Полный текст (5 311 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». طرفه ١١٨٧
٥٣ - باب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا - رضى الله عنه - كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ.
٤٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَاّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ،
ــ
النبي ﷺ : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم) "من" في قوله: "من صلاتكم" تبعيضية مفعول اجعلوا (ولا تتخذوها قبورًا) هذا موضع دلالة الحديث على ما ترجمه.
وأورد عليه بأن هذا لا يدل على ما قصده لأن معنى الحديث أنكم تصلون في بيوتكم النوافل كما روى أبو داود وغيره أن ما عدا الفرائض من النوافل الأفضل أداؤها في البيوت.
قلت: اللفظ يحتمل المعنيين، وقد جاء في رواية أبي داود والترمذي والدارمي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقابر والحمام". وهذا يؤيد ما اختاره من الاحتمال، وعلى هذا الأئمة حتى قال الإمام أحمد وأهل الظاهر ببطلان الصلاة فيه.
باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب
(ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بخسف بابل) -بالموحدتين- موضع بالعراق نطق به القرآن الكريم، وخسف بابل هذا هو موضع قصر نمرود. قيل: كان طوله خمسة آلاف ذراع، وهو الذي أشير إليه في قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦].
٤٣٣ - (لا تدخلوا على هولاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين) استثناء من أعم الأحوال
стр. 597
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ». أطرافه ٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٤١٩، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢
٥٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الْبِيعَةِ
وَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِى فِيهَا الصُّوَرَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّى فِي الْبِيعَةِ إِلَاّ بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ.
ــ
أي: في حال ما من الأحوال (لا يصيبكم مثل ما أصابهم) استئناف بتقدير سؤال سئل عن الحكم في ذلك، كأنه يقول: موضع سخط الله، ألا ترى أنه لما فاتته صلاة الصبح لم يصلهما في ذلك المكان فانتقل إلى مكان فصلاها.
قال بعض الشارحين: كيف يصيب عذاب الظالمين غيرهم وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؟ قلت: لإثم ذلك فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أريد به عذاب يوم القيامة، وأيضًا من ترك التضرع فيما يجب التضرع ظالم.
هذا كلامه وخبطه من وجوه:
الأول: أن ما يصيب هؤلاء ليس عذاب أولئك بل مثله كما صرح به الحديث.
الثاني: أن قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ المراد بها عذاب القيامة -يدل على أنه في الدنيا يؤاخذ أحد بذنب الآخر في أحكام الله وهو خلاف الإجماع.
الثالث: أن قوله: ترك التضرع ظلم، حشو من الكلام، إذ لا وجوب إنما الكلام في الأولوية.
باب الصلاة في البيعة
بكسر الباء الموحدة: معبد النصارى، يرادف الكنيسة، وقيل: البيعة لليهود والكنيسة للنصارى. قال الجوهري: البيعة والكنيسة للنصارى. وقال صاحب "المحكم": البيعة صومعة الراهب.
(وقال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور) الضمير للتماثيل
стр. 598
٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ - أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ - بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ». طرفه ٤٢٧
٥٥ - بابٌ
٤٣٥ و ٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَا لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ
ــ
لأنها تكون فيها الصور. قال ابن الأثير: التماثيل جمع تمثال وهو ظل كل شيء. والمراد من الصور صور الحيوانات، ومن قال: الضمير للكنائس فقد أفسد التركيب إلا على رواية الأصيلي: والصور بالواو، وتجري الصور على البدل ولا رواية به.
٤٣٤ - (محمد) كذا وقع غير منسوب، وقد نسبه أبو نعيم وغيره محمد بن سلام (عبدة) -بفتح العين وسكون الموحدة- لقب عبد الرحمن.
(أن أم سلمة ذكرت كنيسة بالحبشة يقال لها: مارية) بالياء المثناة (أولئك قوم إذا مات العبد الصالح أو الرجل الصالح) الشك من عائشة، أولئك بكسر الكاف لأنه خطاب لأم سلمة، وكذا في تلك (أولئك شرار الخلق) بكسر الشين جمع شر صفة مشبهة كصعاب في صعب.
٤٣٥ - ٤٣٦ - (أبو اليمان) -بتخفيف النون- الحكم بن نافع (لما نزل برسول الله ﷺ ) أي: أمر الله تعالى وهو حال الموت، يفتح النون وضمها على بناء المجهول، وقال بعضهم: نزل به أي: النازلة وهو الزكام وهو شيء أخذه من كلام الجوهري ولكن لا يصح هنا إذ لم يقل أحد: إن مرضه الذي ذهب فيه إلى الله كان زكامًا، بل كان حمى مطبقة.
(فطفق) أي: شرع (يطرح خميصة له على وجهه) الخميصة كساء ذات أعلام (فإذا اغتم
стр. 599
بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. حديث ٤٣٥ أطرافه ١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥ - تحفة ١٦٣١٠ - ١١٩/ ١ حديث ٤٣٦ أطرافه ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦
٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». أطرافه في: ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦
ــ
بها كشفها عن وجهه) أي: إذا اشتد كربه منها (قال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) أي: يحذر أمته عن مثل ذلك الفعل لقبره.
فإن قلت: النصارى ليس لهم نبي سوى عيسى، وهم مطبقون على أن عيسى ليس له قبر وإن كانوا قائلين بقتله وصلبه. قلت: أجيبَ بأنهم كان [لهم] أنبياء وإن لم يكونوا رسلًا كالحواريين ومريم، ولا يصح. أما مريم فبالإجماع إذ النبوة من خواص الرجال، وكذا الحواريون. والجواب أن النصارى قائلون بأنبياء بني إسرائيل، أو المراد الأنبياء والصالحون أتباعهم. دل عليه رواية مسلم: "قبور أنبيائهم وصالحهم". ورواية البخاري في الباب: "إذا مات العبد الصالح".
٤٣٧ - (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام (سعيد بن مسيب) بضم الميم وفتح الياء المشددة وكسرها (قاتل الله) أي: لعن الله، عبر عن اللعن به لأنه أعظم ما يخافه الإنسان، وإنما خص اليهود بالذكر لأنهم أول من سن هذه السنة. واعلم أن الأئمة على صحة الصلاة في الكنائس مع الكراهة لأنها مقابر الكفرة وموضع سخط الله، وأما في قبور الأنبياء فلأنه تشبيه باليهود.
стр. 600
٥٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»
٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ - هُوَ أَبُو الْحَكَمِ - قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِى، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». طرفه ٣٣٥
٥٧ - باب نَوْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٣٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَىٍّ مِنَ الْعَرَبِ،
ــ
باب قول النبي ﷺ : "جعلت [لي] الأرض مسجدًا وطهورًا"
هذه الترجمة قطعة من حديث الباب، وقد تقدم الحديث في كتاب التيمم مع شرحه.
٤٣٨ - (محمد بن سنان) بكسر السين (هشيم) بضم الهاء على وزن المصغر (سيار) بفتح السين وتشديد الياء: (يزيد الفقير) فعيل بمعنى المفعول أي: الذي أصيب فقار ظهره.
(أعطيت خمسًا) قد سبق في كتاب التيمم أن خواصه ليست منحصرة في هذه الخمسة، بل هو أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول من يدخل الجنة مع أمته.
(وجعلت لي الأرض مسجدًا) إلا ما استثناه من المواضع السبعة وهي المزبلة والمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل (وبعثت إلى الناس كافة) -بتشديد الفاء- اسم الفاعل من كف بمعنى منع، كأن عموم الناس يمنع خروج فرد منها.
باب نوم المرأة في المسجد
٤٣٩ - (عبيد) بضم العين وفتح الباء، على وزن المصغر (أبو أسامة) -بضم الهمزة- حماد بن أسامة (عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب) الوليدة: الجارية، وأصل
стр. 601
فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطَفَتْهُ قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِى بِهِ قَالَتْ فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّى لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ فَقُلْتُ هَذَا الَّذِى اتَّهَمْتُمُونِى بِهِ - زَعَمْتُمْ - وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ قَالَتْ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينِى فَتَحَدَّثُ عِنْدِى قَالَتْ فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِى مَجْلِسًا إِلَاّ قَالَتْ
ــ
الكلمة في الطفل المولود، وكأنه أطلق عليها لصغر شأنها، وهذا الحي قيل: كانوا بالعراق (فخرجت صبية لهم، عليها وشاح من سيور) الوشاح -بكسر الواو، ويقال بالهمزة أيضًا- قال الجوهري: شيء يُعمل وينسج من أديم عريض ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحها. والسيور -جمع السير- وهو ما يقطع من الجلد (فمرت به حُدياة) -بضم الحاء وتشديد الياء- تصغير حدأة. على وزن عنبة، وكان قياسه حديئة بفتح الهمزة على وزن عنيبة إلا أنه جاء خلاف القياس ومثله في التصغير والتكثير كثير (فخطفته) بكسر الطاء، والخطف: أخذ الشيء بسرعة (فطفقوا يفثشوني حتى فتشوا قُبُلها) كان الظاهر قُبُلي لتقدم طريق التكلم، إلا أنها التفتت إلى الغيبة كراهة إسناد ذلك اللفظ الذي يهجن إسناده إلى نفسها هذا وحملها على التجريد إنما يكون في موضع يقصد المبالغة، ويجوز أن يكون من كلام عائشة، ويؤيده ما سيأتي في أيام الجاهلية بلفظ قُبُلي.
