← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16584

الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (5 311 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». [الحديث ١٠١ - طرفاه في: ١٢٤٩، ٧٣١٠]. ١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ». [الحديث ١٠٢ - طرفه في: ١٢٥٠]. ــ وحجاب: فاعلُها. ويجوزُ أن تكون ناقصةً، وفيها ضمير ما قدم، و"لها حجاب": جملة وقعت خبرها، وقد يُروى بنصب حجاب. ففي كان ضمير "ما" قُدَّم قطعًا. وتذكير الثلاثة باعتبار الولد الشامل للذكر والأنثى (قالت: واثنين) عطف على ثلاث في قول رسول الله ﷺ ، ومثله يُسمَّى بالعطف التلقيني، أي: قل واثنين. ذكره صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِيَتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بعد قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلْنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] لكنه قال: هو كعطف التلقين تأدبًا؛ لأن الكلامَ مع الله تعالى. ومن فوائد هذا الأسلوب: المبالغةُ في جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه تحقّق منه كالمعطوف عليه. ومن فوائده أيضًا: التحاشي عن صورة الأمر، لتعالي المخاطب مع الاختصار الَّذي يروق كل سامع. واختصر في البخاري على الاثنين. ورَوَى الإمام أحمد وابن ماجة عن معاذ بن جبل أنَّه قيل له: وواحد؟ قال: "وواحد". ورَوَى الترمذي عن عائشة: "من كان له فرطان" قلتُ: ومن كان له فرط؟ قلت: قال: "ومن كان له فرط". قلت: ومن لم يكن له فرط؟ قال: "أنا له فرط لن تُصابوا بمثلي". ١٠٢ - (بشار) بالموحدة وتشديد المعجمة (غُنْدَر) -بضم المعجمة وفتح الدال- أصله غُدَر على وزن عمر، والنون زائدة، لقبٌ لمحمد بن جعفر (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) ذكره باسمه هنا بخلاف السند المتقدم محافظةً على الألفاظ المسموعة من المشايخ (عن النبي ﷺ بهذا) أي: بالحديث المذكور من غير زيادة ولا نقصان (وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: سمعتُ أبا حازم عن أبي هريرة [قال: ثلاثة، لم يَبْلُغوا الحِنْثَ) أي: الوقت

стр. 212

٣٧ - بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ــ الَّذي يكتب عليهم الإثم وهو سنُ البلوغ، وفي هذا الطريق فائدتان: إحداهما: لفظ السماع، فإنه يدفع وَهْم التدليس. والثانية: قيد الحنث، فإنه لا بُدّ منه، والحكمة في ذلك شدة المحبة للصغير دون الكبير غالبًا. واعلم أنَّه يذكر في هذا الكتاب أبا حازم -بالحاء المهملة وزاي معجمة- وهما تابعيان كلاهما. أحدهما: روى عن أبي هريرة وهو أبو حازم الأشجعي، واسمه: سلمان مولى عنزة الأشجعية، كوفي. والآخر: سلمة بن دينار الأعرج الزاهد، مولى الأسود بن سفيان، يروي عن سهل بن سعد الساعدي. قال بعضُ الشارحين: هذه الزيادة يعني قوله: "لم يبلغوا الحِنْثَ" يحتمل وقفها على أبي هريرة. قلتُ: وقع هذا الاحتمال روايته عنه في باب الجنائز مرفوعًا. وأما تخصيصُ النساء بالذكر فلأن الخطاب كان معهن. وقد روى في كتاب الجنائز: "ما من مسلم يقدم ثلاثة" وفي رواية الإمام أحمد وابن ماجة: "ما من مسلمين" وفي رواية الترمذي: "من قوم" وهذه الروايات تتناول الرجال والنساء على السواء. باب: من سَمِع شيئًا فلم يفهمه فراجَعَ حتَّى يَعْرفَهُ وفي بعضها: فراجع فيه، وهذا أصله، والرواية الأولى بنزع الخافض، ثم إيصال الضمير ثم حذفه. ١٠٣ - (سعيد بن أبي مريم) يروي عنه البخاري بلا واسطة، وروى عن محمد بن عبد

стр. 213

مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: ــ الله الذهلي عنه في سورة الكهف فقط (ابن أبي مُلَيكة) هو: عبد الله بن عُبَيد الله بن مُلَيْكة -بضم الميم مصغر ملكة- واسمه زهير (أن عائشة) - بالهمزة بعد الألف (زوج النبي ﷺ ) زوجُ الشيء: قرينُهُ، يُطلق على الذكر والأنثى، وقد تلحق التاء بالأنثى. (كانت لا تَسْمَعُ شيثًا لا تعرفه إلا راجعَتْ فيه) وفي بعضها: إلا راجعته، على حذف الجار وإيصال الضمير، وفي لفظ: كان، دلالة على أن هذا كان على الاستمرار. وقوله: إلا راجعت. مؤول؛ لأن الفعل لا يقع مستثنى، وتقدير الكلام: لم يكن ذلك الشيء الذي لا تعرفه ملزومًا لشيء إلا للمراجعة. فإن قلت: كان فعل ماض، وتسمع: مستقبل، فكيف وقع خبرًا له؟ قلتُ: هو على طريق حكاية الحال. نظيره: سرتُ أمسِ حتَّى أَدخُل البلد. وفائدتُهُ تصويرُ الماضي بصورة الحال المشاهَد (وأن النبيَّ ﷺ قال: من حوسب عُذب) عطف على أن عائشة، هذا الكلام من ابن [أبي] مُلَيكة، وإن كان صورته صورة الإرسال إلا أنَّه في حكم المسند، لأن البخاري رواه في باب: من نُوقش الحساب عُذّب مسندًا عنه من طريق عبيد الله بن موسى. والمرسل إذا أسنده ثقة غير الراوي الأول يخرج عن الإرسال فضلًا عن رواية المرسل. وأما الاستدارك على البخاري بأنه رواه تارةً عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة، وتارةً عنه عن القاسم بن محمد عن عائشة فساقطٌ؛ لأن ابن أبي مُلَيكة قد سمعه أولًا من القاسم فرواه كذلك، ثم سمعه من عائشة فرواه عنها. (قالت عائشة فقلت: أوليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨]) هذا موضعُ الدلالة على ما ترجم له، تقدير الكلام: وتقول ذلك أليس الله يقول في شأن المؤمن فسوف يُحاسَبُ حسابًا يسيرًا. فالهمزةُ للإنكار، دخلَتْ على النفي. أفاد الكلام تقرير الحكم، أي: قد قال، لأن نفي النفي إثباتٌ، مثله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وفي بعضها: أليس يقول الله فنفى ليس ضمير الشأن. وقد يقال: الاستفهام للتقرير بما يفهمه المخاطب لا لما دخلت عليه، وإنما قُدَّمت على الواو، لأن لها

стр. 214

"إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ" [الحديث ١٠٣ - أطرافه في: ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧]. ٣٨ - بَابٌ: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ــ صدر الكلام، ومآله إلى ما قلنا. وقد رواه بعضُهم هكذا: أكان كذلك وليس يقول الله . وهذا فسادُهُ ظاهر، وكذا جعل ليس بمعنى لا، حتَّى لا يحتاج إلى الاسم لم يوجد في كلام العرب. (إنما ذلك العرض ولكن من نُوقش في الحساب عُذّب) ذلكِ: بكسر الكاف لأنه خطابٌ لعائشة، والعرضُ النظر في عمل العبد كما يعرض السلطان عَسْكَرَهُ من غير نقاش ومبالغة في ذلك، والمناقشة السؤالُ على وجه التدقيق بالكشف عن النقير والقطمير. أصله: نَقَشَ الشوكة إذا أخرجها من جسمه بالمنقاش، وذلك لأن التقصير غالب على الناس. قال النووي: قوله: "عذب". يجوزُ أن يكون ذلك العذاب نفس المناقشة، وأن يكون العذابُ بالنار، وهذا هو الظاهر لقوله في الرواية الأخرى: "يهلك" مكان: "يعذب". وفي الحديث فوائد إثبات الحساب وتنوعه إلى العرض والمناقشة. وفيه بيانُ فضل عائشة وقوةُ فهمها، ومقابلة السنة بالكتاب، وجواز المناظرة وغيرها، مما يظهر بالتأمل والله أعلم. باب: ليُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ (قاله ابن عباس عن النبي ﷺ ) ذكره تعليقًا عنه بقوته لما أسنده بعده، وقد رواه عنه مسندًا في باب الحج. قال ابنُ الصلاح: ما يذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم، ليس من قبيل الضعيف، بل صحيح معروف الاتصال، وقد يفعل ذلك لكون الحديث مذكورًا في كتابه مسندًا متصلًا، وقد يفعل ذلك لأسباب أُخَر لا يصحبها خَلَلُ الانقطاع، فسقط ما يقال: إن مثل هذا التعليق يُسمى معضلًا.

стр. 215

١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، ــ ١٠٤ - (عن أبي شُرَيح) بضم المعجمة مصغر شرح بالحاء المهملة، خويلد بن عمرو. قال النووي: أو عكسه. وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقال هانئ: الخزاعي الكعبي. (قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البُعُوثَ إلى مكة) عمرو بن سعيد هذا هو ابن سعيد بن العاص الأموي، المعروف بالأشدق. خرج على عبد الملك بن مروان ثم قتله في داره غدرًا، ولما حضر عبدَ الملك الوفاةُ، قال لأولاده: احفظوا هذا السيف، فانه قتلتُ به عمرًا. والبُعُوث -بضم الباء- جمع بعث -بفتحها وسكون العين- قال الجوهري: هي الجيوش، وكان إرساله تلك البعوثَ لقتال ابن الزبير (ائذن لي أيها الأمير، أحدّثك حديثًا قام به رسول الله ﷺ الغَدَ من يوم الفتح) أي: يأتي يوم الفتح، ومعنى القيام به أنَّه خطب به (سمعَتْهُ أُذَنَاي) أي: لفظ ذلك (ووعاه قلبي) أي: معناه، وأبصرته عيناي. أي: ما يمكن رؤيته من تحريك الشفتين واللسان (إن مكة حَرَّمها الله ولم يُحَرّمها الناس). فإن قلت: قد جاء في الرواية الأخرى: "إن إبراهيم حرَّم مكة"؛ قلت: مجاز عن إظهار ما حرَّم إذ لا حكم [إلا] لله تعالى وتقدس. (يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: بالمبدأ والمعاد، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وإن كان هدًى للناس كافة؛ لأن المتقين هم الذين انتفعوا بها (أن يَسْفِكَ بها دمًا). السَّفْكُ: الإراقةُ مع الكثرة في كل مائع. قال ابن الأثير: وهو بالدم اختصّ (ولا يَعْضِدُ بها شجرةً) أي: لا يقطع، وكذا حكم سائر ما ينبت بنفسه إلا الإذخر، كما سيأتي

