Полный текст (5 311 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ) قَالَ مُوسَى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ
ــ
سورة الكهف وغيره. وقيل: يحتمل أن يريد بقية الليلة بعد ذلك اليوم الذي سارا جميعه. قلتُ: قول متقدم على الانطلاق الذي بعده ذكر الليلة واليوم إذا كان التقدير ذلك بتأخر النوم عن اليوم الذي سارا فيه، لأن بقية الليلة إنما يقال: إذا كان النومُ واقعًا بها.
(﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]) مفعول مطلق أي: يقصان آثارهما قصصا، وهو التتبع. (مُسَجَّى) بضم الميم وتشديد الجيم (أو قال: تَسَجَّى) -بفتح التاء- ماض على وزن تَفَعَل أي: تغطى، ومنه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ٢] (فسلَّم موسى، فقال الخضرُ: وأنّى بأرضك السلام؟) فإنه لم يكن تحيةَ ذلك الخَلْق في ذلك القطر، فتعجب منه (فقال: أنا موسى) أزال استبعاده (على ساحل البحر) أي: شاطئه، من سحله قَشَره قال ابن دُريد: هو على القلب، لأن الماء قشره (فكلموهم فحملوهما) جَمَعَ الضمير أولًا باعتبار العدد، فإنهم كانوا ثلاثة نَفَرٍ، وثَنى ثانيًا لأن يوشع تابع وخادمٌ لموسى.
(فعُرف الخضر) لأنه كان مقيمًا يعرفونه بالصلاح (فجاء عُصفور) بضم العين، قيل: كان صردًا (فوقع على حَرف السفينة) أي: على طرفٍ منه (ما نَقَص علمي وعلمُك من علم
стр. 247
اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟
ــ
الله إلا كنقرة هذا العصفور من هذا البحر).
فإن قلتَ: ما فائدة هذا الخبر إذ موسى كان عالمًا به أيضًا؟ قلتُ: أراد به لازمَ الخبر وهو إعلام موسى بعلمه، أو أراد الإشارة إلى عِظم علم الله، وهو نوعٌ من الذكر وملاحظة جلال الله تعالى.
فإن قلت: نسبةُ النقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبةُ علمهم إلى علمه تعالى نسبةُ المتناهي إلى غير المتناهي. وأيضًا: النقص في علمه مستحيل؟ قلتُ: هذا الكلام ليس على ظاهره بل نوع تقريب إلى الفهم، إذ لا يوجد أعظم من البحر، ولا أقل من نقرة العصفور، فلا تشبيه حقيقةً، ولا نقص هناك وقيل: أراد بالعلم المعلومَ، وهذا لا يدفع الإشكال؛ لأن معلوماته تعالى أيضًا غير متناهية. وقيل: هو من قبيل قول الشاعر:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفهم ... بهن فلولٌ من قراع الكتائب
أي: لو كان يمكن النقص في علمه تعالى، لكان مثل هذه النقرة من البحر، وهذا معنى حَسَنٌ، إلا أنَّه بعيدٌ عن هذا الأسلوب، وأحسنُ ما يقال: إن النقص أُريدَ به الأخذ مجازًا إطلاقًا للمسبب على السبب. ومحصله: أخذي وأخذُك من علم الله يُشبهُ نُقرةَ العصفور في القلة.
(فقال موسى: قومٌ حملونا بعْير نوْلٍ) -بفتح النون وسكون الواو- أي: من غير أُجرة، وأصلُ النول العطاءُ (عمدتَ إلى سفينتهم) -بفتح الميم- أي: قصدتَ (لتغرق أهلها) اللام للعاقبة لا للغرض؛ إذ يبعُدُ منه قصدُ ذلك، وفي بعضها: فلتغرق، فالفاء للتأكيد (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣])، أي: لا تُحَملني المشقةَ في باب التعلم؛ فإن النسيان لا يؤاخذ به (فإذا غلامٌ مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلعه).
стр. 248
قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا».
ــ
فإن قلت: سيأتي أنه أضجعه وذبحه بالسكين؟ قلتُ: لا منافاة ذَبَحَهُ، فلما بَلَغ آخر الذبح اقتلعه عند العلامة.
(﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥] قال ابن عُيينة) هو سفيان (وهذا أوكدُ) لأنه زاد فيه: لك. بخلاف الأول، فإنه اقتصر على: "إنك" ويجوزُ أن يكون هذا إشارةً إلى كلام موسى والخضر معًا؛ لأن موسى صَرَّح بالنكر هنا بخلاف الأول، فإنه لم يصرح بالنكر فيه.
(﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]). أي: مائلًا إلى السقوط، عَبّر عنه بالإرادة لوجود الميل فيهما (قال الخضر بيده فأقامه) أي: أشار إليه من غير مَسّ، واستعمال: قال، في الإشارة مجازٌ، لاشتمال كل منهما على الدلالة.
(﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]) البَيْنُ من الأضداد، يطلق على الوصل والفصل والمراد الأولُ، أي: هذا أوَان قطع الوصل لأنك قلت: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] (قال النبي ﷺ : يرحم اللهُ موسى لوددنا لو صَبَرَ) لو للتمني حيث دخلت على الوداد.
فإن قلت: هل في الحديث دلالةٌ على عدم [وجود] الخضر في الدنيا حيًّا؟ قلتُ: لا دلالة في الآية والحديث لا على الوجود ولا على العدم. وأما قوله: "لوددنا لو صَبَرَ". إنما هو لتمني ما كان يجري بينهما من ظهور الحكم والغريب.
واعلم أنما جرى بين موسى والخضر ليس من حيث إن موسى كان محتاجًا في تكميل الشريعة الذي بعث بها إلى الخضر، بل كان ذلك من الاطلاع على حكم الله، فإن الخضر كان مخصوصًا به. وأما موسى فهو من أولي العزم من الرسل. والخضر في نبوته خلافٌ،
стр. 249
٤٦ - بَابُ مَنْ سَأَلَ، وَهُوَ قَائِمٌ، عَالِمًا جَالِسًا
١٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » [الحديث ١٢٣ - أطرافه في: ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨].
ــ
فالبون بينهما بعيدٌ وبهذا تزول أوهام كثيرة ذكروها، وما ذكرناه هو عين الحق، كيف لا وهو أفضلُ الرسل وأكرمهم عند الله تعالى بعد رسول الله ﷺ . [ألا] ترى إلى قوله ﷺ : "رأيتُ موسى في السماء السابعة" تفصيل كلام الله كما سيأتي في حديث الإسراء. والله أعلم.
باب: من سأل وهو قائمٌ عالمًا جالسًا
١٢٣ - (عثمان) هو ابن محمد (جَرير) بفتح الجيم على وزن فَعيل (عن أبي وائل) اسمه شقيق تابعي جليلُ القدر، أكثر روايته عن ابن مسعود، لأنه كان بالكوفة (فقال: يا رسول الله، ما القتال؟) ليس الغرضُ من هذا السؤال معرفة معنى القتال لغةً، إذ ذلك ليس مشتبهًا على أحد، ولا هو مقصودُ السائل، بل المراد: وصفُ القتال الذي يتقرب به إلى الله (فإن أحدنا يقاتلُ غضبًا، ويقاتلُ حميةَ) الغضبُ: لغةً: فَوَران الدم عند إرادة الانتقام، وهذا المعنى هو المراد لا الفَوَران المذكور. والحَمِية -بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد الياء- المحاماة، والمحافظة على الحريم، والعشائر.
(من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله) أي: ذلك القتال هو في سبيل الله، سواء كان ناشئًا عن الغضب أو عن الحمية؛ فإن الأعمال بالنيات على أي وجه كانت، والغضبُ تارةً يكون لله، كما كان يغضب رسول الله ﷺ . والمحاماة أيضًا تكون للصيانة عما يخالف أمر الدين. حمية للإسلام، هكذا يجب أن يفهم. ومنهم من قال: المراد بالقتالِ
стр. 250
٤٧ - بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ
١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
المقاتلةُ بدليل قوله: إن أحدنا يقاتل. ولفظ: ما، في قوله: ما القتال؟ عامٌ في القاتل وغيره. أو المراد منه الوصف. وهذا تكلُّف بارد منشؤه قوله: "من قاتَلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا". وإنما ذكر المقاتل في الجواب دون القتال إشارةً إلى أن نية المقاتل يجبُ أن تكون إرادة إعلاء كلمة الله. ثم قال: وحاصل الجواب أن منشأ القتال في سبيل الله القوة العقلية لا الغضبية ولا الشهوانية. وهذا يدل على أنه فهم من الحمية اختصاصها بالزوجة والجواري. وكل هذا خبطٌ، وقد بَيّنا لك الصوابَ.
فإن قلتَ: ما المراد بكلمة الله؟ قلتُ: كلمة التوحيد الذي هو أساس الدين أو حكم الله، وإطلاق الكلمة لأنه مستفاد منها.
وفي الحديث دلالة على أن الأعمال بالنية، وأنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفًا والعالم جالسًا؛ فإن هذا ليس من القيام الذي نهى عنه.
باب: السؤالُ والفُتيا عند رمي الجمار
الفُتيا -بضم الفاء، والفتوى بفتحها- جواب الحادثة من الفتاء وهو حداثة السنّ، والمناسبة ظاهرة. والجِمار جمع جَمْرة، وهي الأحجار الصغار، والموضع الذي يرمى بالجمار يسمى جمرة، لأنها تُرمى بالجمار، أو لاجتماع الناس عنده. والجمرة اجتماع القبيلة.
١٢٤ - (أبو نُعيم) -بضم النون على وزن المصغر- فضل بن دُكَين (عبد العزيز بن أبي سَلَمة) -بفتح السين واللام -الماجَشون -بفتح الجيم وكسره- لقبٌ له معرب ماه كون، أي: شبه القمر في الحسن، وقيل: غير هذا. ولكن هذا هو الصواب، واسمه يعقوب. قاله الغساني.
(رأيتُ النبي ﷺ عند الجمرة) يريد جمرةَ العقبة؛ فإن الجمار وإن كانت ثلاثة إلا أنه عند الإطلاق لا يراد غيرها، وسيأتي في كتاب الحج نظيرُهُ (فقال رجلٌ: يا رسول الله،
стр. 251
نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
٤٨ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي
ــ
نحَرت قبل أن أرمي؟ فقال: ارمِ ولا حرج). تقدم هذا الحديث بشرحه في باب الفتيا. والنحر: ذبحُ الإبل خاصة، لأن النحر هو الصدر والإبل تذبح في اللَبّة -بفتح اللام وتشديد الباء- وهي آخر الحلق يتصل بالصدر.
فإن قلتَ: ليس في الحديث أنه كان يرمي الجمار، كما ترجم له؟ قلت: وقوفه عند الجمرة ليس إلا للرمي، إذ ليس هناك عبادة غيره.
فإذ قلتَ: أيّ غرض للبخاري من وضع هذا الباب؟ قلت: غرضه: أنه يجوز أن يُسأل العالم وهو مشتغل بطاعةٍ أخرى، إذا لم يكن سؤاله مانعًا عن تلك الطاعة، ألا ترى أنه تقدم أنَّ الذي سأله عن الساعة لم يلتفتْ إليه حتى قضى مقالته؟.
باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
١٢٥ - (قيس بن حَفْص) بفتح القاف وسكون الياء (الأعمش) سليمان بن مهران بكسر الميم (عن إبراهيم) هو النخعي، الإمام المشهور، والنَّخَعُ -بفتح النون والخاء المعجمة-: قبيلة بيمن (عن عبد الله) هو ابن مسعود حيثُ أطلق.
(بينا أنا أمشي) تقدم أن (بين) ظرف زمان وألفه للإشباع، وجوابه هو العامل فيه وهو
стр. 252
مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: «(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)». قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا [الحديث ١٢٥ - أطرافه في: ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢].
ــ
هنا قوله: (فمرَّ في خَرِب المدينة) -بفتح الحاء المعجمة وكسر الراء- المكان الخراب. وقيل: جمع خَرِبة -بفتح الخاء وكسر الراء- ككلمة وكَلِم. وُيروى بكسر الخاء وفتح الراء جمع خِربة -بكسر الخاء وسكون الراء- كنقمة في نقم. وفي سورة بني إسرائيل رواه البخاري: الحرث، بالحاء المهملة والثاء المثلثة ولا ينافي لجواز أن يكون الخرب حرثًا.
(وهو يتوكأ على عسيب) العسيبُ -بفتح العين وكسر السين- جريد النخل إذا لم تنبت عليه الخوص فإذا نَبَتَ عليه يقال له: (العسف فَمَرَّ بنفرٍ من اليهود) أي: من الطائفة المسماة بيهود. والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة (فقال بعضهم: سَلُوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسالوه، لا يجيء بشيء تكرهونه) لا يجيءْ، بالجزم على أنه جواب النهي، ويجوزُ النصب بتقدير: (أن)، وجوز بعضُهم الرفع على أنه خبر مبتدأ (فقال: يا أبا القاسم ما الروحُ؟) أراد به الروحَ الذي به الحياة، وحمله على القرآن أو على جبريل، أو ملك آخر مما لا وجه له (﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: كائن محدث بكلمة كن كسائر المخلوقات. وقيل: الأمر بمعنى الشأن أي: من شأنه تعالى استأثره بعلمه، وليس في الآية دلالة على امتناع علم البشر به. بل في قوله: (﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]) إشارةٌ إلى أنه مما يعلم لو تعلقت به الإرادة. قال صاحب "الكشف": هو عند المكتحلين بكحل الجوهر من علام الغيوب أجلى جلي، وإن كان عند المشتغلين أخفى خفي. وقد استوفينا الكلام فيه على وجهٍ لا مزيد عليه في تفسيرنا "غاية الأماني" نفع الله به.
(قال الأعمش: هكذا في قراءتنا) أي: أوتوا، بلفظ الغَيبة والضمير لليهود. ويؤيد هذا أن الخطاب في القراءة الأخرى لليهود أيضًا، وإن احتمل أن يكون عامًا.
стр. 253
٤٩ - بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
١٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ
ــ
باب: مَنْ ترك بعضَ الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فهمُ بعضُ الناس فَيَقعوا في أشدّ منه
الاختيار -بكسر الهمزة- مصدر اختار. أي: العلوم المختارة الشريفة، يقصر فهم المخاطبين عن إدراكها. كذا في النُسخ المعتمدة، وفي بعض: الأخبار -بفتح الهمزة والباء الموحدة- وأَشدّ -بفتح الهمزة وتشديد الدال-، وفي بعضها بالرفع [...] الهمزة وبدونها.
١٢٦ - (عن أبي إسحاق) هو السبيعي -بفتح السين وكسر الموحدة- حي من همدان، واسم أبي إسحاق هذا: عمرو بن عبد الله (عن الأسود) هو ابن يزيد بن القيس النخعي، خال إبراهيم من العلماء العُباد، قيل: حج ثمانين حجة وعمرة، كل واحدة على الانفراد، وكذا ابنه عبد الرحمن حج واعتمر ثمانين، كل واحدةٍ على الانفراد (قال لي ابن الزبير) هو عبد الله (كانت عائشة تُسِرُّ إليك كثيرًا) هذا موضعُ الدلالة على الترجمة، وكذا الحديث بعده؛ لأن ردّ الكعبة الشريفة إلى الأساس من الأمور المختارة، وإنما ترك رسول الله ﷺ ذلك لقصور فهم الناس، لقرب عهدهم بالجاهلية، فتنكر قلوبهم. ومنه عُلم أن جَلْبَ المصالح إنما يكون بَعْدَ دفع المفاسد.
فإن قلتَ: لولا: امتناعية، يجب حذف الخبر بعدها فِلمَ لم يحذف هنا؟ قلتُ: ذاك في الخبر العام كالموجود والذي يرادفه، فإن: لولا، تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، ولا دلالة فيها على الخبر الخاص.
(قال النبي ﷺ : يا عائشة، لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم، قال ابنُ الزبير: بكُفرٍ) أي: مراد رسول الله ﷺ من قوله: "لولا قومك حديثٌ عهدهم" هو حداثة العهد بالكفر.
قال بعضُ الشارحين: هذا الحديث متفقٌ بين عائشة وابن الزبير، أوله من عائشة وآخره
стр. 254
فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ [الحديث ١٢٦ - أطرافه في: ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣].
٥٠ - بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
١٢٧ - وَقَالَ عَلِيٌّ: «حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ» حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
ــ
من ابن الزبير، وهذا يدلّ على أنَّه فهم أنّ ابن الزبير يروي من قوله: "بكفر لنقضت إلى آخره. . ." الحديث من رسول الله ﷺ ، وليس كذلك، بل إن ما يروي ابنُ الزبير عن عائشة ستأتي مرارًا روايته صريحًا من غير واسطة الأسود عن عائشة، وفي تلك الرواية: "لولا قومك حديث عهد بالكفر" ولا يبعُدُ أن ابن الزبير إنما بادر إلى لفظ: بكفرٍ، لما سَمِع الأسودَ تركَهُ، وكان قد حفظ من عائشة، والدليل عليه أن الترمذي رواه عن الأسود بتمامه، إلا أنَّه قال بدل: بكفرٍ، بالجاهلية.
والحاصلُ أن ابن الزبير لم يروِ هذا الحديث عن رسول الله ﷺ قطّ، ومدار الحديث على عائشة باتفاق أهل الحديث، وقد روى الحديثَ عنها عروةُ بنُ الزبير، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر، والحارث بن عبد الله بتمامه (ففعله ابن الزبير) أي: في أيام خلافته لانتفاء العلة التي امتنع لأجلها رسول الله ﷺ ، وهو حداثة العهد بالكفر، ثمَّ نقض ذلك البناء الحجاج بعد قتل ابن الزبير.
باب: مَنْ خَصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ كراهيةَ أن لا يفهموا
١٢٧ - (وقال علي: حدثوا الناسَ بما يَعْرفون، أتحبون أن يُكَذَّب اللهُ ورسولُه؟) أي: كلموا الناسَ بما يفهمون؛ لئلا يؤدي إلى تكذيب الله ورسوله، وما ضَلَّ من ضَلَّ إلا لقلة الإدراك، ألا ترى إلى قوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].
فإن قلتَ: ما الفرقُ بين هذه الترجمة والتي قبلها؟ قلت: التي قبلها مُطْلَقَةٌ وهذه مقيدة. فإن قلت: يلزم كتمان العلم؟ قلتُ: لا يلزم، ألا ترى إلى قوله: خَصّ بالعلم قومًا دون قوم.
(عُبيد الله بن موسى) على وزن المصغر (عن أبي الطفيل) -بضم الطاء على وزن
стр. 255
١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:
ــ
المصغر -عامر بن واثلة الكناني، آخر الصحابة موتًا باتفاق أهل الحديث، وُلد عام أحد، ومات وعمره مئة سنة.
١٢٨ - (عن قتادة) بفتح القاف (إسحاق بن إبراهيم) هو إسحاق بن راهويه (معاذ بن هشام) بضم الميم وكسر الهاء (أن النبي ﷺ ومعاذٌ رديفُهُ على الرّحل) ومعاذ رديفُهُ: مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب على الحال. وقوله على الرحل: حال أخرى من النبي ﷺ لِما في الرواية الأخرى، عن معاذٍ: كنتُ رديفَهُ، وليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل. والرحلُ في البعير كالسرج للفرس. ويقال له: الكور، كذا قاله ابن الأثير. قلتُ: هذا أصلُه، وقد اتّسع فيه، وذلك أن معاذًا كان دريفَهُ على الحمار، صَرح به في الرواية الأخرى.
(قال يا معاذ بن جبل) يجوزُ في ذال معاذ الضم والفتح، والثاني هو المختار (قال: لبيك يا رسول الله وسعديك) -بفتح اللام وتشديد الباء بعدها ياء ساكنة- أصله إلبابًا بعد إلباب من ألَبَّ بالمكان أقام به، وأسعده إذا طاوعَهُ أي: إسعادًا بعد إسعاد والتثنية للتكثير كما في قوله تعالى: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] ووجه إعلال الكلمتين مذكورٌ في كتب النحو، وهما من المصادر التي يجب حذف فعلهما سماعًا.
(ثلاثًا) هذا من قول أنس، يريد أن رسول الله ﷺ كرَّر الكلام ثلاثَ مراتٍ، الثلاث لمجموع ما جرى بين رسول الله ﷺ وبين معاذ لا على وجه تنازع الفعلين، وكأنه قال: جرى النداء والجواب ثلاث مراتٍ.
(ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله صدقًا من قلبه إلا حَرَّمه الله على النار) أي: خُلُودَهُ. أو قاله حين أسلم ومات على الفور، أو قاله تائبًا ومات بعده. وهذا لأن سائر النصوص دلَّت على دخول بعض عصاة المؤمنين النارَ. والوجهُ هو الأول لإطلاق الحديث
стр. 256
أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ:
ــ
وعمومِ: "ما من أحد" وقيل: هذا كان قبل سائر الفرائض. وليس بشيء؛ لأن معاذًا من شبان الأنصار، ومثله عن أبي هريرة، وقد أسلم سنة سبعٍ من الهجرة.
فإن قلتَ: "صدقًا" صفة فعل القلب أو القول؟ قلتُ: صفة فعل القلب وذلك احتراز عن قول المنافق، فإنه وإن كان صدقًا في نفس الأمر، لأن صدق الخبر كونه مطابقًا للواقع، سواء كان مطابقًا لاعتقاد المخبر أو لا. ومنه ظهر أن تعلق "من قلبه" بقوله: "يشهد" غير سديد، اللهم إلا أن يراد بالشهادة فعل القلب، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى: "خالصًا من قلبه".
فإن قلتَ: ما معنى التحريم على النار والحرمةُ صفة فعل المكلف؟ قلتُ: أُريدَ به لازمه وهو المنع.
