Полный текст (5 311 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رواية مسلم: "إلى الخَلْق كافةً" ويروى: "إلى الأحمر والأسود". وقيل: هذا يشكل بقول أهل المحشر لنوح: أنت أولُ رسول إلى أهل الأرض. وقد تكلّفوا في الجواب بما لا يجدي، وأنا أقول: الإشكال ليس منحصرًا في نوح، بل قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] أشدّ إشكالًا؛ لأن فرعون لم يكن من بني إسرائيل. والجواب: أن مراد الحديث أنه كان يُبعث إلى قومه أصالةً، وإن كانت الدعوة إلى التوحيد عامةً، يدل عليه قول موسى وهارون لفرعون: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧] ولم يقل: إنا أرسلنا إليدُ.
فإن قلت: في رواية مسلم: "فُضّلت عن الأنبياء بستٍّ: أُعطيت جوامعَ الكلم، وخُتم بي النبيون"؟ قلتُ: مفهوم العدد عند مَنْ يقول به إنما يعتبر إذا لم يعارضه منطوق، وخواصّه غيرُ هذه كثيرة: هو أولُ من تنشق عنه الأرضُ، وأول من يحرّك حِلَق باب الجنة. ومن بقي معجزته بعد موته على وجه الزمان إلى آخر الدهر هو القرآن. وقد ضبطه أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" اختصاص رسول الله ﷺ من بين الأنبياء بستين خصلةً.
وزعم شيخ الإسلام أن إخراج من قال: لا إله إلا الله أيضًا من خَوَاص رسول الله ﷺ ، وفيه نظرٌ، لما في الرواية الأخرى: "شَفَعتِ النبيون، وشفعت الملائكة ولم تبق إلا شفاعةُ أرحم الراحمين" (٦).
стр. 492
٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا
٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَاّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا.
ــ
باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابًا
٣٣٦ - (زكريا بن يحيى) بالمد والقصر قرئ بهما، ويحيى هو ابن صالح اللؤلؤي، ويجوزُ أن يكون يحيى بن عمرو الطائي، وميل الغساني إلى الأول، وميل الكلاباذي إلى الثاني. والبخاري يروي عن كل واحد منهما.
(عن عائشة أنها استعارت من أسماء قِلادةً فهلكَتْ) مجازٌ عن فَقْدِها (فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاةُ).
فإن قلتَ: الضمير بلفظ الجمع والمرجع مفرد؟ قلتُ: الرجل رئيسهم، وقد ذكرنا أنه بعث أسيدًا مع أناس، وفي رواية مسلم: "بعث ناسًا" بدل: رجلًا.
(فَصَلَّوا) أي: بغير وضوء (فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فأنزل اللهُ آية التيمم) هذا استدل به الشافعيُّ على أن فاقد الماء والتراب يصلي في الوقت.
فإن قلتَ: ما وجه دلالة هذا الحديث على أنه إذا لم يجدْ ماءً ولا ترابًا صلى كما ترجم عليه، وكما قال به الشافعي؟ قلتُ: لما صلّوا قبل نزول آية التيمم بلا وضوء ولم يعاتبهم رسول الله ﷺ على فعلهم، بل قرّره، فدل على أن فاقد الطهورين أيضًا كذلك دلالة ظاهرة.
فإن قلت: ليس فيه أنه أمرهم بالقضاء، قلت: القضاء واجب؛ لأن هذا عذر نادر لا اعتداد به لخلوه عن الأصل والخلف.
(فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرًا) وفي سنن ابن ماجه: قال لها أبو بكر: ما علمت أنك لمباركة. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "ما كان
стр. 493
٣ - باب التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ يَتَيَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ.
٣٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِى جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِىِّ فَقَالَ أَبُو
ــ
أعظم بركة قلادتك". وقد تمسَّك بظاهر قول أسيد: والله ما نزل بك أمر تكرهينه، على أن قصة الإفك قبل هذه.
باب: التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات صلاته
(وقال به عطاء) هو: ابن أبي رباح (وقال الحَسَنُ) هو البَصْرِيّ (وأقبل ابن عُمر من أرضه بالجُرُف) -بضم الجيم والراء، وسكونها -: قرئ بهما: المكان الذي جَرَفَهُ السيلُ. واللام فيه للعهد: مكان معروف. قال صاحب "المطالع": بينه وبين المدينة ثلاثة أميال، وقيل: ميل، وقيل: فرسخ (فحضرت العصر بِمرْبَدِ النعم) -بكسر الميم- مكان يربط ويحبس فيه الإبل بينه وبين المدينة ميلان. قاله صاحب "المطالع": وإنما صَلَّى لإدراك فضيلة أول الوقت. دل عليه قوله: (ثم دخل المدينة والشمسُ مرتفعةٌ) أي: على الأفق المغربي.
٣٣٧ - (يحيى بن بُكير) بضم الباء على وزن المصغر (رَبيعة) بفتح الراء وكسر الموحدة (عُمير) بضم العين على وزن المصغر (يسار) ضد اليمين.
(دخلنا على أبي جُهَيم) بضم الجيم على وزن المصغر (ابن الحارث بن الصمّة) -بصاد مهملة وتشديد الميم- وقد وقع في رواية مسلم: عبد الرَّحْمَن بدل عبد الله بن سيار، وبدل
стр. 494
الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.
ــ
أبي جُهَيم: بُكير. واتفقوا على أنَّه غلط في الموضعين.
(أقبل النَّبِيّ ﷺ من نحو بئر جمل) بالجيم، وفي رواية النَّسائيّ بالحاء: موضع بقرب المدينة (فلقيه رجل) هذا الرجلُ هو أبو جُهيم راوي الحديث. صرّح به الشَّافعيّ (فسلم عليه فلم يردّ النَّبِيّ ﷺ حتَّى أقبل على جدار فمسح وجهه ويديه ثم ردّ عليه) لأنه أراد أن يكون الردّ الذي هو نوع من العبادة على أكمل الأحوال، أو لأن السلام اسمٌ من أسمائه تعالى، فلا يذكره إلَّا وهو على صفة الطهارة.
فإن قلت: فما قولك في حديث عائشة: "أنَّه كان يذكر اللهَ على كل حالٍ"؟ قلتُ: ذاك بيان الجواز، وهذا تنبيه على الأفضل.
وفيه دليل على أن المستحب أن يتيمم للنوافل مثل تلاوة القرآن والاعتكاف، وداع على أن المقيم إذا خاف فوات الوقت له أن يتيمم من باب الأولى. واستدل به من قال: يجوزُ التيمم بكل ما على وجه الأرض من غير التُّراب. ولا دليل له فيه لوجود الغبار على الجدران، على أن في رواية عن أبي جُهَيم أن رسول الله ﷺ حت الجدار، ثم وضع يده على جدار الغير بغير إذنه.
والجواب بأنه كان جدارًا مباحًا أو لرجل صديق له. كلُّه تكلفٌ، فإن مثله جائز لكل أحدٍ متعارف بين النَّاس، لا سيما مع رسول الله ﷺ . وأيّ مسلم يكون في قلبه مثقال ذرة من إيمان يرضى ذلك منه، فديته بآبائي وأبنائي وأمهاتي وما أؤمل من مال ومن نسب.
فإن قلت: دل الحديثُ على أن المقيم يتيمم، فهل يجبُ عليه القضاء أم لا؟ قلتُ:
стр. 495
٤ - باب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا
٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
ــ
الأكثرون على أن لا قضاء، منهم الأَوْزَاعِيّ والثوري وأبو حنيفة. وقال مالك والليث والشافعي: يجب القضاء إن وجد الماء خارج الوقت، وإن وجده في الوقت يُعيدُ الصلاةَ، ثم إن الشَّافعيّ إنما يقول بوجوب القضاء إذا كان مقيمًا بموضع يندر فيه عدم الماء الفاضل عن الحاجة، وعن شرب حيوان محترم. وأما إذا أقام بمكانٍ لا يوجد فيه الماء إلَّا بقدر الحاجة فلا قضاء، لما روى الإِمام أَحْمد وأبو داود والتِّرمذيّ عن أبي ذرٍ مرفوعًا: "الصعيدُ الطِّيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين".
باب: المتيمم هل ينفخ فيهما
أي: في اليدين. وأتى بالضمير لعدم الالتباس. وفي بعضها: في اليدين.
٣٣٨ - (الحَكَم) بفتح الحاء والكاف (عن ذر) بذال معجمة وراء مشددة (أَبْزَى) بفتح الهمزة وزاي معجمة وألف مقصورة.
(جاء رجلٌ إلى عمر بن الخَطَّاب) وفي رواية الطَّبْرَانِيّ: رجل من أهل البادية.
(فقال: إنِّي أجنبتُ فلم أُصِب الماء) يُقال: أجنب أي: صار جنبًا. ويقال: جنب أَيضًا بمعناه بضم الجيم على بناء المفعول أي: أصابته الجنابة (فقال عمار بن ياسر) بتشديد الميم وياسر: بياء مثناة تحت هو وأبوه وأمه من السابقين الأولين، قتل أبو جهل أمه على الإِسلام، كنيته أبو اليقظان، مناقبه فوق الحصر.
стр. 496
أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». فَضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. أطرافه ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧
ــ
(أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت) الاستفهام فيه على أصله, لأن عمر كان قد نسي القضية ولم يقع هنا جواب عمر. ورواه مسلم: لا تصلي. وزاد غيره: "حتَّى تجد الماء". وحديث الباب والأحاديث المذكورة بعده تدل على أن عمر بن الخَطَّاب ما كان يرى للجنب التيمم، وكذلك لم يصل حين أجنب مع عمار (وأما أنا فتمعكْتُ) أي: تمرغت كما تتمرغ الدابة في التُّراب (إنما كان يكفيك هكذا فضرب النَّبِيّ ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مَسَحَ بهما وجهه وكفيه) إنما نفخ فيهما ليقل التُّراب لئلا يشوه الوجه. فلا دلالة فيه لمن يقول: بجواز التيمم بغير التُّراب.
