Полный текст (5 311 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا). (لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ) فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ. قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ. طرفه ٧٤
١٣ - باب الشُّرُوطِ فِي الْوَلَاءِ
٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْنِى بَرِيرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِى عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِى. فَقَالَتْ إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِى فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ إِنِّى قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَاّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ
ــ
[نسيانًا] والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا) الأولى والوسطى والثالثة المسائل، المسألة الأولى سؤاله عن خرق السفينة، والثانية قتل النفس، والثالثة إقامة الجدار.
فإن قلت: الثانية أيضًا كانت عمدًا، ألا ترى أنه خص النسيان بالأولى؟ قلت: معنى كون الثانية شرطًا أن الشرط وقع بعدها، فلا ينافي كونها عمدًا، والثالثة لم يكن بعدها شيء، فلذلك خصه باسم العمد.
(قرأها ابن عباس: أمامهم ملك) أي: قرأ بدل ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أمامهم؛ لأن لفظ وراء مشترك بين الخلف والقدام؛ قاله القطرب والأزهري.
باب الشروط في الولاء
٢٧٢٩ - روى في الباب حديث بريرة، وقد سلف آنفًا.
(وكاتبت أهلي على تسع أواق) قد تقدم رواية خمس أواق، وأشرنا هناك أن الصواب رواية التسع (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق).
فإن قلت: قد نهى عن السجع في الكلام. قلت: الذي نهى عن السجع الذي فيه
стр. 2312
عَائِشَةُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». طرفه
٤٥٦
١٤ - باب إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ إِذَا شِئْتُ أَخْرَجْتُكَ
٢٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الْكِنَانِىُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ». وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِىَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى
ــ
تكلف، وأمّا هذا فكلام في غاية البلاغة والفصاحة كالجوهر المنظوم.
باب إذا اشترط في المزارعة: إذا شئت أخرجتك
٢٧٣٠ - (أبو أحمد) قال أبو الفضل: هو المرّار بن حمويه -بفتح الميم وتشديد الراء الأولى- ويقال: هو محمد بن عبد الوهاب الفراء. وقال غيره: هو محمد بن يوسف البيكندي (أبو غسان الكناني) بكسر الكاف.
(لما فدعَ أهل خيبر عبد الله بن عمر) الفدع -بالفاء والعين والدال المهملتين- إزالة المفاصل عن أماكنها، قيل: فعلوا به سِحْرًا، وقيل: بل ألقوه من مكان عال، كان نائمًا بالليل لم يدر من فعل به (وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه) أي: ظلم، من العدوان ضمّن معنى الحمل فعدي بعلى (هم عدونا وتهمتنا) بضم التاء وفتح الهاء وقد تسكن الهاء، قال الجوهري: اتهم من الاتهام، فيقدر مضاف؛ أي: أهل تهمتنا، أو محله (وقد رأيت إجلاءهم) من الرأي، يقال: جلاه وأجلاه أخرجه من وطنه (فلما أجمع عمر على
стр. 2313
ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِى أَبِى الْحُقَيْقِ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ، وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا فَقَالَ عُمَرُ أَظَنَنْتَ أَنِّى نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ، لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ». فَقَالَ كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِى الْقَاسِمِ. قَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالاً وَإِبِلاً وَعُرُوضًا، مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اخْتَصَرَهُ.
١٥ - باب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ
٢٧٣١ و ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنِى الزُّهْرِىُّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ
ــ
ذلك) أي: عزم (أتاه أحد بني [أبي] الحقيق) بضم الحاء وتكرير القاف على وزن المصغر بياء ساكنة (كيف بك إذا أخرجت من خبير تعدو بك قلوصك) -بفتح القاف- الناقة الشابة (قال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم) مصغر، هذا صفة كلمة (فقال: كذبت يا عدو الله) لأن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقًّا؛ لا سيما في أمثال هذه المواطن (أقركم ما أقركم الله) استدل به على جواز المساقاة مع الجهل بالمدة، وقد أسلف الجواب عنه في كتاب المساقاة بأن هذا خاص برسول الله ﷺ ، وقيل: "أقركم ما أقركم الله" يريد به مدة العهد، فإن رسول الله ﷺ كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب (فأجلاهم وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال) بيان للعروض.
باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط مع الناس بالقول
٢٧٣١ - ٢٧٣٢ - (معمر) بفتح الميمين وسكون العين (المسور بن مخرمة) بكسر الميم في الأول وفتحه في الثاني قال النبي ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم) بفتح المعجمة على
стр. 2314
لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ». فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِى يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ. فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِى خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَاّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا». ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِىَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّىِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِىُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ،
ــ
وزن عليم. موضع بقرب مكة على مرحلتين (في خيل لقريش طليعة) هي مقدمة الجيش، فعيل بمعنى الفاعل سميت بذلك لطلوعها من الجيش (فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش) -بفتح القاف والتاء- الغبار (فانطلق يركض) أي: يسوق الفَرَس (نذيرًا) أي منذرًا (لقريش). (بركت ناقته، فقال الناس: حل حل) بسكون اللام وقد ينون إذا كرر، اسم فعل زجر للناقة والجمل (فقالوا: خلأت القصواء) بالخاء المعجمة والهمزة، أي.: حرنت وتعبت. القصواء الناقة التي قطع أذنها، وكذا القصاء، وكان هذا لقبًا لها ولكل مقطوعة الأذن (حبسها حابس الفيل) أي: الله الذي منع الفيل عن دخول مكة هو الذي منع القصواء (لا يسألوني خطة) بتشديد النون وتخفيفها بحذف نون المضارعة. خطة بضم الخاء وتشديد الطاء أي: خصلة. قال ابن الأثير: هي الأمر الواضح في الهدى والاستقامة. وقيل: هي الأمر العظيم الذي يستحق أن يخط في الدفاتر.
(يتبرضه الناس) على وزن يتفعل -بالضاد المعجمة- أي: يأخذون منه قليلًا قليلًا (فلم يلبثه الناس) بضم الياء من الإلباث؛ أي: يتركوه سريعًا، لم يبق فيه الماء (فانتزع سهمًا من كنانته) -بكسر الكاف- جعبة السهام (يجيش لهم بالري) بكسر الراء وتشديد الياء، يقال: جاش الماء إذا غار (بديل بن ورقاء) بديل بضم الباء مصغر. ورقاء بفتح الواو والقاف والمد (من خزاعة) بفتح الخاء والزاي المعجمة من أولاد سبأ، سكنوا مكة لما خرب الله السد وتفرقوا أيدي سبأ.
стр. 2315
وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ إِنِّى تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَىٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَىٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِى وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَاّ فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِى هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِى، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ». فَقَالَ بُدَيْلٌ سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. قَالَ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلاً، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَىْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْىِ مِنْهُمْ هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ . فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَىْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ قَالُوا بَلَى. قَالَ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ قَالُوا بَلَى. قَالَ فَهَلْ تَتَّهِمُونِى. قَالُوا لَا. قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّى اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِى وَوَلَدِى وَمَنْ أَطَاعَنِى قَالُوا
ــ
(وكانوا عيبة رسول الله ﷺ ) بفتح العين وسكون الياء المثناة تحت، قال ابن الأثير: أي موضع أسراره. والعيبة في الأصل ما يحفظ فيه الثياب النفيسة، فأطلقت على ما يودع فيه الأسرار (كعب بن لوي وعامر بن لؤي) يريد هاتين القبيلتين (أعداد مياه الحديبية) بفتح الهمزة جمع العِد -بكسر العين-. قال ابن الأثير: هو الماء الدائم (العوذ المطافيل) قال ابن الأثير: العوذ جمع العائذ؛ وهي الناقة القريبة العهد بالنتاج.
قلت: وجه التسمية أنها تعوذ ولدها؛ أي: تحفظه.
