← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16584

الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (5 311 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْىَ مُسْتَحَاضَةٌ. ١٢ - باب هَلْ تُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ ٣١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلَاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَىْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا. ــ ٣١١ - (مسدّد) بضم الميم وتشديد الدال مفتوحة (معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية. وإذا جاز للمستحاضة دخول المسجد، فكذا سَلِل البول والمذي ودامي الجرح، لكن يجب المحافظة على أن لا يلوث المسجد. باب: هل تصلي المرأة في ثوبٍ حاضت فيه ٣١٢ - (أبو نعيم) -بضم النون على وزن المصغر- الفضل بن دكين (عن أبي نجيح) عبد الله بفتح النون وكسر الجيم (عن مجاهد) ابن حبر -بالحاء المهملة- ويقال: ابن جُبير بضم الجيم على وزن المصغر مولى عبد الله بن الثابت القارئ المشهور، اختلفوا في سماعه عائشةَ بعد اتفاقهم على سماعه ابن عباس وأبا هريرة وجابرًا. وسيأتي في الحج والمغازي ما يدل على سماعه منها. (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه) لا يخالف ما تقدم من حديث أم سلمة: فأخذت ثياب حيضتي؛ لأن ذلك كان بعد ما وسّع الله عليهم، أو لم ترد بإحدانا العموم. والأول هو الوجه لظهور العموم (قالت بريقها فمصعَتْه) بالميم وصاد مهملة وعين كذلك، [قال] ابن الأثير: المصَعَ: التحريكُ والضرب. ومعنى: قالت بريقها، أنها حكت بريقها ما كانوا يفعلونه من غسل الدم بالماء لا أنها اكتفت بالريق عن الماء، كما يتبادر إلى الفهم.

стр. 457

١٣ - باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ ٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - قَالَتْ كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ــ ويروى: فقصعته بالقاف أي: فركته بظفرها، ولم يذكر أنها كانت تصلي فيه كما ترجم عليه؛ لأنه إذا لم يكن لها غيره فبالضرورة أنها تصلي فيه، وقد سَلَفَ في باب غسل دم المحيض قوله: صلي فيه. قال ابن بطال: ولم يذكر الفعل في هذا الحديث؛ لأنه مطلقٌ محمول على ما تقدم من روايتها في باب غسل دم المحيض من ذكر الغسل، أو كان هذا دمًا قليلًا معفوًا عنه. وهذا وهمٌ منه، إذ ليس ذكرها للريق إلا حكاية ما كانت تفعل من غسل الثوب بالماء كما ذكرنا. باب: الطيبُ للمرأة عند غسلها من المحيض ٣١٣ - (حمّاد) بفتح الحاء وتشديد الميم (عن أيوب) هو السختياني (عن حفصة) هي بنت سيرين (عن أم عطية) الأنصارية اسمها: نُسيبة بلفظ المصغر. كنا [ننهى أن] نُحدَّ على ميت فوق ثلاثٍ، إلا على زوج أربعةَ أشهر وعشرًا) ورُوي: على زوجها، قول الصحابي: كنا نُؤمر أو نُنهى، الآمر والناهي هو رسول الله ﷺ لا غير. ونُحد -بالنون المضمومة وكسر الحاء، وبفتح النون وضم الحاء- لغتان من الإحداد. والحدادُ: تركُ الزينة من الحدّ. وهو المنع. ويروى: تحد بالتاء بدل النون. أي: المرأة. وهذا يوافقُ رواية زوجها. قيل: إنما قالت عشرًا لإرادة الليالي، ولو اريدت الأيام لقيل: عشرة بالتاء. قلتُ: المراد بالعشر الليالي والأيامُ، وإنما عبّرت بالليالي؛ لأنها غرر الأيام، ولو

стр. 458

وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. قَالَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أطرافه ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣ ــ أريدت الليالي من غير الأيام لجاز ترك الحداد في اليوم العاشر، وليس كذلك. (ولا نكتحل) عطف على مقدر، أي: لا نلبس الحلي، وإنما طوى ذكره لظهور حكمه من المعطوف وهو مرفوع مع ما عطف عليه، لكونه مستأنفًا لبيان الإحداد، وشرحه. ويروى: بالنصب على أن لا نريده. أي: كنا نُنهى عن لبس الحلي والاكتحال. هذا في المتوفى عنها زوجُها على سبيل الوجوب. وكذا المبتوتة عند أبي حنيفة، وللشافعي وأحمد في المبتوتة قولان: الأصح: الاستحبابُ. (إلا ثوب عصب) بالعين المهملة وصاد كذلك، قال ابن الأثير: برد يَمَنيٌ يعصب غزله، أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيًا؛ لبقاء موضع ما عصب أبيض لم ينله الصبغ. وقيل: هي برد مخططة. وعند الفقهاء: ما كان المراد من صبغه، الزينة سواء كان بعد النسيج أو قبله. (وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُسْت أظفار) النُبْذة -بنون مضمومة وباء ساكنة وذال معجمة- القطعة من الشيء، والكُسْت -بضم الكاف وسكون السين، وبالقاف أيضًا: العود الهندي. وقيل: ضرب من الطيب. وقيل: عقار معروف تتبخر به النفساء. قال ابن الأثير: وهذا أشبهُ. وأظفار: -بفتح الهمزة- قال ابن بطال: كذا وَقَع في البخاري. والصواب: ظفار على وزن فعال. وهي مدينة من بلاد يمن. وفي المثل: من دَخَل ظفار حمّر -بتشديد الميم- أي: تكلّم بلغة حمير. وفي رواية مسلم: قسط أو أظفار بعطف أظفار قيل: مفرده ظفر وهو طيب أسود، القطعةُ منه تشبه الظفر فعلى هذا يحتمل أن يكون كست منونًا ترك الواو من أظفار سهوًا من الناسخ. وانما أبيحَ لها هذا القدر من الطيب؛ لأنها تتوجه إلى العبادات، والملائكة تتأذى من الروائح مثل البشر (رواه هشام بن حسان عن حفصة) كما رواه أيوب متابعة ناقصة.

стр. 459

١٤ - باب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ ٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِى بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ «تَطَهَّرِى بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ قَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِى». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَىَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِى بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. طرفاه ٣١٥، ٧٣٥٧ ــ باب: دلكُ المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة مُمَسكة فتتبع بها أثر الدم ٣١٤ - (يحيى) كذا وقع غير منسوب. قال الغساني: كل ما كان، في البخاري من لفظ يحيى هو ابن موسى البلخي. قال أبو نصر الكلاباذي والذهبي: كل من يحيى بن موسى، ويحيى بن جعفر يروي عن ابن عُيينة. (عن عائشة أن امرأة سألت وسول الله ﷺ عن غسلها من المحيض) هذه المرأة أسماء بنت شكل، جاء اسمُها صريحًا في مسلم وذكر عن الخطيب أنها بنت يزيد خطيبة النساء، ويجوز أن تكون الواقعة متعددة (قال: خذي فرصةً من مسك فتطهري بها) الفرصة -بكسر الفاء وحكي فيها الضم والفتح وصاد مهملة-: القطعةُ من الشيء، من فرصت الشيء قطعته، من مسك. أي: قطعت من قطن ونحوه ملطخة بالمسك. وتؤيده الرواية الأخرى: ممسكة بفتح السين المشددة ودعوى القاضي عياض -أن الأكثر في الروايات: المسك -بفتح الميم- أي: قطعة جلد عليك شعر. وقول صاحب "الكشاف": الممسكة معناها العتيقة، وقول ابن قيس: إن أهل الحجاز ما كان عندهم المسك، كل ذلك مخالف لغرض الشارع، فإنه أراد أنها تستقبل العبادات على صفة النظافة، ويؤيده حديث أم عطية في الباب الذى قبله من الترخيص الممعتد المحدة في كست أظفار إذا تطهرت. وبنى الفقهاء عليه: إن كان الغرضُ قطعَ الرائحة الكريهة يكون ذلك قبل الغسل، وإن

стр. 460

١٥ - باب غُسْلِ الْمَحِيضِ ٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِى ثَلَاثًا». ثُمَّ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ «تَوَضَّئِى بِهَا» فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِىُّ ﷺ . ــ كان الغرض سرعة العلوق يكون بعد الغسل، ورجّح النووي الأولَ، وذلك أن لو كان المراد سرعة العلوق لاختص بذوات الأزواح، وحكى أبو داود في القرصة القاف، بدل: الفاء. وقال ابنُ قُتَيبة: بالقاف والضاد المعجمة. فإن قلت: ترجم على دلك المرأة نفسها، وليس في الحديث ذكره؟ قلتُ: يفهم من الأمر تتبع المسك أثر الدم؛ لأن المراد منه المبالغة في النظافة، أو ثبت أصل الحديث عنده دونه، وقد جاء صريحًا في رواية مسلم ذكر الدلك. وكيفية الغسل. وفقه الحديث أن المفتي والعالم يؤثر العبارات الحسنة، ويكني أو يعرض في مظان الستر، وأن السائل إذا خفي عليه شيء من المراد ففهَّمه من كان حاضرًا، وجواز التسبيح عند التعجب. باب: غسل المحيض ٣١٥ - (مسلم) على لفظ اسم الفاعل (وُهَيب) بضم الواو على وزن المصغر. (أن امرأةً الأنصار) وهي أسماء التي تقدمت في الباب قبله (خذي فرصة ممسكة) تقدم في الباب قبله شرحُه (وتوضئي ثلاثًا) قبل الغسل كما يفعله الجنب (ثم إن النبي ﷺ استحيا فأعرض بوجهه). فإن قلتَ: كيف أعرض عن السائل المسترشد لأمر دينه وهو إنما بُعث معلمًا لأمته أمر دينهم؟ قلت: عرف أن عائشة فهمت المقصود. والدليل عليه قوله: "سبحان الله" تعجبًا من عدم فَهمِ السائلة مع ظهور مراده من أخذ الفرصة، وقوله: (تتبعي بها أثرَ الدم) ونظير هذا ما إذا نازع أحد الطلبة الشيخَ بعد تقريره المقصود بحيث لم يبق لحذّاق المجلس فيه ريب، فيعرضُ الشيخ عنه ليوصله إلى فهمه أحدُ الحاضرين.