أخذ بظاهر الحديث ابنُ راهويه والإمام أَحْمد قالا بمسح اليدين إلى الكوعين وسائر الأئمة أخذوا بحديث ابن عمر، وإن كان فيه مقال، ولأنه يدل على الوضوء، فبيان الغاية في الأصل بيان له، وأجابوا له عن هذا الحديث بأن الاقتصار على الكعبين، كان بيان الاكتفاء بالضربتين، ولا حاجة إلى التمعك كما فعله عمار.
هذا وقد رَوَى أبو داود بسنده إلى عمر أنَّهم كانوا مع رسول الله ﷺ ، وقد حضرتْ صلاة الفجر فمسحوا أيديهم إلى المناكب، وهو يؤيده ما ذكرنا من أن الاقتصار على الكعبين كان تعليمًا والحديثُ دل على جواز الاجتهاد في حياة رسول الله ﷺ وهذا مما لا خلاف فيه، دل عليه صريحًا حديث معاذة، وكذا بحضرته على الأصح كما سيأتي في باب كتاب الأحكام في قضية سلب أبي قتادة.
стр. 497
٥ - باب التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِى الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ.
٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، وَقَالَ تَفَلَ فِيهِمَا.
٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ».
ــ
باب: التيمم للوجه والكفين
٣٣٩ - (حَجَّاج) -بفتح الحاء وتشديد الجيم- هو ابن مِنْهال بكسر الميم (الحكم) بفتح الكاف هو ابن عُتيبة بن النهاس مولى امرأة من كندة (وقال النضر أخبرنا شعبة) هو النضر بن شميل، شيخ شيوخ البُخَارِيّ. علق عنه الحديث, لأنه فيه التصريح بسماع حكم من ذر بخلاف ما أسنده أولًا. وأما قوله: (قال الحكم: سمعته من عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى) هو مقول شعبة، روى عنه الحديث بواسطة وبغير واسطة ذر فكان أعلى سندًا ويحتمل أن يكون تعليقًا من البُخَارِيّ ليس داخلًا تحت الإسناد المذكور.
٣٤٠ - (سليمان بن حرب) ضد الصلح (وقال له عمار: كنا في سرية) -بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء- قطعةٌ من الجيش، نهايته أربعمئة. واشتقاقه من سرو الشيء أي: صار شريفًا؛ لأنها تكون من خيار الجيش. وقيل: لأنها تذهب سرًّا. واللفظ لا يساعده (وقال: تَفَل فيهما) بالتاء المثناة: هو مثل النفخ. قال أهل اللغة: التفل دون البزق، وهو دون النفث وهو دون النفخ.
٣٤١ - (محمَّد بن كثير) ضد القليل (يكفيك الوجه والكفين) برفع الوجه، ونصب الكفين على أنَّه مفعول معه، وظاهر الحديث مع الإِمام أَحْمد، بل ربما يقال هو الصواب؛ إذ
стр. 498
٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ شَهِدْتُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ فَضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
٦ - باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ
وَقَالَ الْحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا.
ــ
ليس في البُخَارِيّ ومسلم الزيادةُ على هذا لا سيما لفظ إنما، فإنَّه يدل على الحصر، وبه يندفع ما يقال: ذكر الكفين إنما كان للتعليم، وأما القياس فليس بشيء؛ لأنه قياس في مقابلة النص، وجَزْمُ البُخَارِيّ به في الترجمة يدل على أنَّه مختاره.
٣٤٣ - (محمَّد بن بشار) بفتح الباء وتشديد الشين (غُنْدر) بضم الغين المعجمة وفتح الدال، وتمام الكلام في الباب الذي قبله.
باب: الصعيد الطِّيب وضوء المسلم يكفيه من الماء
اختلف العلماء فيما يجوزُ به التيمم؛ ذهب الشَّافعيّ والإمام أَحْمد إلى أن التُّراب معين لقول ابن عباس: الصعيد هو الترابُ، والطيب هو المنبت؛ لأن الطِّيب يوصف به الحلال، ولا يلائم المقام، فأريد به المنبت، قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] وللحديث: "جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وترابها طهورًا" ولآية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فإن من تبعيضية، ذكره في "الكشاف".
وذهب مالك وأبو حنيفة إلى جوازه بكل ما على وجه الأرض؛ لأنه الصعيد على ما نقله الجوهري عن ثعلب. قال الله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] والترابُ لا يكون زلقًا، وأجابوا عن آية المائدة تارةً بأن من ابتدائية، وأخرى بأن الضمير في منه
стр. 499
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ
ــ
للحديث. والحقُ الذي لا محيد عنه أن قوله: "ترابها طهورًا" بيانٌ للصعيد، ورافع للاحتمال وزيادة منه في المائدة أَيضًا صريحٌ في ذلك. ألا ترى أن صاحب "الكشاف" مع كونه حنفيًا، وله في العربية اليدُ الطولى والسابقة الأولى، كيف سلم ذلك.
قال بعض الشارحين إلزامًا لمن قال بغير التُّراب: المطلق يحمل على المقيد إذا اتحد السبب وفاقًا. وفيه نظرٌ من وجهين:
الأول: أن اتحاد السبب لا يكفي، بل لا بد من اتحاد الحكم أَيضًا. الثاني: أن هذا ليس من قبيل المطلق والمقيد، بل لفظ مشترك مجمل، ولفظ التُّراب بيانٌ لذلك المجمل.
(وقال الحسن: يجوزُ التيمم ما لم يحدث) وإليه ذهب أبو حنيفة. وفي روايةٍ عن مالك: يصلي بالتيمم صلاة إن كانت قضاءً. وقال الإِمام أَحْمد: يصلي به الصلاتين إذا جَمَعَ بينهما، وتقضى به الفوائت والنفل إلى آخر الوقت. وقال الشَّافعيّ: لا يصلي به إلَّا فرضًا واحدًا، والتطوع ما شاء لأنه ضرورة تقدر بقدر الحاجة.
(وأمّ ابن عباس وهو متيمم) وبه قال أبو حنيفة والشافعي، لكن على أصل الشَّافعيّ فيه إشكالٌ، وذلك أن التيمم ليس رافعًا عنده، بل مستحبًا مع بقاء الحدث، فكما لا يجوزُ اقتداء القائم بالقاعد لكونه بناءً للقوي على الضعيف، فكذا اقتداء المتوضئ بالمتيمم.
(وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بالصلاة على السبخة، والتيمم بها) هذا مما لا خلاف فيه إذا ارتفع منه غبار. والسبخة -بكسر الباء- الأرضُ التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلَّا الشجر. كذا قال ابنُ الأثير. والاستدلال على الجواز بأن مدينة رسول الله ﷺ سبخة، وسماها رسول الله ﷺ طيبة لا يخفى ما فيه.
٣٤٤ - (مسدَّد) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة (عوف) بفتح العين آخره فاء (أبو رجاء) -بفتح الراء والجيم مع المد- العطاردي اسمه عمران بن مِلْحان بكسر الميم
стр. 500
عَنْ عِمْرَانَ قَالَ كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَاّ حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِىَ عَوْفٌ - ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا لَا نَدْرِى مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِىُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِى أَصَابَهُمْ قَالَ «لَا ضَيْرَ - أَوْ لَا يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا». فَارْتَحَلَ
ــ
(عِمران) -بكسر العين- ابن حُصَين، على وزن المصغر، الصحابي الجليل القدر، كانت الملائكةُ تُسلم عليه. فلما اكتوى تركته الملائكة.
(كنا في سفر) في رواية مسلم عن أبي هريرة: حين قَفَل من خيبر، وقيل: حنين، وقيل: في غزوة تبوك، وقيل: كان بالحديبية. قال النووي: وقع لهم هذا في أسفار متعددة.
قلتُ: النَّوم وقع مرارًا، ولكن قضية البدوية صاحبة المزادتين كما في هذه الرواية واحدة بلا خلاف.
(وإنا أسرينا) الإسراء من السري وهو السير ليلًا يقال: سرى وأسرى بمعنىً واحد (حتَّى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة عند المسافر أحلى منها) عبر عن النَّوم بالوقعة، كناية عن غلبة النَّوم كأنهم سقطوا من غير اختيار (فكان أولَ من استيقظ فلان) بنصب أول، وفلان: اسم كان.
(ثم عمر بن الخَطَّاب) وفي رواية: أول من استيقظ أبو بكر، وفي أخرى: أول من استيقظ رسول الله ﷺ . وفيه دلالةٌ على تعدد الواقعة (وكان النَّبِيّ ﷺ إذا نام لم نوقظه) وقد عَلَّله بقوله: (لأنا لا ندري ما يحدُثُ له في نومه) لأن رؤياه وحيٌ (وكان رجلًا جليدًا) فعيل: من جَلُد بضم اللام. قال ابن الأثير: الجليد: القويُ في نفسه وجسمه.