стр. 216

فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ [الحديث ١٠٤ - طرفاه في: ١٨٣٢، ٤٢٩٥]. ــ صريحًا، وأما ما استنبته الناس، فلا بأس به أيَّ نوع كان (فإن أحدٌ تَرَخَّص لقتال رسول الله ﷺ ) أي: مستدلًا على ذلك بوقوع القتال من رسول الله ﷺ ، وارتفاع "أحدٌ" على أنَّه فاعلُ فعلِ فَسَّره تَرَخَّص (فقولوا: إن الله أَذِنَ لرسوله) إشارةً إلى بطلان القياس بأنه معدول عن سنن القياس، لأنه من خواصّه. (وإنما أذن لي ساعةً من نهار) نكره ليتناول كل يوم من الأسبوع على سبيل البدل وهو يوم دخوله مكة إن قاتله المشركون. والمراد بالساعة حصّة من ذلك النهار، وهو مقدار ما يحتاج إليه، لا الساعة العرفية وهي جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة (ثم عادت حُرْمَتُها اليوم كحُرمتها بالأمس) أي: قبل الإذن بالقتال فيها أو بعد الإذن فيكون المراد من قوله: "ثم عادت حرمتها اليوم" استمرار الحرمة، قيل: يجوزُ أن يُراد باليوم ما بين طلوع الشمس إلى الغروب، واللام فيه للعهد إشارةً إلى يوم الفتح. وهذا فاسدٌ؛ لأن يوم الفتح كان مأذونًا له فيه القتال، وهذا القول إنما صَدَر عنه الغد من الفتح، كما صَرَّح به أبو شُرَيح، وإنما التبس عليه من لفظ الأمس فظنَّهُ أمس يوم الفتح، وليس كذلك، بل هو يوم الدخول، قبل الدخول أو بعده، إن لم يقاتله أحد. (لا يُعيذُ عاصيًا ولا فارًا بخَربة) الضمير في لا يُعيذ لمكة. والخَرْبة بفتح الخاء وسكون الراء وكسرها وقد تضم الخاء مع سكون الراء. قال الجوهري ناقلًا عن الأصمعي: إنها سرقة الإبل خاصة، وقال ابن الأثير: لكن اتسع فيها. والمراد بها هنا مطلقًا: الجناية والبلية، فإن مكة لا تجيره. وفي رواية الترمذي: "بخزية" -بالزاي المعجمة- من الخزي، وهو الفضيحة والمعنى واحد. وعلى كل تقدير من عطف الخاصّ على العام.

стр. 217

١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ــ فإن قلت: مَنِ المُصيبُ في هذه المناظرة، عمرو بن سعيد أم أبو شُريح؟ قلتُ: أبو شُريح؛ لأن القتال لا يحل بمكة بنص الحديث. وابنُ الزبير كانت الخلافة له باتفاق أهل الحل والعقد، وكان عمرو خارجيًّا وقوله: "لا يُعيذ عاصيًا ولا فارًا بخربة". محمول عند الشافعي على ظاهره، فيُقتَصُ من الجاني، وإن تحصّن بها البُغَاة يقاتلون، لأن ذلك من حقوق الله. وفيه إشكال. وعند أبي حنيفة: من لزمه القتلُ بردة أو قصاص والتجأ إلى الحرم، لا يتعرض له، ولكن لا يطعم ولا يسقى ليضطر إلى الخروج. وظاهر الحديث دل على أن مكة فُتحت عنوة، كما قاله أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد. وقال الشافعي: معنى قوله: "إن ترخص أحدٌ لقتال رسول الله ﷺ " للإذن فيه. قال النووي: إنما أولّه الشافعي لما ثبت بالأحاديث المشهورة أنَّه صالَح أهل مكة وهو بمرّ الظهران قبل دخول مكة، وفائدة هذا الخلاف أنَّه مَنْ قال: فُتحت صلحًا، يجوزُ بيعُ دُور مكة، ومن قال: فُتحت عنوةً لا يجوزُ ذلك. وقال: تركها رسول الله ﷺ للناس سواء. فإن قلت: لو كانت عنوة لكانت أرضُها خراجيةً؟ قلتُ: ذكروا أن أرض مكة مستثناة. ومن فوائد الحديث وجوب الأمر بالمعروف بقدر الإمكان، وجواز القياس وعدم جوازه مع الفارق. وجواز مخالفة المجتهد للصحابي، وشرف مكة وثبوت خواص رسول الله ﷺ . ١٠٥ - (حَمَّاد) بفتح الحاء وتشديد الميم (عن محمد) هو ابن سيرين (عن ابن أبي بكرة) اسمُهُ عبد الرحمن (عن أبي بكرة) تقدم أن اسمه نُفيع بن الحارث. قال الغَسّاني: قد يوجد في بعض النُسَخ عن محمد عن أبي بكرة، بإسقاط ابن أبي بكرة، وفي بعضها: عن محمد بن أبي بكرة بإسقاط عن أبي بكرة، وكلاهما لحنٌ فاحشٌ، وذلك أن محمدًا هو ابن سيرين، وابن أبي بكرة: عبد الرحمن. يروي عن أبيه. تقدم الحديث، كذلك في باب "رُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع". قال بعضُ الشارحين ناقلًا عن الغساني ما نقلنا عنه من الوهم، وفي بعضها: عن محمد بن أبي بكرة عن أبي بكرة بتبديل: عن، بلفظ: ابن. هذه عبارته ولم ينقله على الصواب؛ إذ لا تبديل فيه، بل ترك لفظ عن، من: ابن، كما ذكرناه.

стр. 218

ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ. ــ (ذكر النبي ﷺ ) بنصب النبي، أو بتقدير قال، كما في بعض النسخ، لأنه مفعول ذكر، والفاعل أي: الذاكر هو ابن أبي بكرة. (فإن دماءَكم وأموالكم) بدل من النبي ﷺ بدلَ اشتمالٍ (وقال محمد: وأحسِبُهُ قال: وأعراضَكم) أي: ظنَّ أن ابن أبي بكرة قال هذه الزيادة أيضًا. (ألا هل بلّغتُ مرتين) من كلام رسول الله ﷺ ، وقول البخاري: (وكان محمد يقول: صَدَقَ رسول الله ﷺ ) جملةٌ معترضة. قال بعض الشارحين: قوله: "هل بلغت" متعلق بقال مقدَّرًا، ولا يجوزُ أن يكون متعلقًا بقال المذكور سابقًا، وإلا يلزم أن يكون المجموع مذكورًا مرتين، ولم يثبُتْ ذلك. قلتُ: قد ثَبَتَ ذلك من رواية ابن عباس في كتاب الحج، فإنه قال بعد قوله: "في شهركم هذا" فأعادها مرارًا ثم رأيته وقال: "اللهم هل بلَّغتُ؟ اللهم هل بلَّغتُ؟ " ولولا ذلك لأمكن أن يكون هل بلّغتُ من كلام ابن سيرين قال ابن بَطَّال: لما أَخَذَ اللهُ العهدَ على الأنبياء أن يُبَلّغوا، والعلماء ورثة الأنبياء وَجَبَ عليهم أيضًا أن يبلغوا. قلتُ: لا حاجة إلى القياس، قد نَطَق القرآنُ بالعهد على العلماء. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ولا يجوزُ أن يراد بهم الأنبياء لقوله بعده: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ورَوَى أبو داود والترمذي: "من كَتَم علمًا أُتي يوم القيامة ملجومًا بلجامٍ من النار"، وزاد ابن مَاجَة: "علمًا مما ينفع الله به الناس".

стр. 219

٣٩ - بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: ــ باب: إثمُ مَنْ كَذَبَ على النَّبيِّ ﷺ كذبُ الخبر: أن لا يكون مطابقًا لنفس الأمر، وكذب المُخْبِر: أن لا يكون إخباره مطابقًا، فإن الكذب كما يكون وصفًا للخبر يكون وصفًا للمُخْبِر. ومعنى الكذب على رسول الله ﷺ أن يُنسَبَ إليه قول أو فعلٌ لم يَصْدُرْ عنه سواء كان ذلك في نفسه حسنًا أو قبيحًا. وقد غَلِطَ الكرَّامية في فَهْم الحديث، فجَوَّزوا وَضْعَ الحديث إذا كان فيه ترغيبٌ أو ترهيبٌ، وقالوا: إنما مَنَع من الكذب عليه، وهذا كذبٌ له، وهذا وهمٌ باطلٌ، لأن ذلك شرع ما لم يشرعه، فكيف يكون له؟ على أنَّه قد جاء في الرواية: "مَنْ قال عَنّي ما لم أَقُلْهُ" وهذا قاطعٌ دابرَ شبهتهم. فإن قلتَ: قد روى البزار وغيره زيادةً وهي: "ليضلّ به الناس" (٢) فهذا يدل على ما قالوه؟ قلتُ: حديث مرسل، وفي سنده ضعفٌ و [على] تقدير ثبوته: اللام فيه للعاقبة لا للعلة كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ١٠٦ - (علي بن الجَعْد) بفتح الجيم وسكون العين (منصور) هو ابن المعتمر العالم الرباني، قد ذكرنا أنَّه لمّا مات قالت بنتٌ لجارٍ له: يا أبتِ، أين العمود الَّذي كان في بيت منصور؟! قال: يا بُنَيَّة، ذاك منصور؛ كان يصلي بالليل. (رِبْعي بن حِرَاش) -بكسر الراء وسكون الموحدة- نسبه إلى أحد أجداده. قال: الجوهري: رِبْعٌ: رَجُلٌ من هُذيل. ويجوزُ أن يكون كذا عَلَمًا له مثلَ حرمي. وهذا أقربُ، لأن أبا الفضل المقدسي قال: إنه من غطفان. وقيل: من قيس. وهو الَّذي تكلَّم بعد الموت، وحِرَاش بكسر الحاء آخره معجمة (سمعتُ عليًّا) هو ابنُ أبي طالب الأسدُ الكرَّار

стр. 220

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». ١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، ــ والبحر الزَخَّار علمًا وجُودًا وشجاعةً، وهو أخو الرسول ﷺ ، وزوج البتول، قل عن مناقبه ما تقول. (قال النبي ﷺ : لا تكذبوا عليَّ فإنه مَنْ كَذَبَ عليَّ فَلْيَلج النار) الضمير للشأن، ومعنى الكذب عليه قد كشفنا الغطاء عنه، وكان ظاهر الكلام: من كذب علي يَلجِ النار، وإنما أبرزه في صورة الأمر دلالةً على التحقيق، كأنه مأمور بذلك حتمًا واجبًا. قال النووي: ذَهَبَ جمعٌ من الأئمة منهم الإمام أحمد والحُميديُّ -شيخ البخاري- إلى أن من كَذَب عليه متعمدًا، سقطتْ روايتُهُ، ولم تُقبل توبتُهُ، ثم قال: ما قالوه مخالفٌ للقواعد الشرعية، والمختار قبولُ توبته إذا وُجدت شرائطها. فإن قلتَ: أيُّ فرقٍ بين الكذب عليه وعلى غيره؟ قلتُ: الفرقُ ظاهر؛ فإن الكذب عليه شرعُ ما لم يشرعْهُ، وإضلالُ أمته إلى آخر الدهر، بخلاف الكذب على غيره. وأجاب بعضهم بأن الكذبَ عليه كبيرة، وعلى غيره صغيرة. والصغيرة مكفرة باجتناب الكبائر. وهذا غلطٌ، كيف لا وقد عَدّ قول الزور من أكبر الكبائر؟ وقد تقدَّم في كتاب الإيمان: "ولا تأتوا بِبُهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم"، وفي الجملة: الكذبُ عمدًا لا يتوقف أحدٌ في كونه كبيرةً، ولأي معنىً أكثَرَ الله ذِكرَهُ في كتابه؟ ١٠٧ - (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (جامع بن شَدَّاد) بفتح الشين وتشديد الدال (عن أبيه) أبي الزبير بن العوام ابن عَمَّة رسول الله ﷺ وَحَوارِيُّهُ، وابنه عبد الله أولُ مولود وُلد بالمدينة، وأولُ شيءٍ دَخَل بطنَه ريقُ رسول الله ﷺ . وهو القائل: (قلتُ للزبير: إني لا أسمعُك تُحدِّثُ عن رسول الله ﷺ ، كما يُحدِّثُ فلانٌ وفلانٌ) كنايةً عن أعلام أشخاص يكثرون الروايةَ كأبي هريرة (قال: أَمَا إني لم أُفارقْهُ) -بفتح الهمزة وتخفيف الميم- حرف

