Полный текст (5 311 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
٦٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا».
١٨ - باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ
٦٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَىُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَتِ الدَّائِمُ. قَالَ قُلْتُ فَأَىَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ قَالَتْ كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. طرفه ١١٣٢
٦٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِى يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. طرفه ١١٣٢
٦٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
ــ
٦٤٦٠ - (فضيل) بضم الفاء، مصغر (أبي زرعة) بضم المعجمة هرم البجلي (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا) قال ابن الأثير: القوت مقدار ما يمسك الرمق من المطعم، وهو حالة بين الغنى والفقر. وهي الكفاف وخير الأمور الوسط.
باب القصد والمداومة على العمل
٦٤٦١ - (عبدان) -على وزن شعبان- عبد الله المروزي (أشعث) بالمعجمة آخره ثاء مثلثة (أيُّ العمل كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: الدائم) الدوام لغة عدم الانقطاع، والمراد به المواظبة. هذا هو المتعارف في أمثاله (كان يقوم إذا سمع الصارخ) أي صياح الديك بالليل.
٦٤٦٢ - (قتيبة) بضم القاف، مصغر.
٦٤٦٣ - (ابن أبي ذئب) -بلفظ الحيوان المعروف- محمد بن عبد الرحمن (المقبري)
стр. 4622
- رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَنْ يُنَجِّىَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَلَا أَنَا، إِلَاّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَىْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ. وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا». طرفه ٣٩
٦٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا،
ــ
بفتح الميم وضم الباء وفتحها (لن يُنجي أحدًا منكم عمله. قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلَّا أن يتغمَّدني الله برحمته) أي: يسترني.
فإن قلت: الأحاديث دلت والآيات على أن دخول الجنة بعمال كقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. قلت: أجابوا بأن دخول الجنة بفضل الله والدرجات بالأعمال وهذا وجه معروف، إلَّا أنه خلاف الظاهر من قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩].
والصواب أن دخول الجنة في التحقيق بإرادة الله وفضله لأنَّ العبد بعمله لا يستحق على مولاه أجرًا إلَّا أن الأعمال أسباب ظاهرية جرت عادة الله بذلك.
قال بعضهم: الاستثناء في قوله: "إلَّا أن يتغمدني" منقطع، ويجوز أن يكون متصلًا مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وهذا كلام غريب وذلك أن الاستثناء في الآية منقطع إذ المعنى: لا موت بالجنة لكن الموتة الأولى في الدنيا. وعلى تقدير الاتصال معناه: أن لو كان هناك موت فرضًا وتقديرًا لكانت الموتة الأولى، وفي الحديث أمر محقق فأين أحدهما من الآخر؟ ثم أراد الجمع بين الآيات والحديث بأنَّ الباء ليست للسببيَّة، بل للمصاحبة وهذا غلط فإن حين دخول الجنة لا يصحبه عمل، بل ثواب العمل، على أن أحدًا لا يفهم من قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [:] ونظائره معنى المصاحبة، ثم قال: إذ الدخول ليس بالعمل، بل الإدخال.
انظر إلى هذا الكلام الذي تمجُّه الأسماع، وهب أن له معنىً فما قوله في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]؟.
٦٤٦٤ - (سدِّدوا) من السداد وهو الاستقامة (وقاربوا) في العمل لا إفراط ولا تفريط
стр. 4623
وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنْ قَلَّ» طرفه ٦٤٦٧
٦٤٦٥ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ أَىُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَقَالَ «اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ». طرفه ١٩٦٩
٦٤٦٦ - حَدَّثَنِى عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ قَالَتْ لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ. طرفه ١٩٨٧
٦٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ». قَالُوا وَلَا، أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَلَا أَنَا إِلَاّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ».
ــ
(وروحوا واغدوا) أي: اعملوا أي: في طرفي النهار. فإنها أوقات نشاط إذ لا اعتداد بالعمل حال السآمة (وشيء من الدلجة) -بضم الدال- أي: بالليل، وقد أشار إلى ذلك الوقت وهو ثلث الليل الآخر (والقصدَ القصدَ) نصب على الإغراء، والقصد: التوسط في العمل (تبلغوا) لأن في الإفراط تسقط القوى فتتعطل. وفي التفريط لا يبلغ المنزل رُوي أن ذا النون المصري كتب إلى أبي يزيد البسطامي: إلى متى هذا النوم والقوم قد قطعوا المراحل؟ قال أبو يزيد في جوابه: الرجل من بات في بيته وأصبح قبل القوم في المنازل. فقال ذو النون هنالك: هذا شيء كنا لا نعرفه (أحب الأعمال إلى الله أدومها) لأن الغرض من العمل ملاحظة جلال المعبود على الدوام وذلك إنما يكون مع قلة العمل. فإن الإفراط يورث الانقطاع.
٦٤٦٥ - (عرعرة) بعين وراء مهملة (كلفوا من العمل ما تطيقون) بهمزة الوصل والعلة ما ذكرناها (وكان عمله) أي: عمل رسول الله ﷺ (ديمة) -بكسر الدال- أي: على الدوام. قال الجوهري: الديمة: المطر الذي لا رعد فيه ولا برق أقله ثلث النهار أو الليل أو أكثره لا غاية له.
٦٤٦٧ - (الزِّبرقان) بكسر المعجمة وباء موحدة وقاف.
стр. 4624
قَالَ أَظُنُّهُ عَنْ أَبِى النَّضْرِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا». وَقَالَ مُجَاهِدٌ (قَوْلاً سَدِيدًا) وَسَدَادًا صِدْقًا. طرفه ٦٤٦٤
٦٤٦٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِىَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ «قَدْ أُرِيتُ الآنَ - مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ - الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ». طرفه ٩٣
ــ
(وقال: أظنه عن أبي النضر) بضاد معجمة، فاعل (قال علي بن المديني) شيخ البخاري، كأنه جوّز أن موسى بن عقبة لم يسمع الحديث من سلمة بن عبد الرحمن، بل أبو النضر واسطة بينهما، لكن ظهر بالتعليق المذكور بعده سماعه من سلمة (وُهيب) بضم الواو مصغر، وكذا (فُليح).
٦٤٦٨ - (رُقِيَ المنبر) بكسر القاف (فأشار قِبل القبلة) بكسر القاف وفتح الياء، أي: جهة القبلة (رأيت الجنة والنار ممثلتين) أي: مصورتين (فلم أر كاليوم في الخير والشر) هذا موضع الدلالة على الترجمة، فإنه يدل على أن المداومة تُوهِب خيرًا كثيرًا، ولا مداومة إلَّا مع القصد في العمل.
فإن قلت: روى عن عائشة أن رسول الله ﷺ لم يختص شيئًا من الأيام بعمل، وقد صح أنه كان يصوم الاثنين والخميس، وكان يصوم في شعبان أكثره؟ قلت: معنى
стр. 4625
١٩ - باب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ
وَقَالَ سُفْيَانُ مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَىَّ مِنْ (لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ).
٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً،
ــ
التخصيص أن لا يوجد ذلك الفضل في غيره، ومواظبته على هذه الأيام لا ينافي وجوده في غيرها، ألا ترى إلى قول أنس: ما كنت تشاء أن تراه صائمًا إلَّا رأيته، فسقط ما قيل إنما كان يواظب على ذلك لما كان يفوته في الأسفار فيقتضيها.
باب الرجاء مع الخوف
(وقال سفيان: ما في القرآن أية أشد عليَّ من ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]) وذلك أن الآية وإن كانت في أهل الكتاب إلَّا أنها تدل على حال هذه الأمة من باب الأولى؛ لأن هذه الأمة أشرف الأمم، فالأمر عليها أشق؛ لأن كل من كان أقرب إلى الله كان الأمر عليه آكد، قيل: مناسبة الآية للترجمة احتمال أن يكون ذلك مخصوصًا بأهل الكتاب. فيحصل لهذه الأمة الرجاء والخوف وفيه نظر؛ لأن سفيان قد فهم عموم الآية فالصواب أنها تدل على رجحان جانب الخوف؛ لأن القيام بما أمر الله في غاية الشدة.
٦٤٦٩ - (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين وأرسل إلى خلقه كلِّهم رحمة واحدة) أي: قدّر الرحمة في علمه مائة أجزاء، فجعل واحدة موزّعة في المخلوقات إلى يوم القيامة يوجد في كل قلب ما اقتضت حكمنه، وإنما فسرناه هكذا لأن نزول الرحمة مستحيل؛ لأن الأعراض لا تقبل النقلة.