فإن قلت: قال هنا: "حرَمه الله على النار" في حق المؤمن، وقال تعالى في حق الكافر: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] فهل فرقٌ بحسب المعنى؟ قلتُ: قال بعضُ الشارحين: النار متصرفة والجنة متصرف فيها، والتحريم على المتصرف أنسب هذا كلامه. وما ذكره أمر وهمي؛ لأن التحريم حكمُ الله في الموضعين. والصواب في الجواب: أن إيقاع التحريم على المؤمن اعتناء بشانه، وأما على الكافر فلأمرٍ عارضٍ فأوقع التحريم على الجنة إشارةً إلى غلبة الرحمة لولا ذلك العارض.
فإن قلت: "إلا حرم الله" استثناء من ماذا؟ قلتُ: قال بعضُهم: استثناء من أعمّ عام الصفات أي: ما أحدٌ يشهد كائنًا بصفة إلا بصفة التحريم، وهذا وهمٌ؛ لأن التحريم صفةُ الله مسند إليه في الحديث، بل التقدير: ما من أحد يشهدُ في حالة من الأحوال إلا في حالة حرَّمه اللهُ على النار.
(أفلا أُخبر به الناسَ فيستبشروا) الهمزة داخلةٌ على مقدر، والفاء العاطفة على ذلك المقدر أي: أقلت هذا؟ أفلا أخبر، ومعنى الكلام العرض كقولك: ألا تنزل بنا. ويجوزُ أن يكون الاستفهام على أصله وحَذَفَ نون يستبشروا؛ لأنه جواب العرض أو الاستفهام، فيقدر بأن، ويُروى بالنون عطفًا على: أفلا أخبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾
стр. 257
«إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. [الحديث ١٢٨ - طرفه في: ١٢٩].
١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا».
ــ
[المرسلات: ٣٦] قال: (إذًا يتكلوا فأخبرَ بها معاذٌ عند موته تأثمًا) أي: تَجَنبًا واحترازًا من كتمان العلم.
فإن قلت: كيف جاز له مخالفة رسول الله ﷺ ؟ قلت: أخذ الجواز من قوله: يتكلوا، فإنه المانع، ولمّا زال ذلك المانع بأن اعتادوا بالطاعات، ودخل حلاوتها في أعماقهم حتى قصدوا الترهب، وصوم الدهر، وقيام الليالي، فانتهى الحكم بانتهاء علته. وما يقال: إن المنع كان عن العوام دون الخواص، ومعاذًا إنما أخبر الخواصَّ يَرُدُّه لفظُ: الناس، على العموم. وأيضًا لو كان المنعُ عن العوام دون الخواص، لَخَصَّ معاذٌ عند الموت طائفةً ولم يطلق الخبر. وقد رَوَى الإمام أحمد أنه قال معاذ عند موته: أدخلوا على الناس، ولما دَخَلُوا حَدَّث بهذا الحديث. والعجبُ أنه قال هذا القائل: إنما خَصَّ الخواصّ دون العوام؛ لأن هذا من الأسرار الإلهية فالخطأ نقلًا وعقلًا.
فإن قلت: هذا الحديث من مسندات أنس أم من مسندات معاذ؟ قلتُ: قول أنس بعده: ذَكَر لي أن النبي ﷺ قال لمعاذٍ، يدل على أن أنسًا لم يسمعه من رسول الله ﷺ ، وإن كان هذا السياق مشعرًا بأنه سمعه. وأما أن البخاري ذكر في الترجمة القوم، والمذكور في الحديث رجل واحد، فلا يقدح في غرضه؛ لأن القوم يقاس على الواحد قياسًا جليًّا والله أعلم.
١٢٩ - (مسدّد) بضم الميم وفتح الدال المشددة (معتمر) من الاعتمار -بكسر الميم- قال الغساني: سقط من نسخة أبي زيد ذكرُ مسدد، ولا بُد منه، قال: وسقوطه من القابسي.
(سمعتُ أنسًا قال: ذكر لي أن النبي ﷺ قال لمعاذ: مَنْ لقي اللهَ لا يُشركُ به شيئًا دَخَل الجنة) هذا تعليقٌ من أنس، وذلك أن معاذًا أخبر به عند موته بالشام، وكان أنس بالعراق.
واللقاء كناية عن الموت، وصَرّح هنا بدخول الجنة؛ لأن التحريم على النار أعم مفهومًا منه، إلا أنهما متلازمان لقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
стр. 258
٥١ - بَابُ الحَيَاءِ فِي العِلْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ».
١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
باب: الحياء في العلم
قد تقدم أن الحياء يُمَدُّ ويقصر، وهو أمر وُجداني إنه ينبه عليه بأنه انقباض النفس مخافةَ المذمة واللوم في العاقبة، وقد تقدم على ذلك الكلام مستوفى في باب الحياء من الإيمان.
(وقال مجاهد: لا يتعلمُ العلم مستحيٍ ولا مستكبر) لفظُ مستَحي بالياء، ويُروى بدونه، وكلام مجاهد ظاهر مشاهد وكم ترى من مستغرق في الجهل حياءً من أن يقال في شأنه: لا يعلم لو تلمذ، وكم من جاهل يقول: أنا ابن فلان كيف أتلمذ للناس (نعم النساء نساء الأنصار) كذا في الروايات: نعم، بدون التاء، ووجودها أَوْلى لأن هذا اللفظ وإن كان لفظ الجمع، إلا أنه لا فاصلة بين الفعل وبينه.
١٣٠ - (محمد بن سَلَام) بتخفيف على الأشهر (أبو معاوية) محمد [بن] خازم -بالخاء المعجمة وزاي كذلك- الضريرُ (عن زينب بنت أبي سَلمَة) بفتح اللام والسين (عبد الله بن عبد الله) الأسدي، هو أخو رسول الله ﷺ رضاعًا، أولُ من هاجَرَ إلى الله (عن أم سَلَمة) زوجة رسول الله ﷺ بنت أبي أمية، واسمُها هند (جاءت أمُ سلَيم) -بضم السين على وزن المصغر- بنت ملحان الأنصارية النجارية، واسمُها سهلة. وقيل: رُمَيْلة أو رُمَيْثة أو مُليْكة أو أُنَيْقة. الأربعة على وزن المصغر. ويقال لها: الغُميْصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة، ورُمَيْصاء -بالراء المهملة وصاد كذلك- أم أنس بن مالك، ومحلُّها من الدين والشجاعة معروف يوم حُنين، لما انهزم المسلمون ثبتتْ مع رسول الله ﷺ ، وكانت حاملةً، وهي متم، وبيدها خنجر.
стр. 259
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا رَأَتِ المَاءَ» فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا». [الحديث ١٣٠ - أطرافه في: ٢٨٢، ٣٢٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١].
١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ
ــ
(هل على المرأة غسلٌ إذا احتلمت)؟ الحلم هو الرؤيا الذي يراه النائم، إلا أن الحلم اشتهر في الشر، والرؤيا في الخير. والمراد هنا: ما تراه المرأة من الواقعة مع الرجل. يقال: حلم -بفتح اللام- واحتَلَم بمعنى واحد (وقال النبي ﷺ : إذا رأت الماء) فإن خروج الماء هو الموجب في الرجال أيضًا، إلا أن خروجه ربما يخفى، فأقام الشارعُ التقاء الختانين مقامه، لكونه مظنةً له، كما أقام السفر مقام المشقة، لكونه مظنة للمشقة.
(فغَطّتْ أم سلمة، تعني: وَجْهَها) هذا مُدرَجٌ من الراوي وهي زينب، وقوله: تعني وجهها. إدراجٌ في الإدراج؛ الأول من كلام عروة (قالت يا رسول الله وتحتلم المرأة؟) عطف قصة على أخرى بتقدير الاستفهام، وقد يُروى: أو تحتلم؟ فالهمزة داخلة على فعل مقدّر، أي: أتقولُ ذلك؟ (قال: نعم).
(تربتْ يمينُكِ، فبمَ يُشْبِهُها وَلَدُها؟) ترب: -بفتح الباء وكسر الراء- كنايةٌ عن الفقر. يقال: ترب أي: افتقر حتى لصق بالتراب. قال ابن الأثير: لفظه لفظُ الدعاء وتبعه غيره، ولكن لم يرد به ذلك، بل يجري في العتاب على تقصير يقع من المخاطب.
قال ابن بَطّال: الحياء إذا كان للإجلال حَسَن، كما فعلت أم سلمة. قلتُ: لو كان كذلك لَما قال لها: "تربت يمينُك"، بل إنّما عاتبها على أنها كانت أَوْلى بالسؤال؛ إذ لا حجاب بينها وبين رسول الله ﷺ ، أخبرها رسول الله ﷺ . أَلا ترى أن عائشة مَدَحتْ نساءَ الأنصار بعدم الحياء في التفقه في الدين؟
١٣١ - (إسماعيل) هو ابن أبي أويس ابن أخت أبي مالك بن أنس
стр. 260
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا».
٥٢ - بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ،
ــ
(إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقُها وهي مَثَل المسلم) -بفتح الميم والثاء- أي: شأنها شأن المسلم (لأن تكون قُلْتها) -بفتح اللام- جواب القسم أي: لأن تكون موصوفًا بذلك القول (أحبّ من كذا وكذا) كناية عن الأشياء. أي: من الدنيا وما فيها، أو من حُمْر النَّعم كما جاء في بعض الروايات وأحاديث الباب كلها دلّت على أن تركَ الحياء محمودٌ في كسب العلم والفضائل.
باب: من استحيا فأَمَرَ غيرَهُ بالسؤال
١٣٢ - (مسدّد) بضم الميم وفتح الدال المشددة (عن الأعمش) هو سليمان بن مهْران (عن منذر الثوري) بكسر الذال المعجمة والثور: بلفظ الحيوان (عن محمَّد بن الحنفية) نسبةً إلى بني حنيفة، ونسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس، كانت من سبي بني حنيفة في زمن الصديق، روى أبو داود عن علي بن أبي طالب أنه قال لرسول الله ﷺ : إنْ وَلَدَ لي وَلَدٌ بعدك، أسميته باسمك وأكنيتُه بكنيتك؟ قال: "نعم لَكَ خاصةً" روى أنس قال لعلي: يا أبتاه حيث لك أمر من أمور الحروب تبعثني إليه، والحسن والحسينُ لا تَبْعَثْهما. قال: يا بُنيّ، أنت اليد اليمنى، وهما العينان، أبقي
стр. 261
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ». [الحديث ١٣٢ - طرفاه في: ١٧٨، ٢٦٩].
ــ
باليمين العين. مناقبُهُ لا تُحصى، وعند بعض الروافض أنه الإمام المهدي المنتظر، وأنه مقيمٌ بجبل رضوى، ولهم في ذلك أشعارٌ.