стр. 221

وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ــ تنبيه يريد: عدمَ المفارقة في أكثر الأحوال، وإلا فقد هاجر الزبيرُ إلى الحبشة. (ولكن سمعتُهُ يقول: من كَذَبَ عليَّ فليتبوأ مقعَدَهُ من النار، أي: فليتخذ له منزلًا في النار، مشتق من المباءة -بفتح الميم والباء الموحدة، وفتح الهمزة- وهو المنزل. وأصلُ الكلام: من كذب علي يدخل النار، وإخراجه في صورة الأمر، لما أشرنا إليه في قوله: "فليلج النار" وهذا أبلغُ في الوعيد من ذلك، لأنه أمره باتخاذ المنزل الدالّ على الإقامة. فإن قلت: يلزم من هذا كتمانُ العلم وترك تبليغ ما سمعه؟ قلتُ: لا يلزم؛ لأن حاصلَهُ أن لا يحدّث إلا بما يَتَيَقَّنُهُ من غير شُبهة، والأمر كذلك لا يجوزُ أن يحدث عنه إلا إذا كان مُتَيقنًا. ١٠٨ - (أبو مَعْمر) -بفتح الميمين بينهما عين ساكنة- عبد الله بن عمرو المنقري البصري (قال أنسٌ: إنه ليَمْنَعُني أن أُحدِّثكم حديثًا كثيرًا أن النبي ﷺ قال: من تَعَمَّد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار) تقدَّم تحقيقُه في حديث الزبير قبله، وفي هذه الطريقة زيادةُ قيدِ العمد، وهي زيادة حسنةٌ لا بُدَّ منها. ١٠٩ - (مكي بن إبراهيم) يكنى أبا السكن، سمع سبعة عشر تابعيًّا (عن يَزيد بن أبي عُبَيد) من الزيادة (عن سَلَمة بن الأكوع) -بفتح السين واللام، وبفتح الهمزة وسكون الكاف- جده، وهو ابن عمرو بن الأكوع، أسلمي يكنى أبا مسلم، وقيل: أبا عامر، وقيل: أبا إياس. قال ابنُ عبد البر: [...] أحد شجعان الصحابة، وكان يسبق الخيل جَرْيًا على رجليه، بايعه رسولُ الله ﷺ تحت الشجرة ثلاث مراتٍ، وكان ذلك اليوم يخدم طلحة.

стр. 222

«مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ــ قال ابن إسحاق: هو الَّذي كلمه الذئب. قال سلمة: رأيت الذئب أَخَذ ظبية فأدركتُه، فنزعتُ منه. فقال: ويحَكَ مالي ولَكَ، عمدْتَ إلى رزقٍ رزقني الله، ليس من مالك فنزعتَهُ مني؟ قلتُ: يا للعجب!! ذئبٌ ويكلم؟ قال: أعجبُ من هذا أن النبي ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى الله، وتعبدون الأصنام!!. وهذا الحديثُ إسناده من أعالي أسانيد الأحاديث، بين البخاري وبين رسول الله ﷺ ثلاثة، وله من هذا القبيل أحد وعشرون حديثًا، مدار أكثرها على سلمة. (مَنْ يَقُلْ علي ما لم أَقُلْ) هذا أخصُّ مفهومًا من الذي تقدم، لأن الكذب عليه تارةً في قوله، وتارةً يكون في فعله، ولعله خَصَّه بالذكر لأنه أكثر ما يُكذب عليه في الأقوال. فإن قلتَ: تارةً يذكر التعمُّد، وتارةً لم يذكره، فكأنه يشير فعلُه إلى عدم الفرق؟ قلتُ: المطلق محمولٌ على المقتد لدلالة قوله: "رُفع عن أمتي الخطأُ النسيان" على عدم المؤاخذة، في الخطأ، ولفظ: ما، يتناول الكلمة وما فوقها. فإن قلتَ: هَّلا يقال: إن هذا الحديث متواتر أولًا؟ قلتُ: متواتر قطعًا. قال النووي: رواه من الصحابة مئتان. قال شيخ الإسلام: لا يَنْحَصِرُ التواترُ فيه، بل حديث: "مَنْ بَنَى لله مسجدًا" والمسح على الخفين، .........................................................

стр. 223

١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، ــ وحديث الشفاعة، والحوض، كلها متواترة. قلتُ: وكذا مقادير الزكاة وأعداد الركعات في الفرائض. ١١٠ - (أبو عَوَانة) -بفتح العين- الوضاح الواسطي (عن أبي حَصِين) -بفتح الحاء وكسر الصاد- عثمان بن عاصم الأسدي، وليس في البخاري ومسلم حَصين -بفتح الحاء- غيرُهُ. (تَسمَّوا باسمي) بفتح التاء وتشديد الميم مع الفتح، أي: اجعلوا أسماءَكم وأسماءَ أولادكم محمدًا (ولا تَكْنّو بكنيَتي) بفتح التاء والنون المشددة، ويُروى بضم التاء وضم النون المشددة من التكنية. وتَكْنوا: -بفتح التاء وإسكان الكاف- من الكنية. وفي رواية مسلم: "اكتنوا" من الاكتناء على وزن الافتعال. قال النووي: اختلف العلماءُ في هذه المسألة؛ فذهب الشافعيُ إلى عدم الجواز في عصره وبعده مستدلًا بهذا الحديث. وقال مالك: يجوزُ لأن سبب وُرود الحديث أن رجلًا نادى بالبقيع، يا أبا القاسم؟ فالتفت رسول الله ﷺ . فقال الرجل: ما دعوتُك، إنما دعوتُ فلانًا، وقد زال ذلك المانع.

стр. 224

وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [الحديث ١١٠ - أطرافه في: ٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣]. ــ فإن قلت: فعلى هذا لا يكون هذا نسخًا بل انتهاء للحكم بانتهاء دليله وعلته كسقوط سَهْم المؤلفة من الصدقات. فإن قلتَ: إذا كان سبب ورود الحديث ما ذكرتَ من التفاته حين دُعي رجلٌ آخرُ بكُنيته، فكيف جَوَّز لهم التسمية، ومَنَع التكنية وهما سواء فيما ذكرتَ من العلة؟ قلتُ: إنما كانوا يخاطبونه بالكنية دون الاسم، وهكذا طريقةُ العرب إلى الآن، وقيل: هذا مخصوصٌ بمَنْ يكون اسمُهُ محمدًا أو أحمد، وقيل: هذا كان نهيَ تنزيهٍ، وهو باقٍ، قال القاضي: الأكثرون على الجواز مطلقًا. قلتُ: الظاهر ما ذَهَبَ إليه الشافعي لما روى مسلم: "لا تكنوا بكُنيتي، إنما أنا قاسم أقسِمُ بينكم". فإن قلتَ: يقتضي هذا أن لا يُسَموا بالقاسم لا بأبي القاسم؟ قلتُ: هذا على طريقة قولهم: أبو الفضل، لكثير الفضل، وأبو الحرب لكثير الحروب. والحق أن المَنْعَ منه لاستدعائه في عرفهم أن يخاطب أبوه بأبي القاسم، وبه صَرَّح رواية في رجل من الأنصار، سَمَّى ابنَهُ قاسمًا غيره رسول الله ﷺ وقال: "سَم ابنك عبد الرحمن". فإن قلت: فيم كان قاسمًا؟ قلتُ: في الأموال والمعارف. فإن قلت: كان اسمُه أبا القاسم قبل البعثة بابنه القاسم؟ قلتُ: لا منافاة، كان ذلك سببًا لِما أراد الله به. وفي المثل: الألقابُ تنزلُ من السماء. (ومن رآني في المنام فقد رآني) وفي رواية: "فقد رأى الحق". وفي رواية أخرى: "فسيراني" والمعنى: أن رؤيته ليست كرؤية سائر الأشياء تارة تكون أضغاث أحلام، وأخرى مؤولة بخلاف الظاهر. وفي رواية: "سيراني" بشارة لمن رآه بأنه يراه يوم القيامة. (فإن الشيطان لا يَتَمَثَّل في صورتي) يقال: تَمَثَّل بكذا أي: تَصَوَّر بصورته، وفي الحديث: "أشدُّ الناس عذابًا الممثلون" أي: المصورون. وفي الحديث أيضًا: "رأيتُ

стр. 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجنّةَ والنار ممثلتين". فإن قلت: يراه رؤيةَ عين، أو يراه بقلبه؛ قلت: بل بقلبه؛ لأنَّ الحواسَّ في حال النوم لا دَرْكَ لها، ألَا تَرَى إلى قوله ﷺ : "تنام عيناي ولا ينام قلبي". فإن قلتَ: رؤية القلب هي العلمُ أم شيءٌ آخر؟ قلتُ: شيء آخر شبه رؤية البصر وهي المُعَبَّر عنها بالبصيرة، ولذلك يتعدى إلى مفعول واحد كما في رواية مسلم: "رأيتُ اللهَ بفؤادي". فإن قلتَ: يرى في زمان واحدٍ على أنحاء شتى شيخًا وشابًا ضعيفًا وقويًّا؛ قلتُ: تبدل الأعراض لاقتضي تبدل الشخص، كجبريل؛ فإنه كان يظهر تارةً في صورة البدوي، وأخرى في صورة دِحْيةَ، وذلك بحسب حال الرائي والأزمان والأماكن، فإنه يرى في مكان يكون لشرعه رواج واستقامة فرحًا مسرورًا، وفي أماكن الفساد محزونًا رثَّ الحال. فإن قلت: حكم سائر الأنبياء حكمه أم لا؟ قلتُ: هذا الحديث لا دلالةَ فيه على النفي والإثبات. وقد نُقل عن محيي السنة: أن الكل كذلك، ونُقل عن غيره أن الملائكة أيضًا كذلك. فإن قلت: فإذا كان المرئيُّ هو حقًّا فيكون الرائي صحابيًّا قلتُ: هذا أمر اصطلاحي، ولم يطلقوا على غير من رآه حيًّا. قال بعضُهم: إنما لم يطلق على الرائي: اسم الصحابي؛ لأن النبي ﷺ هو المخبر عن الله، وهو إنما كان مخبرًا في الدنيا لا في القبر، وهذا الَّذي قاله لا يستلزم أن لا يطلق عليه اسمُ النبي بعد الموت. نعوذ بالله من ذلك، وقد غفل عن أصل المسألة وهو أن الخلافَ في أنَ اسم الفاعل، هل يُطلق حقيقةً على من صدر عنه الفعل، أو مخصوص بحال المباشرة كضارب فيمن يباشر الضرب، إنما هو في اسمٍ يدل على