стр. 461

١٦ - باب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ ٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْىَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ ــ باب: امتشاط المرأة عند الغسل ٣١٦ - (موسى بن إسماعيل) التبوذكي (إبراهيم) هو سبط عبد الرحمن بن عوف. (عن عائشة قالت: أهللْتُ مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع) أي: أحرمتُ فإن الإهلال لغةً رفع الصوت. ولما كان المحرم يهل بالتلبية عند الإحرام، أطلق الإهلالَ على الإحرام. وسُميت تلك الحجة حجة الوداع؛ لأن رسول الله ﷺ ودع أمته الذين كانوا في تلك الحجة. (فكنتُ ممن تَمَتَّع ولم يَسُقِ الهدي) -بفتح الهاء وسكون الدال وبفتحها وكسر الدال مع التشديد في الياء-: ما يُهدى إلى الحرم من الأزواج الثمانية. وكان من ساق الهدي لا يجوزُ له أن يحل حتى يبلغ محلّه، فلذلك ذَكَرَتْ هذا القيد. (فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة) قد تقدَّم أنها بدأت به في سَرَف. قيل: إنما قال: زعمت؛ لأنها لم تذكر لفظ الحيض، لأنه يُسْتَحْيا منه. وليس بشيءٍ، لأنه تقدم من كلامها مرارًا لفظ صريح الحيض، كقولها: إذا حاضت إحدانا، وقولها: وأنا حائض. والصواب أنه لم يحفظ الراوي عبارتَها بلفظها، فأشار إلى مقصودها مجملًا، ويجوز أن يكون غرضه أنها قالت هذا القول على القطع والجزم، فإن المخبر تارة يخبر عن ظن وتخمين (وإنما كنت تمتعت بعمرة). فإن قلتَ: تقدم من كلامها: لا نرى إلا الحج؟ قلتُ: ذلك قبل أن يأمر رسول الله ﷺ بنقض الحج إلى العمرة من لم يَسُق الهدي وهذا بعد ذلك.

стр. 462

اللَّهِ ﷺ «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأَمْسِكِى عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ ــ (انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك) قال النووي: إنها كانت أولًا مفردة ثم تمتعت ولما لم يتمّ لها التمتع بحصول العذر المانع من الطواف أمرها رسول الله ﷺ بأن تدخل الحج على العمرة فتصير قارنة، وأما قولها لرسول الله ﷺ : يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجةٍ؛ فالمراد عمرة منفردة؛ لأن أزواج رسول الله ﷺ كلّهن كُنّ متمتِّعات. وكذلك أرسل معها عبد الرحمن لتكون لها أيضًا عمرة مستقلة تبرعًا؛ تسليةً لخاطرها لا أنه كان ضروريًا لتمام نسكها. قال: والذي يدل على هذا قوله لها: "يسعك طوافك عن حجتك وعمرتك" والأمر بالنقض لم يكن للخروج عن العمرة، فإن الخروج عنها لا يجوزُ بعد الإحرام، وإنما يجوزُ بالإتمام والتحلل وإنما أمر برفض أعمال العمرة، وأمرها بالاغتسال والنهي لإحرام الحج. وأورد بعضُهم على قوله: لا يجوز لها الخروج عنهما إلا بعد التحلل بقوله: كانت أولاً مفردة، فخرجت إلى التمتع قبل أعمال ذلك فإذا جاز لها الخروج من الحج إلى العمرة، فلِمَ لا يجوز العكس؟ وهذا مردود؛ لأن ذلك كان بأمر الشارع بناءً على حكمة وهو رفض السنة الجاهلية من اعتقاد عدم جواز العمرة في أشهر الحج، فأين وجهُ الملازمة؟ وأين وجود تلك الحكمة. في العكس؟ فإن قلتَ: قول رسول الله ﷺ لها: "أهلّي بالحج" وقولها: فلما قضيتُ الحج. وقوله لها: "دعي عنكِ عمرتَكِ". يدل على أنها لم تكن قارنة؟ قلتُ: لا دلالةَ في شيء من ذلك، لأن قوله: "يسعك طوافك عن حجك وعمرتك" نصٌ لا يقبل التأويل، وباقي الأحاديث الموهمة قابلةٌ للتاويل. فإن قلتَ: قوله لها: "أو ما طفت ليالي قَدمْنا مكة؟ " قالت: لا. ما تأويله؟ قلت: تأويله أن منعها عن العمرة كان للعذر، وربما زال العذر قبل الوقوف، فتتم عمرتها. فلما علم أنها لم تكن طافت، فقال: إن لم يحصل لك ذلك فقد حَصَل نوع آخر وهو الحصولُ في ضمن الحج، كما هو شأن القارن، فلما لم ترض ولم تنسك إلا بالعمرة المستقلة، وكانت

стр. 463

الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِى مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِى الَّتِى نَسَكْتُ. ١٧ - باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ ٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِى الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ عبادة مرغوبة مع الإمكان، أطلق لها الإذن. هذا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه من فضل الله وتوفيقه. (ليلة الحصبة) -بفتح الحاء وصاد مهملة- هو المحصب ما بين مكة ومنى، وموضع الجمار أيضًا، يقال له المحصب (مكان عمرتي التي نسكت) -بالنون-: من النسك. وفي بعضها: سكت. من السكوت. وفي بعضها: شكوت. من الشكاية. فإن قلت: ما معنى قولها: نسكت وقد تركت أعمال العمرة وأخذت في أعمال الحج؟ قلت: معناه النسك الذي شرعت فيه. فإن قلت: بَوّب البخاري على امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، وليس في الحديث إلا أنه أمر عائشة بالامتشاط عند الإحرام بالحج مع وجود الحيض. قلت: إذا استحب نقض الضفائر عند غسل الإحرام، فالاستحباب في غسل الحيض من باب الأولى. وهذا الأمر للندب، فلا يرد حديث أم سلمة حيث لم يأمرها بنقض الضفائر. وقال: "إنما يكفيك ثلاث حثيات" فإن سؤالها كان عن وجوب النقض. فهذا وجه التوفيق بين الحديثين، ولهذا كانت عائشة تَعيبُ على ابن عمر إفتاءه بوجوب نقض الضفائر عند الغسل. باب: نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض ٣١٧ - (عُبيد بن إسماعيل) على وزن المصغر (أبو أسامة) -بضم الميم- حماد بن أسامة الكوفي. (موافين لهلال ذي الحجة) أي: مشرفين عليه يقال: أوفى على كذا إذا أشرف عليه،

стр. 464

«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّى لَوْلَا أَنِّى أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِى يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «دَعِى عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى، وَأَهِلِّى بِحَجٍّ». فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِى أَخِى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِى. قَالَ هِشَامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. ــ ومنه قوله في الحديث: كلما أوفى على فدفد، لقولها في الحديث الآخر: قدمنا مكة لخمس بقين من ذي القعده. فإن قلتَ: إذا كان معنى موافين مشرفين، كان صلته على، فما وجه اللام؟ قلت: معنى القرب والاستقبال، وفي حاء ذي الحجة الفتح والكسر. والأول أشهر كما في الحج أيضًا. (من أَحَبَّ أن يُهِل بعمرة فليهل). فإن قلت: هذا القول يدل على أنه قال هذا القول في الطريق وسيأتي أنه قال الهم بعد الطواف؟ قلت: تكرر منه القول بذلك، فكان آخره بعد الطواف. فإن قلت: "من أحب" يدل على أنه خيرهم وأمره كان إيجابًا؟ قلت: لوح لهم أولًا أنه يريد منهم العمرة رفعًا للسنة الجاهلية، فلما كرهوا ذلك، ولم يبادروا إلى ما أمر به، أمرهم حقًّا وسلاهم بقوله: (لولا أني سقت الهدي لأهللت بالعمرة)، وبقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقتُ الهدي". (قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك هدي) تعليق من البخاري، ويجوز أن يكون عطفًا على عن هشام بطريق المعنى بتقدير حرف العطف. قال النووي: ما قاله هشام مشكلٌ؛ لأنها كانت قارنة، والقارن عليه الدم، وكذا المتمتع. وهذا دليل من قال: إنها كانت مفردة هذا كلامه.

