Полный текст (5 311 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
٩ - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ «إِذَا أَتَى الخَلَاءَ» وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ «إِذَا دَخَلَ» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ». [الحديث ١٤٢ - طرفه في: ٦٣٢٢].
ــ
باب: ما يقول عند الخلاء
الخلاء ممدودًا هو الفضاء والمكان الذي لا شيء فيه. قاله الجوهري.
١٤٢ - (صهيب) -بضم الصاد وفتح الهاء- على وزن المصغر.
(كان النبي ﷺ إذا دَخَل الخلاء قال: اللهم إني أعوذُ بك من الخبث والخبائث) لفظ كان، دَلَّ بظاهره على أن هذا شأنه دائمًا. والخُبُثُ -بضم الخاء والباء وقد تسكن الباء تخفيفًا-: ذُكْرانُ الجن، جمع خبيث. قال الجعبري: هذا قياس جمع كل فعيل صفة وفعول. وقول الخطابي: الإسكان غلطٌ. غلطٌ منه.
والخبائث جمع خبيثةٍ: إناث الجن. وقيل: الخبث: جمع خبيث وهو المكروه من الأفعال والأخلاق، والخبائث: جمع خبيثةٍ وهي المعاصي، وإنما يكون هذا الدعاءُ؛ لأن موضع الخلاء وقضاء الوطر والحشوش مأوى الشياطين.
(تابعه ابن عَرعَرَة) أي: محمد بن عرعرة تابعَ آدمَ بن أبي إياسٍ في رواية هذا الحديث، والمتابعةُ تامةٌ؛ لأنها من أول الإسناد، لأن أحد شيخيه وافقَ الآخر.
(وقال غُنْدَر) -بضم الغين المعجمة ودال مهملة- وهذا تعليق من البخاري، لأنه لم يَلْقَه (أتى الخلاء) لفظ: أتى، في هذه الرواية والتي بعدها من رواية سعيد بن زيد (إذا أراد أن يدخل) دلّتا على أن قوله: إذا دَخَل الخلاء معناه: إذا أراد. وهذا في القرآن له نظائر، منها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردتَ القرآن.
واعلم أن موسى الذي قال فيه البخاري: (وقال موسى عن حماد) هو: موسى بن
стр. 282
١٠ - بَابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
ــ
إسماعيل شيخ البخاري، وإنما روَى عنه بلفظ قال؛ لأنه سمع الحديثَ منه مذاكرةً لا تحميلًا، وسعيد بن زيد هو أخو حماد بن زيد، قيل: ليسَ بثقة، ولذلك لم يرو عنه البخاري إلّا استشهادًا. قلتُ: وثّقه ابنُ معين، وكفى به ذلك.
باب: وضع الماء عند الخلاء
قال الجوهري: الخلاء ممدود المتوضَّأُ والمكان الذي لا شيء فيه. قلتُ: الخلاء هو المكان الخالي، وإطلاقه على المتوضأ لِخُلُوهِ عن الناس عادةً، ولأنهم كانوا لقضاء الحاجة يخرجون إلى الفضاء.
١٤٣ - (عبد الله بن محمد) هو المسندي (وَرْقاء) -بفتح الواو والقاف ممدودًا- هو ابن عمرو البكري (عن عُبيد الله) بضم العين على وزن المصغر (ابن أبي يزيد) من الزيادة (قال: دَخَل النبي ﷺ الخلاء فوضعت له وَضوءًا) -بفتح الواو على الأشهر-: الماء الذي يتوضأ به (قال: مَنْ وَضَع هذا؟ فأُخبر) أي: بأني ذلك الواضع، والمخبر ميمونة (قال: اللهم فقهه في الدين) بفتح الفاء وتشديد القاف. قلتُ: وقد استجاب الله تعالى دعاء رسوله ﷺ . قال العراقي عن ابن حنبل: إن أكثر الصحابة فتوىّ ابنُ عباس وهو المسمَّى بالبحر والحبر.
وفي الحديث دلالة على أن خدمة الأصاغر غير مكروهة، وأن إحضار الماء للمتوضئ ليس من الإعانة المكروهة في الوضوء، وأن مَنْ خَدَم إنسانًا يستحب أن يكافئه بالدعاء له في الدين.
قال النووي: الأفضل في الاستنجاء استعمال الحجر أولًا ثم الماء، والاقتصار على أحدهما جائز، والأفضل الماءُ؛ لأن الماء مطهر والحجر ليس بمطهر، وإنما يُبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها.
وذهب بعضُهم إلى أن الحجر أفضل من الماء. قال: وأوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزئ. وقال ابنُ صهيب المالكي: لا يجزئ الحجر إلا لمن عدِمَ الماء قال: واستدل
стр. 283
١١ - بَابٌ: لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ
ــ
بعضهم به على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون الأنهار والبُرك؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه توضأ من شيء منها. قال القاضي: وهذا ليس له أصلٌ إن لم ينقل أن النبي ﷺ وجد شيئًا منها فعَدَلَ عنه إلى الأواني. قلتُ: قول ذلك القائل لم ينقل أنه توضأ من شيء منها ممنوع؛ فان أبا موسى الأشعري رَوَى أن رسول الله ﷺ جاء بئر أريسٍ فتوضأ منها.
فإن قلتَ: البئر لا يمكن التوضؤ منها نفسها؟ قلتُ: ذلك البئر يمكن فيه ذلك، وقد شاهدناه ينزل عليه بالدرج. وقال ابن بَطّال: ذهبت طائفة إلى أن الاستنجاء بالماء مخصوص بالنساء. والله أعلم.
باب: لا تُسْتَقبل القِبْلة بغائطٍ أو بول إلا عند البناء، جدار أو نحوه
تستقبل: علي بناء المجهول، ويُروى علي بناء الفاعل، ونصب القبلةَ.
١٤٤ - (ابن أبي ذئب) -بلفظ الحيوان المعروف- محمد بن عبد الرحمن (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة (عن أبي أيوب الأنصاري) خالدِ بن يزيد بن ثعلبة النَجّاري، من أخوال رسول الله ﷺ . عليه نزل في بيته لما قدم المدينة، استشهد زَمَنَ معاوية بالقسطنطينية، وكانت الكفار يرون الأنوار على قبره، ولما فَتَحَ الله القسطنطينية على المسلمين على يد السلطان ابن السلطان محمد خان بن عثمان نصره الله وكنا في ذلك الجيش بحمد الله، وجدنا مزاره معروفًا عند الكفار، والآن قد بُني عليه مسجد فيه الذكر والعبادة والصُلَحاء يُدفنون هناك.
стр. 284
الغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». [الحديث ١٤٤ - طرفه في: ٣٩٤].
ــ
(إذا أتى أحدكم الغائط) لفظ الغائط: مجاز عن قضاء الحاجة، وهو في الأصل المكانُ المنخفض، وكانوا يقضون الوطر في مثله لعدم اعتبارهم بالمراحيض، فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال كما هو دأبُ القرآن الكريم. والحديث من ذكر الألفاظ الشريفة للدلالة على المعاني الخسيسة.
(فلا يستقبل القِبلة ولا يُوَليها ظهره، شَرّقوا أو غَرّبوا) إنما نَهَى عن استقبال القبلة في مكان لا يكون فيه بناء أو نحوه كما ترجم له البخاري.
قال النووي: حديث عائشة وابن عمر دلّ على الجواز في البناء، وهذا الحديث دلّ على عدم الجواز مطلقًا، وكذا حديث سلمان كما سيأتي، فوجه الجمع بين الأحاديث أن يحمل التحريم على الفضاء والجواز على البنيان، والفرق: المشقة في البنيان دون الفضاء، وأنا أقول: لا مشقة في البنيان، بل العلَّة احترام القبلة، وفي البنيان وجه ساتر.
فإن قلت: في الصحراء أيضًا بوجه الجبال؟ قلت: لا اعتداد بتلك الجبال لبعدها، والذي يدل على ما ذكرنا ما رواه أبو داود عن مروان الأصغر قال: رأيت ابنَ عمر أناخ راحلَتَهُ مستقبل القبلة، ثم جَلَس يبول إليها، فقلتُ له في ذلك؟ فقال: إذا كان شيء يَسْتُركَ فلا بأس، وروى أبو داود والنسائي أن رسول الله ﷺ خرج وبيده ورقة فوضعها، ثم جَلَس فبال إليها.
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قلت: يعارض ما ذكرتم حديث أبي أيوب الآتي بعدُ وهو قوله: وجدنا بالشام مراحيض بُنيت قِبل البيت، كنا ننحرفُ ونستغفر الله، فلم يعتد بالبناء ساترًا قلت: أبو أيوب لم ينقله عن رسول الله ﷺ ولم يبلغه حديث ابن عمر وعائشة، وما يقال: إن أبا أيوب حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز، لا معنى له؛ فإن الغائط حقيقة في عُرف الشرع عن كل مكان تقضى فيه الحاجة. قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فالصوابُ أنه أجراه على عمومه لعدم إطلاعه على المخصص كما ذكرنا من حديث ابن عمر وعائشة في البنيان، والاستدبار عن الإمام أحمد روايتان. وقوله: "شرقوا أو غربوا" خطابٌ لأهل المدينة، فإن القِبلة هناك في الجنوب. وأما من كانت قبلته في الشرق أو الغرب فالأمر بالعكس عنده.
فإن قلتَ: ترجم البخاري على عدم جواز استقبال القبلة إلا عند البناء ونحوه، وليس في حديث الباب ذكرُ شيءٍ من ذلك؟ قلتُ: هذا على دأبه من الاستدلال بما في دلالته خفاء اعتمادًا على ما سيروي من حديث ابن عمر. وما يقال: إن لفظ الغائط يدل على الصحراء، لأنه المكان المنخفض، وإنما يكون في الصحراء لا في البنيان، فلا يعول عليه، لأن الغائط مجاز عن قضاء الحاجة، فلا يُعتبر فيه المعنى الحقيقي. وقال الخطابي: إنما حَرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، لأن الفضاء موضع الجنّ والإنس والملائكة، فالقاعدُ مستهدفٌ للأبصار بخلاف البنيان، فإن الأبنية ساترة ولأن القبلة إنما تستقبل في الدعاء وأمور الخير، فكره أن تستقبل أو تستدبر في الحدث. قلت: هذا الثاني يدلّ على الحرمة في البنيان ولا محيص إلا بأن البنيان ساترة، فلذلك اغتفر فيه ذلك.