(عن علي قال: كنت رجلًا مَذّاءً) -بفتح الميم وتشديد الذال المعجمة- من المذي -بفتح الميم وذال ساكنة- ماء أبيض يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء أو تخيُلهِنّ (فأمرتُ المقداد) -بكسر الميم بعده قاف- هو ابن عمرو البهراني ثم الكندي ثم الزهري، اشتهر بابن الأسود، لأن أسود بن عبد يغوث تَبَنّاه، وقيل: تزوج أُمَّه، ويجوزُ وقوعُ الأمرين، من السابقين الأولين والموصوفين بالشجاعة شهد بدرًا، قيل: ولم يكن مع رسول الله ﷺ فارسٌ سواه، وله كلامٌ سيأتي حين شاور رسول الله ﷺ الأصحاب في غزوة بدر، يدل على علو كعبه في الدين والشجاعة (فقال: فيه الوضوء) وكان الأمر فيه مشتبهًا على عليٍ، لأنه ليس من جنس البول، ولا من جنس المني.
ومن فقه الحديث: أن الأحرى بالأصهار أن لا يذكروا شأن المرأة مع الأحماء. وفيه أن معرفة فروع الدين يكفي فيه خبر الواحد، والاكتفاء بالظن مع القدرة على اليقين. والظاهر أن عليًّا لم يكن حاضرًا عنده، لقوله: يغسِلُ ذكره.
فإن قلتَ: قد جاء في الرواية الأخرى: "اغسِلْ ذكرك". قلتُ: الخطاب للمقداد كأنه ظن أنّه السائل، لكن في رواية النسائي أنه سأله وعليٌ حاضر. ولا يقدحُ في الاستدلال بخبر الواحد، لأن عليًّا لم يقل: اسأله وأنا حاضر.
стр. 262
٥٣ - بَابُ ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ
١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ،
ــ
باب: ذكر العلم والفتيا في المسجد
تقدم مرارًا أن الفُتاء -بالضم- والفتوى -بالفتح- جواب الحادثة من الفتاء، وهو حداثة السن.
١٣٣ - (قُتيبة بن سعيد) بضم القاف على وزن المصغر (أن رجلًا قام في المسجد) اللام فيه للعهد وهو مسجد رسول الله ﷺ ، فالمعرفة المعادة ليست عينَ الأولى؛ لأن غرضَ البخاري الاستدلالُ بالحديث على الجواز في كل مسجد (فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نُهِلَّ) -بضم النون وتشديد اللام- من الإهلال، وهو رفع الصوت، والمرادُ به الإحرامُ بالحج؛ لأنه سئل عن تعيين مواقيت الحج والإهلالُ من لوازم الإحرام عادة (يُهِلُّ أهلُ المدينة من ذي الحُلَيفة) بضم الحاء على وزن المصغر.
قال النووي: هو أبعدُ المواقيت من مكة، بينه وبين مكة عشرُ مراحل أو تسعة. ومن المدينة على ستة أميال. والمراد بأهل المدينة: من كان طريقه ذاك، سواء كان مقيمًا بالمدينة أو آفاقيا وكذا حكم سائر المواقيت مع المارّين بها.
(ويهل أهلُ الشام من الجُحفة) -بضم الجيم وسكون الحاء- كانت قرية تُسمى مَهْيعة -بفتح الميم وسكون الهاء- أجحف السيل بأهلها أي: ذهب، فَسُميت جحفة وهي الآن على طريق أهل مصر وهم لا يُحرِمون به، بل في محاذاته بمكانٍ يقال له: رابغ بالباء الموحدة وغين معجمة وكانت تلك القرية مسكنَ اليهود، فسأل رسول الله ﷺ ربَّه تعالى أن ينقل حُمَّى المدينة إليها، وكنتُ عام إحدى وأربعين وثمانمئةٍ حاجًا مع أهل مصر، فسألتُ بعض العارفين بتلك البقاع: لِمَ لم تحرموا بالجُحْفة، فذكر لي أنه من بات بها يحصل له الحمى من أثر دعاء رسول الله ﷺ .
стр. 263
وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [الحديث ١٣٣ - أطرافه في: ١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٣٤].
ــ
(ويُهل أهلُ نجد من قرن) النَجْدُ -بفتح النون وسكون الجيم- ما ارتفع من أرض الحجاز، وما انخفض فهو تهامة، وقرن بفتح القاف وسكون الراء ويقال له: قرن المنازل وقرن الثعالب، قاله ابنُ الأثير. بينه وبين مكة نحو من مرحلتين وغلط الجوهري فيه من وجهين: أحدهما: أنه قال بفتح الراء والثاني: قال: وإليه يُنسب أُويس القرني. وقرن -بفتح القاف والراء- قبيلة بيمن بطن من مراد باتفاق أهل الحديث، إليها ينسب أُويس (ويهلُ أهل اليمن من يَلَمْلَم) بفتح الياء واللام على وزن غَضَنْفَر ويقال: ألملم -بالهمزة موضع الياء- جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، واتفقت الرواياتُ على عدم تنوينه اعتبارًا للبقعة.
قال بعض الشارحين: فإن قلتَ: الواو في ويزعمون للعطف، فما المعطوف عليه؟ قلتُ: هو عطف على مقدّر، وهو قال رسول الله ﷺ ذلك، ولا بُدّ من هذا، لأن الواو لا تدخل بين القول والمقول. هذا كلامُهُ. وهو سهوٌ ظاهر، لأن ويزعمون هو مقول قول ابن عمر، ولا مقول بعده حتى يقال مثل هذا بل هو مقول ابن عمر أي: الذي أقوله ما ذكرت.
(ويزعمون أن رسول الله ﷺ قال غيره أيضًا): الزعمُ هنا بمعنى القول المحقق، لأن القائل صحابي فلا يجوزُ أن ينسبه ابن عمر إلى الزور والقول الباطل.
(وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه) يقال: فقه -بالكسر يَفْقَهُ- بالفتح- إذا فهم، وفقُه -بالضم- إذا صار فقيهًا. قيل: إنما قال ابن عمر لم أفقه هذه من رسول الله ﷺ مع أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، من غاية ورعه، وفيه سهو ظاهر لأن ابن عمر صرح في كتاب الحج بعدم السماع من رسول الله ﷺ .
стр. 264
٥٤ - بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ،
ــ
باب من أجاب السائل بأكثر مما سئل
كذا في أكثر النسخ وهو بنزع الخافض أي: بأكثر كما في بعضها.
١٣٤ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، تقدَّمَ بعضُ مناقبه في باب كتابة العلم (وعن الزهري) إشارة إلى تحول الإسناد فكما روى ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر فكذلك رواه الزهري (عن سالم عن ابن عُمر). (أن رجلًا سأله ما يَلْبَسُ المحرِم؟) ما: استفهامية. وقيل: موصولة أو موصوفة بنزع الخافض أي: عما يلبس وهذا تكلُّف وعدولٌ عن الظاهر ويردّه ما سيأتي في كتاب الحج من رواية ابن عمر أن رجلًا قال يا رسول الله: ما يلبسُ المحرِمُ؟ فإن نزع الخافض لا يعقل مع قال وهو ظاهر (لا يلبَس القميص) -بفتح الباء- يقال: لبِس بالكسر يَلْبَسُ بالفتح في لبس الثوب، ولَبَسَ بالفتح يلبِس بالكسر إذا خلط وستر، والرواية بالرفع نفي في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، وذلك لأنه إخبار، فكأنه نهى عنه فانتهى فأخبر عن ذلك الانتهاء، (ولا السراويل) قيل: لفظ عجمي. وقيل: عربي لا مفرد له، وقيل: مفرده سروالة. وأنشدوا:
عليه من اللؤم سروالة ... فليس يرق لمستضعف
(ولا البُرنس) بضم الباء وسكون الراء قال الجوهري: قلنسوة طويلة، كان النُسَّاك يلبسونها في صدر الإِسلام. قلت: وكذا يلبسها أهلُ المغرب. وإنما أعاد لفظة لا في المعطوفات، لئلا يتوهم تعلُّق الحرمة بالمجموع من حيث المجموعُ.
قال بعضُ الشارحين: إنما عطف البُرْنس على العمامة لتغطيه بالمعتاد وغيره. قلتُ:
стр. 265
وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ». [الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤،
٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢].
ــ
هذا إنما يصح لو لم يكن في صدر الإِسلام لبس البرنس معتادًا، ولا ثوبًا مسَّه الورس -بفتح الواو وسكون الراء -نبتٌ أصفر يُصبَغُ به. قال الشارح المذكور: إنما غير الأسلوب هنا ليدل على عموم الحكم للمذكر والنساء. قلت: الحكم عام ولكن لا تَغَير في الأسلوب.
فإن قلت: سؤال السائل إنما كان عن شيء يجوزُ لبسه فلم ذكر في الجواب ما لا يجوزُ لبسه؟ قلتُ: لأن المحرمات أقلّ من المباحات، فكان ذاك أخصر في الجواب وسلوك مثله واجب عند البلغاء. وما يقال: إنما عَدَلَ عن ظاهر الجواب تنبيهًا على أن الأولى بحال السائل السؤال عما لا يجوزُ لبسه، لأن الحرمة عارضة، فليس شيء إذ هو بصدد ذلك، لا أنه يريد تعلّم المسألة حتى يقال: هذا عارض وذاك أصلي، لأن الإنسان إنما يسأل عن شيء يفعله يدلّ عليه ما سيأتي في كتاب الحج من قول البخاري باب ما يلبس المحرم؛ إذ لو كان الأمرُ على ما ذكره، كان القياسُ أن يقول: باب: ما يلبس المحرم.
فإن قلت: ما الحكمة في منع المحرم عن الأشياء المذكورة؟ قلت: تركًا للزينة؛ لأن الحاج أشعث أغبر، كما قاله رسول الله ﷺ .
فإن قلتَ: لم يستوف المحرمات كالعباءة والجبة؟ قلتُ: اكتفى بالقميص، فإنه يقاس عليه كل مخيط.
واعلم أنه اشتهر في عبارات الفقهاء أن الحاج لا يلبس المخيط، ولكن ذاك مقيَّد باللبس على وجه الإحاطة بالبدن، وأما لو ارتدى أو تأزر بالمخيط فلا بأس به.
(فَلْيَلْبَس الخفين وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين) الأمر الأول للإباحة، والثاني للجواب.
فإن قلتَ: قطع الخف إفسادٌ للمال؟ قلتُ: الحَسنُ ما قاله الشارع، وليس لأحدٍ معه بحث. ألا ترى أنه أشعر وأمر به، ولم يكن لأحدٍ أن يقول: إنه تعذيب الحيوان. هذا آخر كتاب العلم. رب زدني علمًا.
стр. 266
٤ - كِتَابُ الوُضُوءِ
١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾.
ــ
كتاب الوضوء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
أردف كتاب العلم بكتاب الطهارة، لأنها شرط الصلاة التي هي عماد الدين.