فإن قلت: أين موضع الدلالة على أن الإنسان يكون مع الخوف والرجاء؟ قلت: هو قوله: "لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة .... " إلى آخر الحديث، فإنه دلّ على سعة رحمته وشدة عذابه، قال العلماء: يكون جانب الرجاء غالبًا في حال المرض وبالعكس الصحة؛ لأنه من أمارات الموت مع سقوط القوة على العمل، وقد [قال] تعالى: "أنا عند
стр. 4626
فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِى عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِى عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ». طرفه ٦٠٠٠
٢٠ - باب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ
(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ). وَقَالَ عُمَرُ وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ.
٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَاّ أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَىْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ «مَا يَكُنْ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». طرفه ١٤٦٩
ــ
ظن عبدي بي" والمشايخ على أن جانب الرجاء يكون غالبًا في كل وقت إذ كم صحيح مات وكم من مريض عاش؟
(فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم يَيئس من الجنة) قيل: أصل "لو" أن تدخل على الماضي، وإنما دخلت [على] المضارع إشارة إلى أنه لم يقع ذلك العلم في الماضي ولم يقع في المستقبل، وفيه نظر؛ لأن "لو" إذا دخلت على المضارع تجعله ماضيًا، كقولك: لو يكرمني أكرمتك، والتحقيق أنها تدخل [على] المضارع دلالة على أن المضارع والماضي سواء لصدور الكلام ممن لا يختلف في إخباره.
باب الصبر عن محارم الله
٦٤٧٠ - روى عن الخدري (أن ناسًا سألوا رسول الله ﷺ متاع الدنيا فأعطاهم حتى نَفِد كل شيء عنده) بفتح النون وكسر الفاء (ثم قال: من يستعف يُعفُّه الله) أي: من طلب العفاف وعدم السؤال من الناس يُعفه الله، بأن يقدر له رزقًا من وجه آخر (ولن تُعطوا عطاءً خيرًا من الصبر).
стр. 4627
٦٤٧١ - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى حَتَّى تَرِمَ - أَوْ تَنْتَفِخَ - قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». طرفه ١١٣٠
٢١ - باب (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ.
٦٤٧٢ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ
ــ
فإن قلت: الصبر: حبس النفس عن المكروه، فكيف يكون عطاءً؟ قلت: العطا باعتبار المآل، فإنه يوجب الجزاء بغير حساب، وفي المثل: الصبر مفتاح الفرج.
٦٤٧١ - (خلاد) بفتح المعجمة وتشديد اللام (زياد بن علاقة) بكسر الزاء [والعين] (كان النبي ﷺ يصلي حتى تَرِم قدماه).
فإن قلت: ما وجه هذا الحديث في باب الصبر عن محارم الله تعالى؟ قلت: إذا كان من غُفِر له ما تقدم وما تأخر صبر على مشقة الطاعة، فغيره بالصبر عن محارم الله التي يستحق بها العقاب يعلم من باب الأولى، يقال: صبر عن المعصية، وصبر عن الطاعة.
فإن قلت: من أسمائه تعالى: الصبور؟ قلت: أريد به لازم معناه وهو عدم المعاجلة بالعقوبة، كما في الرحمن والغضبان.
باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]
أي: من فوّض أمره إلى الله فهو كافيه، وهذا لا ينافي مباشرة الأسباب ولهذا قال: "اعقلها وتوكل" (الربيع بن خُثيم) الربيع ضد الخريف، وخثيم بضم المعجمة وفتح المثلثة "إسحاق" كذا وقع غير منسوب لكن روى البخاري في مواضع إسحاق بن إبراهيم.
٦٤٧٢ - (عن رَوْح) بفتح الراء، هذا وقال شيخنا: هو ابن منصور، وقد غلط من
стр. 4628
حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِى سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». طرفه ٣٤١٠
٢٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ
٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَىَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ أَنِّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ
ــ
قال: هو ابن إبراهيم (عمارة) بضم العين وتخفيف الميم (حصين) بضم الحاء مصغر (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيَّرون وعلى ربِّهم يتوكلون).
فإن قلت: قد سلف أن رسول الله ﷺ قال في الجارية "أُرقُوها" أو قال: "استرقوا لها فإنّ بها النظرة" قال ابن الأثير: النظر الإصابة بالعين، وقد كوى سعدًا؟ قلت: ليس الكلام في الجواز بل شأن الخُلَّص الناظرين بعين الحقيقة، هذا وقد روي عن الصديق أنه قيل له في مرضه: لو دعوت طبيبًا، فقال: الطبيب أمرضي، وقد تقدمت الرواية من غير البخاري: "مع كل واحد من هؤلاء سبعون ألفًا".
باب ما يكره من قيل وقال
٦٤٧٣ - (هُشيم) بضم الهاء مصغر (عن ورّاد) بفتح الواو وتشديد الراء (فكتب إليه المغيرة) الكاتب ورّاد كاتب المغيرة بيَّنه رواية ابن حِبَّان، فالإسناد إلى المغيرة مجازٌ
стр. 4629
وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ. وَعَنْ هُشَيْمٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . طرفه ٨٤٤
٢٣ - باب حِفْظِ اللِّسَانِ
«وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ». وَقَوْلِهِ تَعَالَى (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
٦٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ يَضْمَنْ لِى مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ
ــ
(كان ينهى عن قيل وقال) بلفظ الفعل وبناؤهما لملاحظة الضمير فيهما، والمعنى: النهي عن فضول الكلام من غير أن يتحقق صدقه، كما يفعله المتجالسون من قولهم: قال فلان كذا، وقيل كذا، وفي هذا قوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يتحدّث بكل ما سمع"، (ومنع وهات) أي: منع ما يجب إعطاؤه وأخذ ما لا يجوز، كما يفعله من لا يتأدَّب بآداب الشرع، بل يفعل ما يشتهي (ووأد البنات) كما كان يفعله أهل الجاهلية، وقد سلف الحديث بشرحه في كتاب الأدب.
باب حفظ اللِّسان
٦٤٧٤ - استدل عليه بقوله [ ﷺ ] (من كان يومن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا وليصمت) هذا من جوامع الكلام الذي خُصَّ به رسول الله ﷺ ، انظر كم اندرج تحته؟ واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨] ولا شك أن العاقل إذا تأمل أن عليه رقيبًا حاضرًا من سلطان يعتمد عليه أقواله، وسيعرضها عليه وهو واقف بين يديه، فلا يلفظ إلَّا بما يقدر على الجواب الشافي عنه (المُقدَّمي) بضم الميم وفتح الدال المشددة (أبو حازم) بالحاء المهملة سلمة بن دينار (من يضمن لي ما بين لحيته) بفتح
стр. 4630
وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». طرفه ٦٨٠٧
٦٤٧٥ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». طرفه ٥١٨٥
٦٤٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ قَالَ سَمِعَ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ». قِيلَ مَا جَائِزَتُهُ قَالَ «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ». طرفه ٦٠١٩
ــ
اللام يريد لسانه كما ترجم له (وما بين رجليه) الفرج، والمراد من الضمان القيام بالحفظ، وأشمل من هذا الحديث قوله في الحديث الآخر: "من وقى شر لقلقه ذبذبه وقبقبه دخل الجنة" اللقلق: اللسان، والذبذب: الفرج، القبقب: البطن، ولم يعرض لليد والرجل؛ لأنّ معظم المفاسد من هذه الثلاثة وأهمها اللسان، ألا ترى إلى قوله: "من صمت نجا" وفي حديث معاذ: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلَّا حصائد ألسنتهم".
٦٤٧٦ - (أبو الوليد) هشام الطيالسي (المقبري) بضم الباء وفتحها (أبو شريح) مصغر شرح، خويلد الخزاعي (الضيافة ثلاثة أيام جائزته يوم وليلة) كذا وقع وسائر الروايات: "وجائزته" بالواو، وقد أشرنا مرارًا أن يوم الجائزة أول يوم قدومه، أو يوم ارتحاله، يعطى ما يبلغ به المنزل، قولان للعلماء فيه وهذا الثاني أَوفقُ لمكان الاشتقاق، قال ابن الأثير: تكلف له في اليوم الأول ما قدر عليه وفي اليوم الثاني والثالث تقدم له ما جرت به العادة، وفي الرابع تعطيه زاد يوم وليلة وهو الجائزة، ويقال: الحيزة أيضًا.