стр. 226

٤٠ - بَابُ كِتَابَةِ العِلْمِ ١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، ــ الحدوث، وأما ما يدل على الثبوت كالمؤمن والكافر فهو حقيقة مطلقًا، والنبي من هذا القبيل فإنه نبي مخبرًا وقائمًا وميتًا. والعجب أنَّه استدل على ما قال بأن مدة نبوته كانت ثلاثًا وعشرين سنة، ثم قال: على أنا لو التزمنا إطلاق اسم الصحابي عليه لجاز. وهذا أحسنُ. قلتُ: خلاف ما أجمع عليه الأئمة، فكيف يكون أحسن؟! فإن قلت: هل يجبُ العمل بما قاله؟ وهل تكون روايةُ الحديث عنه مثل رواية الحديث الَّذي رواه الصحابي؟ قلت: ليس كذلك؛ لأن ضبط الراوي شرطٌ بعد العدالة، وحالةُ النوم لا ضبط فيها، ولكن إن لم يكن ما رواه مخالفًا لقانون من القوانين يعمل به وللصلحاء معهفي هذا المعنى وقائع مذكورة. باب: كتابة العلم ١١١ - (محمد بن سَلَام) بتخفيف اللام على الأشهر (وَكيع) -بفتح الواو وكسر الكاف- من تَبَعِ التابعين، كوفي، أصله من نيسابور، وقيل: من سمرقند، وقيل: أصبهاني (عن سفيان) يجوزُ أن يكون ابنَ عُيَينة، وأن يكون الثوري؛ لأن كلًّا منهما يروي عن مُطَرّف، لكن الغساني قال في هذا الحديث: هو ابن عُيينة، صَرَّح به شيخه (مطرف) -بضم الميم وكسر الراء المشددة- ابن طَريف -بفتح المهملة- أبو بكر الكوفي (عن الشعبي) -بفتح الشين- أبو عمرو عامر الكوفي التابعي الجليلُ القَدْرِ (عن أبي جُحَيفة) -بضم الجيم بعده حاء مهملة- وَهْب بن عبد الله الصحابي المكرَّم، صاحبُ علي بن أبي طالب، وكان أمينًا له على الأموال. (قال قلتُ لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتابُ الله) الاستثناء منقطع، لأنه أراد بقوله: هل عندكم كتاب؟ كتابًا مخصوصًا به غير القرآن، كما زعمت الروافضُ أن رسول

стр. 227

أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ". [الحديث ١١١ - أطرافه في: ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠]. ــ الله ﷺ خَصَّه من دون الصحابة بعلومٍ وأسرارٍ، وإنما خاطبه بلفظ الجمع إجلالًا له. قيل: أو هو التفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع عند من يجعل مثله التفاتًا، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] هذا كلامه وليس بصواب، لأن الالتفات هو العدول من أسلوب إلى آخر، وليس في خطابه لعلي مخالفة أسلوب سوى أنَّه خاطبه بلفظ الجمع إجلالًا. قال التفتازاني ناقلًا عن صدر الأفاضل: شرطُ الالتفات أن يكون الكلامُ مع واحد في الحالين، وعلى هذا ليس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] التفات، لأن المخاطب أولًا هو وحده، وثانيًا هو وأمته. (أو فَهْمٌ أُعطيه رجلٌ مسلم) أي: قوة دراكة أو إدراك كامل يدرك به ما لا يدركه غيره من الدقائق والأسرار الغامضة. وقيل: المراد من الفهم: المفهوم. ثم قال: أو استثناء الفهم من كتاب الله متصلٌ؛ لأن المفاهيم توابع المناطيق. هذا كلامُهُ. وهو باطل من وجهين: الأول: أنَّه سيأتي في روايةٍ أخرى: "فَهْمٌ أُعطيه رجل في كتاب الله"، ولو كان الفهمُ بمعنى المفهوم لقال: فَهْمٌ أُعطيه من كتاب الله. الثاني: أن المراد من كتاب الله هو اللفظ المنزَل للإعجاز بسورة منه، لأن المعاني القائمة بذاته تعالى، أو الأحكام المدلول عليها، فان الناس إنما يتفاوتون في أخذ المعاني من تلك الألفاظ. (قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقلُ وفِكَاكُ الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر) العقلُ: الديةُ. قال ابن الأئير: أصلُهُ أن القاتل إذا قَتَل قتيلًا جَمَعَ من الإبل وعَقَلَها بفناء أولياء المقتول. وفي رواية أبي داود والنسائي وابن ماجة: "ولا ذو عَهْدٍ في عهده" (٢)، وبه استدل الشافعي على أن المسلمَ لا يُقتل بالذمي. وأجاب عن استدلال أبي حنيفة بالآية: ﴿أَنَّ

стр. 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّفْسَ باِلْنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] بأن ذلك حكاية ما في التوراة، وأجاب بعضُهم بأنه حكي على أنَّه شرعنا، وليس بسديد. لقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٤٥] في صدر الآية. قال البيضاوي: واستدلوا أيضًا بما روأه عبد الرحمن السلماني أن رجلًا من المسلمين قَتَل رجلًا من أهل الذمة، "فأمر رسول الله ﷺ به فقتل". قال القاضي: وهذا الحديث منقطعٌ لا احتجاج به، ثم إنه أخطأ إذ قال: القاتلُ كان عمروَ بنَ أمية، وعمروُ بن أمية عاش بعد رسول الله ﷺ دهرًا. ثم فيه أنَّه قال: والكافر المقتول كان رسولًا، والمستأمَنُ لا يُقْتَلُ [به المسلم وفاقًا] ولو فُرض صحته منسوخٌ؛ لأنه رُوي أنَّه كان قبل الفتح ورسول الله ﷺ خَطَبَ يوم الفتح على دَرَج البيت، ومن تلك الخُطبة: "لا يُقتل مسلمٌ بكافر، ولا ذو عهد في عهده". هذا كلامُهُ، وفيه أن الحديث المنقطع عند الحنفية حجةٌ. وأمّا قوله: عمرو بن أمية مات بعد رسول الله ﷺ ، فذاك عمرو بن أمية بن خويلد الضمري، مات بالمدينة في أيام معاوية. وأما عمرو بن الحارث الأسدي مات بالحبشة مهاجرًا. قال بعض الشارحين في قوله: "وأن لا يُقتل مسلم بكافر": كيف جاز عطفُ الجملة على المفرد؟ قلتُ: هو مثل قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: حكم حرمة القصاص من المسلم بالذمي، وهذا كلامٌ لا طائل تحته، ولا مجال للسؤال، فإن قوله: "وأن لا يُقتل"، ليس جملةً عند أَحَدٍ من النحاة، لأنه بدخول: أن صار في حكم المصدر. فإن قلت: في روايةٍ: لا يُقتل، بدون أَنْ؟ قلت: أَنْ مقدرة كما في: تَسْمَعُ بالمُعَيدي.

стр. 229

١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ــ فإن قلتَ: ما المرادُ بفكاك الأسير؟ قلتُ: الفكاك بفتح الفاء ويُروى بالكسر أيضًا: إخراجه من أيدي الكفار بما أمكن، وإنما سُمّي أسيرًا، لأنهم كانوا يربطونهم بالإِسار -بكسر الهمزة- وهو القيد الَّذي يربط به المأخوذ. ١١٢ - (أبو نعيم) -بضم النون على وزن المصغر- هو (الفضلُ بن دُكَين) بضم الدال على وزن المصغر أيضًا (شَيْبَان) بفتح المعجمة على وزن شعبان (عن أبي سَلَمة) -بفتح اللام- هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني لَيْث -بضم الخاء المعجمة وزاي كذلك- قبيلةٌ من الأزد، وذلك أن الأزد لما خرجوا من مكة ليتفرقوا في البلاد، تخلفتْ طائفةٌ، فسُمّي ذلك القوم بذلك، اشتقاقُهُ من الخزع وهو التخلف، قال شاعرهم: ولما هبطنا بطن مرو تخلفت ... خزاعة عنا في حلول كذاكر

стр. 230

وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ". ــ (إن اللهَ حَبَسَ عن مكة القَتْلَ أو الفيل، قال محمد: واجعلوه على الشك، كذا قال أبو نُعَيم) محمد هو البخاري صاحب الكتاب، فإن شيخه أبو نُعيم رواه على الشك وغيره يقول: الفيل. وهذا هو الظاهر لقوله يوم الحديبية لما بَرَكَتْ ناقتُهُ: "حَبَسَها حابسُ الفيل"، ولأن القتل غير محبوس عنه مطلقًا، فإن الشافعي قال بالقصاص فيه (وسلَّط عليهم رسول الله ﷺ يُريدُ: نفسَه الكريمة. ووجهُ العدول أن لفظ الرسول يشير إلى أن ذلك التسليطَ إنما هو لكونه رسولَ الله ﷺ . (أَلَّا وإنها ساعتي هذه حرامٌ) أي: عادت حُرمتُها على ما كانت عليه (لا يُختَلَى شوكُها) أي: لا يقطع. وإنما ذكر الشوكَ ليُعلم حكمُ الغير من باب الأَوْلى، واستدل الشافعي بقوله: "لا يُختلى" على جواز رَعْي الدواب، وإلا لضاع القيد بالاختلاء، ولأن إجماع خير القرون على ذلك. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالكٌ. ونُقل عن محمد: السنة جواز قطع الشوك بالمُدَى. ولم يوافقه على ذلك أحدٌ؛ لأنه مخالفٌ لمنطوق هذا الحديث، ولأن عدمَ قطعه كونه ناشئًا من أجزاء الحرم محرَّم إجلالًا له. فإن قلتَ: فلِمَ أُبيح قتل الحيوان المؤذي فيه؟ قلتُ: لأن لفظَ القيد لا يتناوله. والحديث قيَّده به، ولأن الذئب ونحوه من السِّباع، قِيست على الفواسق التي وَرَدَ الأمرُ بقتلها في الحِلّ والحرم (٢). وأيضًا لم تكن تقيم بالحرم على الدوام كالنباتات، بل تخرج باختيارها وتدخل (ولا يُعضَد شجرُها، ولا يُلتقط ساقِطُها إلا لمنشدٍ) العضد -بالضاد المعجمة-: القطعُ. والساقطة هي اللقطةُ. فإن قلت: حكم سائر البلاد أيضًا هذا وهو أن لا تُؤخذ إلا للإنشاد؟ قلتُ: الإنشاد دائمًا من خَواصّ مكة - شرفها الله -.