(لا ضير أو لا يضير) الشك من عمران، يقال: ضار يضير بمعنى ضرّ يضرّ (فارتحل
стр. 501
فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ، فَدَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وَنُودِىَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّىَ مَعَ الْقَوْمِ». قَالَ أَصَابَتْنِى جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». ثُمَّ سَارَ النَّبِىُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ «اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ». فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِى بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا انْطَلِقِى إِذًا. قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا
ــ
فسار غير بعيد، نزل فدعا بالوَضوء) بفتح على الأشهر إنما ارتحل من ذلك المكان، لأنه مكان غفلة عن عبادة الله كره الوقوف به. وسيأتي أنَّه قال: "هذا وادٍ حَضَر فيه الشيطان"، وبه سَقَطَ استدلال من يقول: إنه ارتحل لكراهة الوقت، وأيضًا لم يكن وقت الاستيقاظ وقت الكراهة، ألَا ترى إلى قوله: ما أيقظهم إلَّا حَرّ الشَّمس. وأما السؤال بأنه كيف نام حتَّى فاتته الصلاة؟ فقد أكثر في الجواب عنه بما لا طائل تحته.
والصوابُ أنَّه كان يسري [عليه] من لوازم النَّوم والوقت بما يدرك بالبصر كما قال ﷺ في حديث عائشة: "تنام عيني ولا ينام قلبي".
(أصابتني جنابة ولا ماء [قال]: عليك بالصعيد، فإنَّه يكفيك) هذا موضع الدلالة على الترجمة (فدعا فلانًا كان يسميه أبو رجاء) هو عمران بن حُصين، جاء صريحًا في رواية (فلقيتنا امرأة بين مزادتين أوسطيحتين) المزادة -بفتح الميم-: قِرْبَةٌ زيد فيها من جلد آخر.
والسطيحة: قِرْبة لم يزد فيها شيء، قال ابن الأثير: سميت بذلك, لأن كل واحدٍ من الجلدين قوبل بالآخر فسطح عليه.
(عهدي بالماء أمسِ هذه الساعة) عهدي: مبتدأ، وبالماء خبره، وأمس ظرف الخبر، وهذه الساعة بدل عنه بدل بعض. أي: في مثل هذه الساعة (ونفرنا خلوفًا) -بضم الخاء المعجمة- جمع خالف كقعود في قاعد، والخالف: الغائب، والنفر من الثلاثة إلى العشرة من الرجال خاصة؛ لأنهم ينفرون أي: يخرجون في المهمات. والظاهر أن هذا من إطلاق
стр. 502
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتِ الَّذِى يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِى تَعْنِينَ فَانْطَلِقِى. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِىُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ - أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ - وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِىَ، وَنُودِىَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِى أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ «اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وَهْىَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا،
ــ
المقيد على المطلق؛ إذْ معلوم أنّ ليس غرضُها أن رجال قومها ما دون العشرة (الذي يقال له الصابئ) -بالهمز- من صبأ: إذا خَرَج من دين إلى آخر. ويقال: صبا يصبو إذا مال. (هو الذي تعنين) أي الذي يقال له ذلك، ولم يزجراها عن هذا الكلام لأنها مشركة جاهلة، وليس لذلك فائدة في الحال (ودعا النبي ﷺ بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين) جمع الأفواه كراهةَ اجتماع تثنيتين، كما في صغت قلوبكما (وأوكأ أفواههما، وأطلق العَزَالي) -بفتح العين والزاي وكسر اللام-: جمع عزلاء -بفتح العين والمدّ- قال الجوهري: هو فم المزادة الأسفل.
فإن قلت: لم أفرغ أولًا من الأفواه ثم من العزال؟ قلت: القوم كانوا عطاشًا، فبادر إلى دفع ذلك سريعًا، ولما قضى ذلك الوطر أطلق العزال لأنه أسهل (نودي في النَّاس: اسقوا واستقوا) فعال من السقي، يقال، استقى الماء إذا أخذ لنفسه، وسقى أي: غيره ويقال فيه أَيضًا: أسقى بهمزة القطع. قرئ بهما (فكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة) انتصب آخر خبر كان، واسمه: أن أعطى (وايم الله) بالقطع والوصل، والثاني أكثر. أصل أيمن خفف بحذف النُّون لكثرة الاستعمال، ولذلك سقطت همزته في الدَّرْج، وقد ذكروا فيه نحوًا من عشرين لغةً (لقد أقلع عنها) على بناء المجهول، أي: كفّ عن أخذ الماء. (وإنه ليخيل إلينا أنها أشدّ مِلأة) يخيل على بناء المجهول، ومِلأة -بكسر الميم وفتحها -أي: أشدّ امتلاءً. وهذا من باهر معجزاته ﷺ وهو نَصٌّ في أن لم يأخذ من مائها قطرة بل زادها.
وقد أورد الإشكال وأجابوا خطأ وصوابًا مع أنَّه لا دلالة للفظ عليه أصلًا. الإشكال: أن المرأة كانت حربية، ومجرد الاستيلاء يوجب إرقاقها فكيف أطلقت ولا إشكال فيه, لأن للإمام فضلًا عن رسول الله ﷺ أن يمن على الأسير بنص القرآن. قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].
стр. 503
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «اجْمَعُوا لَهَا». فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا «تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى أَسْقَانَا». فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتِ الْعَجَبُ، لَقِيَنِى رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِى إِلَى هَذَا الَّذِى يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ. وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِى السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِى هِىَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ.
ــ
(فقال ﷺ : أجمعوا لها. فجمعوا لها ما بين عجوة) -بفتح العين- نوع من التمر (دقيقه وسويقه) -بفتح الدال والسين- ويجوزُ على بناء المصغر (قال لها تعلمين ما رزأنا من مائك شيئًا) -بالراء المهملة ثم المعجمة -أي: نقصنا (فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم) أي: عن الوقت المتعارف لأنهم عدلوا بها عن طريقها.
(هذا الذي يقال له: الصابئ ففعل كذا وكذا) كناية عما رأته مما فعل بمائها (فكان المسلمون يغيرون بعد ذلك على من حولها) -بضم الياء- من الإغارة، ويجوزُ الفتح فيه (ولا يصيبون الصرم الذي هي منه) -بكسر الصاد- قال ابن الأثير: جماعة ينزلون ناحية من الماء بإبلهم (فقالت يومًا لقومها: ما أرى هؤلاء يدعونكم عَمدًا) -بضم الهمزة- وما: موصولة، أي: الذي أظن أن هؤلاء يدعونكم عمدًا، لعلكم تسلمون. وفي بعض النسخ: ما أدري، والمعنى قريب من الأول، ويجوزُ أن تكون (ما) نافية، والمعنى: لا أرى وجه تخلفكم عن الإِسلام مع أن هؤلاء إنما يدعونكم. وعن أبي البقاء جواز كسر إن على الاستئناف. أي: لا أدري لماذا تخلفكم؟ ثم استأنفت الكلام على وجه التعليل إن هؤلاء يدعونكم عمدًا.
وفي الحديث الإرشاد إلى المحافظة على العهد والذمام وإن كان مع الكافر، وأن الرفق وحسن الخلق محمود في المواطن كلها. وأما أخذ مائها وصرفها عن مقصدها فلا إشكال فيها, لأنها حربية بلغتها الدعوة. ألا ترى كيف قالت: الذي يقال له: الصابئ. فلا وجه لما يقال: الضرورات تبيح المحظورات. وبين فقه الحديث تقديم المحتاج إلى الماء للشرب على الوضوء والغسل، ومن أصاب ذنبًا في بلدٍ يحسن له الارتحال منه، واستدل بقوله: نودي
стр. 504
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " صَبَأَ: خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ " وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: «الصَّابِئِينَ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ». طرفاه ٣٤٨، ٣٥٧١
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ.
٧ - باب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ، تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ.
ــ
بالصلاة من قال يشرع لغاية الأذان، وهو مذهبُ الإِمام أَحْمد وأبي حنيفة والقول القديم للشافعي، ومن لم يقل به حَمَلَ النداء على الإقامة أو الإعلام.
باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم
(ويذكر أن عمرو بن العاص) رواه تعليقًا بصيغة التمريض، ورواه أبو داود مسندًا، وفيه أَيضًا أن هذا كان في غزوة ذات السلاسل، وروى الجاسم أَيضًا إلَّا أنَّه ذكر أنَّه توضأ، قال البيهقي: يجوز أن يكون توضأ ثم تيمم بباقي البدن، وهو المذهب عند الشَّافعيّ وأَحمد، واتفق الأئمة على جواز التيمم للمرض إذا خيف التلف، أو زيادة المرض، وقد نص عليه في الآية الكريمة. وأما قضيه عمر وكانت لشدة البرد، وبه قال الفقهاء.
(وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾) قيل: ظاهره أنَّه تلاه في ذلك الوقت، وليس كذلك، بل تلاها عند رسول الله ﷺ . قلتُ: لا وجه لترك الظاهر، فإنَّه يجوز الجمع كما لا يخفى، على أن قوله: (فذكر للنبي ﷺ فلم يعنف) صريح في أنَّه لم يقرأها عنده، وإلا لم يكن لفاء التعقيب وجه.
стр. 505
٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ غُنْدَرٌ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَا يُصَلِّى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا - يَعْنِى تَيَمَّمَ وَصَلَّى - قَالَ قُلْتُ فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قَالَ إِنِّى لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ.
٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ، مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يُصَلِّى حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «كَانَ يَكْفِيكَ» قَالَ أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ
ــ
٣٤٥ - (بشر) بكسر الموحدة وستين معجمة (غندر) بضم الغين (عن أبي وائل) شَقِيق بن سلمة (قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: إذا لم تجد الماء لا تصلي) بتاء الخَطَّاب فيهما، حذف حرف الاستفهام من الفعل الثاني؛ لأن غرض أبي موسى الاستفهام لا الإخبار ألا ترى جواب عبد الله (نعم). والكلام إنما هو في الجنب كما ترجم له أول الباب.