والمطافيل: جمع مطفل -بضم الميم- على وزن مسلم التي ولدها معها. والمراد به في الحديث النساء اللآتي معهن الأطفال (إن قريشًا قد نهكتهم الحرب) بكسر الهاء وفتحها، أي: أضعفتهم (فإن شاؤوا ماددتهم) أي: صالحتهم؛ أي: جعلت بيني وبينهم مدة لا حرب فيها (وإلا فقد جمّوا) أي: استراحوا بفتح الجيم وتشديد الميم (وإن هم أبوا قاتلتهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) السالفة: مقبل العنق وإنما ذكر العنق؛ لأنه موضع الذبح (لينفذن الله) بضم الياء وتشديد الفاء وذال معجمة، أي: ليمضه (هات) بكسر التاء والسكون أيضًا (استنفرت) أي: دعوت للخروج إلى القتال (بلحوا عليّ) -بالباء الموحدة وتشديد
стр. 2316
بَلَى. قَالَ فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِى آتِهِ. قَالُوا ائْتِهِ. فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ أَىْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى، فَإِنِّى وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّى لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ امْصُصْ بَظْرَ اللَاّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ فَقَالَ مَنْ ذَا قَالُوا أَبُو بَكْرٍ. قَالَ أَمَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِى لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. قَالَ وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِىَّ ﷺ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ أَىْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ
ــ
اللام، وقد تخفف، أي: أبطؤوا. قال ابن الأثير: من بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء (خطة رشد) أي: طريق الرشاد (استأصلت) أخذته من أصله (اجتاح) بتقديم الجيم، أي: أهلك (وإن تكن الأخرى) أي: إن كان الظفر لهم (إني لأرى أشوابًا من الناس) جمع شوب؛ أي: أخلاطًا من الناس، ليسوا من قبيلة واحدة ليعتمد عليهم، ويروى أوباشًا. قال ابن الأثير: الأوباش والأشواب: الناس من قبائل شتى (خليقًا أن يفروا) أي: جديرًا (امصص بظر اللات) بصادين مهملتين على وزن انصر والبظر بفتح الباء وظاء معجمة القطعة تقطعها الخافضة من أعلى الفرج عند الختان (لولا يد كانت لك عندي) أي: نعمة سابقة (وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته) أي: بلحية نفسه، دل عليه قوله: (فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف) وكان دأبهم عند المحاورة الأخذ باللحية مؤانسة؛ وإنما كفّ المغيرة يده عن مماس رسول الله ﷺ لأنه مشرك، وأيضًا لم يكن كفئًا لرسول الله ﷺ ، وإنما كان هذا بين الأكفاء والأقران.
(أي غدر) بضم الغين المعجمة على وزن عمر، معدولة من الغادر (ألست أسعى في غدرتك) -بفتح الغين- المرة من الغدر، وأصل هذا أن المغيرة بن شعبة ثقفي، وكذلك عروة. وكان المغيرة غدر في الجاهلية بثلاثة عشر رجلًا من بني مالك فقتلهم، وأسلم وجاء
стр. 2317
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَمَّا الإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَىْءٍ». ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ. قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَاّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَىْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِىِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ، يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَاّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى كِنَانَةَ دَعُونِى آتِهِ. فَقَالُوا ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ». فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِى لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ. فَقَالَ دَعُونِى آتِهِ. فَقَالُوا ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «هَذَا مِكْرَزٌ وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ». فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ مَعْمَرٌ فَأَخْبَرَنِى أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ». قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِىُّ فِي حَدِيثِهِ فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ هَاتِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا
ــ
إلى رسول الله ﷺ (فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أقبله منك، وأما المال فلست مني في شيء) فودى عروة ديه ثلاثة عشر رجلًا، وأصلح بين الحيين (إن عروة جعل يرمق أصحاب) أي: ينظر إليهم خفية. قال ابن الأثير: الرمق نظر العدو إلى عدوه (النخامة) -بفتح النون- البصاق (وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه) -بفتح الواو على الأفصح- الماء الذي توضأ به.
(مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف آخره زاي معجمة (فلما جاء سهيل قال رسول الله ﷺ : قد سهل لكم الأمر) أخذه تفاؤلًا من اسمه .................................
стр. 2318
النَّبِىُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». قَالَ سُهَيْلٌ أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَاّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ». ثُمَّ قَالَ «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ». فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «وَاللَّهِ إِنِّى لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِى. اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ». قَالَ الزُّهْرِىُّ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ «لَا يَسْأَلُونِى خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَاّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا». فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ». فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ، إِلَاّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ الْمُسْلِمُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَىَّ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ». قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَىْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «فَأَجِزْهُ لِى». قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ «بَلَى، فَافْعَلْ». قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَىْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ. قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ أَلَسْتَ نَبِىَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ «بَلَى». قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ «بَلَى». قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ «إِنِّى
ــ
(لا تتحدث الناس أنا أخذنا ضغطة) بالضاد والغين المعجمة، أي: قهرًا، أصله ضيق.
(دخل أبو جندل بن سهيل) واسمه العاص (يرسف في قيوده) أي: يمشي فيها، من الرسف، والرسف هو المشي في القيد (قال سهيل: يا محمد! هذا أول ما أقاضيك عليه) يريد رد ابنه أبي جندل (قال مكرز: بل قد أجزنا لك) ولم يقبل منه سهيل، ورد ابنه (قال عمر: فلم نعطي الدنية) على وزن العطية، من الدناءة؛ وهي الحالة الخسيسة (إني
стр. 2319
رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِى». قُلْتُ أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِى الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ». قَالَ قُلْتُ لَا. قَالَ «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ». قَالَ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِىَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى. قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى. قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ يَعْصِى رَبَّهُ وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِى الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قُلْتُ لَا. قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُمَرُ فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالاً. قَالَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا». قَالَ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ
ــ
رسول الله ﷺ ولست أعصيه) نبه بذلك عمر على أن ما فعله إنما هو بالوحي لا بالاجتهاد (فاستمسك بغرزه) -بغين معجمة، ثم راء مهملة، آخره زاي معجمة- هو لكور الجمل مثل الركاب للفرس. قال ابن الأثير: يكون من الخشب، أو من الجلد، وقيل: مطلقًا. وهذا كناية عن اتباعه من غير مخالفة؛ كمن يكون مستمسكًا بركاب راكب يدور معه كيف دار، ومن تأمل في كلام الصديق مع عمر، ظهر له الفرق بينهما (قال عمر: فَعَلت لذلك أعمالًا) يشير إلى أنه ذهب إلى أناس آخرين، وتكلم بأشياء، وذلك كله غيرة منه على الإسلام؛ فإنها كانت قضية بعيدة عن الأفهام، علمها الله، ولم يعلموا، وذلك أن الناس بعد هذا الصلح معهم وقع الاختلاط واجتمع المسلمون والكفار، وشاهدوا محاسن الإسلام، وسمعوا مواعظ القرآن، ونصح الأخ أخاه، ودعا الصديق الصديق، ففشى الإسلام، وعلت كلمة الله، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا، وقيل: معنى قوله: عملت لذلك أعمالًا، أنه كفّر، وتقرب إلى الله بأشياء كفارة عن جرأته في ذلك الكلام على رسول الله ﷺ ؛ فإنه روي عنه أنه قال: أعتقت ستة مملوكين.
(فلما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات).
فإن قلت: كيف لم يتبادروا إلى ما أمر وهم الصديقون الذين شأنهم أن يبادروا إلى كل ما أمر به؟ قلت: كانوا يرجون أن يحدث الله في ذلك أمرًا آخر، ولذلك لما نحر وحلق علموا أن ذلك أمر مقضي بادروا إلى ما أمر.
стр. 2320
لَهَا مَا لَقِىَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) حَتَّى بَلَغَ (بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ - رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - وَهْوَ مُسْلِمٌ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِى جَعَلْتَ لَنَا. فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَاللَّهِ إِنِّى لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا. فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا». فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِى وَإِنِّى لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِى إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِى
ــ
(ثم جاء نسوة مؤمنات) أي: جاءت النسوة في مكان الصلح؛ كذا قيل، وقال شيخنا إنما جاءت بعد الرجوع في المدة (فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة:١٠] حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ العصم: جمع عصمة. وهي الحفظ. والمرأة ما دامت عند زوج فهي في عصمة. والكوافر: جمع كافرة (فطلق عمر يومئذٍ امرأتين، فتزوج إحداهما معاوية) هي قريبة -بفتح القاف وكسر الراء- وقيل: -بضم القاف وفتح الرّاء- بنت أبي أمية، والأخرى بنت جرول على وزن جعفر. تزوجها صفوان بن أمية بن خلف.