стр. 4631
٦٤٧٧ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ». طرفه ٦٤٧٨
٦٤٧٨ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ». طرفه ٦٤٧٧
ــ
٦٤٧٧ - (إن العبد ليتكلم بكلمة ما يتبيَّن فيها) على وزن يتكثر، من البيان، أي: لا يتثبت فيها ولا يفكر في معناها (يزل بها في النار أبعد ما بين المغرب والمشرق) وفي رواية: "المشرق" واحدة، ويدل على تقديره سائر الروايات، وقيل: أراد ما بين مشرق الشتاء والصيف، وليس بشيء لمخالفته سائر الروايات، وأيضًا لو كان المراد ذلك لقال: أبعد ما بين المشرقين، كقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨].
٦٤٧٨ - (مُنير) بضم الميم وكسر النون (أبا النضر) بالضاد المعجمة، واسمه سالم (إن العبد ليتكلم بكلمة من رضوان الله تعالى) أي ممّا يوجب رضوان الله (لا يلقي لها بالًا) أي: لا يسمع لها ولا يلتفت بخاطره نحوها، وفي الأحاديث دلالة على وجوب محافظة الإنسان على لسانه، ولا يتكلم بكلمة إلَّا إذا تأمل ما عليه منها، ولا سيما عند الملوك والظلمة، وليجعل ما رواه الترمذي من قوله ﷺ : "من صمت نجا" وِرْد لسانه. ثم قال:
стр. 4632
٢٤ - باب الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ، رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». طرفه ٦٦٠
٢٥ - باب الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ
٦٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِئُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِى فَذَرُّونِى، فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِى صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنِى إِلَاّ مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ». طرفه ٣٤٥٢
ــ
باب البكاء من خشية الله
٦٤٧٩ - وروى فيه حديث أبى هريرة: (سبعة يظلهم الله بظله) وقد سلف في كتاب الجماعة وغيرها، وموضع الدلالة قوله: (رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) الفيض: سيلان مع الكثرة، وإسناده إلى العين إسناد إلى المحل مجازًا مبالغةً.
باب الخوف من الله
٦٤٨٠ - روى في الباب حديث من أوصى بنيه أن يحرقوه بعد موته خوفًا، وقد سلف في مناقب بني إسرائيل (أبي شيبة) بفتح الشين المعجمة (رِبْعي) بكسر الراء وسكون الموحدة وتشديد الياء في آخره (إذا أنا مت فخذوني فذروني) بضم الذال من الذرِّ، وبفتحها من التذرية (في يوم صائف) أي في يوم حار، قال الجوهري: أو من الناسخ: والصواب يوم صائف راح، أي: ذو ريح شديدة، كما ذكره في الحديث بعده: "إذا كان ريح عاصف" وفي الرواية الأخرى: "في يوم راح" كذا رواه ابن الأثير "في يوم راح" قال ابن الأثير: أي: يوم يشد فيه الريح، قال شيخنا: وفي رواية المروزي والأصيلي: "حازٍّ" بتشديد الزاي المعجمة، أي: يَحزي البدن بحرارته.
стр. 4633
٦٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَوْ قَبْلَكُمْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً وَوَلَدًا - يَعْنِى أَعْطَاهُ قَالَ - فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ أَىَّ أَبٍ كُنْتُ قَالُوا خَيْرَ أَبٍ. قَالَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا - فَسَّرَهَا قَتَادَةُ لَمْ يَدَّخِرْ - وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِى، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِى - أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِى - ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِى فِيهَا. فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّى فَفَعَلُوا فَقَالَ اللَّهُ كُنْ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ أَىْ عَبْدِى مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ مَخَافَتُكَ - أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ - فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ ﵀». فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فَأَذْرُونِى فِي الْبَحْرِ. أَوْ كَمَا حَدَّثَ. وَقَالَ مُعَاذٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . طرفه ٣٤٧٨
ــ
٦٤٨١ - (معتمر) بكسر الميم الثانية (قال: فإنه لم يبتئِر عند الله خيرًا) بفتح المثناة تحت والموحدة بعدها مثناة فوق بعدها همزة (فسَّرها تتادة: فلم يدّخر) وفي رواية ابن السكن "لم يأبتر" بتقديم الهمزة، قال القاضي: والمعنى واحد (وإن يَقدم على الله) بفتح الياء والدال (فاسحقوني - أو قال: فاسهكوني) متقاربان معناهما: الدق الناعم (وربي ففعلوا) هذا كلام رسول الله ﷺ ، جملة معترضة تؤكد القضية.
فإن قلت: قد وقع في كلامه ما يدل على الشك في قدرة الله تعالى، ودل عليه فعله وآخر الحديث أنه تعالى تغمده؟ قلت: قد أكثروا القول، والصواب أنه لم يكن شاكًّا في قدرة الله تعالى دلّ عليه قوله لمَّا قال له: (أي عبدي، ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك) فإنه من غاية الخوف، بخبر فلم يجد طريق الخلاص ما تقدم من حديث الضالة لمّا وجدها، من شدة الفرح قال: يا عبدي أنا ربك (فقال الله: كن، فكان) للعلماء فيه قولان: أحدهما: أن قول: كن حقيقة جرت بذكر عادة الله، أي: في إيجاد الكائنات. والثاني: أنه بمثل سرعة وجود من تعلقت بوجوده إرادته (فما تلافاه أن رحمه) "ما" موصولة، أي: الذي تداركه رحمة الله، وقيل: إلّا مقدَّرة أي إلّا رحمته، وما: نافية، وفي الحديث دلالة على أن
стр. 4634
٢٦ - باب الاِنْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِى
٦٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلِى وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَىَّ، وَإِنِّى أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَا النَّجَاءَ. فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ». طرفه ٧٢٨٣
ــ
الله إذا أراد المغفرة لا يمنعه مظالم العباد، فإنه قد ثبت أن هذا الرجل كان نبَّاشًا، وما يُقال من وصيته بالإحراق بالنار. فلعله كان جائزًا في شرعتهم توبةً، فليس بشيء لما جاء في الرواية الأخرى: "ذروني في الريح لعلّي أضل الله" قال ابن الأثير: أي أفوته ويخفى عليه مكاني.
باب الانتهاء عن المعاصي
٦٤٨٢ - (محمد بن العلاء) بفتح العين والمد (أبو أسامة) بضم الهمزة (أبو بردة) بضم الباء عامر بن أبي موسى (مثلي ومثل ما بعثني الله به مثل رجل أتى قومًا فقال: رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان) كانت العرب كثيرة الغارات، وكان الرجل إذا رأى العدو من بعيد تعرَّى ولوّح بثوبه ليري قومه. قيل: أول من فعله رجل من خثعم، كان محبوسًا في يد العدو فوجد غرة منه فرمى ثيابه وهرب، وقيل: أول من فعله عوف بن مالك يوم ذي الخلصة، ورواه بعضهم: "أنا العَربان" بفتح العين والباء الموحدة، ومعناه الفصيح، وقيل: الأول بالمد والثاني مقصور، وانتصابهما على الإغراء، من أعربَ الرجل عن حاجته إذا أفصح عنها، وهذا معنىً حسنٌ وإن لم [يكن] مشهورًا في الرواية (والنجا النجا) مصدر نجا ينجو مقصور، وقيل: ممدود والأول أوفق للمقام (فأدلجوا) بهمزة القطع من الإدلاج، وهو السير أوَّل الليل، ويروى بتشديد الدال من الافتعال وهو السير آخر الليل، والأول أوفق للمقام (فصبَّحهم الجيش فاجتاحهم) بالجيم والحاء من الجائحة وهي الآفة، أي: أغار عليهم في الصباح فاجتاحهم أي: استأصلهم.