стр. 231

فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ــ (فمن قُتل فهو بخير النظرين) أي: قُتل له قتيلٌ. جاء صريحًا في كتاب الديات، فلا حاجة إلى أن يقال: إنه من إطلاق السبب وإرادة المسبّب (إما أن يعقل و [إما أن] يُقاد أهلُ القتيل) كلا الفعلين علي بناء المجهول. والعقلُ: الديةُ وقد ذكرنا أنهم كانوا يعقلون أي: يربطون الإبل بفناء وليّ المقتول، فبذلك سُمّيت الديةُ عقلًا. والإقادةُ -بالقاف- تمكين ولي المقتول من القَوَد وهو القصاصُ. وفيه دليلٌ للشافعي وأحمد في أن الواجبَ أحدُ الأمرين؛ إما القَوَدُ أو الدية. والحديث حجةٌ على مالك في إيجابه القتل أو العفو، وعلى أبي حنيفة في إيجابه القصاص. والجواب لأبي حنيفة على أصله أن خبر الواحد لا يُزاد به على الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] وفي رواية مسلم: "أن يُفادى" -بالفاء- من المفاداة. بدل: "أن يعقل" والمعنى واحد. وُيروى في البخاري: "أن يُفاد" -بالفاء- من: أفدت المال: أعطيته ويفادي كما في رواية مسلم. والوجه فيه أن يكون من استعارة الشيء لضدّه وهو القصاصُ بقرينة تقدُّم العقل، وقيل في توجيهه: إن العقل يَختَصُّ بما تتحمله العاقلةُ، والفداء بالجاني. وهذا مع كونه شيئًا لا يدل عليه الكلامُ غيرُ سديد، لأن ذلك يختصُّ بشِبْهِ العمد، إذ لا ديةَ على الجاني في غيره ومع ذلك يخلو الكلام عن ذكر قتل العمد وهو المقصودُ الَّذي وَرَدَ فيه الحديثُ. فإن قلتَ: إذا أباح القتل قصاصًا في الحرم كما دلَّ عليه ظاهرُ الحديث، فما القتل الَّذي حرم فيه؟ قلتُ: أجاب الشافعي بأن ذلك نصب القتال فيه على من تحصن فيه بالمنجنيق وغيره كما في سائر البلاد. (فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: اكتبوا لأبي فلان) هو أبو شاه -بالشين المعجمة آخره هاء ساكنة- وإنما استأذنه في الكتابة؛ لأن رسول الله ﷺ كان قد نَهَى عن كتابة غير القرآن؛ لئلا يختلط به شيءٌ: من حديثه، وإنما أجازَ له الكتابة؛ لأنه كان من اليمن ليبلغه قومه (فقال رجلٌ من قريش: إلا الإذْخر يا رسول الله) هذا الرجلُ هو

стр. 232

«إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ. [الحديث ١١٢ - طرفاه في: ٢٤٣٤، ٦٨٨٠]. ١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ــ العَبَّاس كما سيأتي صريحًا، وفي هذا دلالة على أنَّه كان يحكم بالاجتهاد (إلا الإذخر إلا الإذْخر) كرَّره توكيدًا على دأبه في توكيد الأحكام. والإِذْخر -بكسر الهمزة وذال معجمة- نبتٌ معروف تسدّ به فرج القبور والسقوف، ويستعمله الحَدَّادون. ١١٣ - (سفيان) هو ابن عيينة (عمرو) هو ابن دينار (وَهْب بن مُنَبّه) بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة (سمعتُ أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثًا منّي إلا ما كان من عبد الله [بن] عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) هو عبد الله بن عَمْرو بن العاص. وقد ذكرنا أن حديثه لم يشهر، لأنه كان بمصر في إمارة أبيه، وأهل مصر أهلُ لهو ولعبٍ، كما ضاع علمُ الليث به. فإن قلت: قد رَوَى أبو هريرة أنَّه بعد بَسْطِ بُرْدَتَهُ وغرف فيها رسول الله ﷺ لم ينس بعد ذلك شيئًا قط؟ قلتُ: محمول على ما قبل هذا الغرْف. فإن قلتَ: دل الحديث على أنهم كانوا يكتبون الحديث. وقد رَوَى مسلم: "من كتَبَ غيرَ القرآن فَلْيمحه"؟. قلت: قيل ذلك قبل أن يُشهر القرآنُ، وقد زال ذلك فحديث مسلم منسوخ بهذا الحديث وحديث أبو شاه، وقد أجمعت الأمة على استحباب كتابة الحديث. (تابعه مَعْمر) أي: تابع وهبًا في الرواية عن أخي وهب وهو (هَمَّام) بفتح الهاء وتشديد

стр. 233

١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ» قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي ــ الميم قيل: يحتمل أن يكون هذا تعليقًا عن عَمْرو، وليس كذلك؛ لأن التعليق شرطُهُ أن لا يكون مسندًا، وهذا مسند من البخاري، إمّا بالرجال المذكورين إلى وهب أو غيرهم. قال العراقي: إذا قال مسلم: ورواه فلان هذا ليس من التعليق بل من المتصل إسناده، وإنما أراد ذكر تابع رواية، وإذا كان بلفظ الرواية كذلك، فبلفظ المتابعة أولى. وقوله: إلا ما كان [من] عبد الله، استثناء متصل، أي: إلا عبد الله كما جاء كذلك في رواية أخرى. ولفظ: ما، مصدرية أي: إلا كون عبد الله. وفيه دلالةٌ على جواز كتابة العلم، لأنه كان هن فعل الصحابي في زمن رسول الله ﷺ مع عدم الإنكار عليه. ١١٤ - (ابن وهب) -بفتح الواو وسكون الهاء- عبد الله (عن عُبيد الله بن عبد الله) الأول: بضم العين على وزن المصغر. (لما اشتد برسول الله ﷺ وَجَعُهُ) هذا كان في مرضه الَّذي انتقل فيه إلى جوار الله تعالى (ائتوني بكتابٍ كتب لكم كتابًا) الكتابُ الأولُ أُريدَ به الورقُ الَّذي يُكتب فيه، بقرينة قوله: "أكتب لكم كتابًا". فالنكرة الثانية غير الأولى. فإن قلت: "أكتب لكم". يدل على أنَّه كان يكتب، وإجماع الأمة على أن الأمي وصفُه لكونه لم يكن كاتبًا؟ قلتُ: قالوا: كان لا يُحسن الخَطَّ على طريقة الكُتَّاب، ولا ينافي أصل الكتابة. أو معناه: أنَّه يأمر بكتابته كقولهم: رَجَم ماعزًا، وحَدَّ شاربَ الخمر. إسنادًا إلى الآمر مجازًا. وهذا أحسنُ من الأول؛ لأن حالَهُ في المرض تأبى مباشرة الكتابة. وسيأتي الكلام في صلح الحُديبية إن شاء الله بتمامه. (قال عُمر: إن النبي ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ) أي: شديد الوجع (وعندنا كتاب الله حَسْنًا) فُهم من قوله: "لن تَضِلُّوا بعدي" أنَّه يريدُ تفصيل الأحكام المحتاج إليها، ولذلك عَلَّل بأن كتابَ الله كافٍ. وهذا الكلام يردّ ما يقال: إنما لم يمكن عُمر من كتابة الكتاب، لأنه خاف أن يتكلم بكلامٍ غير مضبوط، كما يتكلّم به بعض المرضى. وسيأتي الكلامُ في موضعه بما يشفي إن شاء الله تعالى، وكيف يتصوّر منه شيء من ذلك، وهو الَّذي لا ينطق عن الهوى؟

стр. 234

عِنْدِي التَّنَازُعُ» فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ». [الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦]. ٤١ - بَابُ العِلْمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيْلِ ١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ــ فإن قلت: فما كان كتابه الَّذي أراد أن يكتبه؟ قلتُ: الَّذي عليه المحققون، وهو الَّذي يجبُ القطع به أخه كان يريد أن يبين شأن الإمامة بعده، فإنه أمَرٌ مهم ولم يكن له بيانٌ شافٍ ونصٌّ جلي وإن كانت الأمارات ظاهرةً في الصِدّيق، كيف وقد قال في شأنه: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" إذ لا معنى له إلا الإمامة. وقال ابن بطال: إنما ترك الكتابة إباحةً للاجتهاد، وأن ينال العلماء فضل الاجتهاد، وتبعه غيره. وهذا كلام لا طائلَ تحته؛ لأن نزول القرآن مع كثرة الأحاديث لم يَسُدَّ باب الاجتهاد، فكيف يسد شيء يكتبه في ورقةٍ في ساعته؟ (وكثرُ اللَّغَطُ) -بفتح اللام والغين المعجمة والطاء المهملة-: الأصواتُ المختلفة (ولا ينبغي عندي التنازع) لأن التنازع إنما يَقَعُ إذا لم يعرف طريق الحق فيه، ومع وجوده هذا محال (إن الرَزِيَّة ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه) الرَّزِيئَة: -بفتح الراء المهملة وكسر الزاي المعجمة بعدها همزة مفتوحة- الداهية والمصيبة، من الرزء وهو النقص كما في حديث صاحبة المزادتين. "اعلمي أنا ما رزئنا من مائك شيئًا" (٢)، وإنما عَدَّ ابن عباس عدمَ كتابة الكتاب من أعظم المصائب، خوفًا على المسلمين من وقوع الفتن. باب: العلمْ والعِظَة بالليل العِظة -بكسر العين-: الموعظة والتذكير بأمور الآخرة، نوعٌ خاص من العلم، ولذلك عطفه على ما يعمّه وغيره. ١١٥ - (هِند) -بكسر الهاء- بنت الحارث (أم سَلَمة) حَرَمُ رسول الله ﷺ أم

стр. 235

وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ». [الحديث ١١٥ - أطرافه في: ١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩]. ــ المؤمنين، كانت ذات منزلةٍ عظيمة عنده. رُوي عن عمر بن الخطاب أنَّه قال لأم المؤمنين حفصة: لا ذلك حب عائشة، ولا جمال أم سلمة (وعمروٍ) بالجر عطف على معمر (عن امرأة عن أم سلمة) هذه المرأة هي المتقدمة آنفًا فليس الرواية عنها من قبيل [المبهم]. (استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة) لفظ الذات معجم تزيينًا للكلام. وقيل: للتأكيد، وليس محل التأكيد، وقال صاحب "الكشاف": من إضافة المسمى إلى الاسم، وذلك باعتبار مفهوم الذات، والحق أنَّه من إضافة العام إلى الخاص. (سبحان الله، ماذا أُنزل الليلةَ من الفتن) انتصاب سبحانَ على المصدر وهو علم التسبيح، وعلميته لا تنافي الإضافة كما سبق منا تحقيقُه، وما، في: "ماذا": استفهامية، وذا موصولة بمعنى الَّذي، والغرضُ: التعجب من كثرة ما نزل. فإن قلت: أيّ فتن نزلت ولم يقع في زمانه شيء من الفتن؟ قلت: أطلعه الله تعالى على ما يقع في الأرض فأخبر عنها بالنزول لتحقق وقوعها مثل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] وكذا الخزائن وهي التي حصلت لأمته بعده من الخير والأموال الجزيلة. (أيقظوا صواحب الحُجَر). فإن قلت: لمن يخاطب بـ: "أيقظوا" وهو في فراش أم سلمة؟ قلت: لمن يصلُحُ أن يكون مخاطبًا. فإن قلتَ: ما المرادُ بصواحب الحجر؟ قلتُ: أزواجُه الطاهرات لأنهن أقربُ الناس إليه، ورعيته الواجبة الرعاية. (فرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة) رُبَّ: وإن كان موضوعًا للتقليل، إلا أنَّه للتكثير هنا وفي أكثر الاستعمالات، ومعنى الحديث أن ستر الآخرة بالأعمال الصالحات، وكم امرأةٍ في الذهب والحرير وهي عديمة الأعمال مكشوفة الحال يوم القيامة، نعوذ بالله من