(وهُوَ ذا هُوَ) وهو مبتدأ، ذا خبره، وهو خبر بعد الخبر. أو هو مبتدأ، وذا مبتدأ ثانٍ، وهو خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون هو ضمير الشأن والجملة بعده مفسرة له، وقيل: هو مبتدأ وذا تأكيده، أو ذا خبر وهو بعده تأكيد ذا وكلاهما مردودان؛ لأن التأكيد إما لفظي أو معنوي. وما ذكره ليس من أحد القبيلين.
(فكان لها خباء في المسجد أو حِفش) الخباء -بكسر المعجمة والباء الموحدة والمد- بيت من بيوت العرب يكون من الصوف والوبر. قال أبو عبيد: ولا يكون من الشعر.
والحفش -بالحاء المهملة المكسورة وشين معجمة- البيت الصغير الرديء.
стр. 602
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِى
قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِى مَقْعَدًا إِلَاّ قُلْتِ هَذَا قَالَتْ فَحَدَّثَتْنِى بِهَذَا الْحَدِيثِ. طرفه ٣٨٣٥
٥٨ - باب نَوْمِ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الْفُقَرَاءَ.
ــ
(ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا)
أي: من أفعال الله التي أعجبت الناس، وذلك أن إتيان الحدأة بالوشاح وإلقاءها عليهم في تلك الحالة وهم يعذبونها من الأمور الغريبة غاية الغرابة.
(ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني)
ألا -مخففة- حرف تنبيه، والضمير للشأن إشارة إلى أن ذلك كان خروجها من بلاد الكفار، وسببًا للفوز بالإسلام، ورؤية أشرف الخلق، والاندراج في زمن خير القرون. وفي رواية ثابت قال: فدعوت الله أن يبرأني فجاءت الحدياة قلت: صدق الله، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه.
باب نوم الرجال في المسجد
(قال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عُكل) أبو قلابة -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجرمي، والرهط من الثلاثة إلى التسعة يختص بالرجال، وعكل -بضم العين وسكون الكاف- حيٌّ من العرب وهذا التعليق سبق مسندًا في أبواب الطهارة، وسيأتي في كتاب المحاربين.
(فكانوا في الصفة) أي: صفة مسجد رسول الله ﷺ ، اللام فيه للعهد (وقال عبد الرحمن: كان أصحاب الصفة الفقراء) سيأتي هذا التعليق مسندًا في باب السمر مع الأهل.
стр. 603
٤٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ . أطرافه ١١٢١، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠
٤٤١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ». قَالَتْ كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ شَىْءٌ، فَغَاضَبَنِى فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لإِنْسَانٍ «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ». فَجَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ــ
٤٤٠ - (مسدد) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة (عبيد الله) على وزن المصغر (عن نافع قال: أخبرني عبد الله) هو ابن عمر لأن عبد الله عند الإطلاق وإن كان ابن مسعود إلا أن نافعًا هو روي عبد الله بن عمر (وكان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في المسجد) ويقال: عزب بحذف الهمزة وهو أفصح وأكثر، وفسره بقوله: إلا أهل له) مشتق من العزوبة وهي البعد، وعند الفقهاء: هو الذي لم يصب امرأة بنكاح في عمره، فإن أصابها سلب عنه ذلك الاسم.
٤٤١ - (قتيبة بن سعيد) بضم القاف على وزن المصغر (عن أبي حازم) -بالحاء المهملة- سلمة بن دينار (جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًّا فقال: أين ابن عمك؟) يريد عليًّا، ولم يقل زوجك لأن فيه نوع استهجان، وقيل في لفظ: "ابن عمك" استعطاف، ولا يخفى بعده عن المقام (فلم يقِل عندي) -بكسر القاف- من القيلولة وهي الاستراحة بعد وقت الضحى. قال ابن الأثير: ولا يشترط النوم، وتلك الساعة تسمى القائلة كأنها تعطي القيلولة، أو هذا كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] مجاز حكمي (فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه).
فإن قلت: سيأتي في الآداب أن فاطمة قالت لما سألها عنه: هو في المسجد، فكيف يقال هنا لإنسان: (انظر أين هو)؟ قلت: لاحتمال أنه انتقل من المسجد إلى مكان آخر أو في أي جانب من جوانب المسجد.
стр. 604
هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ». أطرافه ٣٧٠٣، ٦٢٠٤، ٦٢٨٠
٤٤٢ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ.
ــ
فإن قلت: الاضطجاع لا يدل على النوم وهو الذي ترجم عليه البخاري؟ قلت: سقوط الرداء عنه بحيث يخلص التراب عليه ظاهر في النوم، على أنه ربما وقع له في رواية التصريح بالنوم.
(قم أبا تراب) نصب على النداء وكنيته المعروفة أبو الحسن، إنما قال له أبو تراب لنومه على التراب، ولصوق التراب به، وفيه منقبة جليلة لعلي ﵁، كون رسول الله ﷺ يمسح التراب عنه، ويأتي في مناقبه أن هذا الاسم كان أحب الأسماء إليه. وأما معاوية وبنو مروان إنما كانوا يسمونه أبا تراب تحقيرًا له.
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الذهن السقيم
٤٤٢ - (ابن فضيل) -بضم الفاء على وزن المصغر- محمد بن فضيل (عن أبي حازم) -بالحاء المهملة- سلمان الأشجعي، هو الراوي عن أبي هريرة حيث وقع، كما أن سلمة بن دينار هو الراوي عن سهل (عن أبي هريرة قال: رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار واما كساء) قد ذكرنا سابقًا أن أصحاب الصفة هم الفقراء الذين لا مسكن لهم ولا أهل وأنهم لم ينحصروا في عدد، وليس في قول أبي هريرة ما يدل على الحصر.
فإن قلت: كيف دل حديث أبي هريرة على الترجمة وهو النوم في المسجد؟ قلت: ذكرنا آنفًا أنه لم يكن لهم مسكن ومأوى، فبالضرورة يكون نومهم في المسجد.
فإن قلت: ما الحكم في النوم في المسجد؟ قلت: الإباحة، إلا أن مالكًا قال: الأولى لمن يجد مكانًا غير المسجد أن لا ينام فيه، وكذا حكم الأكل والشرب.
стр. 605
٥٩ - باب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ.
٤٤٣ - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ قَالَ ضُحًى - فَقَالَ «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ». وَكَانَ لِى عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِى وَزَادَنِى. أطرافه ١٨٠١، ٢٠٩٧، ٢٣٠٩، ٢٣٨٥، ٢٣٩٤، ٢٤٠٦، ٢٤٧٠، ٢٦٠٣، ٢٦٠٤، ٢٧١٨، ٢٨٦١، ٢٩٦٧، ٣٠٨٧، ٣٠٨٩، ٣٠٩٠، ٤٠٥٢، ٥٠٧٩، ٥٠٨٠، ٥٢٤٣، ٥٢٤٤، ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ٥٢٤٧، ٥٣٦٧، ٦٣٨٧
ــ
ومن فوائد الحديث: جواز المزاح وتسمية الإنسان بغير اسمه ملاطفة إذا لم يشق عليه وإلانةُ الكلام للغضبان.
باب الصلاة إذا قدم من سفر
(وقال كعب بن مالك: [كان] النبي ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه) كعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا، وهذا التعليق عنه سيأتي مسندًا في غزوة تبوك وغيرها.
٤٤٣ - (خلاد) بفتح المعجمة وتشديد الدال (مسعر) بكسر الميم وسكون [السين] (محارب) بضم الميم وكسر الراء، آخره موحدة (ابن دِثَار) بكسر الدال بعده شاء مثلثة (عن جابر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فقال: صل ركعتين).
فإن قلت: ليس في الحديث ذكر لما ترجم عليه من القدوم من السفر. قلت: كان هذا لما قدم من غزوة تبوك، وإنما أورده بهذا الطريق الذي فيه إجمال على دأبه من الاستدلال بالخفي.
(وكان لي عليه دين فقضاني وزادني) كان هذا الدين ثمن الجمل الذي باعه في الطريق، ولما وفاه الثمن زاده ورد عليه الجمل أيضًا.
стр. 606
٦٠ - باب إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ
٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ السَّلَمِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ». طرفه ١١٦٣
٦١ - باب الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
ــ
باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس
٤٤٤ - (عمرو بن سليم الزرَقي) بفتح العين وضم السين على وزن المصغر، والزرقي -بتقديم المعجمة- طائفة من الأنصار (عن أبي قتادة السلمي) -بفتح السين واللام- نسبة إلى جده الأعلى سلمة، وقيل: بكسر اللام، فارس رسول الله ﷺ ، اختلف في اسمه، قيل: اسمه الحارث، وقيل: نعمان، وقيل: عمرو (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) في رواية مسلم: أن رسول الله ﷺ كان جالسًا في المسجد فدخل أبو قتادة فجلس ولم يصل. هذا كان سبب ورود الحديث.