قال بعض الشارحين: فإن قلت: شرّقوا بعد قوله: "إذا أتى أحدكم الغائط ... " ما هذا الأسلوب؟ قلتُ: أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. هذا كلامه. وقد سها فيه، وذلك أن المخاطب في "شرقوا" ليس ذلك الأحد المذكور أولًا، لأنه عام على سبيل البدل. والحق أن "شرقوا" جواب سؤال مقدر، كأنهم قالوا: فكيف نفعل؟ قال: شرقوا أو غربوا. وهذا خاصٌ بأهل المدينة ومن على ذلك السمت.
стр. 286
١٢ - بَابُ مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ
١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ، وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ».
ــ
باب: مَنْ تَبَرَّز علي لَبِنَتَيْن
يقال: تبرز الرجلُ أي: قضى حاجته، من البراز -بفتح الباء -وهو الفضاء الواسع، وذلك أنهم كانوا يقضون حاجة الإنسان في الفضاء، فكنَّوا بالبراز عنها، كما كنوا بالغائط والخلاء. قال الخطابي: المحدثون يقولون: البِراز -بكسر الباء -وهو خطأٌ، فإن ذلك مصدر المبارزة في الحرب. وذكر الجوهري بخلافه قال: البراز -بالكسر- المبارزة وهو الفضاء أيضًا. وكناية عن فعل الإنسان. واللبنةُ معروفةٌ. وفيها لغتان: فتح اللام وكسر الباء، وكسر اللام وسكون الباء.
١٤٥ - (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن واسع بن حَبّان) بفتح الحاء وتشديد الموحدة في الموضعين (إن ناسًا يقولون إذا قعدْتَ على حاجتك، فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس) -بفتح الميم وسكون القاف- من إضافة الشيء إلى المصدر مبالغةً كرجل صدق، وبضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال من إضافة الموصوف إلى الصفة، نحو مسجد الجامع.
(لقد ارتقيتُ يومًا على ظهر بيتٍ لنا، فرأيتُ رسول الله ﷺ على لَبِنَتَيْنِ مستقبل بيت المقدس لحاجته) الجار يتعلق بمقدر أي: جالسًا لحاجته.
فإن قلتَ: كيف جاز لابن عمر النظرُ إلى رسول الله ﷺ وهو في تلك الحالة؟ قلتُ: لم يقصد النظر، وإنما وقع نظره عليه اتفاقًا، وكان ذلك في بيت حفصة كما سيأتي. وهي أخته فلم يتحاش عن النظر، ولما وقع نظرُهُ حفظ الكيفية، لأنها مسألة ضرورية غَلِطَ فيها
стр. 287
وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. [الحديث ١٤٥ - أطرافه في: ١٤٨، ١٤٩، ٣١٠].
ــ
أقرانه، وبهذا الحديث استدل الشافعي ومن وافقه على أن الاستقبال والاستدبار في البنيان لا بأس به.
قال النووي: شرفُ بيت المقدس دون شرف الكعبة، ولما كان استقبال الكعبة واستدبارها حرامًا، كان ذلك في شأن بيت المقدس على وجه الكراهة. قال الخطابي: إنما ذكر استقبال بيت المقدس، لاستلزامه استدبار البيت الحرام، وفيه نظر؛ إذ عدم الملازمة في سائر الأماكن ظاهرة.
(وقال: لعلك من الذين يُصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري) هذا كلام ابن عمر لواسع بن حَبَّان، وكان زعم أن استقبال بيت المقدس لا يجوزُ، فكَنّى ابن عمر عن جهله بقوله: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؛ فإنه فعلُ من يجهل السنة. وقد فَسر مالك قولَ ابن عمر: من الذين يصلون على أوراكهم: بأنه الذي إذا سَجَدَ يلصق بطنه بالأرض. قال ابن الأثير: وذلك أن الذي يفعل في سجوده ذلك يرفع وركه. والورك هو ما فوق الفخذ.
فإن قلتَ: قد قال الفقهاء: التورك في الصلاة سنة؟ قلتُ: التورك الذي قالوا: إنه سنة هو أن يُنَحي رجليه في التشهد ويلزق مقعده بالأرض، وهو وضع الورك، والمكروه ما ذكره في الحديث. وفَسَّره الأزهري على وجهٍ آخر. قال المكروه أن يَضَعَ يَدَيْهِ على وركَيْهِ في الصلاة وهو قائم. قال: وقد نُهي عنه. قال ابنُ بطال: أما قول ابن عمر: إن ناسًا يقولون ... إلى آخره، فما رواه معقل الأسدي أن رسول الله ﷺ عن استقبال بيت المقدس ولفظه: "القبلتان بغائط أو بولٍ".
واعترض على ابن بطال بعضُ الشارحين وقال: جعل "إن ناسًا يقولون" من كلام ابن عمر لا لواسع، والسياق لا يساعده. هذا كلامه. والصواب ما قاله ابن بطال، بل ولا يتصور غيره بوجه فتأمّل في السياق، كيف لا وابنُ عمر هو الذي يردّ على أولئك الناس بما رآه من
стр. 288
١٣ - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ
١٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ " فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ "، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ [الحديث ١٤٦ - أطرافه في: ١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠].
ــ
رسول الله ﷺ مخالفًا لقولهم، ومنشأ غلطه قولُ ابن عمر لواسع: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؛ لأنه جهله، وخَفِي عليه أن واسعًا لو كان ناقلًا لم يتوجه إليه الاعتراض، لأنه روى ما سمعه.
باب: خروج النساء إلى البراز
١٤٦ - (يحيى بن بُكير) -بضم الباء على وزن المصغر- وكذا (عُقَيل) (أن أزواج النبي ﷺ كن يَخرجْنَ من الليل إذا تَبرزْنَ) أي: إذا أردنَ قضاء الحاجة. وقد تقدم في الباب قبله أن البِراز -بفتح الباء وكسرها- كناية عن قضاء الحاجة (إلى المناصع) وهو صعيدٌ أفيحُ.
قال الأزهري: المناصع مواضع مخصوصة خارج المدينة.
فإن قلتَ: كيف أفرد الضمير الراجع إلى الجمع؟ قلتُ: باعتبار كل جزء، أو المفرد الذي في ضمن الجمع.
(فخرجت سَوْدة بنت زَمْعَة) -بفتح الزاي وسكون الميم، وفتحها- تَزوَّجها رسول الله ﷺ بعد موت خديجة، ولما كبر سنها أراد فراقها. فقالت: لا تفارقني؛ فإني أُريدُ أنه أكون من أزواجك يوم القيامة واجعَلْ يومي منك لعائشة فرضي بذلك.
(فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودةُ، حرصًا على أن ينزل الحجاب) ظاهر هذا الكلام أن آية الحجاب إنما نزلت في قضية سَوْدة هذه، وسيأتي في رواية أنسٍ في تفسير
стр. 289
١٤٧ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ» قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي البَرَازَ.
ــ
سورة الأحزاب أن نزول الآية كان في وليمةِ زينب كما سيأتي الحديث بطوله. وقال أنس: أنا أعلمُ الناس بالحجاب. والتحقيقُ في هذا المقام أن الحجاب على وجهين: الأول أصل الحجاب وهو الذي نزل في قضية زينب، والثاني حجاب خاص بأن لا ينظر إلى أزواجه أصلًا، وإن كانت في جلباب، وهذه قضية سَوْدة؛ فإنها كانت في جلباب وكان خروجُها بالليل. وسيأتي من رواية عائشة أن سَوْدة رجعت لما قال لها عمرُ ما قال، وشكَتْ إلى رسول الله ﷺ مقالةَ عمر، وكان رسول الله ﷺ يَتَعَشَّى في بيتها، فأوحي إليه والعرق في يده، فلما كُشِف عنه قال: "أذن لكُنّ أن تخرجْنَ في حاجتِكُن" وما يقال: يجوزُ أن يراد بالحجاب الجنسُ فيتناول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] شيءٌ لا يلتفت إليه، ذلك أن آية الحجاب صارت كالعلم لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣].أ. هـ وإذا قيل: نزل الحجاب لا يذهب أحدٌ إلى غيرها. وقد ذكرنا آنفا نقلًا عن النووي أن لأزواج رسول الله ﷺ حجابًا خاصًا ليس لغيرهنّ، وإنما رخّص لهنّ الخروج لحاجة الإنسان لمكان الضرورة.
فإن قلتَ: قضية سودة مع عمر كانت بعد قضية زينب، فإذا كانت آية الحجاب نازلةً في زينب. فما معنى قوله هنا: فنزلتْ آيةُ الحجاب؟ قلتُ: آية الحجاب هنا أراد بها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فذكر رسول الله ﷺ أن خروج نسائه لحاجتهنّ مأذونٌ فيه.
١٤٧ - (زكريا) بالمد والقصد قرئ بهما في السبع (أبو أسامة) -بضم الهمزة- حَمّاد بن أسامة (عن عائشة عن النبي ﷺ قال: قد أذن لكُنّ) قال لما شكَت سودةُ إليه مقالة عمر، وقد نقلنا آنفًا أنه كان في بيت عائشة وهذه قطعةٌ من ذلك الحديث. وسيأتي بطوله.
стр. 290
١٤ - بَابُ التَّبَرُّزِ فِي البُيُوتِ
١٤٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ.
١٤٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ، وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ».
١٥ - بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ،
ــ
باب: التبرُّز في البيوت
١٤٨ - ١٤٩ - (إبراهيم بن منذر) بكسر الذال على وزن اسم الفاعل (أنس بن عياض) بضاد معجمة (عن عُبيد الله) بضم العين على وزن المصغر (حَبّان) بفتح الحاء وباء مشددة، روى عن عبد الله بن عمر أنه رأى رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام وقد شرحناه آنفًا بما لا مزيد عليه في الباب قبله، واستدل به هناك على جواز استقبال بيت المقدس في البنيان وهنا على جواز التبرز في البيوت، ورواه من طريقين.
باب: الاستنجاء بالماء
بوب على الاستنجاء بالماء؛ لأنا قدمنا أن طائفةً ذهبتْ إلى عدم جواز استعمال الماء فيه، لأنه مطعوم محترم، ثم معنى الاستنجاء قيل: هو استخراج النجو، والنجوُ ما يخرج من البطن. قاله الجوهري. وقيل: إزالة النجو من بدنه بالغسل والمسح. وقيل: هو من نجوت الشجرة وأنجيتُها إذا قطعتها، كأنه قَطَع الأذى عن نفسه، أو من النجوة وهو المرتفع من الأرض؛ لأن العادة الستر به عند قضاء الحاجة.
١٥٠ - (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي (عن أبي معاذ) بضم الميم وذال
стр. 291
وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ». [الحديث ١٥٠ - أطرافه
في: ١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠].
١٦ - بَابُ مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالوِسَادِ؟».