стр. 236

٤٢ - بَابُ السَّمَرِ فِي العِلْمِ ١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». [الحديث ١١٦ - طرفاه في: ٥٦٤، ٦٠١]. ــ ذلك. هذا وحمله على النساء اللاتي يَلْبَسْنَ الثوبَ الشَفّاف الَّذي لا يستر، مما لا وَجْهَ له لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم مناسبته مع ذكر أزواجه، وقد ذكره من تقدم من الشُرَّاح. وفي الحديث دلالةٌ على استحباب إيقاظ الرجل أهلَهُ للاشتغال بالطاعة، فإنه مظنة القبول، لا سيما في الأفزاع والاستشعار بالليل. باب: السَّمَر بالعلم السَّمَرُ -بفتح السين والميم- لغةً: حديثُ الليل، وأصله ضوءُ القمر، وكان دأب العرب التحدثَ والجِلوسَ في ضوء القمر، فاتسع فيه فأطلق على حديث الليل لتلك الملابسة. ١١٦ - (سعيد بن عُفير) بضم العين على وزن المصغر (ابن حَثْمة) بفتح المهملة وسكون الثاء المثلثة واسمه حذيفة وابنه عبد الله. (صلى بنا رسولُ الله ﷺ ) الباء للملابسة والمصاحبة وفي بعضها: صلَّى لنا. أي: لنا إمامًا (العِشاءَ في آخر حياته) في قُرب الآخر (أرأيتكم ليلتكم هذه) أي: أخبروني؛ لأن رؤية الأشياء والعلم بها سببٌ للإخبار، فأطلقت على المسبب على طريقة المجاز، والاستفهامُ أُريدَ به الأمر، لكون كليهما نوعًا من الطلب، والكاف في مثله حرف خطاب، مثل كاف ذلك، لا محل له من الإعراب. قال صاحب "الكشاف": والدليلُ على ذلك أنك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنه؟ ولو كان للكاف محل من الإعراب، لكان التقدير: أرأيت نفسك زيدًا. وهذا خف من القول (فإن رأسَ مئة سنةٍ منها لا يبقى ممن هو على وجه الأرض أحدٌ) سيأتي في البخاري في باب

стр. 237

١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ» ــ الصلاة من طريق أبي اليمان عن ابن عمر: أن الناس وَهِلُوا في مقالةِ رسول الله ﷺ هذه. وإنما أراد أن القرن منخرم لم يبق من بني آدم أحدٌ كان موجودًا تلك الليلة على وجه الأرض. والقائلون بوجود الخضر قالوا: لم يكن إذ ذاك على وجه الأرض، بل كان على البحر. واستشكل بعضُهم إبليسَ. ثم قال: كان إبليسُ حينئذٍ في النار أو في الهواء، ثم قال: وأما عيسى فهو في السماء، أو هو من النوادر. قلتُ: قوله: من النوادر يدل على أنَّه لم يجزم قطعًا بكونه في السماء، مع أنَّه منطوقُ القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. وأما قوله في إبليس (٢): كان في النار أو في الهواء، مع كونه رجمًا بالغيب، لا يدفع الإشكال بالملائكة الحفظةِ، فالصوابُ أن كلامه خاص بأمته وإشارة منه إلى قلة الأعمار. وفيه ترغيب في العبادة وتنفير عن الركون إلى الدنيا. ١١٧ - (آدم) هو ابن أبي إياس (جُبَير) بضم الجيم وفتح الباء على وزن المصغر (عن ابن عباس قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة زوجِ النبي ﷺ تَزَوَّجها في عمرة القضاء، تولى ذلك العباسُ بن عبد المطلب، وكانت هي بمكة، قيل: كانت عند أبي رِهْم بن عبد العزى، فلما رَجَع من عمرته بنى بها بسَرَف، وبسَرَف ماتت أيضًا، واختلفوا في أنَّه عَقَد عليها وهو مُحْرِمٌ أو حلال، فإلى الأول ذَهَبَ أبو حنيفة، فجوّز نكاح المحرم. وإلى الثاني ذهب الشافعي فمَنَع ذلك وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه. (وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها) أي: ليلة يومها؛ وذلك أن رسول الله ﷺ وإن لم يكن القسم واجبًا عليه، إلا أنَّه كان يفعله رعايةً لهنَّ وتطييبًا لقلوبهنّ. (فصلى أربعَ ركعات ثم نام، ثم قام، ثم قال: نام الغُلَيِّم) -بضم الغين وتشديد الياء

стр. 238

أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [الحديث ١١٧ - أطرافه: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٢٤، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢]. ــ المكسورة- مصغر غلام. وقال هذا الكلام بينه وبين نفسه، كما يقول أحدنا لصاحبه: نام فلانٌ صبيان لم يكن هناك ثالث، فلا ضرورة إلى أن يقال: هذا إخبارٌ لميمونة بنومه، ولا أنَّه استفهام من ميمونة حذف منه حرفُ الاستفهام. وميمونة لم تكن يقظى بدليل ما في سائر الروايات أنَّه قام إلى شنّ مُعَلَّق، فَصَبَّ منه لوضوئه، ولو كانت يقظى كانت هي تباشر ذلك (أو كلمة تشبهها) مثل: نام الصغير. والكلمةُ أُريدَ بها الكلامُ وهو شائعٌ في اللغة (فصلى خمس ركعات) أي: بعدما اقتدى به ابنُ عباس؛ لئلا ينافي سائر الروايات أنَّه صلى إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة (ثم صلى ركعتين) أي: سنة الصبح، فسقط ما يقال: لم يقل: فصلى سبعًا؟ والجوابُ بأنه ربما صلى الخمس بسلام واحد. (ثم نام حتَّى سمعت غَطِيطه أو خطيطه) الشكُ من سعيد. قال ابن الأثيرة كلاهما صوتُ النائم. وقد جاء في رواية أخرى: نام حتَّى نفخ (ثم خرج إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح أي: بعد نومه من غير وضوء؛ لأن نومه ليس ناقضًا لقوله: "تنام عيناي ولا ينام قلبي". ولا ضرورة إلى أن يقال: ربما توضأ، أو أن لا يكون الغطيط من النوم الناقض، وكيف لا يكون من النوم الناقض وقد قال: إنه اضطجع في سائر الروايات. ثم قال هذا القائل: فإن قلت: الترجمةُ في السَّمَر بالعلم، ما الَّذي في الحديث دَلَّ على الترجمة؟ قلت: نام الغُلَيم أو ما يفهم من جعله ابن عباس على يمينه، كأنه قال لابن عباس: قِفْ على يميني. فقال: وقفتُ. ويجعل الفعل بمنزلة القول، أو أن الأقاربَ إذا اجتمعوا لا بُدّ من أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، ويبعُدُ من مكارمه ﷺ أن يدخُلَ البيتَ ويجدَ ابنَ عباس ولا يكلّمه أصلًا. هذا كلامُهُ. وأنا أقول: هذه الأوهامُ إنما نشأت من عدم الإحاطة بطرق الحديث وجوانبِ الكلام، بل الجوابُ أنَّه: روى البخاريُ الحديثَ من طريق سعيد بن أبي مريم في سورة آل عمران: أنَّه تحدَّث بعد العشاء ساعة، ثم رقد، ومن المعلوم أن حديثه كلَّه علم،

стр. 239

٤٣ - بَابُ حِفْظِ العِلْمِ ٤٣ - وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ ١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، ــ فقد دلَّ على الترجمة وهو السَّمَر بالعلم. وبه سَقَط ما يقال: إن حديثه مع الأهل ليس سَمَرًا بالعلم، والجواب بأنه يقاس عليه. فإن قلت: فلِمَ لم يَرِد الحديث بذلك الطريق هنا؟ قلتُ: قد نَبَّهناك مرارًا على أن دَأْبَةُ في الاستدلال على التراجمِ الإتيانُ بما في دلالته خفاء، ليعلم أن له طريقًا آخر. وفيه حثٌّ للطالب على التتبع والوقوف عليه. فإن قلتَ: قد يَروي الأطولَ قبل الأخصر كثيرًا؟ قلتُ: ذلك لبيان حكم يتعلق بذلك الأطول. وفي الحديث دليل على جواز الاقتداء في النوافل، وأن العمل القليلَ في الصلاة للضرورة غير مكروه، وأن الواحد يقفُ على يمين الإمام. باب: حفظ العلم ١١٨ - (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هُرْمُز، يذكره تارةً بوصفه، وأخرى باسمه على حسب ما وَقَع له من ألفاظ مشايخه (أكثر أبو هريرة) نقل كلام الناس في الرواية عن رسول الله ﷺ (لولا آيتان في كتاب الله) إحدى الآيتين ما تَلَاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبِيْنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] والأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]. (إن إخواننا من المهاجرين كان يَشْغَلُهم الصَّفْق بالأسواق) هذا الكلام استئنافٌ جارٍ مجرى العلة. والصَّفْق -بالصاد المهملة، والفاء والقاف- ضرب الكف على الكف. أراد به

стр. 240

وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ". [الحديث ١١٨ - أطرافه في: ١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤]. ١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. ــ البيع والشراء لجريان العادة بذلك عند البيع والشراء (وان إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العملُ في أموالهم) المراد بالأموال: الأراضي والحدائق، فإنها أموال الأنصار (وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبَع بطنه) الجار والمجرور يتعلق بمقدر أي: يكتفي بما يُشبع بطنه، هذا على الرواية بفتح الباء، وقد يروى بسكون الباء على المصدر، ويروى باللام أيضًا على أنَّه غاية لا غرض، ليلزم أن يكون لزومه رسول الله ﷺ لذلك لا للعلم. (يحفظُ ما لا يحفظون) ولا يلزم منه أن يحفظ كل ما يحفظه غيره، يُعترَضُ بعبد الله بن عمرو، فإنه أكثر حديثًا من أبي هريرة باعتراف أبي هريرة، ويجاب بأن عبد الله أكثر سماعًا، وأبو هريرة أكثر ضبطًا. على أن الجواب فاسد؛ لأن أبا هريرة قال: إن عبد الله كان يكتب وأنا لا أكتب، ولا شك أن مَنْ يكتبُ أكثرُ ضبطًا ممن لا يكتب. ١١٩ - (عن ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، بلفظ الحيوان المعروف، واسم أبي ذئب: هشام، قال الشافعي: ما أسِفْتُ على من فاتني إلا على الليث بن سعد، ومحمد بن أبي ذئب. (قلتُ: يا رسول الله، إني لأسمَعُ منك حديثًا كثيرًا أنساه؛ فقال: ابسُطْ رداءك، فبسطْتُه فغرف بيده، ثم قال: ضُمّه. فضممته، فما نسيتُ شيئًا بعدُ). فإن قلت: ماذا غَرَفَ له؟ قلت: القوة الحافظة، صوّره الله له في صورة الماء، كما صوَّر له العلم في صورة اللبن الَّذي أعطى فضلَه عُمَر. فإن قلتَ: سيأتي في كتاب البيوع أن رسول الله ﷺ هو الهادي، فإنه روي عن أبي