تمسك بظاهر الأمر على الوجوب الظاهرية، وسائر الأئمة على الاستحباب، إلا عند مالك وأبي حنيفة [في] الأوقات المنهي عنها.
باب الحدث في المسجد
٤٤٥ - (عن أبي الزناد) بكسر الزاي بعدها نون (عن الأعرج) عبد الرحمن [بن] هرمز
стр. 607
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّى عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ الَّذِى صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ». طرفه ١٧٦
٦٢ - باب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ. وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ أَنَسٌ:
ــ
(أن رسول الله ﷺ قال: إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المصلى ما لم يحدث) ظاهر لفظ الملائكة الاستغراق، والأولى حمله على الحفظة وطائفة سياحين في الأرض، لأن بعضهم كما أخبر الله عنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] "ومعنى ما لم يحدث": ما لم ينقض وضوءه، وقيل: ما لم يحدث أمرًا منكرًا كالغيبة وسائر المعاصي، وروي عن ابن مسعود أنه قال: هو حديث الأثم، وهذا إن صح عنه فهو تفسير لا يحدث مشدد؛ إذ لا رواية فيه.
(اللهم اغفر له اللهم ارحمه) تفسير لقوله: "تصلي عليه" فإن الصلاة من الاستغفار، والمغفرة: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها، والرحمة: التفضل والإحسان، وتقديم المغفرة على الرحمة لأن تحليته إنما تكون بعد التخلية.
وفي الحديث دلالة على كراهة الحدث في المسجد، ألا ترى كيف صار سببًا للحرمان عن دعاء الملائكة. وأن هذا عام في كل مُصَلٍّ، سواء كان في المسجد أو لا وإن كان متفاوتًا بحسب الأماكن والمساجد أيضًا.
باب بنيان المساجد
(وقال أبو سعيد: وكان سقف المسجد من جريد النخل) أيو سعيد: الخدري، وهذا بعض حديث ليلة القدر، والمراد مسجد رسول الله ﷺ كما سيأتي به التصريح مرارًا فلا وجه لحمله على الجنس (وأمر عمر ببناء المسجد) هو مسجد رسول الله ﷺ زاد فيه شيئًا (فقال: أَكِنّ الناس) أي: قال هذا الكلام لمن يبني، وأكن -بفتح الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون-: أمر من الإكنان، أصله: كن أي: ستر، قال الكفار: قلوبنا في أكنة، ويروى كن ثلاثيًّا، قال ابن مالك: فيه ثلاثة أوجه:
стр. 608
يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَاّ قَلِيلاً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ
ــ
ثبوت الهمزة مفتوحة، أمر من أكن وهو أجود.
وبكسر الكاف بدون الهمزة المفتوحة، من كن.
والثالث: حذف الهمزة المضمومة، من كنه فهو مكنون.
ومحصل الروايات واحد، وهو ستر الناس عن المطر ونحوه. قال شيخ الإسلام: وفي رواية: "أُكِن" بضم الهمزة وكسر الكاف على أنه فعل مضارع فاعله عمر (وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) بفتح التاء من فتنه: أوقعه في الفتنة، ورواه بعضهم بضم التاء الأولى وكسر الثانية من أفتنه، وأنكره الأصمعي، والظاهر أن إنكار عمر في التصفير والتحمير نشأ من رد رسول الله ﷺ الخميصة على أبي جهم (وقال أنس: يتفاهون فيها) أي: يتفاخرون في بنيان المساجد بالتذهيب والنقوش (ثم لا يعمرونها إلا قليلًا) -بفتح الياء وسكون [العين]- والمراد عمارتها بالصلاة وسائر العبادات من التلاوة والذكر.
(وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرنت اليهود والنصارى) الزخرفة: تزيين البناء وغيره بالزخرف وهو الذهبء قال الجوهري: الزخرف الذهب، ثم شبه به كل مموه مزوق. وما رواه عن ابن عباس بعض من حديث مرفوع، ولم يكن على شرطه.
فإن قلت: هؤلاء كلهم أنكروا تذهيب المساجد وتزيينها، فما بال الناس قاطبة على تذهيب المساجد والمدارس؟ قلت: هؤلاء لم يسندوا الحديث إلى رسول الله ﷺ ، ورأى المتأخرون في ذلك إظهار شوكة الإسلام، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
٤٤٦ - (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف وسكون الياء (أن المسجد على عهد رسول الله ﷺ كان مبنيًّا باللبن وسقفه الجريد وعمده الخشب) يريد مسجد رسول الله ﷺ ، اللام فيه للعهد. اللبن -بفتح اللام وكسر الموحدة- قال الجوهري: جمع لبنة ككلم في كلمة، وقال
стр. 609
يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ.
٦٣ - باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ
(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
ــ
ابن السكيت: ومن العرب من يقول: لبنة ولبن بكسر اللام وسكون الباء كلبدة. والجريد: غصن النخل أزيل سعفه، والعمد -بضم العين والميم وقد يسكن- جمع عمود (فزاد عمر فيه وبناه على بنيانه).
فإن قلت: إذا بناه على بنيانه كما كان في عهد رسول الله ﷺ ، أين الزيادة؟ قلت: لم يزد على مقدار المساحة ولكن رفع سمكه وجعل له سقفًا، ألا ترى إلى قوله: أكن الناس. وقوله: (في عهد رسول الله ﷺ ) في موضع الحال من بنيانه، وقيل: صفة له، ولا يفتح إلا إذا قدر متعلق الجار معرفة.
(ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة) سيأتي أنهم أنكروا عليه فيما فعل (وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة) -بفتح القاف وتشديد الصاد- الجص، وقال الخطابي: شيء يشبه الجص والأول هو الذي قاله أهل اللغة (وسقّفه) - بتشديد القاف- فعل ماض، ويروى بسكون القاف منصوبًا عطفًا على عمده، و (السّاج) -بالجيم- نوع من الخشب يؤتى به من الهند.
باب التعاون في بناء المساجد ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]
الآية نزلت في عباس بن عبد المطلب لما أسر يوم بدر فطفق المسلمون يلومونه ويذكرونه قبح صنيع المشركين، وأغلَظ عليه القول في ذلك عليٌّ. فقال: ألا تذكرون محاسن أعمالنا؟ قال علي: وأي محاسن لكم؟ قال: نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي
стр. 610
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِى ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِىٍّ انْطَلِقَا إِلَى أَبِى سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِىُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ،
ــ
الحاج ونفك العاني فنزلت.
فإن قلت: أي وجه لذكر الآية هنا وهي ناعية على المشركين قبح فعلهم؟ قلت: أورد الآية دلالة على أن المشركين -مع عدم الإيمان- كانوا يتعاونون على عمارة المسجد، فالمؤمنون أولى بذلك.
٤٤٧ - (مسدد) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة (عبد العزيز بن مختار) بالخاء المعجمة (خالد الحذاء) الحذاء بفتح الحاء وذال معجمة مشددة مع المد (عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي) هذا هو أبو الخلفاء العباسية قيل: ولد في يوم قتل علي في الليلة التي بعده ورآه علي وقال له: أبو الأملاك إلى يوم القيامة، فسماه ابن عباس باسم علي وكناه بكنيته، وكان يلقب بالسَّجَاد. قيل: كان له خمسمئة شجرة يصلي تحت كل واحدة ركعتين، فكان له كل يوم ألف ركعة.
(انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه) أي: الحديث الذي يرويه عن رسول الله ﷺ ، أبو سعيد الخدري أحد المكثرين عن رسول الله ﷺ مع صغر سنه (فإذا هو في حائط) الحائط عندهم: حديقة عليها جدران (فأخذ رداءه فاحتبى) قد سبق أن الاحتباء هو الجلوس على الوركين وجمع الركبتين إما بثوب أو باليدين، وقال بعضهم: يقال: احتبى الرجل إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وهذا الذي قاله لا يساعد اللغة ولا العرف.
(ثم أنشأ يحدثنا) أي: شرع، وقوله: يحدثنا الجملة في محل النصب خبر أنشأ لأنه من أفعال المقاربة (وعمار لبنتين لبنتين) أي: في كل حَمْلَة ولذلك كرره (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) قال ابن الأثير: ويح كلمة ترحم تقال لمن [وقع] في بلية لا يستحقها وقد تقال بمعنى المدح والتعجب، وانتصابها على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف، ويقال: ويح زيد
стр. 611
يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ». قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ. طرفه ٢٨١٢
٦٤ - باب الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ
٤٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ. طرفه ٣٧٧
ــ
وويحًا له. وقد روى بعض أهل السير أن الصحابة كانوا يمزحون معه فيحمل كل واحد منهم لبنة ويحفلونه لبنتين فكان يقول: يا رسول الله قتلوني، فقال رسول الله ﷺ : "إنما تقتلك الفئة الباغية"، وقد تواتر أنه قتله أهل الشام الذين كانوا مع معاوية.
(يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) قال ابن بطال: هذا إنما يستقيم في الخوارج إذ لا يمكن أن يكون أحد من الصحابة داعيًا إلى النار، وهذا الذي قاله ليس بشيء:
أما أولًا: فلأن عمارًا لم يدرك قتال الخوارج، بل قتل في صفين، وهذا مما لم يخالف فيه أحد.
وأما ثانيًا: فلأن قوله: أحد من الصحابة لا يدعو إلى النار، هو كذلك، لكن المراد من قوله: يدعونه إلى النار مخالفة الإمام والقيام مع الباطل، والإجماع أن الحق كان لعلي، وإذا كان الحق له، فالمخالف على الباطل إلا أن المجتهد لا يؤاخذ وان كان مبطلًا. هذا الذي يجب على كل مسلم اعتقاده.
من فوائد الحديث أن الإنسان يأخذ العلم حيث وجده ولا يستنكف. ألا ترى أن ابن عباس -مع كونه بحر العلم وحبر العرب- كيف أرسل ابنه إلى كسب العلم من أبي سعيد، وفيه من معجزاته ﷺ وقوع قتل عمار على الوجه [الذي] ذكره.
باب الاستعانة بالنجار والصناع
عطف الصناع على النجار من عطف العام على الخاص.
٤٤٨ - (قتيبة) بضم القاف على وزن المصغر (عن أبي حازم) -بالحاء المهملة- سلمة بن دينار (عن سهل أن رسول الله ﷺ أرسل إلى امرأة فقال: مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن) يعمل بالجزم على الجواب، وأجلس بالرفع على الاستئناف، تقدم في
стр. 612
٤٤٩ - حَدَّثَنَا خَلَاّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِى غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ «إِنْ شِئْتِ». فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ. أطرافه ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥
ــ
باب الصلاة على السطوح أن الغلام اسمه باقوم أو صباح أو ميمون أو قبيصة، قيل: كان غلامًا لسعيد بن العاص، وقيل: لسعد بن عبادة، وقيل: للعباس، وظاهر الأحاديث صريحة في أنه غلام المرأة الأنصارية. ووجه الجمع ظاهر.
٤٤٩ - (خلاد) بفتح المعجمة وتشديد اللام (عبد الواحد بن أيمن) بفتح الهمزة آخره نون (عن جابر أن امرأة قالت يا رسول الله: ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه).
فإن قلت: حديث جابر يدل على أن المرأة هي المبادئة في شأن المنبر، وحديث سهل يدل على أن رسول الله ﷺ هو الباديء. قلت: قول المرأة بطريق الاستفهام: ألا أجعل لك، نصٌّ في أن الابتداء منها، فيؤول حديث سهل بأنه لما أجاب رسول الله ﷺ إلى سؤالها ربما أبطأت وتعلق به قلب رسول الله ﷺ ، فاستعجل ما وعدت به، وقد يقال في الجواب: ربما أرسل يعرفها صفة المنبر، وهذا لا يستقيم؛ لأن في حديث إرساله من رواية سهيل ليس إلا ذكر الأعواد، وذكر المنبر إنما هو في حديث سؤال المرأة من رواية جابر، ولا دليل في الحديث على لزوم الوفاء بالعهد غايته أنه كان استنجاز الوعد ولم يكن ذلك على طريق الإلزام.
وفي الحديث دلالة على استحباب التقرب إلى أهل الفضل.
فإن قلت: ليس في الباب ما يدل على الشق الثاني من الترجمة؟ قلت: الاستعانة في المنبر هو الاستعانة في المسجد، فإنه من أجزاء المسجد. ألا ترى أنه صلى عليه إمامًا، وهذا على دأبه من الاستدلال بما فيه خفاء، ولو شاء أن يذكر ما يدل عليه صريحًا لذكر حديث أبي سعيد الخدري فإنه من أجزاء المسجد في بناء المسجد.
стр. 613
٦٥ - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا
٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِىَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ».
ــ
باب من بنى مسجدًا
٤٥٠ - (ابن وهب) عبد الله (أن بكيرًا) بضم الباء على وزن المصغر (عبيد الله الخولاني) بضم العين على وزن المصغر، وخولان -بالخاء المعجمة- قبيلة من عرب اليمن (سمع عثمان بن عفان يقول عند قول الناس فيه) أي: حين أنكروا عليه في زيادته في مسجد رسول الله ﷺ ، وتغييره الأوضاع التي مضى عليها رسول الله ﷺ والشيخان.
(سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى مسجدًا- قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله- بنى الله له مثله في الجنة) هذا الحديث رواه غير عثمان وغير البخاري من أصحاب السنن، وألفاظهم وإن تفاوتت إلا أنها متفقة في المقصود، وهو أن يكون البناء خالصًا لوجه الله. قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على باب المسجد بناه فلان خرج من كونه لله، وهذه مبالغة منهم، وإلا الأعمال بالنيات.
فإن قلت: ما المراد بالمماثلة؟ وكيف يكون القصر من الياقوت مثل البيت من الحجر والمدر؟ قلت: وجه الشبه المماثلة في الشرف فكما أن المساجد في الدنيا أشرف البيوت، وكذلك البيت الذي يبنى له في الجنة له شرف على سائر بيوت الجنة، يؤيده رواية أحمد: "بنى الله له أفضل منه".
فإن قلت: هذا يخص الباني المباشر بنفسه لأنه من بنى حقيقة فيه؟ قلت: هو شامل
стр. 614
٦٦ - باب يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرٍو أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا». طرفاه ٧٠٧٣، ٧٠٧٤
ــ
للمباشر والآمر المنفق على البناء، وليس فيه إشكال عند من لم يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على ما يعم الأمرين أعني: عموم المجاز، بل أقول: الثاني أيضًا صار حقيقة عرفية.
فإن قلت: أقل درجات الحسنة أن تكون بعشرة أمثالها؟ قلت: قولنا وجه الشبه المماثلة في الشرف يدفع هذا لأن البيت من الياقوت لا نسبة له إلى بيوت الدنيا. وأجاب بعضهم بأنه ربما قال رسول الله ﷺ هذا الكلام قبل نزول هذه الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] أو أن المراد جزاء هذه الحسنة من جنس العمل لا من غيره، وكلاهما ليسا بشيء، وذلك أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، ولا يمكن أن يقول مثل هذا اجتهادًا إذ ليس للرأي فيه مجال، وأما قوله: المراد أن جزاء هذه الحسنة من جنس العمل فلا يدفع الإشكال؛ لأن السؤال إنما هو في الاقتصار على المثل سواء كان من جنس العمل أو من غيره، وقد قدمنا رواية الإمام أحمد: "بنى له أفضل منه"، وأفضل يشتمل على أمثاله وأكثر.
باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد
٤٥١ - (قتيبة) بضم القاف على وزن المصغر (سفيان) هو الثوري (قلت لعمرو) هو عمرو بن دينار عن جابر (مر رجل في المسجد ومعه سهام فقال رسول الله ﷺ : أمسك بنصالها) -بكسر النون، جمع نصل- وهو الحديد الذي في عقب السهم، والغرض منه ألا يجرح إنسانًا في مروره كما صرح به في الباب.
فإن قلت: سأل سفيان عَمْرًا هل سمعت جابرًا ولم يجبه عمرو، فلا يكون الحديث
стр. 615
٦٧ - باب الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ مَرَّ فِي شَىْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا». طرفه ٧٠٧٥
ــ
مسندًا؟ قلت: اختلف أهل الحديث في ذلك. قال العراقي: إذا أصغى الشيخ إلى القارئ ولم يقر له بنعم وما أشبهه، جمهور الفقهاء والمحدثين والنظار على صحة السماع وأن ذلك كاف.
وفقه الحديث وجوب احترام المسجد والمحافظة على المسلمين لئلا يصل إليهم ضرر منه.
باب المرور في المساجد
٤٥٢ - (أبو بردة بن عبد الله) وقوله: (عن أبيه) يريد أبا موسى الأشعري هو أبو بردة الثاني (من مر في شيء من مساجدنا وأسواقنا) يريد مساجد المسلمين وأسواقهم كافة (بنبلٍ فليأخذ بنصالها لا يعقر بكفه مسلمًا) قال ابن الأثير: النبل سهام العرب لا واحد له من لفظه، وإنما خصه بالذكر لأن الكلام مع العرب، ويقاس عليه كل ذي نصل يخاف من ضرره، وقوله: "لا يعقر" بالجزم على الجواب، وقوله: "بكفه" متعلق بقوله: "فليأخذ" وقدم عليه "لا يعقر" اهتمامًا مع عدم اللبس، وقد جاء في رواية أبي أسامة هكذا: "فليمسك على نصالها بكفه" وفي رواية مسلم "فليأخذ بنصالها". ومنهم من قال: يجوز أن يراد من الكف اليد أي: لا يعقر بيده أي: باختياره وأن يراد منه كف النفس أي: لا يعقر بكفه نفسه عن الأخذ. انظروا هذه الخيالات التي يشرح بها كلام أفصح البشر؟!
