Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
بالاستثناء، فالمختار الرفع، وإن قدر أن الأصل: جاءني القوم إلا زيدًا، ثم دخل حرف النفي فالنصب.
والشرط الثاني: ألا يكون متراخيًا، فإن كان متراخيًا نحو: ما ثبت أحد في الحرب ثباتًا نفع الناس إلا زيدًا، اختير النصب، ولم يشترط سيبويه، ولا أصحابنا شيئًا من هذين الشرطين.
ولا يشترط في نصب المستثنى تعريف المستثنى منه خلافًا للفراء، وهو محجوج بما روى عن العرب: ما مررت بأحد إلا زيدًا، وما أتاني أحد إلا زيدًا، ولا في جواز الإبدال عدم صلاحيته للإيجاب، خلافًا لبعض القدماء حكاه سيبويه عنهم، فلا يجيزون: ما قام القوم إلا زيد، بل يوجبون النصب على الاستثناء، ويجيزون: ما جاء أحد إلا زيد؛ لأنه عدمت صلاحية (أحد) للإيجاب، وقال تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ في قراءة الجمهور.
وعن بعض النحاة: أن البدل يختص بما يكون ما بعد إلا مستثنى مما يكون فيه المستثنى منه مفردًا، نحو: رجل واحد، وهو محجوج بقوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾، فشهداء جمع، وليس بمفرد.
стр. 1507
وإذا توسط المستثنى بين المستثنى منه وبين صفته نحو: ما جاءني أحد إلا زيدًا خير منك [وما مررت بأحد إلا زيد خير منك]، جاز فيه النصب على الاستثناء، والاتباع على البدل، وهو المختار عند سيبويه، وهو قول المبرد، وعن المازني اختيار النصب، وعنه اختيار البدل، وعنه وجوب النصب، وهو وهم عليه من ابن عصفور ومن صاحب النهاية: قال فيها قال أبو عثمان: يجب النصب: نزل تقديمه على الصفة منزلة تقديمه على الموصوف؛ لأنك لو أبدلت من أحد، كان في حكم المطرح، ولو وصفت لم يكن في حكم المطرح؛ لأن المبدل منه ملغي الجانب من بعض الوجوه، والموصوف ليس ملغي الجانب، فيتدافعان فلو أوقعت المستثنى بين صفتي المستثنى منه نحو: ما مررت بأحد خير من زيد إلا ابنك بر بوالديه، فالظاهر أن الخلاف قائم إلى على رأي سيبويه؛ فلأنك لم تقدمه على المستثنى، فالإبدال قائم، وإما على رأي المازني؛ فلأنك قد جئت بصفة بعد المستثنى، وإذا تأملت تعليله وجدته متجها انتهى.
ومن مثل هذه المسألة: ما لي أحد إلا زيد صديق، ومن لي إلا زيد صديق، فالرفع على البدل من (من)، و (من) مبتدأ، و (لي) خبره، ومثل سيبويه هذا بنصب (صديق) على الحال.
стр. 1508
وزعم المبرد: أن «إلا أبوك» خبر عن (من) وأدخلت (إلا) على الخبر؛ إذ معناه النفي كأنه قال: ما لي إلا أبوك، و (صديقًا) حال متعلقًا به.
ولا يتبع المجرور (بمن) نحو: ما في الدار من أحد إلا زيد، ولا الباء الزائدتين نحو: ليس زيد بشيء إلا شيئًا لا يعبأ به، ولا اسم (لا) الجنسية «لا إله إلا الله» إلا باعتبار المحل، والنكرة والمعرفة في ذلك سواء، لو قلت: لا رجل في الدار إلا رجلاً من بني تميم، أو إلا تميميًا، على أنه اتباع على اللفظ، لا على المحل لم يجز، ويجوز النصب على الاستثناء من هذه الصور وأشباهها.
وإذا أبدلت مما دخلت عليه (من) الزائدة نكرة لا معرفة، جاز ذلك عند الكسائي نحو: ما جاءني من أحد إلا زيد، و ﴿ما من إله إلا إله واحد﴾ وأجاز الأخفش: ما حسنت بصدر رجل إلا صدر زيد، بخفض (صدر زيد) على اللفظ، ونصبه على الموضع، ويجوز النصب على أصل الاستثناء.