ــ
معجمة (واسمه عطاء بن أبي ميمونة) (كان النبي ﷺ ) لفظ: كان، يدلّ على أن هذا كان شأنَهُ على الاستمرار (أجيء أنا وغلامٌ معنا إداوة من ماء) كان الظاهر أن يقول: جئتُ، إلا أنه آثرَ المضارعَ حكايةً للحال. والإداوة -بكسر الهمزة- ظرف صغير متخذ من الجلد. (يعني: يسْتَنْجي به) فاعل يعني: أنس، وهذا مقول عطاء حكى عن أنس مراده من حمل الإداوة. قال الإسماعيلي وابن بطال: قوله: يعني يستنجي به. قول أبي الوليد.
وإذا كان كذلك لم يدل على الترجمة لجواز أن يكون حمله لطهوره لا للاستنجاء قلتُ: سواء كان اللفظ له أو لفظ أنس، الحديثُ يدل على ما ترجم له، لأنه روى عن أنس في باب حمل العَنَزة مع الماء يستنجي به بدون يعني. وفي روايةٍ أخرى عن أنس: خرج علينا وقد استنجى. رواه سلمة، وهذا على دأبه من الاستدلال بما فيه خفاءٌ، ليعلم أن للحديث طريقًا آخر وأصلًا يرجع إليه.
فإن قلتَ: حمل الماء يكفيه واحدٌ فما وجه قول أنسى: أنا وغلام؟ قلتُ: سيأتي أن أحدهما يحمل العَنَزة والآخرُ الماء، واستدل الطحاوي على الاستنجاء بالماء بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] بناءً على أنها نزلت في أهل قباء، وكانوا يجمعون بين الماء والحجر في الاستنجاء ودلالة الحديث فيه أظهر.
باب: من حُمِل معه الماءُ لِطُهوره
بضم الطاء مرادف الوضوء ويجوزُ فيه الفتح أيضًا (وقال أبو الدرداء) هو عُويمر -بضم العين آخره راء على وزن المصغر- ابن زيد الأنصاري وهو من فقهاء الصحابة تولى القضاء لمعاوية بالشام.
(أليس فيكم صاحبُ النعلين والوِساد) هذا طرف من حديث سيأتي في مناقب ابن
стр. 292
١٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ».
١٧ - بَابُ حَمْلِ العَنَزَةِ مَعَ المَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ
١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
ــ
مسعود عن علقمة وهو أنه ورد الشام فوجَدَ فيه أبا الدرداء، فقال له هذا الكلام من جملة ما قال -يريد ابن مسعود- وكان ابن مسعود يتولى من خدمة رسول الله ﷺ هذه، أعني: حفظ النعلين والطهور والوسادة وهي المخدّة. ويقال: الوساد أيضًا.
قال بعضُ الشارحين: المشهور في وصف ابن مسعود صاحب السِّواد -بكسر السين المقدمة على الواو- ولعل السواد والوساد بمعنى واحد، وكأنها من باب القلب، والمقصود منه أنه صاحب السرار يقال: ساودته أي: ساررته. وأصله إدناء سوادك من سواده وهو الشخص. هذا كلامه. وأنا أقول: اتفقت نُسخ البخاري على الوسادة حيث وقع، فلا وجه للتكلف وارتكاب التمحلات وذكْرُ النعلين والطهور أدلّ دليل على أن المراد بالوسادة معناها المعروف. وأما قوله المشهور: إنه صاحب السواد فلا تنافي بين الأمرين، فهو صاحب السواد وصاحب الوساد. وقوله: إدناء سوادك من سواده أي: شخصك من شخصه. هذه عبارة الجوهري ولكن ضبطه ابنُ الأثير، وقال قوله ﷺ لابن مسعود: "إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب وتسمع سِوادي" أي: سِراري بالكسر وأما السَّواد بمعنى الشخص هو بالفتح؛ لأنه يرى من بعيد أسود ولذلك يقال: رأيت سواد إنسان من بعيد.
ثم إن البخاري ذكر حديث أنس أنه كان يحمل هو وغلام معه لرسول الله ﷺ إداوة من ماء. واستدل به أولًا على جواز الاستنجاء بالماء، وثانيًا على حمل الماء للطهور، وهو الوضوء. ولا منافاة لجواز أن يكون الغرضُ من حمل الماء كليهما وهو ظاهر.
باب: حمل العَنَزة مع الماء في الاستنجاء
العنزة -بفتح العين والنون- أطول من العصا وأقصر من الرمح في عقبه زجّ.
١٥٢ - (محمد بن بشار) بفتح الباء وتشديد الشين.
стр. 293
عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ العَنَزَةُ: عَصًا عَلَيْهِ زُجٌّ.
١٨ - بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ
١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ،
ــ
(سمع أنس بن مالك) هذا كلام شعبة حكى حال عطاء وهو في قوة قول عطاء: سمعتُ أنسًا كما تقدم في الباب قبله (كان رسول الله ﷺ يدخل الخَلَاء) -بالمد- الموضع الذي يقضي حاجته فيه. وهو في الأصلِ المكانُ الخالي (أحمِلُ أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة) تقدَّم أن الإداوة -بكسر الهمزة- إناء صغير من الجلد.
فإن قلتَ: حمل الإدواة مع الماء إلى الخلاء ظاهر. فما وجه حمل العنزة؟ قلتُ: كان خروجه إلى الغائط في الفضاء، فربما كان موضع البول يابسًا لا يُؤْمَن فيه رش البول فيفرش به المكان، وأيضًا كان بين المنافقين واليهود وهو نوعٌ من السلاح. وقيل: لأنه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى فيجعله سترة. وفي هذا نظر، إذ لم يثبُتْ عنه ذلك، وقيد البخاري بقوله: في الاستنجاء ظاهر في أنه كان حمل العنزة للاستنجاء لا غير.
(تابعه النَّضْر وشاذان) -بالضاد المعجمة- هو نضر بن شميل الخزاعي أصله من بصرة، ومولدهِ بمروٍ الروذ. وشاذان -بالشين المعجمة وذال كذلك- لفظ عجمي يرادف فرحان لقب الأسود بن عامر. قال بعضُهم: رواية البخاري عن النَّضْر تعليق، لأنه يوم مات كان عُمْرُ البخاري تِسْعَ سنين. قلتُ: هذا لا دلالة فيه؛ لأن محمود بن الربيع، روى عن رسول الله ﷺ وعمره خمسُ سنين، وقال: وأما شاذان يحتمل أن البخاري روى عنه بالواسطة وبدونها. قلت: لا رواية للبخاري عن شاذان بلا واسطة ذكره المقدسي وغيره. قال: وكان يوم مات عمر البخاري ثمان سنين، ومتابعتهما عن شعبة متابعة ناقصة.
باب: النهي عن الاستنجاء باليمين
١٥٣ - (معاذ بن فَضالة) بضم الميم وفتح الفاء وضاد معجمة (هشام هو الدستوائي) لم يقل: هشام الدستوائي، بل زاد لفظ: هو، لأنه لم يسمعه من شيخه، بل هو تعريف من
стр. 294
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ». طرفاه ١٥٤، ٥٦٣٠
ــ
عنده، ودستواء: قرية من نواحي الأهواز (يحيى بن [أبي] كثير) - ضدّ القليل - إمام المحدثين في زمانه (عن أبيه). أبي قتادة هو الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي، قال رسول الله ﷺ في غزوة ذي قرد: "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة".
(إذا شرب أحدُكم فلا يتنفسْ في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يأخذنّ ذكرَهُ بيمينه، ولا يَتَمَسَّح بيمينه) قوله: "لا يتنفس" "ولا يأخذ" "ولا يتمسح". ثلاثتها بالجزم هو الرواية.
ويجوز الرفع على أنه نفيٌ في معنى النهي، وهو أبلغُ من صريحه؛ لأنه إخبارٌ عن انتهائه فكأنه نهى عنه فانتهى فأخبر عن حاله.
فإن قلت: روى البخاري ومسلم "أن رسول الله ﷺ كان يتنفسُ في الإناء إذا شرب ثلاثًا" قلتُ: معناه أنه كان يشرب بثلاث دفعات، وعلّله بأنه أبرأ وأهنأ وأمرأ، والذي نهي عنه النَّفَسُ في الإناء بأن لا يبعده عن فيه؛ فإنه يفسد الماء بحرارة نفسه، وربما خرج من فيه ريقٌ أو رائحة خبيثة فيتأذى به مَنْ يشربُ بعده.
وأما النهي عن مَسّ الذكر والتمسّح به فلشرفه، روى أبو داود عن عائشة "أن يد رسول الله ﷺ اليُمنى كانت لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه، وما كان من أذىً" هذا إذا أمكنه وأما إذا كان هناك عذرٌ فذاك شيء آخر، والنهي في أمثاله من قبيل الآداب. قيل: هذا إذا أزال النجاسة بالماء أو بغيره. وأما لو باشره بيده من غير إزالةٍ فلا يجزئ ولا يجوزُ، سواء كان باليمين أو بالشمال. قلتُ: عدم الإجزاء مسلَّمٌ، وأما عدم الجواز ففيه نظرٌ. والظاهرُ الكراهة. قال الفقهاء: إذا احتاجَ إلى استعمال اليمين في الاستنجاء فليمسك ذكره بشماله والحجر بيمينه، ولا يحركه، بل يحرك بالشمال.
стр. 295
١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِى بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ».
٢٠ - باب الاِسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ
١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَكِّىُّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ «ابْغِنِى أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ -
ــ
باب: لا يمسكُ ذَكَرَهُ بيمينه إذا بَالَ
١٥٤ - (الأوزاعي) -بفتح الهمزة وسكون الواو- إمام أهل زمانه. رُوي أنه حجّ سنة، وكان الثوري بمكة فاستقبله وأخذ بخطام بعيره يمشي قُدامه ويقول: طرقوا للشيخ. اسمه عبد الرحمن. قال الجوهري: الأوزاعُ بطنٌ من همدان ومنه الأوزاعي.
(إذا بال أحدُكم فلا يأخُذَنّ ذكره بيمينه ولا يستنجي بيمينه ولا يتنفس) عطف على الشرطية بتقدير شرط أي: إذا شرب. ولا يجوزُ عطفه على جزاء الشرط المذكور لفساد المعنى، ولا على جملة الشرط والجزاء معًا أيضًا، لأن عطف الخبرية على الشرطية وإن كان صحيحًا إلا أنه يفيد النهي عن التنفس في الإناء مطلقًا حال الشرب وغيره، وليس بغرض من الحديث.
فإن قلتَ: ذكر هنا لفظة الاستنجاء، والباب ليس موضوعًا له، ولم يذكره في الباب الذي قبله، والباب كان موضوعًا له؟ قلتُ: دأبُهُ الإتيان في الدليل بما فيه خفاء، وقد ذكر هناك بلفظ يتمسح على أنه بمعنى الاستنجاء.