فإن قلت: ما الفرق بين ترجمة هذا الباب والذي قبله؟ قلت: الأولى في بيان وجوب
стр. 616
٦٨ - باب الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِىَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَعَمْ. طرفاه ٣٢١٢، ٦١٥٢
ــ
الأخذ بالنصال عند المرور، والثانية في بيان جواز المرور لمن يأخذ بالنصال، والحديث الثاني أعم وأشمل وقد قيل غير هذا مما لا يعول عليه، وأما تخصيص أبي موسى بباب المرور مع أن حديث جابر يدل عليه أيضًا؛ فلأن لفظ المرور فيه من كلام رسول الله ﷺ دون حديث جابر.
باب الشعر في المسجد
٤٥٣ - (الحكم بن نافع) بفتح الكاف (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بفتح السين واللام (سمع حسان بن ثابت الأنصاري) هو ابن منذر بن حرام الخزرجي النجاري شاعر رسول الله ﷺ يكنى أبا الحسام، عاش مئة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذا آباؤه الثلاثة عاش كل واحد مئة وعشرين سنة، كلهم شعراء، وكذا ابنه عبد الرحمن.
(يستشهد أبا هريرة) يطلب منه أن يشهد له (أنشدك الله) قال ابن الأثير: يقال: نشدتك وأنشدتك وناشدتك أي: سألتك، وأصل النشدة الطلب (هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ اللهم أيده بروح القدس؟ قال أبو هربرة: نعم).
فإن قلت: ما مراده بأجب؟ قلت: جواب هجاء المشركين، وفي رواية لمسلم: "اهجوا المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل"، وسيأتي من رواية عائشة أن رسول الله ﷺ كان يضع منبرًا لحسان في المسجد ويقول: "إن روح القدس معك".
стр. 617
٦٩ - باب أَصْحَابِ الْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِى، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. أطرافه ٤٥٥، ٩٥٠، ٩٨٨، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٥١٩٠، ٥٢٣٦
ــ
فإن قلت: ما وجه ذكر روح القدس في هذا الموطن؟ قلت: روح القدس هو جبريل وهو مظهر العلم والحكمة فيلهم المعاني المرادة.
فإن قلت: كان الظاهر أن يقول أجب عني، فلم عدل عنه؟ قلت: لفظ رسول الله ﷺ فيه مخافة توجب القيام بأمره، والسعي في طاعته من حيث إنه رسول الله ﷺ بخلاف الضمير فإنه خال عنه.
وفقه الحديث جواز إنشاد الشعر في المساجد إذا كان مدح رسول الله ﷺ أو علماء الدين، واستحباب الانتصار لأهل الفضل، وأن لا يخاطب السفيه ابتداءً، وجواز إطلاق الشهادة على الخبر والرواية.
فإن قلت: ليس في الحديث ما يدل على إنشاد الشعر في المسجد كما ترجم له؟ قلت: قيل: اختصره البخاري لشهرته. قلت: هذا لا يصح؛ إذ لو اشتهر لم يخف على عمر وأمثاله؛ بل الجواب أنه أشار على دأبه [في] الترجمة إلى حديث آخر خارج الباب، وهو ما رواه في بدء الخلق أن ذلك القول كان ورسول الله ﷺ في المسجد.
باب أصحاب الحراب في المسجد
أي بيان حكم أصحاب الحراب -بكسر الحاء- جمع حربة، كقطاع في قطعة.
٤٥٤ - (إبراهيم بن سعد) بفتح السين وسكون العين (أن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون) الحبشة: طائفة من السودان معروفون (ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم) -بفتح اللام وكسر العين- الحاصل بالمصدر، وبكسر اللام وسكون العين: المصدر، واللعب كل شيء يُجْلَبُ به السرور، كما أن اللهو ما يدفع به الهموم والغموم.
стр. 618
٤٥٥ - زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. طرفه ٤٥٤
ــ
فإن قلت: كيف أباح لهم اللعب في المسجد مع قوله للأعرابي: "إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله والصلاة"؟ قلت: اللعب بالحراب فيه تمرين الجوارح والحذق في آلة الجهاد.
فإن قلت: كيف جاز لعائشة النظر إلى الأجانب مع ما روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة: أنها كانت هي وميمونة غند رسول الله ﷺ فأقبل ابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه" قلنا: إنه أعمى، فقال: "أفعمياوان أنتما"؟ قلت: أجيب بأنّه إنما مكنها لتضبط حركاتهم وترويها لغيرها. وليس بشيء؛ إذ ليس في رواية عائشة شيء من كيفية اللعب، وإنما ساقت الحديث لبيان حسن أخلاق رسول الله ﷺ .
والصواب في الجواب: أن عائشة كانت صغيرة كما صرحت بذلك في الرواية الأخرى من قولها: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، وأيضًا ليس في الحديث أنها نظرت إليهم؛ بل قولها: أنظر إلى لعبهم، صريح في أنها لم تنظر الرّجال، وبهذا التقرير والتحقيق سقط ما قال بعضهم: إن في الحديث دلالة على جواز نظر النساء إلى الرّجال.
٤٥٥ - (وزاد إبراهيم [بن] المنذر) إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري، هو الذي تقدم في الإسناد الأول؛ فلا تعليق كما ظُنَّ، والذي زاده هو لفظ: (بحرابهم) فإن روايته عن صالح كانت خالية عنه.
стр. 619
٧٠ - باب ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِى. وَقَالَ أَهْلُهَا إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِىَ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَنَا - فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ «ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ - وَقَالَ سُفْيَانُ
ــ
باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد
٤٥٦ - (علي بن عبد الله) المديني (يحيى) هو القطّان (عَمْرَة) -بفتح العين وسكون الميم- بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية، هي الراوية عن عائشة حيث وقع لفظة عمرة.
(عن عائشة قالت: "أتتها بريرة تسألها في كتابتها) بريرة -بفتح الباء وراء مكررة مهملة، على وزن حليمة- بنت صفوان القبطية، جاءت تسأل في الاستعانة على أداء الكتابة، من سأله الشيء لا من سأله عن الشيء، والكتابة: شراءُ العبد أو الأمة نفسه، وسُمِّيَ هذا العقد كتابة؛ لأنه مما يكتب، لأنه يكون منجمًا إمّا وجوبًا كما قاله الشافعي والإمام أحمد، وهو المنصوص عن مالك؛ أو لأنَّ العبد لا يقدر على الوفاء في الحال.
(قال أهلها: إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا) الولاء ميراث المعتق، اشتقاقه من الولاية؛ لأنه أمر حكمي ليس لأجل النسب، إلا أنه لازم لزوم النسب، لا يجوز أن يكون لغير المعتق؛ كالمواريث المقدرة لا يجوز نفيها وإثباتها للغير.
(فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك) أي: ذكرت له، حُذف الجار وأوصل الضمير، ويروى بالتشديد بناء على سبق علم رسول الله ﷺ بذلك مجملًا، فلا حاجة إلى التقدير.
(فقال: ابتاعيها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق) أي: قال لها: "اشترطي لهم الولاء" كما جاء في سائر الروايات، فإن البخاري أورد الحديث في مواضع بأطول من هذا، واتفق العلماء على غزارة المسائل في حديث بريرة، وأفرده بعض العلماء بالتصنيف حتى ذكروا أن فيه ثلاثمئة حكم شرعي، ونحن نذكر في كل موضع ما قصد البخاري من الاستدلال به. قوله: (إنما) يفيد القصر إما حقيقيًّا وإما إضافيًّا، وهنا إضافي، أي: الولاء لمن أعتق لا لمن
стр. 620
مَرَّةً فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ - فَقَالَ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ». قَالَ عَلِىٌّ قَالَ يَحْيَى وَعَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ. أطرافه ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠
ــ
باعَهُ، فلا ينافي ولاء التاجر.
فإن قلت: اللام في قوله: "لمن أعتق، تدل على الاختصاص، فكيف جاز لغيره أخذه؟ قلت: هو مختص به عند وجوده وعدم وارث من النسب، وإذا لم يكن موجودًا فقد قال الشارع: فهو لأولى عصبة ذكر.
(من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة مرة) المراد من كتاب الله: هو القرآن؛ لأنه علم له في عرف الشرع، والمراد بكون الحكم في كتاب الله: أن يكون منصوصًا أو مأخوذًا من رسول الله ﷺ لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، ومن قال: يحتمل أن يكون المراد بكتاب الله اللّوح المحفوظ فقد أفسد معنى الحديث؛ لأن كل كائن في اللوح، سواء كان حقًّا أو باطلًا.
وقوله: "وإن اشترط مائة مَرة" الغرض منه التكثير؛ لأنه لو زاد على المائة [لم] يتغير الحكم (قال عليٌّ: قال يحيى وعبد الوهاب عن يحيى عن عمرة) أشار بهذا إلى أن الحديث من طريق يحيى وعبد الوهاب موقوف على عمرة؛ ذكره لقوته لما قدمه من السند المرفوع، [ويحيى] الأول هو القطّان، والثاني هو ابن سعيد (وقال جعفر بن عون عن يحيى: سمعت عمرة، سمعت عائشة) أي: في رواية جعفر عن يحيى لفظ سمعت بينه وبين عمرة، وكذا بينه وبين عائشة، بخلاف رواية سفيان عن يحيى، وسفيان يدلس، ففي هذا الطريق ارتفع وَهْمُ التدليس والانقطاع.
