Полный текст (5 311 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
السَّرِيرِ، فَيَجِئُ النَّبِىُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّى، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَىِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِى. طرفه ٣٨٢
١٠٠ - باب يَرُدُّ الْمُصَلِّى مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ وَفِى الْكَعْبَةِ
ــ
إلى غير السترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهود والمجوسي والمرأة"، قال النووي: وأوَّلَ العلماء حديثَ ابن عباس بأن المراد بالقطع: النقص؛ لاشتغال خاطر المصلي به. قال: وادعى بعضهم النسخ، لكن دعوى النسخ مشكلة؛ للجهل بالتاريخ، ولأنهم قالوا: الحديث الناسخ لحديث ابن عباس هو قوله: "لا يقطع صلاة المرء شيء" وهو حديث ضعيف (فيجيء النبي ﷺ فيتوسط السرير) أي: يتوجه في الصلاة إلى وسط السرير (فكره أن أُسحنه) أي: أظهر له (فانسل من قبل رجلي السرير) أَنْسَكُّ بالرفع عطف على أكره.
قال بعضهم: فإن قلت: الحديث لا يدل على الصلاة إلى السرير ولا على السرير؟ قلت: حروف الجر يقام بعضها مقام بعض وهذا كلام غريب؛ إذ ليس بعد: يتوسط، شيءٌ من حروف الجر، ولا أن: توسط، يحتاج إلى حرف من حروف الجر، ومعنى قولها: يتوسط السرير، متوجهًا إليه، وسيأتي من رواية مسروق أنها كانت على السرير، فيجيء رسول الله ﷺ فيتوجه إليه، وترجمة البخاري بقوله: باب الصلاة إلى السرير دليل على أن قولها في الحديث: يتوسط السرير معناه إلى السرير، لا على السرير.
باب يرد المصلي من مرّ بين يديه
(ورد ابن عمر في التشهد وفي الركعة) يجوز أن يريد بالركعة الركوع، وأن يريد قبل الركوع وبعده؛ فإنه حقيقة الركعة ومحصله في كل جزء من أجزاء الصلاة، وفي بعضها: وفي الكعبة، قال شيخ الإسلام: وهي رواية الجمهور. وعليها اقتصر أبو نعيم، وفائدة ذكر
стр. 667
وَقَالَ إِنْ أَبَى إِلَاّ أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ.
٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّى إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِى أَبِى مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِى سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِىَ
ــ
الكعبة أن لا يتوهم جواز المرور لكونها محلّ المزاحمة. وفيه نظر؛ فإن قوله: في الكعبة، يريد داخل الكعبة، فالوجه أن يقال: لئلا يتوهم جواز المرور؛ لأن أجزاء الكعبة كلها قبلة حتى الهواء (رد المارّ) قيل: هو وليد بن عقبة بن أبي معيط؛ به صرّح أبو نعيم وفي النسائي: ابن لمروان والظاهر تعدد الواقعة.
(وقال: إن أبى إلا أن تقاتله فقاتله) وإن أدت تلك المقاتلة التي قتله فهدر بالإجماع؛ إذ الأحاديث الواردة فيه لا معارض لها بالإجماع.
٥٠٩ - (أبو معمر) -بفتح الميمين بينهما عين ساكنة- عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج (حميد بن هلال) على وزن المصغر.
(أن أبا سعيد الخدري) بضم الخاء ودال مهملة (قال: قال رسول الله ﷺ ح) (آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة.
(رأيتُ أبا سعيد في يوم جمعة) أي: جمعة من الجمعات (يصلي فأراد شاب من بني معيط أن يجتاز بين يديه) أي: بينه وبين سترته؛ لما ذكر أنه كان يصلي إلى شيء يستره، ومعيط -بضم الميم-: على وزن المصغر (فنال من أبي سعيد) أصاب عرضه، وشتمه، وقيل: معناه أن ذلك الشاب تألم من أبي سعيد؛ وهذا ليس معنى هذا التركيب لغة ولا هو يصح أن يكون غرضًا (ثم دخل على مروان فشكى إليه) مروان بن
стр. 668
مِنْ أَبِى سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». طرفه ٣٢٧٤
١٠١ - باب إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى
٥١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ
ــ
الحكم، كان إذ ذاك بالمدينة وهو أول خلفاء بني الحكم.
(مالك ولابن أخيك) أي: ما عرض لكما في النزاع، وفي قوله: ابن أخيك، استعطاف بأنه وإن استحق النزاع يجوز في المروءة تركه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس؛ فإذا أراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه؛ فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان) من قبيل التشبيه البليغ؛ بحذف الأداة؛ لأن الشيطان جبلته على الشر، فمن استمر في الضلالة وعدم الرّجوع إلى الحق، كأنه صار شيطانًا، قال النووي: إنما يرده إذا مشى قريبًا منه، وكان له سترة؛ وأما إذا مشى بعيدًا منه بحيث لا تصل يده إليه فلا يقدم لدفعه؛ لأنّ المفسدة في ذلك أعظم، وكذا إذا لم يكن له سترة، والذفع بالأسهل ثم بالأشد فالأشد؛ حتى لو قتله لا شيء عليه؛ لأن القتل المباح لا ضمان فيه، فإن مرّ بين يديه وتجاوز هل يجره ويردهُ؟ قال: الأصح لا؛ لأنه يصير المرور مرتين، وهو أشغل وأشغل.
وفي الحديث دلالة ظاهرة على قبول خبر الواحد العدل في الفروع.
باب إثم المارِّ بين يدي المصلّى
٥١٠ - (أبو النضر) -بالضاد المعجمة-: اسمه سالم (عن بسر بن سعيد) بالباء الموحدة وسين مهملة.
стр. 669
أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِى جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا أَدْرِى أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً.
ــ
(أنّ زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم) -بضم الجيم على وزن المصغر-: قال النووي: هو عبد الله بن الحارث الأنصاري، وأمّا صاحب الأنبجانية عامر بن حذيفة فهو بفتح الجيم وسكون الهاء (قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ما عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه، قال أبو النضر: لا أدري: أقال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة) قوله: قال [أبو] النضر، من كلام مالك، وليس بتعليق، وقوله: أقال أربعين يومًا، فاعل قال رسول الله ﷺ ؛ لما روى ابن حبّان في صحيحه من دون قول أبي النضر، قال بعضهم: الحكمة في عدد أربعين أنّ كمال كل طور من كونه نطفة، ثم علقة؛ وكمال عقل الإنسان في أربعين، والأربعة أصل الأعداد.
هذا كلامه، وقد أتى بما لا طائل تحته؛ وذلك أن ابن ماجه وابن حبّان رويا عن أبي هريرة مائة عام بدل أربعين، والعمدة عليه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، على أن التحقيق أن المراد بذكر الأربعين والمائة التكثير لا المفهوم من العدد، وحديث أبي هريرة دلّ على أن الأربعين في هذا الحديث هي الأعوام، وقال أيضًا: الإثم إنما هو على المار إذا كان عالمًا بورود النهي. وهذا أيضًا غلط منه؛ لأن الجهل ليس بعذر، ولو كان الأمر كما قال لم يجز لأحد دفع المار ومقاتلته ما لم يعلم أنه عالم بورود النهي، ولما دفع أبو سعيد الرجل الذي شكاه إلى مروان، وقال له مروان: لم دفعته؟ فروى له أبو سعيد الحديث كان على مروان أن يسأل الرّجل: هل كنت عالمًا بالنهي أم لا؟ ثم يبني الحكم على وفق ذلك.
стр. 670
١٠٢ - باب اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ يُصَلِّى
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّى، وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ.
٥١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ - يَعْنِى ابْنَ صُبَيْحٍ - عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقَالُوا يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَتْ قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا، لَقَدْ رَأَيْتُ
ــ
باب استقبال الرجل صاحبه وهو يصلي
(وكره عثمان أن يُستقبل الرجل وهو يصلي) عثمان: هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ويستقبل على بناء الفاعل ونصب الرجل، وقوله: وهو يصلي، حالٌ من فاعل يستقبل (وإنما هذا إذا اشتغل به) كلام البخاري، يرد به على أبي حنيفة في إطلاق القول بذلك، واستدل على أن قول عثمان محمول على هذا بقول زيد بن ثابت (ما باليت أن الرجل لا يقطع صلاة الرجل) قال ابن الأثير: يقال: ما باليت وما باليته، أي: لم أكثرت، ومنه قوله تعالى في الحديث القدسي: "هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي" وعن الأزهري معناه: لا أكره.
٥١١ - (علي بن مسهر) بضم الميم وكسر المهملة (عن مسلم) ضدُّ الكافر (يعني ابن صبيح) -بضم الصاد على وزن المصغر- قال شيخ الإسلام: ومن ظن أنه مسلم بطين فقد أخطا في ظنه، ولا أدري لِمَ ذلك؟ فإن الأعمش يروي عنهما، وهما يرويان عن مسروق (عن عائشة أنه ذُكر عندها ما يقطع الصلاة، قالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: لقد جعلتمونا كلابًا) قد سبق في باب الصلاة إلى السرير أنها ردَّت بهذا الكلام على ابن عباس، ونقلنا عن النووي أن القطع في حديث ابن عباس معناه شغل القلب، وأن دعوى النسخ لا تصح لعدم العلم بالتاريخ، ولأن الحديث الذي جعلوه ناسخًا ضعيف.