стр. 241

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. ١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ". ــ هريرة هناك أن رسول الله ﷺ قال: "لن يبسط أحدٌ ثوبه حتَّى أقضي مقالتي، ثم يجمع إليه ثوبه إلا وَعَى ما أقول" فبسطت نمرة كانت علي حتَّى إذا قضى مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيتُ من مقالته تلك شيئًا؟ قلتُ: تلك قضية أخرى. والمذكورة هنا أعمّ وأتم، والظاهر أن تلك كانت قبل، ولذلك لما ذاق أبو هريرة حلاوة الحفظ سأله الزيادة، فساعَدَه الوقتُ فلم ينسَ شيئًا أصلًا بعده. وفي بعض نُسخ البخاري: (حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن أبي فُدَيك) -بضم الفاء وفتح الدال على وزن المصغر- اسم الابن: محمد، واسم الأب: إسماعيل، (وقال: يحذف بيده) -بالحاء المهملة والذال المعجمة- بدل قوله: فغرف، والحذف: الضربُ. أي: ضرب يده في الهواء. ١٢٠ - (إسماعيل) هو ابن أبي أُويس بضم الهمزة (حدثنا أخي) أخوه عبد الحميد الأصبحي، كلاهما ابن أخت مالك بن أنس (عن ابن أبي ذئب) -بلفظ الحيوان المعروف- اسمه: محمد بن عبد الرحمن، وأبو ذئب جدّه الأعلى (عن سعيد المَقْبُري) بضم الباء وفتحها؛ لأنه كان يسكن إلى جانب المقابر. (عن أبي هريرة قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ وِعَاءَيْنِ من علمٍ) شبَّه المعقول بالمحسوس، فاستعار له الظرف الَّذي هو من خَوَاصّ المشبه به، أو تمثيل، فإن تشبيه العلم والإيمان، بالماء والعسل واللبن شائع (أما أحدُهما فبثثتُهُ، وأما الآخر فلو بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البُلْعومُ) البَثُّ: هو النشر والتفريق، والبُلْعوم -بضم الباء- فَسّره البخاري بمجرى الطعام. فإن قلتَ: ما هذا الوعاء الَّذي لو بَثَّهُ قُطِعَ حُلْقُومُهُ؟ قلتُ: هو ما يتعلق بأمر الخلفاء والفتن التي وقعت من بني أُمية، من مخالفة معاوية لعلي بن أبي طالب، وبعده من قتل الحسين، وخراب المدينة الشريفة، وقتل الصحابة والعلماء على يد مسلم بن عُقْبة، وقتل ابن الزبير على يد الحجّاج السفَّاك القَتّال، والرمي بالمنجنيق على البيت العتيق. وقد أشار إلى هذا

стр. 242

٤٤ - بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ ١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ــ مَنْ لا ينطق عن الهوى: "هلاكُ أمتي على يدي أغُيلَمة من قريش" وهم يزيد الظالم، وسائر بني مروان. وقال أبو هريرة راوي هذا الحديث لمروان: لو شئتُ سقيتهم لك، هذا الَّذي يجب القطع به علي، لا الَّذي يقوله جَهَلَةُ المتصوفة من أنَّه أشار إلى الأسرار الإلهية التي لا سبيل إليها إلا بالرياضة. والعجبُ أن واحدًا منهم لا يقدر على رواية حديث واحد، ولا فهم ظاهر آية من كتاب الله، وإذا ذُكر له مثلُ العلوم التي عليها بناء الشريعة، والأحكام التي استنبطها الصحابةُ، ومن بعدهم من علماء الملة، يدفعونه بالكفر الصريح ويقولون: هذا قِشْرٌ، ويزعمون أنهم فائزون بما هو اللُّبّ، وأعجبُ من هذا أن سلسلة هذه الطريقة منتهيةٌ بعلي بن أبي طالب باتفاقهم، وقد تقدم حديثه آنفًا: أَنْ ليس عنده إلا فهمٌ أُوتيه رجلٌ في كتاب الله (٢). ثم طَغَوا في هذا الزمان وازدادُوا إذا بأنهم إذا رأوا طالبًا لطريق الآخرة يقولون له: تعال عندي لأريك بعد ثلاثة أيام من قال لموسى بن عمران: لن تراني!!! من يضلل الله فلا هاديَ له، ثم هذا شيخُ الطائفة جُنيد ﵀ نُقل عنه في كتاب "مناقب الأبرار": إن لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، أي: طريقة القوم. باب: الإنصات للعلماء الإنصات كالإسكات، كل منهما لازم ومتعد، والإنصات سكوت خاص وهو السكوت مع الاستماع، وكذا قاله ابن الأثير، والظاهر أنَّه أَخَصُّ من الإسماع، مقيد بحضور البال وعدم الالتفات، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. ١٢١ - (حجاج بن مِنْهال) بكسر الميم (علي بن مُدرِك) بضم الميم وكسر الراء (عن أبي زُرعة) -بضم الزاي المعجمة بعدها مهملة- اسمه هَرِم -بفتح الهاء وكسر الراء- وقيل:

стр. 243

بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [الحديث ١٢١ - أطرافه في: ٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠]. ــ عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: [عمرو] (جرير) هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي راوي الحديث، قال ابنُ عبد البر: قال جرير: أسلمتُ قبل موت رسول الله ﷺ بأربعين يومًا، وقال الذهبي: أسلم في رمضان سنة عشر، وهذا هو الصواب. يدل عليه حديثُ الباب، لأن رسول الله ﷺ انتقل إلى الله في ربيع الأول بعد حجة الوداع. (أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع) بفتح الحاء وكسرها قال الجوهري: والكسر شاذ، لأنه يكون للنوع (استنصِتِ النَّاس) أي: اطلُبْ منهم الإنصات. قال ابن الأثير: يقال: أنصَتَ ونَصَتَ بمعنًى. فسقط ما يقال: إن الاستفعال من الإنصات قليل؛ لأن الاستفعال من الثلاثي لا من المزيد كما توهمه (فقال) أي: بعد فراغه من الخطبة كما سيأتي الحديث بطوله (٢). (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض) رَجَع من الرجوع، أي: إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من الكفر، أو إلى أوطانكم، فإنه كان بمكة في حجة الوداع. قال النووي: قيل في معناه ستةُ أقوال: الكفر الَّذي هو ضدّ الإيمان، إن فعلوا محرمًا مستحلين له، أو المراد كفر النعمة أي: نعمة الإسلام، أو ما يقرب من الكفر من المعاصي، أو دُوموا مسلمين، أو لا يُكَفّر بعضُكم بعضًا، أو من تكفر الرجل بالسلاح إذا لبسه. قلتُ: الظاهر من هذه الأوجهِ العودُ إلى الكفر بعده، كما ارتدتْ أكثرُ الأعراب والقبائل، ولفظ: "بعدي" مؤيد له. والراوية في: "يضربُ" الرفع، وجَوَّز الكسائي جَزْمَهُ كما في قوله: لا تكفر تدخل النار، لظهور المعنى. حكاه أبو البقاء وابنُ مالك. وفي الحديث دلالة ظاهرة على شرف العلم، وأن العالم إذا كان بصدد نشر العلم يجبُ على الناس الإنصاتُ له.

стр. 244

٤٥ - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللَّهِ ١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. ــ باب: ما يستحب للعالم إذا سُئل: أيُّ الناس أعلمُ؟ فَيَكِلُ العلمَ إلى الله تعالى فيكل: جزاء الشرط، والشرطية بيان ما يستحب من الجواب عند ذلك السؤال وجعل: إذا، ظرفية، وحملُ الفاء على التفسير غير مستقيم. يدل عليه الرواية الأخرى وهي أصحُّ بأن المصدرية. ولا يجوزُ أن تكون تفسيرية لأنها لا تكون إلا بعد فعلٍ يتضمن معنى القول. ١٢٢ - (سفيان) هو ابن عُيينة و (عمرو) هو ابن دينار (سعيد بن جُبير) بضم الجيم على وزن المصغر (إنَّ نَوْفًا البكاليَّ) بكسر الباء وفتح الكاف مخففًا، وقيل: بفتح الباء والكاف المشددة، نسبةً إلى بكالة؛ قبيلة. قاله ثعلب. وقيل: إلى بكال من حِمْير. وكان نوفٌ هذا صاحبًا لعلي بن أبي طالب (إنما هو موسى آخر) بالتنوين، لأنه أُريدَ به غير معين، أي: واحد يسمى بهذا الاسم، و"آخر" غير منصرف، لأنه وزن فعل مع الوصف الأصلي، وإن صار في عداد الأسماء، ولذلك جُرد عن اللام والإضافة ومِنْ (فقال: كَذَبَ عدو الله) لم يرد به معناه الحقيقي، بل كلمة صدرتْ منه في حالة الغضب، أو أراد تنفير الناس عن اتباعه في تلك المقالة (فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا). فإن قلتَ: قوله تعالى: إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلمُ منك، تكذيب لموسى؟ قلتُ: ليس تكذيبًا بل إرشاد إلى ما خفي عليه لأن معنى قوله: "أنا أعلم" أي: في ظني، وهو صادقٌ في ذلك كقول رسول الله ﷺ في جواب ذي اليدين حين قال: أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسيتَ يا رسول الله؟: "كلُ ذلك لم يكن" فقال ذو اليدين: بعض ذلك

