًا صحيحًا. (ولا تقبلْ إلا حديثَ النبي ﷺ ) تقبلْ بالخطاب، وبالغَيبة، وإنما أمره بأن لا يقبل إلا حديثَ رسول الله ﷺ ، لئلا يختلط به شيء من كلام الناس، كما أن في زمن رسول الله ﷺ لم يُكتَبْ إلا القرآن كما ذكرنا (وليَجْلِسُوا وليُفشوا) الأول بفتح الياء من الجلوس، والثاني بضم الياء من الإفشاء، وهو الإظهار. ويقرآن بكسر اللام وإسكانها، قرئ بهما في السبع (حتَّى يَعْلَم من لا يَعْلم) كلاهما بفتح الياء على بناء الفاعل، من العلم، ويروى الأول بضم الياء وتشديد اللام وفتحها من التعليم. (العلاء بن عبد الجبار) بفتح العين والمدّ (عبد العزيز بن مسلِم) -بكسر اللام-

стр. 208

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ. ١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، ــ المروزي، قال الذهبي: ثقة عابدٌ، يُعَدُّ من الأبدال (يعني: حديثَ عمرَ بنِ عبد العزيز إلى قوله: ذهاب العلماء) أي: من غير الزيادة المذكورة بعده. قال شيخ الإسلام: فعلى هذا يحتمل أن يكون ما بعده من كلام المصنف. قال: وكذا صَرَّح به أبو نُعيم، وإنما قدَّم المعلَّق على المسند لتلك الزيادة. وقيل: قدَّمه فرقًا بين إسناد الخبر وإسناد الأثر. هذا قول مخترعٌ ليس لأهل الحديث منه. ثم قال هذا القائل: وأما على رواية العلاء فظاهر، إذ غرضه أنَّه ما رُوي إلا بعضه، وهذا يشعر بأن هنا إسناد الخبر في غير رواية العلاء وليس كذلك، إذ ليس بعد ذلك التعليق إلا رواية العلاء. ١٠٠ - (إسماعيل بن أبي أويس) -بضم الهمزة- ابن أخت مالك (عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الله لا يقبض العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ من الناس) انتصاب انتزاعًا على أنَّه مصدر ينتزعه. قدَّمه عليه اهتمامًا، لأنه بصدد بيانه، وهذه الجملة حال من مفعول يقبض، ويجوزُ أن يكون مفعولًا مطلقًا ليقبض لأنه بمعناه. وينتزعه حينئذ صفة لـ "انتزاعًا". (ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء) إنما جَرَتْ عادتُهُ بقبض العلم على هذه الطريقة لا بأن العالم يبيتُ عالمًا، ثم يُصبح جاهلًا، وإن كان نسبة القدرة إليها سواء، وهذا لطفٌ منه، فإنه لم يرجع بما تفضل به، بل كما كان عالمًا في الدنيا يحشره يوم القيامة مع ذلك العلم، ولو نَزَعَهُ عنه كان عاريًا عنه. (حتَّى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذَ الناسُ رؤوسًا جهالًا) بضم الراء والتنوين في رواية

стр. 209

فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. [الحديث ١٠٠ - طرفه في: ٧٣٠٧]. ــ البخاري مجازًا عن الرؤساء لأن الرأسَ أشرفُ الأعضاء. وروى مسلم بوجهين؛ أحدهما: ما في البخاري، والثاني: بضم الراء والمد. جمع رئيس وهو ظاهر. وقوله: "لم يبقِ عالمًا" نكرة في سياق النفي تدل على أن الضلال منتفٍ ما دام عالم موجودًا في كل قطرٍ يدفع الشُبَهَ، ويقول في الدين بالعلم. وهذا موجود في هذه الأمة إلى آخر الدهر لقوله: "لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق". فإن قلتَ: فذلك إنما لم يقبض العلم بأن يصبح العالِمُ جاهلًا، لئلا يكون رجوعًا عما تفضَّل به يرد عليه: أن كم من عالم يصبح جاهلًا؟ قلت: ذلك ليس مما نحن فيه، بل بسبب شؤم المعاصي، وقطع نظره عن ممارسة العلم، والمداومة على المذاكرة، إنما الكلام في سلب العلم كما أشرنا إليه بأن يمسي عالمًا ثم يصبح جاهلًا، كما أنبأ عنه لفظُ الانتزاع. قال بعض الشارحين: فإن قلتَ: إذا في قوله: "إذا لم يبق" للاستقبال، ولم للماضي، فكيف اجتمعا في كلمة؟ قلتُ: إذا جعل نفي البقاء مستقبلًا، ولم يجعل البقاء ماضيًا فلا إشكال. وهذا وهمٌ؛ فإن نفي البقاء ماضٍ، وإذا ليس للشرط، بل لمجرد الزمان، كما قال سيبويه: إذا يقوم زيد أو يقوم عمرو بأنهما مبتدأ. والمعنى: إن أمر العلم مستمر إلى وقت فناء العلماء، وبعد فنائهم، أو أشار بلم إلى تحقّق وقوعه. وإن تأخر كما ذكر نظيرَهُ صاحبُ "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبَّكَ﴾ [الضحى: ٥]. (فسُئِلوا فَأفْتَوا بغير علمٍ، فضَلّوا وأضلُّوا) ثم قال: أو تعارضًا فتساقطا، أو تعادلا فاستمرا لأمرٍ. وهذا كلامٌ مخترَعٌ ليس له أصل في العربية. ثم قال: فإن قلتَ: الضلَال مقدَّم على الإفتاء، فكيف أخره عنه؟ قلت: المركب من الضلال والإضلال متأخر عن الإفتاء، وهذا ليس بصواب؛ لأن الضَّلال والإضلال لا تركيب بينهما. والصوابُ أن السؤالَ ساقطٌ، إذ لا ضَلَالة قبل الإفتاء، وإنما حَصَلَ له الضلالُ بعد

