Полный текст (5 311 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَخْبَرَنِى أَبُو النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ. نَحْوَهُ.
٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
ــ
(عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك) أي: عن حديث سعدٍ في المسح (قال: نعم. إذا حدثك شيئًا سعدٌ عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيرَه) كنايةً عن غاية صدقه وكمال إتقانه. قال بعضُهم: إنما نَهَاه عن سؤال غيره، لأن خبر الواحد إذا صار محفوفًا بالقرائن، أفاد اليقين. هذا كلامه، وليس بشيءٍ؛ لأن قول عمر: إذا حدثك شيئًا سعدٌ، عامٌ في كل خبر، سواء كان مع القرائن أو بدونه.
(وقال موسى بن عقبة) مولى آل الزبير صاحب المغازي تعليق من البخاري. وقيل: يجوز أن يكون عطفًا على حدثني عمر، فيكون من كلام ابن وَهْبٍ. قلت: ليس لابن وهب روايةٌ عن موسى بن عقبة، إنما يروي عن مالك، ومالكٌ يروي عن موسى (أبو النضر أن أبا سلمة أخبره أن سعدًا [حدثه] فقال عمر لعبد الله نحوه).
فإن قلت: ما فائدة هذا الكلام؟ قلتُ: تقديره أن سعدًا أخبر عبد الله بحديث المسح، ثم سأل عبدُ الله عمر فقال له: إذا أخبرك سعدٌ شيئًا، فلا تسأل غيره. فاختصره لدلالة ما تقدم عليه.
٢٠٣ - (عمرو بن خالد الحَرَّاني) -بفتح الحاء المهملة وتشديد راء كذلك- بلدٌ بديار بكر معروفة. خرج منها علماءُ وأهل الحديث (المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ خرج لحاجته فاتّبعه المغيرة) -بتشديد التاء- يقال: تبعتُ القومَ واتّبعتُهم: إذا مشيتَ خَلْفَهم. ويُروى بفتح الهمزة يقال: أتبع القوم إذا سبقوه أدركهم. قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨] (فتوضأ ومَسَح على الخفين).
стр. 352
٢٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبَانُ عَنْ يَحْيَى. طرفه ٢٠٥
٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ.
ــ
٢٠٤ - (أبو نُعيم) بضم النون على وزن المصغر (شيبان) بفتح المعجمة على وزن شعبان (عمرو بن أمية الضَمري) -بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم- نسبةً إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناف -بضاد معجمة- هذا هو الذي بدأ يُكَرِّهُ القصاص في قصة ضمرة مع تلك الأكاذيب. وسببه أنه كان رجلًا من رجال العرب ومن دُهاتهم، كان يبعثه رسول الله ﷺ في المهمات (وتابعه حربُ بن شداد وأَبَان عن يحيى) أي: تابعا شيبانَ. فالمتابعةُ ناقصةٌ.
٢٠٥ - (عَبْدان) -بفتح العين وسكون الباء على وزن شعبان- واسمُهُ عبد الله (الأوزاعي) -بفتح الهمزة- إمام الشام في زمانه واسمه: عبد الرحمن (رأيتُ النبي ﷺ يَمسَحُ على عمامته وخُفَّيه) أخذ بظاهره الإمامُ أحمدُ فجوَّزَ في المسح الاقتصارَ على العمامة، وقال به الشافعي في استكمال المسح استحبابًا.
فإن قلتَ: فما جوابُهم عن هذا الحديث؟ قلتُ: الآيةُ أوجبَتْ مسحَ الرأس، فلا يقاومُها الحديث. وفي رواية مسلم في حديث المغيرة مسح برأسه وعلى العمامة، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد. وما يقال: إن هذا قويٌّ عند من يحمل المشترك على حقيقته ومجازه، فسهو منه؛ فإن لفظ الرأس ليس مشتركًا، وإن كان فيه نقص إجمالي في: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [الماندة: ٦] على أن قوله: من يحمل المشترك على حقيقته ومجازه، كلام فاسد؛ فإن المشترك إنما يحمل على المعنيين حقيقة.
стр. 353
وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَمْرٍو قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ .
٥١ - باب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ
٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ «دَعْهُمَا، فَإِنِّى أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.
ــ
فإن قلت: الأحاديث في الباب كلها أطلقت المسح، فَلِمَ لا يجوزون المسح على أسفل الخف؟ قلتُ: لما روى أبو داود والدارمي عن علي بن أبي طالب: "لو كان الدينُ بالرأي، لكان أسفل الخف أوْلى بالمسح من أعلاه، إلا أني رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح على أعلاه".
(وتابعه معمر عن يحيى) أي: تابع شيبان. قال بعضُهم: إطلاق المسح يقتضي الجواز على أسفل الخف. ثم قال: الجواب أنه لا يقتضي، لأن: على، تدل على الاستعلاء. وهذا وهمٌ منه؛ لأنه لو قال: مَسَح على أسفله كان صحيحًا لغة؛ لأن: على، تدل على الاستعلاء، سواء كان ما دخلت عليه أسفل أو أعلى. كيف ولو كان لفظ: على، مُقَيّدًا ما ذكره لاستدل به علي بن أبي طالب، ولم يستدل إلا بفعل رسول الله ﷺ .
باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان
٢٠٦ - (أبو نُعيم) بضم النون على وزن المصغر (زكرياء) ممدود ومقصور، قُرئ بهما في السبعة (عامر) هو أبو عمرو الشعبي التابعي الجليل القدر (عن عروة بن المغيرة عن أبيه قال: كنتُ مع النبي ﷺ في سفرٍ) كان في غزوة تبوك، صَرَّح به في رواية مسلم (فأَهْوَيتُ لأنزع خُفّيه) قال ابن الأثير: أهوى يَدَهُ وأهوى بيده: مالها ليأخذ شيئًا، من الهَوي بفتح الهاء.
(دعهما فإني أدخلْتُهما طاهرتين) صريحٌ في أنه لا يجوز المسح إذا لبسهما على الحدث، لكن المعنى عند أبي حنيفة أن يكون الحدث الطارئ بعد كمال الطهارة، حتى لو
стр. 354
٥٢ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ
وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رضى الله عنهم - لَحْمًا فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا.
٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. طرفاه ٥٤٠٤، ٥٤٠٥
ــ
غسل قدمَيْهِ ولبس الخف، ثم غسل سائر الأعضاء، ثم أحدَثَ، صَحَّ منه ذلك المسحُ على الخف. وهذا لأن الترتيب لا يشترط عنده. وأما سائر الأئمة فالترتيبُ عندهم شرطٌ.
فإن قلتَ: هَبْ أن الترتيبَ شرطٌ، فلو غَسَل إحدى رجلَيْه وأدخلها في الخف، ينبغي أن يكون صحيحًا ولم يقولوا به؟ قلتُ: طاهرتين، قيدٌ للإدخال معًا، فلا بُدَّ وأن يكون حال إدخال إحدى الرجلين كون الأخرى بصفة الطهارة، نحوه: جاءني زيدٌ وعمرو راكبين، ولعدم تجزؤ الطهارة، فإن الطهور المأمور به شرعًا قائم بالأعضاء كلها.
باب: مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق
أي: باب بيان حكم من هذا شأنُه (وأكل أبو بكر وعمر وعثمان لحمًا فلم يتوضؤوا) استدل بفعل هؤلاء الأكابرُ على ما ترجم كما دأبه من الاستدلال بأقوال العلماء. قبل إسناد الحديث، وقيل: غرضه بيانُ الإجماع السكوتي فيه وهذا وهمٌ؛ لأن شرط الإجماع اطّلاعُ كل مجتهدٍ في ذلك العصر، وأنى له بذلك.
٢٠٧ - (عن زيد بن أسلم) بفتح الهمزة على وزن الماضي (عن عطاء بن يسار) ضدّ اليمين (أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاةٍ) أي: اللحم الذي على الكتف. وفي الكتف وما كان على وزنه ثلاثُ لغاتٍ، فتح الكاف وكسر التاء، وسكونها، وكسر الكاف وسكون التاء. هذا إذا لم يكن عين فعله حرفَ حَلْقٍ، وإلَاّ ففيه لغة رابعة: كسر أوله وثانيه أيضًا مثل فخذ.
(وصلى ولم يتوضأ) ومثله روى الإمام أحمد عن أم سَلَمة. وكذا روى مسلم عن أبي رافع. قال أبو رافع: كنتُ طبخْتُ شاةً، فدخَلَ رسول الله ﷺ وكان يعجبُهُ الذراعُ، فقال
стр. 355
٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِىَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أطرافه ٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢، ٥٤٦٢
ــ
"ناوِلْني الذراعَ" فناولْتُه. ثم قال: "ناوِلْني الذراعَ" فناولْتُه. ثم قال؛ "ناوِلْني الذراعَ". فقلت: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان؛ فقال: لو سَكَتَ لناولتني ذراعًا فذراعًا.
فإن قلتَ: قد رَوَى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بالوضوء مما مَسَّت النارُ؟ قلتُ: أجمعَ الأئمة على أنه منسوخ بما روينا من الأحاديث، على أنه يجوز أن يكون محمولًا على غسل الفم.
فإن قلتَ: كيف حكموا بالنسخ وشرطُه العلمُ بتأخر الناسخ؟ قلتُ: علم من حديث جابر أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. رواه أبو داود وغيره.
٢٠٨ - (يحيى بن بُكَير) بضم الباء على وزن المصغر، وكذا (عُقَيل)، (عمرو بن أُمية) بضم الهمزة وتشديد الياء (رأى النبي ﷺ احتز) افتعال من الحز يقال: حزه إذا قطعه، واحتزه إذا قطعه لنفسه مثل: شواه واشتواه (فدُعي إلى الصلاة، فألقى السكين فَصَلّى ولم يتوضأ).
فإن قلت: سيأتي الحديث: "إذا حضرت العِشَاء والعَشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء" وغيره من الأحاديث الدالة على تقديم الأكل على الصلاة قلتُ: ذاك إذا كان لنفسه تَوَقَانٌ بحيث لا يقدر على أداء الصلاة مع حضور القلب، ورسولُ الله ﷺ منزه عن ذلك. أو كان
стр. 356
٥٣ - باب مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِى حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ. أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِىَ أَدْنَى خَيْبَرَ - فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَاّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّىَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أطرافه ٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥
ــ
حين دُعي إلى الصلاة قد قضى وطره من الأكل. أو فعله بيانًا للجواز لئلا يظن أن ذلك الأمر للوجوب، وإنما لم يورد حديث السويق، لأن حكمه عُلم من أكل اللحم من باب الأولى.