(فجاءه أبو بصير، رجل من قريش) لم يرد أنه من قريش نفسها؛ بل هو حليف لهم، ثقفي بإجماع النَّسَّابة، هو عُبيد بن أسيد بتصغير الأول وفتح الهمزة في الثاني. وقال خليفة بن معشر: اسمه عتبة بن أسيد (جربته ثم جربته) يريد المبالغة في مدحه؛ بحيث لم يبق له شبهة (فضربه حتى برد) كناية عن الموت، فإن الميت تبرد أعضاؤه (لقد رأى هذا ذعرًا) بالذال المعجمة الخوف (لقد والله أوفى الله ذمتك) أدخل القسم بين قد والمقسم عليه اهتمامًا به،
стр. 2321
اللَّهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ». فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِى بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَاّ لَحِقَ بِأَبِى بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَاّ اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) حَتَّى بَلَغَ (الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. طرفاه ١٦٩٤، ١٦٩٥
٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِى أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِىِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ،
ــ
ودلالة على التحقيق (ويل أمه) الويل: الهلاك، لم يرد به ذلك؛ أراد التعجب من شجاعته (مسعر حرب) بكسر الميم، قال ابن الأثيرة المسعر والمسعار آلة تحرك بالنار من حديد، كأنه أراد أنه آلة إيقاد نار الحرب (لو كان له أحد) الظاهو أنه للتمني، ويجوز الشرط، ويقدر له الجواب (فخرج إلى سيف البحر) بكسر السين الساحل (فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرّحم) أي: تسائله بالله وبالرحم (لما أرسل) أي: إلى أبي بصير وردّه إليه.
قال ابن عبد البر: كتب إليه رسول الله ﷺ يدعوه ومن معه فوافاه الكتاب وهو في الموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده، لما أرسل مصدرية أو زائدة عند من يجوز زيادتها في لإثبات.
٢٧٣٣ - (وتزوج الأخرى جهم) -بفتح الجيم- عامر بن حذيفة.
стр. 2322
فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ) وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّى الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَاّئِى هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِىَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. طرفه ٢٧١٣
ــ
فإن قلت: تقدم أنها تزوجها صفوان بن أمية؟ قلت: تزوجها أحدهما ثم صارت إلى الآخر، ومن الشارحين من أجاب بأن هذه رواية عقيل، وتلك رواية معمر، وخفي عليه أن هذا عين الإشكال فإنه رد لإحدى الروايتين.
(فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم) لقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] (فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] محصله: إنكم إذا أديتم إلى الكفار ما أنفقوا على أزواجهم المسلمات ولم يؤدوا إليكم ما أنفقتم على أزواجكم الكافرات فأعطوا أنتم للذي ذهبت زوجته مثل ما أنفق من المال من بيت المال.
(وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد) بفتح الهمزة (الثقفي، قدم على النبي ﷺ مسلمًا، فكتب الأخنس بن شريق) بفتح الشين المعجمة: على وزن كريم (يسأله أبا بصير) ليرده؛ لأن الأخنس ثقفي أيضًا (فذكر الحديث) أي: حديث أبي بصير، وقتله أحد الرجلين، ثم لحوقه سيف البحر.
قال بعض الشارحين: فإن قلت: ذكر أولًا أن أبا بصير رجل من قريش، وثانيًا أنه ثقفي؟ قلت: تلك رواية أخرى. وخفي عليه أن هذا عين الإشكال، وقد أطلعناك على أنه ثقفي، ولكن حليف قريش. قال ابن عبد البر: حليف لبني زهرة.
فإن قلت: ترجم على الشروط مع الناس بالقول، أين موضع الدلالة في الحديث؟ قلت؟ هو قول سهيل بن عمرو في أبي جندل: يا محمد هذا أوّل ما أُقاضيك عليه، أو هو قول قريش حين سألوا رسول الله ﷺ أن يرد أبا بصير ومن أتاه فهو آمن.
стр. 2323
تحقيق في قصة رؤية النبي ﷺ بالحديبية
١٦ - باب الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - وَعَطَاءٌ إِذَا أَجَّلَهُ فِي الْقَرْضِ جَازَ.
٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً سَأَلَ بَعْضَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. طرفه ١٤٩٨
١٧ - باب الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِى تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - فِي الْمُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرُ كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ.
٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِى. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ». طرفه ٤٥٦
١٨ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الإِقْرَارِ وَالشُّرُوطِ الَّتِى يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا قَالَ مِائَةٌ إِلَاّ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ
ــ
باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط
قد يقع في بعض النسخ ما لا يجوز وهو خطأ، يدل عليه حديث أبي هريرة في الباب.
والثنيا -بضم الثاء- اسم من ثنى يثني، بمعنى الاستثناء (وقال ابن عون) -بفتح العين وسكون الواو- عبد الله الفقيه المعروف (عن ابن سيرين: إذا قال الرجل لكريّه) بفتح الكاف وتشديد الياء المكسورة، فعيل بمعنى المكاري، كالجليس بمعنى المجالس (أدخل ركابك)
стр. 2324
مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِنَّ رَجُلاً بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بَيْعٌ. فَلَمْ يَجِئْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِى أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ.
٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلَاّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». طرفاه ٦٤١٠، ٧٣٩٢
ــ
-بكسر الراء- الإبل التي يسار عليها: اسم جمع (وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلًا باع طعامًا وقال: إن لم آتك الأربعاء) -بفتح الهمزة وكسر الباء- اليوم المعروف، وحمله على أنه جمع ربيع؛ وهو النهر الصغير، مما لا معنى له، وهذه الآثار التي نقلها لم يقل بها الأئمة الأربعة، لأنها مواعد لا تلزم، وقد تقدم الكلام عليها في أبواب الهبة، في باب إنجاز الوعد.
٢٧٣٦ - (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا) وفي بعضها "واحدة" بأعتبار الكلمة.
فإن قلت: ما فائدة قوله "مائة إلا واحدًا"، والعدد نص في مدلوله؟ قلت: فائدته التوكيد، ودفع وهم التصحيف، وتسعين فإنه يلتبس بسبعين، والله أعلم.
(من أحصاها دخل الجنة) قال الجوهري: الإحصاء: العدّ، وأنشد:
ولست بالأكثر منهم حصى
أي: عددًا، وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] أي: لا تقدروا على عدّها فضلًا عن القيام بشكرها وقيل: المراد حفظها. وفي الحديث: "كلّ القرآن أحصيت" أي: حفظت، وقيل: المراد أن يخطر معانيها بباله، والأوّل هو الظاهر، وإن من
стр. 2325
١٩ - باب الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ
٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ حَدَّثَنَا ابْنُ
ــ
عدّها سواء عرف معانيها أو لا إذا كان مؤمنًا دخل الجنة ونظيره "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة".
فإن قلت: روي: إن لله ألف اسم، لكل واحد معنى ممتاز به عن الآخر؟ قلت:
ليس في الحديث دلالة على الحصر؛ وإنما هذه الخاصة والفضيلة لهذه الأسماء، والتحقيق
أن لا حصر في الألف أيضًا، ألا ترى ما رواه الضبي عن ابن مسعود في دعاء رسول الله ﷺ : "أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرته في مكنون الغيب عندك" ومن قال: أسماء الله مائة استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فقد خالف الأحاديث. روى أصحاب السنن عن أنس: أن رجلًا صلّى في المسجد، ثم قال: اللهم أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، قال رسول الله ﷺ : "سأله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب" ورواه الترمذي وأبو داود عن بريدة أيضًا.