стр. 210

٣٦ - بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ ؟ ١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». ــ الإفتاء خطأً من غير دليل وعلم. وأضلَّ غيرَهُ بذلك، وله من هذا النَّمط كلمات أُخَر أعرضْنا عنها لظهور فسادها. باب: هل يُجعَل للنساء يومٌ على حدة في العلم حِدَة -بكسر الحاء- مصدر وحد، والتاء عوضٌ عن الواو كما في عِدَة. والجار والمجرور في محل النصب على الحال. ١٠١ - (آدم) ابن إياس بكسر الهمزة (ابن الأصبهاني) هو عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي. مولى جديلة قيس، وأَصبهان -بفتح الهمزة وكسرها- بلدة معروفة من عراق العجم، ويقال بالفاء أيضًا (سمعتُ أبا صالح ذكْوان) -بالذال المعجمة- هو السَمَّان (غَلَبنا عليكَ الرجال) بفتح الباء ومعنى الغلبة عليه: اختصاصه بهم من غير مشاركة النساء؛ لأنهم لا يقدرون على مخالطة الرجال، والاستفادة معهم، فكأنهم أخذوه منهنَّ قهرًا. وفي رواية: قالت امرأةٌ: يا رسول الله، ذَهَب الرجالُ بحديثك، وهو معنى ما أشرنا إليه من الغلبة. (فاجعل لنا يومًا من نفسك) أي: من أوقات نفسك يومًا مخصوصًا بنا لا يشاركنا فه أحدٌ من الرجال؛ لتبلغ المقصودَ على وجه الراحة (فَوَعَدَهُنّ يومًا لقيهنّ فيه) -بفتح اللام وكسر القاف- أي: صادفَهُنّ، من اللقاء بمعنى المصادفة دون الرواية (فوعظهُنَّ وأَمَرهُنّ) أي: ذكّرهن بأمور الآخرة، وأمرهُن بما يجب ويحرُمُ عليهن من أحكام الدنيا، وأدرج النهيَ في الأمر، لأنه كفّ النفس، فهو أمرٌ معنًى، أو اكتفى بأحد الضِدّين، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيْلَ تَقِيْكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. (ما منكنّ امرأةٌ تُقَدِّمُ ثلاثة من ولدها، إلا كان لها حجابًا من النار) "كان": تامة،

стр. 211

فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». [الحديث ١٠١ - طرفاه في: ١٢٤٩، ٧٣١٠]. ١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ». [الحديث ١٠٢ - طرفه في: ١٢٥٠]. ــ وحجاب: فاعلُها. ويجوزُ أن تكون ناقصةً، وفيها ضمير ما قدم، و"لها حجاب": جملة وقعت خبرها، وقد يُروى بنصب حجاب. ففي كان ضمير "ما" قُدَّم قطعًا. وتذكير الثلاثة باعتبار الولد الشامل للذكر والأنثى (قالت: واثنين) عطف على ثلاث في قول رسول الله ﷺ ، ومثله يُسمَّى بالعطف التلقيني، أي: قل واثنين. ذكره صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِيَتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بعد قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلْنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] لكنه قال: هو كعطف التلقين تأدبًا؛ لأن الكلامَ مع الله تعالى. ومن فوائد هذا الأسلوب: المبالغةُ في جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه تحقّق منه كالمعطوف عليه. ومن فوائده أيضًا: التحاشي عن صورة الأمر، لتعالي المخاطب مع الاختصار الَّذي يروق كل سامع. واختصر في البخاري على الاثنين. ورَوَى الإمام أحمد وابن ماجة عن معاذ بن جبل أنَّه قيل له: وواحد؟ قال: "وواحد". ورَوَى الترمذي عن عائشة: "من كان له فرطان" قلتُ: ومن كان له فرط؟ قلت: قال: "ومن كان له فرط". قلت: ومن لم يكن له فرط؟ قال: "أنا له فرط لن تُصابوا بمثلي". ١٠٢ - (بشار) بالموحدة وتشديد المعجمة (غُنْدَر) -بضم المعجمة وفتح الدال- أصله غُدَر على وزن عمر، والنون زائدة، لقبٌ لمحمد بن جعفر (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) ذكره باسمه هنا بخلاف السند المتقدم محافظةً على الألفاظ المسموعة من المشايخ (عن النبي ﷺ بهذا) أي: بالحديث المذكور من غير زيادة ولا نقصان (وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: سمعتُ أبا حازم عن أبي هريرة [قال: ثلاثة، لم يَبْلُغوا الحِنْثَ) أي: الوقت