стр. 245

قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى ــ قد كان. فإن المحققين على أن ذلك من رسول الله ﷺ لم يكن كذا، لأنه بناه على ظنه. والبحران: قيل: هما بحر فارس والروم. فإن قلتَ: ما معنى عتاب الله؟ قلتُ: الإشارة إلى أن ما صدر منه كان خلاف الأولى، وأصلُ العتاب مخاطبة الأحباء على طريقة الإدلال، قال الشاعر: ويبقى الوُدُّ ما بقي العتاب (٢) (قال يا رب: وكيف به؟) أي: طريق الاجتماع به (فقيل له: احمِلْ حوتًا في مِكْتل) -بكسر الميم-: الزنبيل. قال ابن الأثير: هو الزنبيل الكبير الذي يَسَعُ خمسة عشر صاعًا من الكتاب وهو الثقل. قلتُ: الظاهر أنه من إطلاق المقيد على المطلق مجازًا، إذ الإنسان لا يحمل مثله على ظهره (وانطلق معه بفتاه يوشع) أي: بخادمه. يطلق على كل خادم، أصله من الفُتُوّة وهو حداثةُ السنّ؛ لأن الأكثر أن يكون الخادم شابًا، وقال البخاري: يُوشَع بالشَين المعجمة والمهملة (وَضَعا رؤوسهما) جمع الرأس وإن كانا اثنين كراهةَ اجتماع التثنيتين، وهو كثير في كلام العرب. (فانسَلَّ الحوتُ من المكتل ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]) سيأتي تفسيره أنه بقي الماء مثل الطاق بأن أمسك الله عنه الجرية. وأصل السرب: المسلك في خفية (وكان لموسى وفتاه عجبًا) الضمير في: كان، لققد الحوت (فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما) كذا وقع هنا، والصوابُ بقية يومهما وليلتهما بتقديم اليوم لقوله: (فلما أصبح). كما وقع في تفسير

стр. 246

جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ) قَالَ مُوسَى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ ــ سورة الكهف وغيره. وقيل: يحتمل أن يريد بقية الليلة بعد ذلك اليوم الذي سارا جميعه. قلتُ: قول متقدم على الانطلاق الذي بعده ذكر الليلة واليوم إذا كان التقدير ذلك بتأخر النوم عن اليوم الذي سارا فيه، لأن بقية الليلة إنما يقال: إذا كان النومُ واقعًا بها. (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) مفعول مطلق أي: يقصان آثارهما قصصا، وهو التتبع. (مُسَجَّى) بضم الميم وتشديد الجيم (أو قال: تَسَجَّى) -بفتح التاء- ماض على وزن تَفَعَل أي: تغطى، ومنه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ٢] (فسلَّم موسى، فقال الخضرُ: وأنّى بأرضك السلام؟) فإنه لم يكن تحيةَ ذلك الخَلْق في ذلك القطر، فتعجب منه (فقال: أنا موسى) أزال استبعاده (على ساحل البحر) أي: شاطئه، من سحله قَشَره قال ابن دُريد: هو على القلب، لأن الماء قشره (فكلموهم فحملوهما) جَمَعَ الضمير أولًا باعتبار العدد، فإنهم كانوا ثلاثة نَفَرٍ، وثَنى ثانيًا لأن يوشع تابع وخادمٌ لموسى. (فعُرف الخضر) لأنه كان مقيمًا يعرفونه بالصلاح (فجاء عُصفور) بضم العين، قيل: كان صردًا (فوقع على حَرف السفينة) أي: على طرفٍ منه (ما نَقَص علمي وعلمُك من علم

стр. 247

اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ ــ الله إلا كنقرة هذا العصفور من هذا البحر). فإن قلتَ: ما فائدة هذا الخبر إذ موسى كان عالمًا به أيضًا؟ قلتُ: أراد به لازمَ الخبر وهو إعلام موسى بعلمه، أو أراد الإشارة إلى عِظم علم الله، وهو نوعٌ من الذكر وملاحظة جلال الله تعالى. فإن قلت: نسبةُ النقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبةُ علمهم إلى علمه تعالى نسبةُ المتناهي إلى غير المتناهي. وأيضًا: النقص في علمه مستحيل؟ قلتُ: هذا الكلام ليس على ظاهره بل نوع تقريب إلى الفهم، إذ لا يوجد أعظم من البحر، ولا أقل من نقرة العصفور، فلا تشبيه حقيقةً، ولا نقص هناك وقيل: أراد بالعلم المعلومَ، وهذا لا يدفع الإشكال؛ لأن معلوماته تعالى أيضًا غير متناهية. وقيل: هو من قبيل قول الشاعر: ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قراع الكتائب أي: لو كان يمكن النقص في علمه تعالى، لكان مثل هذه النقرة من البحر، وهذا معنى حَسَنٌ، إلا أنَّه بعيدٌ عن هذا الأسلوب، وأحسنُ ما يقال: إن النقص أُريدَ به الأخذ مجازًا إطلاقًا للمسبب على السبب. ومحصله: أخذي وأخذُك من علم الله يُشبهُ نُقرةَ العصفور في القلة. (فقال موسى: قومٌ حملونا بعْير نوْلٍ) -بفتح النون وسكون الواو- أي: من غير أُجرة، وأصلُ النول العطاءُ (عمدتَ إلى سفينتهم) -بفتح الميم- أي: قصدتَ (لتغرق أهلها) اللام للعاقبة لا للغرض؛ إذ يبعُدُ منه قصدُ ذلك، وفي بعضها: فلتغرق، فالفاء للتأكيد (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣])، أي: لا تُحَملني المشقةَ في باب التعلم؛ فإن النسيان لا يؤاخذ به (فإذا غلامٌ مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلعه).

стр. 248

قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». ــ فإن قلت: سيأتي أنه أضجعه وذبحه بالسكين؟ قلتُ: لا منافاة ذَبَحَهُ، فلما بَلَغ آخر الذبح اقتلعه عند العلامة. (﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥] قال ابن عُيينة) هو سفيان (وهذا أوكدُ) لأنه زاد فيه: لك. بخلاف الأول، فإنه اقتصر على: "إنك" ويجوزُ أن يكون هذا إشارةً إلى كلام موسى والخضر معًا؛ لأن موسى صَرَّح بالنكر هنا بخلاف الأول، فإنه لم يصرح بالنكر فيه. (﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]). أي: مائلًا إلى السقوط، عَبّر عنه بالإرادة لوجود الميل فيهما (قال الخضر بيده فأقامه) أي: أشار إليه من غير مَسّ، واستعمال: قال، في الإشارة مجازٌ، لاشتمال كل منهما على الدلالة. (﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]) البَيْنُ من الأضداد، يطلق على الوصل والفصل والمراد الأولُ، أي: هذا أوَان قطع الوصل لأنك قلت: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] (قال النبي ﷺ : يرحم اللهُ موسى لوددنا لو صَبَرَ) لو للتمني حيث دخلت على الوداد. فإن قلت: هل في الحديث دلالةٌ على عدم [وجود] الخضر في الدنيا حيًّا؟ قلتُ: لا دلالة في الآية والحديث لا على الوجود ولا على العدم. وأما قوله: "لوددنا لو صَبَرَ". إنما هو لتمني ما كان يجري بينهما من ظهور الحكم والغريب. واعلم أنما جرى بين موسى والخضر ليس من حيث إن موسى كان محتاجًا في تكميل الشريعة الذي بعث بها إلى الخضر، بل كان ذلك من الاطلاع على حكم الله، فإن الخضر كان مخصوصًا به. وأما موسى فهو من أولي العزم من الرسل. والخضر في نبوته خلافٌ،

стр. 249

٤٦ - بَابُ مَنْ سَأَلَ، وَهُوَ قَائِمٌ، عَالِمًا جَالِسًا ١٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » [الحديث ١٢٣ - أطرافه في: ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨]. ــ فالبون بينهما بعيدٌ وبهذا تزول أوهام كثيرة ذكروها، وما ذكرناه هو عين الحق، كيف لا وهو أفضلُ الرسل وأكرمهم عند الله تعالى بعد رسول الله ﷺ . [ألا] ترى إلى قوله ﷺ : "رأيتُ موسى في السماء السابعة" تفصيل كلام الله كما سيأتي في حديث الإسراء. والله أعلم. باب: من سأل وهو قائمٌ عالمًا جالسًا ١٢٣ - (عثمان) هو ابن محمد (جَرير) بفتح الجيم على وزن فَعيل (عن أبي وائل) اسمه شقيق تابعي جليلُ القدر، أكثر روايته عن ابن مسعود، لأنه كان بالكوفة (فقال: يا رسول الله، ما القتال؟) ليس الغرضُ من هذا السؤال معرفة معنى القتال لغةً، إذ ذلك ليس مشتبهًا على أحد، ولا هو مقصودُ السائل، بل المراد: وصفُ القتال الذي يتقرب به إلى الله (فإن أحدنا يقاتلُ غضبًا، ويقاتلُ حميةَ) الغضبُ: لغةً: فَوَران الدم عند إرادة الانتقام، وهذا المعنى هو المراد لا الفَوَران المذكور. والحَمِية -بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد الياء- المحاماة، والمحافظة على الحريم، والعشائر. (من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله) أي: ذلك القتال هو في سبيل الله، سواء كان ناشئًا عن الغضب أو عن الحمية؛ فإن الأعمال بالنيات على أي وجه كانت، والغضبُ تارةً يكون لله، كما كان يغضب رسول الله ﷺ . والمحاماة أيضًا تكون للصيانة عما يخالف أمر الدين. حمية للإسلام، هكذا يجب أن يفهم. ومنهم من قال: المراد بالقتالِ

стр. 250

٤٧ - بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ ١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ــ المقاتلةُ بدليل قوله: إن أحدنا يقاتل. ولفظ: ما، في قوله: ما القتال؟ عامٌ في القاتل وغيره. أو المراد منه الوصف. وهذا تكلُّف بارد منشؤه قوله: "من قاتَلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا". وإنما ذكر المقاتل في الجواب دون القتال إشارةً إلى أن نية المقاتل يجبُ أن تكون إرادة إعلاء كلمة الله. ثم قال: وحاصل الجواب أن منشأ القتال في سبيل الله القوة العقلية لا الغضبية ولا الشهوانية. وهذا يدل على أنه فهم من الحمية اختصاصها بالزوجة والجواري. وكل هذا خبطٌ، وقد بَيّنا لك الصوابَ. فإن قلتَ: ما المراد بكلمة الله؟ قلتُ: كلمة التوحيد الذي هو أساس الدين أو حكم الله، وإطلاق الكلمة لأنه مستفاد منها. وفي الحديث دلالة على أن الأعمال بالنية، وأنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفًا والعالم جالسًا؛ فإن هذا ليس من القيام الذي نهى عنه. باب: السؤالُ والفُتيا عند رمي الجمار الفُتيا -بضم الفاء، والفتوى بفتحها- جواب الحادثة من الفتاء وهو حداثة السنّ، والمناسبة ظاهرة. والجِمار جمع جَمْرة، وهي الأحجار الصغار، والموضع الذي يرمى بالجمار يسمى جمرة، لأنها تُرمى بالجمار، أو لاجتماع الناس عنده. والجمرة اجتماع القبيلة. ١٢٤ - (أبو نُعيم) -بضم النون على وزن المصغر- فضل بن دُكَين (عبد العزيز بن أبي سَلَمة) -بفتح السين واللام -الماجَشون -بفتح الجيم وكسره- لقبٌ له معرب ماه كون، أي: شبه القمر في الحسن، وقيل: غير هذا. ولكن هذا هو الصواب، واسمه يعقوب. قاله الغساني. (رأيتُ النبي ﷺ عند الجمرة) يريد جمرةَ العقبة؛ فإن الجمار وإن كانت ثلاثة إلا أنه عند الإطلاق لا يراد غيرها، وسيأتي في كتاب الحج نظيرُهُ (فقال رجلٌ: يا رسول الله،
следующие страницы →