(إنِّي لم أر عمر قنع بقول عمار) لما ألزمه موسى بأن عمار فتمعك في التُّراب ثم ذكر لرسول الله ﷺ فقال: "كان يكفيك الوجه". أجاب عبد الله بأن عمر لم يعمل به ولم يعتمد على قول عمار؛ وإنما لم يقنع بقول عمار لأنه ذكر أنهما كانا معًا ولم يتذكر عمر القضية، على أن عمر كان يتوقف في خبر الواحد حتَّى يستيقن، لا أنَّه كان مذهبه بل كان يحتاط ألا ترى أنَّه قبل قول عبد الرَّحْمَن بن عوف في الطاعون إذا وقع ببلد لا تدخلها.
٣٤٦ - (عمر بن حفص) بضم العين (شَقِيق بن سلمة) بشين معجمة (فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية) هي قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا
стр. 506
فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ فَقَالَ إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا قَالَ نَعَمْ.
ــ
مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] , لأن الملامسة كناية عن الجماع عند ابن مسعود (فما درى عبد الله ما يقول) أي: في جواب أبي موسى.
قال بعضهم: ربما كان المجلس لا يقتضي تطويل المناظرة، وإلا كان لعبد الله أن يقول: المراد من الملامسة تلاقي بشرتي الرَّجل والمرأة كما ذهب إليه الشَّافعيّ.
وهذا كلام ساقط، وذلك أن قوله: (لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم) أطول من قوله: المراد من الملامسة ليس هو الجماع ألا ترى قوله في الرواية الأولى: ما درى عبد الله ما يقول، وهذا يدل على أنَّه كان قائلًا بأن الملامسة هي الوقاع كما هو مذهب الكوفيين، ولا يبعد أنَّهم أخذوه منه فإن مدار أكثر فقه الكوفيين على ابن مسعود.
فإن قلتُ: الكلام إنما هو في الجنب الذي لم يجد الماء كما صرح به لفظ الحديث فما وجه قول ابن مسعود: لو رخصنا لهم لكان إذا برد على أحدهم الماء تيمم؟ قلتُ: أراد أنَّهم يقيسون على أن الغزالي ذكر في الإحياء أن من قال في جواب المستدل: لا نسلم، فقال: لم لا تسلم؟ قال: لا يلزمني بيانه لكون ذلك للعلم إلى المانع الحكمي عن المانع الحسي، فهو فقدان الماء بجامع أن كل واحد منهما يمنع استعمال الماء؛ لأن مع المانع وجود الماء كالعدم.
ومن فقه الحديث: جواز المناظرة لإظهار الحق، وجواز الانتقال من حجة إلى أخرى أوضح من الأولى، مبادرة إلى إفحام الخصم كما في قصة الخليل مع الكافر الذي بهت، وليس مثله من الانتقال الذي يعده أهل النظر عيبًا على أن الغزالي ذكر في الإحياء أن من قال في جواب المستدل: لا نسلم صار .. قال: لا يلزم بيانه لكون .... تخفيف.
стр. 507
٨ - باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّى فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ وَزَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِى أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً.
ــ
باب التيمم ضربة
٣٤٧ - (محمَّد بن سلام) بفتح اللام على الأشهر (أبو معاوية) الضَّرير. روى في الباب حديث مناظرة أبي موسى وعبد الله بن مسعود، وقد مر الكلام عليه في الباب قبله (وكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة) إنما خصّ المائدة -وإن كان التيمم بعد ذكر الملامسة موجود في سورة النساء أَيضًا- لاتفاقهم على أن سورة المائدة آخر القرآن نزولًا فلا نسخ فيها.
(فضرب بكفه ضربة على الأرض) هذا موضع الدلالة على الترجمة، لكن لا دلالة فيه على ما قصده من أن الضربة الواحدة كافية؛ لأنا ذكرنا أن غرضه الرد على عمار فعله. ألا ترى أنَّه اكتفى بضرب كف واحد، وإلى هذا ذهب أَحْمد وقال: يمسح بباطن أصابعه وجهه وبراحة كفيه، والضربتان سنة. وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى وجوب ضربتين، إحداهما للوجه والأخرى لليدين استدلالًا بحديث ابن عمر، ولأنه بدل الوضوء وقد سلف كل ذلك مستوفي.
стр. 508
٩ - باب
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ أَبِى رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّىَ فِي الْقَوْمِ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِى جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
ــ
باب
٣٤٨ - (عبدان) على وزن شعبان (أبو رجاء) -بفتح الراء والجيم- عمران العطاردي.
هذا آخر كتاب الطهارة طهرنا الله من الذنوب بمنه وكرمه.
стр. 509
٨ - كتاب الصلاة
١ - باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الإِسْرَاءِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِى أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ يَأْمُرُنَا - يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ.
ــ
كتاب الصلاة
باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الصلاة لغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال صحاب "الكشاف": يقال صلى إذا حرك الصلوين، ولما كان المصلي يحركهما في الصلاة اشتق له منه، ولما اشتملت الصلاة على الدعاء أطلق عليه لفظ الصلاة، ورد هذا الكلام المحققون بأن لفظ الصلاة بمعنى الدعاء شائع في أشعار العرب أهل الجاهلية مع عدم علمهم بالصلاة الشرعية التي هي عبارة عن الأركان المخصوصة.
(وقال ابن عباس: حَدَّثني أبو سفيان في حديث هرقل، يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف) رواه تعليقًا. ورواه في بدء الوحي مسندًا. ثم وجه إيراده هنا أن أَبا سفيان أخبر بهذا بعد صلح الحديبية وذلك بعد الإسراء؛ فإن الإسراء كان بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب، وقيل: سنة خمس أو ست، ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول، أو السابع والعشرين من ربيع الآخر. هذه الأقوال ذكرها النووي، وقيل غير هذا والله أعلم.
وحديث الإسراء متواتر. قال ابن الجوزي: رواه علي وابن مسعود وأبي وحذيفة وأبو سعيد الخُدرِيّ وجابر وأبو هريرة وابن عباس وأم هانئ وأبو ذر، أما بعد الصَّحَابَة فرواه أمة لا تحصى.
واختلف في كيفية الإسراء هل كان بالروح أو الجسد، والثاني هو الصواب، وكذلك أنكر المشركون غاية الإنكار، واختلف أَيضًا في تعدده، أو كان مرة، والثاني هو الصواب، واختلف أَيضًا في أن المعراج هو الإسراء أو غيره، والأول هو الصواب إن شاء الله، وعليه
стр. 510
٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِى وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِى، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِى ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى فَعَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
ــ
عول المصنف بقوله: (كيف فرضت الصلاة في الإسراء) على أن الإجماع على أنها فرضت ليلة المعراج.
٣٤٩ - (يحيى بن بكير) بضم الباء، على وزن المصغر (أبو ذر) هو الغفاري المشهور، اسمه: جندب (أن رسول الله ﷺ قال: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة) أي: كشف، هذا أمر خارق للعادة ليكون أنموذجًا لما يأتي بعده (فنزل جبريل) وكان معه ميكال، وقيل طائفة أخرى من الملائكة أَيضًا، وسيأتي في البُخَارِيّ: ثلاثة نفر (ففرج صدري) أي: شقه (ثم غسله بماء زمزم) ولعل الحكمة في إشارة ماء زمزم أنَّه حصل بفيض من الله لأبيه إسماعيل من غيره، فناسب أن يكون مقره كذلك الفيض الباهر، وزمزم غير منصرف للعلمية والتأنيث (ثم جاء بطست من ذهب) أصله: طس بسين مدغمة قلبت الثَّانية تاء لقرب المخرج (ممتلئ حكم وايمانًا) أي: معارف إلهية أصولًا أو فروعًا، وتقديم الحكمة على الإيمان لأن الإيمان كان موجودًا أو آثر أسلوب الترقي، وكونها في آنية الذهب لأنها أشرف أواني الجنة، وأما كون آنية الذهب لا يجوز استعمالها لا يرد؛ فإن هذا أمر من عالم الملكوت خارق للعادة، وأيضًا الحرمة إنما هي على أمته، والاستعمال هنا من الملائكة فلا إشكال.
فإن قلت: الحكمة والإيمان أمران معقولان، فكيف ملئ بهما الطست؟ قلت: جعلهما الله في صورة الأجسام كما تجعل الأعمال الصالحة في صورة الأجسام النورانية يوم الحساب، أو هذا تمثيل وتصوير للمعقول في صورة المحسوس، والأول هو الوجه، ولفظ الامتلاء إنباء عن غاية الوفور، وأيده بلفظ الإفراغ.
(ثم أطبقه) الضمير للصدر أي: غطاه من الطباق وهو الغطاء (ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا) الباء فيه للمصاحبة، وفي هذا الطريق اختصار لأن عروجه كان
стр. 511
قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ. قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ قَالَ نَعَمْ مَعِى مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا آدَمُ.
ــ
على البراق إلى بيت المقدس (فلما جئت إلى السماء الدنيا) لم يقل: جئنا لأن مجيئه هو الأمر الغريب دون الملك، كذا قيل، ولكن سيأتي بلفظ الجمع في مواضع، وذلك أنَّه تحدث بهذا الحديث مرارًا بعبارات كلها صادقة (قال جبرائيل لخازن السماء: افتح) أي: الباب (قال: من معك؟ قال: محمَّد، فقال: أرسل إليه) أي: بالعروج، فإنهم كانوا كانوا عالمين برسالته لأن الله تعالى يخبر الملائكة ليلة القدر بما يقع في ذلك العام، وقيل: الاستفهام للتعجب لأنه حصل له ما لم يحصل لأحد قبل، وقيل: استفهام عن رسالته فإنَّه خفي عليهم لاستغراقهم في الطاعات كما أخبر الله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. ولفظ إليه في أرسل إليه يؤيد الوجه الأول (فلما فتح علونا السماء الدنيا) هذه على رغم أنف الفلاسفة الأنجاس الذين يقولون: الفلك لا يقبل الخرق، ولو اجتمع الإنس والجن على وزن خردل منه لا يقدرون على فلقه (فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة) جمع سواد، وهو الشخص لأنه يرى من بعيد [أسود] قاله ابن الأثير (وإذا نظر قبل يساره بكى) إنما بكى حزنًا على أولاده، كما أنَّه ضحك إذا نظر أهل اليمن سرورًا بأهل الجنة.