стр. 212

٣٧ - بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ــ الَّذي يكتب عليهم الإثم وهو سنُ البلوغ، وفي هذا الطريق فائدتان: إحداهما: لفظ السماع، فإنه يدفع وَهْم التدليس. والثانية: قيد الحنث، فإنه لا بُدّ منه، والحكمة في ذلك شدة المحبة للصغير دون الكبير غالبًا. واعلم أنَّه يذكر في هذا الكتاب أبا حازم -بالحاء المهملة وزاي معجمة- وهما تابعيان كلاهما. أحدهما: روى عن أبي هريرة وهو أبو حازم الأشجعي، واسمه: سلمان مولى عنزة الأشجعية، كوفي. والآخر: سلمة بن دينار الأعرج الزاهد، مولى الأسود بن سفيان، يروي عن سهل بن سعد الساعدي. قال بعضُ الشارحين: هذه الزيادة يعني قوله: "لم يبلغوا الحِنْثَ" يحتمل وقفها على أبي هريرة. قلتُ: وقع هذا الاحتمال روايته عنه في باب الجنائز مرفوعًا. وأما تخصيصُ النساء بالذكر فلأن الخطاب كان معهن. وقد روى في كتاب الجنائز: "ما من مسلم يقدم ثلاثة" وفي رواية الإمام أحمد وابن ماجة: "ما من مسلمين" وفي رواية الترمذي: "من قوم" وهذه الروايات تتناول الرجال والنساء على السواء. باب: من سَمِع شيئًا فلم يفهمه فراجَعَ حتَّى يَعْرفَهُ وفي بعضها: فراجع فيه، وهذا أصله، والرواية الأولى بنزع الخافض، ثم إيصال الضمير ثم حذفه. ١٠٣ - (سعيد بن أبي مريم) يروي عنه البخاري بلا واسطة، وروى عن محمد بن عبد

стр. 213

مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: ــ الله الذهلي عنه في سورة الكهف فقط (ابن أبي مُلَيكة) هو: عبد الله بن عُبَيد الله بن مُلَيْكة -بضم الميم مصغر ملكة- واسمه زهير (أن عائشة) - بالهمزة بعد الألف (زوج النبي ﷺ ) زوجُ الشيء: قرينُهُ، يُطلق على الذكر والأنثى، وقد تلحق التاء بالأنثى. (كانت لا تَسْمَعُ شيثًا لا تعرفه إلا راجعَتْ فيه) وفي بعضها: إلا راجعته، على حذف الجار وإيصال الضمير، وفي لفظ: كان، دلالة على أن هذا كان على الاستمرار. وقوله: إلا راجعت. مؤول؛ لأن الفعل لا يقع مستثنى، وتقدير الكلام: لم يكن ذلك الشيء الذي لا تعرفه ملزومًا لشيء إلا للمراجعة. فإن قلت: كان فعل ماض، وتسمع: مستقبل، فكيف وقع خبرًا له؟ قلتُ: هو على طريق حكاية الحال. نظيره: سرتُ أمسِ حتَّى أَدخُل البلد. وفائدتُهُ تصويرُ الماضي بصورة الحال المشاهَد (وأن النبيَّ ﷺ قال: من حوسب عُذب) عطف على أن عائشة، هذا الكلام من ابن [أبي] مُلَيكة، وإن كان صورته صورة الإرسال إلا أنَّه في حكم المسند، لأن البخاري رواه في باب: من نُوقش الحساب عُذّب مسندًا عنه من طريق عبيد الله بن موسى. والمرسل إذا أسنده ثقة غير الراوي الأول يخرج عن الإرسال فضلًا عن رواية المرسل. وأما الاستدارك على البخاري بأنه رواه تارةً عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة، وتارةً عنه عن القاسم بن محمد عن عائشة فساقطٌ؛ لأن ابن أبي مُلَيكة قد سمعه أولًا من القاسم فرواه كذلك، ثم سمعه من عائشة فرواه عنها. (قالت عائشة فقلت: أوليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨]) هذا موضعُ الدلالة على ما ترجم له، تقدير الكلام: وتقول ذلك أليس الله يقول في شأن المؤمن فسوف يُحاسَبُ حسابًا يسيرًا. فالهمزةُ للإنكار، دخلَتْ على النفي. أفاد الكلام تقرير الحكم، أي: قد قال، لأن نفي النفي إثباتٌ، مثله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وفي بعضها: أليس يقول الله فنفى ليس ضمير الشأن. وقد يقال: الاستفهام للتقرير بما يفهمه المخاطب لا لما دخلت عليه، وإنما قُدَّمت على الواو، لأن لها