стр. 465

١٨ - باب مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ . ٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. ــ قلت: لا إشكال فيه، فإن هشامًا قال هذا الكلام بناء على ظنه ولم ينقله من أحدٍ. والدليل على أنها كانت قارنة ما تقدم في تقرير المسألة أول الباب. وقد رَوَى مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ ذبح عن عائشة يوم النحر بقرة، فاندفع الإشكال والله أعلم بحقيقة الحال. باب: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] قال الجوهري: المخلقة تامة الخلق، وغير المخلقة بخلافها. وأطبق الشارحون على أن مراده من إيراده هذا في كتاب الحيض الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض كما هو مذهب الكوفيين، ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي، وليس في الآية ولا في الحديث دلالة على ذلك. فالوجه أن إيراده للدلالة على أن النطفة منها يخلق الولد، والوطءُ في حال الحيض حرامٌ، فيجب الاجتناب عنه في حال الحيض لئلا ينعقد الولد من ذلك الفعل الحرام. ٣١٨ - (مسدّد) بضم الميم وتشديد الدال (عُبيد الله) على وزن المصغر. (إن الله وكّل بالرحم ملكًا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة) بالرفع على تقدير إنها نطفة وكذا فيما عطف عليه. وفي رواية القابسي: النصب، أي: جعلته نطفة. قال ابن الأثير: النطفة -بضم النون- وجمعها النطف: الماء سواء كان قليلًا أو كثيرًا، لكنه بالقليل أخصّ. ومنه النطفة للمني لقلته. والعلقة -بفتح اللام- الدمُ المتجمد لتعلق بعضه ببعض. والمضغة -بضم الميم وسكون الضاد- قدر ما يمضغ من اللحم. فإن قلت: ما مراد الملك بقوله: يا رب نطفة ... إلى آخره؛ مع إخفاء فائدة الخبر ولازمها لأن الله عالم بها؟ قلتُ: هذا نوع من الذكر واعتراف بكمال القدرة على تقليب تلك المادة في أطوارها، وإظهارٌ لعدم غفلته عما وُكِّل به.

стр. 466

فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». طرفاه ٣٣٣٣، ٦٥٩٥ ١٩ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، ــ (فإذا أراد أن يقضي خلقه) أي: يتم ويكمل بنفخ الروح كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] (قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه) أي: هذه الأمور والكاتب إما ذلك الملك وهو الظاهر، أو ملك آخر لما جاء في الروايات: "ثم يَبْعَثُ الله ملكًا بأربع كلماتٍ". والجار في قوله: في بطن أمه، يجوزُ أن يتعلق بيكتب على أن الكتابة كائنة في البطن، لأن الملك موكل بالرحم أو حال من المفعول أي: يكتب عليه حال كونه في بطن أمه قبل نفخ الروح. فإن قلت: ما مراده بقوله: "ذكر أم أنثى؟ إلى آخره؟ قلتُ: المباشرة إلى كتابته قبل نفخ الروح، إظهارًا لكمال الطاعة والانقياد. باب كيف تُهِلُّ الحائض بالحج والعمرة؟ أي: كيف تحرم، لأن الإهلال رفع الصوت بالتلبية. وهو من لوازم الإحرام، فأطلق عليه مجازًا مرسلًا. ٣١٩ - (بُكَير) بضم الباء على وزن المصغر. (عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمنّا من أَهَلّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج) هذا إنما كان بعد أمره بفسخ الحج إلى العمرة من لم يكن معه هدي، فلا يرد ما تقدم من قولها: لا نرى إلا الحج. فإن قلتَ: سيأتي في كتاب الحج أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة وهم بسرف

стр. 467

فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَاّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِى وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّى، فَبَعَثَ مَعِى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، وَأَمَرَنِى أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِى مِنَ التَّنْعِيمِ. ــ وقال هنا: لما قدمنا مكة. قلتُ: أمرهم بقوله: "من أحب" وهم بسرف ولما توقفوا في ذلك أمرهم بمكة بعد الطواف والسعي حكمًا جازمًا. (ومن كان معه هدي فلا يحل حتى ينحر) استدل به أبو حنيفة والإمامُ أحمد على أن المعتمر إذا كان معه هدي وقد تمتع بالعمرة إلى الحج لا يتحلل من عمرته حتى ينحر يوم النحر، وقال الشافعي: يتحلل بعد الفراغ من أعمال العمرة وينحر هديه وقال: هذا مختصر من حديث عائشة، وقد رواه مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "من كان معه هدي فليُهل بالحج مع العمرة". قال بعضُهم: فإن قلتَ: قد يتحلل الشخص بعد انتصاف ليلة النحر، فلم جعل غايته النحر، أو وقته وهو بعد طلوع الشمس يوم النحر، وأجاب بأن المراد من التحلل الكليّ الذي يجوزُ معه الجماع. هذا كلامُهُ. وخبطهُ ظاهر، وذلك أن الشافعي يجوز ذبح الهدي بعد انتصاف ليلة العيد. قال الرافعي: ويدخل وقت الرمي والحلق والذبح والطواف بانتصاف ليلة النحر. وإنما نشأ غَلَطُهُ من وقت التضحية، فإنه بعد ارتفاع الشمس، بل بعد الصلاة. (فحضت) أي: استمر الحيضُ؛ لأن ابتداء حيضها كان بسرف كما تقدم. فإن قلتَ: ترجم على كيفية إهلال الحائض ولم يرو في الحديث كيفيته؟ قلت: علم من الحديث أن حال الحائض حال الطاهر إلا في الطواف. وفقه الحديث جواز إحرام الحائض بالحج والعمرة؛ فإن عائشة كانت أولًا معتمرة، ثم لما بدأ بها المانع استمرت على ذلك عسى أن تطهر قبل الوقوف فلما لم يتيسر لها ذلك أدخلت الحج على العمرة، وصارت قارنة كما سَبَقَ تحقيقهُ.

стр. 468

٢٠ - باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. ــ باب: إقبال الحيض وإدباره (وكن نساء يبعثُنَ إلى عائشة بالدُّرْجَة فيها الكرسف فتقول: لا تعجلن حتى نرين القصة البيضاء) هذا التعليق أسنده مالك في الموطأ. ولفظ نساء روي مرفوعًا على البدلية من نون الجمع كما في: أكلوني البراغيثُ. ويروى منصوبًا على الاختصاص. وهو قليل في النكرة. والدِّرَجة -بكسر الدال وفتح الراء- قفة صغيرة تجعل فيها النساء ما خفّ من متاعهن، جمع دُرج -بضم الدال- ويروى ما في الحديث -بضم الدال بلا تاء- وهو شيء يدرج أي: يلف مثل الخرقة، والكوسف -بضم الكاف وسكون الراء- القطن. والقَصَّة -بفتح القاف وتشديد الصاد- الجص. قال الجوهري: وهي لغة الحجاز، الكلام من التشبيه البليغ بحذف الأداة، أي: القطنة والخرقة التي تكون على الفرج بيضاء مثل الجص، وقيل: أرادت شيئًا يخرج من فرج المرأة بعد انقطاع الحيض مثل الخيط. (وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر. فقالت: ما كان النساء يفعلن ذلك، وعابت عليهن) زيد بن ثابت الأنصاري كاتب الوحي ﵁، وكانت له بنات أم سعد وأم إسحاق وحسنة وعمرة وأم كلثوم وأم حسن وقريبة وأم محمد، والأشبه أن هذه أم سعد ذكرها ابن عبد البر في "الاستيعاب" من الصحابيات. فإن قلت: قد تقدم أن النساء كن يبعثن بالليل إلى عائشة، فكيف يصح قولها: إن النساء ما كن يفعلن؟ قلت: أرادت الفقيهات من النساء. فإن قلت: هذا كان غاية الديانة منهن، فكيف عابت عليهن؟ قلت: مثله تشديد وغلو وفي الدين اليسر، مثله ما عاب رسول الله ﷺ على الذين أرادوا الوصال، والذين أرادوا صوم الدهر.