стр. 4635
٦٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا». طرفه ٣٤٢٦
٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». طرفه ١٠
ــ
٦٤٨٣ - (جعل الفَراش وهذه الدواب يقعن فيه) الفراش بفتح الفاء وتخفيف الراء، وهو الذي نفسه في السراج، وعطف الدواب عليه لأنه غيرها، والإشارة "بهذه" إلى الجنس (ينزعهنَّ) بالزاء المعجمة، أي: يمنعهن (فيقتحمن فيه) التقحُّم والإقحام: الوقوع في الشيء من غير رويَّة (فانا آخذ بحجزكم وهم يقتحمون فيها) كذا وقع الأول بالخطاب، والثاني بالغيبة، وهو محمول على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، والنكتةُ فيه أنهم أحقاء بأن يُعرض عنهم؛ لأنّهم في عدم الفرق بين النافع والضار كالحيوانات بل أخسُّ الدواب والطير، أو عدل عن الخطاب لئلا يواجه المخاطبين بالمكروه، ومن الناس من قال: إنما عدل عن الخطاب التفاتًا، وفيه دلالة على أن من أخذ بحجزته لا اقتحام له فيها، وهذا سهو فإن في الالتفات المراد بالثاني عين الأول، وإنما الاختلاف في العبارة على أن ما قاله مخالف للحق، فإن مراده أن مع كونه أخذا بحجزتهم يغلبونه؛ ليصح التشبيه، كما في رواية مسلم: "وأنتم تغلبوني" لفظ الخطاب، ومثله أكثر الروايات في البخاري "والحُجُز" بضم الحاء وفتح الجيم جمع حُجزة وهو مَعْقِدُ الإزار. فإن الآخذ به يتمكن غاية التمكن.
٦٤٨٤ - (والمهاجر من هاجر ما نهى الله) حصر ادعاني على طريق المبالغة؛ لأن الهجرة بين الناس هي الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، فأشار هنا إلى أن الغرض من الهجرة امتثال أمر الله، فالذي يهاجر [ما] نهى الله عنه فلا هجرة له كاملة، وقد ضرب الأمثال في هذه الأحاديث مبالغةً في إمامة الحق عليه أفضل صلوات وأكمل تسليم.
стр. 4636
٢٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»
٦٤٨٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». طرفه ٦٦٣٧
٦٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». طرفه ٩٣
٢٨ - باب حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
٦٤٨٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ».
ــ
[باب قول النبي ﷺ ]: "لو تعلمون [ما] أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيْتُم كثيرًا"
لأن الخشية والخوف على قدر المعرفة، كما تقدم في أبواب الإيمان من قوله: "أنا أتقاكم وأخشاكم".
باب حُجبت النار بالشهوات
٦٤٨٧ - (وحجبت الجنة بالمكاره) وفي رواية مسلم "حُفَّت" بدل "حُجبت" والمعنى واحد لأنّ الحق هو الإحاطة وهو معنى الحجاب. وقد دل الحديث على أن من الحجاب دخل الدار إن نارًا فنارًا وإن جنة فجنة، فعلى طلب الجنة قطع مفاوز المكاره والابتعاد عن أودية الشهوات.
стр. 4637
٢٩ - باب «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ»
٦٤٨٨ - حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ».
٦٤٨٩ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ أَلَا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ». طرفه ٣٨٤١
ــ
باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله
شراك النعل بكسر الشين: سير النعل بين الأصبعين، هذا حديث الباب، وغرض الشارع من هذا حث الناس على أن لا يحقروا طاعة، فإنّ القليل من العمل مع الإخلاص عند الله كثير. ألا ترى إلى ما تقدم من أن زانية سقت كلبًا يأكل الثرى من العطش غُفر لها، وما تقدم آنفًا من أن الرجل يقول كلمة من رضوان [الله] لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بهما درجات.
٦٤٨٩ - (غُندر) بضم المعجمة ودال مهملة (عُمير) بضم العين مصغر (أصدق بيت قال الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل)
يريد به ما سوى شرع الله تعالى على لسان الرسل، والشعر للبيد، -وهو صحابي يكنى أبا عقيل من المعمرين المخضرمين، والنصف الثاني.
وكل نعيم لا محالة زائل
بريد نعيم الدنيا لما قدمنا من كونه صحابيًّا يعتقد بقاء نعيم الجنة، وقيل: أراد العموم كل شيء سوى الله هالك في نفسه، والوجه هو الأول.
стр. 4638
٣٠ - باب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ
٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ».
٣١ - باب مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ
٦٤٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا جَعْدٌ أَبُو عُثْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ
ــ
باب النظر إلى من هو أسفل منه
٦٤٩٠ - (عن أبي الزناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخلق فلينظر إلى ما هو أسفل منه) وتمام الحديث في الرواية الأخرى بقوله: "فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله" ولما قيده بالمال والخلق أي: الصورة والجمال دلّ على أن أمر الآخرة بعكس ذلك وإلَّا لضاع فائدة والعبد فعليه أن ينظر إلى من فوقه من أمور الدين وسعى أن يلحق بل على أن يفوقه.
باب من هم بحسنة أو سيئة
٦٤٩١ - (أبو معمر) بفتح الميمين وعين ساكنة (أبو عثمان) عبد الرحمن النهدي (أبو رجاء العطاردي) اسمه عمران (عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربِّه) هذا حديث قدسي من كلامه تعالى، وقيل: ليس بقدسي. ومعنى قوله: يروي أن يحكي فضله، والأول هو الصواب صرّح به في الرواية في مسلم: "إذا همَّ بسيِّئة ولم يعملها فإني أكتبها له حسنة لأنه تركها من جَرَّاي" أي: من خوفي. وسيأتي في أبواب التوحيد من رواية البخاري: "يقول الله : إذا أراد عبدي".
стр. 4639
عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً».
٣٢ - باب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ
٦٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مَهْدِىٌّ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً هِىَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِى بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ.
٣٣ - باب الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ وَمَا يُخَافُ مِنْهَا
٦٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ عَنْ
ــ
فإن قلت: من عزم على شرب الخمر ومات قبل شربه مات عاصيًا. قلت: قد أشرنا في أبواب الإيمان إلى تحقيق هذه المسألة بأن خواطر النفس من غير اختيار لا مؤاخذة عليها في شرع وإن همَّ باختياره ولم يصمّم لا يؤاخذه. وهذا من خواص هذه الأمة. وأمَّا إذا صمَّم وعزم القلب فذاك الذي يؤاخذه به كما تقدم في أبواب الإيمان في قوله: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" وإنما يؤاخذ نفس العزم لا ما عزم عليه فلا يخالف رواية ما لم يعلم.
باب ما يتقى من محقرات الذنوب
٦٤٩٢ - (غيلان) بالغين المعجمة (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر) كلام على المثل إبرازًا للمعقول في صورة المحسوس، أي: لا تُبالون بها ولا تعتدونها (إن كنَّا نعدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) فسّرها البخاري بـ (المهلكات).
باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها
٦٤٩٣ - (علي بن عياش) بالياء المثناة وشين معجمة (أبو غسان) بالغين المعجمة وتشديد المهملة (أبو حازم) -بالحاء المهملة- سلمة بن دينار. روى في الباب حديث الرجل
стр. 4640
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ نَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ فَقَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ. فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا». طرفه ٢٨٩٨
٣٤ - باب الْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ خُلَاّطِ السُّوءِ
٦٤٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ «رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ». تَابَعَهُ
ــ
الذي قاتل قتالًا (وكان من أعظم المسلمين عناءً) بالفتح والمدِّ أي: نفعًا (فقال رسول الله ﷺ في شأنه: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا) وقد سلف حديثه مع شرحه في أبواب الجهاد في باب لا يقال فلان شهيد (فقال بذباب سيفه) -بالذال المعجمة- حدّه، ومعنى قال: جعل، كأنه يستعمل في سائر الأفعال.
فإن قلت: تقدم هناك أنه ذبح نفسه بنصل سهمه!؟ قلت: لا منافاة لجواز الجمع.
ومحصل الباب أن الإنسان يجب عليه أن لا يغير يحس العمل خوفًا من سوء العاقبة، قال بعض المشائخ إذا رأيت إنسانًا يقتل مسلمًا ظلمًا لا تقل في نفسك أن تكون خيرًا منه لاحتمال أن يتوب فيغفر له وتبتلى أنت من غير توبة.
باب العزلة راحة من خُلّاط السوء
بضم الخاء وتشديد اللام: جمع خالط كحفاظ في حافظ. روى في الباب حديثين:
٦٤٩٤ - الأول عن أبي سعيد الخدري (أن أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ : أيُّ الناس خيرٌ؟ قال: رجل جاهد بنفسه. ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربَّه) والشعب -
стр. 4641
الزُّبَيْدِىُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَالنُّعْمَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَطَاءٍ أَوْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . طرفه ٢٧٨٦
٦٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «يَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْغَنَمُ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ». طرفه ١٩
٣٥ - باب رَفْعِ الأَمَانَةِ
٦٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
بكسر الشين-: الطريق بين الجبلين.