فإن قلت: أرواح أهل النَّار في سجين تحت الأرض السابعة، وأرواح المُؤْمنين في عليين. قلت: لا منافاة فإنَّه في مقامه يشاهد الطائفتين، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥٥] فسقط ما يقال: كيف تكون أرواح الكفار في السماء وقد قال تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، والجواب عنه بأنه أراد الأرواح التي لم تتعلق بالأبدان، على أن تعلق الحمل على ذلك لا يصح لعموم لفظ نسم بنيه.
(فقال: مرحبًا بالنبي الصالح) نصب على المفعولية أي: أصاب الله به مكانًا ذا سعة،
стр. 512
وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِى عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ فَفَتَحَ». قَالَ أَنَسٌ فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ
ــ
أو مفعول مطلق في موضع الترحيب. قال بعضهم: مفعول مطلق تقديره: أصبت رحبًا، وهذا سهو منه؛ لأن هذا تقدير المفعول به، وأيضًا صيغة الخطاب لا تصح مع قوله: مرحبًا بالنبي، وإنما لم يقل مرحبًا بك لأن في لفظ النَّبِيّ فخامة وإجلالًا لا يوجد في الخطاب، وعلى هذا الأسلوب جرى معه كلام سائر الأنبياء.
(هذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم) جمع نسمة، وهي الروح، قال ابن الأثير: كل ذي روح نسمة، وكأنه مأخوذ من نسيم الريح للطافة الروح (قال أنس: فذكر أنَّه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت منازلهم) الذاكر هو أبو ذر الذي روى عنه أنس، وقد جاء إثبات منازلهم في بعض الروايات. قال النووي: وما يقع من الاختلاف فليس بتناقض؛ لأنهم يسيرون في عالم الملكوت، ألا ترى أن رسول الله ﷺ صلى بهم كلهم في بيت القدس.
فإن قلت: قول موسى وعيسى: (مرحبًا بالأخ الصالح) ظاهر لأن رسول الله ﷺ لم يكن من نسلهم، فما وجه قول إدريس، وهلا قال مثل قول إبراهيم: مرحبًا بالابن الصالح؟ قلت: تواضع منه، وسيأتي أن الأنبياء كلهم إخوة، وقيل: لأن إدريس ليس من آباء رسول الله ﷺ ، وليس بصواب؛ لأن رسول الله ﷺ من ولد نوح بلا خلاف، ونوح من ولد إدريس كذلك.
فإن قلت: لم وصفه كل منهم بالصلاح، والنبوة فوق الصلاح؟ قلت: الصلاح وصف جامع لكل فضيلة وخصلة حميدة. وقال بعض المحققين: وصف الشيء بآخر قد يكون لتعظيم الموصوف كرجل عالم، وقد يكون لتعظيم الوصف منه، وصفة الأنبياء بالصلاح
стр. 513
الصَّالِحِ. قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِىَّ كَانَا يَقُولَانِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «ثُمَّ عُرِجَ بِى حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِى خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ
ــ
إشارة إلى أن الصلاح وصف يوصف به الرسل فيكون فيه ترغيب للسامع، ويجوز أن يكون اللام للعهد أي: الذي صلح لهذه الرتبة السنية.
(قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم) -بالزاي المعجمة- محمَّد بن حزم الأَنْصَارِيّ، تابعي جليل القدر (وأبا حبَّة الأَنْصَارِيّ) -بحاء مهملة وباء موحدة- قال الغساني: اسمه عامر، وقيل: زيد (ثم عرج بي حتَّى ظهرت لمستوى) بفتح التاء أي: علوه، الفضاء الذي لا عوج فيه (أسمع منه صريف الأقلام) صوت جريانها في الكتاب. قال الأصمعيّ: الصريف صوت ناب البعير إذا كان من الفحول يكون من النشاط، وإذا كان من الإناث يكون من الإعياء.
(قال ابن حزم وأنس: قال النَّبِيّ ﷺ : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة) هذا من مقول ابن شهاب داخل تحت الإسناد وليس من التعليق في شيء، نبه عليه أبو نعيم وكذا ذكره الإسماعيلي وآخرون. قيل: في هذا إشكال وهو أن النسخ قبل البلاغ واعتقاد وجوبه لا يجوز عندنا، وأجاب شيخ الإِسلام بأنه نسخ بالنسبة إلى رسول الله ﷺ وإن لم يكن نسخًا بالنسبة إلى أمته، ولا يدفع الإشكال لقوله: (فرض على أمتي).
والحق في الجواب أن التبليغ إلى كل من كلف به ليس بواجب قطعًا، ورسول الله ﷺ كان مكلفًا بالصلوات، فعلمه بذلك كاف؛ لأن ما التزمه لازم لأمته إذا لم يكن من خواصه، وإلى ما فصلناه أشار البزدوي في دفع الإشكال بأن النَّبِيّ ﷺ أصل هذه.
فإن قلت: قال الله تعالى للأمة في آخر المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] والمراد به صلاة الليل، وقال فيه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] والمزمل من أوائل القرآن نزولًا. قلت: كانت الصلاة مشروعة في الجملة، وقيل: كانت صلاة الصبح وصلاة العصر وإليهما أشير بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].
стр. 514
إِلَى مُوسَى قُلْتُ وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ. فَقَالَ هِىَ خَمْسٌ وَهْىَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى. ثُمَّ انْطَلَقَ بِى حَتَّى انْتَهَى بِى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِى مَا هِىَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ». طرفاه ١٦٣٦، ٣٣٤٢
ــ
إنما الكلام في فرضية الصلوات الخمس (ارجع إلى ربك) أي: إلى الموضع الذي كنت تناجيه فيه.
(هي خمس وهي خمسون) أي: خمس عددًا وخمسون معنىً لأن الحسنة أقل ما يكون بعشر أمثالها، وأما النهاية باعتبار حال المصلي والأزمان والأماكن فلا يحيط به إلَّا علم علام الغيوب تعالى وتقدس (إلى سدرة المنتهى) وفي رواية: "السدرة" فعلى الرواية الأولى من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، وهذه شجرة النبوة كما سيأتي وصفها. قال ابن عباس: لأن علم الملائكة لا يجاوزها غير رسول الله ﷺ . وعن ابن مسعود: لأن ما يصعد من تحت ينتهي إليها وكذلك ما ينزل من فوق (وغشيها ألوان لا أدري ما هي) أي: من كمال حسنها كما جاء في الرواية الأخرى: "ولا يقدر أحد من الخلق أن ينعتها"، وبه يسقط ما قيل: قوله: ما هي للتفخيم وإن كان معلومًا.
(ثم أدخلت الجنة) أي: بعد قضاء الوطر من مناجاة ربه تعالى وتخفيف الأمر على أمته. قال ابن دحية: (ثم) ليس على أصله من التراخي زمانًا، بل للتراخي رتبة، وليس كما قال، وأي رتبة فوق مناجاة رب العالمين؟ (فهذا فيها حبائل اللؤلؤ) بالحاء بعدها باء موحدة. قال ابن الأثير: كذا وقع في البُخَارِيّ، والمعروف جنابذ بالجيم جمع جنبذ -بضم الجيم وفتح الباء- معرب كنبذ فارسي معناه: القبة، قال: ويحمل ما في البُخَارِيّ على مواضع المرتفع كجبال الرمل كأنه جمع حبالة، وجبالة جمع جبل، والجبال في الرمل كالجبال في غير الرمل، وفي الحديث دلالة على فضل رسول الله ﷺ على سائر الرسل، وعلى وجود الملائكة والجنة والنار، وأن السماوات ذات أبواب، وضل الصلاة على سائر فروع الإيمان لأنها فرضت من غير واسطة ملك، ودلالة على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، وأن ما في علمه تعالى لا يتبدل، وأما قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩]
стр. 515
٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ». طرفاه ١٠٩٠، ٣٩٣٥
ــ
و"الصدقة تزيد في العمر" ونظائره فليس فيه تبديل، بل الواقع هو الذي كان في علمه في الأزل، وهو المعبر عنه بالقضاء المبرم وغيره من القضاء المعلق.
٣٥٠ - (صالح بن كيسان) بفتح الكاف وسكون الياء (عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حيث فرضها ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر).
فإن قلت: روي عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين. قلت: رواية عائشة في مسلم والبخاري لا تقاومها رواية ابن عباس.
فإن قلت: يحمل قول عائشة على ما قبل الإسراء من صلاة العشي والإبكار. قلت: خلاف الظاهر لأن صلاة العشي والإبكار ليس لهما حديث معتمد، كيف والبخاري إنما أورد حديث عائشة في باب فريضة الصلاة في باب الإسراء.
فإن قلت: إذا أقرت صلاة السفر على الركعتين فكيف قال الشَّافعيّ وأَحمد: يجوز الإتمام؟ قلت: حملا القصر على الرخصة تخفيفًا، وأجاب بعضهم للشافعي بأن قول عائشة: يجوز أن يكون اجتهادًا، وليس بشيء لأن هذا مما لا مساغ فيه للاجتهاد، وعند أهل الحديث والأصول مثله من قبيل المرفوع.