стр. 469

٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى». ــ ٣٢٠ - (عبد الله بن محمد) هو المسندي (سفيان) هو ابن عيينة. (إن فاطمة بنت أبي حبيش) -بضم الحاء على وزن المصغر- واسمه قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى (إذا أقبلت الحيضة) -بفتح النون- من الحيض، والكسر وهي الحالة من الحيض، وحديثها سلف مع شرحه في باب الاستحاضة، ونبهنا على أنها كانت ذات عادة وهو المراد من قوله: (إذا أدبرت) أي: أيام العادة. باب: لا تقضي الحائض الصلاة القضاء عند الفقهاء: استدراك ما انعقد سبب وجوبه في الجملة، ووجوبه سبب جديد عند الشافعي، وبما وجب به الأداء عند أبي حنيفة. (وقال جابر وأبو سعيد عن النبي ﷺ : تدع الصلاة) حديث جابر لم يقع في البخاري مسندًا، وقد رواه مسلم مسندًا عن ابن عمر. وحديثُ أبي سعيد سلف في باب الاستحاضة مسندًا. فإن قلت: ليس في حديث جابر وأبي سعيد إلا أن رسول الله ﷺ أمَرَها بترك الصلاة في حالة الحيض. والكلام إنما هو في عدم القضاء؟ قلت: أجاب بعضُهم بأن قوله: تدع الصلاةَ. مكان يشمل الأداء والقضاء. وليس بشيءٍ؛ لأنه قيد بالأداء بقوله: "أليس إذا حاضت لم تُصل". وقيل: أشار بقوله: تدع الصلاة، إلى الترك حالة الحيض، وبحديث عائشة بعده إلى عدم القضاء. وهذا أيضًا مستدرك، لأنه سبق مرارًا أن حالة الحيض لا صلاة فيها. والصوابُ أن معنى قولهما: تدع الصلاة، أي: أداء وقضاءً؛ لأنه ذكره في معرض نقصان دينها، والآتي بالقضاء لما فاته بعذر لا يوصف بنقصان الدين.

стр. 470

٢١ - باب لَا تَقْضِى الْحَائِضُ الصَّلَاةَ وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَدَعُ الصَّلَاةَ. ٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ حَدَّثَتْنِى مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِى إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ. ــ ٣٢١ - (همَّام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولي (قتادة) هو الأكمه المفسر (معاذة) -بضم الميم على وزن اسم المفعول-: من الإعاذة. (أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت) الظاهر أن السائلة هي معاذة، لأن مسلمًا روى عن معاذة قالت: سالت عائشة. ولفظ تجزي على وزن ترمي ناقص يائي ومعناه: تنفعنا. قال الجوهري: وبنو تميم يقولون: أجزأت مهموزًا. (فقالت: أحروريةٌ أنتِ؟) حرورى -بفتح الحاء-: قرية من أعمال كوفة على ميلين منها، كان أول اجتماع الخوارج فيها، وكانوا يشددون في الدين، فنسبَتْها إليها لأن سؤالها كان تشديدًا في الدين، وقيل: لأنها جهلت المسألة مع شهرتها، وقيل: لأن طائفة من الخوارج كانوا يقولون بوجوب قضائها على الحيض لعدم ذكره في القرآن، وما كانوا يأخذون الأحكام إلا من القرآن. (كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله) الشكُ من معاذة، ولو كان تركه يوجب القضاء لأمَرهُن، لأنه لا يُقِرُّ على الباطل، وقد انعقد الإجماع على ذلك، إلا أن بعض الشافعية قالوا: إذا أحرمت وهي حائض تقضي ركعتي الطواف، واستحب لها بعضُ السلف الوضوءَ في أوقات الصلاة، والحضور إلى مُصَلاها، والاشتغال بذكر الله. وقد سَلَفَ أنه يُستحب لها الغسل عند النوم. والحكمة في إيجاب قضاء الصوم دون الصلاة: التيسيرُ، فإن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة بخلاف الصوم، وهو ظاهر.

стр. 471

٢٢ - باب النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَهْىَ فِي ثِيَابِهَا ٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنُفِسْتِ». قُلْتُ نَعَمْ، فَدَعَانِى فَأَدْخَلَنِى مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. قَالَتْ وَحَدَّثَتْنِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، ــ باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها ٣٢٢ - (سعد بن حفص) بسكون العين (شيبان) على وزن شعبان بشين معجمة ثم ياء مثناة تحت ثم باء موحدة (عن يحيى) هو ابن كثير (عن أبي سَلَمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. (أن أم سلمة قالت: حضت وأنا مع النبي ﷺ في الخميلة) كل ثوب له خمل، والخمل الهدب الذي يكون في حال النسج كالبسط ومناشف الحمام. فإن قلت: قد سَلَف في باب: من سمى النفاس حيضًا أنها كانت معه في الخميصة؟ قلت: لا تنافي هي الخميصة وهي الخميلة باعتبار الوصفين. (فانسللتُ) أي: خرجت خُفيةً لئلا يتأذى رسول الله ﷺ (فأخذت ثياب حيضتي) -بكسر الحاء- أي: المعدة لتلك الحالة (فأدخلني معه في الخميلة) هي التي ذكرت قبل لأن المعرفة المعادة هي الأولى، فإن ذلك غير لازم. قال الله تعالى: (﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨] مع أن الثاني غير الأول، بل لأنه معلوم أن في تلك الحالة لم تبدله بغيرها. قال بعضُ الشارحين: اللام في الخميلة إما للعهد الذهني، أو للجنس، ثم قال: ما الفرق بينهما؟ قلت: لا بد في العهد أن يكون المراد منه حصة من الماهية، والجنس هو نفس الماهية. هذا كلامه. وفساده لائح لعدم جواز إرادة الماهية من حيث هي؛ لأن النوم في الخميلة والخروج منها يقتضى وجودها ضرورة وإرادة الماهية إنما تجوز إذا لم يكن للحكم مستدعيًا للوجود في الخارج وعلى أن الصواب أن العهد خارجي، لأنه إشارة إلى خميلة بعينه، كقود هم: خرج الأمير.

стр. 472

وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. طرفه ٢٩٨ ٢٣ - باب مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ ٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى فَقَالَ «أَنُفِسْتِ». فَقُلْتُ نَعَمْ. فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. ــ (وكنت أغتسلُ أنا والنبي ﷺ ) يجوزُ فيه الرفع بالعطف والنصب على أنه مفعول معه. وفي بعضها بدون أنا، فيتعين النصب على ما عليه نحاة البصرة. فإن قلت: كيف يصح عطف: والنبي، والفعل المذكور بصيغة التكلم؟ قلتُ: تقديره: ويغتسل النبي ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي: ولتسكن زوجك. (من إناء واحد من الجنابة) من: في الموضعين ابتدائية، وإنما منع النحاة تكررها إذا كان المبتدأ جنسًا واحدًا كقولك: سرتُ من البصرة من الكوفة، وتمام الكلام تقدم في الأبواب السابقة. باب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر ٣٢٣ - (معاذ بن فضالة) بضم الميم وفتح الفاء (هشام) هو الدستوائي. (بينا) ظرف زمان، أصلُهُ بين، والألف فيه للإشباع، مضاف إلى الجملة بعده، وربما يزاد فيه ما. والعامل فيه حضت (وأخذت ثياب حيضتي) -بكسر الحاء- أي: المعدة لتلك الحالة. والتوفيقُ بين هذا وبين قول عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه. حمل ذلك على أول الأمر قبل الاتساع عليهم. وقد نبهنا عليه مرارًا. باب: شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى جمع الضمير في يعتزلن مع أن المرجع الحائض، وهو لفظ مفرد؛ لأنه معرف بلام الاستغراق، والدليل على ذلك إخراج ذوات الخدور. وقوله: "ويعتزل الحُيض".

стр. 473

٢٤ - باب شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى ٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ - قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِى خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِى مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِى الْكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِى النَّبِىَّ ﷺ أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، ــ ٣٢٤ - (محمد هو ابن سلَام) بتخفيف اللام على الأشهر (عن أيوب) هو السختياني (عن حفصة) بنت سيرين (كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن) العواتق: جمع عاتق وهي البكر التي أدركت وبلغت مبلغ النساء. قال ابنُ الأثير: وكل شيءٍ بلغ غايةً فهو عاتق، إما لحسنه أو لتقدم زمانه. (فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف) -بالخاء المعجمة- موضع البصرة (كان زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة) بكسر الشين وسكونه، والكسر أفصح (قالت: كنا نداوي الكلمى) جمع كليم، أي: المجروحين. من الكَلْم وهو الجرح (ونقوم على المرضى) أي: تعاهدهم ونقوم بما يحتاجون إليه. فإن قلتَ: فعلى جمع فعيل بمعنى المفعول، والمريض فعيل بمعنى الفاعل؟ قلتُ: حمل على الكلمى كما في: "لا دَريتَ ولا تَلَيْتَ". (لتلبسها صاحبتها من جلبابها) -بكسر الجيم- قال الجوهري: هو الملحفة، وقيل: إزار ورداء. وقيل،: المقنعة تغطي المرأة بها رأسها وصدرها، ونُقل عن الحكم أنه القميص، والظاهرُ من معنى الحديث ما قاله الجوهري. فإن قلتَ: ما معنى: مِنْ في: "من جلبابها"؟ قلتُ: معناه التبعيض أي: بعض جلبابها