стр. 671
النَّبِىَّ ﵇ يُصَلِّى، وَإِنِّى لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِى الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلَالاً. وَعَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. طرفه ٣٨٢
١٠٣ - باب الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ
٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِى فَأَوْتَرْتُ. طرفه ٣٨٢
ــ
(وعن الأعمش) يجوز أن يكون عطفًا على: عن الأعمش داخلًا تحت السند، وأن يكون تعليقًا، كذا قيل والصواب الأول.
باب الصلاة خلف النائم
٥١٢ - (مسدد) بضم الميم وتشديد الدّال المفتوحة (عن عائشة: كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة): صفة راقدة (فإذا أراد أن يوتر أيقظني لأوتر أيضًا) لقولها: (فأوترت) وقد سلف مباحث الحديث، ولقد كان يدل على كثرة الوقوع، وفيه أفضلية تأخير الوتر لمن وثق بالاستيقاظ، وفيه استحباب إيقاظ الرّجل أهله للصّلاة بالليل.
فإن قُلت: قد روى ابن ماجه وأبو داود مرفوعًا النهي عن الصَّلاة خلف النائم. قلت: نبَّه أبو داود على ضعف الحديث.
باب التطوع خلف المرأة
فإن قلت: في الباب الذي قبله أطلق الصلاة وهي: تشمل الفرض والنفل، فأي فائدة في إفراد التطوع؟ قلت: صرح بالنفل لئلا يتوهم أن تلك الصلاة خلف المرأة كانت فرضًا؛ فصلاها للضرورة.
فإن قلت: ليس في الحديث أنه كان يصلي التطوع. قلت: معلوم أنّه كان يؤم الصلاة بالصحابة، ثم ينام، وكان يكره النوم قبل العشاء.
стр. 672
١٠٤ - باب التَّطَوُّعِ خَلْفَ الْمَرْأَةِ
٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَاىَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِى فَقَبَضْتُ رِجْلَىَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. طرفه ٣٨٢
١٠٥ - باب مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَىْ ءٌ
٥١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الأَعْمَشُ وَحَدَّثَنِى مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ فَقَالَتْ شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى، وَإِنِّى عَلَى السَّرِيرِ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - مُضْطَجِعَةً فَتَبْدُو لِى الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِىَ النَّبِىَّ ﷺ فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.
ــ
٥١٣ - (فإذا سجد غمزني) أي: إذا أراد أن يسجد يغمزها؛ ليكون موضع السجود خاليًا؛ والغمز: هو الضرب باليد والإصبع. وقيل: الإشارة. ولا معنى لعدم شعور النائم؛ لا سيما والبيت مظلم (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) اعتذار منها في بسط الرّجل في قبلته وهو يصلي؛ والمراد: بخلف المرأة أن تكون في قبلته؛ سواء كان ظهرها إليه، أو لا، فسقط بأن السنة أن ينام الإنسان مستقبل القبلة، على أنّ ذلك إنما يُسن في أوّل الاضطجاع.
باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء
٥١٤ - (عمر بن حفص) بضم العين (غياث) بغين معجمة مكسورة (ح قال الأعمش) بعد حاء التحويل الظاهر أنه عطف على حدثنا الأعمش: بحذف الواو، ويحتمل أن يكون تعليقًا؛ وبالأوّل جزم شيخ الإسلام (فأوذِيَ النبيَّ ﷺ ) بالنصب عطف على: (أن أجلس) (فأنسلُّ): بالرفع عطف على أكره (من عند رجليه) السرير على طريقة الاستعارة المكنية المتخيلة.
стр. 673
٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَىْءٌ فَقَالَ لَا يَقْطَعُهَا شَىْءٌ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّى لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ.
ــ
٥١٥ - (إسحاق): كذا وقع غير منسوب. قال الكلاباذي: يحتمل أن يكون إسحاق بن راهويه، وأن يكون ابن منصور؛ لأن كلًّا منهما يروي عن يعقوب (حدثني ابن أخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد الله بن مسلم (سأل عمه) هو ابن شهاب الزهري (عن الصلاة يقطعها شيءٌ؟ فقال) استدلَّ على ذلك بما رواه عن عروة بن الزبير عن عائشة: (أنها كانت تكون معترضة بين رسول الله ﷺ وبين القبلة) الحديث الذي تقدم مرارًا.
فإن قلت: الدليل الذي استدل به خاص، وهو كون المرأة أمام المصلي، والسؤال: إنما هو عن أي شيء كان؟ قلت: قاسَ سائر الأشياء على المرأة لأن قطع الصلاة معلل بشغل القلب ولا شك أنه في المرأة أكثر وقد ذكرنا: أن عائشة ردت بقولها على ابن عباس: أنّه قال بذلك في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عباس. ونقلنا عن النووي أنّ حديثه مؤول بشغل القلب، لا أنه يقطع الصلاة الحقيقية.
ومن الشارحين من لم يقف على هذا الحديث فقال: فإن قلت: القائلون بأن هذه الأشياء تقطع من أين قالوه؟ قلت: إما من اجتهادهم؛ أو من قول رسول الله ﷺ . ثم قال: فإن قلت: إذا كان من قول رسول الله ﷺ فلم لم تحكم عائشة بالقطع. قلت: رجحت خبرها على خبرهم.
وهذا كله خبط أمّا الاجتهاد فقد نقلنا الحديث. وأما عائشة فلم تُسَلّم أن رسول الله ﷺ يكون قد قال ذلك؛ لأن عدم القطع عندها يقيني؛ وما قاله ابن عباس ظني يحتمل السهو والنسيان (على فراش أهله) وفي رواية: "على فراشي" يحتمل أنها أرادت بأهله نفسها، وأن تكون الواقعة متعددة وفي الحقيقة الفراش لرسول الله ﷺ ، والإضافة إلى الأهل وإليها لأدنى ملابسة.
стр. 674
١٠٦ - باب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِى الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ،
ــ
باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة
٥١٦ - (عامر) ابن عبد الله بن الزبير بن العوام (عمرو بن سُلَيم) بفتح العين وضم السين، على وزن المصغر (الزرقي) بفتح المعجمة وفتح المهملة (عن أبي قتادة الأنصاري) السلمي فارس رسول الله ﷺ واسمه الحارث، أو النعمان أو غيرهما (أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حاملٌ أُمامةَ) بضم الهمزة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ هي أكبر بناته على الأصح (ولأبي العاص) أي: أبو أمامة أبو العاص؛ عطف على زينب؛ وإنما أظهر اللام إشارة إلى أن إضافة "بنت" إلى "زينب" بمعنى اللام، قيل: إنما أضافها أولًا إلى زينب، ثم عطف أبا العاصي، وإن كان الأولى خلاف ذلك؛ لأن النسب إلى الآباء، إلا أنها كانت مؤمنة، وأبو العاص كافر إذ ذاك، وهذه نكتة في هذه الرِّوايات؛ وإلا فقد جاء في غيرها بتقديم أبي العاص، كذا رواه مسلم وأحمد، و"حامل": يروى بالإضافة وبدونها ونصب ما بعده، وإنما عمل -وإن كان واقعًا في الماضي لأنّه حكاية عن تلك الحال. وأبو العاص: هو ابن عبد العزيز بن عبد الشمس، واسمه لقيط، أو مهتم، أو هشيم، ويلقب بجرو البطحاء، وفي بعض النسخ ربيعة بدل الربيع بن عبد الشمس، وهو خلاف ما ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وأُسر مع المشركين في بدر، ثم جاء أخوه وجاء بقلادة كانت خديجة أخرجت زينب بها عروسًا؛ فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة رقّ لذلك؛ فقال لأصحابه لو شئتم أطلقتم أسيرها ورددتم القلادة فقالوا: نفعل ذلك. وسيأتي الكلام في مناقبه بأطول
стр. 675
فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. طرفه ٥٩٩٦
١٠٧ - باب إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ
٥١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ
ــ
من هذا إن شاء الله تعالى (فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها) أي: إذا أراد السجود وأراد القيام.
فإن قلت: من أين علم أنها كانت على العنق؟ قلت: حال القيام لا يمكن حمل الصغير إلا كذلك.
وقيل: لأنها لو كانت على كتفه لم يكن الرّكوع معها وليس بشيء؛ لأنه إذا أمكن الركوع وهي على العنق فعلى الكتف من باب الأولى، على أن في رواية مسلم والنسائي وأحمد: "إذا أراد أن يركع وضعها".
قال ابن بطال: اختلفوا هل كان ذلك في الفرض أو النفل؟ قلت: رواية مسلم: "حاملٌ أمامةَ في المسجد يصلي بالناس" يرفع الخلاف.
فإن قلت: كيف صلّى وهو حاملها، وذلك شاغل ظاهر؟ قلت: فعل ذلك بيانًا للجواز؛ ليروي الحاضرون الجمُّ الغفير وقيل: بل تعلقت به والتزمته. وظاهر الحديث وهو قوله: "إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها" يردّ هذا التأويل.
فإن قلت: الوضع والحمل فعل كثير. قلت: لا نسلم ولو سلم لكان على وجه التفريق لا التوالي.
وفي الحديث دلالة على أنَّ ما غلب نجاسة مثله يحكم بطهارته؛ لأن الصغار لا يقدرون على الاحتراز منه.