والوضوء -بضم الواو- مصدر من الوضاءة وهي الحُسْن والجمال، ومثله: الطُهور بضم الطاء، وأما الوَضوء والطَّهور -بفتح الواو والطاء- فالماء الذي يتوضأ به. هذا هو المشهور المتداول على الألسنة في الروايات، وحكى الأصمعي والأزهري الفتح فيهما، وصاحب "المطالع": الضم فيهما، واستدل عليه بالآية الكريمة. ولما كان الكلام فيه مجملًا بَيّن إجماله بقول رسول الله ﷺ إن المأمور به في الآية هو إيقاع الفعل مرةً واحدة، لأنه الأقل المقطوع به، فإن الأمر بالشيء يقتضي إيجاده في الجملة.
واختلف في سبب وجوبه والصحيحُ أنه إرادة القيام إلى الصلاة، وفي وقت وجوبه والصحيحُ: أنه أول ما نزل عليه الوحي بمكة علّمه جبريل. رواه الإمام أحمد. وكان واجبًا عند كل صلاة ثم نُسخ. رواه أبو داود.
стр. 267
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ».
ــ
(أن فرضَ الوضوء مرةٌ مرةٌ) بالرفع خبر أنّ والمعنى: أن الفرضَ في كل عضو مرة واحدة، ولهذا المعنى أعاد لفظ مرة. ويُروى بالنصب. قيل: على لغة من ينصب بالحروف المشبهة الاسم والخبر كقول الشاعر:
إن حُرَّاسَنا أسدًا
وأما على المصدر أي: فرض الوضوء الغَسْلُ مرةً واحدة. وقيل: أو نصب على الظرفية أي: في الزمان المسمّى بالمرة، وهو لغوٌ من الكلام، لأن المرةَ من صفات الفعل الذي من شأنه المرةُ والتعددُ، وليس في الزمان ما يمكن أن يكون موصوفًا بالمرة والتعدد.
(وتوضأ مرتين مرتين وثلاثًا) أي: وثلاثًا ثلاثًا، وإنما حذف الثاني منه، لدلالة تكرار مرتين عليه، لأنه قرينه. وأما حمل مرة ومرتين ثانيًا على التأكيد، منافٍ لغرض البخاري؛ إذ لا يخفى أن مراده أن رسول الله ﷺ بَين مراتب الوضوء بغسل كل عضو مرةً ومرتين وثلاثًا، وإذا حُمل على التأكيد لم يبق للكلام على ذلك دلالة بوجه، وكذا حمله على أن المراد مرة في هذا الوضوء، ومرة في ذلك الوضوء باعتبار الجزئيات لأنه بصدد بيان الآية، الآمرة بغسل الأعضاء هل تكفي مرة أو لا. فلو حمل على أن المعنى مرة في هذا الوضوء، ومرةً في ذلك الوضوء لم يكن تفسيرًا وبيانًا للآية.
(وكره أهلُ العلم الإسراف فيه) الإسرافُ التجاوزُ عن الحدّ المتعارف كمن غسل الأعضاء أربع مراتٍ. هذا هو الإسراف الذي كرهه العلماء، لأنه مخالف للشارع فيما شرعه على وجه الكمال، وليس بعد الكمال إلا النقصانُ، والتبذيرُ أخصُّ من الإسراف، لأنه في الإنفاق لا غير.
وقوله: (وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ ) كالتفسير للإسراف. وقيل: الإسرافُ: صرفُ ما ينبغي إلى ما لا ينبغي زائدًا على ما ينبغي. وهذا لا يتناول الإسرافَ في الذنوب والقبائح.
стр. 268
١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. [الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤].
ــ
باب: لا تُقبَلُ صلاةٌ بغير طهور
الطهور -بضم الطاء- مرادف الوضوء الذي هو شرط الصلاة، هذا هو المشهور، وقد تقدم آنفًا أنه يجوزُ فيه الفتحُ أيضًا، والطهور والوضوء -بالفتح- هو الماء الذي يُتوضأ به على المشهور، وإن جاز الضم أيضًا.
١٣٥ - (إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) -بفتح الحاء وسكون النون والظاء المعجمة- نسبة إلى حنظلة، قبيلة من تميم، هو ابن راهويه (مَعْمَر) بفتح الميم بينهما عين ساكنةٌ (عن هَمّام بن مُنَبه) -بفتح الهاء وتشديد الميم ومنبه- على وزن اسم الفاعل -بباء مكسورة مشددة (لا تُقبل صلاةُ من أحدَثَ حتى يتوضأ) إنما قال: صلاة من أحدث، ولم يطلق اللفظ لأنه إذا لم تقبل ممن أحدث بعد الوضوء، فإذا لم يكن له وضوء سابقٌ من باب الأَوْلى (فقال رجل من حضرموت: ما الحدثُ يا أبا هريرة؟ قال: فساءٌ أو ضراطٌ) كلاهما بضم الأول، وحضرموت: بلد بيمن أو قبيلة. قاله الجوهري.
فإن قلتَ: تفسير أبي هريرة قاصرٌ عن مراد السائل، لأنه يريد معرفة الحدث الذي أشار إليه بأنه لا تصح الصلاة معه؟ قلت: الكلام إنما هو في الحدث في الصلاة، ولا يمكن من أسباب الحدث في الصلاة إلا ما قال أبو هريرة.
فإن قلت: النوم أيضًا من النواقض وهو ممكنٌ في المسجد أيضًا؟ قلتُ: من حيث هو ليس ناقضًا. ألا ترى أن المتمكن في الجلوس نومه ليس بناقض، وإنما عُد من النواقض لأنه مظنة خروج خارج. وسيأتي في حديث عَباد أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينصرف حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا". وهذا إنما يكون إذا اشتبه عليه، هل خَرَج شيءٌ أم لا، وإذا تيقن بذلك، فلا يتوقف على وجود صوت أو ريح.
قال النووي: اختلف في موجب الوضوء، قيل: الحدث. وقيل: القيام إلى الصلاة، وقيل: كلاهما، وهذا هو المختار. وفي قولهم: القيام إلى الصلاة تسامحٌ، أي: إرادة القيام
стр. 269
١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ
ــ
إلى الصلاة، لأن القيام متأخر عن الوضوء، والمتقدم عليه إنما هو الإرادة، والمراد الوضوء أو بدله وهو التيمم، وإنما اقتصر على التوضؤ لأنه الأصل والأكثر.
وقوله: قال رجلٌ. من كلام الهَمَّام.
باب: فضل الوضوء والغرّ المحجلين من آثار الوضوء
الوضوء المذكور أولًا بالضم، والمذكور ثانيًا بالفتح، لأن المراد بالأول الفعلُ، وبالثاني الماء الذي يتوضأ به. هذا على الأشهر الذي أشرنا إليه، فإن الآثار به أوفق، وتلك الآثار الأنوار الساطعة على أعضاء الوضوء. والكلامُ على طريقة التشبيه البليغ، لأن الغر جمع الأغرّ. وهو لغةً فرس يكون في جبهته بياض فوق الدرهم. والمحجَّل الذي في قوائمه البياض إما في كلها أو بعضها. قال ابن الأثير: ولا يكون التحجيل في اليد واليدين، [ما] لم يكن مع ذلك في رجل أو رجلين. وشرطه أن يجاوز الركبتين.
١٣٦ - (يحيى بن بُكَير) بضم الباء على وزن المصغر (عن نُعيم المُجْمِر) -بضم النون على وزن المصغر -والمُجْمِر- على وزن المكرِم-: الذي يضع المجامر. وقيل: إنما قيل له ذلك المجمر، لأنه كان يُجْمِرُ مسجد رسول الله ﷺ . قاله إبراهيم بن الحربي.
(سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غُرًّا محجلين) حالان مترادفان، أي: يُدعون إلى الحساب أو إلى الجنة والحال بأنهم بهذه الصفة. ويجوزُ أن يكون الدعاء بمعنى التسمية كما قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] فانتصابهما على أنهما مفعولان.
فإن قلت: هل فيه دلالة على أن هذا لا يكون لغير هذه الأمة؟ قلتُ: هذا لا دلالة فيه إلا أن رواية مسلم: "لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم" صريحة في الاختصاص.
فإن قلت: هل لذلك حدٌّ؟ قلتُ: حدّ التحجيل أن يجاوز المرفق والكعب وقيل: إلى نصف العضد والساق. وقيل: إلى المنكب والوسطُ هو المختار، وأصل السنة تحصل بالزيادة على محل الفرض أيَّ قدر كان، وما ينقل عن ابن بطال والقاضي: لا يزيد على محل
стр. 270
الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» [مسلم: كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل، رقم: ٢٤٦].
٤ - بَابُ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ
١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، ح وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ،
ــ
الفرض لقوله في الحديث الآخر: "من زاد أو نقص فقد تعدى وظلم" مما لا يعول عليه، كيف لا وقوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته فليفعل) صريحٌ في الزيادة على محل الفرض، وإنما اقتصر على ذكر الغُرة؛ لأنه أشقّ لاحتياجه إلى رفع العمامة ونحوها، ولذلك قيده بالاستطاعة، وفي ذكرها أيضًا دفع توهم الوجوب من لفظ الأمر، أو لأن الوجه أشرف وأول ما يقع عليه النظر على أن في رواية مسلم ذكرهم معًا.
ومن فوائد الحديث جوازُ التوضؤ على سطح المسجد، وإذا جاز على سطحه جاز في المسجد، لأن سطح المسجد مسجدٌ، والمراد من الاستطاعة هنا اليُسْر لا القدرة على الفعل.
باب: لا يتوضأُ من الشك
الشك: تساوي الطرفين، ولا يتصور معه حكم. ومن قال: الشك أن يعتقد الطرفين على السواء، فقد سَها، وإنما نشأ وهمُهُ هذا من إدخال الشك في تقسيم الحكم. قال المحققون: إنما ذكروا الشك في معرض تقسيم الحكم، ليحصل به كمال التمييز لا أنه داخل في المُقسَم.
١٣٧ - (عن سعيد بن المسيَّب) -بفتح الياء المشددة- على الأشهر (عَبّاد بن تميم) -بفتح العين وتشديد الباء الموحدة المشددة -هو ابن غزية -بفتح الغين المعجمة وكسر زاي كذلك- ثم ياء مثناة مشددة الأنصاري المازني. اختلف في رؤيته رسول الله ﷺ (عن عمّه) أي: عمّ عَبّاد وهو عبد الله بن زيد بن عاصم أخي أبي عَبَّاد. قال النووي: هذا غير صاحب الأذان، ذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربّه. قال: وغلط فيه سفيان بن عُيينة، وزعم أنه ذاك.
стр. 271
أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [الحديث ١٣٧ - طرفاه في: ١٧٧، ٢٠٥٦].
٥ - بَابُ التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ
١٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
ــ
وممن نَّص على غلطه البخاري في كتاب الاستقساء، وقال: لا يُعرف لصاحب الأذان حديثٌ غير حديث الأذان. وقوله: عن عمه. يتعلق بعَبّاد، وسعيد بن المسيب، فإن كلا منهما يروي الحديث عنه، وحمل سعيد على الإرسال بعيد عن السياق.