روى عنه أيضًا الحديث الذي تقدم في أبواب الإيمان من قوله:
٦٤٩٥ - (أبو نعيم) بضم النون، مصغر (الماجشون) بكسر الجيم معرب ماه كون، أي: لونه يشبه القمر (أبي صعصعة) بصاد مهملة وعين كذلك، مكررتين.
(يأتي على الناس زمان خير مال المسلم الغنم يتبع بها شَعف الجبال) -بفتح المعجمة والعين- رأس الجبل. وقد قال محمَّد بن يوسف شيخ البخاري والرواية عنه بقال: لأنه سمعه مذاكرة (الأوزاعي) بفتح الهمزة (الزبيدي) بضم المعجمة محمَّد بن الوليد.
في أمر العزلة والاختلاط فرضان، وتحقيق القول أن الإنسان ما دام قادرًا على القيام بما فرض عليه بين الناس من الأمر بالمعروف وصيانة نفسه عن الغيبة وجلساء السوء فالاختلاط أولى، وإن لم يقدر فالعزلة. ومحل الأحاديث الواردة في الحث على العزلة والواردة في النهي عنها ما أشرنا إليه.
باب رفع الأمانة
٦٤٩٦ - (محمَّد بن سنان) بكسر السين (فليح) بضم الفاء مصغر (يسار) ضد اليمين
стр. 4642
«إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». طرفه ٥٩
٦٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ،
ــ
(إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة) [فسره] بقوله: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله) كالأمراء وفسر الإضاعة: الظلمة والقضاء والفسقة. والمراد من الأمانة الحقوق اللازمة على الحكام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] فالأمر في قوله: "إذا أسند الأمر" الحكم بين العامة.
٦٤٩٧ - (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال) أي: في أصلها بالذال المعجمة؛ لأن القلب محل المعرفة. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] قال أبو عبيدة: والجذر أصل كل شيء (ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة) أي: بعد نزول الأمانة تَرقَوا إلى العلوم ومعرفة الأحكام من الكتاب والسنة (ينام الرجل فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل أثر الوكت) أي: يصير موضع رفع الأمانة كالوكت جمع وكته، وهي كالنقطة لونها يخالف لون الموضع (ثم ينام النوم فتقبض، فيبقى أثرها مثل مثل المجل) -بفتح الميم وسكون الجيم- وهو ما يحدث في اليد مثل البَشْر من أثر العمل. وفي الحديث: "شكت فاطمة إلى علي مجل يدهن من الطحن" (كجَمْر دحرجته فنفط) -بكسر
стр. 4643
فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَىْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِى فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ. وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَىَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ الإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَاّ فُلَانًا وَفُلَانًا».
٦٤٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً».
ــ
الفاء- أي: يظهر النفط، وهي شبه الجدري، وقد فسره بقوله (فتراه منتبرًا) أي: مرتفعًا من المنبر وهو الرفع، ومنه المنبر (فيصبح الناس يتبايعون) من البيع والشري (ولقد أتى عليَّ زمان ولا أبالي أيُّكم بايعت) هذا كلام حذيفة، والمراد بالزمان زمن رسول الله ﷺ ، والمراد من المبايعة: البيع والشري كما أشرنا إليه. وحمله على بيعة الخلافة خطأ لقوله: (لئن كان مسلمًا ردّه عليَّ إسلامه وإن كان نصرانيًّا). وفي رواية: "أو يهوديًّا" رواه علي (ردّه عليَّ ساعيه) قال ابن الأثير: الساعي هو الرئيس، وقيل: الحاكم والوالي. وهذا صريح في أن الأمانة كانت قائمة في أيام رسول الله ﷺ فمن قال: إن رفع الأمانة ظهر في زمن النبي ﷺ فقد قال ما لا علم له به (وأما اليوم فلا أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا) لرفع الأمانة من الناس فلا يؤدّون الأمانة والحكام يعودون بأكل الرشى لا يأخذون بحق أحد.
٦٤٩٨ - (إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة) الراحلة: البعير القوي، والتاء فيها للمبالغة والغرض أن المعرض عن الناس المعرض عن الدنيا المقبل على الآخرة قليل الوجود، والمراد من المئة الكثرة، وقيل: معناه أن الناس في الأحكام سواء لا فضل لأحد على آخر، قاله الخطابي. والوجه ما ذكرنا؛ لأن هذا لا يوافق الترجمة ولا سوق الحديث.
стр. 4644
٣٦ - باب الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
٦٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ غَيْرَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِى يُرَائِى اللَّهُ بِهِ». طرفه ٧١٥٢
ــ
باب الرياء والسُّمعة
بضم السين: من السماع كالأُكلة.
٦٤٩٩ - (سلمة بن كُهيل) بضم الكاف، مصغر كهل (أبو نعيم) بضم النون، مصغر (جُندب) بضم الجيم وضم الدال وفتحها (ولم أسمع أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ غيره) هذا كلام سلمة قيل: أراد أنه لم يبق في ذلك الزمان بذلك المكان غير جندب وليس بصواب؛ لأن سلمة كان بالكوفة وجندب صحابي صغير عاش بعده بالكوفة جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن أبي أوفى، بل أراد أنه بعد ما سمع منه هذا الحديث لم يسمع من غيره حديثًا مسندًا. (من سمّع سمّع الله به) -بتشديد الميم- يقال: سمع بالشيء إذا اشتهر به، والمعنى: من عمل عملًا أراد به إسماع الناس لا لوجه الله سمّع الله الناس، أي: كان هذا ثوابه الذي قصده. وقيل: سمع الله أي: يعلمهم أنه إنما فعله سُمعةَ فيحرم في الدنيا أيضًا، فإنه عمله للدنيا ليعتقد صلاحه. وفي رواية أحمد وغيره: "من قام رياءً وسمعة سمع الله به يوم القيامة على رؤوس الخلائق".
(ومن يرائي الله به) أي: يفعل به ما يفعل بالذي أراد السمعة. من الوجه المذكور فيه. هذا إذا فعله قاصدًا به ذلك الغرض الفاسد، وأما إذا فعله خالصًا لوجه الله فاطّلع الناس عليه فلا بأس بذلك لما روى الترمذي: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عمَّن يعمل عملًا فيطَّلع عليه الناس فيمدحونه فيسّره، قال: "ذلك عاجل بشرى المؤمن".
стр. 4645
٣٧ - باب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
٦٥٠٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضى الله عنه - قَالَ بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ إِلَاّ آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ «يَا مُعَاذُ». قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ «يَا مُعَاذُ». قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قُلْتُ «لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ». طرفه ٢٨٥٦
ــ
باب من جاهد [نفسه] في طاعة الله
٦٥٠٠ - (هُدبة) بضم الهاء وسكون الدال (همام) بفتح الهاء وتشديد الميم. (معاذ) بضم الميم آخره ذال معجمة (قال: بينا أنا رديف النبي ﷺ [ليس] بيني وبينه إلّا آخره الرحل) بفتح الهمزة والمدِّ، وفي الرواية الأخرى: (مُؤْخِرة الرحل) بضم الميم وسكون الهمزة بكسر الخاء: الخشبة التي يستند إليها الراكب. قال الجوهري: الرجل للبعيد دون البقية وعلى هذا إطلاقه على رحل الحمار مجاز على إطلاق المقيد على المطلق. (لبيك وسعديك) قد أسلفنا مرارًا أن معناه: إجابة بعد إجابة وإسعادًا بعد إسعادٍ، على أن التثنية للتكرير (هل تدري ما حق العباد على الله) العبد لا يستحق على مولاه في مقابلة عمله شيئًا والمراد به: ما وعده على لسان رسول الله ﷺ من الثواب وسمّاه حقًّا على المشاكلة، ولأنه لا يخلف الميعاد فكان ما وعده حقًّا.
فإن قلت: أين في الحديث [ما] يدل على المجاهدة؟ قلت: هذا على دأب البخاري من الاستدلال بما فيه خفاء وقد سلف في الرواية الأخرى أن معاذًا قال: "أفلا أبشر الناس؟ قال: دعهم يعملون" وفي رواية أخرى: "فلا تبشِّرهم فيتَّكلوا فحدَّث به معاذ قال عند موته
стр. 4646
٣٨ - باب التَّوَاضُعِ
٦٥٠١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - كَانَ لِلنَّبِىِّ ﷺ نَاقَةٌ. قَالَ وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِىُّ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِىٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَاّ وَضَعَهُ».