стр. 474

وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ». فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ بِأَبِى نَعَمْ - وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَاّ قَالَتْ بِأَبِى - سَمِعْتُهُ يَقُولُ «يَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». قَالَتْ حَفْصَةُ فَقُلْتُ الْحُيَّضُ فَقَالَتْ أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا أطرافه ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢ ــ يدل على هذا ما جاء في رواية: لتلبسها طائفة من جلبابها على أن يكونا معًا في جلباب واحد. أو ابتدائية أي من ذلك الجنس، إن كان لها جلبابان. والأول أشدّ مبالغةً وأظهر، إذ قل ما يكون للمرأة إلا جلباب واحد لا سيما في ذلك الزمان. (ودعوةِ المسلمين) عطف على الخير، وفيه إشارةٌ إلى أن اجتماع المسلمين للعبادة خيرٌ مستقل برأسه (فلما قدمت أم عطية) -بفتح العين وكسر الطاء وتشديد الياء- الأنصارية، واسمُها نسيبة (بأبي نعم) أي: هو مفدي بأبي، ثم أجابت عن السؤال بقولها: نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت بأبي. يدل على كمال دينها وغاية حبها لرسول الله ﷺ . (سمعته يقول: يخرج العواتق وذوات الخدور) هذا تفصيلٌ لما أجَمَلَتْهُ في قولها: نعم. الخدور جمعه الخِدْر -بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال-: سِتْرٌ يكون في ناحية البيت، يكون وراءه الأبكار والمحرمات من النساء، أو العواتق ذوات الخدور، على أن ذوات الخدور صفة، الشك من أم عطية، والرواية الأولى بطريق العطف أشدّ مبالغةً وأعم. (وتعتزل المصلى) لئلا يتلوث المكان بها، ولئلا تشوش بها النساء. وهذا الأمر للندب إجماعًا إذ الحائض لم تكلف في حال الحيض بالعبادات. ومن قال: الأمر بالاعتزال للوجوب، فقد خالَفَ الإجماع. والظاهرُ أنه ظن أن حكم المصلى حكمُ المسجد. والحديث دل على جواز خروج النساء إلى المصلى، لكن أكثر العلماء على المنع في هذا الزمان لا سيما الشواب الجميلات لفساد الزمان. كيف لا؟ وقد قالت عائشة في ذلك: لو علم رسول الله ﷺ ما أحدثت النساءُ لمنعهُن عن الخروج. (قالت حفصة: قلت: آلحيض) تُقرأ بهمزة الاستفهام مع المد، كأنها تعجبتْ من خروجها إلى المصلى مع أنها لا تصلي (أليس تشهد عرفة، وكذا) أي: المشعر الحرام

стр. 475

٢٥ - باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ). وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِىٍّ وَشُرَيْحٍ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ، أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ. صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. ــ والمزدلفة، فإن الكل مواضع العبادات. وفي ليس: ضمير الشأن. وفي الحديث: الترغيب في شهود مواضع الخيرات، وإن احتاج الإنسان إلى استعارة ما يبلغه إلى ذلك فعله، وعلى الواجد إعارته، فإنه من الإعانة على البر والتقوى. وفيه قبول خبر النساء وقبول خبر من لم يُسَمَّ من الصحابيات، لأن كلهن عدول. قيل: وكذلك يقبل قول غير الصحابي إذا لم يسم. إن بين مسكنه ودله عليه. وهذا اصطلاح جديد لا نعرفه. قال ابن الصلاح: الاعتمادُ على عدالة الراوي، وأي فائدة في معرفة المسكن إذا جهل حالُهُ؟. باب: إذا حاضت في شهرٍ ثلاث حيض (وما يصدق النساء في الحيض والحمل فيما يمكن) حيض -بكسر الحاء وفتح الياء- جمع حَيضة -بفتح الحاء كبذر في بذرة- (لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] دلَّ على قبول قولها صريحًا (وبذكر عن علي وشُريح إن امرأةٌ جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يُرضى دينه أنها حاضت ثلاثًا في شهر صدقت) إن شرطية. وامرأة فاعل فعل مقدر مُفَسَّر بما بعد الفاعل. شريح -بضم المعجمة على وزن المصغر-: ابن الحارث الكندي، أبو أمية. وقيل: أبو عمرو القاضي المعروت المضروب به المثل. نَصَّبه عمر بن الخطاب قاضيًا بكوفة، وقرره الخلفاء بعده حتى عزل نفسَهُ، عاش مئة عام. وهذا الذي ذكره البخاري تعليقًا رواه ابن حزم مسندًا أنه قضى به شريح في مجلس علي، فاستحسنه منه وهو موافق لما بَوَّب عليه البخاري، وبه قال مالك على ما نقله ابن بطال. (وقال عطاء: أقراؤها ما كانت فيه، وبه قال إبراهيم) أي: النخعي، ومحصل قولهما: أنها إذا ادّعت خلاف عادتها لا تصدق؛ لأنها متهمة. (وقال عطاء: الحيض يوم إلى خمس عشرة) وفي بعضها: إلى خمسة عشر. الأول باعتبار الليالي، وهذا باعتبار الأيام، وهذا أحد قولي الإمام أحمد.

стр. 476

وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. ٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ. أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ إِنِّى أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِى الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِى كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِى وَصَلِّى». ٢٦ - باب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ ٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ ــ (وقال مُعتمر) بضم الأولى وكسر الثانية هو معتمر بن سلمان (عن أبيه قال: سألت ابن سيرين عن المرأة التي ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام. قال: النساء أعلم بذلك) هذا يدل على أنه كان يقبل قول النساء في ذلك لو شهدن به. ٣٢٥ - (أحمد بن أبي رجاء) بفتح الراء والجيم مع المدّ (أبو أسامة) -بضم الهمزة- حماد بن أسامة. ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وقد تقدم مع شرحه مرارًا، وغرضه منه هنا أنه ردها بعد الاستحاضة إلى الأيام التي كانت تحيض فيها من غير بيان مقدار تلك الأيام، فدل على أن ذلك مفوض إليها، مهما قالت تصدق فيه (ثم اغتسلي وصلي). فإن قلتَ: سيأتي في باب عرق الاستحاضة أن أمّ حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة؟ قلتُ: سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله مستوفى. باب: الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض ٣٢٦ - (قتيبة بن سعيد) بضم القاف على وزن المصغر (إسماعيل) هو ابن عُلَية (عن

стр. 477

أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. ٢٧ - باب عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ ٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ــ أيوب) هو السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أم عطية قالت: كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة شيئًا) أي: من الحيض. فإن قلت: قول أم عطية عام يشمل أيام الحيض وغيرها، والترجمة مقيدة بغير أيام الحيض؟ قلتُ: معلوم أن المراد غير أيام الحيض لما تقدم من حديث عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصَّة البيضاء وأيضًا قد روى أبو داود والحاكم عن أم عطية كنا لا نَعُدّ الصفرة والكدرة شيئًا بعد الطهر، وفي رواية: كنا لا نعُدّ الصفرةَ والكدرة شيئًا بعد الغسل. باب: عرق الاستحاضة ٣٢٧ - (إبراهيم بن المنذر) -بضم الميم- على لفظ اسم الفاعل (معن) بفتح الميم وسكون العين (ابن أبي ذئب) بلفظ الحيوان المعروف، محمد بن عبد الرحمن (أم حبيبة) ويقال: أم حبيب هي بنت جحش، أخت زينب كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر: وقع في الموطأ: أن المستحاضة زينب وهو وهمٌ واعتذر عنه القاضي عياض بأن أم حبيبة أخت زينب أيضًا اسمها زينب، ولم أجد هذا لغيره والله أعلم.