باب: من مَضْمَضَ من السَّويق
قد سلف مرارًا أن المضمضة تحريكُ الماء في الفم.
٢٠٩ - (بُشيْر بن يسار) -بضم الباء وضين معجمة على وزن المصغر- واليسار ضد اليمين (أن سُويد بن النعمان) بضم السين على وزن المصغر (حتى إذا كانوا بالصَهْباء) -بفتح الصاد وسكون الهاء مع المدّ (وهي أدنى خيبر) قال ابن الأثير: بينه وبين خيبر رَوْحَةٌ.
(دَعَا بالأزواد) جمع الزاد وهو الطعام الذي يُحمل في السفر، و (السويقُ) -بفتح السين وكسر الواو- معروف، يكون من الحنطة المقلوة ومن الشعير وغيرهما (فأمر به فثري) أي: بَلَّ بالماء ليسهل نزولُهُ في الحَلْق. يقال: ثرّى التراب -بتشديد الراء- أي: رَشَّ عليه الماء (ثم قام إلى الصلاة، فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ) قال الخطابي: هذا ناسخٌ لحديث: توضأ مما مَسّت النار. قلتُ: هذا لا يصحّ لأن ذلك الحديثَ رواه أبو هريرة. وإنما أسلم أبو هريرة بعد خيبر.
وفي الحديث دلالةٌ على الزاد في السفر، شأن أهل الكمال، ولا ينافي التوكل كما تَدّعيه جهلةُ الصوفية. واستحبابُ الاجتماع على الأكل، ولا يقدح في الورع زيادةُ الأكل من
стр. 357
٢١٠ - وَحَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
٥٤ - باب هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ
٢١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ
ــ
البعض؛ فإنه يسامح في مثله. قيل: في الحديث دلالةٌ على أن للإمام أخْذَ طعام المحتكر وبيعَه بسعر ذلك اليوم. وليس بظاهر.
٢١٠ - (أصبغ) بفتح الهمزة وغين معجمة (ابن وهب) عبد الله (بُكَير) -بضم الباء على وزن المصغر، وكذا كُرَيب) (عن ميمونةَ أن النبي ﷺ أكل عندها كتف شاةٍ ولم يتوضأ).
قال بعضُ الشارحين: فان قلتَ: هذا الحديث لا يتعلَّقُ بالترجمة؛ قلتُ: الباب الأول من البابين هو أصل الترجمة، لكن لما كان في الحديث الثالث حكمٌ آخر سوى عدم التوضؤ، أدرج بين أحاديثه بابًا آخر لذلك الحكم. هذا كلامه. وليس بشيءٍ؛ وذلك أن اشتمال الحديث على حكمٍ زائدٍ على الترجمة لا يقتضي وضعَ بابٍ له على حدة. وكم أحاديث يوردها في باب واحدٍ مع اشتمالها على أحكام أخرى سوى ما ترجم له. والصواب في الجواب: أنه أورد أكل اللحم مع عدم المضمضة بعد الحديث الذي رواه في السويق مع المضمضة دلالةً على أن المضمضة إنما هي على سبيل الندب؛ لأن زهوقة اللحم أكثر من السويق. فإذا جاز عدمُ المضمضة مع ذلك، ففي السويق من باب الأَوْلى.
باب: هل يُمَضْمَضُ من اللبن
على بناء المجهول وعلى بناء المعلوم. أي: الرجل الذي يشرب. وفي بعضها: يتمضمضُ.
٢١١ - (يحيى بن بُكَير) بضم الباء على وزن المصغر، وكذا (قُتَيْبَة)، وكذا (عُقَيل)
стр. 358
شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ «إِنَّ لَهُ دَسَمًا». تَابَعَهُ يُونُسُ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. طرفه ٥٦٠٩
٥٥ - باب الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوِ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا
٢١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّى فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِى لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ».
ــ
(أن رسول الله ﷺ شرب لبنًا فمضمض وقال: إن له دَسَمًا) فيخلّ بإجلال الصلاة (تابعه يونس وصالح وابن كيسان عن الزهري) أي: تابع هؤلاء عُقَيلًا في الرواية عن الزهري.
باب: الوضوء من النوم ومن لم ير من النعسة والنعستين أو الخَفْقَة الوضوء
النعسة -بفتح النون وسكون العين- المرة من النعاس -بضم النون- وهو الوَسَنُ أوّلُ النوم، بحيث لا يكون نائمًا حقيقةً، ولا يقظان يسمع الأصوات ولا يقدر على الضبط. والخَفْقَة -بالخاء المعجمة وسكون الفاء وفتح القاف- المرةُ من الخفوقِ وهو الاضطراب والسقوط، والمراد سقوط رأس النائم على صدره، لما في الحديث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم، قال ابن الأثير: أي: تقع أذقانهم على صدورهم.
٢١٢ - (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلْيرقُدْ) الأمر للندب وقد علله بقوله: (فإنه إذا صَلَّى وهو ناعسٌ لا يدري، لعله يستغفر فيَسُب نفسَه) أي: لعلَّ أن يكون ظنُّه أنه يستغفر، فيقع في ضدّه، أصل لعلَّ: عَلَّ. اللام زائدة. قال الجوهري: ومعناه التوقع والإشفاق.
стр. 359
٢١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ».
ــ
والثاني هو المراد في الحديث، ويجوز أن يكون للرجاء أي: يكون راجيًا الاستغفار من كلامه وهو آتٍ بضدّه.
قال بعضُهم: فإن قلتَ: لِمَ قال أولًا: "إذا نعس وهو يصلي". وثانيًا: "إذا صلى وهو ناعس" فغَيّر الأسلوبَ؟ قلت: ليدل على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس ويقضيه في الحال، بل لا بُدّ من ثبوته، بحيث يفضي إلى عدم درايته. هذا كلامه. وهذا الذي قاله خلاف ما أراد الشارع؛ لأنه يريد أن المصلي إذا طرأ عليه أونى نعاس، فليترك الصلاة، لئلا يؤدي إلى المحذور وهو عدم الفرق بين الصواب والخطأ. ثم قال: الفرق بين "نعس وهو يصلي" و"صلى وهو ناعس" احتمال الصلاة في الأول بدون النعاس وبالعكس في الثاني. وهذا أيضًا وهمٌ؛ لأن المقيد بدون القيد لا وجود له من حيث إنه مقيد. وكذا القيد بدون المقيد من حيث إنه قيد له بدون المقيد. ألا ترى أن قولك: ضرب زيد عمرًا قائمًا، وقام ضاربًا عمرًا. متلازمان صدقًا وإن تفارقا مفهومًا.
والتحقيق في هذا المقام أنه أراد في الأول بيان ما يعرض في أثناء الصلاة فعَبّر عنه بالفعل الدال على الحدوث وفي الثاني: النهي عن الفعل وهو الصلاة مع استمرار النعاس، بل عليه القطع لئلا يؤدي إلى المحذور مثله قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].
٢١٣ - (أبو مَعْمر) -بفتح الميمين وسكون العين- عبد الله بن عمر المنقري البصري المعروف بالمقعد (عن أبي قلابة) -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجرمي.
(إذا نَعِسَ أحدُكم في الصلاة فَلْيَنَمْ حنى يعلم ما يقرأ) فإنه إذا صلى ناعسًا ولا يدري ما يقرأ، يتسرب عليه الثواب مع ذلك المحذور الذي تقدم، وفي قوله: "حتى يعلم ما يقرأ" إشارةٌ إلى أنه لا يترك قيام الليل، بل ينام بقدر ما يزول معه المحذور؛ لأن القيام في آخر الليل مهبة نسيم الغفران، ومصبة سجال الرضوان.
فإن قلت: دَلَّ الحديث على أن النعاس ليس بناقض؛ لأنه جعله مصليًّا حين ينعس، فكيف دلَّ على أن النوم ناقض؟ قلت: كون النوم ناقضًا مسلَّم ودل عليه الأحاديث، إنما قرنه بالنعاس في الترجمة دلالة على أن النعاس ليس ملحقًا بالنوم، والنومُ أيضًا ليس ناقضًا لكونه نومًا. وإنما ينقض لأنه مظنة خروج خارج. ألا ترى أنه إذا زال ذلك بأن نام على وجهٍ
стр. 360
٥٦ - باب الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ
٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ح قَالَ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.
ــ
لا يمكن خروج لانتقض كما بين في علم الفروع. وقال أبو موسى الأشعري وطائفةٌ: لا ينقض النومُ مطلقًا. وقال الحسن البصري: يُنقض مطلقًا. وفَرق مالكٌ بين القليل والكثير.
باب: الوضوء من غير حَدَث
٢١٤ - (سفيان) هو الثوري (عامر بن عامر) الأنصاري الكوفي (سمعتُ أنسًا) لم يذكر مفعول السماع لوجود (ح) التحويل. وسيذكره في آخر السند (مسدّد) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة أردف الإسناد الأول بالثاني؛ لأن سفيان مدلس لا يحتج بعنعنته ما لم يثبت السماع. وفي الإسناد الثاني لفظ التحديث الذي بمثابة سمعتُ، بخلاف الأول؛ فإنه بلفظ عن.
(كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاةٍ) لفظ: كان، دل على أن هذا دأبه، ولكن صلى بوضوء الخمس يوم الفتح فقال له عمر: صنعت شيئًا ما كنتَ تصنعه؟ قال "عمدًا فعلته" يعني أن لا يظن أنه واجب.
وفي الحديث الذي بعده أنه صلى المغرب بالوضوء الذي صلى به العصرَ. ومما يجبُ له التنبيه أن الوضوءَ على الوضوء. رَوَى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ على طهرٍ فله عشرُ حسناتٍ" (٢) قال النووي: وفي شرط استحباب التجديد أوجه أصحُّها أنه
стр. 361
٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِى بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَاّ بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
ــ
يستحب لمن صلى بوضوءٍ صلاةً سواء كانت فرضًا أو نافلةً.
والثاني: يستحب لمن صلى فرضًا.