باب: الاستنجاء بالحجارة
١٥٥ - (عن أبي هريرة قال: اتّبعت النبي ﷺ وخَرَج) جملة حالية. أي: وقد خَرَج لحاجته (وكان لا يتلفظ) أي: في حال ذهابه إلى قضاء الحاجة، وإلا فمن نعته أنه كان إذا التفتَ التفت معًا (فقال ابغني أحجارًا) - بهمزة الوصل - يقال: ابغني كذا أي: اطلبُهُ لي، وأبغني بهمزة القطع أي: أعنّي على طلبه. والأول هو المراد هنا.
(أستنفض بها) -بفتح الهمزة وضاد معجمة- أى: حتى أتنظف أصل النفضِ: التحريكُ ليزول ما عليه فأُريدَ به لازمُهُ (أو نحوه) بالنصب عطف على أستنفض. الشك من أبي هريرة
стр. 296
وَلَا تَأْتِنِى بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِى فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. طرفه ٣٨٦٠
ــ
أي: إما قال: أستنفض، أو ما يؤدي معناه. ويجوزُ أن يكون عطفًا على "أحجارًا" وإفراد الضمير؛ لأنه في تأويل ما يستنجى به، ويؤيده قوله: (ولا تأتني بعظمٍ ولا رَوْثٍ).
قال الخطابي: إنما نَهَى عن العظم لأنه لزج لا يقلع النجاسة ولأنه ربما يكون فيه بقيةُ لحم، وربما تؤكل أيضًا بعض العظام. هذا كلامه. وهو تكلف منه. وقد روى الترمذي والنسائي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "لا تستنجوا بالعظم والروث، فإنه زاد إخوانكم من الجن" يريد: أن العظام لهم، والروث والحُمَمَة -بضم الحاء وفتح الميمين- وهو الفحم، وكأنه حطبٌ لهم أيضًا.
فإن قلت: العظم والروث كيف يكونان طعامًا؟ قلت: جاء في الحديث أنهم يجدون العظم أوفَرَ ما كان لحمًا، والروث أوفر ما كان حبًا.
فإن قلت: تخصيص العظم والروث بالذكر يدلّ على أن ما عداهما كافٍ أي شيءٍ كان، وقد استثنى الشافعي كل أملَسَ كالزجاج وما في معناه. قلتُ: النص معقول المعنى، والأَمْلَسَ لا يقلع النجاسة، فأيّ فائدة في استعماله؟ وأما استثناء مالَهُ حُرمةٌ كالخبز ونحوه، ليس من حيث إنه لا يصحّ، بل لو فعل ذلك أجزأ إلا أنه معصية، كالصلاة في الأرض المغصوبة.
فإن قلتَ: ما الحكم في الاستنجاء؟ قلتُ: الندب عند أبي حنيفة سواء كان بالماء أو بالحجر؛ لأن قدر الدرهم من النجاسة عنده معفو عنه في النجاسة الغليظة والشافعي وأحمد على الوجوب؛ لأن النجاسة مانعةٌ عن صحة الصلاة، إلا أن الشارع أقام الحجر وما في معناه مقام الماء، وإن لم يكن مزيلًا تيسيرًا.
وقال أبو محمد عبدُ الله بن أبي زيد من المالكية: الاستنجاء ليس من سنن الوضوء، ولا من فرائضه بل هو من قبيل إزالة النجاسة.
стр. 297
٢١ - باب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ
١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِىُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِى أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ
ــ
فإن قلتَ: ما دليل الشافعي على أَنْ أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز أو ما في معناه من حجر ونحوه مما له ثلاثة أطراف؟ قلتُ: حديثٌ رواه مسلم وأحمد عن رسول الله ﷺ : "إذا ذَهَبَ أحدكم إلى الغائط فلْيذهَبْ معه بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ". وحديث عائشة رواه أحمدُ والنسائي وأبو داود: "إذا ذَهَبَ أحدُكم إلى الغائط فليذهبْ بثلاثة أحجار". وله شرائط أُخَر مبسوطة في كتب الفروع.
ومن فقه الحديث أنه يستحب إعداد آلة الاستنجاء قبل الاشتغال بقضاء الحاجة، وأن للأصاغر السعي في خدمة الأكابر، وأن الذي يكون على قضاء الحاجة ينبغي أن يبعد عنه من في خدمته. نُقل عن أبي جعفر منصور الدوانقي قال: كان أحد عبيده يتولى أمر الوضوء، وكان يقف قريبًا منه، وكان قد غاب يومًا، فذهب بالإبريق الربيع وهو أيضًا أحدُ عبيده، فلما وضع الإبريق أبعد عنه فاستحسن منه ذلك فأدناه، ولم يزل يَتَرقّى إلى أن فوض إليه الوزارة.
باب: لا يُستنجى بروث
١٥٦ - (أبو نُعيم) -بضم النون على وزن المصغر- فضل بن دُكَين (زُهير) بضم الزاي على وزن المصغر (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي -بفتح السين وكسر الموحدة- قال الجوهري: سبيع بطنٌ من همدان، رهط أبي إسحاق السبيعي (ليس أبو عبيدة ذكره) غرض أبي إسحاق من هذا الكلام. أن أبا عبيدة وهو عامر بن عبد الله بن مسعود اختلف في سماعه عن أبيه ابن مسعود. قال النووي: الراجحُ أنه لم يسمع من ابن مسعود. وقال الذهبي: حديثه عن أبيه في السنن. فأراد أبو إسحاق نفي الريبة عن اتصال الحديث قال: (ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه) الأسود التابعي العالم الزاهد.
стр. 298
فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ «هَذَا رِكْسٌ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
٢٢ - باب الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ
ــ
(فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا رِكْسٌ) -بكسر الراء وسكون الكاف-. أي: نجس. ويروى رَكيس على وزن فعيل. وأصلُ الرِكْس: قلبُ الشيء وردّه. قال ابنُ الأثير: يقال: ركستُ الشيء وأركسته إذا رددته.
فإن قلتَ: الحديث حجةٌ على الشافعي وأحمد في اشتراط ثلاثة أحجار فإنه اكتفى بالحجرين؟ قلتُ: أمرُهُ بثلاثة أحجار نصٌّ، وهذا محتمل، إذ الظاهر أنه جاء بالثالث امتثالًا لأمره، أو اكتفى بطرفي حجر كما قدمنا أن أطراف حجر واحد تقوم مقام الأحجار.
هذا، ورواه أحمد عن ابن مسعود أنه قال: "إنه رِكْسٌ" وقال: "ائتني بحجر".
فإن قلتَ: تعليله بأنه ركس يدلُّ على أن المنع منه لنجاسته، وقد ذكرت قبلُ أنه علف دواب الجن؟ قلتُ: لا منافاة لجواز أن تكون العلة مركبة، أو كان هذا قبل قضية الجنّ.
(وقال إبراهيم بن يوسف عن أبي إسحاق: حدثني عبدُ الرحمن).
فان قلتَ: إبراهيم بن يوسف قد ذكر النسائي وغيره أنه ليس بقوي؟ قلتُ: ذكر النووي وغيره أنه صدوق، ولئن سُلّم فإنما ذكره متابعةً، ويجوزُ ذكر الضعيف في مثله.
باب: الوضوء مرةً مرةً
١٥٧ - (محمد بن يوسف) يجوزُ أن يكون البيكندي الأعرج، وأن يكون الفريابي، ويجوزُ أن يكون (سفيان) ابن عيينة، والثوري، فإن كل واحد منهما يروي عن ابن عيينة وعن الثوري، وليس في ذلك قدحٌ ولا هو من التدليس على أنه صَرّح بلفظ حدثنا فلا يقدح
стр. 299
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِىُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً.
٢٣ - باب الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ
ــ
التدليسُ فيه حينئذ. كذا قيل والصواب أنه الفريابي وسفيان هو الثوري؛ فإن الفريابي وإن كان يروي عنهما إلا أنه إذا أُطلِقَ يريد الثوري أيضًا.
(عن زيد بن أسلم) على وزن الماضي (عن عطاء بن يسار) ضد اليمين (توضأ النبي ﷺ مرةً مرةً) صفة مصدر أي: كل عضو غسلة واحدة. قال بعضُهم: معناه توضأ بزمان واحد إذ لو كان غسلتان لكانا في زمانين، أو منصوب على المصدر. أي: غسل الأعضاء غسلةً واحدةً ثم قال: فإن قلتَ: يلزم على هذا أن يكون توضأ في عمره مرةً واحدةً؟ قلتُ: لا يلزم، لأن لفظ: "مرة" يقتضي التكرار، أو يقول: المراد أنه غسل في كل وضوء كلّ عضو مرة. هذا كلامه. وفساده من وجوه:
الأول: أن المرة صفة الفعل دالة على وحدته حتى ذكر أهل التصويف أن الفعلة -بفتح الفاء- للمرة، ولا يوصف الزمان بالمرة والمرتين.
الثاني: أن قوله: إذا كان منصوبًا على المصدر يلزم أن يكون رسولُ الله ﷺ توضأ في عمره مرةً واحدة شيء لا يعقل، فإن ابن عباس حكى أنه غسل العضو غسلة واحدة, وحكايةُ الفعل لا عموم له، فمن أين يلزم ما ذكره؟!
الثالث: قوله: أو المراد أنه غسل في كل وضوء كل عضو مرة ظاهر الفساد؛ لأنه خلاف الواقع. كيف وقد بَوَّب البخاري بعده على الوضوء مرتين؟ ولا يتناوله. والحديث قيده به.
باب: الوضوء مرتين مرتين
١٥٨ - (فُليح بن سليمان) بضم الفاء على وزن المصغر (عمرو بن حزم) بفتح المهملة وزاي معجمة (عَبّاد) بفتح العين وتشديد الباء (عبد الله بن زيد بن عاصم) ليس هذا صاحب الأذان بل هو: عبد الله بن زيد بن عبد ربه. قال النووي: وليس لصاحب الأذان حديث إلا حديث الأذان، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: قتل شهيدًا بأُحدٍ.
стр. 300
اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
٢٤ - باب الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ
ــ
(توضأ مرتين مرتين) أي: غَسَل كل عضو مرتين.
١٥٩ - (عبد العزيز بن عبد الله الأويسي) بضم الهمزة (إبراهيم بن سعد) بسكون العين (حُمْران) -بضم الحاء وسكون الميم- ابن أبان. من سبي عين التمر. سباه خالد بن الوليد فوَجَّهه إلى عثمان فأعتقه، وكان كاتبه وصاحبه هكذا قيل فإن ذلك قبل خلافة عثمان؛ لأن خالد بن الوليد توفي في خلافة عمر.