وعن بعض العارفين: الاسم الأعظم هو لفظ الله؛ لكن شرطه الاستغراق في بحر الإخلاص.
باب الشروط في الوقف
٢٧٣٧ - (قتيبة) بضم القاف وفتح التاء على وزن المصغر.
стр. 2326
عَوْنٍ قَالَ أَنْبَأَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِى مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ قَالَ «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى، وَفِى الرِّقَابِ، وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ. قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. طرفه ٢٣١٣
ــ
(أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر) هي ثمغ -بالثاء المثلثة وغين معجمة-.
وصِرْفة بن الأكوع -بكسر الصاد المهملة وراء ساكنة- مالان معروفان بالمدينة، وسهمه بخيبر (وتصدق بها في الفقراء والقربى) أي: ذوي قرابة الواقف (لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) بقدر ما يتعارفه الناس (غير متموّل) أي: غير متخذ منه مالًا (قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل) بالثاء المثلثة يمكن أن يكون في رواية ابن سيرين متأثل -بالثاء-، ويمكن أن يكون شرحًا منه لقوله: متمولًا، والتأثل: جمع المال، من الأثل؛ وهي الأصل. وفي الحديث دلالة على أن الوقف من أقرب القربات، ولذلك أشار به رسول الله ﷺ حين استشارة عمر.
[إلى ها ينتهي الجزء الأول من المخطوط وسيليه الجزء الثاني]
стр. 2327
كتاب الوصايا
١ - باب الْوَصَايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). جَنَفًا مَيْلاً، مُتَجَانِفٌ مَائِلٌ.
٢٧٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىْءٌ، يُوصِى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
ــ
كتاب الوصايا
باب الوصايا، وقول النبي ﷺ : "وصية الرجل مكتوبة عنده".
الوصية اسم بمعنى الإيصاء، وهو الأمر بالصرف بعد الموت بمقدارٍ من المال، أو بقضاءِ دينٍ، أو حفظ صغير، أو ردِّ وديعةٍ، ونحوها، وأجاز مالك وأحمد وصية الصبي المميِّز، وقيَّده أحمد بما إذا جاوز عشرًا، من وصَّيتُ الشيء إذا وصلته، كأن الموصي يصل بالخير ما بعد موته بما قبله.
(وقول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠] استدل بالآية على مشروعية الوصية، وإن كانت الآية منسوخة.
٢٧٣٨ - (أن رسول الله ﷺ قال: ما حقُّ امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه يبيتُ ليلتين الَّا وصيتُه مكتوبةٌ عنده) استدل الأئمة على عدم وجوب الوصية بهذا الحديث؛ فإن قوله: "ما
стр. 2328
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٢٧٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخِى جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَاّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. أطرافه ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١
٢٧٤٠ - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ
ــ
حق امرئ" معناه الأولوية واللائق بحاله. وقوله: "ليلتين" ليس على التحديد بل حثٌّ على المبادرة، ولذلك جاء في رواية مسلم: "ثلاث ليال". وقيد الكتابة؛ لأن الشهود ربما لا يحفظون. وقوله: "عنده" لئلا يضع غيره، وكل هذه الأمور دلائل الاهتمام.
٢٧٣٩ - (أبي بُكير) بضم الباء مصغَّر وكذا (زهير) الجُعفي، بضم الجيم نسبة إلى القبيلة (أبو إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي (عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله ﷺ ) الختن: يطلق على قرابة المرأة، وعمرو بن الحارث: هو أخو جويرية أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ ، وقد يطلق على زوج الابنة، كما في الحديث: علي بن أبي طالب ختن رسول الله ﷺ .
(ما ترك رسول الله ﷺ -إلا بغلته البيضاء وصلاحه وأرضًا جعلها صدقة) هذا موضع الدلالة على الترجمة، فإن هذا كان وصية لقوله: "ما تركناه صدقة".
٢٧٤٠ - (مالك هو ابن مِغْول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة، وإنما زاد لفظ: هو لأن هذا الوصف زيادة من عنده، لم يسمعها من شيخه (مصرِّف) بتشديد الراء المكسورة
стр. 2329
سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى - رضى الله عنهما - هَلْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَوْصَى فَقَالَ لَا. فَقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ قَالَ أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ. طرفاه ٤٤٦٠، ٥٠٢٢
٢٧٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا - رضى الله عنهما - كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِى - أَوْ قَالَتْ حَجْرِى - فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِى، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ طرفه ٤٤٥٩
ــ
(أبي أوفى) بفتح الهمزة (أوصى بكتاب الله) أي: بالتمسك بما في كتاب الله، ومن جملة ما في كتاب الله الوصية، فلا ينافي قوله: أوصى؛ لأنه نفى الوصية بالمال أو بما تزعمُه الرافضية من جعل علي وصيّا له أو خليفة، وإلا فقد أوصى بأشياء منها إخراج المشركين من جزيرة العرب والإحسان إلى الأنصار، وأن يجيزوا الوفد كما كان يجيزه وبالمحافظة على الصلاة وعلى ما ملكت أيمانهم.
٢٧٤١ - (زرارة) بضم المعجمة (ابن عون) بفتح العين وسكون الواو، عبد الله (ذكروا عند عائشة أن عليًّا كان وصيًّا. فقالت: حتى أوصى إليه وقد كنت مسندتَه إلى صدري) أي: في آخر حياته (فما شعرت أنه قد مات).
فإن قلت: لا يلزم من قولها نفي كون عليّ وصيًّا إذ ربما أوصى إليه في غير ذلك الوقت قلت: كانوا عارفين بأنه حين أوصى بأشياء لم يكن فيها ذكر علي فلم يبق له مظنه غير ذلك الوقت، ويؤيده قول علي: ما عندنا إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة (فلقد انخَنَثَ) بالخاء المعجمة، أي: استرخى بعد فراق حياته فداه أبي وأمي وزوجي.
стр. 2330
٢ - باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ
٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ - رضى الله عنه - قَالَ جَاءَ النَّبِىُّ ﷺ يَعُودُنِى وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِى هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ «يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِى بِمَالِى كُلِّهِ قَالَ «لَا». قُلْتُ فَالشَّطْرُ قَالَ «لَا».
ــ
باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس
٢٧٤٢ - (عن سعد بن أبي وقاص قال جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بأرض هاجر منها).
قال بعض الشارحين: يكره وهو رسول الله ﷺ ، أو هو كلام سعد يحكي [حال] رسول الله ﷺ ، وكل هذا خبط، بل كلام سعد يخبر عن حاله، يدل عليه ما تقدم في كتاب الجنائز، وسيأتي في الفرائض قلت: يا رسول الله أُخَلَّف بعد أصحابي، غايته أنه التفت من التكلم إلى الغيبة، ويحتمل أيضًا أن يكون من كلام ابنه عامر، يحكي حال أبيه. (قال) أي: رسول الله ﷺ : (يرحم الله ابن عفراء) اختلفوا فيه، منهم من قال: هو سعد بن خولة، كما تقدم مرارًا، وسيأتي في الفرائض أيضًا في رواية الأزهري، وراوي ابن عفراء سعد بن إبراهيم، وقيل يجوز الجمع بأن يكون خولة اسم أبيه، وعفراء: اسم أمه، أو خولة اسم، وعفراء لقب.
والظاهر أن رواية الأزهري هي الصواب، فإنا لم نجد أحدًا ذكر أنَّ خولة اسم أبيه ولأن خولة اسم وعفراء لقب.
стр. 2331
قُلْتُ الثُّلُثُ. قَالَ «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِى تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ». وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَاّ ابْنَةٌ. طرفه ٥٦
ــ
(قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير) ولذلك استحب العلماء أن ينقص من الثلث شيئًا. وقال الإمام أحمد يستحب أن يكون خمس ماله (إنك أنْ تدعَ ورثتكَ أغنياءَ) بفتح الهمزة. أي: تركك ورثتك، ويروى بكسر الهمزة على أنه شرط. وقوله: (خير) جوابه بتقدير المبتدأ.