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الظاهر فيما قاله ابن عباس. قلت: بعد الزيادة في الحضر رفع الجناح عن المسافر، نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا
стр. 516
٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ».
ــ
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [النساء: ١٥٨] دفع توهم الجناح.
فإن قلت: ما فائدة التكرير في قولها ركعتين؟ قلت: معناه في كل صلاة لئلا يتوهم أن الفرض كل يوم وليلة ركعتان.
وقال بعضهم: فإن قلت: بم انتصب قوله ركعتين؟ قلت: بالحالية، ثم قال: فإن قلت: ما حكم لفظ ركعتين الثاني؟ قلت: هو تكرار اللفظ، وهما بالحقيقة عبارة عن كلمة واحدة نحو المز القائم مقام الحلو الحامض، وهذا غلط؛ لأن الحلو الحامض شيء واحد هو المز المركب منهما، وأين هذا من ذاك؟! بل نظيره من التوزيع قولك الجماعة: خذوا من هذه الدراهم درهمين.
باب وجوب الصلاة في الثياب
كان ظاهر العبارات وجوب الثياب في الصلاة إلَّا أنَّه أوقع الثياب حالًا، فالمعنى وجوب الصلاة مقيدًا بالثياب أي: مشروطًا به، وذكر الثياب بناء على الغالب، وإلا فالشرط ستر العورة بأي ساتر كان من الجلد وغيره، والعورة من الرَّجل: ما بين السرة والركبة عند الشَّافعيّ وأَحمد، وفي رواية عن أَحْمد: الفرجان، وعند أبي حنيفة: الركبة من العورة دون السرة، ومن المرأة ما سوى الوجه والكفين والقدمين، وعند الشَّافعيّ ومالك: القدمان عورة، وعن أَحْمد في رواية كلها عورة إلَّا الوجه، والأمة مثل الرَّجل.
(ومن صلى ملتحفًا في ثوب واحد) هذا بعض الترجمة، وهو بعض حديث سيذكره مسندًا.
(ويذكر عن سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن سنان، والأكوع لقب سنان الأسلمي المدنِيُّ، يكنى أَبا عامر، وقيل: أَبا إياس، سكن الربذة، ذو المناقب الوافرة، من شجعان الصَّحَابَة، سيأتي بعض أوصافه الحسنة في البُخَارِيّ إن شاء الله تعالى. ذكر حديثه معلقًا بصيغة التمريض لأن مدار حديثه هذا على موسى بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْميّ، وهو منكر الحديث. قاله ابن القطَّان والبخاري وغيرهما، وكذلك نبه عليه
стр. 517
فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِى يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى، وَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَاّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا». طرافه ٣٢٤
ــ
بقوله: (وفي إسناده نظر)، (زرة ولو بشوكة) الضمير للقميص لئلا تبدو منه العورة.
(ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه) من تمام الترجمة، وهو حديث أسنده أبو داود من رواية معاوية عن أم المُؤْمنين أم حبيبة (وأمر النَّبِيّ ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريانًا) سيذكر مسندًا في حج أبي بكر، وإنما علقه هنا لدلالته على أن الطواف لا يجوز عريانًا، فالصلاة من باب الأولى.
٣٥١ - (يزيد بن إبراهيم) من الزيادة (أم عطية) -على وزن ولية- الأنصارية واسمها نسيبة، وقد تقدم شرح الحديث في كتاب الحيض مستوفى (وإن جلبابها) يحتمل أن يكون بعض الجلباب الذي عليها، وجلباب آخر غير الذي عليها، والأول أبلغ في الحث على الحضور.
(وقال عبد الله بن رجاء) ابن المثنَّى الغداني -بضم الغين المعجمة وتشديد الدال- البَصْرِيّ، وقد غلط من قال: هو عبد الله بن رجاء المكيّ، إذ ليس للبخاري عنه رواية, وهذا شيخ البُخَارِيّ، وإنما روى عنه بلفظ قال لأنه سمع الحديث منه مذاكرة، وفائدة هذه الرواية التصريح بلفظ سماع ابن سيرين عن أم عطية بخلاف ما أسنده أولًا.
стр. 518
٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى الْقَفَا فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِى أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ.
٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِى وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ قَالَ لَهُ قَائِلٌ تُصَلِّى فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ فَقَالَ إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِى أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أطرافه ٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠
ــ
باب عقد الإزار على القفا
الإزار والمئزر: ما يستر به ما تحت السرة من البدن من الأزر وهو القوة لأنه يشد الظهر، والقفا: مقصور مؤخر العنق يذكر ويؤنث قاله الجوهري.
(أبو حازم) -بالحاء المهملة- سلمة بن دينار، هو الراوي عن سهل بن سعد الساعدي حيث وقع في البُخَارِيّ وسهل بن سعد الساعدي هذا آخر من مات من الصَّحَابَة بالمدينة، وكان اسمه حزنًا فسماه رسول الله ﷺ سهلًا، وهذا الحديث علقه عنه البُخَارِيّ وأسنده عنه مسلم وأبو داود (صلوا مع رسول الله ﷺ عاقدي أزرهم) -بضم الهمزة- جمع إزار ككتب في كتاب.
٣٥٢ - (واقد بن محمَّد) -بالقاف المكسورة- أخو عاصم بن محمَّد المذكور الراوي عنه عن محمَّد بن المنكدر بضم الميم وكسر الدال (قال: صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب) -بكسر الميم وستين معجمة- قال ابن الأثير: عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها توضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية. قلت: هذا معروف كثيرًا ما يكون مع الأمراء والأعيان في الأسفار، والعجم تسميه ... (قال له قائل: تصلي في إزار واحد) قاله على وجه الاعتراض، وجابر من العلماء من الصَّحَابَة معروف ولذلك غلظ عليه في الجواب (فقال: إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك) الرواية بالرفع لأنه لا يتعرف بالإضافة في مثل هذا الموضع، ويجوز كونه صفة لأحمق. قال الجوهري:
стр. 519
٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الْمَوَالِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى فِي ثَوْبٍ. طرفه ٣٥٢
ــ
الحمق قلة العقل، والفعل منه حمق بضم الميم وكسرها.
قلت: هو قلة العقل لكن مع تيه وتكبر، ولا يقال لكل قليل عقل. وفي رواية لمسلم أن هذا القائل هو عبادة بن الوليد بن الخالد الغبري مات سنة ثمان وخمسين.
٣٥٣ - (مطرف) بضم الميم وكسر الراء المشددة (أبو مصعب) على وزن اسم المفعول (عن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموالي) بفتح الميم جمع مولى، يكنى أَيضًا أَبا محمَّد مولى علي بن أبي طالب (رأيت جابرًا يصلي في ثوب واحد، قال: رأيت النَّبِيّ ﷺ يصلي في ثوب واحد) هذه الزيادة لم تكن في الحديث الأول.
فإن قلت: ليس في هذا الحديث ما يدل على الترجمة من عقد الإزار على القفا. قلت: أجاب بعضهم بأن هذا طرف من الحديث الذي قبله، أو دل عليه بناء على الغالب، فإنَّه لولا عقده على القفا لما ستر العورة، وهذا وهم منه، فإن هذا حديث آخر سيأتي في الباب الثامن أن جابرًا رأى رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الواحد ملتحفًا به. فوجه إيراده هنا أنَّه إذا أمكن الالتحاف فلا حاجة إلى عقده، هكذا أجاب شيخ الإِسلام، والأحسن أن يكون إشارة إلى الحديث الذي في الباب الثالث بعد هذا الباب، وهو أنَّه قال لجابر: "إن كان الثوب واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به" فيوافق الترجمة صريحًا.
واعلم أن هذا الذي فعله جابر بيان للجواز، ألا ترى كيف اعترض عليه فإنَّه كان ينكر جواز ذلك، فأراد إعلام النَّاس، وإلا فالأفضل للواجد أن يلبس في الصلاة ثيابًا متعددة، ثياب زينة أحسن ما يقدر عليه ليكون في عبادة ربه على أحسن وصف ظاهرًا وباطنًا، ويكون عاملًا بمقتضى قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقد روى ابن القطَّان "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فالله أحق أن يزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر ولا يشتمل اشتمال اليهود".
стр. 520
٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ
قَالَ الزُّهْرِىُّ فِي حَدِيثِهِ الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ، وَهْوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ الْتَحَفَ النَّبِىُّ ﷺ بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. طرفاه ٣٥٥، ٣٥٦
٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. طرفاه ٣٥٤، ٣٥٦
ــ
باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به
(قال الزُّهْرِيّ في حديثه: الملتحف المتوشح، هو المخالف بين طرفيه على عاتقي) أي: فسر الزُّهْرِيّ في حديثه الذي رواه أن رسول الله ﷺ صلى في ثوب الملتحف بالمتوشح، والمتوشح بالمخالف بين طرفيه، وذلك لئلا تبدو عورته، والالتحاف لغة: التغطي، والتوشح مأخوذ من الوشاح. قال الجوهري: هو ما ينسج من أديم عريض ويرصع بالجواهر وتشده المرأة بين عاتقها [كشيحها] (قالت أم هانئ) بنت أبي طالب، أكبر من علي، أسلمت يوم الفتح (التحف النَّبِيّ ﷺ يوم الفتح بثوب وخالف بين طرفيه على عاتقيه) بأن تلقي ما في اليمين على العاتق الأيسر وبالعكس.
٣٥٤ - (عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغر (عمر بن أبي سلمة) -بضم العين- ربيب رسول الله ﷺ .