باب إذا صلى على فراش حائض
٥١٧ - (عمرو بن زُرارة) بضم المعجمة بعدهما مهملة (هشيم) بضم الهاء، على وزن المصغر (عن الشيباني) -بفتح المعجمة- هو: أبو إسحاق سليمان (عن شَداد بن الهاد) بفتح
стр. 676
قَالَ أَخْبَرَتْنِى خَالَتِى مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ كَانَ فِرَاشِى حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَىَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِى. طرفه ٣٣٣
٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِى ثَوْبُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ، وَأَنَا حَائِضٌ. طرفه ٣٣٣
١٠٨ - باب هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَىْ يَسْجُدَ
٥١٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ، لَقَدْ
ــ
المعجمة بعدها دال مهملة مشدّدة (أخبرتني خالتي ميمونة قالت: كانَ فراشي حيال مصلى النبي ﷺ فربما وقع ثوبه عليَّ وأنا على فراشي) قال ابن الأثير: حيال الفراش: أي تلقاء وجهه، فقد دلّ على الترجمة.
فإن قلت: ليس في الحديث ذكر الحيض. قلت: أحاله على الحديث بعده فإن فيه ذكر الحائض من رواية الشيباني راوي الحديث الأول.
٥١٨ - (أبو النعمان) -بضم النون- محمد بن الفضل (فإذا سجد أصابني ثوبه وأنا حائض).
فإن قلت: القياس الحائضة لأنها ذات حيض بالفعل. قلت: لم يفرق الجوهري، ومن فرق جعل الحائض أعم، إنما منع إطلاق الحائضة بالتاء على من لم تكن ذات حيض؛ كما في قوله: "لا تصح صلاة الحائض من غير خمار".
باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد؟
٥١٩ - (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم (بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار)
стр. 677
رَأَيْتُنِى وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَىَّ فَقَبَضْتُهُمَا. طرفه ٣٨٢
١٠٩ - باب الْمَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ الْمُصَلِّى شَيْئًا مِنَ الأَذَى
٥٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِى أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا
ــ
أي: في حكمهما ما: نكرة تمييز فاعل بئس، والمخصوص بالذم محذوف لدلالة "عدلتمونا" عليه أي: عدْلكم. (لقد رَأيتني) من الرؤية بمعنى العلم، والمفعول الثاني محذوف، أي: نائمة ونحوها.
فإن قلت: ذكر النحاة أن حذف أحد مفعولي باب علمت لا يجوز. قلته: قال ابن مالك: يجوز إذا دلت عليه قرنية. وهذا الذي قاله هو الصواب، لأنّ مفعولي باب علمت مبتدأ وخبر في الأصل، فإذا جاز حذف المبتدأ والخبر لوجود القرينة فأي مانع من حذفه في باب علمت مع تلك القرينة؟ وقيل: هو من رؤية البصر. وليس بصواب؛ لأنها أخبرت أن البيت كان مظلمًا، ولما ورد عليه أن المفعول الثاني محذوف بدليل سائر الروايات؛ أجاب: بأن رؤية البصر أعطيت حكم رؤية القلب. ثمَّ افتخر بأن هذا من دقائق النحو؛ وليس للنحو خبر بما قاله. وأحكام الحديث ومباحثه تقدمت مرارًا.
باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى
قال ابن الأثير: الأذى: كل شيء يؤذي من الشوك والشجر والنجاسة.
٥٢٠ - (أحمد بن إسحاق السُّورماري) -بفتح السين وكسرها- قرية من قرى بخارى (عبيد الله بن موسى) على وزن المصغر (عن عبد الله) هو ابن مسعود (بينما رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة) بين: ظرف زمان للمفاجأة، وألفه للإشباع، وما زائدة (إذ قال قائل منهم ألا تنظرون إلى هذا المرائي) بدل من بينما، و "إذ" فجائية، والمرائي لغة: من
стр. 678
وَسَلَاهَا فَيَجِئُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِىُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵍ وَهْىَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِىُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ - ثُمَّ سَمَّى - اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ،
ــ
يري الناس ما عنده من الأشياء؛ مثل: الإرادة إلا أن زنة المفاعلة تفيد المبالغة. وفي العرف: هو الذي يعمل عمل الآخرة لا لقصد الآخرة (أيكم يقوم إلى جزور بني فلان) الجزور: البعير الذي نحر يُطلق على الذكر والأنثى. قال الزمخشري في "الفائق": الجزور قبل النحر بفتح الجيم وبعده بالضم. قال ابن الأثير: إن اللفظ مؤنث؛ تقول: هذه جزور (إلى فرثها ودمها وسلاها): -بفتح السين مقصور- وعاء الولد. وقيل: كالمشيمة للمرأة (فانبعث أشقاهم): هو عقبة بن أبي معيط لعنه الله (فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه، وثبت رسول الله ﷺ ساجدًا) إما لعدم إمكان رفع الرأس معه، أو أنه كان في مقام القرب ذاهلًا عن الكونين، كما نُقل عن بعض الصالحين أنه كان يصلي فسقط جانب من المسجد فلم يدره إلا بعد السلام (فلما قضى رسول الله ﷺ الصَّلاة) أي: أتمها (اللهم عليك بقريش) عليك: اسم فعل أمر، يُقال: عليك بكذا، أي: ألزمه، والباء فيه للإلصاق، أي: مالك إهلاكِهم، أو نحوه (اللهم عليك بعمرو بن هشام) هو سيد الأشقياء أبو جهل (قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر) أي: مقتولين، جمع صريع، كقتيل (ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر) بالجر بدل من الأول: والقليب: البئر قبل أن تطوى. اتفق أهل الحديث والسير على أنّ هذا وهم؛ وذلك أن عمارة بن الوليد مات بعد بدر بالحبشة؛ وأما عقبة بن أبي معيط فقتله رسول الله ﷺ في وادي بني سالم بعرق الظبية قتله علي بن أبي طالب بأمر رسول الله ﷺ .
فإن قلت: يمكن دفع الوهم بأنه لم يرد الكل بل الأكثر وهذا كثير في عبارة البلغاء.
قلت: قيّده في سائر الروايات بما يفيد الكل، والقضية واحدة بلا ريب.
стр. 679
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً». طرفه ٢٤٠
ــ
قال بعض الشارحين: لما دعا عليهم أجاب الله دعاءه، ونزل فيهم ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]. وهذا الذي قاله لا سند له، لما في الكشاف من أن المستهزئين كانوا خمسةَ نفر ذوي أسنان وشرف؛ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن يغوث، والأسود بن عبد المطلب، والحارث بن الطلاطلة. وروى ابن عباس: أن هؤلاء كلهم ماتوا قبل بدر (ثم قال: وأتبع أصحاب القليب لعنة) أي: رسول الله ﷺ أي: بعد أن سحبوا إلى القليب قال هذا الكلام. "وأتْبعْ": على صيغة الأمر بهمزة القطع، دعا عليهم أحياءً وأمواتًا ويروى على صيغة الماضي، على بناء الفاعل والمفعول على أنه إخبارٌ من رسول الله ﷺ بما فعل الله بهم.
فإن قلت: كيف مضى في صلاته مع النجاسة؟ قلت: قيل: لم يثبت أنه نجس أو لم يدر ما هو. وهذا هو الوجه؛ لأن ذبيحة المشركين نجسة لأنهم يذبحونها باسم الأصنام.
واستدل الكوفيون به على أنه إذا كان عليه ثوب نجس وألقاه في الصلاة صحت صلاته وفيه نظر؛ لأن ذلك موقوف على أن رسول الله ﷺ حين مضى في صلاته يعلم أن الذي أُلقيَ على ظهره كان نجسًا.
стр. 680
٩ - كتاب مواقيت الصلاة
١ - باب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا
وَقَوْلِهِ (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ.
٥٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ
ــ
[كتاب مواقيت الصلاة]
باب مواقيت الصلاة وفضلها
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
أي: مؤقتًا، تفسيره الموقوت المؤقت يدل على ترادفهما، لكن كلام الجوهري يشعر بالفرق فإنه قال في تفسير الآية "كتابًا موقوتًا": أي: مفروضًا عليهم في الأوقات بقوله: وقته فهو موقوت؛ إذا بَيّن للفعل وقتًا يَفعل فيه، ثم قال: والتوقيت تجديد الأوقات، وقّته ليوم كذا؛ مثل أجله. ومثله قول ابن الأثير، قال: التوقيت والتأقيت بيان مقدار المدَّة.
٥٢١ - (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللّام (أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا) أي آخرها عن أول الوقت. والعراق: عراق العرب، من عَبادان إلى الموصل طولًا، ومن العادية إلى حَلْوان عرضًا (أن المغيرة بن شعبة) كان أميرًا بالعراق في خلافة عمر (فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري) هو المعروف بالبدري من الخزرج (فقال: ما هذا يا مغيرة، أليس
стр. 681
قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أُمِرْتُ». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِى مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. طرفاه ٣٢٢١، ٤٠٠٧
ــ
قد علمت أن جبريل نزل فصلى، [فصلى] رسول الله ﷺ ) كذا وقع هنا أليس؛ والظاهر أليست، وقد رواه في غزوة بدر لقد علمت، وليس معنى قوله "صلى جبريل" لما فرغ من الصلاة شرع رسول الله ﷺ ؛ بل اقتدى به في الصلاة، لما روى أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين". ولفظ ثم في صلاة جبريل للتراخي الزماني؛ لأنه صلى الصلوات الخمس واحدة بعد واحدة (ثم قال: بهذا أمرت) -بتاء الخطاب- لرسول الله ﷺ من جبرائيل، ويروى بضم التاء على أن جبريل أُمر بذلك، وكلاهما وجه حسن. قال ابن إسحاق: أول يوم أصبح فيه رسول الله ﷺ بعد ليلة الإسراء نزل جبريل ليعلم رسول الله ﷺ الأوقات، أول صلاة صلاها صلاة الظهر (فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث به، أو أن جبريل أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة) قوله: "اعلم": حمل له على التثبت فإن هذه المسألة مما عمّت بها البلوى، وقد خفيت على عمر مع كثرة علمه وجلالة قدره، وكونه بين أصحاب رسول الله ﷺ . فلما رأى ذلك عروة أسند الحديث بقوله: (كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه) بفتح الباء الموحدة وكسر الشين.