وفقه الحديث جواز عقد الكتابة، وقال به الإمام أحمد في رواية وجوبًا إذا طلب العبد، وفيه دلالة أيضًا على جواز بيع المكاتب إن رضي.
فإن قلت: روى أبو هريرة مرفوعًا: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم الرجل يبيع
стр. 621
٧١ - باب التَّقَاضِى وَالْمُلَازَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِى حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ
ــ
ويشتري في المسجد فقولوا لا أربح الله بيعك" فكيف ذكر رسول الله ﷺ البيع والشراء في المسجد؟. قلت: المنهي عنه نفس البيع والشراء، لا ذكر اللفظ الدّال عليها، والذي وقع من رسول الله ﷺ هو الثاني في ضمن تعليم الأحكام، وروى مالك عن عطاء بن يسار: أنّه كان: إذا رأى من يبيع أو يشتري في المسجد يقول: عليك بالسوق؛ فإن المسجد سوق الآخرة.
ومن آداب الواعظ أن لا يواجه الإنسان بما يكره، بل يطلق القول؛ كما كان يفعله رسول الله ﷺ من قوله: "ما بال أقوام يفعلون كذا".
باب التقاضي والملازمة في المسجد
٤٥٧ - (كعب بن مالك): بن أبي كعب بن كعب بن سواد الخزرجي السلمي أحد الشعراء، وأحد الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وسيأتي حديثه بطوله.
(تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه) أي: طلب منه قضاء دين له عليه، وابن أبي حدرد اسمه: عبد الله، وأبو حدرد -بالحاء المهملة ودال كذلك- اسمه سلمة، وقيل: عبد الله وقيل: أسيد صحابي أيضًا، ذكره ابن الجوزي، وروى الطبراني في المعجم: أن قدر الدَّين كان أوقيتين (فخرج إليهما) أي: رسول الله ﷺ (حتى كشف سجف حجرته) -
стр. 622
فَنَادَى «يَا كَعْبُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَىِ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُمْ فَاقْضِهِ». أطرافه ٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦، ٢٧١٠
٧٢ - باب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ
ــ
بكسر السين وسكون الجيم- هو الستر، وقيل: بشرط أن يكون رقيقًا، قيل: لا يكون سجفًا إلا إذا كان وسطه مشقوقًا، يكون على الباب.
فإن قلت: جاء في بعض الرّوايات: مرّ بهما رسول الله ﷺ ، وقيل: المرور محمول على المرور المعنوي لا الحسّي، وهذا كما ترى شيءٌ لا ضرورة إليه؟ قلت: لا منافاة، مرّ بهما وهو يتقاضاه، فلما ارتفعت أصواتهما خرج إليهما ثانيًا.
(فنادى: يا كعب. قال: لبيك يا رسول الله، قال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه. أي: الشطر) قد سبق أنّ لبيك أصله: إلبابين تثنية مصدر ألبّ بالمكان، إذا أقام به، ثم أضيف فسقطت النون بالإضافة، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا.
وفقه الحديث: جواز مطالبة الدّين في المسجد، وأنّ الأولى عدمه، واستحباب التوسط بين الغريمين، والسعي في أن يصلح بينهما، وأن الإشارة إذا كانت مفهمة يجوز الاعتماد عليها.
فإن قلت: ليس في الباب ما يدّل على الملازمة. قلت: قيل تعلم من الشفاعة وليس كذلك، بل أشار كما هو دأبه إلى حديث رواه في كتاب الصلح: أن كعب بن مالك لقي عبد الله بن عبد الرداني ابن حدرد فلزمه.
باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان
الخرق -بكسر الخاء- جمع خرقة، كرِيَب في ريبة، والقذى جمع قذات، وهي ما يقع في الشراب والماء من تراب أو تبن أو نحوه.
стр. 623
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ - أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِى بِهِ دُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ». - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. طرفاه ٤٦٠، ١٣٣٧
ــ
٤٥٨ - (سليمان بن حرب) ضد الصلح (حماد) بفتح الحاء وتشديد الميم (عن أبي رافع) اسمه نقيع، بضم النون على وزن المصغّر.
(عن أبي هريرة: أن رجلًا أسود أو امرأة سوداءَ كان يقُمُّ المسجد) ذكَّر الضمير في كان باعتبار الشخص وذكر في باب الخدم في المسجد: ولا أراه إلا امرأة، وفي بعض الرّوايات امرأة من غير شك. قال البيهقي: امرأة اسمها أم محجن، وروى الدارقطني: رجلًا من غير شك. والقم -بفتح القاف وتشديد الميم-: كنس القمامة، وهي الكناسة. وفي الحديث: أن طائفة من الصحابة كانوا يقمون شواربهم. أي: يحلقونها، وأصلُّ القم استئصال الشيء (فسأل النبي ﷺ عنه. فقالوا: مات. فقال: أفلا كنتم آذنتموني؟) بفتح الهمزة والمدّ: أي أعلمتموني موته (فأتى قبره أو قبرها، فصلى عليه أو عليهما) دلّ على تكرار الصلاة على الميت، وعلى الصلاة عليه بعد الدّفن، وإليه ذهب الشافعي وأحمد.
وفيه دلالة على استحباب كنس المسجد وحمل القذى منه، والترغيب في اتباع الجنائز لا سيما الفقراء والصالحين، وفيه الدلالة على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ ، والرّأفة بالضعفاء والفقراء. وروى ابن أبي شيبة: أنّ رسول الله ﷺ كان يتبع غبار المسجد بجريدة.
فإن قلت: ليس في الباب ما يدل على التقاط الخرق والقذى والعيدان. قلت: جاء في
стр. 624
٧٣ - باب تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِى حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا أُنْزِلَ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ. أطرافه ٢٠٨٤، ٢٢٢٦، ٤٥٤٠، ٤٥٤١، ٤٥٤٢، ٤٥٤٣
ــ
رواية: أنها كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد. وفي رواية أخرى: يلتقط القذى. فأحاله عليه كما هو دأبه.
باب تحريم تجارة الخمر في المسجد
فيه مضاف مقدر، أي: باب ذكر تحريم، وبه يتعلق الجار في المسجد.
٤٥٩ - (عبدان) على وزن شعبان، اسمه عبد الله (عن أبي حمزة) -بالحاء المهملة- محمد بن ميمون (عن الأعمثس) سلمان بن مهران (لما نزلت الآيات في سورة البقرة في الرّبا فخرج النبي ﷺ إلى المسجد فقرأهنَّ على الناس، وحرّم تجارة الخمر) الآية التي في شأن الرّبا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال القاضي عياض: تحريم الخمر في سورة المائدة، وآية الربا في أواخر ما نزل، فبينهما مدّة متطاولة، فيحتمل أن يكون النهي عن تجارة الخمر متأخرًا عن تحريمها، ويحتمل أن يكون أخبر بتحريم تجارة الخمر حين حرمت، ثمّ لما نزلت تحريم الربا فذكر ثانيًا تحريم التجارة في الخمر ليسمع من لم يُبلغ.
قلت: هذا الاحتمال هو الصّواب لِمَا روى أنس: أنه لما حُرِّمت الخمر أراقوها حتّى جرت في الأزقة. ولو كانت التجارة فيها جائزة لما أراقوها، وأيضًا لمّا هُدِيَ إلى رسول
стр. 625
٧٤ - باب الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِى مُحَرَّرًا) لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهُ.
٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلاً - كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - وَلَا أُرَاهُ إِلَاّ امْرَأَةً - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. طرفه ٤٥٨
ــ
الله ﷺ راوية من الخمر، وأخبر أنها حرمت فقال الرّجل: أبيعها يا رسول الله؟ فقال: "الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها" وروى الترمذي عن أنس: لما حرمت الخمر كان عندنا خمر ليتيم فقلت: يا رسول الله عندنا خمر ليتيم فقال: "أريقوها".
باب الخدم في المسجد
الخدم -بفتح الخاء والدال- جمع خادم، كغيب في غائب، والخادم يطلق على الذكر والأنثى (وقال ابن عباس: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] للمسجد يخدمه) أشار ابن عباس إلى ما أرادت منه أم مريم من لفظ التحرير، وهو الخدمة لا المعنى المتعارف وهو إعتاق الرّقيق.
٤٦٠ - (أحمد بن واقد) بالقاف (حمّاد) بفتح الحاء وتشديد الميم (عن أبي رافع) اسمه نفيع على وزن المصغر.
(فذكر حديث النبي ﷺ ) أي: أبو هريرة، هذا من كلام أبي رافع (أنه صلّى على قبره) بدل من حديث النبي ﷺ بدل بعض؛ لأن الحديث فيه غير الصلاة، من كيفية السؤال والجواب، وقد استوفينا الكلام في معنى الحديث في باب كنس المسجد.
وفي الحديث دلالة جواز خدمة المساجد لتقرير رسول الله ﷺ ذلك، مع كونه شرعًا قديمًا.