والثالث: لمن فعل به ما لا يجوزُ بدون الطهارة كمسّ المصحف، والرابع: يستحب وإن لم يفعل به شيئًا بشرط أن يتخلل بين الوضوءين زمنٌ يقع بمثله تفريق. قلتُ: وفي قوله: أصحُ الوجوه أن يكون قد صلى بوضوءٍ صلاةً فرضًا كان أو نفلًا نظرٌ؛ لأن قول أنسٍ: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاةٍ، لا يمكن حملُه على هذا، لأنه كان يصلي التهجد ثلاثَ عشرة ركعةً، كل ركعتين بسلام. ولم يُنقَل عنه أنه كان يتوضأ بين كل أربع ركعات. وسيأتي أنه كان ينام بعد التهجد، ثم يخرجُ إلى صلاة الفجر ولا يتوضأ، فالواجبُ حملُ حديث أنس على كل فرض دون النفل.
قال بعضُ الشارحين: فإن قلتَ: يجب أن يكون عند كل قيامٍ إلى الصلاة وضوء لتكرر الحكم عند تكرر الشرط كما بين في متون دفاتر الأصول؟ قلت: المسألة مختلَفٌ فيها، والأكثرون على أنه لا يقضيه. هذا كلامه وهو وهمٌ؛ فإن ذلك إنما هو في الشرط الشرعي كدخول الوقت للصلاة، لا الشرط النحوي. على أن الشرط إذا كان بإذا لا يستلزم التكرار اتفاقًا مع أن أصل السؤال ساقطٌ؛ لأن التقدير: إذا قمتُم وأنتم محدثون.
٢١٥ - (خالد بن مَخْلَد) بفتح الميم (بُشَر بن يسار) -بضم الباء الموحدة على وزن المصغر- ويسار ضدّ اليمين (سُويد بن النعمان) بضم السين على وزن المصغر.
(إذا كنا بالصهباء) -بصاد مهملة وألف ممدود- قال ابن الأثير: روحة من خيبر. وقد تقدم شرحُ الحديث في باب من مضمض من السويق.
стр. 362
٥٧ - باب مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ
٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا،
ــ
باب: من الكبائر أَنْ لا يستتر من البول
الكبائر جمع الكبيرة وهي صفة المعصية. قال بعضُ العلماء: كل معصيةٍ كبيرةٌ، نظرًا إلى مخالفة الشارع، لا نظرًا إلى الذنب. وهذا معنىً حسنٌ، إلا أن المراد بيانُ أحد قسْمَي الذنب، فإن الشارع سمى بعضَها كبيرةً. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] قيل: هي سبعٌ، لِما وَرَدَ في الحديث السبع الموبقات. وقال ابن عباس لما سُئل عنها إلى سبعمئة أقرب. قال بعضُ المحققين في توجيه قوله: الكبيرةُ ما توعَّد عليه الشارعُ: أو كان قُبحه مساويًا أو زائدًا على ما توعَّد عليه. وهذا ممّا لا يشك فيه؛ فإن عِظَم الذنب إنما هو بالنظر إلى هتك حرمة الله تعالى. ألَا ترى أن البول في الكعبة لم يذكُرْ أحدٌ أنه من الكبائر، مع أن عاقلًا لا يتوقف فيه؟
٢١٦ - (جَرِير) بفتح الجيم وكسر الراء (مرَّ بحائطٍ من حِيطان مكة أو المدينة) الحائط هو الحديقة التي عليها الحائط وهو الجدار، يُجمع على حوائط. وذكرُ مكةَ هنا ليس بصوابٍ. وقد رواه في كتاب الأدب على الصواب؛ الجزم بالمدينة.
وإنما عَرّف المدينة، لأنه عَلَمٌ بالغلبة لمدينة رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] وقد رُوي عن أنسٍ أن الحائط كان لبني النجار، وبما ذكرنا سقط ما يقال إن ابن عباس كان بمكة ابن ثلاث سنين، فكيف ضبط القضية؟ ويسقط ما تكلف له من الجواب.
(فسمع صوتَ إنسانين يُعَذبان في قبورهما) جمع القبور وإضافته إلى المثنى تحاشيًا عن
стр. 363
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»، ثُمَّ قَالَ «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً. فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا».
ــ
تكرار لفظة التثنية كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (فقال النبي ﷺ يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة) وقد رواه بعده: "وما يعذبان في كبير وإنه لكبير" وفي رواية: "بل إنه كبير". والتوفيقُ بين النفي والإثبات بتغاير معنى الكبير، أي: لم يكن في زعمهما أنه كبير، ولكن كان كبيرًا عند الله، أو لم يكن ما فَعَلَاهُ تركه كبيرًا. أي: شاقًا على النفس كما في سائر المعاصي التي للنفس فيها لذةٌ وولوعٌ ليحتاج الإنسان في تركها إلى مشقة. وقوله: "لا يستتر"، بتاءين من فوق. وفي رواية: "لا يستنزه " بالزاي من النزاهة وهي البعدُ. وفي أخرى: "لا يستبرئ" من البراءة والمعنى واحدٌ. أي: كان لا يبالي بوصول رشاش البول إليه، وإنما كان كبيرةً؛ لأنه يؤدي إلى عدم صحة صلاته، أو لأنه مُشْعِرٌ بعدم مبالاته في الذين. وأما النميمة فهي نقلُ الكلامُ إلى من قيل فيه على وجه الإفساد. ولا شك أنه كبيرةٌ. وفي رواية الإمام أحمد والطبراني الغيبة مكان النميمة وهي كبيرة بنصّ القرآن.
(فدَعَا بجريدةٍ) هي غصْنُ النخل إذا جُرّد عنه الخوص، فعيلة بمعنى المفعول. ذكر بالتاء لعدم ذكر موصوفه (فوضَعَ على كل قبرٍ منهم كِسْرةً) بكسر الكاف (لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسَا أو: إلى أن ييبسا) الشكُّ من ابن عباس، والضمير في: لعلَّ، للشأن، قيل: إنما قيد بتخفيف العذاب بدوام كونهما رطبين، لأن الرطب يسبِّح دون اليابس، لأن حياة الخشب برطوبته، وقيل: لأنه قبلت شفاعته تلك المدة، وقيل: لأنه كان يدعو لهما تلك المدة. هذا، وقد روى مسلم في آخر كتابه عن جابر في حديثه الطويل: أن رسول الله ﷺ قال: "قبلت شفاعتي فيهما ما دام القضيبان رطبَيْنِ".
فإن قلتَ: ما رواه مسلم عن جابر كان ذلك في السفر؟ قلتُ: ليس في هذا الحديث ما ينافي ذلك، إلا أنه يُشْكِلُ بما رواه أحمد، وما قيل عن أنس: إن هذا كان في البقيع، فإن صَحَّ فلا بد من أن تكون القضية متعددة، والعمدةُ على ما في مسلم، وإبقاء شيء في قوله
стр. 364
٥٨ - باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ الْبَوْلِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِصَاحِبِ الْقَبْرِ «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ.
٢١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ.
٥٩ - بابٌ
٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ
ــ
تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] على عمومه. ودل منطوق الحديث على ثبوت عذاب القبر. عافانا الله منه برحمته التي غَلَبَتْ غَضَبَهُ.
باب: ما جاء في غسل البول
أي في بيان وجوب غسله (وقال النبي ﷺ لصاحب القبر) أي: عن صاحبه لا لأجله، ولم يذكر سوى بول الناس لما تقدَّم من قوله: "كان لا يستتر من بوله"، فاللامُ في القبر عوض عن الضمير، استدل عليه بحديث صاحب القبرين تارةً تعليقًا، وأخرى إسنادًا.
٢١٧ - (روح بن القاسمِ) بفتح الراء وسكون الواو (عن أنس بن مالك، كان رسول ﷺ إذا تبرَّزَ لحاجته) أي: ذهَبَ إلى البراز وهو الفضاء، لأنه لم يكن في بيوتهم أخلية.
(أتيتُهُ بماءٍ فيغتسل به) المحققون على أن اغتساله من البول وغيره لم يكن لنجاسةٍ، لأن ما كان نجسًا من غيره طاهر منه، إلا أنه كان يغسل منه تقذرًا كإزالة المخاط.
٢١٨ - (محمد بن المثنى) بضم الميم وتشديد النون (محمد بن خازم) بالخاء المعجمة (الأعمش) سليمان بن مهران (وما يعذبان في كبير).
стр. 365
فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ».
٦٠ - باب تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسِ الأَعْرَابِىَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ
٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. أطرافه ٢٢١، ٢٢١ م، ٦٠٢٥
ــ
فإن قلتَ: ذكر في الباب قبله: "بلى إنه كبير" ولم يذكر هنا؟ قلتُ: مثله يقع كثيرًا من تفاوت ضبط الرواة. وقيل: لأن هذا القول منه قبل الوحي بأنه كبير وذاك بعده، وليس بشيءٍ، لأن القضية واحدة، وما قال في شأنهما إنما قاله في تلك الحالة، قبل طلب الجريدتين، فكيف يتصور هناك قبلُ أو بعدُ؟.
(قال ابن المثنى: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، حدثنا مجاهد) فائدةُ ذكر هذا الإسناد مع أن شيخه هو ابن المثنى فيهما تصريح الأعمش بالتحديث فيه دون الأول، والأعمش مدلس إذا روى بلفظ السماع، أو ما في معناه ارتفع وَهْمُ التدليس، وأما أنه روى بلفظ قال هنا، وبلفظ حدثنا قبلُ، فلا فرق عند البخاري في ذلك، إلا إن قال: أكثر ما يقال فيما إذا سمع الحديث محاورةً ومذاكرةً لا تحميلًا.
قال ابن عبد البر: لا عبرة بالحروف والألفاظ إنما العبرةُ باللقاء. وقال ابن الصلاح: الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور باللقاء والإدراك.
باب: ترك النبي ﷺ والناس الأعرابي حتي فَرَغَ من بوله
الأعرابي: نسبةً إلى الأعراب وهم سكان البادية، جمعٌ لا مفرد له، والعربُ أهل الأمصار. قيل: اللام فيه للعهد الذهني، وليس كذلك. بل هو عهد خارجي، لأنه شخص معين، قيل: هو ذو الخويصرة، قاله أبو موسى، وقيل: الأقرع، وقيل: العيينة.