(شُكي إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يُخَيَّل إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة) شُكي -بضم الشين علي بناء المجهول -والشكاية رفع أمرٍ يصيبُ الإنسانَ مما يكرهه إلى من يقدر على إزالته. أي: أنهى حال الرجل الذي يَشك في الصلاة، هل خَرَج منه ما نقض الوضوء أم لا. ويروى علي بناء الفاعل والوجهُ فيه أن يكون الفاعل عمَّ عباد، لما سيأتي في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بدون لفظ الشكاية، عن عَباد عن عَمّه. وقيل: الفاعل على هذه الرواية الرجل الذي يُخيَّل إليه وليس بوجه، إذ لو كان كذلك، كان الواجب ذكر الرجل نكرة أي: واحد من الرجال، وأيضًا على هذا التقدير كان المناسب لا يتعرف بلفظ الخطاب، وهذا ظاهر لمن له ذوقٌ في درك خواصّ التراكيب.
ومن فقه الحديث أن الشك لا حكم له مع سبق اليقين، والحديث دل على أن المراد بالشك في الترجمة ما عدا اليقين، لأن وجدان الريح وسماع الصوت بديهيان، وعليه العلماء سوى مالك.
باب: التخفيف في الوضوء
١٣٨ - (سفيان) هو ابن عُيينة (عمرو) هو ابن دينار (كُريب) على وزن المصغر مولى ابن
стр. 272
نَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّى - وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى - " ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ «فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا يُخَفِّفُهُ - عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ -، وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ، عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ،
ــ
عباس (نام حتى نَفخَ) كناية عن كمال النوم والنفخُ -بالخاء المعجمة- معروف، والمراد به صوت نَفَس النائم (ثم حدثنا سفيان) هذا من كلام علي بن عبد الله. وقد يوجد في بعض النسخ قَبْل ثم لفظ (ح) التحويل، وليس له وجه وذلك أن الأسناد هو ذلك الإسناد، غايته أن سفيان روى أولًا الحديث مختصرًا، ثم رواه مطولًا، وكأنه تذكر تلك الزيادة بعد النسيان (مرةً بعد مرة) أي: مرارًا كثيرةً (فلما كان في بعض الليل) ويروى من بعض الليل، وعلى هذا يجوزُ أن يكون من اسم كان، لأنها بيانية، ولا حاجة إلى القول بزيادة: من، في الإثبات، وجعل (كان) تامة (قام رسول الله ﷺ فتوضأ من شَنِّ مُعَلَّق) بالشين المعجمة والنون مشددة أي: قِرْبة عتيقة، وإنما كانوا يستعملون العتيق من القِرَب، لأنها تبرد الماء، وطعمُ الماء فيها أطيبُ (وضوءًا خفيفًا يخففه عمرو ويقَلّله) فالمراد به أنه لم يتأنّ فيه على دأبه، وليس المراد بالتخفيف غسلَ الأعضاء مرةً مرة لما سيأتي في البخاري: "أنَّه توضأ وضوءًا حسنًا". قال النووي: أي: بين الإسراف والإقتار، وهذا صريح في أنه لم يقتصر على مرة واحدة، فإنها الإقتار؛ إذ لا وضوء بدونه.
فإن قلت: قال أولًا: فقام، ثم قال: قام وليس هناك إلا قيام واحد؟ قلتُ: في نسخ البخاري كذا وقع، وقيل: في رواية أبي ذر: قيام. قال القاضي: وهو الصوابُ أي: قيام في أول الليل، ثم قام. قلتُ: يمكن حمل باقي النسخ على الإجمال والتفصيل، فإنه رواية الثقات.
(فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئتُ فقمتُ عن يساره، فَحَوّلني فجعلني عن يمينه)
стр. 273
اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ» قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ،
ــ
أي: توضأتُ وضوءًا خفيفًا بين الإسراف والإقتار. قيل: إنما قال: نحوًا مما توضأ ولم يقل: مثل ما توضأ، لأن مثل وضوئه لا يقدر عليه أحدٌ، وهذا الذي قالوه مردودٌ نقلًا وعقلًا؛ أما نقلًا فلِما في رواية مسلم عن عثمان بن عفان أنه توضأ ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي، ثم قال: من توضأ هكذا.
وأما عقلًا فلأن الوضوء ليس من الأمور الغامضة، بل هو أمر محسوس وله حد محدود، كيف والصلاة التي هي أعظم العبادات المشتملة على الفرائض والسنن والآداب قال فيها: "صلوا كما رأيتموني أُصلي". واتفق أهلُ البلاغة على عدم التفرقة بين أدوات التشبيه. وسيأتي في رواية ابن عباس: فصنعتُ مثلَ ما صَنَعَ وجاء في رواية البخاري أيضًا في أخر الكتاب (ثم اضطجع فنام حتى نَفَخَ ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة) بالمد أي: أعلمه. والمنادي: هو المؤذن. يقولون: إن رسول الله ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبُهُ. قد جاء في البخاري في رواية عائشة: قلتُ: تنام يا رسول الله قبل أن توتر؟ قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" وإذا كان قلبه يقظان فهو ضابط للوضوء، لأن النواقض في حالة النوم لا تتعلق بالعين، ولا هي من مدركاته. وما يروى أنه توضأ بعد القيام من النوم، فلأنه ربما يحصُلُ له الاحتياج إليه بعد القيام من النوم، أو أراد تجديد الوضوء كما هو دأبه في أنه كان يصلي كل صلاة بوضوء كما سيأتي من رواية أنس، ومن قال: إنما توضأ لأنه كان يعلم أنه استثقل نومًا يحتاج معه إلى الوضوء، فقد قال منكرًا من الكلام؛ فإن قوله: "تنام عيني ولا ينام قلبي" شامل لجميع أقسام نومه، ولذلك كان رؤياه في تلك الأحوال كلّها وحيًا.
(قال عمرو: سمعتُ عُبيد بن عمير) بتصغير الاسمين (يقول: رؤيا الأنبياء وحيٌ.
стр. 274
ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [طرفه في: ١١٧]
٦ - بَابُ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ الإِنْقَاءُ».
١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ
ــ
ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
استدل بالآية على أن رؤيا سائر الأنبياء وحي، ويلزم منه أن لا يكون نومُهم ناقضًا، ومن فقه الحديث: استحبابُ قيام الليل، وجواز الاقتداء في النوافل، واستحباب القيام على يمين الإمام إذا كانا اثنين، وإن قام على يساره فللإمام أن يُحَوّله إلى يمينه، ومثله لا يكون مكروهًا ومبطلًا.
باب: إسباغ الوضوء
الإسباغ: إفعال من السبوغ وهو الشمول والتمام.
(وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء: الإنقاء) -بكسر الهمزة، والقاف والمد-: التطهير والتنظيف من النقاء -بفتح النون والمد -وهو النظافة وهذا تفسيرٌ للإسباغ باللازم.
١٣٩ - (عبد الله بن مَسْلَمة) بفتح الميم واللام (كُريب) بضم الكاف على وزن المصغر (أسامة) بضم الهمزة (ابن زيد) ابن حارثة، حِبّ رسول الله ﷺ وابن حِبّه، أمه أم أيمن حاضنةُ رسول الله ﷺ . وكان يقول: "هذه أمي بعد أمي". وستأتي مناقبه.
(دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشِّعب) دفع: فعل متعدّ، قال ابن الأثير: تقديره: دفع نفسه أو ناقته.
قال بعضُ الشارحين: فإن قلتَ: عرفة اسم الزمان وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، فما المراد منه؟ قلتُ: المراد إما الزمان أي رجع من وقوف عرفة بعرفات، وإما المكان. هذا
стр. 275
فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ فَقُلْتُ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [الحديث ١٣٩ - أطرافه في: ١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢].
ــ
كلامُهُ وقد نبهناك في كتاب الإيمان على أن هذا غلط، ولم يقل أحدٌ من أهل اللغة: إن عرفة اسمٌ لليوم، بل عرفة وعرفات كلاهما اسم للمكان. وإنما التبس عليه من قول الناس يوم عرفة، فظن أن اسم اليوم والتقدير في قولهم: يوم عرفة، يوم الوقوف بعرفة. والشِّعب -بالكسر- الطريق بين الجبلين. قاله الجوهري. والمراد به في الحديث: شعب معهود بين عرفات ومزدلفة.
(فبال وتوضأ فلم يسبغ الوضوء) أي: توضأ وضوءًا تصح الصلاة به، ولكن لم يكن على وجه الكمال ولهذا قال أسامة: (الصلاة) إذ لم يكن وضوءًا كاملًا تصح به الصلاة، لم يكن لقول أسامة وجه. وقد صَرَّح بالوضوء في مسلمٌ والبخاري في كتاب الحج، فسقط ما يقال: أراد بقوله: لم يسبغ الوضوء أنه استنجى لا غيره
(فقال: الصلاة أمامك) أي: تصلي الصلاة أمامَك برفع الصلاة على أنه قائمٌ مقام الفاعل، أو مبتدأ. وأمامَكَ خبره أي: مكانها (ثمَّ أُقيمت العشاءُ) دل بلفظ ثم: على أن المواصلة بين المغرب والعشاء لا يُشترط في الجمع مع التأخير، لأن وقتها باقٍ إلى طلوع الفجر.
فإن قلتَ: دلّ الحديث على أَنْ لا أذان لواحدة منهما؟ قلتُ: جاء في رواية مسلم عن جابر أنه أذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة، والذي هنا محمولٌ على غفلة الراوي عن الأذان.
قال النووي: ضبط جابر حجَّ رسول الله ﷺ ضبطًا لم يشاركه فيه أحدٌ. قال: وصنّف ابنُ المنذر على حديث جابر كتابًا فخرّج عليه مئة ونيفًا وخمسين نوعًا من الفقه.
فإن قلتَ: فقد أذن ابن عمر لكل واحدة. وسيأتي أن البخاري بَوّب على ذلك. قال
стр. 276
٧ - بَابُ غَسْلِ الوَجْهِ بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
ــ
باب من أذَّن لكل واحدة؟ قلتُ: ابن عمر لم يَروِ في ذلك حديثًا ولا يقاوم فعله حديث جابر.
فإن قلت: هل يصلي السنة؟ قلتُ: قوله: لم يصل بينهما لا ينفي جواز السنة بعدهما أو قبلهما. قال الشافعي: يصلي سنة الصلاتين بعدهما لما روى الترمذي عن ابن عمر: صليتُ مع رسول الله ﷺ الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين. وروى أبو داود والترمذي عن البراء: غزوتُ مع رسول الله ﷺ ثماني عشرةَ غزوةً كان إذا زاغت الشمسُ يصلي ركعتين. وقد أنكر ابن عمر على من يصلى السنة وقال: لو صليت السنة لأتممْت الفريضة.