قال النووي: وكلا الوجهين صحيح قلت: كذلك، ولكن الفتح أحسن لدلالته على علَّة الحكم، وعدم الاحتياج إلى التقدير (عالة) أي: فقراء، جمع عائل. (يتكففون الناس) أي: يسألونهم بأكفهم. أي: يمدُّون أيديَهم، يقال: تكفف واستكفَّ إذا مدَّ يده لطلب العطاء (حتى اللقمةُ) بالرفع، عطف على صدقة، وبالجرِّ عطف على نفقة.
(وعسى الله أن يرفعك فينتفعَ بك ناس ويُضرَّ بك آخرون) بضم الياء، علي بناء المجهول، وكذلك جرى، صار أمير العراق، وقائد جيوش المسلمين، وفتح بلاد العراق، وأتى بكنز كسرى (ولم يكن له يومئذ إلا ابنة).
فإن قلت: إذا لم يكن له إلا ابنة، فكيف قال رسول الله ﷺ : (أن تدع ورثتك"؟ قلت: أجابوا بأن البنت لا تمنع وجود العصبات، وهذا ليس بمرضي؛ لما سيأتي في كتاب الفرائض من قول سعد: لا يرثني إلا ابنة لي، بل الجواب: أنه أطلق الورثة على الجنس كما في قوله: "مَن توك عيالًا فعليَّ، ومَن ترك مالًا فلورثته؛ فإنه أراد به جنس الوارث، أو علم رسول الله ﷺ أنه تطول به الحياة ويحصل له الأولاد، وكذا جرى. لكن قال النووي: كان له عصبات أولاد أخيه عتبة.
стр. 2332
٣ - باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ
وَقَالَ الْحَسَنُ لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّىِّ وَصِيَّةٌ إِلَاّ الثُّلُثُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ».
٢٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ مَرِضْتُ فَعَادَنِى النَّبِىُّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِى عَلَى عَقِبِى. قَالَ «لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا». قُلْتُ أُرِيدُ أَنْ أُوصِىَ، وَإِنَّمَا لِى ابْنَةٌ - قُلْتُ - أُوصِى بِالنِّصْفِ قَالَ «النِّصْفُ كَثِيرٌ». قُلْتُ فَالثُّلُثِ. قَالَ «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ». قَالَ فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ. طرفه ٥٦
ــ
باب الوصية بالثلث
(وقال الحسن: لا يجوز للذميّ وصيةٌ إلَّا بالثلث) استدلَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وكذا قاله الأئمة: إذا رفع الأمر إلينا.
٢٧٤٣ - (قتيبة): بضم القاف، على وزن المصغر (عن ابن عباس: لو غضَّ الناس إلى الربع) ظاهره التمني، أي: لو نقصوا من الثلث واصلين إلى الربع، وأصل الغَضَّ -بفتح الغين معجمة، وضاد كذلك- الكسر.
اتفق الأئمة على أنه يستحب النقص عن الثلث، وقد نقلنا عن الإمام أحمد أن مختاره الخمس، واختار بعضهم السدس، وآخر العشر.
٢٧٤٤ - ثم روى حديث سعد المتقدم في الباب قبله، وقد سلف شرحه (ادع اللهَ أنْ لا يردَّني على عقبي) يريد الموت بمكة، إذ هو معنى قوله: يكره الموت بمكة؛ لأنه دار هجرها لله.
стр. 2333
٤ - باب قَوْلِ الْمُوصِى لِوَصِيِّهِ تَعَاهَدْ وَلَدِى. وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِىِّ مِنَ الدَّعْوَى
٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّى، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ ابْنُ أَخِى، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أَخِى، وَابْنُ أَمَةِ أَبِى، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِى، كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ «احْتَجِبِى مِنْهُ». لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ. أطرافه ٢٠٥٣، ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢
ــ
باب قول الموصي لوصيه: تعاهد ولدي، وما يجوز للوصي من الدعوى
٢٧٤٥ - روى في الباب عن عائشة: أن عتبة بن مالك أخو سعد بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدةِ زمعة منه فاقبضه إليك، فتنازع فيه سعد وعبد بن زمعة، فألحق رسول الله ﷺ الولد بالفراش.
وهذا الحديث سلف في كتاب العتق في باب أم الولد. واستدل به هنا على جواز دعوى الوصي، وهذا مما أجمع عليه العلماء، وأجمعوا على أن لا دعوى إلا من المالك والوصي والوكيل.
стр. 2334
فائدة: [التقريرات التي تؤيد الحنفية في تعيين المسح بالربع]
٥ - باب إِذَا أَوْمَأَ الْمَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً جَازَتْ
٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِى عَبَّادٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ، أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِئَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. طرفه ٢٤١٣
٦ - باب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ
ــ
باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بيِّنة جازت
٢٧٤٦ - (حسَّان) بفتح الحاء وتشديد السِّين (عبَّاد) بفتح العين، وتشديد الباء (همَّام) بفتح الحاء وتشديد الميم (أنَّ يهوديًّا رضَّ رأس جارية) بتشديد الضاد المعجمة، أي: دق ([من] فعل ذلك فلان أو فلان؟ حتى سُمِّي اليهوديُّ، فأومأت برأسها فجيء به، فلم يَزَلْ حتى اعترف).
فإن قلت: حكم رسول الله ﷺ على اليهودي إنما كان بإقراره فكيف استدل بالحديث على الترجمة، وهي الإشارة؟ قلت: استدل بالحديث على أن الإشارة اعتبرت في صحة الدعوى.
واتفق الأئمة على اعتبار إشارة الأخرس ومن اعتقل لسانه، واختلفوا في إشارة الناطق، قال بها الشافعي وطائفة.
باب لا وصية لوارث
٢٧٤٧ - (ورقاء) بالقاف والمدِّ (عن ابن أبي نَجيح) -بفتح النون وكسر الجيم- اسمه
стр. 2335
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. طرفاه ٤٥٧٨، ٦٧٣٩
٧ - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ
٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِىِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ. تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ،
ــ
عبد الله (كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين)، أي: واجبة في ابتداء الإسلام.
فان قلت: ليس في الباب ما يدل على أنْ لا وصية للوارث؟ قلت: الذي ترجم عليه من أنْ لا وصية لوارث حديث رواه أبو داود وغيره حتى قالوا. رواية على شرط البخاري فاكتفى به، والظاهر أنه لم يَروه مسندًا؛ لأنه لم يكن على شرطه.
وأجمع الأئمة على عدم جواز الوصية للوارث. وإنْ أجازه سائر الورثة، يكون ابتداءَ عطيَّة منهم ولم يكن تنفيذًا للوصية.
باب الصدقة عند الموت
٢٧٤٨ - (محمد بن العلاء) بفتح العين والمدِّ (أبو أسامة) بضمِّ الهمزة، حماد بن أسامة (عُمارة) بضمِّ العين وتخفيف الميم (عن أبي زُرعة) بضم المعجمة، اسمه هرم (قال رجل: يا رسول الله أيُّ الصدقة أفضل؟) أي: أكثر ثوابًا (قال: أن تصدق) بحذف إحدى التاءين (وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر) هذا شرح للحريص، وقد تقدَّم في أبواب الزكاة، بلفظ "الشحيح"، وهو أبلغ؛ لأن الشح حرص مع البخل، وهذا الوصف باعتبار أكثر الناس، لا كل أحد.
стр. 2336
وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». طرفه ١٤١٩
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ إِذَا أَبْرَأَ الْوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الْفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ. جَازَ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا إِنَّ زَوْجِى قَضَانِى وَقَبَضْتُ مِنْهُ. جَازَ.
ــ
(قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان) أي: وقد صار المال بحكم الموت للوارث، وأنت تقطعه عنه، وتوصي به للغير، وتمام الكلام عليه في كتاب الزكاة.
وروى ابن حبان مرفوعًا أن الذي يتصدق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع، وروى أيضًا أن التصدق بدرهم في الصحة خير من التصدق بمائة ألف عند الموت.