٢١٩ - (هَمّام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى (أن النبي ﷺ رأى أعرابيًّا يبول في المسجد، فقال: دعوه، حتى إذا فَرَغَ من بوله دعا بماءٍ فَصَبَّه عليه) وإنما قال: دعوه، لأنه لو
стр. 366
٦١ - باب صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْمَسْجِدِ
٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». طرفه ٦١٢٨
ــ
قطعوا البول عليه قام وتلوث ثوبه وبدنه، وربما أصاب بوله مواضع أُخَر من المسجد، وإذا أزعجوه وهو أعرابي جِلْفٌ ينفر عن الإسلام، ولهذا جاء في رواية مسلم أنه لمّا فَرَغ من بوله دعاه وقال: "إن هذه المساجد لا تَصْلُحُ لشيء من هذه الأبوال والقذر، إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن". ويذكر زيادةً على هذا في الباب بعده.
باب: صب الماء على البول في المسجد
٢٢٠ - (أبو اليمان) -بتخفيف النون- الحكم بن نافع (عُبيد الله بن عبد الله) الأول مصغر والثاني مكبَّر (أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد فتناوله الناس) أي: سبوه، من النَوْل وهو العطاء؛ كأنهم أعطوه ما كان يستحقه من اللوم على ما فعل.
(دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء) بفتح الهاء أي: أريقوا. الهاء بدلٌ عن الهمزة، ويروى: "وأهريقوا" بالهمزة والهاء، وقد سَبَق توجيه ذلك في قوله: "صبُّوا عليَّ من سبع قِرَب"، قال الجوهري: السجل هو الدلو الذي فيه الماء، قليل أو كثير ولفظه مذكر. والذَنُوب بفتح الذال المعجمة الدلو الملأى، ولفظه يذكر ويؤنث. قال ابنُ الأثير: السجل: الدلو الملأى والذَنُوب: الدلو العظيمة بشرط أن يكون فيها ماء، وما في الحديث بقول ابن الأثير أوفق، وذلك أنه لما قال: "سجلًا" استدرك، لئلا يتوهم أن طهارة المكان تتوقف على كون الدلو الملأى، وقيّده بالماء لأن سائر المائعات لا تقوم مقامه.
(إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعَثوا مُعَسرين) المبعوث حقيقة هو رسول الله ﷺ ، ولكن أمته مأمورون بالتبليغ، فكأنهم مبعوثون أيضًا، ونظير هذا قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 367
٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٦٢ - باب يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ
٢٢١ م - حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.
ــ
٢٢١ - (عبْدان) على وزن شعبان، لقب واسمه عبد الله.
٢٢١ م- (وحدثنا خالد بن مَخْلَد) بفتح الميم وسكون الخاء (سليمان) هو ابن بلال (فنهاهمُ النبي ﷺ ).
فإن قلت: قد تقدم أنه قال لهم: "دعوه" وهو أمرٌ، فكيف يجتمع مع النهي والقضية متحدة؟ قلتُ: مؤدى قوله: "دعوه" ومؤدى النهي عن إزعاجه شيء واحد.
(فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذَنُوب من ماءٍ فأُهريق عليه) بضم الهمزة وفتح الحاء، وقد نقلنا عن سيبويه أن هذه لغةٌ شاذة، كأسطاع بفتح الهمزة في أطاع.
ومن فقه الحديث أن طهارة النجاسة إنما تكون بالماء لا غير. وما روي أن ذكاة الأرض يبسها حديث ضعيف عند أهل الحديث، كيف ولو كان كذلك، كان يأمرهم بأن يتركوه حتى ييبس، فإنه بصدد التيسير والبيان وقت الحاجة.
وفيه أيضًا أن حفر الأرض أيضًا لا يشترط.
وفي رواية ابن ماجه وابن حِبّان أن الأعرابي لما فقه في الإسلام كان يقول في شأن رسول الله ﷺ فداه أبي وأمي-: لم يؤنب ولم يسبّ.
стр. 368
٦٣ - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِىٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. أطرافه ٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥
٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. طرفه ٥٦٩٣
ــ
باب: بول الصِّبْيَان
بكسر الصاد وسكون الباء جمع صبي. ويُجمع على صِبوة وصِبية بكسر الصاد فيهما، ذكرهما ابنُ الأثير. من صبا يصبو إذا مال؛ لأنه يميل إلى كل ما رآه، والمصدر: الصبا. إن كسرتَ الصاد مددْتَهُ، وإن فتحته قَصَرْتَ. قال الجوهري: وأما صبأ مهموزًا معناه: خرج من دين إلى آخر. ومنه قول المشركين لرسول الله ﷺ ومن تبعه: الصبأة.
٢٢٢ - (عن هشام بن عروة) بكسر الهاء وضم العين (عن عائشة أنها قالت: أُتي رسول الله ﷺ بصبي فبال على ثويه) قيل: هذا الصبي ابنُ الزبير، وقيل: حسن، وقيل: حسين، وقيل: سلمان بن هاشم. وَرَدَ بكل واحدٍ روايةٌ. وقيل: هو ابن أم قيس المذكور بعده (فدعا بماء فاتبعه إياه) أي: أتْبع الماءَ ما أصابه البولُ من ثوبه، بفتح الهمزة وسكون التاء.
٢٢٣ - (عن عُبيد الله بن عبد الله) الأول مصغر والثاني مكَبّر (عن أم قيس) قال السهيلي: اسمُها آمنة بنت وهب بن محصن. وقال أبو عمرو: اسمُها خزامة.
(أنها أتتْ بابنٍ لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلَسَهُ في حَجره) بفتح الحاء وكسرها (فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحه ولم لغسله) النَّضْحُ -بالضاد المعجمة- الرشُّ،
стр. 369
نسب ابن بطال إلى الشافعية: أن بول الصبي الذي لم يطعم طاهر عندهم، وأنكر عليه الشافعية، وقالوا: إنه ينجس عندنا إلا أنه يكفي النضح لتطهيره.
٦٤ - باب الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ أَتَى النَّبِىُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. أطرافه ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١
ــ
وإنما أردفه بقوله: ولم يغسله، لئلا يتوهم استعمال النضح في الغسل مجازًا. وفي رواية مسلم: فَرشّه ولم يغسل.
استدل بالحديث الشافعيُ وأحمدُ واكتفيا في بول الصبي بالرش وقالا بالغسل من بول الجارية، لما روى الحاكم وأبو داود والنسائي وغيرهم أن رسول الله ﷺ قال: "يُغْسَلُ من بول الجارية، ويُرَشّ من بول الغلام". قيل: والحكمة في الفرق بين الجارية والغلام أن بول الغلام أخفّ؛ فإن بول الجارية أشدّ لُزُوجةً. وقيّد الغلام بأنه لم يكن أكل الطعام على وجه الغذاء لأن بوله يغَلظ حينئذٍ فسقط ما توهمه الطحاوي من أن المراد بالنضح الغسل، وأي وجه لقوله: ولم يغسله، بعد قول: نضحه، وسقط أيضًا ما قاله القاضي وابن بَطّال من أن من اكتفى بالرش في بول الغلام، ذَهَبَ إلى طهارة بوله. قال النووي: لا خلاف في نجاسة بول الصبي.
باب: البول قائمًا وقاعدًا
٢٢٤ - (عن أبي وائل) شقيق بن سَلَمة (عن حذيفة) بضم الحاء بعدها ذال معجمة على وزن المصغر (أتى النبيُّ ﷺ سُبَاطةَ قومٍ) -بضم السين- المزبلة الموضع الذي تلقى فيه
стр. 370
٦٥ - باب الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ
٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُنِى أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَىَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.
ــ
أوساخ المنازل كانت مواتًا، وإضافتُها إلى القوم لأدنى ملابسةٍ قاله ابن الأثير. فلا حاجة إلى التكلُّفِ بأن القوم أذنوا له صريحًا أو دلالةً، واختلفوا في توجيه بوله قائمًا: قيل: كان بمَأبضه وجع. والمأبض: بفتح الميم وسكون الهمزة وباء موحدة: باطن الركبة، وقيل: لوجع في صُلْبه. والعربُ تستشفي من ذلك بالبول قائمًا. وهذا منقولٌ عن الشافعي. وقيل: كان المكان نجسًا، فلو جَلَس لتلوث. وقيل: لأن السُبَاطة لا يوجد فيها مكانٌ مستوٍ يصلح للجلوس، أو فعله تشريعًا، وما يقال: كان شأنه التباعُدُ عن الناس بفناء البيوت، ولم يَبْعُدْ لأن أوقاته كانت مستغرقة لمصالح الناس، فرُبّما كان مضطرًا إلى ذلك، يردَّه قولُ حذيفة في الباب الذي بعده: رأيتني أنا والنبي ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قومٍ.
فإن قلت: ذكر في الترجمة القيامَ والقعود ولم يذكُرْ للقعود حديثًا؟ قلتُ: القعودُ حال معلوم، فلا يحتاج إلى دليل، وإنما ذكره دلالةً على أن الجواز في الحالين لا يتفاوتُ.
فإن قلتَ: ما فائدةُ قول حذيفة: فقام كما يقوم أحدكم فبَالَ؟ قلتُ: كان دأب العرب أن لا يبول الرجلُ إلا قائمًا. وكان رسول الله ﷺ يخالفهم في ذلك. رواه ابن ماجه وغيره. فقولُ حذيفة إشارةٌ إلى ذلك.
باب: البول عند صاحبه والتستر بالحائط
أي: بول الرجل عند صاحبه.
٢٢٥ - (جرير) بفتح الجيم (رأيتُني) -بضم التاء- وكونُ الفاعل والمفعول شيئًا واحدًا من خصائص أفعال القلوب؛ لأن علم الإنسان بحال نفسه أشدُّ وألْصَقُ من غيره، فلا يسبق الوهم إلى الخطاب بخلاف مثل الضرب، فإن الأمرَ بالعكس. ولذلك جاز الجمع في غير
стр. 371
٦٦ - باب الْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَقُولُ إِنَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
ــ
أفعال القلوب، إذا انفصل الضمير لانتفاء المحذور نحو: ظلمت إياي.