باب: غسل الوجه باليدين من غَرفةٍ واحدةٍ
الغرفة -بالضم- بمعنى المغروف كاللقمة والأكلة. وبالفتح: مصدر غرف للوحدة، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] قُرئ بهما في السبع. قال الجعبري: والمختار بضم الغين، لأن الفتح يحتاج إلى تقدير الماء، وما يحكى أن أبا عمرو بن العلاء، لما قرأ غَرفة، بالفتح، وكان ذلك في أيام إمارة الحجاج بالعراق، فطالبه الحجاج على أن يقيم على قراءته شاهدًا من كلام العرب، فلم يظفر به فهَرَبَ منه إلى اليمن ثم خَرَج يومًا، فإذا هو بأعرابي ينشد شعر أمية بن الصلت:
ربما تكره النفوس من الأمـ ... ـر شيئًا له فرجة كحل العقال
بفتح الفاء فسأله فقال: مات الحجاج. فقال أبو عمرو: لا أدري بأيهما أنا أفرح، بموت الحجاج أم بهذا البيت؟ فباطلٌ أما أولًا: فلأن أبا عمرو ناقلٌ لقراءة متواترة عن أفصح البشر، ولم يكن متفردًا بذلك وافقه نافع وابن كثير، فلا يتوجه إليه الاعتراض، وأما ثانيًا: فلأن أبا عمرو أعلى كعبًا من أن يحتاج إلى الاستدلال على قراءته بقول آحاد الأعراب.
قال الجعبري ناقلًا عنه: لولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما ثبت لقرأتُ حرفَ كذا وحرفَ كذا. وإنما ذكر في هذا الكلام ونبهتُ على غلطه، لأنه منقول في الكتب فيغترّ به من لا خبرَ
стр. 277
١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ،
ــ
له. نعم توارى أبو عمرو عن الحجاج، كما توارى عنه الحسن البصري وغيره لفرط ظلمه وقتله الصحابة والتابعين.
١٤٠ - (محمد بن عبد الرحيم) البغدادي، كان يلقب بالصاعقة بمجرد فهمه (أبو سَلَمة) -بفتح السين واللام- ابن عبد العزيز، واسمه منصور بن سلمة الخُزاعي -بضم الخاء- نسبةً إلى خزاعة قبيلة معروفة (عن زيد بن أسلم) بفتح الهمزة (عن عطاء بن يسار) ضد اليمين (توضأ فغسَلَ وجهه).
فإن قلت: غسل الوجه مقدم على التوضؤ، لأنه جزء من أجزائه، فكيف صَحّ ذكره بالفاء بعده؟ قلتُ: ما بعد الفاء إلى آخره يفصل ذلك المُجمل، والمفصل متأخر عن المجمل.
(أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه) قوله: أخذ غرفة، استئناف يُبَين كيفية غسل الوجه الذي تقدمه، فبين أن المضمضة والاستنشاق مقدمان عليه، وبَين أن الماء يُؤخذ بعد ذلك في إحدى اليدين، ثم يضاف إلى اليد الأخرى، ثم يغسل بها الوجه، ولا يخفى أن هذا إنما يكون إذا صَبَّ الماء من نحو الإبريق، وأما إذا كان حوضًا أو نهرًا فلا يحتاج إلى الأخذ بإحدى اليدين كما في الحديث.
قال بعض الشارحين: المضمضة والاستنشاق ليسا من غسل الوجه. قلتُ: أُعطي لهما حكم الوجه لأنهما في الوجه. هذا كلامه. قلتُ: لو أُعطي حكم الوجه كان غسلهما واجبًا مثله.
стр. 278
ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي اليُسْرَى» ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ.
ــ
فإن قلتَ: ما حقيقةُ المضمضة والاستنشاق؟ قلتُ: المضمضة لغة: تحريكُ الماء في الفم، إلا أن الفقهاء على أنه يكفي مجرّد إدخال الماء في الفم، وأما الاستنشاق فهو: إدخال الماء في الأنف، من: نشق الدابة، إذا كفّ زمامها، وهما واجبان عند الإمام أحمد وابن راهويه تمسكًا بظاهر الأحاديث ولم يحكِ أحدٌ وضوءَ رسول الله ﷺ إلا مقرونًا بهما، وذَهَبَ الشافعي إلى سُنيتهما لعدم ذكرهما في الآية، والفعل لا يدل على الوجوب، وذهب أبو حنيفة إلى وجوبهما في الغسل لقراءة: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، بالتشديد. والفم والأنف ظاهران من وجهٍ، باطنان من وجهٍ، فأَخَذَ بالاحتياط، وذَهَب إلى وجوب الاستنشاق دون المضمضة أبو ثور، وأهل الظاهر، لأن الأنف محلّ الأوساخ ونبات الشعر. قال النووي: في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه:
يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها ثلاثًا ويستنشق ثلاثًا.
والثاني: أن يدخل الماء في فمه مرة، ثم أنفه مرة، ثم يعود إلى الفم، ثم إلى الأنف.
كل ذلك مرة بعد أخرى إلى الثلاث في كل واحد.
والثالث: ثلاث غَرَفات. كل واحدة يقسمها إلى الفم والأنف.
والرابع: بغرفتين، كل واحدة لواحد لكنها يدخلها في ثلاث مرات.
والخامس: ست غرفات ثلاث لهذا، وثلاث لذاك. والأفضل منها الرابع.
وإنما اختصر في الحديث هنا على غرفة، لأنه بصدد بيان فرض الوضوء، ولهذا اكتفى في غسل الأعضاء مرة مرة.
(ثم أخذ غرفة من ماء، فَرَشَّ على رجله اليمنى) أي: صَبَّه قليلًا قليلًا. إما لأنه كذلك رأى من رسول الله ﷺ ، أو لقلة الماء. والظاهر هو الأول لقوله: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ. ومن قال: لا فَرقَ بين الغسل والرش، فقد خالف اللغة والفقه، أما اللغة فلقول الجوهري: يقال: رشت السماء والرش: المطرُ القليل. وقال ابنُ الأثير في "النهاية": الرش: النَّضح. وأما الفقه فلقول الشافعي: يُغْسَل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام قبل أن يطعم. واستدل ابنُ بطال بالحديث على أن الماء المستعمل يطهر، لأنه بأول ملاقاة العضو يصير مستعملًا، فلو لم يكن طهورًا لما صحّ غسل باقي العضو. وفي استدلاله نظرٌ، لأن العضو الواحد له حكم واحد، وما دام الماء جاريًا عليه لا يوصف بالاستعمال.
стр. 279
٨ - بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ
١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ» [الحديث ١٤١ - أطرافه في: ٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٦١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦].
ــ
فإن قلتَ: كان الظاهر ذكر الفاء بدل ثم؟ قلتُ: آثَرَ: ثم، للدلالة على أن الموالاة ليست بشرطٍ؛ لأنه بصدد التعليم، ومثله يجب رعايته.
باب: التسمية عند الوقاع وعلى كل حال
التسمية تقع على معانٍ: الأول: وضع الاسم بإزاء الشيء كقولك لمولود لك: سميت ابني زيدًا، وذكر الشيء باسمه الموضوع له تقول: سمّيت زيدًا أي: ذكرته بهذا الاسم، وتارة يطلق على المسمى، ولا شك أنه مجاز في هذا القسم، ومن المعنى الثاني: قول أُبَي بن كعب لما قال له رسول الله ﷺ : "أمرني الله أن أقرأ عليك القرآن": سَمّاني الله. أي ذكرني بهذا الاسم.
١٤١ - (جَرير) بفتح الجيم على وزن فَعيل (عن سالم بن أبي الجَعْد) بفتح الجيم وسكون العين (عن كُرَيب) بضم الكاف يبلغ به النبي ﷺ أي: أتى برفع الحديث إلى رسول الله ﷺ إما بواسطةٍ أو بدونها، والشك من كُريب. ولذلك قال: يبلُغُ به النبي ﷺ . لكن جاء في سائر الروايات الرفعُ من ابن عباس بلا واسطة.
(لو أن أحدكم إذا أتى أهله) الجملة التي في حيّز لو، في تأويل المصدر فاعل فعل مقدر، لأن لو، لا تدخلُ إلا على الفعل. والتقدير: لو ثبت إتيان أحدكم أهله مقيدًا بهذا القيد، وقوله: (اللهم جَنّبنا الشيطان وجَنب الشيطان ما رزقتنا). وقوله: (فقُضي) عطف على ثبت المقدر. وقوله: (لم يَضُره) جزاء الشرط، والأهل أعمّ من الزوجة والجواري.
فإن قلت: لِمَ جعل الشيطان في الأول مفعولًا ثانيًا، وفي الثاني مفعولًا أول؟ قلتُ: اهتمامًا بشأن الولد المرزوق؛ فإنه سبب وضع الدعاء والسياق له، وذكر الرجل نفسه وقع بالعرض.
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قلت: لم يرو في الباب حديثًا يدل على أحد شقي الترجمة وهو التسمية في كل حال؟ قلتُ: يُعلم من الشق الآخر حكمه، وذلك أنها إذا كانت في حالة الوقاع التي هي أبعدُ الحالات سنَّةً ففي غيرها من باب الأولى.
فإن قلت: مشروعية التسمية عند الوضوء بهذا الحديث على أيّ نوع هو؟ قلت: ندبًا عند الجمهور. وقال بوجوبها أبو بكر بن أبي شيبة لحديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم: "لا وضوء لمن لم يُسَمِّ". قال المنذري: لا يصح في هذا الباب حديث. قلتُ: ولو صحّ كان محمولًا على نفي الكمال.
قال بعضُ الشارحين: وفي الحديث من الأحكام أن التسمية عند ابتداء كل فعل مستحبة إشعارًا بأن الله هو الميسر والمعين، ولذلك استحبّ مالك التسميةَ عند الوضوء، ولا أعلم أن ذكر خصوص مالك لماذا، فإن العلماء كافةً على ذلك سوى ما نقلنا عن أبي بكر بن أبي شيبة. ثم قال الشارح المذكور: فإن قلتَ: ما وجه ترتيب هذه الأبواب؟ وذلك أن التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده وتوسط الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجود يعني أن دخول الخلاء إنما يكون قبل الوضوء، فلا يلائم ذكره بين أفعال الوضوء. ثم أجاب بأن البخاري لم يُراعِ حُسْن الترتيب. هذا كلامه. وليس بشيء، كيف وأدنى من يؤلف أدنى تأليف يراعي ذلك؟! كيف يلقي الأحاديث كيف اتفق مثل البخاري؟! بل قد راعى ترتيبًا انتقاه، وذلك أنه استدل بالآية على أركان الوضوء في أول كتاب الوضوء، ثم أورَدَ فضائله حديث غرّ المحجلين. ثم ذكر ما يناقض الوضوء. ثم ذكر أدنى مراتبه، وما تصحّ به الصلاة، ثم ذكر ما به كمالُ الوضوء من ذكر اسم الله، ثم ما يتعلق به من أمر الخلاء، فقد قَدَم الأهَمّ فالأهم كما ترى.
فإن قلتَ: ما المراد بقوله: "لم يَضُره" لأن أحدًا -غير الأنبياء- لم يَسْلَم من شرّ الشيطان، ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ : "إن تغفرْ اللهم تغفِر جَمًّا، وأيّ عبد لك لا ألما"؟ قلت: المراد الضرر البالغ إنما أطلقه لأنه معلوم.