стр. 214

"إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ" [الحديث ١٠٣ - أطرافه في: ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧]. ٣٨ - بَابٌ: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ــ صدر الكلام، ومآله إلى ما قلنا. وقد رواه بعضُهم هكذا: أكان كذلك وليس يقول الله . وهذا فسادُهُ ظاهر، وكذا جعل ليس بمعنى لا، حتَّى لا يحتاج إلى الاسم لم يوجد في كلام العرب. (إنما ذلك العرض ولكن من نُوقش في الحساب عُذّب) ذلكِ: بكسر الكاف لأنه خطابٌ لعائشة، والعرضُ النظر في عمل العبد كما يعرض السلطان عَسْكَرَهُ من غير نقاش ومبالغة في ذلك، والمناقشة السؤالُ على وجه التدقيق بالكشف عن النقير والقطمير. أصله: نَقَشَ الشوكة إذا أخرجها من جسمه بالمنقاش، وذلك لأن التقصير غالب على الناس. قال النووي: قوله: "عذب". يجوزُ أن يكون ذلك العذاب نفس المناقشة، وأن يكون العذابُ بالنار، وهذا هو الظاهر لقوله في الرواية الأخرى: "يهلك" مكان: "يعذب". وفي الحديث فوائد إثبات الحساب وتنوعه إلى العرض والمناقشة. وفيه بيانُ فضل عائشة وقوةُ فهمها، ومقابلة السنة بالكتاب، وجواز المناظرة وغيرها، مما يظهر بالتأمل والله أعلم. باب: ليُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ (قاله ابن عباس عن النبي ﷺ ) ذكره تعليقًا عنه بقوته لما أسنده بعده، وقد رواه عنه مسندًا في باب الحج. قال ابنُ الصلاح: ما يذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، ليس من قبيل الضعيف، بل صحيح معروف الاتصال، وقد يفعل ذلك لكون الحديث مذكورًا في كتابه مسندًا متصلًا، وقد يفعل ذلك لأسباب أُخَر لا يصحبها خَلَلُ الانقطاع، فسقط ما يقال: إن مثل هذا التعليق يُسمى معضلًا.

стр. 215

١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، ــ ١٠٤ - (عن أبي شُرَيح) بضم المعجمة مصغر شرح بالحاء المهملة، خويلد بن عمرو. قال النووي: أو عكسه. وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقال هانئ: الخزاعي الكعبي. (قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البُعُوثَ إلى مكة) عمرو بن سعيد هذا هو ابن سعيد بن العاص الأموي، المعروف بالأشدق. خرج على عبد الملك بن مروان ثم قتله في داره غدرًا، ولما حضر عبدَ الملك الوفاةُ، قال لأولاده: احفظوا هذا السيف، فانه قتلتُ به عمرًا. والبُعُوث -بضم الباء- جمع بعث -بفتحها وسكون العين- قال الجوهري: هي الجيوش، وكان إرساله تلك البعوثَ لقتال ابن الزبير (ائذن لي أيها الأمير، أحدّثك حديثًا قام به رسول الله ﷺ الغَدَ من يوم الفتح) أي: يأتي يوم الفتح، ومعنى القيام به أنَّه خطب به (سمعَتْهُ أُذَنَاي) أي: لفظ ذلك (ووعاه قلبي) أي: معناه، وأبصرته عيناي. أي: ما يمكن رؤيته من تحريك الشفتين واللسان (إن مكة حَرَّمها الله ولم يُحَرّمها الناس). فإن قلت: قد جاء في الرواية الأخرى: "إن إبراهيم حرَّم مكة"؛ قلت: مجاز عن إظهار ما حرَّم إذ لا حكم [إلا] لله تعالى وتقدس. (يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: بالمبدأ والمعاد، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وإن كان هدًى للناس كافة؛ لأن المتقين هم الذين انتفعوا بها (أن يَسْفِكَ بها دمًا). السَّفْكُ: الإراقةُ مع الكثرة في كل مائع. قال ابن الأثير: وهو بالدم اختصّ (ولا يَعْضِدُ بها شجرةً) أي: لا يقطع، وكذا حكم سائر ما ينبت بنفسه إلا الإذخر، كما سيأتي
следующие страницы →