(أنا والنبي ﷺ ) يجوزُ فيه الرفعُ على العطف، والنصبُ على أنه مفعولٌ معه (نتماشى، فأتى سباطة قومٍ، فقام كما يقوم أحدكم) أي: قيامًا متعارفًا من غير انحناء ولا تَغَيُّر وضع.
وقد أشرنا إلى تفسير العقد في آخر الباب الذي قبله (فبال) أي: شرع في إراقة البول.
(فانتبذت منه) أي: تنحيتُ عنه غير بعيدٍ -بالذال المعجمة- من النبذة -بكسر النون وفتحها- وهو الشيء القليلُ (فأشار إلي فجئته، فقُمتُ عند عقبه حتى فَرَغَ) إنما تنَحّى عنه أولًا؛ لأنه المتعارف وإشارته إليه ليقرب منه؛ لأَنْ يأمره بإحضار الماء كما تقدم في الباب قبله (ثم دعا بماءٍ). وقيل: إنما دعاه ليستره عن الناس. وفيه نظرٌ؛ إذ لو كان كذلك لم يذهب حذيفةُ لطلب الماء. وقد أشار البخاري إلى أن الستر كان بالحائط وهو صريح فيما ذكرناه، وقد ذكروا أشياء لا تناسبُ جلاله قدر رسول الله ﷺ أعرضنا عنها.
باب: البول عند سباطة قومٍ
٢٢٦ - (محمد بن عَرْعَرة) بفتح العينين وسكون الراء الأولى وفتح الثانية على وزن القنطرة (عن أبي وائل) شقيق بن سَلَمة (أبو موسى الأشعري) نسبةً إلى جده الأعلى أشعر بن سبا بن يشحب بن قحطان.
(يشدّد في البول) أي: في الاحتياط عن وصول شيءٍ من البول (ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوبَ أحدهم قَرَّضَه) ويروى في بعض الروايات: "جلده" مكان: "ثوبه". قال القرطبي: يريد الجلد الذى كان يلبسه والحقُ: أنه أراد جلد نفسه (فقال حذيفة ليته أمسك) أي: عن التشديد.
وفيه دليل على أن ليت تستعمل في الممكن. واستدل على ما قاله بقوله: (أتى رسول الله ﷺ سباطة قومٍ فبال قائمًا) وجهُ الاستدلال أن من يبول قائمًا فلا يسلم عن لُحوق
стр. 372
٦٧ - باب غَسْلِ الدَّمِ
٢٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَتْنِى فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ
ــ
رشاش. وإذا فعل هذا من هو أعلم الناس وأتقاهم مع قول: "الدين يسر ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ" فلا وجه للتشديد. وأما قياس أبي موسى فلم يكن في موضعه؛ لأنه في مقابلة النص، كيف ورسول الله ﷺ إنما بُعث ليضَعَ الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل. هذا، وقد كره أكثرُ الأئمة البول قائمًا. والتقوى فوق الفتوى "دعْ ما يَربيك إلى ما لا يَرِيبُ".
باب: غسل الدم
٢٢٧ - (يحيى) هو القطان (هشام) -بكسر الهاء- هو ابن عروة (فاطمة) هي بنت المنذر (جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ روى الشافعي عن سفيان عن هشام: أن هذه المرأة هي أسماء بنت أبي بكر راوية الحديث. وقيل: أسماء بنت يزيد الليثي. وفي رواية مسلم صريحًا هي أسماء بنت شكل (أرأيت إحدانا تحيض في الثوب) أي: أخبرني عن حكم ذلك، لأن الرؤية سواء كانت رؤية البصر، أو بمعنى العلم سبب للإخبار. وفي العدول عن صريح أخبرني، إجلال المخاطب عن توجيه الأمر إليه، والاستفهام والأمر يشاركان في مطلق الطلب وفي قولها: إحدانا، دون الإسناد إلى نفسها فائدتان: إحداهما: شناعة إسناد الحيض إلى نفسها في تلك الحضرة.
الثانية: عموم الحكم للكافة.
стр. 373
تَصْنَعُ قَالَ «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّى فِيهِ». طرفه ٣٠٧
٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِى حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِى الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى
ــ
(قال: تحتُّهُ ثم تقرصه وتنضحه وتصلي فيه) الحتُّ -بتاء مثناة فوق-: قلعُهُ بالظفر ونحوه، والحك والقشر والحتُّ بمعنى واحد، والقرصُ بالصاد المهملة وكذا التقريص الدلك بالأصابع والأظفار مع صب الماء. وتنضحه أي: تغسله بقرينة المقام فإن الرش لا يمكن في مثله، لأن الطهارة لا تحصُل به. ولعل إيثار لفظ النضح إشارة إلى أن بعد الحت والقرص لا يحتاج إلى تكثير الماء.
(وتصلي فيه) فائدةُ ذكر الصلاة للإشارة إلى كمال الطهارة.
وفي الحديث دلالةٌ ظاهرةٌ على أن قليل الدم وكثيره سواء.
٢٢٨ - (محمد هو ابن سَلَام) بتخفيف اللام (أبو معاوية) هو الضرير، محمد بن خازم بخاء معجمة ليس في الأسماء خازم بالخاء المعجمة غيره (فاطمة بنت أبي حُبيش) بضم الحاء على وزن المصغر الأسدية القريشية، من المهاجرات الأوَل (فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض) -بضم الهمزة وفتح التاء- على صيغة المجهول، والاستحاضة استمرار الدم بالمرأة فوق العادة، والسينُ للطلب، كان الدم يطالبها كل حين.
(فلا أطهرُ أفأدع الصلاةَ؟ فقال: لا. إنما ذلكِ عِرْقٌ) -بكسر الكاف- لأنه خطابُ الإناث. قال ابنُ الأثير رواية عن ابن عباس: إن ذلك العِرْقَ يُسمَّى عاذلًا بالذال المعجمة، وقيل: عاذرًا -بالراء- كأنه يعذر المرأة أي: يجعلها ذات عذر. قال الجوهري: والعاذر لغة في العاذل وهو عرق الاستحاضة.
(فإذا أقبلَتْ حيضتكِ) -بفتح الحاء- المرة الواحدة من نوب الحيض هو الرواية، وأما
стр. 374
عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّى». قَالَ وَقَالَ أَبِى «ثُمَّ تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِئَ ذَلِكَ الْوَقْتُ».
٦٨ - باب غَسْلِ الْمَنِىِّ وَفَرْكِهِ وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ
٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِىُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ
ــ
الكسر فهي الحالةُ التي شأن الحيض من النساء، وكذا أنواع دم الحيض، ويطلق على خرقة الحائض ومنه قول عائشة: ليتني كنتُ حيضة ملقاة، ويعلم المراد من السياق. وقوله: "إذا أقبلت" يدل على أنها قبل الاستحاضة، كانت لها عادة في الحيض، أو تمييز بين الدماء، وإنما أمرها بغسل الدم؛ لئلا تظن أن تركه رخصة في حقها.
فإن قلت: لا بد مع غسل الدم في الغسل أيضًا ولم يذكره؟ قلتُ: الغسلُ من الحيض أمرٌ معلوم عند النساء فلا حاجة إلى ذكره.
(وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة) فاعل قال هذا هشام، وإنما أمرها بالوضوء لكل صلاة؛ لأن الاستحاضة حدث دائم كسلس البول، وقوله: (قال أبي: توضئي لكل صلاة) مرفوعٌ إلى رسول الله ﷺ رفعه النَسَائي وغيره (٢)، فلا وجه للتردد فيه، والاستدلال عليه بالسياق. قال الخَطّابي: استدل بهذا الحديث بعضُ أهل العراق على أن الخارج من غير السبيلين إذا كان نجسًا يوجب الوضوءَ، وذلك أن هذا دم العرق، وقد أوجب فيه الوضوء، ولا يخفى ضَعْفُهُ، لأنه وإن كان من العرق إلا أنه خارجٌ من أحد السبيلين.
باب: غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة
٢٢٩ - (عبدان) بالدال المهملة على وزن شعبان (عمرو بن ميمون) الكوفي (الجزري)، (سليمان بن يسار) ضد اليمين.
стр. 375
كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ. أطرافه ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢
ــ
(كنتُ أغسل الجنابة) أي: ما يوجب الجنابة وهو المني لا غير (فيخرجُ إلى الصلاة وإن [بقع] الماء في ثويه) جمع بقعة وهي القطعةُ الممتازة من الشيء. والمراد علامة الغسل في مواضع من ثويه. استدل بالحديث من قال بنجاسة المني؛ لأن سؤال السائل كان عن حكم المني من كونه طاهرًا أو نجسًا. فالجوابُ بالغسل ظاهر في نجاسته. واستدل على طهارته من قال بطهارته بما رواه مسلم عن عائشة: لقد كنتُ أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ، ولو كان نجسًا لم ينفع الفركُ، بل لزم غسله. والقولُ بوجوب الغسل رطبًا والفرك يابسًا يشكلُ بالدم وسائر النجاسات. والظاهرُ أنها كانت تغسله إذا كان رطبًا لئلا يتلوث به سائر المواضع. وأيضًا هو أصل وجود الأنبياء والرسل، فلا يليقُ أن يكون غير طاهر. وما يقال من: أنه كما هو أصل الأنبياء، فكذلك هو أصل الكفار مما لا يُلتفت إليه، إذ كم شرف ناله من كان خسيسًا بواسطة الأشراف.
وفي الجملة: المسألة اجتهادية. قال بنجاسته مالكٌ وأبو حنيفة ﵀، وبطهارته أحمدُ والشافعي.
فإن قلتَ: ذكر في الترجمة الفرك وما يصيب من المرأة ولم يرو لهما حديثًا؟ قلت: الفرك ربما لم يقع له به رواية وقد روينا آنفًا عن مسلم وأما ما يصيب من المرأة فحديث الباب دل عليه؛ لأن المني الذي أصاب ثوب رسول الله ﷺ لا يجوزُ أن يكون من الاحتلام، وإذا كان من الوِقاع لا بد وأن يكون معه شيءٌ من رطوبة المرأة.
فإن قلت: ربما يكون نازلًا من التلاعب؟ قلت: لفظ: كان، في قولها: كنتُ، يدل على الاستمرار.