стр. 281
٩ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ «إِذَا أَتَى الخَلَاءَ» وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ «إِذَا دَخَلَ» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ». [الحديث ١٤٢ - طرفه في: ٦٣٢٢].
ــ
باب: ما يقول عند الخلاء
الخلاء ممدودًا هو الفضاء والمكان الذي لا شيء فيه. قاله الجوهري.
١٤٢ - (صهيب) -بضم الصاد وفتح الهاء- على وزن المصغر.
(كان النبي ﷺ إذا دَخَل الخلاء قال: اللهم إني أعوذُ بك من الخبث والخبائث) لفظ كان، دَلَّ بظاهره على أن هذا شأنه دائمًا. والخُبُثُ -بضم الخاء والباء وقد تسكن الباء تخفيفًا-: ذُكْرانُ الجن، جمع خبيث. قال الجعبري: هذا قياس جمع كل فعيل صفة وفعول. وقول الخطابي: الإسكان غلطٌ. غلطٌ منه.
والخبائث جمع خبيثةٍ: إناث الجن. وقيل: الخبث: جمع خبيث وهو المكروه من الأفعال والأخلاق، والخبائث: جمع خبيثةٍ وهي المعاصي، وإنما يكون هذا الدعاءُ؛ لأن موضع الخلاء وقضاء الوطر والحشوش مأوى الشياطين.
(تابعه ابن عَرعَرَة) أي: محمد بن عرعرة تابعَ آدمَ بن أبي إياسٍ في رواية هذا الحديث، والمتابعةُ تامةٌ؛ لأنها من أول الإسناد، لأن أحد شيخيه وافقَ الآخر.
(وقال غُنْدَر) -بضم الغين المعجمة ودال مهملة- وهذا تعليق من البخاري، لأنه لم يَلْقَه (أتى الخلاء) لفظ: أتى، في هذه الرواية والتي بعدها من رواية سعيد بن زيد (إذا أراد أن يدخل) دلّتا على أن قوله: إذا دَخَل الخلاء معناه: إذا أراد. وهذا في القرآن له نظائر، منها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردتَ القرآن.
واعلم أن موسى الذي قال فيه البخاري: (وقال موسى عن حماد) هو: موسى بن
стр. 282
١٠ - بَابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
ــ
إسماعيل شيخ البخاري، وإنما روَى عنه بلفظ قال؛ لأنه سمع الحديثَ منه مذاكرةً لا تحميلًا، وسعيد بن زيد هو أخو حماد بن زيد، قيل: ليسَ بثقة، ولذلك لم يرو عنه البخاري إلّا استشهادًا. قلتُ: وثّقه ابنُ معين، وكفى به ذلك.
باب: وضع الماء عند الخلاء
قال الجوهري: الخلاء ممدود المتوضَّأُ والمكان الذي لا شيء فيه. قلتُ: الخلاء هو المكان الخالي، وإطلاقه على المتوضأ لِخُلُوهِ عن الناس عادةً، ولأنهم كانوا لقضاء الحاجة يخرجون إلى الفضاء.
١٤٣ - (عبد الله بن محمد) هو المسندي (وَرْقاء) -بفتح الواو والقاف ممدودًا- هو ابن عمرو البكري (عن عُبيد الله) بضم العين على وزن المصغر (ابن أبي يزيد) من الزيادة (قال: دَخَل النبي ﷺ الخلاء فوضعت له وَضوءًا) -بفتح الواو على الأشهر-: الماء الذي يتوضأ به (قال: مَنْ وَضَع هذا؟ فأُخبر) أي: بأني ذلك الواضع، والمخبر ميمونة (قال: اللهم فقهه في الدين) بفتح الفاء وتشديد القاف. قلتُ: وقد استجاب الله تعالى دعاء رسوله ﷺ . قال العراقي عن ابن حنبل: إن أكثر الصحابة فتوىّ ابنُ عباس وهو المسمَّى بالبحر والحبر.
وفي الحديث دلالة على أن خدمة الأصاغر غير مكروهة، وأن إحضار الماء للمتوضئ ليس من الإعانة المكروهة في الوضوء، وأن مَنْ خَدَم إنسانًا يستحب أن يكافئه بالدعاء له في الدين.
قال النووي: الأفضل في الاستنجاء استعمال الحجر أولًا ثم الماء، والاقتصار على أحدهما جائز، والأفضل الماءُ؛ لأن الماء مطهر والحجر ليس بمطهر، وإنما يُبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها.
وذهب بعضُهم إلى أن الحجر أفضل من الماء. قال: وأوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزئ. وقال ابنُ صهيب المالكي: لا يجزئ الحجر إلا لمن عدِمَ الماء قال: واستدل
стр. 283
١١ - بَابٌ: لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ
ــ
بعضهم به على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون الأنهار والبُرك؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه توضأ من شيء منها. قال القاضي: وهذا ليس له أصلٌ إن لم ينقل أن النبي ﷺ وجد شيئًا منها فعَدَلَ عنه إلى الأواني. قلتُ: قول ذلك القائل لم ينقل أنه توضأ من شيء منها ممنوع؛ فان أبا موسى الأشعري رَوَى أن رسول الله ﷺ جاء بئر أريسٍ فتوضأ منها.
فإن قلتَ: البئر لا يمكن التوضؤ منها نفسها؟ قلتُ: ذلك البئر يمكن فيه ذلك، وقد شاهدناه ينزل عليه بالدرج. وقال ابن بَطّال: ذهبت طائفة إلى أن الاستنجاء بالماء مخصوص بالنساء. والله أعلم.
باب: لا تُسْتَقبل القِبْلة بغائطٍ أو بول إلا عند البناء، جدار أو نحوه
تستقبل: علي بناء المجهول، ويُروى علي بناء الفاعل، ونصب القبلةَ.
١٤٤ - (ابن أبي ذئب) -بلفظ الحيوان المعروف- محمد بن عبد الرحمن (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة (عن أبي أيوب الأنصاري) خالدِ بن يزيد بن ثعلبة النَجّاري، من أخوال رسول الله ﷺ . عليه نزل في بيته لما قدم المدينة، استشهد زَمَنَ معاوية بالقسطنطينية، وكانت الكفار يرون الأنوار على قبره، ولما فَتَحَ الله القسطنطينية على المسلمين على يد السلطان ابن السلطان محمد خان بن عثمان نصره الله وكنا في ذلك الجيش بحمد الله، وجدنا مزاره معروفًا عند الكفار، والآن قد بُني عليه مسجد فيه الذكر والعبادة والصُلَحاء يُدفنون هناك.
стр. 284
الغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». [الحديث ١٤٤ - طرفه في: ٣٩٤].
ــ
(إذا أتى أحدكم الغائط) لفظ الغائط: مجاز عن قضاء الحاجة، وهو في الأصل المكانُ المنخفض، وكانوا يقضون الوطر في مثله لعدم اعتبارهم بالمراحيض، فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال كما هو دأبُ القرآن الكريم. والحديث من ذكر الألفاظ الشريفة للدلالة على المعاني الخسيسة.
(فلا يستقبل القِبلة ولا يُوَليها ظهره، شَرّقوا أو غَرّبوا) إنما نَهَى عن استقبال القبلة في مكان لا يكون فيه بناء أو نحوه كما ترجم له البخاري.
قال النووي: حديث عائشة وابن عمر دلّ على الجواز في البناء، وهذا الحديث دلّ على عدم الجواز مطلقًا، وكذا حديث سلمان كما سيأتي، فوجه الجمع بين الأحاديث أن يحمل التحريم على الفضاء والجواز على البنيان، والفرق: المشقة في البنيان دون الفضاء، وأنا أقول: لا مشقة في البنيان، بل العلَّة احترام القبلة، وفي البنيان وجه ساتر.
فإن قلت: في الصحراء أيضًا بوجه الجبال؟ قلت: لا اعتداد بتلك الجبال لبعدها، والذي يدل على ما ذكرنا ما رواه أبو داود عن مروان الأصغر قال: رأيت ابنَ عمر أناخ راحلَتَهُ مستقبل القبلة، ثم جَلَس يبول إليها، فقلتُ له في ذلك؟ فقال: إذا كان شيء يَسْتُركَ فلا بأس، وروى أبو داود والنسائي أن رسول الله ﷺ خرج وبيده ورقة فوضعها، ثم جَلَس فبال إليها.
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قلت: يعارض ما ذكرتم حديث أبي أيوب الآتي بعدُ وهو قوله: وجدنا بالشام مراحيض بُنيت قِبل البيت، كنا ننحرفُ ونستغفر الله، فلم يعتد بالبناء ساترًا قلت: أبو أيوب لم ينقله عن رسول الله ﷺ ولم يبلغه حديث ابن عمر وعائشة، وما يقال: إن أبا أيوب حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز، لا معنى له؛ فإن الغائط حقيقة في عُرف الشرع عن كل مكان تقضى فيه الحاجة. قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فالصوابُ أنه أجراه على عمومه لعدم إطلاعه على المخصص كما ذكرنا من حديث ابن عمر وعائشة في البنيان، والاستدبار عن الإمام أحمد روايتان. وقوله: "شرقوا أو غربوا" خطابٌ لأهل المدينة، فإن القِبلة هناك في الجنوب. وأما من كانت قبلته في الشرق أو الغرب فالأمر بالعكس عنده.
فإن قلتَ: ترجم البخاري على عدم جواز استقبال القبلة إلا عند البناء ونحوه، وليس في حديث الباب ذكرُ شيءٍ من ذلك؟ قلتُ: هذا على دأبه من الاستدلال بما في دلالته خفاء اعتمادًا على ما سيروي من حديث ابن عمر. وما يقال: إن لفظ الغائط يدل على الصحراء، لأنه المكان المنخفض، وإنما يكون في الصحراء لا في البنيان، فلا يعول عليه، لأن الغائط مجاز عن قضاء الحاجة، فلا يُعتبر فيه المعنى الحقيقي. وقال الخطابي: إنما حَرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، لأن الفضاء موضع الجنّ والإنس والملائكة، فالقاعدُ مستهدفٌ للأبصار بخلاف البنيان، فإن الأبنية ساترة ولأن القبلة إنما تستقبل في الدعاء وأمور الخير، فكره أن تستقبل أو تستدبر في الحدث. قلت: هذا الثاني يدلّ على الحرمة في البنيان ولا محيص إلا بأن البنيان ساترة، فلذلك اغتفر فيه ذلك.
قال بعض الشارحين: فإن قلت: شرّقوا بعد قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط ... " ما هذا الأسلوب؟ قلتُ: أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. هذا كلامه. وقد سها فيه، وذلك أن المخاطب في "شرقوا" ليس ذلك الأحد المذكور أولًا، لأنه عام على سبيل البدل. والحق أن "شرقوا" جواب سؤال مقدر، كأنهم قالوا: فكيف نفعل؟ قال: شرقوا أو غربوا. وهذا خاصٌ بأهل المدينة ومن على ذلك السمت.
следующие страницы →