стр. 626
٧٥ - باب الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ
٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَىَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَىَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِى اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِى سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِى مُلْكًا لَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى». قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا. أطرافه ١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣، ٤٨٠٨
ــ
باب الأسير والغريم يربط في المسجد
الأسير: فعيل بمعنى المفعول من الإسار -بكسر الهمزة- وهو القيد الذي يربط به الأسير، ثم اتسع فيه فأطلق على كل مأخوذ وإن لم يكن مربوطًا به.
٤٦١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه (روح) بفتح الراء وسكون الواو. (محمد بن زياد) بكسر الزاي بعدها ياء.
(عن النبي ﷺ : إنّ عفريتًا تفلَّت علي البارحة) العفريت -بكسر العين- من العفر -بفتح العين والفاء- وهو التراب، يطلق على كلّ شرير من الإنس والجن؛ ولذلك قيد في القرآن الكريم والحديث بالجن. ومعنى "تفلت" تعرض فجأةً من الفلتة؛ وهي كل فعل وقع بغتة، ومنه قول عمر في بيعة الصدّيق: كانت فلتة.
والبارحة: الليلة التي أنت في يومها، من البراح، وهو الزّوال؛ لأنها خلت ومضت (أو كلمة نحوها) أي: تؤدي هذا المعنى وإن لم يكن اللفظ هذا (فأردت أن أربطه إلى سارية) صلة الربط الباء، وإنما عداه بإلى لتضمين معنى الإسناد (فذكرت قول أخي سليمان) أي: ابن داود عليه وعليهما الصلاة والسلام ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] ومن ذلك الملك: تسخير الجن، فاحترمه ليكون دعاؤه مقبولًا عند الله.
وفي الحديث دليل على جواز رؤية الجن، وأمّا قوله تعالى في حق الجن: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] فلا دلالة فيه على عدم الجواز؛ لأنّ مساق الآية الكريمة التحذير من شرّهم لخفاء كيدهم، واستدلال ابن بطال بالآية -على أن رؤية العفريت
стр. 627
٧٦ - باب الاِغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ
وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأْمُرُ الْغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ.
٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ،
ــ
خُصَّ به رسول الله ﷺ كما خصّ برؤية جبريل على صورته، وكذا رؤية الشيطان على صورته لم يقع لأحد غير رسول الله ﷺ لا يتمُّ كما أشرنا إليه، وقد نقل عن السلف رؤية الجن، وحديث أبي هريرة في البخاري أنه رأى إبليس وخاطبه ثلاث ليال على الولاء، كما يأتي في أبواب الزكاة.
باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد
في بعض النسخ: وكان شريح يأمر أن يحبس الغريم إلى سارية المسجد، والظاهر أن هذا سهو من الكتاب؛ لأن هذا يناسب الباب الذي قبله: ربط الغريم في المسجد. وشريح: هو ابن الحارث الكندي، ولاّه عمرُ قضاء الكوفة، واستمر قاضيًا ستين سنة.
٤٦٢ - (بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد) أي فرسان خيل، مجاز مشهور. قال ابن الأثير: قِبَل -بكسر القاف وفتح الباء- الجهة، وكل ما ارتفع من الأرض فهو نجد، إلا أنّه غلب على ما دون الحجاز من أرض العراق (فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال)
стр. 628
فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. أطرافه ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢
ــ
قال الجوهري: وبنو حنيفة أولاد حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وثمامة -بضم الثاء، وأثال -بضم الألف بعده ثاء مثلثة- سيد أهل اليمامة، وسيأتي أنه كان معتمرًا (فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج رسول الله ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة) سيأتي مرارًا أنه ربطه ثلاثة أيام، وكل يوم يقول له: "ما عندك يا ثمامة؟ " وهو يقول: عندي ما أقول لك، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وان ترد مالًا فاسأل تُعط ما شئت.
والحكمة في ربطه في المسجد ثلاثة أيام يسمع القرآن والذكر ويشاهد محاسن الإسلام.
(فانطلق إلى نخل قريب من المسجد) أي: إلى حديقة من الحدائق، وفي بعضها بالجيم والنخل: الماء القليل (فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله) وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان: أنه لما أُطلق أسلم، فبعثه رسول الله ﷺ إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل.
وقال بوجوب الغسل الإمام أحمد إذا أسلم الكافر، وأبو حنيفة باستحبابه، وكذلك الشافعي، إلا أن تكون به جنابة بناء على أن الكافر يخاطب بالفروع.
فإن قلت: أيُّ تعلق للاغتسال بعد الإسلام بأبواب الصلاة؟ قلت: تحيّر فيه الناظرون في هذا الكتاب [منهم] من خطأ المصنف، ومنهم من أجاب بما لا يجوز ذكره.
والصواب في الجواب: أن البخاري لما كان بصدد أحكام المساجد، وثمامة كان في
стр. 629
٧٧ - باب الْخَيْمَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيْرِهِمْ
٤٦٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِى الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِى غِفَارٍ - إِلَاّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِى يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. أطرافه ٢٨١٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢
ــ
المسجد ثلاثة أيام وهو كافر، فأشار البخاري إلى أن غسله لم يكن لدخول المسجد بل للإسلام، فيدل على جواز دخول الكافر المسجد.
وفقه الحديث: جواز دخول الكافر المسجد، واستثنى الشافعي المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وجوّز أبو حنيفة دخول الكتابي دون غيره.
باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم
٤٦٣ - (زكرياء بن يحيى) بالمدّ والقصر (عبد الله بن نمير) بضم النون على وزن المصغر.
(أصيب سعد يوْم الخندق في الأكحل) هو سعد بن معاذ سيد الأوس، عظيم القدر عند الله، اهتزّ عرش الرحمن لموته فرحًا بقدوم روحه، ونزل جبريل معه سبعون ألف ملك لم يطؤوا الأرض تشيعًا لجنازته. والأكحل: على وزن الأحمر، عرق في العضد، يفصد منه، ويقال له نهر البدن؛ لأن له إلى كل عضو شعبة، فإذا قطع لم يرقَأ دمه (فلم يرعهم -وفي المسجد خيمة لبني غفار- إلا الدم) الضمير في يرعهم لبني غفار، والكلام على تقدير التقديم والتأخير، أي: وكان في المسجد خيمة لبني غفار فلم يرعهم، وبنو غفار رهط أبي ذر. والرّوع -بفتح الراء- الخوف، كأنه مأخوذ من الرّوع -بضم الراء- وهو القلب لأنه محل الخوف، فاشتق له من اسمه (فإذا صعد يغذو جرحه) إذا للمفاجأة، ويغذو -بالغين المعجمة، وذال كذلك- أي: يسيل (فمات فيها) أي: في تلك الجراحة، وقيل: الضمير
стр. 630
٧٨ - باب إِدْخَالِ الْبَعِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَافَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ.
٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّى أَشْتَكِى. قَالَ «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ
ــ
للخيمة وليس بشيء، وسيأتي حديثه بأطول من هذا.
وفي الحديث دلالة على جواز كون المريض في المسجد، وللسلطان والحاكم أن ينقل المريض إلى موضع يَخِف الترداد إليه.
باب: إدخال البعير في المسجد للعلّة
البعير اسم الجنس يقع على الذكر والأنثى من الإبل (وقال ابن عباس: طاف النبي على بعير). سيأتي في كتاب الحج مسندًا من رواية عكرمة.
٤٦٤ - (عن محمد بن عبد الرّحمن بن نوفل) بفتح النون وسكون الواو وفتح الفاء (عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي) الشكوى: الإخبار عن مكروه أصاب الإنسان، والإشكاء افتعال من الشكاية، وهي المرض، قاله ابن الأثير (قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) هذا موضع الاستدلال، فإنها كانت راكبة البعير (يقرأ بالطّور) أي: بالسورة المسماة بهذا الاسم، ولذلك لم يذكر الواو.
فإن قلت: فأيّ حاجة إلى قولها: ﴿كِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ [الطور: ٢]؟ قلت: لئلا يتوهم آية أخرى مما ذكر فيها الطور، كما تقول: زيد العالم أيضًا جاء حذرًا من اللبس.
واختلف العلماء في جواز إدخال الدّواب المسجد، فقال مالك: يجوز في مأكول اللحم بناءً على طهارة بوله وروثه، وأما الطواف راكبًا فالجمهور على كراهته للقادر، وقال مالك وأبو حنيفة: يعيده ما لم يبعد إلى مثل الكوفة، فإن بعد صحّ وعليه دم
стр. 631
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. أطرافه ١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣
٧٩ - بابٌ
٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. طرفاه ٣٦٣٩، ٣٨٠٥
ــ
(ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت) أي: واصلًا إليه؛ لأنّ مقام إبراهيم كان هناك وإنما نقله عمر إلى المكان الذي الآن به لما ذهب به السيل.
فإن قلت: حديث أم سلمة ظاهر الدلالة على الترجمة؛ لأنها كانت مريضة فأي وجهة لتعلق حديث ابن عباس بالترجمة؟ قلت: العلة لا تنحصر في المرض وقد قال جابر: إن رسول الله ﷺ طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه، ويجوز أن يكون إشارة إلى ما رواه أبو داود: أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته.