стр. 478

اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ «هَذَا عِرْقٌ». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. ٢٨ - باب الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ ٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ ــ (فكانت تغتسل لكل صلاة) ليس في الحديث أن ذلك كان بأمر رسول الله ﷺ ودم العرق صريحٌ في أنه ليس دم الحيض، فأيّ وجه للغسل لكل صلاة؟ وكذلك أوّلَهُ بعضهم بأنها كانت تغتسل لإزالة الدم الذي أصابها. هذا، وقد روى البيهقي من طرق مرفوعًا أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة. قال الشافعي: كانت متحيرة لم تكن لها عادة ولا تميز حتى ترد إليه فهي في كل ساعة تحتمل الحيض والطهر. كذا قاله الخطابي. وفيه نظرٌ لما روى أبو داود: أنه أمرها أن تفطر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي. وزعم الطحاوي أن حديث بنت أبي حبيش ناسخ لهذا الحديث. وهذا يتوقف على العلم بالتاريخ. والأقربُ أن يكون الأمر بالغسل لكل صلاة لإزالة ما عسى أن يكون أصابها من الدم. باب: المرأة تحيض بعد الإفاضة الإفاضة: الدفع. قال الجوهري: كل إفاضة دفع. قلت: لكن صار عند الإطلاق علمًا لرجوع من عرفات. والمراد بعد طواف الإفاضة. ٣٢٨ - (حَزْم) بفتح الحاء وزاي معجمة (عَمْرَة) بفتح العَين وسكون الميم (صفية) بفتح الصاد على وزن عطية (بنت حُيي) -بضم الحاء وفتح الياء آخره أيضًا مشددة-: النضيرية أم المؤمنين، من سبي خيبر. اشتراها رسول الله ﷺ من دحية بسبعة رؤوس من السبي لما نعت

стр. 479

قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ». فَقَالُوا بَلَى. قَالَ «فَاخْرُجِى». ٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. طرفاه ١٧٥٥، ١٧٦٠ ٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ تَنْفِرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ. طرفه ١٧٦١ ــ له جمالها، وإنها سيدة نساء قريظة والنَّضير (قد حاضت. قال رسول الله ﷺ : ألم تكن طافت معكن؟ فقا لوا: بلى. قال: فاخرجي). فإن قلت: قالوا: بلى. ما وجهه بعد قوله: معكن؟ قلت: لما سألهن أجاب من كان حاضرًا من الرجال. قال بعضُهم: قوله: "ألم تكن طافت" ثم قوله: "اخرجي" من قبيل الالتفات، أو قال لعائشة: قولي لها اخرجي. وليس كذلك لما سيأتي في باب الحج أنها كانت حاضرة، قالت: ما أراني إلا حابستكم. قال "عقرى حلقى أو ما طفت يوم النحر؟ " قالت: بلى. قال: "لا بأس. فانفري" وعلم من الاختصار على طواف الإفاضة أن طواف الوداع وإن كان واجبًا موضوع عن الحيض كما دل عليه صريح الحديث بعده. ٣٢٩ - (مُعَلّى بن أسد) بضم الميم وتشديد اللام (وُهَيب) بضم الواو على وزن المصغر (عن عبد الله بن طاوس عن أبيه) طاوس اليماني الخولاني (رخص للحائض) على بناء المجهول، الرخصةُ حكم ثبت من الشارع على خلاف الدليل لعذرٍ من الأعذار، ومقابلة العزيمة. ٣٣٠ - (تنفر) أي: ترجع إلى وطنها، أصله الخروج. وأما مخالفة ابن عمر في آخر الأمر قوله الأول، بناء على أنه كان منه اجتهادًا، فلما وقف على النص ترك ذلك.

стр. 480

٢٩ - باب إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى وَلَوْ سَاعَةً، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ. ٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّى». ٣٠ - باب الصلاةُ على النفساء وسنتها ــ باب: إذا رأت المستحاضةُ الطهر أي: باب حكم المستحاضة إذا كان شأنها كذا. (قال ابنُ عباس: تغتسل وتصلي) هذا يدل على أن ليس لأقل الطهر عنده حدٌّ. وهذا الذي نقله ابن بطّال عن مالك (ويأتيها زوجها إذا صلت الصلاة أعظم) أي: من الوطء، وهذا الذي قاله عند الفقهاء مشكل؛ لأنها كانت من ذوات العادة، فلا غسل إلا عند مضي ذلك القدر، وكذا إن كانت مميزة، وإن كانت متحيرة فلا يمكن غشيان الفروج. ٣٣١ - (زهير) بضم الزاي على وزن المصغر (عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : إذا أقبلت الحَيْضة) -بفتح الحاء- إحدى ثوب الحيض، وبكسرها: الحالة المعتادة (واذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلّي) هذا مختصرُ حديث فاطمة بنت أبي حبيش. وقد اختلف أهلُ الحديث في جواز الاختصار في الحديث. والحق أنه جائز من العارف إذا كان ما تركه ممتازًا عما نقله. قال ابن الصلاح: وأما تقطيع الحديث وتفريقه في الأبواب كما فعله مالك والبخاري فلا يخلو عن كراهةٍ. قلتُ: وأشدّ كراهةً ما فعله الصغاني فإنه نشئ كتابَه على الحروف قلّما يصح له الحديث بتمامه. باب: الصلاةُ على النفساء وسنتها النفساء -بضم النون والمدّ-: المرأة التي ولدت وجمعها نِفاس بكسر النون في المفرد والجمع.

стр. 481

٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَامَ وَسَطَهَا. طرفاه ١٣٣١، ١٣٣٢ ــ ٣٣٢ - (أحمد بن سُريج) بسين مهملة وجيم (شبابة) بفتح المعجمة وباء موحدة في الموضعين، مخففة (عن ابن بُريدة) -بضم الموحدة على وزن المصغر-: عبد الله بن بُريدة بن الحصيب (سمرة بن جندب) بفتح السين وضم الميم والجيم ودال مهملة مفتوحة. (أن امرأة ماتت في بطن) أي: نفاس. كذا جاء صريحًا في كتاب الجنائز من رواية سمرة فمن قال: وَهِمَ البخاري حيث ظن أن البطن نفاس، والمراد المبطونة، فهو الواهم، ومعنى: في، السببية كما في قوله: "دخلت امرأةٌ النارَ في هرة" أو على الظرفية. أي: ماتت في النفاس سواء كان النفاس هو السبب أو غيره. (فقام وَسْطها) النووي بسكون السين وفيه أن الإمام يقف عند عجيزة المرأة، ورُدّ عليه بأن الوسط أعمّ من العجيزة، والشافعي حيث قال: يقف الإمام عند عجيزة المرأة، استفاده من دليل آخر، وهذا الردّ مردود، وذلك أن الوَسْط -بسكون السين- هو البين، أعمّ من الوسط الحقيقي، وحيث خالف عادته في الصلاة عليها صلاته على الرجل معلوم أنه وقف عند العجيزة ليكون ساترًا لها عن المأمومين، وأما قوله: أخذه من دليل آخر. دعوى بلا دليل ولم يقع لفظ العجيزة في رواية قط، ومن لم يصدق فليأت به إن كان من الصادقين وقد جاء في رواية مسلم أن هذه المرأة أم الكعب الأنصارية.

стр. 482

٣١ - بابٌ ٣٣٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ - اسْمُهُ الْوَضَّاحُ - مِنْ كِتَابِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ خَالَتِى مَيْمُونَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّى، وَهْىَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ ــ وفقه الحديث: أن النفساء وإن كانت من الشهداء يصلى عليها كالمطعون، وكونها من الشهداء، إنما هو في رفع المنزلة عند الله تعالى، وقيل: للدلالة على طهارتها، وليس بشيء؛ لأن حكمها حكم سائر بنات آدم، وأما نجاسة الدم فقد أُزيل بالغسل. باب كذا وقع من غير ترجمة، لأن الصلاة وقدامه حائض يشبه الصلاة على النفساء، فهذا الباب كالفصل من الباب الأول. ٣٣٣ - (الحسن بن مدرك) -بضم الميم- اسم فاعل (حَمّاد) بفتح الحاء وتشديد الميم (أبو عوانة) -بفتح العين- الوضاح الواسطي (من كتابه) قيده بذلك ليعتمد عليه. قيل: كان إذا حدث من غير كتاب تقع له أوهامٌ. كذا نُقل عن الإمام أحمد وأبي زُرْعة (عن سليمان الشيباني) نسبةً إلى القبيلة. قال الجوهري: هما شيبانان؛ شيبان ثعلبة، وشيبان ذُهَل بن ثعلبة (عن عُبيد الله) على وزن المصغر (شدّاد) بفتح المعجمة وتشديد الدال (خالتي ميمونة) لأن أمه سلمى بنت عميش، وميمونة بنت الحارث أختها كانت تكون حائضًا لا تصلي). فائدة هذا القيد أن لا يتوهم عدم وجود الحيض بالفعل، فإن لفظ الحائض بدون التاء يطلق على البالغة، وإن لم تكن ذات حيض كما في قول ﷺ : "لا تصح صلاة الحائض بدون الخمار". (مفترشة) أي: نائمة على فراش (بحذائه) بكسر الحاء والمدّ، أي: في مقابلته ومحاذاته

стр. 483

مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يُصَلِّى عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِى بَعْضُ ثَوْبِهِ. أطرافه ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨ ــ (مسجد رسول الله ﷺ ) أي: مكان سجدته (تصلي على خمرته) -بضم المعجمة- حصير صغير بقدر ما يضع المصلي يديه عليه ووجهه، وقال ابن الأثير: بقدر ما يضع وجهه، واشتقاقُها من الخمرة وهو الستر؛ لأنها تستر الوجه واليدين من الأرض، وقيل: لأن خيوطها مستورة بالسعف. ونقل ابن الأثير عن سنن أبي داود أن الفأرة ألقت فتيلة على خمرة كان رسول الله ﷺ جالسًا عليها. فهذا يدل على أنها تطلق على الحصير الكبير أيضًا، أو فيه تسامح، فلا يلزم كون كل جسمه الشريف عليها. وفقه الباب عدم تنجس الحائض وكونها نائمة بقرب المصلي لا كراهة فيه، لأن بناء المعاشرة مع الأزواج على اليسر والمساهلة، لا سيما في النوم وحال الاستراحة.