٦٥٠٢ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ،
ــ
تأثمًا": أي: خوفًا من الإثم في كتمان العلم.
باب التواضع
من الوضع، وهو تنزل الإنسان عن رتبته إجلالًا لعظمة الله وكبريائه، وإبعادًا لنفسه عن مشاكلة المتكبرين.
٦٥٠١ - (زهير) بضم الزاي، مصغر، وكذا (حُميد) كذا وقع غير منسوب. قال الغساني وأبو نصر: هو ابن سلام، وقد روى البخاري عنه في مواضع (عن مروان الفزاري) (أبو خالد الأحمر) واسمه حيان (كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمّى العضْباء) وهي لغة المشقوقة الأذن وقيل قصيرة اليد ولم يكن كذلك وإنما غلب عليه ذلك الاسم.
٦٥٠٢ - (خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء (عبد الله ابن، أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (عن عطاء) هو ابن بشار (من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب) -بفتح الهمزة والمدِّ- أي: أعلمته، ولا يخفى ما فيه من التهديد العظيم. والمراد بمعاداته الإيذاء كما وقع في رواية أحمد: "من آذى لي وليًّا" وفي أخرى "من أذلَّ وليًّا" فسقط السؤال بأن المعاداة
стр. 4647
وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى
ــ
لا تكون إلَّا من طرفين والولي لا يعادي أحدًا. على أن هذا عليه منعٌ ظاهرٌ. فإن الولي يعادي أعداء الله ورسوله.
فإن قلت: من الولي؟ قلت: عرفهم الله في كتابه. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] فإن قلت: كيف دلَّ على الترجمة؟
قلت: وجه الدلالة ظاهر فإن إيذاء الولي إذا كان بهذه المثابة فالتواضع يكون تقربًا إلى الله بخفض الجناح لوليّه.
(وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ ممّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل) أي: بعد أداء الفرائض.
فإن قلت: إذا كان أداء الفرائض أحب إلى الله تعالى فكان الظاهر أن يكون سببًا لمحبته تعالى دون النوافل قلت: أُجيبَ عن ذلك بأن النوافل حاوية لفرائضها ومشتملة عليها.
وفيه نظر؛ لأن الفرائض في قوله: "افترضته عليه" هو المقابل للنافلة، والصواب في الجواب: أن المحبة قابلة للشدة والضعف. معلوم عند كل أحدٍ.
والمراد بالمحبة في قوله: (حتى أحبه) كمال المحبة دلّ عليه ما بعده، ونظيره: من كان عليه دينٌ فأدّاه. ليس في جلب المودة مثل ما يُهدي كل يوم مقدارًا تبرُّعًا.
(فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) اعلم أن الله تعالى أجلُّ وأعلى من أن يكون سمعًا لمخلوق أو بصرًا ولا في شيء، أو محلًا له أو متحدًا به، أو مباينًا عنه، جلَّ جنابُ قُدْسِه عن ذلك، وإنما هذا الكلام على طريق المثل وذلك أن من أفرط في حبِّ شيء لا يشاهده إلَّا معناه، ولا يجول في خاطر ولا يصغي إلَّا في حديثه وقس على هذا سائر الحركات والجوارح. وهذا مقام شريف يُعبَّر عنه بالفناء في التوحيد، وإليه يشير قدوة المشايخ أبو صالح عبد القادر الكيلاني في قوله:
وناظر في سوى مرآك حق له ... يفيض من جفنيه بالدمع وهو دم
стр. 4648
لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
٣٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ»
(وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ).
٦٥٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ
ــ
والسمع إن جال فيه من تحدثه ... سوى حديثك أمسى وقره صمم
وقد يعبر بالحمد الحقيقي، فإنهم قالوا: هو صرف العبد ما أنعم الله عليه إلى ما خُلق له فلا تكون حركاته وسكناته إلَّا في طاعة الله. ولولا خوف الإطالة رخينا عنان العلم، ولكن هذا كافٍ لمن ينظر بنور الله.
(وما ترددت في شيء أنا فاعله تردُّدي في نفس المؤمن يكره الموت وأنا كره مساءته) هذا كلام على طريق المثل يدل على كرامة المؤمن عند الله تعالى. شبَّه حاله في قبض المؤمن بحال من يريد إخراج شيء من يد محبوبه وهو لا يريد ذلك فلا يزال يلاطفه حتى يظفر به.
قال بعض الشارحين: معنى قوله: "أكره مساءته" أنها هنا له في الدنيا فإنه بالموت يصل إلى النعيم المقيم وأنه بطول الحياة يصل إلى أرذل العمر. وهذا الذي قاله شيء ولم يخطر بخاطر أحد. والصواب ما أشرنا إليه وفي معناه حديث عائشة لمّا قال رسول الله ﷺ : "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه" قالت: إنا نكره الموت.
فإن قلت: أين موضع الدلالة على الترجمة؟
قلت: قد أشرنا إلى أنّ هذا مقام الفناء في التوحيد ولا مقام في التواضع فوق الفناء.
باب قول النبي ﷺ : "بُعثت أنا والساعة كهاتين"
يجوز في الساعة الرفع والنصب، بالعطف ومفعول معه.
٦٥٠٣ - (أبو غسان) -بفتح المعجمة- محمَّد بن مطرف (أبو حازم) -بالحاء المهملة-
стр. 4649
سَهْلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا». وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّ بِهِمَا.
٦٥٠٤ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الْجُعْفِىُّ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِى التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ».
٦٥٠٥ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ». يَعْنِى إِصْبَعَيْنِ. تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى حَصِينٍ.
ــ
سلمة بن دينار يروى حديث الترجمة وزاد فيه (يشير بأصبعه ويمدها) يريد السبابة والوسطى صرّح في الرواية الأخرى. قيل: أراد أنَّه لا نبيَّ بعده وقيل: أشار إلى قرب الساعة. وهذا هو الحق، لِما روى ابن الأثير: "بعثت في نسيم الساعة" وفسره بأنه أول أشراطها، وأظهر منه ما رواه الطبري: "أشار بأصبعيه وقال: إنما سبقت هذه". وأبلغ منه ما رواه الطبري أيضًا: (ما مثلي ومثل الساعة إلَّا كفرسَيْ رهان). وفي رواية الإِمام أحمد "إن كادت الساعة لتسبقني".
٦٥٠٤ - ٦٥٠٥ - (أبو التيَّاح) بفتح الفوقانية وتشديد التحتانية (أبو بكر) هو ابن عيَّاش شعبة راوي عاصم (عن أبي حصين) بفتح الحاء عثمان عن أبي صالح السمَّان واسمه ذكوان.
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذه الأحاديث وحديث جبرائيل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"؟ قلت: الأخبار .... وأماراتها لا تنافي قوله في جواب جبريل: "ما
стр. 4650
٤٠ - بابٌ
٦٥٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ،
ــ
المسؤول عنها بأعلم السائل". وما يروى من أن بقاء الدنيا سبعة آلاف سنة لا يجوز اعتقاده فإنه مخالف للكتاب والسنة منقول عن اليهود. ولم يصح في ذلك مرفوع صحيح السند إلّا أنه معلوم أن الباقي من الزمان أقل من الماضي بلا نزاع دلَّ عليه أحاديث كثيرة متواترة المعنى.
باب طلوع الشمس من مغربها
٦٥٠٦ - (أبو الزناد) -بكسر الزاي بعدها نون- عبد الله بن ذكوان (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فذلك حين لا ينفع [نفسًا] إيمانها لم تكن آمنت من قبل) وكذلك توبة المسلم، وفي الحديث دلالة على أن الإيمان قبل طلوع الشمس كاف وإن لم يكن هناك عمل.
فإن قلت: فما تقول في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فإنه يساوي بين الإيمان المحدث بعد الآية وبين الإيمان المجرد قبل الآية؟ قلت: ذكر المحققون أن الآية من قبيل اللَّفِّ والنَّشْر وملخصته لا ينفع الإيمان المحدث بعد الآية وكذا الكسب المحدث لانغلاق باب التوبة، وأما الإيمان قبل فقد صادف وقعه فلا مانع من قبوله وبهذا يقع الجمع بين الأدلة.