(عثمان بن عَفّان) ابن أبي العاص بن أمية بن عبد الشمس، أحد السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة، وأحدُ الخلفاء الأربعة الراشدين، كان أصغَرَ من رسول الله ﷺ بست سنين، قُتل ظلمًا.
قال ابن عبد البر: واختُلف فيمن باشَرَ قتله. قيل: قتله محمد بن أبي بكر. ولم يصحّ. وقيل: قتله سودان بن حمران. وقيل: بل ولي قتله رومان رجل من بني أسد بن خزيمة. وقيل: إن محمد بن أبي بكر أخذه وحَبَسَه. وقيل: غيره. وقيل: قَتَلَهُ رجلٌ من أهك مصر يقال له: جبلة بن الأيهم، ثم طاف في المدينة ثلاثة أيام يقول: أنا قاتل نعثل. ونَقَل غيرُ ابن عبد البر أن قاتله الأسود النجشي، وعن ابن سيرين أن المال كثُر في زمن عثمان حتى بيعت جارية بوزنها دراهم، وفرس بمئة ألف، ونخلة بألف درهم، مدة خلافته اثنتا عثرة سنة، وكان عمره يوم مات فوق ثمانين سنة.
(فمضمض واستنثر) المضمضة تحريك الماء في الفم، والاستنثار قال ابن الأثير: استفعال من نثِر يَنْثِر -بالكسر- إذا امتخط. وقيل: هو من تحريك النثرة وهو طرف الأنف. قال الأزهري: ويقال فيه: أنثر بهمزة القطع. قال: وأهلُ اللغة لا يجوزونه، وإنما اكتفى
стр. 301
ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أطرافه ١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣
ــ
بالاستنثار لأنه مسبوق بالاستنشاق وفي بعضها: استنشق واستنثر. قال ابن الأثير: والاستنشاق: إيصالُ الماء إلى الخياشيم. أصله استمشق الريح إذا شَمَّها.
(ثم مسح برأسه) لم يذكر مع المسح ثلاثًا لا في البخاري ولا في مسلم. قال النووي: استدل الشافعي على تكرار المسح بما رواه أبو داود: أن رسول الله ﷺ مسح على رأسه ثلاثًا وقياسًا على سائر الأعضاء. وهذا الذي قاله ربما يُناقش فيه بأن الروايات متطابقة على عدم التكرار، إلا ما رواه أبو داود فيقال: إن ذلك لبيان الجواز. وأما جواب الشافعي أن الاكتفاء بمرة واحدة. وهذا لبيان الجواز. ففيه أن هذه الروايات إنما هي لبيان الوضوء الكامل.
(قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صَلَّى ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبه) قال النووي: المراد من الحديثِ أحاديثُ تَتَعلق بأمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة ولو اعترض له حديث فأعرض عنه فلا ضَرَر فيه. قلتُ: قوله: "لا يحدث فيهما نفسه" بإسناد الفعل إلى المصلي، فيه دلالة على أن الخواطر والوساوس من غير كسب منه لا تقدحُ في ذلك. وهذا معنى ما نقل عن القاضي عياض المراد من الحديث هو المجتَلَب المكتسَبَ.
قال النووي: والمراد من الذنوب: الصغائر لا الكبائر، وإنما قيد بذلك لما في رواية مسلم: "ما لم تُؤتَ كبيرة". وأما قوله: إنما قال: "نحو وضوئي" دون: مثل، إشارةً إلى أن مثل وضوئه لا يقدر عليه أحد، فقد سَبَق منّا أنه جاء في رواية مسلم وغيره لفظ المثل. وعلماءُ البيان لم يفَرقوا بين لفظ مثل ونحوه في التشبيه. وأيضًا الوضوء ليس إلا فعلًا محسوسًا محدودًا، فلا وجه لقولهم: لا يقدر على مثل وضوئه أحد، كيف وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولا شك أن الصلاةَ أعظمُ شأنًا وأدقّ بيانًا من الوضوء؟ هذا مع أن
стр. 302
١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّى الصَّلَاةَ إِلَاّ غُفِرَ لَهُ مَا
ــ
التشبيه لا يقتضي التساوي، بل المشبه ناقص عن المشبه به في وجه الشبه، وفي رواية البخاري أيضًا في الرقائق لفظ: مثل، وفي كتاب الصيام: "من توضأ وضوئي هذا ... " وهذا أبلغُ من لفظ المثل، وفي حديث التهجد قول ابن عباس: فصنعت مثل ما صنع، كافٍ.
١٦٠ - (وقال إبراهيم) أي: ابن سعد. هذا تعليقٌ من البخاري (فلما توضأ عثمان قال: لأحدثنكم) في بعضها: ألَا أحدِّثُكم؟ بصيغة العرض (لولا آيةٌ ما حدثتكموه) الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]) وإن كانت نازلةً في أهل الكتاب إلا أن العبرةَ بعموم اللفظ وقد سَبَق من أبي هريرة: "لولا آيتان". الآيةُ المذكورة والتي بعدها. ولما كان مؤداهما واحدًا اكتفى عثمان بإحداهما، وإنما كان مراد عثمان من قوله هذا: أن الناس يتكلمون على هذا، ويقصّرون في العبادة. ومثله ما تقدم من حديث معاذ بن جبل.
(لا يتوضؤ أحدٌ فيُحسن الوضوء) إحسانُ الوضوء يجوزُ أن يكون بغسل الأعضاء كما في الآية، ويجوزُ أن يراد غسل الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا، كما وقع في الإسناد الأول.
(ويصلي الصلاة) أي: صلاة من جنس الصلوات، ولذلك أطلقه، ويجوز أن يكون إشارةً إلى إحدى الصلوات الخمس، لكونها مكفرات لما بينهن كما سيأتي. وفي رواية مسلم: "فيصلي الصلوات الخمس". وهذا يدفع ذلك الاحتمال. وقوله: (إلا غفر له ما
стр. 303
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا». قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ).
٢٥ - باب الاِسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ .
ذَكَرَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». طرفه ١٦٢
ــ
بينه وبين الصلاة حتى يصليها) يؤيد الوجه الثاني، وفي هذا القيد إشارة إلى أنه لو أَخّرها إلى آخر الوقت الحكمُ باقٍ، والذنوب مكفرة، والاستثناء في قوله: "إلا غفر" مؤول؛ لأن الفعل لا يقع استثناءً، والتقديرُ: لا يتوضأ ويصلي في حالٍ من الأحوال إلا في هذه الحالة، وهي حالةُ غفران الذنوب.
باب الاستنثار في الوضوء
(ذكره عثمان) الاستنثار ذكره في الباب الذي قبله (وعبد الله بن زيد) ابن عاصم، (وابن عباس) هؤلاء ثلاثةٌ صحابيون، رَوَى عنهم البخاري حديث الاستنثار مسندًا، وأورده هنا معلقًا تقوية لما أسنده بعده عن أبي هريرة.
١٦١ - (عَبْدان) -على وزن شعبان- لقب عبد الله بن عثمان المروزي (أبو إدريس) الخولاني اسمه عائذ الله، التابعي الجليل القدر (من توضأ فَلْيستنثر، ومن استجمَرَ فليوترْ) الاستنثار ذكرنا آنفًا أنه استفعال، من: نَثر إذا أخرَجَ الماء من أنفه، أو من تحريك النثرة، وهو طرف الأنف، واكتفى به؛ لأنه مسبوق بالاستنشاق، والاستجمارُ استعمالُ الجمار وهي الأحجارُ الصغار؛ لأن أكثر ما يقع الاستنجاء بها فقوله: "فلْيوترْ" الأمر فيه للندب، لما روى أبو داود وابن ماجه عند أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من استجمر فليوترْ، فمن فعل فقد أحسن، ومن لم يفعل فلا حَرَج".
стр. 304
٢٦ - باب الاِسْتِجْمَارِ وِتْرًا
١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ،
ــ
قال الخطابي: وفي الحديث دلالةٌ على وجوب ثَلَاث مَسَحاتٍ، وذلك أن الاسمَ يدلّ على الواحد جزمًا، فلو كان مرادًا لما زِيد عليه، فعُلم أن الإنثار فوق الواحد إنما يكون بثلاثٍ. وهذا استدلالٌ حسن.
فإن قلتَ: الأمر بالاستنثار والاستجمار للوجوب أو للندب؟ قلتُ: في الأول للندب، وفي الثاني للوجوب.
فإن قلتَ: كيف افترقا؟ قلتُ: إزالةُ النجاسة واجبةٌ، وحديثُ الأعرابي حيث قال له رسول الله ﷺ : "توضأ كما أمرك الله" دلَّ على عدم وجوب الاستنثار.
باب: الاستجمار وترًا
١٦٢ - (عن أبي الزناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) هو عبد الله بن هرمز.
(إذا توضأ أحدُكم فليجعلْ في أنفه ماءً، ثم لِينْثُر) جعلُ الماء في الأنف عبارةٌ عن الاستنشاق، وقد تقدم الكلام عليهما آنفًا مرارًا (وإذا استيقظ من نومه). يقال: استيقظ وتيقَّظ بمعنىً، وأما التَيقُظ بمعنى الذكاء وشدة الحذر، فكأنه مأخوذٌ من هذا المعنى.
(فليغسلْ يده قبل أن يدخلها في وَضُوئه) -بفتح الواو- على الأصح. وهذا الأمرُ للندب عند الجمهور، وحمله مالك على الوجوب، وخَصَّه الإمام أحمدُ بنوم الليل في إحدى الروايتين.
стр. 305
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
٢٧ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ
١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ النَّبِىُّ ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
ــ
فإن قلتَ: دلَّ حديث عثمان على استحباب غسل اليدين مطلقًا سواء قام من النوم أو لا. قلتُ: تركه هنا مكروه بخلاف هناك.
وقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) دليل ظاهر في الندب وافٍ ذلك إنما هو احتياط. والتقييدُ بالوضوء. وفي بعض الروايات: "بالإناء". احتراز عن الحياض الكبيرة والأنهرُ الجارية التي لا تتنجس بملاقاة النجاسة.
وفيه دلالة على أن النجس الوارد على الماء القليل تنجسه بخلاف العكس للضرورة، وإلا يكن للغسل فائدة. وفي قوله: "لا يدري أين باتت يده" دلالة على استحباب لفظ الكناية فيما يكون في صريح لفظه شناعةٌ.