فإن قلت: فما حكمُ مني سائر الحيوانات؟ قلتُ: من قال بطهارته من الإنسان قال بطهارته من غيره، سواء كان مأكول اللحم أو لا سوى الكلب والخنزير وما يتولد من أحدهما ومن غيره. قاله النووي.
стр. 376
٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِىِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ.
٦٩ - باب إِذَا غَسَلَ الْجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَهَا فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ
٢٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ الْمَاءِ.
٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا.
ــ
٢٣٠ - (قُتيبة بن سعيد) بضم القاف على وزن المصغر (يزيد) من الزيادة. قال الغَسّاني: نَسَبَهُ ابنُ السكن والكلاباذي يزيد بن زريع، أبو معاوية البصري. وقال أبو مسعود الدمشقي وأبو نصر الحافظ: يزيد بن هارون. قال أبو نصر: وهذا الحديث محفوظ عنه.
قلتُ: كلاهما منه، وقُتيبة يروي عن كل واحد منهما.
(مسدّد) بضم الميم وفتح الدال المشددة (فيخرجُ إلى الصلاة وأثرُ النسل في ثويه بقع الماء) بالرفع بدل من أثر الماء وهو الرواية. ويجوزُ النصب بتقدير أعني وشرحُ الحديث ما تقدم.
باب: اذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره
٢٣١ - (عمرو بن خالد) هو الحراني الثقة، وليس عمرو بن خالد القريشي. قال الذهبي: روى عنه جماعةٌ وكذبوه.
٢٣٢ - (عن عائشة أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا) وقد روي بُقَعًا. من غير شك في الباب الذي قبله، والضمير في أراه للثوب، لأن الكلام فيه، ولأنَّ ضمير فيه بعده للثوب، فلا وجه لجعله لرسول الله ﷺ . وسوق الحديث
стр. 377
٧٠ - باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا
وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ
ــ
للدلالة على أن بقاء لون النجس لا يقدح في طهارة الثوب.
فإن قلتَ: ذكر في الباب الذي قبله وأن بقع الماء في ثوبه. وإذا كانت البُقَع للماء فلا دلالة فيه على أن بقاء اللون لا يضرّ؟ قلتُ: قوله هنا لم يذهب أثره، دليل على أن المراد بالبُقَع آثار المني.
فإن قلتَ: هَبْ أن هذا دليلٌ على أن بقاء اللون لا يقدح من أين .... أن بقاء الرائحة أيضًا لا يقدح؟ قلتُ: إذا لم يقدح بقاء اللون فبقاء الرائحة من باب الأولى؛ لأن زوال الرائحة أشد عسرًا من اللون ألا ترى أنها تبقى مع المجاورة.
فإن قلتَ: فهلا الطعم باللون والرائحة؟ قلت: إزالة الطعم ليس في ذلك العسر، فلم يكن في معنى اللون والرائحة.
فإن قلت: في الترجمة غير المني ولم يروِ له حديثًا؟ قلتُ: عُلم حاله من حكم المني، إذ لا خلاف بين أفراد الجنس إلا الكلب والخنزير، أو أشار إلى حديثٍ رواه أبو داود ولم يكن على شرطه، وهو ما رواه أبو هريرة أن خولَة بنت يسار سألتْ رسول الله ﷺ عن دم الحيض. فقال: "لا يضرك بقاءُ أثره".
باب: أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها
الإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق على الذكر والأنثى، ويجوزُ إسكان بائه. والدواب جمع دابة، وهي لغةً كل ما يدب على الأرض ويمشي. قاله الجوهري. والظاهر أن المراد بالدواب دوابُ الحوافر من الخيل والبغال والحمير كما هو المتعارف، ولذلك ذكرها بين الإبل والغنم، وأما جعله من عطف العام على الخاص، ثم ذكر خاص آخر بعده، تطويل بلا فائدة.
ومرابضها أي: مرابض الغنم، أي: مأواها (صلى أبو موسى الأشعري في دار البريد) -بفتح الباء وكسر الراء- فيه رباط على الطريق للقصَّاء الذي يذهبون في مهمات الملوك، كلمة فارسية أصلها بريدة دم، لأن الدواب التي كانت تربط في تلك المواضع كانت محذوفة
стр. 378
وَالسِّرْقِينِ وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ.
٢٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِىَ
ــ
الأذناب، لتكون أسرع سيرًا، أو ليكون غير محتاج إلى شدّ أذنابها، ثم بعد التقريب أطلق على الرسول، ثم على المنزل مجازًا في الدرجة الثانية، وفي الحديث "لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة بُرُد" وهي ستة عشر فرسخًا، فعلى هذا كل بريد أربعة فراسخ.
(والسرقين) عطف على البريد، أي: صلى في دار السرقين -بفتح السين وكسرها معرب سركين- الزبل، بحرف بين القاف والجيم (والبرية لجنبه) أي: الفضاء، كأنها قطعة من الأرض نسبت إلى البر (فقال هاهنا وثم سواء) إن أراد البخاري أن أبوال الدواب كلهما والأرواث طاهرة، وهو الظاهر من سوق الكلام فذاك غير لازم، لجواز أن يكون بين المصلي وبين الروث حائل كالبساط ونحوه وهو الظاهر والأكثر.
٢٣٣ - (سليمان بن حرب) ضد الصلح (حماد بن زيد) بفتح الحاء وتشديد الميم (عن أبي قِلابة) -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجرمي (قدم ناس من عكل أو عرينه) بضم العين فيهما، وعرينة -على وزن المصغر- قبيلتان من الأعراب، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان، ومن قال هم عرينة فقد غلط. قيل: كان قدومهم سنة ست وعددهم ثمانية نفر (فاجتووا المدينة) أي: استوخموها، افتعال من الجوي. قال ابنُ الأثير: والجوي مرض البطن إذا تطاول (فأمرهم رسول الله ﷺ باللقاح) أي: أمرهم بالخروج من المدينة والإقامة عند اللقاح -بكسر اللام- جمع لَقُوح -بفتح اللام- وهي ذات اللبن من الإبل.
(وأن يشربوا) عطف على اللقاح وليس من قبيل: أعجبني زيد وكرمه؛ لأن الغرض ليس
стр. 379
النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِئَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ
ــ
شرب الأبوال والألبان، بل الإقامة هناك مع الشرب. فلو جعل من قبيل: أعجبني زيد وكرمه، يكون من قبيل بدل الاشتمال مع الواو وفسد المعنى.
فإن قلت: هذه اللقاح لمن كانت؟ قلتُ: صَرّح في باب المحاربين، أنها كانت إبل الصدقة، وكذا بَوَّب عليه في كتاب الزكاة (٢).
فإن قلت: كيف خَصَّ شرب الألبان منها بطائفة من مصارف الزكاة؟ قلتُ: لم يَخُصَّهم بذلك بل صرف طائفة منها عليهم على أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة كذا قيل: وفيه نظر.
فإن قلتَ: قد جاء الرواية بأنها كانت لرسول الله ﷺ ؟ قلت: تلك الرواية مؤولة بأنها كانت في حكمه وتحت تصرفه.
واستدل به من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه. وإليه ذهب مالك وأحمدُ في رواية ولا دلالة فيه؛ لأنه كان للتداوي، قال النووي: والتداوي بالنجس جائز ما عدا الخمر (فأصبرهم فقُطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمِّرت أعينُهم) -بضم السين والتشديد- على بناء المجهول قال النووي: كذا ضبطوه. وقال المنذري: والتخفيفُ أشهر ومعناه: كحلت أعينهم بمسامر محماة. ويروى: سملت، باللام. قال ابنُ الأثير: والمعنى واحد.
(وألقوا في الحرة) أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سود. والمراد: إحدى حرتَيْ المدينة الشريفة (يستقون فلا يُسْقَون) قيل: إنما فعل بهم ذلك لأنهم فعلوا براعي رسول الله ﷺ وهو يسار مثل ما فعل، فجرى ذلك على وجه القصاص. وقيل: هذا كان قبل نزول الحدود، والحديث منسوخ، والصوابُ هو الأول لما رواه مسلم في بعض طرقه، وكذا رواه ابنُ إسحاق وموسى بن عُقْبة في السِّيَر، وكذا رواه الترمذي وأصحابُ
стр. 380
فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أطرافه ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩
٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ. أطرافه ٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢
٧١ - باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ
وَقَالَ الزُّهْرِىُّ لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ.
ــ
السنن. وعدم السقي ليس في الحديث أن رسول الله ﷺ أمَرَ بذلك، ولئن سُلّم فليس للمرتد حرمةٌ. وإليه أشار أبو قِلابة بقوله: (هؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم).
فإن قلتَ: سوقهم الإبل بعد قتل الراعي لم يكن سرقةً؟ قلتُ: صورتُه تشبه السرقة. قال بعض الشارحين: الإبل إما كانت ملك رسول الله ﷺ أو كانت من بيت المال، أو مشتركة. وقد نقلنا أن البخاري صَرّح بأنها كانت إبل الصدقة، فلا وجهَ لهذا الكلام.
٢٣٤ - (أبو التيّاح) بالفوقانية ثم تحتانية مشددة.
كان النبي ﷺ يصلي قبل أن يُبنى المسجد في مرابض الغنم) أراد بالمسجد: مسجدَ رسول الله ﷺ ، فاللام فيه للعهد.
باب: ما يقع من النجاسات في السَّمْن والماء
(قال الزهري: لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أو لون أو رائحة) أي: لا يتنجس الماءُ بوقوع النجاسة إلا بعد تغير الماء بملاقاة النجس، وتغير أحد أوصافه. قال بعضهم: يحتمل كلام الزهري أمرين:
стр. 381
وَقَالَ حَمَّادٌ لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ.
٢٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ. وَكُلُوا سَمْنَكُمْ». أطرافه ٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠
ــ
أحدهما: ما لم يغير النجس الماء عما خلق عليه بتغيير أحد أوصافه. والثاني: أن يكون المعنى ما لم يغير الماء طعم النجس. ويلزم منه تغير طعم الماء. ثم قال: وفي الجملة في لفظ الزهري تعقيد. وأنا أقول: التعقيدُ إنما هو في عباراتك الركيكة، وهل يذهب عاقل إلى أن مثل الزهري يريد بقوله: لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أن الماء يغير طعم النجس، وهَبْ أن يقال في الطعم ذلك، فكيف يتصوّر في اللون والريح، وأي لون للماء أو ريح؟ ثم بنى على ذلك خيالات، وقد ذهب مالك في قولٍ إلى ما ذهب إليه الزهري، واختاره الغزالي في "الإحياء".