٣٥٥ - (محمَّد بن المثنَّى) -بضم الميم وتشديد النُّون- اسم مفعول من التثنية (يحيى) هو ابن سعيد.
стр. 521
٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ». فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِى طَالِبٍ. فَقَالَ «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّى أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ
ــ
٣٥٦ - (عبيد بن إسماعيل) على وزن المصغر (رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملًا به واضعًا طرفيه على عاتقيه) هذا تفسير لقوله: مشتملًا لأن الاشتمال نوعان، منه نوع منهي عنه اشتمال الصماء كما سيأتي قريبًا.
٣٥٧ - (إسماعيل بن أبي أويس) -بضم الهمزة- ابن أخت مالك صاحب المذهب (عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله) واسمه سالم (أن أَبا مرة) -بضم الميم وتشديد [الراء]- مولى أم هانئ، وقد يقال: مولى عقيل لملازمته إياه واسمه يزيد (عام الفتح) أي: فتح مكة، علم له بالغلبة (مرحبًا بأم هانئ)، وفي بعضها "يَا أم هانئ" بياء النداء (فصلى ثمان ركعات) بالنُّون وحده، وفي بعضها "ثماني" بالياء وهو الأصل (زعم ابن أم أنَّه قاتل رجلًا أجرته) هو علي وهو أخوها من أبيها أَيضًا إلَّا أنها في الغضب نسبته إلى الأم، وكذلك الغضب أَيضًا تصرح باسمه، وفي رواية الحموي "ابن أبي"، وابن الأم وإن كان يقال في موضع المحبة والترقق كقول هارون لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤] إلَّا أن المقام لا يساعده (فلان ابن هبيرة) الأكثر على أنَّه جعدة بن هبيرة، وابن أم هانئ أَيضًا من هبيرة ابن أم هانئ، وفيه اختلاف كثير (قد أجرنا من أجرت يَا أم هانئ) أجرنا على وزن نصرنا مأخوذ من معنى الجوار، واستدل به على جواز الأمان من النساء وليس كذلك لأن الأمان إنما
стр. 522
وَذَاكَ ضُحًى. طرفه ٢٨٠
٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ». طرفه ٣٦٥
٥ - باب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ
٣٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا يُصَلِّى أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَىْءٌ». طرفه ٣٦٠
ــ
حصل من قول رسول الله ﷺ : أجرنا, ولو كان كما قيل كان حق الكلام أن يقول: ليس لعلي ذلك بعد أن أجرت الرَّجل (وذاك ضحى) أي: وقت صلاة الضحى، وفي حديثها من الفوائد استحباب صلاة الضحى، والسلام على من في الحجاب، وجواز ستر المرأة المحارم وقبول شفاعته من الأعزة والملاطفة وحسن الالتقاء والترحيب.
٣٥٨ - (عن أبي هريرة أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد) سأل عن جواز ذلك، ولذلك أنكر عليه بقوله: (أو لكلكم ثوبان) استقر فهمه مع ظهور المسألة، وذلك أنَّه يعلم أن ليس لكل أحد ثوبان مع علمه بأنهم لا يتركون الصلاة لذلك، فلم يكن يحتاج إلى السؤال لو تأمل أدنى تأمل في "مبسوط السرخسي" أن السائل ثوبان.
باب إذا صلى في ثوب واحد فليجعل على عاتقيه
أي: على كل عاتق منه شيئًا من ذلك الثوب.
٣٥٩ - (أبو عاصم) ضحاك بن مخلد (أبو الزِّناد) -بكسر الزاي المعجمة- عبد الله بن ذكوان (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء) أي: على كل واحد منهما للحديث الذي بعده من رواية أبي هريرة من تفسيره لقوله: فليخالف بين طرفيه.
قال ابن الأثير: الرواية "لا يصلي أحدكم" بإثبات الياء، فحمل على النفي لأن علامة الجزم فيه حذف الياء.
стр. 523
٣٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُهُ - أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ - قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ». طرفه ٣٥٩
٦ - باب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلَاةِ
ــ
قلت: هذا غير لازم فإن قومًا من العرب العرباء لم تحذف الياء في مثله بالجوازم، ومنه رواية قنبل عن ابن كثير: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء، وعليه قول الشَّاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
قال النووي: الجمهور على أن هذا النهي للتنزيه. قال الخطابي: قد ثبت أن رسول الله ﷺ صلى في ثوب واحد، أحد طرفيه على بعض نسائه، والتحقيق: أن غرض الشارع ستر العورة، فإن قدر الإنسان على المحافظة على ذلك فلا بأس به كما فعل رسول الله ﷺ وإن لم يقدر فصلاته فاسدة، والأولى على كل حال تركه، وفعل رسول الله ﷺ محمول على الجواز.
٣٦٠ - (أبو نعيم) -بضم النُّون، على وزن المصغر- فضل بن دكين.
(شيبان) بالمعجمة بعدها ياء مثناة بعدها باء موحدة (سمعت أَبا هريرة يقول: أشهد) -بفتح الهمزة- صيغة تكلم من الشهادة جارٍ مجرى القسم يؤكد به مضمون الخبر، وشرح الحديث مر آنفًا.
باب إذا كان الثوب ضيقًا
عن الالتحاف بتشديد الياء وتخفيفها قراءتان متواترتان.
٣٦١ - (فليح) بضم الفاء، على وزن المصغر (سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في
стр. 524
فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِى، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّى وَعَلَىَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «مَا السُّرَى يَا جَابِرُ». فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِى، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ «مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِى رَأَيْتُ». قُلْتُ كَانَ ثَوْبٌ. يَعْنِى ضَاقَ. قَالَ «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». طرافه ٣٥٢
٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِى أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ
ــ
ثوب واحد) أي: في جوازها (فقال: خرجت مع النَّبِيّ ﷺ في بعض أسفاره) عدل عن ظاهر الجواب بإيراد آثار ... أسند فيه الجواب إلى رسول الله ﷺ ليكون أبلغ في دفع الإشكال وفي رواية مسلم: كان ذلك في غزوة بواط أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ (وصليت إلى جانبه) أي: واصلًا إلى جانبه (قال: ما السرى يَا جابر) السرى: هو السير بالليل، يقال فيه سرى وأسرى ليس سؤاله عن وجود السرى، بل عن موجبه، فإنَّه في وقت غير متعارف مجيئه فيه (قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت) كان مشتملًا اشتمال الصماء من غير أن يجعل على عاتقيه منه شيئًا (قال: كان ثوب يعني ضاق) وسط لفظ يعني لأنه لم يكن ضابطًا عبارته، ومحصله: اعتذر جابر بأنه كان ضيقًا لم يحتمل أن يخالف بين طرفيه فأرشده إلى طريق آخر بقوله: (إن كان ضيقًا فاتزر به) فإن الغرض من المخالفة بين طرفيه ألا تظهر عورته، والاتزار مثله في ذلك. وفقه الحديث جواز طروق الملوك والعلماء بالليل إذا دعت إليه الضرورة، وقوله (فاتزر) بهمزة ساكنة، ويروى بالإدغام.
٣٦٢ - (مسدد) بضم الميم على صيغة المفعول (يحيى) ابن القطَّان (سفيان) يجوز أن يكون ابن عيينة والثوري، فإن يحيى يروي عن كل منهما (عن أبي حازم) هو سلمة بن دينار كان رجال يصلون مع النَّبِيّ ﷺ عاقدي أزرهم) نصب على الحال، والأزر -بضم الهمزة
стр. 525
الصِّبْيَانِ، وَقَالَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِىَ الرِّجَالُ جُلُوسًا. طرفاه ٨١٤، ١٢١٥
٧ - باب الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّأْمِيَّةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا الْمَجُوسِىُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا. وَقَالَ مَعْمَرٌ رَأَيْتُ الزُّهْرِىَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ. وَصَلَّى عَلِىٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ.
٣٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ
ــ
والزاي- جمع الإزار ككتب في كتاب (ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتَّى يستوي الرجال جلوسًا) لئلا يقع بصرهن على عورات الرجال، وفيه إشكال؛ فإن ظهور العورة في الصلاة مبطل، اللهمَّ إلَّا أن يحمل على الضرورة لعدم قدرتهم على غير ذلك، والجواب بأن ظهور العورة من أسفل لا يضر لا يصح فإن ظهور العورة في الركوع والسجود ليس من ذلك.
باب الصلاة في الجبة الشامية
الشَّام هي البلاد المعروفة من الفرات إلى وادي العريش وفيه ثلاث لغات سكون الهمزة وفتحها بعدها ألف، وبالألف بلا همزة.
(وقال الحسن في الثياب ينسجها المجوسي لم ير بها بأسًا) لم ير بفتح الياء أي: الحسن لم هي بذلك بأسًا كما تقول: قال الشَّافعيّ في متروك التسمية لم ير به بأسًا، أي: قال به هذا القول وحمله على التجريد لا يلائم المقام فإن ذلك إنما يكون إذا أريد المبالغة في وصف الشيء، وقوله: ينسجها جملة حالية. أو بتقدير الموصول على أنَّه صفة الثياب. (وقال معمر: رأيت الزُّهْرِيّ يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول) الظاهر أن يكون بعد الغسل (وصلى علي في ثوب غير مقصور) أي: غير مغسول، هذه الأشياء اتفقت عليها الأئمة كما يقولون ما غلبت نجاسة مثله فهو ظاهر.