باب: غسل الرجلين، ولا يمسحُ علي القدمين
١٦٣ - (أبو عَوَانة) -بفتح العين- الوضاح اليشكري الواسطي (أبو بشر) -بكسر الموحدة وشين معجمة- جعفر بن أبي وحشية (عن يوسف بن ماهَك) -بفتح الهاء- مصغر ماه غير متصرف، لأنه علم المؤنث مع المعجمة. قاله الدارقطني.
(تخلف النبي ﷺ عنا في سَفْرة سافرناها، فأدركَنا) -بفتح الكاف- أي: لحقنا (وقد أرهقْنا العصر) أي: أخّرناها حتى قرب فواتها، من رهق إذا قَرُب، ومنه الغلامُ المراهق. ويروى بفتح القاف ورفع العصر من: أرهق إذا غشيه، أو من أرهقه إذا كَلَّفه أمرًا مشقًا، ومحصله قرب الفوات كالأول، وقيل: معنى هذه الرواية: دنا وقتها منا وهو سهوٌ ظاهر، لأنها تخالفُ الرواية الأولى، والقضية واحدة، وأيضًا إنما مسحوا على الأعقاب لئلا تفوتهم الصلاةُ، فأي معنىً لقوله: دنا وقتها منا؟!.
فإن قلتَ: يقدر مضاف أي: دنا فوات وقتها؟ قلت: الفوات صفة الصلاة لا الوقت، ولو سُلّم لفظ: منّا، يكون حشوًا.
(فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا) الشك من عبد الله
стр. 306
٢٨ - باب الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ - رضى الله عنهم - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
١٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا وَقَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
ــ
والمعنى: ويل لأصحاب الأعقاب التي مسح عليها، أو لنفس الأعقاب، فإنها محل الجناية كقطع يد السارق. وتقدم الكلامُ على الحديث مستوفىً في باب رفع الصوت بالعلم.
باب: المضمضة في الوضوء
(قاله ابن عباس وعبد الله بن زيد عن النبي ﷺ ) حديثُ ابن عباس تقدم في باب غسل الوجه باليدين، وعبد الله بن زيد بن عاصم سيأتي حديثه مسندًا في باب مَنْ تمضمض واستنشق. ذكرهما تعميقًا هنا تقوية لما أسنده بعده، وهذا دأب البخاري في مواضع كثيرة.
١٦٤ - (أبو اليمان) بتخفيف النون، هو الحكم بن نافع (عطاء بن يزيد) من الزيادة (عن حُمران) بضم الحاء وسكون الميم، روى في الباب حديث عثمان الذي تقدم في باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. وقد استوفينا الكلام فيه هناك فراجعْهُ (ثم غسل كل رِجل) وفي رواية: كل رجله. وفي أخرى: كلتا رجليه.
(لا يحدث فيهما نفسَه) وفي رواية "لا يحدثُ فيهما يعني نفسه" فاعل يعني رسول الله ﷺ وهو من كلام عثمان (غفر الله له) ويروى: "غُفِر له" (ما تقدم من ذنبه).
стр. 307
٢٩ - باب غَسْلِ الأَعْقَابِ
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ.
١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ - قَالَ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قَالَ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
٣٠ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ
١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
ــ
باب: غسل الأعقاب
(وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ) إذا: ظرف والعامل فيه: يغسل. وقيل: كان أظهر وليس كذلك، إذ لا وجه لتقييد كان بذلك الزمان، وأما إن كان ماضيًا ويغسل مستقبل فلأنه أريدَ حكاية تلك الحال.
فإن قلت: ما حكم موضع الخاتم عند الفقهاء؟ قلتُ: أجمعوا على وجوب غسله.
١٦٥ - (آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة (محمد بن زياد) من الزيادة (سمعتُ أبا هريرة) أي: قوله بدليل قوله: (فقال يتوضؤون من المطهرة) بكسر الميم (أسبغوا الوضوء) يريد: إتمام غسل العضو لا الكمال بدليل قوله: (ويلٌ للأعقاب من النار) وفي رواية مسلم: "ويل للعراقيب من النار" جمع عرقوب بضم العين وهو العَصَبُ الذي فوق العقب.
باب: غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسَحُ على النعلين
١٦٦ - (عن سعيد المقبري) بضم الباء وفتحها (عُبيد بن جُريج) كلاهما بلفظ المصغر،
стр. 308
رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ وَمَا هِىَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَاّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَاّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا،
ــ
هو عُبيد بن جُريج التيمي مولاهم (رأيتك تصنع أربعًا) أي: أربع خصال (رأيتُكَ لا تَمَسُّ من الأركان إلا اليمانيين) الركن اليمني وركن الحجر، وهو الركن العراقي، وفي إطلاق اليمانيين تغليبٌ (ورأيتُك تلبس النعال السِّبْتِية) بكسر السين قال ابنُ الأثير: السِّبت بكسر السين جلود البقر المدبوغة من السبوتة وهي اللين، أو لأن الشعر بالدباغة سبت عنه أي: أزيل، واعتراض ابن جريج في النعال السبتية، لأنها شعار المترفين؛ فإن أكثر العرب كانوا يلبسون مع الشعر (ورأيتك تصبُغُ بالصفرة) -بضم الباء وفتحها- من الصَّبْغ - بسكون الباء - وهو تغيير لون وتبديله إلى لونٍ آخر، والمراد: خضاب شعره. وقيل: المراد صبغ الثوب. قال المازري: وإليه ذَهَبَ مالك استدلالًا بحديث أنس: أن رسول الله ﷺ لم يخضبْ.
قال النووي: والحق أنه صبغ وقتًا وترك وقتًا، وكلٌ أخبر بما رأى. قلتُ: لبس الأصفر لم يصح فيه حديث أن رسول الله ﷺ لبسه على أن أبا داود والنسائي رَوَيا أن رسول الله ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو ثوبًا مصبوغًا بالعصفر، قال عبد الله: قال لي: "ما هذا؟ " فعرفتُ أنه كرهه. فانطلقتُ فأحرقته. فقال: "ما فعلْتَ بثوبك؟ " قلتُ: أحرقتُه. قال: "هلا ألبسْتَ نساءك فإنه لا بأس بذلك".
(أما الأركان فإني لم أر رسول الله ﷺ يمسُّ إلا اليمانيين) قيل: الحكمة في ذلك أنهما على قواعد إبراهيم بخلاف بقية الأركان، وسيأتي أن معاوية وابن الزبير كانا يمسَّان الأركان كلها، ثم انعقد الإجماع على الاقتصار عليهما.
(رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي لا شعر فمها ويتوضأ فيها) هذا موضع الدلالة
стр. 309
فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. أطرافه ١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١
٣١ - باب التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ
١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ
ــ
على الترجمة، وفي الدلالة خفاءٌ؛ إذ التوضؤ فيها لا يستلزم أن يكون غَسَل الرجلين حال كونهما في النعل. قال النووي: معناه: يلبس النعلين ورجلاه رطبتان.
فإن قلتَ: ما المراد بيوم التروية؟ قلتُ: هو اليوم الثامن [من] ذي الحجة، وذلك لأن الناس يروون الدواب ويرتوون للخروج إلى عرفات في اليوم التاسع. وقيل: لأن إبراهيم تَرَوَّى فيه لذبح الولد. وفيه بُعْدٌ؛ إذ كان الملائم أن يقول: يوم التروّي.
(راحلته) قال ابنُ الأثير: الراحلةُ البحيرُ القوي يُطلق على الذكر والأنثى، والهاء للمبالغة لكونه مختارًا للركوب.
باب: التيمن في الوضوء والغُسل
بضم الغين، لأنه اسم الاغتسال. قال ابن الأثير: الغسل - بالضم - الماء الذي يُغْسَل به، كالأكْل -بضم الهمزة- لما يُؤكل وهو الاسم أيضًا من غسلته، والغَسْل - بالفتح - المصدر،- وبالكسر - ما يغسل به من الأشنان والخطمي وعيرهما.
١٦٧ - (مسدد) بضم الميم وفتح الدال المشددة (عن أم عطية) - على وزن الهدية - الأنصارية واسمُها: نسيبة -بضم النون- على وزن المصغر، كانت [......] وتغزو مع رسول الله ﷺ ، تداوي الجرحى، وتقوم على المرضى (قالت: قال رسول الله ﷺ لهنّ) كان الظاهر: لنا. وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة (في غسل ابنته) هي زينب، أكبر بناته. قاله النووي.
стр. 310
«ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا». أطرافه ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣
١٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِى شَأْنِهِ كُلِّهِ. أطرافه ٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦
ــ
(ابدأْنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها) قوله: "ومواضع الوضوء" من عطف العام على الخاص. والميامن جمع الميمنة، وإنما جمعه باعتبار الأطراف والأعضاء الواقعة في الجانب الأيمن. والحكمة في ذلك تقديم الأشرف، وتقديم مواضع الوضوء في الغسل دلَّ على تقديمها في الوضوء بالطريق الأولى.
قال بعضُ الشارحين: فإن قلت: كيف دلَّ على التيمن في مواضع الوضوء؟ قلتُ: إن كان عطفًا على الضمير المجروو كما جَوَّزه بعضُ النحاة فهو ظاهر، إذ التقدير: ميامن مواضع الوضوء، وإلا فهو مستفادٌ من عموم ميامنها. وهذا الذي قاله لغوٌ من الكلام على كلا التقديرين، لأن مراد وسول الله ﷺ تقديم مواضع الوضوء الواقعة في الجانب الأيسر لشرفها من حيث إنها أعضاء الوضوء، فالوجه ما ذكرناه.
١٦٨ - (أشعث) بشين معجمة وآخره ثاء مثلثة (سُليم) بضم السين على وزن المصغر، يكنى أبا السكون (عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره) الإعجاب: استحسانُ الشيء، غايتُهُ كأنه يوقع في التعجب، وهو إدراك الأمور الغريبة، والتَنَعّل لبس النعل، والتَرَجُّل مطاوع الترجيل وهو تسريح الشعر، والطُهور - بالضم - الوضوء (وفي شأنه كلّه) من عطف العام على الخاص. وفى أكثرها بدون الواو. والوجه حملُه على حذف الواو بدليل الرواية الأخرى، وهو بدل الكل عن البعض كقولهم: نظرت إلى القمر فلكه، وكقول زياد الأعجم في مرثية طلحة الخُزاعي:
стр. 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نضَّر الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
وقواعد العربية استقرائية فلا يقدح في ذلك قول النحاة الأبدال أربعة. أَلَا ترى أنهم اتفقوا على أن أوزان الشعر ستةَ عَشَر بحرًا، وقد وُجد في شعر امرئ القيس ما هو خارجٌ عن تلك الأوزان قال:
تخطيت بلادًا وضيعت بلادًا ... وقد كنت قديمًا أخا عزٍ ومجد
نقله السكاكي في عروض "المفتاح".