(وقال حَمّاد) -بفتح الحاء وتشديد الميم- هو ابن أبي سليمان، شيخُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى (لا بأس بريش الميت) وبه قال أبو حنيفة، وكذا عظمُ الميت، وقال بنجاسته الشافعيُّ. دَليل الأول: أنها لا تحل فيها الحياةُ، ولذلك لا يتألم بقطعه، ودليلُ الثاني: النشوز والنماء. وقال مالك: عظم الفيل ونحوه طاهر إذا ذُكِّي.
(وقال ابنُ سيربن وإبراهيم) هو النخعي (لا بأس بتجارة العاج) فدل على طهارته، واستدل بما رُوي: أن رسول الله ﷺ كان له مُشْط من العاج. وأجاب الشافعي بأن ذلك كان من ظهر السحفاة البحرية، والعاجُ يُطلق على ذلك أيضًا. ذكره الجوهريُ.
٢٣٥ - (عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله ﷺ سُئل عن فأرة سقطتْ في سَمْنٍ فقال: أَلْقوها وما حولها، وكُلُوا سَمْنَكم) هذا إذا كان جامدًا. كذا رواه أبو داود وابن
стр. 382
٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ «خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ». قَالَ مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ.
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ». طرفاه ٢٨٠٣، ٥٥٣٣
ــ
حِبّان، وكذا كل ما كان جامدًا مثله، والحكمةُ في ذلك: أن المائع يسري فيه كالماء بخلاف الجامد، فإنه بمثابة التراب.
٢٣٦ - (قال مَعْن) بفتح الميم وسكون العين (حدثنا مالكٌ ما لا أُحصيه) أي: لا أقدر على عده بقولٍ (عن ابن عباس عن ميمونة) قوله: قال معن، داخلٌ تحت الإسناد من كلام علي بن عبد الله يريد به الردّ على من يزعمُ أن هذا الحديث من مسندات ابن عباس.
٢٣٧ - (مَعْمَر) بفتح الميم وسكون العين (هَمَّام) بفتح الهاء وتشديد الميم (مُنَبّه) بضم الميم وباء مشددة مكسورة.
(كلُّ كَلم يَكْلَمُهُ المسلمُ في سبيل الله، يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجر دمًا، اللون لون الدم، والعَرْفُ عَرْفُ المسك) الكَلْمُ -بفتح الكاف وسكون اللام-: الجراحة ولذلك أنث الضمير في قوله: "كهيئتها". ويُكْلَم -بضم الياء على بناء المجهول-: والعَرْف -بفتح العين وسكون الراء- الرائحة، أيَّة رائحة كانت. قاله الجوهري، إلا أن أكثر ما يطلق على الرائحة الطيبة. والمسك: لفظ معرب قاله الجوهري: وكانت العربُ تقول له: المشموم.
ولقد بالغ في التشبيه من وجوه: حذف أداة التشبيه، وكون الجراحة على هيئتها عند الطعن بعد هذه المدة المتطاولة، وصيغة التفعل في تفجر الدالة على الكثرةِ. والطعنُ: الضربُ بالرمح. أُريدَ به مطلق الضرب، من إطلاق المقيّد على المطلق مجازًا مرسلًا.
стр. 383
٧٢ - باب الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ». أطرافه ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥
ــ
والضمير في طعنت للجراحة، إما بإيصال الفعل بعد حذف المضاف، أو على جعل الجراحة مجروحة مجازًا.
فإن قلت: "إذا" -في قوله: "إذا طعنت"- للاستقبال. والمعنى المضي؟ قلتُ: في أكثر النسخ: إذ، بدون الألف، وعلى تلك النسخة أُريدَ بها مجرَّد الوقت. مثله ما قال سيبويه: [في] إذا، يقعد زيدٌ إذا يقوم عمرو، على أنها جاءت للمضي أيضًا. قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وقيل: أُوثِرَ إذا على إذ، استحضارًا للصفات. قلت: استحضار الصورة إنما يكون بلفظ المضارع.
فإن قلتَ: أي مناسبة لهذا الحديث وهو وقوعُ النجس في الماء ونحوه للترجمة؟ قلتُ: إشارة إلى أن القياس كان في المسك أن يكون نجسًا، لأنه دم متجمد، إلا أن الشارع استثناه، لأنه شُبه به أشرفُ الأشياء وهو دمُ الشهيد. وقيل: أراد البخاري أن الماء بواسطة تغيّر أوصافه، ينتقلُ من الطهارة إلى النجاسة، كما أن المسكَ بواسطة الرائحة انتقل من النجاسة إلى الطهارة. ولا يخفى بُعْدُهُ وعدمُ ظهور الاستلزام، وقد ذكروا أشياءَ أخر بعيدة أعرضنا عنها.
باب: البول في الماء الدائم
٢٣٨ - (أبو اليمان) -بتخفيف النون- الحكم بن نافع (أبو الزّناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (هُرمز) -بضم الهاء- غير منصرف علمٌ عجمي.
(نحن الآخرون السابقون) أي: آخرون في الدنيا سابقون في البعث والحساب، أو دخول الجنة، لما روى الترمذي والدارمي أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أولُ الناس إذا بُعِثوا، وأنا أولُ من يحرّك حلقة الجنة".
стр. 384
٢٣٩ - وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِى لَا يَجْرِى،
ــ
٢٣٩ - (وبإسناده) أي: بإسناد الحديث المذكور (قال: لا يبولَن أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري) قوله: "الذي لا يجري". تفسيرٌ للدائم.
اضطرب العلماء في وجه الارتباط بين قوله: "نحن الآخرون السابقون"، وبين قوله: "لا يبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم" قال ابن بطال: كان لهمام صحيفةٌ جمع فيها الأحاديثَ التي سمعها من أبي هريرة، فرواها على سياق تلك الصحيفة، يمكن أن يكون في الصحيفة على هذا النسق. وما قاله ابنُ بَطَّالٍ ذكرَهُ غيره. وهذا ليس بشيء؛ لأن البخاري لم يروه من طريق همامٍ لا هناك ولا حيثُ رواه؛ فإنه أورَدَ الحديث في الجهاد والمغازي والأيمان وفي مواضع أخر. وقيل: رُبّما سمع أبو هريرة من رسول الله ﷺ على هذا النمط في مجلس، فرواه على ذلك، وهذا أقربُ من الأول.
فإن قلتَ: فأيّ فائدةٍ في قوله: وبإسناده؟ قلتُ: لما لم يكن بين أول الحديث وآخره مناسبةٌ، وأشار به إلى الحكمة في إيرادهما معًا، وهي اتحادُ الإسناد، والظاهرُ أن مَنْ قال بالقول الأول، إنما التَبَس عليه من رواية مسلم، وذلك أنه روى هذا، كما رواه البخاري من هذا الطريق، ورواه أيضًا من طريق هَمّام.
فإن قلتَ: فعلى تقدير أن يكون سمعه أبو هريرة على هذا النمط، فكيف صدر من رسول الله ﷺ وهو في أقصى مراتب البلاغة؟ وأي مناسبة بين النهي عن البول في الماء، وبين قوله: "نحن الآخرون السابقون"؟ قلتُ: لمّا ذكر أنهم أكرمُ الخلق عند الله تعالى، حَثّ على مكارم الأخلاق التي بها استوجبوا ذلك الفضل والقدم، ومن جملتها عدم البول في الماء.
قال النووي: المختار حرمةُ البول في الجاري أيضًا، إذا كان قليلًا. وأما الراكد فإن كان قليلًا فالبولُ فيه حرام، وإن كان كثيرًا يكره. ولو قيل بحرمته لم يَبْعُد، لأنه يؤدي إلى
стр. 385
ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
٧٣ - باب إِذَا أُلْقِىَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّى قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّى وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ.
ــ
تنجسه بالإجماع إن تغيّر، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إن تحرك طَرَفُهُ بتحريك الطرف الآخر، وسواء بال في الماء أو في الإناء، ثم صَبَّ عليه الماءَ، أو بَالَ بقُرب الماء بحيثُ يجري إليه، كلُ ذلك منهي عنه.
(ثم يغتسلُ فيه) مرفوعٌ عطف على: "لا يبولَنَّ" عَطْفَ جملةٍ على أخرى. والمعنى: لا تفعلْ هذا ولا ذاك. ويجوزُ الجزمُ عطفًا على لفظ النهي. وجَوَّز ابنُ مالك النصبَ على أن: ثم بمعنى الواو، ورَدّه النووي بأنه يلزم منه أن يكون المنكر الجمع بين الأمرين، وهو البولُ فيه مع الغسل، وليس كذلك؛ إذ البول في الماء راكدًا منهيٌ عنه، سواء اغتسَلَ منه أو لا.
قال بعضُهم في توجيه كلام ابن مالك: التشبيه بين الواو وثم لا يلزم أن يكون من كل وجهٍ، ولو سلم تكون حرمةُ الجمع مستفادًا من هذا النص، وحكم الإفراد من نَصّ آخر مثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] إن جعل: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾، منصوبًا.
قلتُ: هذا الكلام مردودٌ، أما أولًا فلأنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن غرضه النهيُ عن البول في الماء الراكد، لأنه يؤدي إلى فساده.
وأما ثانيًا فلأن جواز نصب: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. بناءً على أن الواو تفيد الجمع بين الأمرين، كل منهما قبيح على الانفراد، وفي الجمع زيادة نعي عليهم. وظاهرٌ أن الحديثَ ليس من هذا القبيل.
باب: إذا أُلقي على ظهر المصلي قَذَرٌ أو جِيفةٌ، لم تَفْسُدْ عليه صلاتُه
قيل: القذر ضدّ النظافة. قلتُ: ذلك معنى مصدري لا يمكن إلقاؤه، وهو لغة ما ينفر عنه الطبع سواء كان نجسًا أَوْ لا، والمراد في الحديثِ الأولُ؛ لأن غير النجس لا نزاع في أنه لا يُفسِد الصلاة، فأي فائدة في ذكره؟!.
(وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا وهو يصلي، وضعه ومضى في صلاته) هذا إن
стр. 386
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِىُّ إِذَا صَلَّى وَفِى ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ.