باب قول الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]
الجار يتعلق بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (ويُذكر أنَّ شُريحًا) -بضمِّ الشين، مصغَّر- هو القاضي المعروف (وعمرَ بن عبد العزيز، وطاوسًا وعطاء، وابن أُذينه) بضم الهمزة، مصغَّر أذن واسمه عروة، وقيل: عبد الرحمن (أجازوا إقرار المريض بدَينٍ وقال الحسن: أحق ما يتصدَّق به الرجل آخرَ يومٍ من الدنيا) بنصب يوم في آخر يوم، وكذا أوَّل.
استدل به على أن إبراء المورِّث وارثه وإقراره له في مرضه جائز وغرضُه من كثرة هذه الآثار الدالة على جواز إقرار المريض للوارث الردُّ على أبي حنيفة. وهو الذي أراده بقوله:
стр. 2337
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ». وَلَا يَحِلُّ مَالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «آيَةُ الْمُنَافِقِ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ــ
(وقال بعض الناس: لا يجوز لسوء الظن به للورثة، ثم استحسن وقال: يجوز إقراره بالوديعة) وهذا تناقض منه. ورُدَّ قوله لسوء الظن به للورثة، بقول رسول الله ﷺ : (إيَّاكم والظنَّ). فتعليل أبي حنيفة معارض للحديث، وله أجوبة في فروع الحنيفة.
وجملة القول أن اعتراض البخاري ساقط؛ لأن أبا حنيفة مجتهد بالاتفاق، يجب عليه العمل بما أدى إليه رأيه، سواء كان صوابًا أو خطأ. وهو قول للشافعي، وإليه ذهب الإمام أحمد، وقال به مالك إذا كان متهمًا (فإن الظَّنَّ كذب الحديث).
فإن قلت: الصدق مطابقة الخبر للواقع، والكذب عدمه. فكيف يصح أفعل التفضيل، وأيضًا الصدق والكذب مكان للخبر لا للظن، فكيف وصف به الظن، وأيضًا الوهم أبعد من الصدق؛ لأنه الحكم بالمرجوح. قلت: أجاب بعضهم بأن الظن جعل كالمتكلم فوصف بهما، كما يوصف بهما المتكلم، والمتكلم يقبل الزيادة والنقصان في الصدق والكذب.
فالحاصل: الظنُّ في الحديث من غيره الكذب.
هذا كلامه وليس بشيء فإن أفعل التفضيل إذا أضيف يكون بعض المضاف إليه، فالظنُّ بمعنى المظنون، لأنه أضيف إلى الحديث، فأكثر أفراده يكون كذبًا؛ لأنه يحتمل الخطأ حالًا ومآلًا. وأما الموهوم فلا يرضى عاقل أن يتكلم به فهو ساقط عن درجة الاعتبار.
فإن قلت: المفضل عليه ينحصر في اليقين. فيلزم منه أن يكون الخبر القطعي قابلًا للكذب في الجملة، ولا قائل به؟ قلت: اسم التفضيل إذا أضيف قد يقصد به الزيادة في نفسه، كقولهم: يوسف أحسن إخوته. وما نحن فيه من ذلك.
стр. 2338
٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ». طرفه ٣٣
فائدة: [تعريف الإحسان]
فائدة أخرى
٩ - باب تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ). (٩) وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ. وَقَوْلِهِ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الْوَصِيَّةِ. وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا صَدَقَةَ إِلَاّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» .
ــ
٢٧٤٩ - (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا أئتمن خان) استدل به على قبول إقرار المورث لأنه إذا لم يقبل قوله يكون خائنًا، وهذا لا يُلزم أبا حنيفة لأنه تقدَّم أنه يقبلُ إقرارَه في في الوديعة. اللهمَّ إلا أن يجعل عدم قبول إقراره بالدَّين مثله قياسًا (أبو الربيع) ضد الخريف (أبو سهيل) نافع بن مالك.
باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]
(ويذكر عن النبي ﷺ أنه قضى بالدين قبل الوصية) هذا التعليق رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وفيه بيان لما وقع في الآية مجملًا من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فإنه قدم الوصية والدين على الإرث، ولكن لم يبين فيها أنَّ أيَّهما مقدم.
(وقال النبي ﷺ : لا صدقةَ إلا عن ظهر غنىً) استدلَّ به على تقدم الدين لأن مَن عليه
стр. 2339
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُوصِى الْعَبْدُ إِلَاّ بِإِذْنِ أَهْلِهِ. وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ».
٢٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى ثُمَّ قَالَ لِى «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا.
ــ
دين مستغرق لا يوصف بالغنى، وهذا تقدَّم في أبواب الزكاة مسندًا.
(وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] هذا أيضًا من الترجمة (وقال ابن عباس: [لا] يوصي العبد إلا بإذن أهله) لأنه لا مال له، لكن هذا محمول على التبرع بالوصية وأما العبد المأذون إذا كان عليه دين لا تتوقف الوصية به على الإذن.
(وقال النبي ﷺ : العبد راع في مال سيِّده) فلا يجوز له التصرف فيه بالوصية وغيرها.
٢٧٥٠ - (عن الأوزاعي) بفتح الهمزة، عبد الرحمن شيخ أهل الشام (حكيم بن حزام) بكسر الحاء، وزَاي معجمة.
روى عنه أنه سأل رسولَ الله ﷺ المالَ فأعطاه (ثم قال له: يا حكيم إن هذا المال
خَضِرٌ حلوٌ) الإشارة بهذا إلى الجنس، أوراد المبالغة في ميل النفس إليه فشبهه بالأخضر الحلو، فإن النفسَ مائلةٌ إلى كل واحد منها. فكيف إذا جمعها؟ والخَضر: بفتح الخاء وكسر الضاد. ويروى بالتاء "خَضرة" والحديث تقدم في أبواب الزكاة، ووجه دلالته هنا على الترجمة أن حكيمًا كان له حق في بيت المال، وكان أبو بكر وعمر يسألانه أن يأخذ حقَّه، فيأبى فدَلَّ على أن الدين مقدم على الوصية؛ لأنها تبرع.
(بإشراف نفس) أي: بحرص وطمع، من أشرف على الشيء اطّلع عليه.
(والذي بعثك بالحق لا أرزؤ أحدًا بعدك) أي: لا أسأل. أصله: النقص. أطلقه على الأخذ.
стр. 2340
فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنِّى أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِى قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تُوُفِّىَ ﵀. طرفه ١٤٧٢
٢٧٥١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِىُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ». طرفه ٨٩٣
١٠ - باب إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ وَمَنِ الأَقَارِبُ
وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ «اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ». فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ.
٢٧٥١ م - وَقَالَ الأَنْصَارِىُّ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ قَالَ «اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ». قَالَ أَنَسٌ:
ــ
٢٧٥١ - (بشر بن محمد) بالموحدة وشين معجمة روى عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وفيه دلالة على الشِّق الثاني من الترجمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ووجه الدلالة ظاهر.
باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب؟
(عن أنس أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: اجعله لفقراء أقربائك) الضمير في اجعله لبيرحاء اسم حديقة. والحديث سلف في أبواب الزكاة (وقال الأنصاري) هو محمد بن عبد الله بن المثنى (عن ثُمامة) بضم الثاء (اجعلها) أي: الحديقة. (لفقراء قرابتك، قال أنس:
стр. 2341
فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّى، وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَىٍّ مِنْ أَبِى طَلْحَةَ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِىِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ، وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ، وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِىِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانُ أَبَا طَلْحَةَ وَأُبَىٌّ إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، وَهْوَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا. وَقَالَ بَعْضُهْمْ إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ فِي الإِسْلَامِ.
٢٧٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». قَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِى عَمِّهِ.
ــ
فجعلها لحسَّان وأُبَيّ؛ لأنهما كانا أقرب إليه مني).
فإن قلت: لفظ القرابة شاملة للأقرب والأبعد. فكيف لم يُدخل أنسًا؛ قلت جاء في الرواية: الأقربين (فهو يجامع حسان وأبا طلحة وأبيًّا إلى ستة آباء) ضمير هو للشأن وفاعل يجامع ومعنى قوله: إلى ستة آباء، أي: إلى الأب السادس وهو عمرو بن مالك بن النجار، هذا ظاهر. ولكن كان على البخاري أن يذكر نسب أنس ليظهر وجه بعده وقد ذكروا أنه يلاقي أبا طلحة في الجَدِّ لثاني عشر.