قال بعض الشارحين: فإن قلت: ما وجهُ إعرابه على تقدير عدم الواو؟ قلت: فيه غموضٌ ثم قال: هو بدل الاشتمال، لأن النحاة لما قالوا بدل الاشتمال شرطه أن تكون الملابسة بغير الكلية والجزئية، إنما أرادوا أن لا يكون الأول كلًّا، والثاني جزءًا. وهذا عكس ذلك, أو هو بدل الغلط، وبدل الغلط قد يقعُ في الكلام الفصيح, ولا منافاة بين الغلط والبلاغة, أو هو بدل الكل من الكل، إذ الطهور مفتاح العبادات والترجل يتعلق بالرأس والتنعل بالرجل فكأنه بدل الكل. هذا كلامه.
والكلُ باطلٌ؛ أما الأول فلأن النحاة نفوا في بدل الاشتمال الكلية والجزئية مطلقًا، سواء كان المبدل كلًّا والبدل جزءًا، أو بالعكس، ولو كان مرادهم ما قاله لمثلوا به، فإنه أولى بذلك لغرابته، ولا يظفر به في كلام أحد.
وأما الثاني وهو قوله: بدل الغلط فغلطٌ فاحش؛ لأن بدلا الغَلَط معناه أن يكون المبدل منه وقع غلطًا، ثم تداركه المتكلم بالمبدل، وعلى ما قاله يلزم أن يكون قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره كله. غلطًا منها. وفسادُهُ لائحٌ على أن قوله: بدل الغلط. يقع في الفصيح على إطلاقه غلط آخر، لأن ذلك مشروطٌ باستعمال (بل)، معه ذكوه المحققون من علماء البيان.
وأما الثالث: وهو بدل الكل فبُطلانه ظاهر، لأن مراد عائشة أن التيمن كان شأنه في
стр. 312
٣٢ - باب الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ حَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ، فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ.
١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
الأمور كلها. وظاهرٌ أن الأمور ليست منحصرةً في أفعال الوضوء. وقوله: كأنه بدل الكل بحرف التشبيه لا يغني شيئًا وإن سبقه فيه غيره. ثم قال: أو هو متعلق بيعجب لا بالتيمن.
والمعنى: كان يعجبه في كل شأنه التيمن في هذه الثلاثة، أي: في حضره وسفره وفراغه وأشغاله وغير ذلك. قلتُ: فيلزمه أن يكون في حال بزقه وقضاء حاجته ووقاعه، يعجبه التيامن فالوجه ما شيّدنا أركانه. وقولها: في شأنه كله، عام خص منه البعض لما روى أبو داود عن عائشة: كانت يمين رسول الله ﷺ لطهوره وطعامه ويساره لخلائه وما كان من أذى.
باب: التماس الوَضُوء إذا حانت الصلاةُ
الوَضُوء -بفتح الواو- على الأشهر؛ لأن المراد الماءُ الذي يتوضأ به (وقالت عائشة: حَضَرتِ الصبحُ فالتُمِسَ الماءُ فلم يُوجَدْ، فنزل التيمُّم) أي: آية التيمم أو حكم التيمم، هذه قطعة من حديث سيذكره مسندًا في كتاب التيمم وبعده، وكان ذلك لإقامته على العقد الذي فقدته عائشة.
١٦٩ - (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهيل الأنصاري (عن أنس بن مالك: رأيتُ رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر) جملة حالية أي: والحال أن حين العصر ووقته الذي شرع لأدائه كائن (فالتمس الوَضوء) -بفتح الواو- وكذا قوله: (فأُتِيَ رسول الله ﷺ -
стр. 313
بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. أطرافه ١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥
ــ
بوَضُوء فوضَعَ رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده) أشار بذلك إلى الإناء الذي دلَّ عليه لفظ الوضوء (فرأيتُ الماءَ ينبُعُ من تحت أصابعه) ظاهره أن الماء نبع من بين اللحم والدم. وعليه إطباق أكثر أهل العلم، ولهذا عدّوا هذه المعجزة أعظم من معجزة موسى؛ لأن خروج الماء من الحجر معهود في الجملة، وإن كان خروج الماء بضرب العصا اثنتا عشرة عينًا خارقًا للعادة، إلا أن بينهما بونًا بعيدًا، فإن خروج الماء من بين اللحم والدم أبعد ما يتصوّر من الخوارق.
فإن قلت: لفظ: من تحت، يشعر بأن ذلك من تكثير القليل، لا أن الماء خرج من بين اللحم والدم كما ذكرت. قلت: لفظ: ينبع، صريحٌ فيما ذكرنا على أنه قد جاء في سائر الروايات: من بين أصابعه.
فإن قلت: إذا كان الماء ينبع حقيقة فأي حاجة إلى وضع اليد في الإناء الذي فيه الماء؟ قلتُ: لأن الإيجاد من العدم، من خواص الألوهية تعالى وتقدس.
قال القاضي: واعلم أن نبع الماء من أصابعه صار ملحقًا بالأمور القطعية، فإنه وقع مرارًا وتكاثرت النقلة، ولم ينكره أحدٌ في عصر من الأعصار.
(حتى توضؤوا من عند آخرهم) مِنْ: ابتدائية. أي: توضؤًا كائنًا من آخر القوم، ولفظ: عند، في أمثاله مُقحم لزيادة التأكيد، وإذا حَصَل التوضؤ من آخر القوم، فقد استوعب الكل. قال النووي: من في قوله: من عند بمعنى إلى. وردَّه بعضهم بأنه لا يجوزُ أن تكون مِنْ بمعنى إلى، وذلك لأنه يلزم خروج آخر القوم من هذا الحكم وعلله بأن ما بعد: إلى، يخالف حكمه حكم ما قبله، وهذا الردّ مردودٌ لأن خروج ما بعد: إلى، عن حكم ما قبلها مفوضٌ إلى القرائن كما حقق في علم الأصول. ألا ترى أنك إذا قُلتَ: قرأتُ سورة الفاتحة إلى آخرها. لا يُشك في أن آخرها داخل في حكم القراءة، وإذا قلت: صُمتُ يوم كذا إلى آخر النهار، فلا تريدُ إلا أنك صُمتَهُ إلى الليل.
فإن قلت: هل أنس داخل في هذا التوضؤ أم لا؟ قلتُ: بعض الشارحين ذكر أن هذا مبني على أن الخطاب -بكسر الخاء- هل يدخل في عموم الحكم المخاطَب به أم لا؟ قلتُ: هذه القضية ليست من ذلك الأسلوب، فإن أنسًا لم يذكر إلا أنهم توضؤوا، فلا يكون هو معهم في ذلك الحكم.
стр. 314
٣٣ - باب الْمَاءِ الَّذِى يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ
وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ، وَسُؤْرِ الْكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَهَذَا مَاءٌ، وَفِى النَّفْسِ مِنْهُ شَىْءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ.
١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ لِعَبِيدَةَ عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ
ــ
باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان
أي: بيان حكمه من الطهارة والنجاسة (وكان عطاء لا يرى به بأسًا أن يتخذ منها الخيوط والحبال) قوله: أن يتخذ. بدل اشتمال من الضمير المجرور في: به، وقيل: هو من قبيل: مررتُ به المسكين، وفساده بَيِّنٌ. وفي بعضها: بدون: به، فهو على نزع الخافض. والفرقُ بين الخيوط والحبال بالدقة والغلظ (وسؤر الكلاب وممرّها في المسجد) ولفظ السُّؤْر -بضم السين وسكون الهمزة- بقيةُ الشيء. من أسْأَرْتُهُ: أبقيتُهُ وهذا أيضًا من تتمة الترجمة، قدّم عليه قول عطاء لكونه خاصًا بالشعر (وقال الزهري: إذا ولغ الكلبُ في إناءٍ ليس له وَضوء غيره يتوضأ به) الوَضوء -بفتح الواو - وما قاله الزهري قالَ به مالك في رواية، وقال به الأوزاعي أيضًا (وهذا ماء وفي النفس منه شيء) استدلال سفيان على أن ما وَلَغ فيه الكلب يتوضأ به بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ظاهر الفساد، إذ ليس كل ماء صالح للوضوء، كيف وقد ثبت من غير ريبةٍ، أن الإناءَ الذي وَلَغ فيه الكلب يغسل سبعًا إحداهن بالتراب. رواه مسلم وغيره، و (سفيان) هذا هو الثوري. قاله شيخ الاسلام.
١٧٠ - (مالك بن إسماعيل) أبو غَسّان النهدي، والنهد قبيلة بيمن (عَبيدة) -بفتح العين وكسر الباء- السَّلْماني التابعي الجليل القدر. قال ابن عُيينة: كان موازيًا لشريحٍ في العلم، أسلم ورسولُ الله ﷺ حيٌ، كان صاحبًا لعلي بن أبي طالب.
(عندنا من شعر النبي ﷺ ) أي: بعض شعره. من مبتدأ كما ذكره صاحب "الكشاف"
стр. 315
أَهْلِ أَنَسٍ فَقَالَ لأَنْ تَكُونَ عِنْدِى شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. طرفه ١٧١
١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ.
ــ
فلا حاجة إلى تقدير المبتدأ (أصَبْنَاه من قِبل أنس، أو من قِبل أهل أنس) الشكُ من ابن سيرين. وقبل: -بكسر القاف وفتح الباء- اسمٌ من المقابلة بمعنى المعاينة في الأصل.
والمراد به الجهةُ أي: من جهة أنس.
(لأَنْ يكون عندي شعرة منه أحبّ إلي) اللام للقسم وشعرة، بالرفع على أنه اسم كان. وعندي: خبره. ويجوز أن تكون كان تامة. وعندي، ظرف له. وأحب: خبر المبتدأ. أعني: لأن يكون، فإنه في تأويل المصدر.
استدل على طهارة شعر الإنسان بهذا الحديث، وفي استدلاله نظرٌ، لأن قياس شعور الناس على شعر رسول الله ﷺ قياسٌ مع الفارق؛ فإن المحققين على طهارة كل ما انفصل منه من سائر ما هو نجس من غيره. وفي شعر الإنسان، للشافعي منه قولان. قال المزني: رجع عن القول بنجاسة شعر الإنسان وشعور سائر الميتات نجسة عنده. وهل تطهرُ بالدباغ؟ له فيها قولان. الجديد وهو المذهب: لا تطهرُ. وسائر عظام الميتة والقرن نجس بناءً على أن الحياة تحل فيها ولذلك يحصل لها النمو، وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى طهارتها بناء على أن الحياة لا تحل فيها ولذلك لا يتألم بقطعها.