٣٦٣ - (يحيى) كذا وقع غير منسوب، قال ابن السكن: هو يحيى بن موسى بن عبد ربه الملقب بخت بخاء معجمة ومثناة فوق مشددة، ويجوز أن يكون يحيى بن جعفر فإن البُخَارِيّ
стр. 526
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ». فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّى فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. أطرافه ١٨٢، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٥٧٩٨
٨ - باب كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّى فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا
٣٦٤ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ
ــ
يروي عنهما وهما يرويان عن (أبي معاوية) محمَّد بن خازم بالخاء المعجمة، قيل: ويجوز أن يكون يحيى بن معين أَيضًا.
قلت: يحيى بن معين ليس له رواية عن أبي معاوية، بل إنما يروي عن مروان بن معاوية عند مسلم، كذا قاله أبو الفضل المقدسيّ (عن مسلم) -ضد الكافر- هو البطين.
(عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النَّبِيّ ﷺ في سفر) هو غزوة تبوك، وقد ذكرنا في أبواب الطهارة، وسيأتي في الكتاب (فقال يَا مغيرة: خذ الإداوة) ويروى: "يَا مغير" بحذف التاء على الترخيم، والإداوة -بكسر الهمزة- إناء من جلد كالركوة. قال الجوهري: وهي المطهرة وإنما بوب على الجبة الشامية مع أن الحكم عام ليوافق لفظ الحديث، ويعلم الحكم من غيرها قياسًا (فذهب يخرج يده) أي: شرع في إخراج يده (فضاقت فأخرج يده من أسفلها) وفقه الحديث: أن الثياب التي ينسجها المشركون يجوز الصلاة فيها، فإن بلاد الشَّام كان بها النصارى. وإخراج اليد من أسفل الثوب واستحباب التواري عن أعين النَّاس عند قضاء الحاجة. وجواز استخدام العالم في الأمور الجزئية.
باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها
الكراهية هنا كراهة تحريم.
٣٦٤ - (مطر بن الفضل) بفتح الميم والطاء (روح) بفتح الراء وسكون الواو، و (زكريا) يجوز فيه المد والقصر قرئ بهما (عمرو بن دينار قال: سمعت جابرًا يحدث أن
стр. 527
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ يَا ابْنَ أَخِى، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِىَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ . طرفاه ١٥٨٢، ٣٨٢٩
٩ - باب الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ
٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ «أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ». ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ
ــ
رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة) أي: مع المشركين حين بنوا الكعبة الشريفة، وكان عمره حينئذ خمسًا وثلاثين سنة، كذا قاله ابن إسحاق في "السير" وابن قدامة في كتاب "أنساب قريش" (فقال له العباس عمه: يا بن أخي لو حللت إزارك) يجوز أن يكون شرطًا جوابه محذوف، ويجوز أن يكون تمنيًا (فعله فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًا عليه) كان تأديبًا من الله، وفي غير الصحيحين: أن ملكًا نزل فشد عليه إزاره، وذكر ابن إسحاق أنَّه في صباه كان ينقل الأحجار مع الغلمان لبعض ما يلعبون به، وقد تعرى، قال: وأنا في ذلك إذ لكمني لاكم لا أراه وقال: شد عليك إزارك وبالجملة كان ﷺ من أول نشأته مصونًا عن القاذورات التي كانت أهل الجاهلية موسومة بها، وقد دل على الترجمة قوله: (فما رؤي بعد ذلك عريانًا) فإنَّه يتناول ما بعد النبوة لإطلاق النفي ويتم الاستدلال كما لا يخفى.
باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
٣٦٥ - (سليمان بن حرب) ضد الصلح (حماد) بفتح الحاء وتشديد الميم (أَيُّوب) هو السختياني (محمَّد) هو ابن سيرين (قام رجل إلى النَّبِيّ ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد قال: أو كلكم يجد ثوبين؟) استفهام إنكار استقصر فهم السائل لأنه يعلم أن كل
стр. 528
فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ - قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. طرفه ٣٥٨
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا وَرْسٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ
ــ
واحد لا يجد ثوبين، ولا بد له من أداء الصلاة (جمع رجل ثيابه عليه، صلى رجل في إزار ورداء) هذا من كلام عمر، لفظة خبر ومعناه إنشاء أي: ليجمع وليصل، والقباء ممدود وهو الذي قدامة مسقوف بضم أطرافه، قيل: فارسي معرب. وقيل: عربي، والسراويل معرب سروال، وقيل: عربي جمع لا مفرد [له] , وقيل: مفرده سروالة وأنشدوا له:
عليه من اللؤم سروالة
غير منصرف اتفاقًا لكونه على وزن منتهى المجموع، وقيل: يجوز صرفه.
(في تبان) -بضم التاء وتشديد الموحدة- سراويل قصير إلى الركبة ضيق الرأس، أكثر ما يلبسه المصارعون، والمذكورات تسع بعضها أفضل من بعض باعتبار زيادة الاشتمال وحسن الهيئة، إنما سردها ولم يعطف لأنه على طريق التعداد كما إذا سألك إنسان: بماذا أتصدق؟ تقول: بالدينار بالدرهم بالطعام بالثوب، وتقدير حذف العاطف تكلف بلا ضرورة، وأما جعل كل تبان بدلًا عما قبل فغلط لاستلزامه أن يكون عين الأول إن جعل بدل كل، أو بعضه إن جعل بدل بعض إذ لا مجال للاشتمال والغلط وإنفاء الأولين ظاهر.
٣٦٦ - (ابن أبي ذئب) -بلفظ الحيوان المعروف- محمَّد بن الرَّحْمَن (سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ما يلبس المحرم؟) قوله: فقال تفسير لقوله سأل (فقال) أي: رسول الله ﷺ في جوابه (لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس) -بضم الباء وسكون الراء- قال ابن الأثير: كل ثوب رأسه ملتزق من دراعة أو جبة، وقال الجوهري: قلنسوة طويلة كان النساء يلبسونها من البرس وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: غير عربي (ولا الورس) هو نبت يصبغ
стр. 529
وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ». وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. طرفه ١٣٤
١٠ - باب مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ
٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ
ــ
به الأصفر (فليقطعهما حتَّى يكونا أسفل من الكعبين) الكعبان هما المذكوران في آية الوضوء، وعند الحنفية: ما ارتفع من ظهر القدم في المحرم خاصة.
فإن قلت: سؤال السائل إنما كان عما يجوز لبسه، والجواب إنما وقع بما لا يجوز لبسه. قلت: هذا من أسلوب الحكيم لأن ما يجوز لبسه كثير يعسر عده بخلاف ما لا يجوز.
فإن قلت: أي تعلق لهذا بالترجمة؟ قلت: لدلالته أن لو لم يكن محرمًا جاز لبسه في الصلاة وغيرها.
وقيل: وجه تعلقه أنَّه دل على جواز الصلاة بدون القميص والسراويل، وهذا فاسد من وجهين:
الأول: أن الترجمة إنما هي في جواز الصلاة في القميص وغيره من المذكورات لا في الجواز بدونها.
الثاني: أن أحدًا لم يشترط وجود أحد هذه المذكورات حتَّى يرد عليه بالجواز بدونها بالحديث.
(وعن نافع) عطف على سالم كما رواه سالم عن أَبيه (ابن عمر) كذلك رواه نافع عنه، وقد أسنده عن نافع في كتاب الحج كما أسنده هنا عن سالم، والنسخ كلها بالواو، فلا وجه للحمل على التعليق.
باب ما يستر من العورة
٣٦٧ - (قتيبة) بضم القاف، على وزن المصغر (عبيد الله بن عبد الله) الأول مصغر
стр. 530
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِىَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَىْءٌ. أطرافه ١٩٩١، ٢١٤٤، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤
٣٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِىَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. أطرافه ٥٨٤، ٥٨٨، ١٩٩٣، ٢١٤٥، ٢١٤٦، ٥٨١٩، ٥٨٢١
ــ
والثاني مكبر (عن أبي سعيد الخُدرِيّ) -بضم الخاء- نسبة إلى خدرة جده الأعلى (نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء) -بالصاد المهملة- قال ابن الأثير: أن يتجلل الرَّجل بثوبه ولا يرفع منه شيئًا لأنه يسد عليه المنافذ كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، وقال: وعند الفقهاء أن يتغطى بثوب ويرفع أحد جانبيه بحيث تنكشف عورته هذا الذي قاله عن الفقهاء، قاله أبو عبيد أَيضًا، وكذلك قاله البُخَارِيّ في كتاب اللباس (وأن يحتبي الرَّجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء) الاحتباء: أن يجلس الرَّجل على إليتيه ويرفع ركبتيه ويشدهما بثوب أو بيديه، والاسم منه الحبوة بضم الحاء وكسرها، وكانت العرب تفعله في أنديتهم لأنهم لم يكونوا في ثبات ليعتمد في الجلوس على الجدار ونحوه، وقد جاء الحديث: "الاحتباء حيطان العرب والعمائم تيجانها"، وقد أشار إلى وجه المنع بقوله: (ليس على فرجه شيء) لأن الاحتباء لذاته ليس فيه شيء يكره.
٣٦٨ - (قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة بعدها مثناة (عن أبي الزِّناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (نهى النَّبِيّ ﷺ عن بيعتين، عن اللماس والنباذ) بدل بإعادة الجار، بفتح الباء في البيعتين قصدًا إلى العدد وإن كانا نوعين.
اللماس: أن يكون نفس لمس المشتري بيعًا من غير رؤية، والنباذ -بكسر النُّون وبذال معجمة، ويقال فيه المنابذة أَيضًا- رمي البائع المتاع المشترى على أن يكون نفس الرمي بيعًا من غير رؤية ولا خيار، كانوا في الجاهلية يتعاطونها فنهى الشارع عنهما لوجود الفرر.
следующие страницы →