باب
كذا وقع من غير ترجمة، قال ابن بطّال: كان المناسب أن يترجم له: باب ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وأنا أقول: كان المناسب أن يقول: باب فضل من مشى إلى المساجد في الظلام، فإن الحديث الذي أورده في الباب من إضاءة المصباحين إنما كان بعد انصراف الرجلين من صلاة العشاء.
٤٦٥ - (محمد بن المثنى) بضم الميم وتشديد النون (معاذ بن هشام) بضم الميم آخره ذال معجمة.
(أنّ رجلين خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين) الرجلان: أسيد بن حضير وعبّاد بن بِشْر، جاء ذكرهما صريحًا في رواية أنس، وقيل: عباد وعوير، والأول هو الصّواب (يضيئان) أضاء: جاء لازمًا ومتعديًا. وما في الحديث
стр. 632
٨٠ - باب الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ
٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَطَبَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَقُلْتُ فِي نَفْسِى مَا يُبْكِى هَذَا الشَّيْخَ
ــ
يحتملهما، وفي الحديث دلالة ظاهرة على كرامات الأولياء كما قال به أهل الحق.
باب الخوخة والممر في المسجد
الخوخة -بفتح الخاء المعجمة أولًا وثانيًا- هو الباب الصغير، وكان الصحابة كلّ من كان قريب الدّار فتح له بابًا بجانبه إلى مسجد رسول الله ﷺ ليكون أهون عليه الحضور إلى الصلاة.
٤٦٦ - (فليح) بضم الفاء على وزن المصغر (أبو النضر) -بضاد معجمة- اسمه سالم (عبيد بن حُنَيْن) بضم المهملتين فيهما على وزن المصغر (عن بسر بن سعيد) -بالباء الموحدة وسين مهملة- كذا وقع في بعض النسخ، قال الغساني: نقل ابن السّكن عن الفربري عن البخاري: أن هذا خطأ، والصواب "وعن" بالواو العاطفة. قال الغساني: والصواب ثلاثة أوجه: وبسر بالواو العاطفة، وطي ذكر عبيد أو بسر على التناوب.
قلت: الكلام إنما هو في وجود الاسمين لاتفاق النسخ كلها مع الاختلاف في الواو، فالوجه ما قاله ابن السكن، على أنه يجوز تصحيح تلك الرّوايات بأنّ حرف العطف محذوف منها، وهو كثير، إلا أن فيه التباسًا مخلًا، وفي رواية مسلم بالواو، وفي رواية: فليح عن سالم بن أبي النضر، وبحذف بشر في رواية فليح عن أبي النضر، ورأيت في حاشية عن أبي ذر الحافظ عن الفربري أن بسرًا في كتاب البخاري مضروب عليه، وهذا يوافق رواية مسلم، وعليه التعويل.
(إنّ الله خيرّ عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟) هذا كلام أبي سعيد الخدري، وقوله: هذا الشيخ، لم يذكره
стр. 633
إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا. قَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَىَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً مِنْ أُمَّتِى لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ،
ــ
باسمه؛ لأنه قاله على طريق الإنكار (إن يكن الله خير عبدًا) شرط حذف جزاؤه، لدلالة ما قبله عليه، ويحكى فتحُ أنْ والجزم على الشذوذ، أو على توهم إن الشرطية (إن مِنْ أمِّنّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر) وفي بعض النسخ: "إن أمن الناس" بدون من، وهذه الرّواية أبلغ؛ فإنّ الأُولى يجوز اشتراك غيره معه، ويحتاج إلى تقديرا ضمير الشأن، أو جعل اسم إن منْ؛ لأنه بمعنى البعض. قال ابن الأثير: الأَمَنّ أفعل التفضيل من المنّ وهو العطاء لا مِنَ المنة وهو الاعتداد بالإحسان والتفضّل؛ لأنه مذموم.
قلت: لفظ المنّ أيضًا مشترك، قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. (ولو كنت متخذًا من أُمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) الخليل: فعيل بمعنى الفاعل، كالجليس بمعنى الجالس، وقد يكون بمعنى المفعول، والذي في الحديث هو الثاني لأن المعنى: من أُخَاللُهُ، وتمام الحديث: "ولكن صاحبكم خليل الله" يريد نفسه ﷺ .
فإن قلت: معنى كونه خليل الله: أنّ الله اتخذه خليلًا، كقوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وإذا كان خليلًا لله بهذا المعنى يجوز أن يكون: له خليل في الناس. قلت: أراد أنه بعدما تفضّل الله عليَّ بذلك لا ينبغي لي أن أتوجه إلى غيره بنوع من الخلة. واشتقاقه من الخلة -بضم الخاء- وهي: المحبة السّارية في خلل القلب وأعماقه بحيث لا يبقى للغير فيه مجال.
فإن قلت: هذا إنما يكون من طرف العبد، وإلا فقد اتخذ الله إبراهيم خليلًا. قلت: الأمر كذلك؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
(ولكن أخوة الإسلام ومودته) أي: موجودة بيني وبينه.
стр. 634
لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَاّ سُدَّ إِلَاّ بَابُ أَبِى بَكْرٍ». طرفاه ٣٦٥٤، ٣٩٠٤
٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَىَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّى كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِى بَكْرٍ». أطرافه ٣٦٥٦، ٣٦٥٧، ٦٧٣٨
ــ
فإن قلت: كيف تجتمع المودة مع نفي الخلة؟ قلت: الخلة أخص من المودة كما أشرنا إليه.
فإن قلت: سيأتي في بعض الرّوايات: "ولكن أخوة الإسلام أفضل". قلت: ليس معناه أنها أفضل من الخلة، بل أفضل شيءٍ يوجد بعد فوات الخلة.
(لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلاّ باب أبي بكر) "لا يبقين" -بفتح الياء ونون التأكيد- لأنه نهي، وتوجيهه إلى الباب توجيه إلى صاحب الباب على طريق الكناية، وقد يروى بضم الياء على بناء المجهول.
٤٦٧ - (عبد الله بن محمد الجعفي) -بضم الجيم وسكون العين- قال الجوهري جعفي: أبو قبيلة من اليمن، وهو جعفي بن سَعْدِ العشيرة، قال: والنسبة إليه كذلك (وهب بن جرير) بفتح الجيم على وزن كريم (يعلى بن حكيم) على وزن يحيى (ابن أبي قحافة) -بضم القاف- كنية أبيه، واسمه عثمان، أسلم يوم فتح مكة، وعاش بعد الصديق أيضًا، وليس في الصحابة من يشارك أبا بكر في الأصول والفروع بين أربعة أبطن كلهم صحابيون، فإنه صحابي، وأبوه صحابي، وأولاده وأولاد أولاده.
فإن قلت: قوله: (ليس من الناس أمن علي من أبي بكر) لا ينافي مساواة غيره مع أنه
стр. 635
٨١ - باب الأَبْوَابِ وَالْغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ لِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا.
٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ وَقُتَيْبَةُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَفَتَحَ الْبَابَ،
ــ
ليس مراده ذلك. قلت: هو كذلك لغةً، إلا أنّ في العرف إذا قيل: ليس في البلد أعلم من زيد، يتبادر إلى الفهم أنه أعلم البلد، على أنّه فسّرَه الرواية الأخرى "إن أمن الناس علي أبو بكر" وفي سد سائر الأبواب دون أبي بكر إشارة إلى أنه الخليفة بعده؛ لئلا يشق عليه الدخول والخروج.
باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد
الغلق -بفتح الغين المعجمة واللام- ما تغلق به الأبواب، أصله ضيق الصدر، والإغليق على وزن القِنديل: ما يفتح به الغلق (وقال لي عبد الله بن محمد) هو الجعفي (سفيان) هو ابن عيينة (عن ابن جريج) -بضم الجيم على وزن المصغر: عبد الله بن عبد العزيز بن جريج (ابن أبي مليكة) عبد الله، وأبو مليكة جدّ أبيه، وإنما رواه بلفظ: قال، لأنه سمعه مذاكرة لا تحميلًا.
(لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها) أي: لرأيت أمرًا عجيبًا، أو نحوه، ويحتمل الهمزة أيضًا.
٤٦٨ - (أبو النعمان) -بضم النون- محمد بن الفضل (قتيبة) بضم القاف: على وزن المصغر (حمّاد) بفتح الحاء وتشديد الميم.
(عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قدم مكة -يريد يوم فتح مكة- فدعا عثمان بن طلحة الجهني ففتح الباب) وكانت حجابة الكعبة في هؤلاء العبدريين، وكان لعثمان هذا إخوة أربعة قتلوا كلهم كفارًا يوم أحد، وهاجر عثمان في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد، فلقيا في الطريق عمرو بن العاص مهاجرًا أيضًا، فإنه هاجر من عند النجاشي، فلما قدموا قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "رمتكم مكة بأفلاذ كبدها" يشير إلى أنهم وجوه القوم ورؤساؤهم،
следующие страницы →