فإن قلت: إذا طالت المدة وولد من لم يشاهد طلوع الشمس من مغربها فما حكمه؟ قلت: ذكر بعض العلماء أن ذلك يُقبل إيمانه وتوبته والحق خلافه فإن الباب إذا أغلق لا يفتح، دلّ عليه أحاديث كثيرة والله أعلم.
فإن قلت: في رواية مسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها الدجال، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها". قلت: لا ينافي فإن طلوع الشمس متأخِّر، وقد نص
стр. 4651
وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِى فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا». طرفه ٨٥
٤١ - باب «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ»
٦٥٠٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَىْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَىْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
ــ
عليه هنا وحده وفي رواية الترمذي: "إن بالمغرب بابًا مسيرة سبعين عامًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" وهذا لا يبقى معه شبهة.
(وقد انصرف الرجل بلبنِ لِقْحَتِه) -بكسر اللام- الناقة اللبون (يليط حوضه) بضم الياء وفتحها وبالواو ويلوط أي: يصلح (وقد رفع كلته) -بضم الهمزة- اللقمة. وفي هذه الأشياء دلالة على قيام الساعة بغتة كما نطق به القرآن.
باب من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه
٦٥٠٧ - هذا حديث الباب وبعده (من كره لقاء الله كره الله لقاءه) المراد من لقاء الله: الدار الآخرة والمصير إليها، ويجوز أن يراد به الرؤية (حجَّاج) بفتح الحاء وتشديد الجيم (همَّام) بفتح الهاء وتشديد الميم. ولما كان بظنه أن يتوهم أن لقاء الله عبارة عن الموت. ولا يحب الموت أحدٌ كما أشارت إليه عائشة كشف الغطاء عند قوله: (ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته) وأظهر من هذا رواية مسلم عن عائشة
стр. 4652
اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٦٥٠٨ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
٦٥٠٩ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِىٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ». فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِى، غُشِىَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى». قُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِى كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ - قَالَتْ - فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِىُّ ﷺ قَوْلُهُ «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى». طرفه ٤٤٣٥
ــ
"أن ذاك إذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعرَّ الجلد وتشنجت الأصابع" حشرج بالحاء المهملة وشين معجمة آخره جيم أي: تردد الروح في الصدور وشَجَبُ الأصابع بفتح الباء والشين المعجمة وفتح الجيم، أي: انقبضت. قال النووي في شرحه: وهذه الحالة لا يُقبل فيها إيمان ولا توبة.
(واختصره أبو داود) والذي رواه أبو موسى هنا: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره الله كره الله لقاءه). وليس فيه ما قالته عائشة.
٦٥٠٨ - ٦٥٠٩ - (محمَّد بن العلاء) بفتح العين والمد (زُرارة) بضم الزاي بعدها ألف بعد راءين مهملتين (أبو أسامة) بضم الهمزة (عُقيل وبُكير) بضم الأول، على وزن المصغر. ثم روى حديث عائشة أن رسول الله ﷺ لمَّا نزل به الحكم بالانتقال إلى مقر الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر. (قال: اللهم الرفيق الأعلى) وهو أشراف الملائكة وسائر النبيِّين،
стр. 4653
٤٢ - باب سَكَرَاتِ الْمَوْتِ
٦٥١٠ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهَ ﷺ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، يَشُكُّ عُمَرُ - فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ». ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى». حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ. طرفه ٨٩٠
٦٥١١ - حَدَّثَنِى صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً يَأْتُونَ النَّبِىَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ مَتَى السَّاعَةُ، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ «إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ». قَالَ هِشَامٌ يَعْنِى مَوْتَهُمْ.
ــ
وقد سلف الحديث مرارًا. ووجه إيراده لدلالته على الترجمة فإنه لمَّا قال: "الرفيق الأعلى" دلّ على أنه أحب لقاء الله لما بُشِّر برضوان الله، وأي: رضوان.
باب سكرات الموت
٦٥١٠ - ٦٥١١ - (عُبيد بن ميمون) بضم العين مصغر (ابن أبي مَليكة) -بضم الميم- عبد الله روى في الباب حديث عائشة في الباب قبله من قوله عند الفراق: (اللهم الرفيق الأعلى) وزاد هنا أنه (كان بين يديه ركوة) -بفتح الراء- ظرف صغير من الجلد (أو عُلبة) -بضم العين وفتح الباء- إناء معروف من الخشب (يُدخل يده في الماء ويمسح وجهه، ويقول: لا إله إلا الله إنَّ للموت سكرات) جمع سكرة، وهي الشدة من السكر لأنها تَذهبُ بالعقل (إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن قيام الساعة فينظر إلى أصغر الناس ويقول: إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم) أي: يموت كل من في الأرض، ومعنى ذلك القرآن لا الساعة المتعارفة ولذلك قال: "ساعتكم" بالإضافة.
стр. 4654
٦٥١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِىٍّ الأَنْصَارِىِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ «مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ». طرفه ٦٥١٣
٦٥١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ حَدَّثَنِى ابْنُ كَعْبٍ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ». طرفه ٦٥١٢
ــ
فإن قلت: ما الحكمة في إطلاق هذا اللَّفظ؟ قلت: قد أشار إلى الوجه في حديث آخر من قوله: "من مات فقد قامت قيامته".
فإن قلت: سؤالهم لم يقع إلَّا عن الساعة المتعارفة بمعنى انحزام القرن فكيف طابق السؤال؟ قلت: هذا فن من البلاغة يسمَّى: أسلوب الحكيم، وهو عدولٌ عن ظاهر الجواب إلى ما هو أولى وذلك أن من علم قِصر مدة عمره فعليه الاستعداد والإسراع في العمل الصالح. فأشار إليه وعرفهم أن لا فائدة في ذلك السؤال.
٦٥١٢ - (عن أبي قتادة) واسمه الحارث وقيل غير ذلك (رِبعي) بكسر الراء وسكون الباء وتشديد الياء في آخره (مرّ بجنازة فقال: مستريح ومستراح منه) سألوه عن وجه هذا فقال: (المؤمن من يستريح بالموت من نصب الدنيا والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب).
فإن قلت: ما معنى استراحة البلاد والشجر والدواب منه؟ قلت: بشؤمه يَحبس المطر ويقع القحط وسائر الآفات.
٦٥١٣ - (مُسدَّد) بضم الميم وفتح الدال المشددة (قال: حدثنا يحيى بن عبد ربه بن سعيد) كذا في أكثر النسخ. قال الغساني: والصواب: عن يحيى عن عبد الله بن سعيد. فإن الحديث محفوظٌ عنه (حلحلة) بالحاء المهملة.
стр. 4655
٦٥١٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ».
٦٥١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا، إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ، فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ». طرفه ١٣٧٩
ــ
٦٥١٤ - (الحُميدي) بضم الحاء، مصغر (عمرو بن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، يرجع أهله وماله ويبقى عمله) المراد بالمال: الرقيق. والذي يكون على النفس من الثياب وغيرها، والمراد من العمل: ثواب العمل، وقيل: بل يجعل الله عمله في صورة أجمل إنسان يُؤنسه في قبره أو نور أرض قبره. رواه الإمام أحمد وغيره، والتبعية لا تستدعي الإرادة حتى يقال: كيف يتبع العمل؟ قال تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢].
٦٥١٥ - (أبو النعمان) -بضم النون- محمَّد بن الفضل (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوة وعشية) زيادة في سرور المؤمن وحزن الكافر.
فإن قلت: في الآية الكريمة في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦]. وفي الحديث أن المعروض هو الجنة والنار؟. قلت: الذي في الآية من باب القلب. قال الجوهري: يقال عرضت النار على القلب، من باب القلب. أصله: عرضت الحوض على الناقة.
(إما الجنة وإما النّار) الجنة للمؤمن والنار للكافر. وقيل: كلاهما خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا. وليس بشيء؛ لقوله: (هذا مقعدك) والتحقيق أن كل مؤمن وكافر يعرض عليه موضع في الجنة وموضع في النار. والذي استقر عليه حال من السعادة والشقاوة ذلك مقعده حقيقة.
стр. 4656
٦٥١٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا».
٤٣ - باب نَفْخِ الصُّورِ
قَالَ مُجَاهِدٌ الصُّورُ كَهَيْئَةِ الْبُوقِ (زَجْرَةٌ) صَيْحَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ النَّاقُورُ الصُّورُ. (الرَّاجِفَةُ) النَّفْخَةُ الأُولَى. وَ (الرَّادِفَةُ) النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ.