стр. 484

الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري تأليف أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن محمد الكوراني الشافعي ثم الحنفي (المتوفى سنة ٨٩٣ هـ) تحقيق الشيخ أحمد عزو عناية [المجلد الثاني]

стр. 485

الْكَوْثَرُ الْجَارِي إلى رِيَاض أحَادِيثِ البُخَارِيّ [٢]

стр. 486

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م مؤسسة التَّارِيخ الْعَرَبِيّ للطباعة والنشر والتوزيع العنوان الْجَدِيد بيروت - طَرِيق المطار - خلف غولدن بلازا هَاتِف: ٥٤٠٠٠٠/ ٠١ - ٤٥٥٥٥٩/ ٠١ فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ص. ب: ٧٩٥٧/ ١١

стр. 487

٧ - كتاب التيمم قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. ٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، ــ كتاب التيمم وقول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. قال الجوهري: التيمم القصدُ لغةً، وفي الشرع: قصد مخصوصٌ وهو قصد إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين، لأنه بدل الوضوء، فيعتبر فيه ما هو معتبر في الأصل، أو ما يقوم مقام التراب مما هو على وجه الأرض كما ذَهَبَ إليه الإمام أبو حنيفة. ونظيره الإيمان، فإنه تصديق القلب لغة، وفي الشرع: تصديق مخصوص. قيل: وهو إما مجاز أو حقيقة شرعية، وهذا وهمٌ؛ لأنه لا منافاة بين المجاز اللغوي والحقيقة الشرعية؛ لأن كل حقيقة شرعية لا بد وأن تكون مجازًا لغويًّا؛ لأن عرف الشرع جارٍ على اللغة وهذا ليس شيئًا يلتبس على أحد، مقرر صريحًا في كتب الأصول. والآية دلت على وجوبه عند عدم الماء، وانعقد عليه الإجماعُ في الحدث الأصغر والأكبر، وأحاديث الباب ظاهرة في الوجوب، والآيةُ تحتمل آية النساء وآية المائدة، فإن هذا القدر الذي أورده البخاري من نظم القرآن مشترك في السورتين، لكن رواية البخاري في تفسير المائدة، تعين آية المائدة. وكذا رواية عمرو بن الحارث فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وهذا لفظ منه في بعض النسخ وهو خاص بالمائدة. ٣٣٤ - (عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره)

стр. 488

حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِى، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِى قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِى بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِى، فَلَا يَمْنَعُنِى مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَاّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِى، فَقَامَ رَسُولُ ــ المحققون على أنه غزوة بني المصطلق، وهي أيضًا المريسيع، وفيها قصة الإفك أيضًا بلا خلاف، كانت سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة أربع (حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش) البيداء: الفضاء. وعند الإطلاق علم بيداء المدينة، قال البكري: هو الشرف الذي قدام ذي الحليفة على طريق مكة، وذات الجيش مكان على بريد من المدينة. وفي رواية النسائي: أو ذات الجيش والمعنى واحد. قال النووي: البيداء إنما هو من ناحية خيبر، وردَّ بأن البيداء لفظ مشترك، والمراد به هنا الذي في طريق مكة، والدليل عليه ما رواه عروة عن هشام: أن القلادة سقطت بالأبواء. (انقطع عقدي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه) العِقْد: بكسر وسكون القاف، سيأتي في الباب الذي بعده أن العقد لأسماء أختها. قيل: يجوزُ تعدُّد القضية وليس كذلك، للاتفاق على أنه سبب نزول الآية، فلا يمكن تكرره، بل الصواب أن العقد لأسماء حقيقة، كانت تجملت به في ذلك السفر، والإضافة إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ لأدنى ملابسة، كونه كان عليها كإضافة سكنى البيت إلى الساكن، فإنه يقال: بيت فلان إن كان ساكنًا به سواء كان مُلكًا له أو لا. (فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام) يجوزُ في الفخذ وكل ما كان على وزنه وعين فعله حرف حَلْقٍ أربعٌ: فتح الأول وكسر الثاني، وسكونه، وكسرهما، وكسر الأول وسكون الثاني. حروف حلق مثل الكف يجوز فيه ثلاث لغاتٍ. سقط منه كسرهما. (وجَعَل يطعنني بيده) بفتح العين في الماضي وضمه في الغابر في الأعيان مثل الرمح والإصبع، وبالفتح في القول في العرض وقيل بالضم فيهما (في خاصرتي) الخاصرة منتهى الأضلاع (فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ ) أي: كون رأسه على فخذي.

стр. 489

اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِىَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِى كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. أطرافه ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥ ــ مصدر، ومحصّله أنه: طعن في خاصرتها طعنًا شديدًا موجعًا. (أصبح على غير ماء) أي: دخل في الصباح حال كونه كائنًا على غير ماء (فأنزل الله تعالى آية التيمم فتيمموا. فقال أُسيد بن الحُضَير) بتصغير الاسمين والحاء المهملة، الأنصاري الأوسي، عظيم الشأن، أحسن الناس صوتًا وأحلاهم تلاوةً استمعت الملائكةُ تلاوتَهُ كما سيأتي. مناقبُهُ أكثرُ من أن تُحصى. (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) هي ضمير الآية، أو القضية أي: بركاتكم على المسلمين سابقات. قبل هذه كثيرة وأصل آل أول أو أهل، خص بالأشراف ولا يُضاف إلى الأماكن، فلا يقال: آل بغداد (فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته). فإن قلت: في الباب الذي بعده وجدها الرجل الذي بعثه في طلبها، وفي رواية أخرى: بعث أسيد بن حُضير وأنا سامعة، قلتُ: لا ينافي، ذهبوا في طلبها ولم يجدوها، فلما رجعوا وأرادوا الارتحال وجدها ذلك الرجل الذي كان مع أُسيد. وإن قيل بتعدد الواقعة فلا إشكال. والظاهر مع جميع الروايات: تعدد الواقعة وهو الظاهر من قول أسيد بن حُضير: ما هي بأول بركتكم. وفي رواية الطبراني التصريح بأنّ آية التيمم كانت بعد الإفك في غزوة أخرى. قال النووي: وفقه الباب جواز القلائد للنساء والأغنياء لحفظ أموال الناس، وإن كان شيئًا قليلًا فإنهم ذكروا أن قيمة العقد كان اثني عشر درهمًا. وجوازُ الإقامة في موضع لا ماء به وتأديب الرجل ابنته بالقول والفعل وإن كانت ذات زوج خارجة من عنده، وجوازُ دخوله عليها وهي عند الزوج إذا لم يكن وقت الصلاة.

стр. 490

٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح قَالَ وَحَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ - قَالَ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِىَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». طرفاه ٤٣٨، ٣١٢٢ ــ ٣٣٥ - (محمد بن سنان) بكسر السين (هُشيم) بضم الهاء على وزن المصغر (سعيد بن النضر) بضاد معجمة، وهذا قانون حيث كان مع اللام فهو بضاد معجمة، وحيث لم يكن معه لام فهو بصاد مهملة (سيّار) بفتح المهملة ومثناة تحتُ مشددة (يزيد هو ابن صهيب الفقير) بضم الصاد على وزن المصغر. والفقير فعيل بمعنى المفعول. أي: كسر فقار ظهره. (أن النبي ﷺ قال: أُعطيت خمسًا لم يُعطَهُن أحدٌ قبلي، نُصرت بالرعب مسيرة شهرٍ) أي: من كل جانب. ألَا ترى قول أبي سفيان في شأن هرقل وهو بالقدس: ملك بنو الأصفر يخافه. (وجُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا) أراد التيمم بالتراب، ويجب عدُّهما واحدًا، أو لا يزيد على الخمس. وقد بين معنى كون الأرض مسجدًا بقوله: (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاةُ فليصل) وكان سائر الأمم لا تجوزُ صلاتهم إلا في مساجدهم. (وأُحلت لي المغانم) جمع مغنم، وفي رواية: الغنائم (ولم تحل لأحدٍ قبلي) بل كانوا يجمعونها وتنزل نار من السماء فتحرقها. (وأُعطيت الشفاعة) أي: العظمى العامة حتى للأنبياء وهي لإراحة الموقف، وهي من خَوَاصّه، وكذلك إدخال طائفة من أمته الجنة بغير حساب. وأما الشفاعة في قوم استحقوا دخول النار والشفاعة في إخراج الطائفة بعد الدخول والشفاعة في رفع الدرجات يشاركه فيها الأنبياء والملائكة وسائر المؤمنين (وكان النبي ﷺ يُبعث إلى قومه وبُعثت إلى الناس عامةً) وفي