ويجوز جر الاسم فيما كان قبله مجرور على أن يكون (إلا)، وما بعدها صفة لذلك المجرور وأنشدوا:
«إلا الأواري»
بالخفض على الصفة (من أحد) في قوله:
«وما بالربع من أحد»
стр. 1509
وأنشد الفراء والكسائي:
أبني لبيني لستما بيد ... إلا يد ... ... ....
بالخفض وأجاز ذلك الفراء في إلا يد، ولم يجزه في إلا الأواري.
وإذا كان الاستثناء منقطعًا، وصح إغناؤه عن المستثنى منه، وتأخر، فـ (بنو تميم) يجيزون الاتباع فيه كالمتصل نحو: ما في الدار أحد إلا حمار، والنصب عندهم أفصح من البدل، والحجازيون يوجبون نصبه فيقولون: إلا حمارًا، فإن لم يتأخر نحو: ما في الدار إلا حمارًا أحد، فلا يجوز فيه على مذهب البصريين إلا النصب، كالاستثناء المتصل نحو: جاء إلا زيدًا القوم، وسيأتي الكلام على هذا. وإن لم يصح إغناؤه عن المستثنى منه نحو: جاء إلا زيدًا القوم، وسيأتي الكلام على هذا. وإن لم يصح إغناؤه عن المستثنى منه نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر فـ (في) زاد، ونقص ضميران فاعلان، و (ما) مصدرية كأنه قال: ما زاد إلا النقص، وما نفع إلا الضر، فهذا الذي لا يمكن أن يتوجه عليه العامل لا يصح فيه عند جميع العرب إلا النصب.
стр. 1510
وزعم أبو بكر محمد بن إسماعيل مبرمان، وأبو سعيد السيرافي: أن المصدر المنسبك من (ما) والفعل هنا في موضع رفع على الابتداء، وخبره محذوف تقديره: ما زاد النهر لكن النقصان أمره، وما نفع زيد لكن الضرر شأنه، وزعم الأستاذ أبو علي: أن المصدر هنا مفعول به حقيقة تقديره: ما زاد شيئًا إلا النقصان، ثم فرغه له كـ (ما ضرب إلا زيد)، أو جعله متصلاً، وكان الذي قام مقام الزيادة النقصان، ومقام النفع الضرر.
وذهب ابن الطراوة إلى أن (ما) زائدة، وخطأ سيبويه في جعل (ما) مصدرية كأنه قال: ما زاد إلا نقص، وما نفع إلا ضر، ولقوة الاتصال بإلا استغنت عن الواو، كما في قولك: ما قام زيد إلا وقعد عمرو.
وزعم بعض المتأخرين أنه قد يصح البدل بتقدير معطوف محذوف، فالتقدير: ما في الدار أحد، ولا غيره إلا الأوارى، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً، وليس ما ورد منقطعًا من تغليب العاقل، فيختص المستثنى منه بمن يعقل كأحد، وشبهه خلافًا للمازني.
стр. 1511
ألا ترى إلى قول الشاعر:
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
وغير، وسوى، وأختاها في الاستثناء المنقطع كإلا قال:
لم ألف في الدار ذا نطق سوى طلل ... ... ... ... ....
فقوله: «ذا نطق» معناه أحد، و (سوى طلل) استثناء منقطع؛ فإن كانت أداة الاستثناء فعلاً، فقد تقدم لنا أنه لا يقع بعدها استثناء منقطع فلا تقول: ما في الدار أ؛ د ليس حمارًا، ولا يكون حمارًا.