فإن قلت: كيف وُجِّه اعتراض عمر على عروة مع ما تقدم من رواية ابن عباس: أن جبريل صلى برسول الله ﷺ مرّتين؟ قلت: أجاب النووي بأنه كان أخر العصر، عن الوقت الثاني، وهو مصير ظل كل شيء مثليه. وفيه نظر، بل اعتراضه إنما كان لتأخيره عن أول الوقت، ألا ترى أنه بعد ما روى عن أبي مسعود كيف أردفه بحديث عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر وذلك هو أول وقت العصر،
стр. 682
٥٢٢ - قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. أطرافه ٥٤٤، ٥٤٥، ٥٤٦، ٣١٠٣
٢ - باب (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
٥٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ - هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ - عَنْ أَبِى جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَىِّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَاّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَىْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ - ثُمَّ
ــ
كما سيأتي في باب وقت العصر. وكذا قول عمر أو أن جبريل أقام وقت الصّلاة يدل عليه، وأيضًا يُبْعد عن عمر بن عبد العزيز أن يؤخر الصلاة عن الوقت الأخير.
فإن قلت: حديث أبي مسعود مرسل. قلت: مرسل الصحابي حجة بلا خلاف، على أن البخاري وصله من رواية الليث.
باب ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الروم: ٣١]
٥٢٣ - (قُتيبة) بضم القاف، على وزن المصغر (عَبّاد) بفتح العين وتشديد الباء (عن أبي
جمرة) -بفتح الجيم- نضر بن عمران الضبعي (عن ابن عباس: قدم وفد عبد القيس) الوفد؛ جمع وافد، وهو من يرد على الملوك لأمر مهم لمن وراءه. وعبد القيس: قبيلة من أسد، أولاد عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان؛ والنسبة إليه عبقسي وعبدي، قاله الجوهري (قالوا: إنَّا هذا الحي من ربيعة) بنصب الحي، بتقدير أعني، وربيعة بن نزار كما قدمنا نُسب عبد القيس إليه. قال صاحب "المطالع": الحي اسم الموضع الذي تنزل فيه القبيلة، ثمّ أطلق على القبيلة؛ لأن بعضهم يحيي بعضًا (فمرنا بشيء نأخذه عنك) يرفع على الاستئناف بدليل قوله وندعوا بالواو، وأرادوا بالشهر الحرام الجنس الشامل للأربعة (فقال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع) أي: أربع خصال.
стр. 683
فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَىَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ». طرفه ٥٣
٣ - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ
٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٧]
ــ
فإن قلت: تقدم في باب أداء الخمس من الإيمان ذكر الصوم؟ قلت: تَرْكه هنا من إغفال الرّاوي.
فإن قلت: فيكون المفضل خمسًا، والمجمل أربع. قلت: ذكرنا هناك أن المذكور أصالة أربع، وإنما ضَمَّ إليها أداء الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين كفار مضر، وكانوا أهل الجهاد؛ فأعلمهم حكم الغنيمة.
وأما النهي عن الشرب في الدُّباء والنقير والحنتم والمقيَّر فقد سبق أنه منسوخ، كذا ذكره النووي وغيره، والذي عندي أن ذكر كلمة التوحيد لم تكن للتعليم، بل لكونها الأصل، والدليل رواية البخاري في كتاب الآداب ذكر الأربع بدون كلمة الشهادة.
باب البيعة على إقامة الصلاة
وفي بعضها: "إقام" بحذف التاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٣٧].
٥٢٤ - (محمد بن المثنى) بضم الميم وتشديد النون (قيس) بفتح القاف وسكون المثناة تحت (عن جرير بن عبد الله) البجلي الصّاحب لرسول الله ﷺ . قال ابن عبد البر: أسلم قبل موت رسول الله ﷺ بأربعين يومًا. وأشرنا في أبواب العلم أنّ هذا لا يصح؛ لأنه الذي استنصت الناس يوم العيد لرسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع؛ كما سيأتي. (قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) المبايعة هنا تمثيل أو
стр. 684
٤ - باب الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِى شَقِيقٌ قَالَ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ - رضى الله عنه - فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ قُلْتُ أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهَا - لَجَرِئٌ.
ــ
استعارة تبعية، شبّه التزام المؤمن طاعة الله ورسوله، والتزام رسول الله ﷺ له بالجنة؛ بمبادلة المال بالمال على التأبيد.
فإن قلت: لم اقتصر على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مع أن سائر الأركان مشروعة عند إسلامه. قلت: اكتفى بهما لأنهما أما العبادات، كما اكتفى بهما في أوَّل سورة البقرة.
قال ابن الأثير: النصح لغة: هو الخلوص، يقال: نصحته ونصحت له. وفي عرف الشرع: كلمة جامعة يعني بها عن إرادة الخير، ولا يوجد كلمة تقوم مقامها. قال ابن بطال: ذِكر النصح يدلّ على أنّ قوم جرير كانوا أهل غدر. ولا أدري من أين له هذا؛ فإن جريرًا من أهل اليمن، ولم أر أحدًا ذكر عن أهل اليمن ما فيه شَيْنٌ، والنصح لكل مسلم ليس مخصوصًا بجرير؛ بل عام في كل مسلم، وأما جرير فقد قال رسول الله ﷺ : "على جرير مسحة من الملك".
باب الصلاة كفارة
٥٢٥ - (مسدد) بضم الميم وتشديد الذال المفتوحة (يحيى) هو القطّان (الأعمش) الإمامُ المعروف علمًا وقراءة سليمان بن مهران (شقيق بن سلمة) أبو وائل (كنا جلوسًا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله) هذا كلام حذيفة قيل: الكاف في قوله: كما قال زائدةٌ؛ الأصلُ أنا يقول: أحفظ ما قاله أو نقله كلامه بالمعنى. وهذا وهم؛ فإن الذي يحفظه حذيفة هو مثل الذي قال، لا عينَ مقالته؛ لأن
стр. 685
قُلْتُ «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْىُ». قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِى تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ يُكْسَرُ. قَالَ إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا.
ــ
العرض لا يكون تعينه إلَّا بتعين المحلّ. والصّواب: أن الكاف للتشبيه، والمراد من الفتنة: الابتلاء.
وفهم حذيفة أنه يسأل عن الابتلاء بالذنوب (فقال: فتنة الرّجل في ماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة) أي: ما يحصل للإنسان من الإثم مما يتعلق بهؤلاء المذكورات من المال والولد والجار ستدفع وتذهب أثره بهذه العبادات من الصَّلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمعنى: أن كل واحدة من هذه يصلح أن تكون مكفرة، ولا يشترط الاجتماع في واحد؛ وما يقال إن فيه لفًّا ونشرًا، مثلًا: الصلاة مكفرة لفتنة الأهل، والصوم للفتنة في المال، وكذا المذكور بعده شيءٌ لا دليل عليه، وينافيه قوله ﷺ : "الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن" من غير تخصيص بذنب بإجماع السلف والخلف.
(فقال: ليس هذا أريد؛ ولكن أريد الفتنة التي تموج كما يموج البحر) كان عالمًا بأنه ستكون الفتنة؛ لأنّ رسول الله ﷺ أخبر أن الله جعل بأس أمته بينهم، أراد أن يعلم أن رسول الله ﷺ قد ذكر لذلك علامة أو لا. وأراد بموج البحر عظم الفتنة وشدتها على طريق الاستعارة أو تشبيهه المعقول بالمحسوس (يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: أيكسر أم يفتح؟ [قال: يكسر]، قال: إذًا لا يغلق أبدًا) محصلة أنه كلمه رمزًا، وفهم عمر رمزه، أنَّ الباب عمر؛ فإن وجوده مانعٌ من الفساد في الأمة، والناس في أيامه آمنين كالباب المغلق الذي لا يمكن مع كونه مغلقًا أن يدخل الدار أحدٌ؛ فمن أراد الدخول لا بدّ من أحد الأمرين: إما الكسر؛ وإما الفتح، فاستعار كسر الباب لقتل عمر؛ والوجه ظاهر؛ فلذلك
стр. 686
قُلْنَا أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّى حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَابُ عُمَرُ. أطرافه ١٤٣٥، ١٨٩٥، ٣٥٨٦، ٧٠٩٦
٥٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ
ــ
قال: إن عمر علم ما قلته، كما يعلم أنَّ دون غد الليلة، فإنّ الأمور البديهية لا تتوقف على فكر (إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط) جمع أغلوطة، أو غلوطة، المسألة التي يغالط فيها الإنسان؛ وإنما نشأ علم هذه المسألة منه إما لأنّه صاحب سر رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه من الناس إلا هو؛ لما روى أبو داود عنه: أنَّ رسول الله ﷺ ما ترك من قائد فتنة إلى قيام الساعة إلا سمّاه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته قال حذيفة: لكن حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه. فهذا يدل على أنه ضبط ذلك المجلس حقّ الضبط فيتحدث عن يقين تام، ولذلك قال له عمر: إنك عليه لجريءٌ، يعرف أن عنده من هذا العلم ما ليس عند غيره.