(حرام) ضد الحلال (زيد مناة) علم مركب مثل بعلبك (وقال بعضهم: إذا أوصى لقرابته فهو إلى آبائه في الإسلام) يريد به أبا حنيفة رد عليه بالحديث؛ فإن قرابة حسَّان وأُبي وأبي طلحة لم يجمعها أب في الإسلام، وهذا ليس مذهب أبي حنيفة، بل قول صاحبيه، وقول أبي حنيفة: القرابة كل ذي رحم.
٢٧٥٢ - وقال الشافعي في الوصية للأقارب: يعتر أقرب جد ينسبون إليه كبني هاشم وبني المطلب مثلًا، وأقرب الأقارب الأصول والفروع.
стр. 2342
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يُنَادِى «يَا بَنِى فِهْرٍ، يَا بَنِى عَدِىٍّ». لِبُطُونِ قُرَيْشٍ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمَّا نَزَلَتْ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ». طرفه ١٤٦١
١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِى عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لَا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
ــ
(وقال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جعل النبي ﷺ ينادي يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء (يا بني عدي لبطون قريش) قال الجوهري: البطن دون القبيلة، فإن قريشًا قبيلة وهؤلاء بطونه، ورد بهذا الحديث هنا على أبي حنيفة فإن الانتساب إلى الأب في الإسلام ليس شرطًا ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال (وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قال النبي ﷺ : يا معشر قريش) فدل ذلك على أنَّ قريشًا داخلة في الأقربين؛ وذلك لأن القرب أمر نسبي.
باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب
٢٧٥٣ - روى في الباب الحديث الذي رواه في الباب قبله، أنه لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، نادى رسول ﷺ بطون قريش، استدل به هنا على أن النساء والولدان يدخلون في الأقارب لقوله: (يا صفية عمَّة رسول الله ﷺ ، ويا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا).
стр. 2343
تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. طرفاه ٣٥٢٧، ٤٧٧١
١٢ - باب هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ
وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ - رضى الله عنه - لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِى الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لِلَّهِ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ «ارْكَبْهَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ». طرفه ١٦٩٠
٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ «ارْكَبْهَا». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ». فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ. طرفه ١٦٨٩
ــ
فإن قلت: شفاعته عامة لأهل الكبائر فضلًا عن عترته وقرابته؟ قلت: أراد الإغراء على طاعة الله، ومحمل كلامه أنه لا يغني شيئًا إلا من بعد إذن الله له في الشفاعة، أو لم يكن علم ذلك في ذلك الوقت؛ فإن هذا كان في أول الإسلام، وهو بمكة وكانت هذه القصة وهو على الصفا.
(تابعه أصبغ) بالصاد المهملة والغين المعجمة.
باب هل ينتفع الواقف بوقفه
(وقد اشترط عمر أن لا جناح على مَن وليه أن يكل منها).
قال البخاري: (وقد يلي الواقف وغيره).
٢٧٥٤ - ٢٧٥٥ - ثم روى حديث صاحب البدنة. واستدلَّ به على أن البدنة وإن كانت لفقراء الحرم إلا أن الركوب جائز؛ لأن البدنة مثل أصل الوقف، والركوب كالانتفاع بالوقف.
(ويلك أو ويحك) الشك من الراوي، قيل: الويل كلمة العذاب، والويح: كلمة ترحُّم. قلت: هذا إن كان باعتبار الأصل فممكن وإن كان باعتبار المقام فلم يُردْ بذلك إلا نوع توبيخ؛ فإنه أمره بالركوب فشرع يناظره لبعد ذهنه ولقلَّة إدراكه.
стр. 2344
١٣ - باب إِذَا وَقَفَ شَيْئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ
لأَنَّ عُمَرَ - رضى الله عنه - أَوْقَفَ وَقَالَ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَالَ أَفْعَلُ. فَقَسَمَهَا فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِى عَمِّهِ.
١٤ - باب إِذَا قَالَ دَارِى صَدَقَةٌ لِلَّهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ. فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَضَعُهَا فِي الأَقْرَبِينَ أَوْ حَيْثُ أَرَادَ
قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ حِينَ قَالَ أَحَبُّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرَحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، فَأَجَازَ النَّبِىُّ ﷺ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَنْ وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
ــ
باب إذا وقف شيئًا ولم يدفعه إلى غيره فهو جائز
أراد بهذا الردَّ على الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة واستدل على ذلك بوقف عمر، فإنه لم يجعل له متوليًا ولا سلمه إلى أحد. وكذا بوقف أبي طلحة ولكن في وقف أبي طلحة نظر؛ لأنه قسمه في أقاربه وأيضًا لم يكن ذلك وقفًا. بل عطيةً وهبةً؛ ولذا باعه حسّان لمعاوية كما سيأتي عن قريب في البخاري.
باب إذا قال داري صدقة ولم يبيِّن للفقراء أو غيرهم
استدل على جوازه بقضية أبي طلحة وقد عرفت ما فيه.
(وقال بعضهم: لا يجوز حتى يبين لمن، والأول أصح) هذا الأصح مختاره، وبه قال مالك. والجمهور على عدم جوازه ما لم يبيِّن الموقوف عليه [....] أو جهة، وأما قوله: (قال أبو طلحة: أحبُّ أموالي بيرحاء، وإنها صدقة لله، فأجاز النبي ﷺ ذلك) في ذلك دليل؛ فإن رسول الله ﷺ بيَّن المصرِف، وقال: "اجعلها في الأقربين" على أنَّ هذا لم يكن وقفًا بل هبة كما ذكرنا في الباب قبله.
стр. 2345
١٥ - باب إِذَا قَالَ أَرْضِى أَوْ بُسْتَانِى صَدَقَةٌ عَنْ أُمِّى. فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذَلِكَ
٢٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رضى الله عنه - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّى تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَىْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ «نَعَمْ». قَالَ فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِى الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. طرفاه ٢٧٦٢، ٢٧٧٠
١٦ - باب إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ أَوْقَفَ بَعْضَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِهِ أَوْ دَوَابِّهِ، فَهُوَ جَائِزٌ
ــ
باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة عن أمِّي فهو جائز، وإن لم يبيِّن لمن ثيلك
وقد أشرنا إلى أن هذا لا يصحُّ عند الجمهور ما لم يبين الموقوف عليه.
٢٧٥٦ - (محمد) وكذا وقع في بعضها، وهو ابن سلام، قاله الغسَّاني، كما وقع في بعضها. (مَخْلَد) بفتح الميم وخاء معجمة (ابن جريج) بضم الجيم مصغَّر عبد الملك (يَعلى) على وزن يَحيى (سعد بن عُبادة) بضم العين وباء مخففة، سيد الخزرج (أُشهِدُك أن حائطي المِخراف)، بكسر الميم. وعن الفراء: فتح الميمَ جماعةٌ النخل من الخِراف، وهو قطاف التمر واجتناؤه. والظاهر أنه عَلَم لذلك الحائط. والحائط الحديقة: من إطلاق اسم على الكل.
والحديث دال على أنَّ الصدقة عن الميت واصلة إليه. قيل: هذا مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وفيه خلل من وجهين:
الأوَّل: أن العموم إنما هو في قوله: ﴿مَا سَعَى﴾ وهو باقٍ على عمومه.
الثاني: أن صدقة الولد أيضًا من سعي الوالدين؛ لأنه سعي في تحصيل ولد يدعو له، ويتصدق عنه. ألا ترى أن المؤمن بإيمانه يسعى في جلب دعاء كافة المؤمنين له إلى آخر الدهر ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
باب إذا تصدَّق أو وقف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز
أي إذا عين التصدق. والوقف لبعض المال مما لا خلاف فيه. إنما الخلاف في الجميع، والجمهور على جوازه ممن كان له صبر بلا كراهة، ومن غيره مع الكراهة،
стр. 2346
٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِى صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ . قَالَ «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ فَإِنِّى أُمْسِكُ سَهْمِى الَّذِى بِخَيْبَرَ. أطرافه ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥
١٧ - باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الْوَكِيلُ إِلَيْهِ
٢٧٥٨ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بِيرُحَاءَ - قَالَ وَكَانَتْ حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا - فَهِىَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى
ــ
واستدلوا على ذلك بقضية الصِّديق حيث تصدق بجميع ماله، فأمضاه رسول الله ﷺ ، ولم يمضه لكعب بن مالك.