٢٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ ح قَالَ وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
ــ
حمل على القليل فلا خلافَ فيه، وإن حُمل على المطلق الشامل للقليل والكثير، فهو اجتهادٌ منه لم يتابع عليه. وقيل: كان يرى التفرقة بين الابتداء وأثناء الصلاة، وبه قال جمعٌ من الصحابة ومن بعدهم.
(وقال ابن المسيّب) وهو سعيدٌ الإمام المشهور (والشعبي) -بفتح الشين وسكون العين- أبو عمرو الكوفي (إذا صَلَّى وفي ثوبه دم أو جنابةٌ، أو لغير القبلة، أو تيمم فَصَلَّى ثم أدرك الماء في وقته) أي: وقت الصلاة، والقول بأن المراد وقت التيمم سهو؛ لأن التيمم ليس له وقتٌ، ثم هذه المذكورات في حكم الدم إن كان قليلًا يُعفى عنه.
وأما المني فقد قال بطهارته طائفةٌ من العلماء كما تقدم تفصيلُهُ. والصلاةُ إلى غير القبلة إن كانت عن اجتهاد فلا إعادة، والتيممُ إن كان في السفر فلا إعادة، وإن كان في الحضَرَ ففيه تفصيلٌ مذكورٌ في الفروع.
٢٤٠ - (عَبْدان) -على وزن شَعْبان- اسمه: عبد الله، وعبدان لقبٌ له (عن أبي إسحاق) هو السبيعي، عمرو أبن، عبد الله، والسبع -بفتح السين وكسر الباء- قبيلةٌ من عرب اليمن (شُريح بن مسَلَمة) -بضم الشين المعجمة- على وزن المصغر.
(أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت) أي: الكعبة الشريفة، علم لها بالغلبة (وأبو جهل) عمرو بن هشام المخزومي، كان يُكَنَّى أبا الحكم، سماه رسول الله ﷺ أبا جهل لفرط غوايته (وأصحابُهُ جلوسٌ) جمع جالسٍ كقعود في قاعد (قال بعضُهم لبعض) القائل أبو جهل، صَرّح
стр. 387
أَيُّكُمْ يَجِئُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِى فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِى مَنْعَةٌ. قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ - قَالَ وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ - ثُمَّ سَمَّى «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلٍ،
ــ
به مسلمٌ (أيكم يجيءُ بسَلَا جزور بني فلان) سلا -بفتح السين مقصور- الجلد الرقيق الذي يكون على الولد بعد خروجه من بطن الأم. وقيل: هو في سائر الحيوانات كالمشيمة في الإنسان، والجَزُور -بفتح الجيم وضم الزاي- البعير المنحور ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظ مؤنث، يقال: هذه جَزُور بني فلان. قال الزمخشري في "الفائق": الجزور -بفتح الجيم- قبل النحر، فإذا نُحر يقال بضم الجيم.
(فانبعث أشقى القوم) اتفقُوا على أنه عقبة بن أبي معيط (فنظر) أي: انتظر (حتى سجد وَضَعَهُ على ظهره بين كتفيه) بدل من على ظهره (وأنا أنظرُ لا أغني شيئًا) بالنون، من الإغناء، ويروى: لا أغيّر، بالتشديد من التغيير أي: مما فعلوا كناية عن عجزه، ولذلك أردفه بقوله: (لو كان لي منعةٌ) أي: لفعلتُ. لو: للتمني، ويجوزُ أن يكون شرطًا كما أشرنا إلى جوابه. والمَنَعَة -بثلاث فَتَحات- جمع مانع، والمراد به القومُ والأنصار الذين يمنعون وصول الضرر، ويجوزُ إسكان النون، أي: لو كان لي قوةٌ.
(ويحيل بعضهم على بعض) أي: يقول: أنت فعلت، أي: لما رأوه كذلك ترحموا وترفقوا. هذا والأولى أن يكون من حال على ظهر الدابة، أي: وَثَبَ، أي: من شدة الفرح، يَثِبُ بعضُهم على بعضٍ، يؤيده قوله [في] رواية مسلم: يميل بعضهم إلى بعض، لبُعد حالهم عن الترحم.
(اللهم عليك بقريشٍ) اسم فعل بمعنى الزمْ (ثلاثَ مرات) حال من قوله: "اللهم عليك بقريش" (فشَقَّ عليهم إذ دعا عليهم) إذْ، فاعل شَقَّ وإذ بمعنى إن أو تعليل، وفاعل شَقَّ دعاؤه عليهم (وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة) أي: يعتقدون، الرؤية
стр. 388
وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ قَالَ فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. أطرافه ٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠
٧٤ - باب الْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ
قَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ
ــ
بمعنى العلم (وعقبة بن أبي معيط) -بضم الميم- على وزن المصغر.
(فوالذي نفسي بيده لقد رأيتُ الذين عَدَّ رسول الله ﷺ صَرْعى في القليب قليبِ بدرٍ) بدل من الأول، والقليبُ البئر قبل أن يطوى. وصَرْعى جمع صريع وهو الميت.
وقد اتفق أهلُ الشأن على أنَّ هذا وهمٌ من عبد الله بن مسعود، وذلك أن عمارة بن الوليد ذهب إلى النجاشي، فاتهم ببعض حرمه، فأمر السحرة فنفخوا في إحليله، فهامَ في الجبال وهَلَكَ هناك. وأما عُقبة بن أبي معيط فقَتَلَهُ رسولُ الله ﷺ صبرًا بوادي الصفراء بموضع يقال له: عرق الظبية.
واعلم أن استدلال البخاري بالحديث على أن النجاسة إذا ألقيت على المصلي واستمر معها لا تفسد صلاته غير تام، لأن رسول الله ﷺ لم يكن حينئذٍ تعبد بتحريم النجاسة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فلم يكن نازلًا بعدُ، لأنه نزل بعد الفترة، ولئن سُلّم نزولُهُ فالذي عليه المحققون أن المراد من الثياب الأخلافُ وأحوالُ القلب، ولئن سُلّم فليس في الحديث ما يدل على أنه علم بما أُلقي على ظَهره.
فإن قلت: كيف دعا عليهم وهو رحمةٌ للعالمين؟ فلتُ: كونه هاديًا لهم إلى سواء السبيل كافٍ في ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].
باب: البزاق [والمخاط] ونحوه في الثوب
البزاق والبُسَاق والبُصَاق كلها بمعنًى وهو الذي يلقيه الإنسان من الفم، والمخاط -بضم الميم وخاء معجمة- الذي ينزل من الأنف.
(وقال عروةُ بن الزبير عن المِسْوَر ومروان) المِسْور -بكسر الميم وسكون السين وفتح
стр. 389
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِىُّ ﷺ نُخَامَةً إِلَاّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ.
٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَزَقَ النَّبِىُّ ﷺ فِي ثَوْبِهِ. طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِى حُمَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أطرافه ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ٨٢٢، ١٢١٤
ــ
الواو- ابن مخرمة، ومروان هو ابن الحكم، ليس له صحبةٌ. وقولُ الواقدي: رأى رسولَ الله ﷺ لم يتابع عليه. والمِسْوَرُ صحابيٌّ صغير. فالحديث الذي عَلَّقه البخاري عن عروة روايةً عنهما من المراسيل، وغرض البخاري حاصلٌ؛ لأن الحديث مسندٌ عنده كما سيأتي في قضية الحديبية.
(فذكر الحديث) أي: حديث صُلح الحديبية (وما تنخم النبيُّ ﷺ نُخامةً) -بضم النون والخاء المعجمة- قال ابن الأثير: هي البزقةُ التي تخرج من أقصى الحلق من مَخْرَج الخاء المعجمة (إلا وقعتْ في كفّ رجلٍ منهم) أي: من الذين كانوا معه في الحديبية، وبه انقطع احتمال حمله على سائر الأوقات.
٢٤١ - (سفيان) هو الثوري (حُميد) -بضم الحاء- على وزن المصغر هو الطويل وقد نقلنا أن طوله كان في يديه، وهو كان في غاية القِصَر، وقيل: كان جارٌ له قصير فقيل لهذا: طويل؛ امتيازًا بينهما (بَزَقَ ﷺ في ثوبه) فدَلَّ على طهارته، وقد قدمنا أن الاستدلال بأمثاله لا يصح، لأن كل ما كان نجسًا من غيره فهو طاهر منه (طوَّله ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم.
والحديثُ دَلَّ على طهارة البزاق والمخاط واستحباب التبرك بهما من أهل الصلاح، وفيه بيان ما كان عليه الصحابة من توقير رسول الله وتَبجيله ﷺ .
стр. 390
٧٥ - باب لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ.
٢٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». طرفاه ٥٥٨٥، ٥٥٨٦
ــ
باب: لا يجوزُ الوضوء بالنبيذ ولا بالمسكر
قيل: هذا من عطف العام على الخاص، والمراد بالنبيذ ما لم يبلغ حَدَّ الإسكار. قلتُ: فهما متباينان إذا قيل المراد (وكره الحسن وأبو العالية) الحسن: أبو سعيد البصري، وأبو العالية: رُفَيع -بضم الراء- على وزن المصغر.
٢٤٢ - (سفيان) هو ابن عُيينة (كل شرابٍ أسكر فهو حرام) هذا حُكْمٌ مُجْمَعٌ عليه، إلا أن أبا حنيفة خَصَّه بما عدا خمر العنب بالقدر الذي يحصل منه الإسكار، وما ذهب إليه مخالفٌ لأحاديثَ كثيرة، ما رواه مسلم عن ابن عمر: "أن كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكر حرام". ومنها: ما رواه البخاري عن أنسٍ أن الخمر حين حُرمت لم نجد من خمر العنب إلا قليلًا، وعامة خمرنا كانت من البسر والتمر، واستدلال البخاري بالحديث على أنه لا يجوزُ الوضوء بالنبيذ، يرد به على أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنه جَوّز التوضؤ بنبيذ التمر خاصةً حتى لو كان نبيذ الرطب لا يجوز، ذكرهُ في "النهاية". واستدل على ذلك بما رواه عن ابن مسعود أن ليلة الجن قال له رسول الله ﷺ "بلغ ما في إدواتك"؟ قلتُ: نبيذٌ
следующие страницы →