وليس في الحديث ما يدل على أنه خصَّ حذيفة بعلم، حتى يقال: حديث علي بن أبي طالب يدل على أنه لم يخص أحدًا بعلم، غايته أنه ضبط وغيره لم يحفظ، كما صرّح به حذيفة في الحديث الذي رواه عنه أبو داود.
قال بعضهم: فإن قلت: هل عُلم من هذا السياق أن الحديث مسند إلى رسول الله ﷺ قلت: الظاهر أنه مسند بقرينة السؤال والجواب؛ ولأن قول حذيفة: حدثته بحديث، مطلق، ومطلق الحديث ينصرف إلى حديث رسول الله ﷺ . هذا كلامه. وهو تطويل بلا معنى، وذلك أن قول حذيفة -بعد قول عمر: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ .-: أنا، ثم إيراده الحديثَ؛ صريحٌ في الإسناد بحيث لا يتصور غيره.
٥٢٦ - (قتيبة) بضم القاف، على وزن المصغر (يزيد بن زريع) بضم المعجمة على وزن المصغر (عن أبي عثمان النهْدي) بفتح النون وسكون الهاء قبيلة من قبائل اليمن، واسمه: عبد الرحمن بن مِلّ: بكسر الميم، وتشديد اللاّم؛ كذا وقع في نسخ البخاري: التصريح بالنهدي لكن ذكر شيخ الإسلام، شيخنا ابن حجر: أنّ الذي يروي عنه سليمان التيمي ليس أبا عثمان النهدي؛ بل آخر اسمه سعد؛ قال: سليمان التيمي وليس بالنهدي. فالتوفيق بين الكلامين أنّه
стр. 687
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِى هَذَا قَالَ «لِجَمِيعِ أُمَّتِى كُلِّهِمْ». طرفه ٤٦٨٧
٥ - باب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا
٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ
ــ
يروي عن كل واحد منهما، فقوله: ليس بالنهدي تمييز بين الشخصين (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة) هذا الرجل هو أبو اليَسَرِ -بفتح الياء والسين- واسمه كعب، أنصاري بدري، وهو الذي أسر عباس بن عبد المطلب، وكان قصيرَ القامة، والعبّاس في غاية الطول، فقال له رسول الله ﷺ : "إنما أعانك عليه ملك كريم". وقصَّته أنّ امرأة جاءت إليه تشتري منه تمرًا، فقال: عندي في البيت أحسن منه؛ فذهبت معه إلى البيت، فلما دخلت البيت ضمَّها إلى نفسه وقبلها. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فقال الرجل: أَلي خاصة؟ قال: لجميع أمتي كلِّهم) وذلك أنّ العبرة بعموم اللفظ؛ لا بخصوص السبب.
فإن قيل: ما المراد بالسيئات؟ قلت: قيل: المراد الصغائر، وعندي أنّه عام، غايته أن الكبائر تذهب بالتوبة، ولا شك أن التوبة من أصل الحسنات فيدخل فيها، ولا كبيرة مع التوبة.
فإن قلت: حق الغير لا يسقط بالتوبة. قلت: لا نسلم، غايته أن التوبة عن المظالم لا تكون إلا بالرّد أو الاستحلال.
باب فضل الصَّلاة لوقتها
٥٢٧ - (قال الوليد بن العيزار) بفتح العين وسكون الياء، بعدها زاي معجمة آخره راء
стр. 688
أَخْبَرَنِى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِىَّ يَقُولُ حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ حَدَّثَنِى بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى. أطرافه ٢٧٨٢، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤
ــ
مهملة (أخبرني، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني) كذا وقع [في] كل النسخ.
قال بعض الشارحين: توجيهه أن الوليد مبتدأ وأخبرني خبره وقال بدل عنه، والمجموع خبر المبتدأ، والأحسن أن يقال: أخبرني خبر المبتدأ، وقوله: قال: سمعت أبا عمرو .. إلى آخره استئناف على تقدير سؤال؛ وهو أن يقال: بماذا أخبرك صاحب هذه الدار؟ (وأشار إلى دار عبد الله) هو ابن مسعود (سألت النبي ﷺ : أيّ العملِ أحبُّ إلى الله) محبة الله عملَ العبد قبولُه، وإعطاءُ الثواب عليه وكلما كان العمل أفضل كانَ الثوابُ عليه أجزلَ (قال: الصّلاة على وقتها).
فإن قلت: الترجمة: الصلاة لوقتها باللام، وفي الحديث بـ على؟ قلت: كلاهما حسن، "اللَّام" تفيد الاختصاص، و"على" تدل على الاستعلاء وكمال التمكن؛ والمراد: أول الوقت، كما جاء في رواية أبي داود وغيره "أفضل الأعمال الصَّلاة في أول وقتها" لكنّ على أدل على ذلك. (ثمّ أيٌّ): بالتنوين، عوضًا عن المضاف إليه، و"ثم" للتراخي في الشرف.
فإن قلت: سبق في كتاب الإيمان أن أفضلَ خصال الإيمان أن تطعم الطعام؟ قلت: أشرنا هناك إلى الجواب، بأنّ الاختلاف في الجواب باعتبار حال السَّائل.
(ولو استزذتُّه لزادني) هذا من كلام ابن مسعود، أي: لو سألته عن مراتب سائر الأعمال لذكرها؛ لكونه عالمًا بمراتب الكل.
стр. 689
٦ - باب الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ
٥٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ». قَالُوا لَا يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا. قَالَ
ــ
باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها
٥٢٨ - (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة (ابن أبي حازم والدراورديُّ) ابنُ أبي حازم: عبدُ العزيز، والدراوردي -بدال وراء مهملتين مكررتين-: نسبةً إلى دراورد، قرية من أعمال خراسان، وقيل: نسبة إلى دار الجرد؛ مدينةٌ بناها "دارا" ملكُ الفرس، والتعبير للنسبة، واسمه عبد العزيز بن محمد (يزيد) من الزيادة (سلمة) بفتح السين واللّام (عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أرأيتم لو أنّ نهرًا بباب أحدكم) أي: أخبروني؛ لأنّ الرَّؤية سبب الإخبار، سواء كان بمعنى العلم أو رُؤية البصر، والنّهر، بفتح الهاء وإسكانها، والفتح أفصح، به ورد القرآن. والتقييد: "بباب أحدكم" ليكون أسهل عليه خمس مرات (ما تقول، ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه شيئًا) الدّرن -بالدال المهملة وراء كذلك- الوسخ.
قال ابن مالك: القول هنا بمعنى الظن، والشرط أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطب متصلًا بالاستفهام، كما في الحديث، ولفظ ذلك مفعول أوّل، ويبقي مفعول ثان، و"ما" منصوب المحل مفعول يُبقي. هذا كلامه، وعندي أنّ هذا تكلف لا طائل تحته؛ بل القول هو الكلام اللفظي؛ ولذلك قالوا: لا يبقي جوابًا عن قوله: "ما تقول" ولو كان "تقول" معناه تظن لم يقع: قالوا: لا يبقي من درنه جوابًا له؛ لأنّ هذا قول لفظيٌ بلا ريب. وقال بعضهم: الدّرن في الحديث كنايةٌ عن الآثام. وهو سهو، بل الدّرن: هو الوسخ، وكذلك شَبَّه به الإثم.
стр. 690
«فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَا».
٧ - باب تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا
٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِىٌّ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . قِيلَ الصَّلَاةُ. قَالَ أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا.
٥٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ أَخِى عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ يَقُولُ دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِى فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَاّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. وَقَالَ بَكْرٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِىُّ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى رَوَّادٍ نَحْوَهُ.
ــ
يقول: (فذلك مثل الصلوات الخمس) و (الخطايا): جمع خطيئة؛ وهي: الذنب، من خطِئ بالكسر، والمراد: الصغائر؛ لأن الكبائر لا تسقط إلا بالحدود أو التوبة، ومظالم العباد بالأداء والاستحلال.
باب تضييع الصلاة عن وقتها
٥٢٩ - (غيلان) بغين معجمة (عن أنس قال: ما أعرف شيئًا مما كان على عهد النبي ﷺ ) أي: ما أجد، من إطلاق المسبب وإرادة [السبب] (قيل: الصلاة) بالرفع؛ أي: الصلاة موجودة. نقض عليه دعوى الكلية؛ لأنه فهم أنه نفى الوجود مطلقًا، فقال: (أليس قد ضيعتم ما ضيعتم فيها؟) -بالضاد المعجمة- ويروى بالصّاد المهملة والنون، من الصنع فردّ قول القائل: بأنه يريد العبادات على وجه الكمال؛ كما كانت في زمن رسول الله ﷺ قال ابن سعد: كان سبب هذا القول من أنس أن الحجّاج أخر الصلاة يومًا. قيل: كان بنو أمية يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت. ونقل شيخ الإسلام من طرق أنهم كانوا يخرجونها من الوقت.