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رواية مسلم: "إلى الخَلْق كافةً" ويروى: "إلى الأحمر والأسود". وقيل: هذا يشكل بقول أهل المحشر لنوح: أنت أولُ رسول إلى أهل الأرض. وقد تكلّفوا في الجواب بما لا يجدي، وأنا أقول: الإشكال ليس منحصرًا في نوح، بل قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] أشدّ إشكالًا؛ لأن فرعون لم يكن من بني إسرائيل. والجواب: أن مراد الحديث أنه كان يُبعث إلى قومه أصالةً، وإن كانت الدعوة إلى التوحيد عامةً، يدل عليه قول موسى وهارون لفرعون: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧] ولم يقل: إنا أرسلنا إليدُ. فإن قلت: في رواية مسلم: "فُضّلت عن الأنبياء بستٍّ: أُعطيت جوامعَ الكلم، وخُتم بي النبيون"؟ قلتُ: مفهوم العدد عند مَنْ يقول به إنما يعتبر إذا لم يعارضه منطوق، وخواصّه غيرُ هذه كثيرة: هو أولُ من تنشق عنه الأرضُ، وأول من يحرّك حِلَق باب الجنة. ومن بقي معجزته بعد موته على وجه الزمان إلى آخر الدهر هو القرآن. وقد ضبطه أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" اختصاص رسول الله ﷺ من بين الأنبياء بستين خصلةً. وزعم شيخ الإسلام أن إخراج من قال: لا إله إلا الله أيضًا من خَوَاص رسول الله ﷺ ، وفيه نظرٌ، لما في الرواية الأخرى: "شَفَعتِ النبيون، وشفعت الملائكة ولم تبق إلا شفاعةُ أرحم الراحمين" (٦).

стр. 492

٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا ٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَاّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. ــ باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابًا ٣٣٦ - (زكريا بن يحيى) بالمد والقصر قرئ بهما، ويحيى هو ابن صالح اللؤلؤي، ويجوزُ أن يكون يحيى بن عمرو الطائي، وميل الغساني إلى الأول، وميل الكلاباذي إلى الثاني. والبخاري يروي عن كل واحد منهما. (عن عائشة أنها استعارت من أسماء قِلادةً فهلكَتْ) مجازٌ عن فَقْدِها (فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاةُ). فإن قلتَ: الضمير بلفظ الجمع والمرجع مفرد؟ قلتُ: الرجل رئيسهم، وقد ذكرنا أنه بعث أسيدًا مع أناس، وفي رواية مسلم: "بعث ناسًا" بدل: رجلًا. (فَصَلَّوا) أي: بغير وضوء (فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فأنزل اللهُ آية التيمم) هذا استدل به الشافعيُّ على أن فاقد الماء والتراب يصلي في الوقت. فإن قلتَ: ما وجه دلالة هذا الحديث على أنه إذا لم يجدْ ماءً ولا ترابًا صلى كما ترجم عليه، وكما قال به الشافعي؟ قلتُ: لما صلّوا قبل نزول آية التيمم بلا وضوء ولم يعاتبهم رسول الله ﷺ على فعلهم، بل قرّره، فدل على أن فاقد الطهورين أيضًا كذلك دلالة ظاهرة. فإن قلت: ليس فيه أنه أمرهم بالقضاء، قلت: القضاء واجب؛ لأن هذا عذر نادر لا اعتداد به لخلوه عن الأصل والخلف. (فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرًا) وفي سنن ابن ماجه: قال لها أبو بكر: ما علمت أنك لمباركة. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "ما كان

стр. 493

٣ - باب التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ يَتَيَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ. ٣٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِى جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِىِّ فَقَالَ أَبُو ــ أعظم بركة قلادتك". وقد تمسَّك بظاهر قول أسيد: والله ما نزل بك أمر تكرهينه، على أن قصة الإفك قبل هذه. باب: التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات صلاته (وقال به عطاء) هو: ابن أبي رباح (وقال الحَسَنُ) هو البَصْرِيّ (وأقبل ابن عُمر من أرضه بالجُرُف) -بضم الجيم والراء، وسكونها -: قرئ بهما: المكان الذي جَرَفَهُ السيلُ. واللام فيه للعهد: مكان معروف. قال صاحب "المطالع": بينه وبين المدينة ثلاثة أميال، وقيل: ميل، وقيل: فرسخ (فحضرت العصر بِمرْبَدِ النعم) -بكسر الميم- مكان يربط ويحبس فيه الإبل بينه وبين المدينة ميلان. قاله صاحب "المطالع": وإنما صَلَّى لإدراك فضيلة أول الوقت. دل عليه قوله: (ثم دخل المدينة والشمسُ مرتفعةٌ) أي: على الأفق المغربي. ٣٣٧ - (يحيى بن بُكير) بضم الباء على وزن المصغر (رَبيعة) بفتح الراء وكسر الموحدة (عُمير) بضم العين على وزن المصغر (يسار) ضد اليمين. (دخلنا على أبي جُهَيم) بضم الجيم على وزن المصغر (ابن الحارث بن الصمّة) -بصاد مهملة وتشديد الميم- وقد وقع في رواية مسلم: عبد الرَّحْمَن بدل عبد الله بن سيار، وبدل

стр. 494

الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. ــ أبي جُهَيم: بُكير. واتفقوا على أنَّه غلط في الموضعين. (أقبل النَّبِيّ ﷺ من نحو بئر جمل) بالجيم، وفي رواية النَّسائيّ بالحاء: موضع بقرب المدينة (فلقيه رجل) هذا الرجلُ هو أبو جُهيم راوي الحديث. صرّح به الشَّافعيّ (فسلم عليه فلم يردّ النَّبِيّ ﷺ حتَّى أقبل على جدار فمسح وجهه ويديه ثم ردّ عليه) لأنه أراد أن يكون الردّ الذي هو نوع من العبادة على أكمل الأحوال، أو لأن السلام اسمٌ من أسمائه تعالى، فلا يذكره إلَّا وهو على صفة الطهارة. فإن قلت: فما قولك في حديث عائشة: "أنَّه كان يذكر اللهَ على كل حالٍ"؟ قلتُ: ذاك بيان الجواز، وهذا تنبيه على الأفضل. وفيه دليل على أن المستحب أن يتيمم للنوافل مثل تلاوة القرآن والاعتكاف، وداع على أن المقيم إذا خاف فوات الوقت له أن يتيمم من باب الأولى. واستدل به من قال: يجوزُ التيمم بكل ما على وجه الأرض من غير التُّراب. ولا دليل له فيه لوجود الغبار على الجدران، على أن في رواية عن أبي جُهَيم أن رسول الله ﷺ حت الجدار، ثم وضع يده على جدار الغير بغير إذنه. والجواب بأنه كان جدارًا مباحًا أو لرجل صديق له. كلُّه تكلفٌ، فإن مثله جائز لكل أحدٍ متعارف بين النَّاس، لا سيما مع رسول الله ﷺ . وأيّ مسلم يكون في قلبه مثقال ذرة من إيمان يرضى ذلك منه، فديته بآبائي وأبنائي وأمهاتي وما أؤمل من مال ومن نسب. فإن قلت: دل الحديثُ على أن المقيم يتيمم، فهل يجبُ عليه القضاء أم لا؟ قلتُ:

стр. 495

٤ - باب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ــ الأكثرون على أن لا قضاء، منهم الأَوْزَاعِيّ والثوري وأبو حنيفة. وقال مالك والليث والشافعي: يجب القضاء إن وجد الماء خارج الوقت، وإن وجده في الوقت يُعيدُ الصلاةَ، ثم إن الشَّافعيّ إنما يقول بوجوب القضاء إذا كان مقيمًا بموضع يندر فيه عدم الماء الفاضل عن الحاجة، وعن شرب حيوان محترم. وأما إذا أقام بمكانٍ لا يوجد فيه الماء إلَّا بقدر الحاجة فلا قضاء، لما روى الإِمام أَحْمد وأبو داود والتِّرمذيّ عن أبي ذرٍ مرفوعًا: "الصعيدُ الطِّيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين". باب: المتيمم هل ينفخ فيهما أي: في اليدين. وأتى بالضمير لعدم الالتباس. وفي بعضها: في اليدين. ٣٣٨ - (الحَكَم) بفتح الحاء والكاف (عن ذر) بذال معجمة وراء مشددة (أَبْزَى) بفتح الهمزة وزاي معجمة وألف مقصورة. (جاء رجلٌ إلى عمر بن الخَطَّاب) وفي رواية الطَّبْرَانِيّ: رجل من أهل البادية. (فقال: إنِّي أجنبتُ فلم أُصِب الماء) يُقال: أجنب أي: صار جنبًا. ويقال: جنب أَيضًا بمعناه بضم الجيم على بناء المفعول أي: أصابته الجنابة (فقال عمار بن ياسر) بتشديد الميم وياسر: بياء مثناة تحت هو وأبوه وأمه من السابقين الأولين، قتل أبو جهل أمه على الإِسلام، كنيته أبو اليقظان، مناقبه فوق الحصر.
следующие страницы →