١٧١ - (عَبّاد) بفتح العين وتشديد الباء (ابن عون) -بفتح العين وسكون الواو- اسمه عبد الله تابعي جليلُ القدر (كان أبو طلحة أولَ مَنْ أَخَذَ [من] شعره) سيأتي في كتاب الحج أنه ﷺ لمّا حَلَقَ رأسه بدأ بشقه الأيمن، وأعطى شطره أبا طلحة، ثم أعطاه الشطر الآخر وقال: "فَرّقه على الناس". فمنهم من أصابه شعرة، ومنهم من أصابه شعرتان. وقد حَلَق
стр. 316
٣٤ - باب إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا
١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
ــ
رأسَه مرة أخرى بالحديبية، لما صَدّه المشركون، وكان الحالقُ في الحج معمر بن عبد الله. وفي الحديبية خراشًا. هذا، ولقد رأيته في المنام ﷺ جالسًا يحلق رأسه، فبسطت منديلًا وجمعت أكثر شعره، وتذكرت في تلك الحالة قضية أبي طلحة وأنا مسرور بكثرة ما حَصَل لي من شعره، وكان تأويل ذلك ما أنا فيه من فضل الله وتوفيقه.
١٧٢ - (عن أبي الزناد) بكسر الزاي بعدها نون (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز (إذا شرب الكلبُ في إناء أحدكم فليغسل به سبعًا) وفي مسلم: "إحداهن بالتراب" وفي رواية: "أُولاهن بالتراب" وفي أخرى: "أُخراهن" وفي أخرى "ثامنتهن بالتراب" فأخذ بالحديث مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: وهو كسائر النجاسات يغسل ثلاثًا.
والحديثُ حجةٌ عليه.
فإن قلت: من مذهب مالك طهارة ما ولغ فيه الكلب فأي وجه لغسله سبعًا؟ قلتُ: عن مالك ثلاث روايات. طهارته ونجاسته وطهارة الماء دون فِيْهِ مثل كلب الحرث والماشية. فعلى رواية النجاسة لا إشكال، وعلى غيرها يغسل سبعًا تعبدًا إذا غلظ النجاسات كالخمر وغيره، وإنما اكتفى فيها بالإزالة، ويرد على هذا قوله: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا" فإن لفظ الطهور نصٌ في نجاسته.
فإن قلتَ: من أصل الشافعي حمل المطلق على المقيد، فلِمَ تَرَكَ أصله هنا؟ قلتُ: تعارضت القيود، فتساقطت، فبقي المطلق على إطلاقه.
стр. 317
١٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَجُلاً رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ». أطرافه ٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩
١٧٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ
ــ
فإن قلتَ: لِمَ ترك العمل بالثامنة وزيادةُ الثقة مقبولةٌ؟ قلتُ: جعل التراب قائمًا مقامها ليكون عددُ الغَسَلات وترًا.
واعلم أن عدد الغسلات تعتبر بعد إزالة عين النجاسة، وأن هذا الحكم عامٌ بعدُ في سائر أجزائه وفضلاته حتى لو وضع رجله في الإناء، كان الحكم غسله سبعًا، وهذا إذا كان الظرف دون القلتين.
١٧٣ - (إسحاق) كذا وَقَعَ غيرَ منسوب. قال أبو نصر: إن إسحاق بن منصور وابن راهويه يرويان عن عبد الصمد، فيحتمل كلًّا منهما، وقد نَسَبَهُ البخاري في باب مَقْدم النبي ﷺ إسحاق بن منصور عن عبد الصمد (عن أبي صالح) ذكوان السمان (أن رجلًا رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش) الثرى -بفتح الثاء المثلثة- التراب: (فأخذ الرجل خُفّه فجَعَل يغرف له فيه حتى أرواه) استدل به على عدم نجاسة ما ولغ فيه الكلب، لأنه أسقاه في خفه. وفيه نظر؛ إذ لا دلالة فيه على أنه أسقاه في خفه، ولئن سُلّم فليس ذلك من شرعنا، ولا حُكي على وجهٍ يدل على طهارته، لأنه فعله للضرورة.
(فشكر الله له) شكرُ الله لعباده قبولُ الطاعة منهم والرضا عنهم. قاله ابنُ الأثير (فأدخله الجنة) الفاء للتعقيب لا للتفسير، لأن إدخال الجنة متفرع على قبول الطاعة والرضا كقوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨] وكقوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾ [المائدة: ٨٥] فإنها مرتبة على الأعمال، ولا هو من عطف الخاص على العام كما ظن.
١٧٤ - (وقال أحمد بن شبيب) -بفتح الشين على وزن كريم وعليم- هو شيخ البخاري، وإنما روى عنه بلفظ قال لأنه سمع الحديث منه مذاكرة (حمزة بن عبد الله) أي:
стр. 318
كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَبِى السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِى فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ». أطرافه ٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧
ــ
ابن عمر كانت الكلاب تقبل وتدبر في زمان رسول الله ﷺ في المسجد) يريد به مسجد رسول الله ﷺ . اللام فيه للعهد (فلم يكونوا يرشون من ذلك شيئًا) فضلًا عن الغسل. وهذا ظاهر، لأن رِجله طاهرة إذا كانت يابسةً؛ إذ لا نجاسة بين اليابسين. وأما سقوط لُعابها أو بولها على الأرض فليس بمعلوم.
فإن قلتَ: جاء في بعض روايات البخاري كانت الكلاب تبول وتقبل؟ قلتُ: ذلك ليس في رواية الفِرْبْرِي، ولو صَحّ ذلك كان محمولًا على عدم علمهم بموضعه، إذ بول الكلب ليس بأخف من بول الإنسان، وقد أمر بصَبّ ذَنوب من الماء على بول الأعرابي، أو منسوخ بحديث الأعرابي. وأما الاعتذار بأنهم كانوا يقلبون وجه الأرض فلم يثبت مع كونه مخلًا باحترام المسجد، ولو كان ذلك شأنهم، لأمر به في بول الأعرابي، لقوله: "إنما بُعثتم ميسرين" وما يقال: إنما نقل الحديث بلفظ: قال، مع أن: قال، من نوازل الدرجات، فليس بشيءٍ؛ لأن البخاري لا يفرق بين العبارات. قال ابنُ الصلاح: قول المحدثين: قال فلان وذكر فلان محمول على السماع إذا عرف اللقاء. وهذا شأن البخاري، فإنه يشترط اللقاء.
١٧٥ - (عن [ابن] أبي السَّفَر) بفتح السين والفاء ويرويه بعضُ المغاربة بسكون الفاء (عن الشعيي) -بفتح الشين وسكون العين- أبو عمرو عامر الكوفي التابعي الجليل القدر (عن عدي بن حاتم) -بفتح العين وكسر الدال والياء المشددة- الجواد بن الجواد، يكنى أبا طريف بالطاء المهملة (فإنما سمّيت على كلبك ولم تُسَمِّ على كلب آخر).
стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استدل به أبو حنيفة ومالك وأحمد على حرمة متروك التسمية عامدًا. واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وبما رواه البخاري عن عائشة أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن قوم حديثي عهد بشرك يأتوننا بلحمان ما ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: "اذكروا أنتم اسمَ الله عليها وكُلُوا".
فإن قلتَ: ما تقول في هذا الحديث؟ قلتُ: نحمله على أنه منسوخ بآية المائدة.
فإن قلت: فقوله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قلتُ: قال: المراد بما لم يذكر اسم الله عليه ما ذبح باسم الأصنام بدليل قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وبما رواه مسلم أنه كان في صحيفة علي: لعن الله من ذبح لغير الله، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] بعد قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فإنه جملة حالية عن الضمير المجرور في: عليه، مع الإجماع على أنه بترك التسمية لا يفسق، فهو محمول على ما أُهل به لغير الله.
وأما الاستدلال للشافعي بقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] من غير تقييد بذكر اسم الله ليس بتام؛ لأن من أصل الشافعي حمل المطلق على المقيد.
فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الحديث بالترجمة؟ قلت: وقع في بعض النسخ بعد ذكر الحمر وأكلها، وعلى تقدير عدم أكلها، المناسبة بين الأكل وبين السؤر، وأحكام تعليم الكلب تذكر في كتاب الصيد.
стр. 320
٣٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَاّ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)
وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا وُضُوءَ إِلَاّ مِنْ حَدَثٍ.
ــ
باب: من لم يَرَ الوضوءَ إلا من المَخْرَجَيْن: القُبُل والدُّبر لقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائده: ٦]
فإن قلتَ: استدل بالآية ردًّا على أبي حنيفة وأحمد في قول الخارج النجس من غير السبيلين حدث ظاهر، لكن لا يدل على مذهبه، وعلى انحصار النواقض في الخارج من القبل والدبر، لأن النوم ومسّ الفرج ولمس المرأة نواقض عنده. قلتُ: تلك الأشياء إنما كانت نواقض، لأنها مظنة خروج خارج فالدليل تام لما هو بصدده (وقال عطاء: فيمن يخرج من قبله أو دبره نحو القملة يعيد الوضوء) على هذا: المذاهب الأربعة، إلا ما نقل عن مالك من أن النادر لا ينقض.
(وقال جابر بن عبد الله: إذا ضحك في الصلاة أعادَ الصلاةَ ولم يُعِدِ الوُضوءَ) وعليه المذاهبُ إلا أبا حنيفة في القهقهة بحديثٍ رواه فيه وليس ثابتًا عند أهل الحديث، والقهقهة أن يسمع مَنْ جانبه صوته والضحك أن يسمع صوت نفسه دون مَنْ جانبه، وأما التَبسّم فلا صوت معه ولا تبطل به الصلاة اتفاقًا.
قال بعض الشارحين: إعادة الصلاة عند الشافعي مشروطة بما إذا تيسرت القراءة دونه ولم يغلبه. وهذا الذي قاله سهو منه، لأن ذلك إنما هو في التَنَحْنُحِ ونحوه، فإنه ربما يحتاج إليه إذا لم يقدر على القراءة لوجود عارض في حلقه، وأما الضحك فلا دخل له في ذلك، بل تبطل به الصلاة على أيّ وجهٍ كان (وقال الحسن: إن أخذ من شعره أو أظفاره أو خلع خفّه فلا وضوء عليه) وعليه الفقهاء فإنه يكفيه غسل الرجلين إلا من كان مذهبه وجوب الموالاة (وقال أبو هريرة: إلا وضوء إلا من حدث).
فإن قلتَ: كون الوضوء عن حدث قول كل الأمة، فأيّ وجهٍ لإسناده إلى أبي هريرة. قلت: أراد أبو هريرة بهذا ما يخرج عن أحد المخرجين لما تقدم عنه أنه سئل ما الحدث يا
следующие страницы →