٥٣٠ - (عمرو بن زرارة) بالزّاي المعجمة بعدها مهملة (عن عثمان بن أبي رَوَّاد) بفتح الراء وتشديد الواو (دخلت على أنس بدمشق) -بكسر الدال- المدينة المعروفة بالشام (وقال بكر بن خلف) تعليق من البخاري؛ لأنه وإن كان معاصرًا للبخاري إلاّ أنّه لا روايةَ له عنه؛ إنما روى عنه أبو داود وابن ماجه (محمد بن بُكير) بضم الباء على وزن المصغر (البرساني) -
стр. 691
٨ - باب الْمُصَلِّى يُنَاجِى رَبَّهُ
٥٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِى رَبَّهُ فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى». وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». طرفه ٢٤١
٥٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ
ــ
بضم الباء- قال الغساني: بنو بُرسان بطن من الأزد، وقال ابن دريد: برسان فعلان، من البرس وهو: القطن.
باب المصلي يناجي ربّه
٥٣١ - (عن أنس قال النبي ﷺ : إن أحدكم إذا صلّى يناجي ربّه) المناجاة: من النجوى؛ وهو: الكلام الذي يُسرُّ به إلى الغير؛ ولا يشترط أن يكون من الطّرفين (فلا يتفلنّ عن يمينه؛ ولكن تحت قدمه اليسرى) قد نقلنا عن النووي سابقًا أنّ هذا في غير المسجد؛ وأمَّا في المسجد فيأخذه بردائه ونحوه، وكذا عن الإمام أحمد (وقال سعيد) هو ابن أبي عروبة (وقال شعبة) يحتمل التعليق والدّخول تحت الإسناد المذكور؛ بأن يروي مسلم عن سعيد وشعبة، وهما يرويان عن قتادة. كذا قيل، وهذا صحيح في شعبة دون سعيد؛ إذ لا رواية لمسلم بن إبراهيم عن سعيد.
٥٣٢ - (حفص بن عمر) بضم العين (يزيد) من الزيادة (قال رسول الله ﷺ : اعتدلوا في السجود) المرادُ من الاعتدال الطمأنينةُ، والسجود ليس بقيد، بل الركوع وغيره، كما صرّح به في تعليم المسِيء صلاته، وكأنه اقتصر على السجود لأنه أشق، ولتكرره في كل ركعة (ولا يبسط ذراعيه كالكلب) الذراع: هو الساعد، وإنما نهى عنه لئلا يكون شبيهًا بأخس
стр. 692
فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ». طرفه ٢٤١ والمناجاة من كل مصل إنما تكون في صلاة المنفرد؛ كما يشعر به.
٩ - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
٥٣٣، ٥٣٤ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ،
ــ
الحيوانات، ولأنه لا يتمكن من السجود حَقّ التمكن، ولأنه يُشعر بالكسالة التي هي صفة المنافق. وتمام الكمالية فيه أنْ يضع يديه حذو منكبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، ويجافي يديه عن جنبيه. (وقال حميد) تعليق. وحميد: على وزن المصغر، هو: الطويل، ورواه عنه مسندًا من رواية قتيبة في باب حك البزاق (وإذا بزق فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه؛ فإنه يناجي ربّه).
فإن قلت: مناجاة الرّب تلائم عدم البزاق بين يديه، فما وجه اليمين؟ قلت: جاء في الرواية الأُخرى: "فإن عن يمينه ملكًا" كما تقدم، فهذا المطلق محمول على ذلك المقيد وأشرنا هناك إلى أن اليسار مان كان فيه ملك أيضًا؛ إلا أنّ ملك اليمين أفضل وأشرف. ويجوز أن يقال: لما كان مناجيًا ربّه فعليه رعاية الآداب، واليمين أشرف الجانبين.
باب الإبراد بالظهر في شدّة الحر
٥٣٣ - ٥٣٤ - (أبو بكر) هو عبد الحميد بن أبي أويس (عن صالح بن كَيسان) بفتح الكاف وسكون الياء و (نافع) بالرفع عطفٌ على غيره (أنهما حدثاه) أي: أبو هريرة وابن عمر، حدثا نافعًا، قيل: ويحتمل أن يعود الضمير في أنهما إلى الأعرج ونافع أي: إن الأعرج ونافعًا حدثا صالح بن كيسان؛ وهذا سهو؛ لأن قوله: عن رسول الله ﷺ متعلق بحدثاه؛ فيصير الحديث بذلك مرسلًا (إذا اشتدّ الحر فأبردوا بالصلاة) وفي بعضها: "عن الصلاة" قال ابن الأثير: بمعنى دخل في البرد: فالياء للمصاحبة. وقال صاحب "الكشّاف": الباء للتعدية، أي: أَدْخِلوا الصلاة في البرد، وما ذكره ابن الأثير أظهر. ونقل
стр. 693
فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». طرفه ٥٣٦
٥٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِى الْحَسَنِ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فَقَالَ «أَبْرِدْ أَبْرِدْ - أَوْ قَالَ - انْتَظِرِ انْتَظِرْ». وَقَالَ «شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». حَتَّى رَأَيْنَا فَىْءَ التُّلُولِ. أطرافه ٥٣٩، ٦٢٩، ٣٢٥٨
ــ
ابن الأثير عن بعضهم أنه قال: "أبردوا" أي: صلوها في أوّل الوقت، والأحاديث المذكورة بعده تنافيه.
فإن قلت: رواية الباء على ما ذكَرْتَ؛ فما وجه رواية عن؟ قلت: قال بعضهم: عن زائدة. وقيل: بمعنى الباء؛ فإن حروف الجر بعضُها يقومُ مقامَ بعض.
وقال بعضهم: عن بمعنى الباء؛ كما في قولك: رميت عن القوس. وهذا غلط؛ فإنّ "عن" معناها المجاوزة، واتفاق النحاةُ على أن "عن" في قولك: رميت عن القوس على معنى المجاوزة. وعندي أن معنى الحديث: أبردوا عن الصلاة؛ أي: ادخلوا في البرد مجاوزين عن الصلاة؛ أي: لا تصلوها في أوّل الوقت؛ لأن حقيقة أبرد: دخل في البرد، فَضُمِّنَ معنى المجاوزة (فإنّ شِدَّة الحر من فيح جهنم) الفيح والفوح: سطوع الحرّ وفورانه. وجهنم غير منصرف, لأنه علم عجمي، أو لأنه علمٌ مؤنث.
فإن قلت: تعليل ترك الصّلاة في شدّة الحر بأنه من فيح جهنم؛ ما وجهه؟ قلت: وجه ذلك أنه لا يلائم العبادة؛ فإنّ الإنسان لم يكن في ذلك الوقت على نشاطٍ وأريحية.
٥٣٥ - (بشار) بفتح الباء وتشديد الشين (غُندر) بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة (عن المهاجر) على وزن اسم الفاعل (عن أبي ذر قال: أذَّنَ مؤذن النبي ﷺ فقال: أبرد أبرد، أو قال: انتظر، انتظر) الشك من أبي ذر. والمراد: تأخير الإقامة إلى أن يبرد الوقت، (فإذا اشتد الحرّ فأبردوا عن الصلاة حتى رأينا فيء التلول) قوله: "حتى" غاية لفعل مقدر؛ أي: لما قال: أبردوا، أخرّ المؤذن الإقامة إلى أن رأينا فيء التلول. الفَيء لغة الرجوع،
стр. 694
٥٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». طرفه ٥٣٣
٥٣٧ - «وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ». طرفه ٣٢٦٠
ــ
قال ابن الأثير: سُمّيَ الظل الذي يكون بعد الزّوال فيئًا؛ لأنه يرجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق. والتلول: بضم التاء جمع التل، وهو: الرّابية؛ وأراد بالفيء الزائد على ما يبقى عند الزوال؛ فإنّ الذي بالمدينة ما يُرى في التلول إلا إذا زاد على ذلك القدر.
٥٣٧ - ٥٣٨ - (اشتكت النار إلى ربها؛ فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا) الاشتكاء: رفع الشكوى على من يقدر على الإزالة؛ واشتكاء النار قيل: مجاز عن فرط الكثرة والغليان. والحقّ أنه محمول على ظاهره؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠] وسيأتي في البخاري: أنها تقول: هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط. وسيأتي أيضًا مخاصمة الجنة والنار عند ربهما.
وقد تقرر في علم الكلام أنّ قدرته تعالى نسبتها إلى كل الممكنات على السواء؛ فأيُّ وجه لصرف الكلام عن الحقيقة والمعنى الجِزْل الدال على كمال القدرة إلى تلفيق التأويلات الركيكة؟! وإنما يصرف الكلام عن ظاهره إذا لم يستقم، أو كان في الصرف نكتةٌ (فأذن لها بِنَفَسين؛ نَفَس في الشتاء، ونَفسٌ في الصيف) النَفَسُ: ما يستروح به الحيوان من إخراج الهواء المكدّر بواسطة الرّئة، فإنها بمثابة المروحة، تُخرج الهواء المكدَّر، وتجذب الطيب؛ وأصل النفس السّعة. وفيه دليل على بطلان قول من قال: إن الحرارة لازمة للناس؛ بل الحرّ والبرد بإيجاد الفاعل المختار.
стр. 695
٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. طرفه ٣٢٥٩
١٠ - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِى تَيْمِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ الْغِفَارِىِّ قَالَ
ــ
فإن قلت: هذه الأحاديث دلت على أفضلية الإبراد؛ وحديث خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء فلم يشكنا دلّ على أن المختار أوّل الوقت. قلت: قال النووي: ذهب قوم إلى أن أول الوقت أفضل بحديث خباب، والحق أنّ التأخير في شدة الحر أفضل؛ للأحاديث الكثيرة، وحديث خباب محمول على أنهم سالوا التأخير زائدًا على قدر الإبراد؛ هو أن يؤخر إلى أن يقع للحيطان ظل يمشون فيه.