٦٥١٧ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالأَعْرَجِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ، رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِى اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ. فَقَالَ الْيَهُودِىُّ وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى
ــ
٦٥١٦ - (علي بن الجَعد) بفتح الجيم وسكون العين (لا تسبوا الأموات) ظاهر هذا أنه يشمل المؤمن والكافر وكذا تعليله بقوله: (فإنهم قد أَفْضَوا إلى ما قدّموا) أي: أجزائه لكن الأصحّ أنه يريد المؤمن لقوله تعالى في حق الكفار: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] ولما تقدم في الحديث أن رسول الله ﷺ أتبع أصحاب القليب اللَّعنة.
باب نفخ الصور
(قال مجاهد: الصور كهيئة البُوق) -بضم الباء- قال ابن الأثير: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وقال القرطبي: قرن من نون فيه ثقب بقدر أرواح الخلائق، (قال ابن عباس: الناقور الصور) فاعولٌ من النقر فاعول. بمعنى المفعول. قال الجوهري: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] أي: نفخ.
٦٥١٧ - (استبَّ رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود) وتقدم في مناقب موسى صلوات الله عليه أنَّ الرجل المسلم هو الصِّدِّيق واليهودي فخاص بن عاروراء (لا تخيِّروني على موسى) قد أسلفنا أن هذا كان قبل علمه بأنه سيِّد البشر. أو قاله تواضعًا، أو لا تخيروا
стр. 4657
الْعَالَمِينَ، قَالَ فَغَضِبَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِىِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُخَيِّرُونِى عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِى أَكَانَ مُوسَى فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».
٦٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَمَا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ».
ــ
على وجهٍ يُشعر بنقص في غيره، والأول هو الوجه لقوله: (فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى).
فإن قلت: هناك صعقتان: صعقة الموت فلا يستثنى منها أحدٌ وصعقة الإحياء لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ولا معنى للاستثناء هنا.
قلت: اضطرب كلام الشارحين في هذا المقام، ولم يشف أحد ولم يثق على الحق حتى زعم بعضهم أن موسى لم يمت، نقله ابن الملقِّن في شرحه، والحق أن هذه الصعقة غير المذكورتين في القرآن فإنها غشية تحصل لأهل المحشر. ألا ترى إلى قوله:
٦٥١٨ - (الناس يصعقون يوم القيامة) ظرف زمان ليصعقون يوم القيامة فلا بد وأن تكون الصعقة في ذلك اليوم ولا يشك عاقل أن من مات من زمن نوح لا معنى لكونه يصعق يوم القيامة، وإنما وقع الوهم من عدم التأمل في الحديث وكون الصعقة المذكورة في القرآن صعقتان على أنه قد روى ابن كثير ثلاث صعقات ولو لم يرو ابن كثير لا ضرورة إلخ؛ لأن قول: "الناس يصعقون يوم القيامة" نص في أن هناك صعقة شاملة لأهل الموقف إلَّا من استثنى.
فإن قلت: قد وقع الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] في صعقة الموت في سورة الزمر فما معناها؟ قلت: قد أكثروا فيه القول إلى أن بلغ عشرة أقوال والصحيح منها ما رواه الحاكم والطبري بالرواية عن أبي هريرة، ورجاله ثقات أنهم شهداء الله. وجوّز النبي ﷺ أن يكون موسى ممّن استثني وإذا كان الشهداء أحياءً بنص القرآن، يجوز أن يكون
стр. 4658
رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . طرفه ٢٤١١
٤٤ - باب يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ
رَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٦٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِى السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ». طرفه ٤٨١٢
٦٥٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ
ــ
الأنبياء أيضًا كذلك (رواه أبو سعيد عن النبي ﷺ ) تقدم مسندًا في مناقب موسى.
باب يقبض الله الأرض يوم القيامة
(رواه نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ) هذا التعليق رواه مسلم مسندًا.
٦٥١٩ - (مُقاتل) بضمّ الميم وكسر التاء (يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه) أي: السموات السبع. لقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] والمراد قدرته الكاملة وإلى ذلك الكمال أشير باليمين فإنه عبارة عن أقوى الجانبين من الإنسان على طريق الكناية والمجاز.
٦٥٢٠ - (بُكير) بضم الباء، مصغر (يسار) ضد اليمين (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ينكفؤُها الجبار بيده يوم القيامة كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر) أي: يقلبها حتى تعتدل أجزاؤها كما يفعل المسافر فإنه يقلب الخبزة، وتلك الخبزة تُسمَّى: مَلّة -بفتح الميم وتشديد اللام- يلقيها في الرماد على اليد، وقيل: الملّة هي الحفرة التي تلقى فيها الخبزة،
стр. 4659
أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلاً لأَهْلِ الْجَنَّةِ». فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ «بَلَى». قَالَ تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ فَنَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَيْنَا، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ قَالَ إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ. قَالُوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا.
٦٥٢١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِىٍّ». قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ.
ــ
واسم تلك الخبزة: الطُلمة. بالطاء المهملة. (نزلًا لأهل الجنة) النزاع عبارة عن طعام يُهيَّأُ للضيف النازل (ثم ضحك حتى بدت نواجده) -بالذال المعجمة- آخر الأسنان، والمراد من الضحك كمال التبسم، وإنما ضحك سرورًا بأنه وجد في التوراة ما أخبر به (ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟) هذا كلام رسول الله ﷺ لليهود (قال: إدامهم بالآم ونون) ثم فسَّر بالآم بالثور. ولعل إشارة أو لا لأنه لفظ يوناني كان يعرفه اليهودي بذلك الاسم وهذه معجزة منه. وشرح شيخنا يدل على أن هذا كله من كلام اليهودي.
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى يجعل الأرض خبزة ثم يطعمها لأهل الجنة مع لحم الثور والسمك؟ قلت: قال بعض العلماء: ليعلم أهل الجنة أن لا عود إلى الدنيا؛ لأن الأرض كانت على الماء والماء على متن ذلك الثور. والله أعلم.
٦٥٢١ - (يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء) العفرة: بياض غير خالص (ليس فيها معلم لأحد) أي: علامة. وذلك لاستواء أجزاء الأرض. قال تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧].
فإن قلت: ظاهر الحديث أن أهل الجنة يأكلون هذه الأرض بعد دخول الجنة. وقد روى الطبري وغيره أن الأرض تكون خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. إلى أن يفرغوا من الحساب؟! قلت: لا تنافي، يأكلون منها في الموضعين إن صحَّ ذلك الحديث، والظاهر عدم
стр. 4660
٤٥ - باب كَيْفَ الْحَشْرُ
٦٥٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِى مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا».
ــ
صحته لما روى مسلم: "أن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ : أين يكون الناس يوم تبدَّل الأرض؟ قال: على الصراط". وعُلم من حديث الباب أن معنى قوله: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] تبديل الحقيقة لا الصفات؛ لأن الخبز ليس من جنس التراب. والله أعلم بحقيقة الحال.
باب كيف يُحشر الناس
٦٥٢٢ - (معلّى بن أسد) بضم الميم وتشديد اللام (وهيب) بضم الواو، مصغر (ابن طاوس) عبد الله.
روى عن أبي هريرة [عن النبي ﷺ ] أنه قال: (يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين. واثنان على بعير وثلاثة على بعير) هذا ثالث الطرائق إلى آخر الحديث، والطرائق جمع طريقة، والمراد بها الحال والصفة. قال الجوهري طريقة الرجل مذهبه وحاله. وهذا الحشر ليس هو الحشر المعروف بعد موت الخلق، بل هذا قبل الساعة من أشراطها. كما صرح به رواية مسلم. والحشر الآخر بعده بعد موت كلِّ حي سواء تعالى وتقدس، وهذا الذي أشار إليه بقوله: "يحشر الناس حفاة عراة غرةً" وحشر ثالث إلى المقرِّ والمقام. فريق في الجنة وفريق في السعير. ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦] هذا هو الحق الأبلج.
وللشُرَّاح هنا خبطٌ عظيم حتى زعم بعضهم أنَّ ثلاث طرائق في هذا الحديث كلّهم كفَّار. وقال بعضهم: إن هذا الحديث للمتقين وكأنه فهم ذلك بأنه على الإبل فظن أن هذا بعد قيام الساعة. وكل ذلك خبط وكيف يكون الحشر يوم القيامة وعشرة على بعير؟
следующие страницы →