٢٧٥٧ - (بُكير)، بضم الباء، مصَغَّر (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة) من: تبعيضية. أي: بعض توبتي، أو بمعنى اللام، أي: شكرًا لقبول توبتي.
باب من تصدَّق إلى وكيله، ثم ردَّ الوكيل إليه
٢٧٥٨ - (إسماعيل) هو ابن أبي أويس (لا أعلمه إلا عن أنس) هذا أخص من قوله: حدثنا ونحوه؛ لأنه بطريق الحصر فيه، ومن عكس فقد التبس عليه (إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بِيرحاء)
стр. 2347
رَسُولِهِ ﷺ أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَعْهَا أَىْ رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ». فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِى رَحِمِهِ، قَالَ وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَىٌّ وَحَسَّانُ، قَالَ وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لَهُ تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِى طَلْحَةَ فَقَالَ أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ قَالَ وَكَانَتْ تِلْكَ الْحَدِيقَةُ فِي مَوْضِعِ قَصْرِ بَنِى حُدَيْلَةَ الَّذِى بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ. طرفه ١٤٦١
ــ
سبق ضبطه في أبواب الزكاة (أرجو برَّه) أي: ثوابه من الله (وذُخرَه) بضم الذال المعجمة في الأصل مصدر أريد به الشيء المدَّخر لوقت الحاجة (فضعها أيْ رسول الله) بفتح الهمزة، حرف نداء. (حيث أراك الله) أي أعلمك.
هذا موضع الدلالة على الترجمة: فإنه توكيل لرسول الله ﷺ .
(بخ) بفتح الباء وتشديد الخاء، ينوَّن ولا ينوَّن، كلمة تقال عند الرضى بالشيء.
(ذلك مال رابح). بالباء الموحدة، بشَّره فإنه ربح فيما فعل، ويروى بالياء المثناة: أيروح عليك ثوابه؟ (فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه) أي: الأقربين منهم، قال ابن الأثير: ذو الرحم: من جمعك وإياه نسب، وفي الفرائض يختص في القرابة من جهة.
(وباع حسان من معاوية) فإن قلت: كيف باع الوقف؟ قلت: لم يكن وقفًا. بل كان صدقةً، والصدقة هبة يطلب بها ثواب الآخرة.
قال بعضهم: فإن قلت: كيف جاز بيع الوقف؟ قلت: التصدق على المعيَّن تمليك له، وهذا فهم أن الوقف على المعيَّن يجوز بيعه. وهو خلاف الإجماع.
(فكانت تلك الحديقة في موضع قَصْرِ بني حديلَةَ) بفتح الحاء المهملة، ويقال: بالضم مصغَّر، بطن من الأنصار، وقد نبهناك على أن هذا يشكل على البخاري حيث استدل به على الوقف على الأقارب.
стр. 2348
١٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ)
٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِى يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الَّذِى يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. طرفه ٤٥٧٦
ــ
باب قوله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]
الخطاب للورثة، أمرهم بأنهم عند قسمة الميراث يعطون شيئًا من ذلك الذي حصل لهم من غير كدٍّ ولا سعي لمن ليس له حظ من ذلك المال لذوي قرابة الميِّت، وكذا كل من حضر من اليتامى والمساكين.
٢٧٥٩ - (أبو النُّعمان) بضم النون (أبو عوانة) بفتح العين، الوضاح اليشكري (عن أبي بِشرٍ) بكسر الموحدة وشين معجمة (عن ابن عباس إنَّ ناسًا يزعمون أن هذه الآية نسخت) يريد الآية التي ترجم عليها البخاري من قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (ولكن مما تهاون الناس) أي تساهلوا في العمل بها.
(هما واليان) الضمير للوارث الذي علم في القسمة، أو الذي في قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ وإنما ثنَّاه باعتبار الخبر.
(والٍ يرث وذاك الذي يرزق) بضم الياء، على بناء المجهول في النسخ المعتبَرة، ومعناه أن الذي يرزق الميراث ويحصل له الإرث هو المأمور بأن يرزق من ذلك المال المحتاجَ من ذوي القربى واليتامى، وأما الذي له ولاية على مال الميت، كقيم اليتيم والوصي، فذاك الذي يقول بالمعروف ويعتذر إلى الحاضرين بأن المال ليس لي ولا يجوز لي التصرف فيه، وهذا معنى حسن، وهو الذي أراده ابن عباس وشرحه بعض الشارحين.
(يَرزقُ) على بناء الفاعل، بأن الذي ورث المال يَرزق من حضر، وأما الآخر فلا مال له فلا يرزق أحدًا، وهذا أيضًا صحيح في نفسه إلَّا أن آخر الحديث يؤيد الأول، وأيضًا إسناد الرزق إلى المتصدق ليس متعارفًا فتأمل.
стр. 2349
١٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ
٢٧٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ إِنَّ أُمِّى افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ «نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا». طرفه ١٣٨٨
٢٧٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رضى الله عنه - اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ «اقْضِهِ عَنْهَا». طرفاه ٦٦٩٨، ٦٩٥٩
ــ
باب ما يستحب لمن توفي فجأةً أن يتصدقوا عنه، وقضاء النذور عن الميت
٢٧٦٠ - (عن عائشة ﵂ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتُلِتَت نفسها) بضم الهمزة على بناء المجهول ونصب نفسها، والقائم مقام الفاعل الضمير المستتر في الفعل على أنه متعدٍّ إلى مفعولين، كقولك: اختلسته الشيء. والرفع على أنه متعد إلى مفعول واحد، على معنى: أخذ الله روحها. وهذا الرجل هو سعد بن عبادة سيذكره صريحًا مع هذا المتن.
٢٧٦١ - (عن ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ أنَّ أمَّه ماتت وعليها نذر، فقال: اقضِه عنها).
قال النووي: اختلف في نذر أم سعد قيل: كان نذرًا مطلقًا، وقيل: كان صومًا. وقيل: عتقًا. وقيل: صدقة. قال والأوَّل أصح لما روى الدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: "اسق
стр. 2350
٢٠ - باب الإِشْهَادِ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِى يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رضى الله عنهم - أَخَا بَنِى سَاعِدَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّى تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَىْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ «نَعَمْ». قَالَ فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِى الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. طرفه ٢٧٥٦
ــ
عنها الماء". والحديث حجة على مالك وأبي حنيفة في أن الحقوف المالية كالزكاة والنذور تُقضى عن الميِّت وإن لم يوصِ به، إن كان له مال، وإن لم يكن له مال وتبرع به وارثه أو آخر يقع عنه.
باب الإشهاد في الوقف والصدقة
٢٧٦٢ - (يَعلى) على وزن يحيى (أن سعد بن عبادة أخا بني ساعده) يريد: أحد بني ساعدة، كما تقول للعربي: يا أخا العرب، تقدَّم لشرح الحديث في باب إذا قال: أرضي وبستاني صدقة عن أمي.
(حائطي المخراف) بفتح الميم، عن الفراء وعن غيره الكسر. وأشرنا أن الظاهر أنه علم لذلك الحائط.
فإن قلت: ليس في الباب ما يدل على الإشهاد في الوقف؟ قلت: أراد إلحاق الوقف بالصدقة فإن كلًّا منهما عمل برّ، فكان الأصل فيه الإخفاء، إلا أنه شرُع فيه الإشهاد؛ لأنه ربما يقع فيه النزاع، كذا قيل. والحق أنه لا حاجة إليه؛ لأن الوقف صدقة. ألا ترى أنه في العرف صدقة جارية، وعطف الصدقة عليه من عطف العام على الخاص.
следующие страницы →