ونقل عن شرح السنة: أنهم كانوا يريدون تأخير الصلاة من الوقت، فلا ينافي حديث الإبراد. وهذا في غاية البعد، وقد سبق منّا أن ابن الأثير قال: معنى حديث خباب: شكونا حرّ الرمضاء فلم يشكنا، حمله الشافعي على أنهم أرادوا أن يسجدوا على ثيابهم فلم يجوز لهم (تابعه سفيان ويحيى وأبو عوانة) -بفتح العين- الوضاع الواسطي، والضمير لأبي عمر بن حفص؛ رووا كلهم عن الأعمش وسفيان: هو الثوري، سيأتي حديثه موصولًا في بدء الخلق في باب صفة النار.
باب الإبراد بالظهر في السفر
٥٣٩ - (مهاجر) بضم الميم وكسر الجيم (مولى بني تيم الله) -بفتح التاء وسكون الياء- قال الجوهري: معناه عبد الله، من تيمه الحب أي: عبده، قال: وهو تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وتيم الله بن النمر بن قاسط أيضًا كنا في سفر مع النبي ﷺ فأراد المؤذن أن يؤذن فقال له: أبرد) المراد بالأذان الإقامة؛ لما تقدم من قوله: فأذّن ثم أراد الإقامة. وتسمية
стр. 696
كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». حَتَّى رَأَيْنَا فَىْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَتَفَيَّأُ تَتَمَيَّلُ. طرفه ٥٣٥
١١ - باب وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى بِالْهَاجِرَةِ.
٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى
ــ
الإقامة بالأذان شائع، وأيضًا تأخير الأذان عن الوقت لا موجب له، وقد جاء بلفظ الإقامة في رواية أبي داود، والتصريح بلفظ بلال بدل المؤذن.
واعترض الترمذي على الشافعي في اشتراطه الإبراد لمن يأتي الجماعة من بعيد بهذا الحديث. واعتراضه ساقط؛ لأنّ البعد عن الإمام في السفر أكثر من المدن والقرى لاتصال البيوت عادة، وأيضًا شرط الشافعي في الإبراد أن لا يجد في طريقه شيئًا يقيه من حرّ الشمس، ولا شك أن هذا في السفر لا يوجد إلا قليلًا، بخلاف المدن والقرى، لوجود الحيطان والأجنحة.
(فقال له: أبرد حتى رأينا فيء التلول) قد أشرنا أنه غاية لمقدر، أي: أخَّر الإقامة، وقيل: يتعلق بقال أو بأبرد ولا معنى له.
باب وقت الظهر عند الزوال
(وقال جابر: كان النبي ﷺ يصلي بالهاجرة) هي الساعة الأولى من أول وقت الظهر. فإن قلت: ما التوفيق بين هذا وبين ما تقدم من الأمر بالإبراد؟ قلت: لا ينافي؛ فإن هذا الأصل، وذلك هو الأفضل. والحقّ أنه باعتبار الفصول؛ ففي وقتِ اشتداد الحرّ ذاك أفضل، وفي خيره أول الوقت.
وأما قول البيضاوي: لا ينافي لأن الهاجرة تطلق إلى قريب العصر من أوّل الوقت؛ فغير مسلم لغة، قال ابن الأثير: الهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النهار، وأيضًا لا يدفع الإشكال فإن غرض البخاري أول الوقت ولذلك قال عند الزوال؛ وأحاديث الباب كلها دالة على ما أراد.
٥٤٠ - (أبو اليمان) -بتخفيف النون- الحكم بن نافع (أنّ رسول الله ﷺ خرج فصلى
стр. 697
الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَىْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ إِلَاّ أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِى هَذَا». فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ «سَلُونِى». فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِىُّ فَقَالَ مَنْ أَبِى قَالَ «أَبُوكَ حُذَافَةُ». ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ «سَلُونِى». فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ «عُرِضَتْ عَلَىَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ». طرفه ٩٣
ــ
الظهر حين زاغت الشمس) أي: مالت عن كبد السماء؛ هذا موضع الدلالة على ما ترجم (فذكر الساعة) أي: قيامها (وذكر فيها أمورًا عظامًا من أهوالها، ثم قال: من أحبّ أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا) أي: أن الله كشف عن عالم الملك والملكوت له (فأكثر الناس في البكاء خوفًا من هول تلك الأمور) وروى أنس في تفسير سورة المائدة أنه خطب خطبة ما سمعت مثلها قطُّ؛ وقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"، فغطى الأصحاب وجوههم ولهم حنين. وقوله "فلا تسألوني" نفي حذف منه [نون الرفع] اكتفاءً بنون [الوقاية] وإنما أكثر من قول [سلوني] لما روى ابن عباس [...] قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] أنهم كانوا يسألون استهزاءً؛ يقول الرّجل منهم: من أبي؟ والآخر إذا ضلّت ناقته يقول: أين ناقتي؟ ولذلك غضب وأكثر من قوله: "سلوني" (فبرك عمر على ركبتيه) البروك: حقيقة في الإبل مجاز في غيره (فقال: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا فسكت) عن القول، وسكن غضبه؛ (ثم قال: عرضت عليّ الجنة والنار آنفًا) أي: قريبًا بفتح الهمزة والمدّ والقصر لغتان (في عُرض هذا الحائط) بضم العين؛ أي: الجانب (فلم أر كالخير والشر) أي: مثل الخير والشر من الأسباب الموصلة إلى الجنة والنار، ويجوز أن يريد بالخير والشر نفس الجنة والنار.
стр. 698
٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِى بَرْزَةَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ، وَيُصَلِّى الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِى بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ
ــ
٥٤١ - (عن أبي المِنهال) -بكسر الميم- سيار بن سلامة (عن أبي بَرْزة الأسلمي) -بفتح الباء وسكون الراء بعدها زاي معجمة- واسمه: نضلة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة (ويصلي الظهر إذا زالت الشمس) هذا موضع الدلالة؛ فإنه يدل على أنه كان يصليها في أول الوقت (والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية) أي: لم تصفر بل على نورها الكامل، الكلام على طريقة الاستعارة التبعية.
فإن قلت: ما موقع رجع؟ قلت: حال من فاعل يذهب، أي: يذهب إلى أقصى المدينة بعدما صلى راجعًا، أي: إلى رحله، كما صرّح به في الرواية الأخرى.
فإن قلت: في بعضها بالواو وفي بعضها بلفظ ثم. قلت: معنى ذلك أنه يذهب إلى أقصى المدينة، ثم يرجع إلى رحله بدليل تلك الرواية، وسيأتي في باب وقت العصر بلفظ: ثم ما يوافق هذا في المعنى.
(ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل؛ [ثم] قال إلى شطر الليل) قال الجوهري: الشطر النصف. وعلى الرّوايتين للشافعي قولان، الأصح أن لا يؤخرها عن الثلث. وقد روى الحاكم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل"، ولولا لانتفاء الثاني لوجود الأول؛ فلا أمر بالتأخير إلى النصف (قال شعبة:
стр. 699
ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. أطرافه ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١
٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ مُقَاتِلٍ - قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِى غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ. طرفه ٣٨٥
١٢ - باب تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ
٥٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا
ــ
تمّ لقيته مرّة أخرى، قال: أو ثلث الليل) أي: لقيت أبا المنهال. ومحصله أنه شاك في القضية، وأكثر ميله إلى الثلث.
٥٤٢ - (محمد بن مُقاتِل) بضم الميم وكسر التاء (عن بكر بن عبد الله المزني) -بضم الميم وفتح الزاي المعجمة- نسبة إلى مزينة على وزن المصغر، قال الجوهري: قبيلة من مضر أولاد مزينة بن أدّ بن طالحة (عن أنس بن مالك قال: كنا إذا صلينا بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاءَ الحرّ) الظهائر: جمع ظهيرة. قال ابن الأثير: وهي شدة الحر نصف النهار، ولذلك لا يقال في الشتاء: الظهيرة.
فإن قلت: ما جواب الشافعي عن حديث أنس؟ قلت: جوابه حديث خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء فلم يشكنا، وأنس لم يروه عن رسول الله ﷺ ولا في حديثه ما يدل على أنّ رسول الله ﷺ علم بذلك.
باب تأخير الظهر إلى العصر
٥٤٣ - (أبو النعمان) بضم النون محمد بن الفضل (حماد) بفتح الحاء وتشديد الميم (جابر بن زيد) يكنى أبا الشعثاء (عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا؛
стр. 700
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. قَالَ عَسَى. طرفاه ٥٦٢، ١١٧٤
١٣ - باب وَقْتِ الْعَصْرِ
وقال أبو أسامة عن هشام: من قعر حجرتها.
٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ
ــ
الظهر والعصر والمغرب والعشاء) لف ونشر غير مرتب (فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ فقال: عسى) المطيرة: ذات المطر. وقوله: لعله في ليلة مطيرة: خاص بالمغرب والعشاء، ولم يذكر النهار لأنه يعلم من الليلة بالطريق الأولى. واعلم أنّ حديث ابن عباس رواه مسلم أيضًا، وقد أولوه بتأويلات لا يصح منها شيء، أمّا تأويل أيوب بأنّه كان في الليلة المطيرة يردُّه رواية مسلم: "من غير خوف ولا مطر" وفي رواية أخرى منه: "من غير خوف ولا سفر" وأما تأويل غيره بأنه أخرهما إلى آخر الوقت فيردّه لفظ: "جميعًا" في رواية لهما. والصواب: أنه منسوخ؛ لإجماع الأمة على عدم الجواز؛ والإجماع وإن لم يصلح ناسخًا؛ لأنه لا نسخ بعد رسول الله ﷺ ، إلا أنه يدلّ على أن له ناسخًا هو سند الإجماع.
فإن قلت: من أين علم الإجماع على ترك العمل به؟ قلت: من قول الثقة الترمذي؛ فإنه قال: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس هذا، وحديث قتل شارب الخمر.
باب وقت العصر
٥٤٤ - (إبراهيم بن المنذر) بضم الميم وكسر الذال (أنس بن عِياض) بكسر العين وضاد معجمة (عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلي العصرَ والشمس لم تخرج من
стр. 701
حُجْرَتِهَا. طرفه ٥٢٢
٥٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَىْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِى لَمْ يَظْهَرِ الْفَىْءُ بَعْدُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَشُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِى حَفْصَةَ وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. طرفه ٥٢٢
٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ
ــ
حجرتها) أي: شعاع الشمس، فدلّ على أنه كان يصليها في أول الوقت.
٥٤٥ - (قتيبة) بضم القاف، على وزن المصغر (والشمس في حجرتها لم يظهر الفيءُ من حجرتها) الفيء: الظلُّ بعد الزوال، وإذا كانت الشمس في الحجرة لم يمكن ظهور الفيء من الحجرة.
٥٤٦ - (أبو نعيم) -بضم النون، على وزن المصغر- فضل بن دكين (عن ابن عيينة) -بضم العين، على وزن المصغر- سفيان (قال مالك ويحيى بن سعيد وشعيب وابن أبي حفصة) محمد بن ميسرة يكنى بأبي سلمة؛ كذا ضبطه بعض الشّراح، والذي قاله المقدسي وشيخ الإسلام ابن حجر: أبو حفصة، اسمه نابت -بالنون- وله بنون ثلاث: محمد وسالم وعمارة، هو الراوي عن شعبة، روى عنه البخاري في غزوة خيبر. روى هؤلاء كلهم عن الزهري.
٥٤٧ - (محمد بن مقاتل) بضم الميم على وزن اسم الفاعل (عبد الله) هو ابن المبارك (عوف) بفتح العين آخره فاء (سيار بن سلامة) بفتح السين فيهما وتشديد الياء وتخفيف اللام
стр. 702
دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِى عَلَى أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِى كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ كَانَ يُصَلِّى الْهَجِيرَ الَّتِى تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّى الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ - وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِى تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. طرفه ٥٤١
٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ
ــ
(دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي) بفتح الباء وتقديم المهملة: اسمه نضلة بالنون وبضاد معجمة (كان يصلي الهجير التي يدعونها الأولى) قال الجوهري: الهجير والهاجرة: نصف النهار. فعلى هذا يقدر مضاف؛ أي: صلاة الهجير (حين تدحض الشمس) أي: تزول من كبد السماء، أصله: الزلق، قال ابن الأثير: كأنها تزلق (وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي يدعونها العَتَمَة) -ثلاثُ فتحات- الظلمة في الليل، وأصله التأخير، يقال: أعتم بكذا: أخَّرَهُ؛ وإنما قال: التي يدعونها؛ لأن النهي ورد عن تسمية العشاء عتمة (وكان يكره النومَ قبلها والحديثَ بعدها) أي: الحديث الذي لا يتعلق بالدّين، كما يفعله أكثر السُّمَّار، وإلا فقد سبق في باب السَّمر بالعلم حديثُه بعد العشاء في أمور الدين (وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرّجل جليسه) أي: ينصرف من فتلت الشيء دورته.
فإن قلت: قد سبق أنه كان يصلي الغداة بالغلس؟ قلت: سبق أيضًا أنه كان يجلس في موضعه حتى تذهب النساء فلا يقع الاختلاط بالرّجال.
٥٤٨ - (عن أنس بن مالك: كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن
стр. 703
عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ. أطرافه ٥٥٠، ٥٥١، ٧٣٢٩
٥٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّى الْعَصْرَ فَقُلْتُ يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِى صَلَّيْتَ قَالَ الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِى كُنَّا نُصَلِّى مَعَهُ.
١٤ - باب وَقْتِ الْعَصْرِ
٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِى فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِى مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. طرفه ٥٤٨
ــ
عوف فيجدهم يصلّون العصر) بنو عمرو هم أهل قباء؛ وبين قباء والمدينة مسافة فرسخ. قال النووي: إنما كان يقع من بني عمرو بعضُ تأخير لأنهم كانوا أهل عمل.
٥٤٩ - (ابن مقاتل) بضم الميم وكسر التاء (أبو بكر بن عثمان سهل بن حنيف) بفتح السين وسكون الهاء، وحنيف بضم الحاء: على وزن المصغر (سمعت أبا أمامة) بضم الهمزة؛ قال ابن عبد البر: هو أسعد بن سهل، ولد في حياة رسول الله ﷺ فسمّاه رسول الله ﷺ أسعد باسم جدّه أسعد بن زرارة. قال بعضهم: صحابي على الأصح. قلت: ليس بصحابي على الأصح. قاله ابن عبد البر في "الإستيعاب" قال: إنه معدود في كبار التابعين (يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر؛ ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر؛ فقلت: يا عم ما هذه الصلاة؟!) سمّاه عمًا لأنه صحابي من أقران أبيه (قال: العصر؛ وهذه صلاة رسول الله ﷺ ) أي: كصلاة رسول الله ﷺ من حيثُ إنها في أول الوقت.
باب وقت العصر
٥٥٠ - (كان يصلي العصر والشمس مرتفعة فيذهب الذاهب [إلى] العوالي) جمع العالية، قال ابن الأثير: العوالي أماكن باعلى المدينة، والنسبة إليها: علوي، على غير
стр. 704
٥٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. طرفه ٥٤٨
١٥ - باب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ
٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَتِرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] «وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا».
ــ
القياس، أقربها إلى المدينة أربعة أميال، وأبعدها ثمانية أميال. هذا والأحاديث المُوْرَدة في هذه الأبواب دلت على أنه كان يصلي الصلوات الخمس في أوّل الوقت، غير الظهر في اشتداد الحر، وغير العشاء؛ فإنه كان يؤخرها لتكون في وقت لا يشاركهم فيها أهل سائر الأديان؛ كما ستأتي الإشارة إليه.
باب إثم من فاتته العصر
٥٥٢ - (عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) بنصب أهله وماله على المفعولية؛ والمفعول الأول الضمير المستتر في وتر على أنه المفعول الأوّل القائم مقام الفاعل. قال النووي: رواية الجمهور النصب. قلت: لأنه من وتر حقه أي: نقصه؛ قاله الجوهري، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ [محمد: ٣٥]، فالمعروف المختار عند النحاة أن المفعول الأول منه يقام مقام لفاعل. وأفا الرفع فالوجه فيه أنه من وتره: جعله وترًا، أي: منفردًا.
فإن قلت: لفظ تفوته أعم من أن يكون نومًا أو نسيانًا؟ قلت: أخرج بدليل آخر، وهو: "ليس في النوم والنسيان تفريط، من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
стр. 705
١٦ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ
٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ قَالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِى غَيْمٍ فَقَالَ بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ». طرفه ٥٩٤
ــ
فإن قلت: هل حكم سائر الصلوات حكم العصر أم لا؟ قلت: الظاهر أن هذا مخصوص بالعصر؛ لأنها الصلاة الوسطى، وإن شاركتها سائر الصلوات في مطلق الوعيد.
فإن قلت: من لم يجعلها الوسطى فما الوجه عنده؟ قلت: يقول: إن وقت العصر آخر النهار، وازدحام الشغل، فكان مظنة الغفلة، بالغَ في الوعيد إيقاظًا لهم. وسيأتي الكلام على هذا مستوفى في شرح قوله: "من حلف على يمين بعد العصر" إن شاء الله تعالى.
باب من ترك العصر
أي: حكم من ترك العصر.
٥٥٣ - (مسلم بن ابراهيم) ضدّ الكافر (يحيى بن أبي كثير) ضد القليل (عن أبي قلابة) -بكسر القاف- عبد الله بن زيد الجرمي (عن أبي المليح) -بفتح الميم وكسر اللام- عامر بن أسامة الهذلي، وقيل: اسمه زياد، وقيل: زيد (بكروا بصلاة العصر؛ فإن النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله).
فإن قلت: حبوط العمل بالمعاصي ليس مذهبَ أهل الحق؟ قلت: هذا كلام وارد على طريقة التهديد، كما في قوله: "من ترك الصلاة فقد كفر". وقيل: المراد حبوط ذلك العمل الذي تركه، وليس بشيء؛ لأنّ المتبادر من العمل هو الموجود؛ الذي يكون ترك الصلاة مبطلًا له. وقيل: إذا كان مستحلًا. وهذا أيضًا ليس بغرض الشارع، لأن غرضه الحث والإقبال عليه ممن يعتقد وجوبه. وقيل: العمل الذي يشغل عن الصلاة، بمعنى عدم البركة
следующие страницы →