وإذا عاد ضمير قبل المستثنى بـ (إلا) الصالح للاتباع على المستثنى منه المبتدأ، أو أحد نواسخه التي هي مصدرة بنفي حقيقي اتبع الضمير جوازًا، وصاحبه اختيارًا مثال ذلك: ما أحد يقول ذلك إلا زيد، وما حسبت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، وما كان أحد يجترئ عليك إلا زيدًا، ففي الأولى والثالثة أن يرتفع تابعًا للمرفوع بدلاً منه، وأن يرتفع بدلاً من الضمير في تقول، ويجترئ، وفي الثانية أن ينتصب بدلاً من مفعول حسبت، وأن يرتفع بدلاً من ضمير يقول، ويجترئ
стр. 1512
الصفة في ذلك كالخبر، وكما في حسبت تقول: ما فيهم أحد اتخذت عنده يدًا إلا زيد، وما ظننت فهيم أحدًا يقول ذلك إلا زيد، وما كان فيهم أحد يقول ذلك إلا زيد، فيجوز في الأولى رفع زيد بدلاً من أحد، وجره بدلاً من ضمير عنده، وفي الثانية: نصبه بدلاً من أحد، ورفعه بدلاً من ضمير يقول، وفي الثالثة، رفعه بدلاً من أحد، ورفعه بدلاً من ضمير يقول، وهل يجري الحال مجرى الصفة في ذلك فيه نظر، ,القياس يقتضيه؛ لأن الحال يتوجه عليها النفي في المعنى كالصفة، والخبر فتقول: ما إخوتك في البيت عاتبين عليك إلا زيد، فتبدل من إخوتك، أو من الضمير في عاتبين.
ومما يلحق بالنفي قولهم: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد فهو بدل من الضمير في يقول، وذهب السيرافي إلى أنه لا يجوز أن يكون بدلاً من أقل، وهو الصحيح.
وذهب ابن خروف إلى أنه يجوز، فلو أريد (بأقل) التقليل الذي يقابله التكثير لا النفي المحض، فأجاز السيرافي أن يكون بدلاً من الضمير في يقول. وذهب ابن خروف إلى منع ذلك، وأوجب النصب في (إلا زيدًا)، وهذا هو الأظهر، ويجوز في هذه المسائل كلها النصب على الاستثناء، وظاهر كلام سيبويه أن البدل أحسن من النصب، ونص عليه السيرافي وغيره، ويظهر من كلام ابن عصفور أنهما مستويان.
ولو عاد الضمير بعد المستثنى نحو: ما أحد إلا زيدًا يقول ذلك: لم يكن فيه إلا النصب على الاستثناء، ولا يجوز الرفع بدلاً من الضمير المتأخر في (يقول)، والمستثنى بإلا يشمل المتصل كما مثلنا في تلك المسائل والمنقطع نحو: ما أحد يقيم
стр. 1513
بدراهم إلا الوحش وكذلك ما حسبت وما كان، وقال:
في ليلة لا نرى بها أحدًا ... يحكى علينا إلا كواكبها
برفع كواكبها بدلاً من الضمير في يحكى، والظاهر أن غيرًا في ذلك مثل: إلا، لكن لم يمثل النحويون إلا (بإلا) فتقول: ما ظننت أحدًا يقول ذلك غير زيد، بنصبه بدلاً من أحد، ورفعه بدلاً من يقول، فلو كان ما بعد (إلا) لا يصلح للاتباع، وهو أن يكون مستثنى لا يمكن أن يتوجه عليه العامل نحو: ما أحد ينفع إلا الضر، ولا مال يزيد إلا النقص، وجب فيه النصب على الاستثناء.
ولو كان المستثنى منه غير مبتدأ، ولا معمول لأحد نواسخه نحو: ما شكر رجل أكرمته إلا زيد، وما مررت بأحد أعرفه إلا عمرو، وما مررت بمن أعرفهم إلا بعمرو، فلا يجوز اتباع الضمير، ويظهر أن المعرفة كالنكرة في تلك المسائل التي يجوز فيها الاتباع للضمير، ولكن تمثيل النحاه بالنكرة.
стр. 1514
فتقول في المعرفة: ما القوم يقولون ذلك إلا زيد، وما إخوتك يقولون ذلك إلا عمرو. فلو كان المبتدأ، أو معمول أحد نواسخه ضمير الشأن لم يبدل منه، وتعين رفعه على الفاعلية نحو: ما هو يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد وقال:
يهدي كتائب خضرًا ليس يعصمها ... إلا ابتدار إلى موت بإلجام
فهو ضمير الشأن، وكذلك الهاء في ظننته، والمستكن في ليس، ويجوز أن تكون (ليس) مثل ما، فلا عمل لها. ويجوز في المضاف والمضاف إليه نحو: ما جاءني أخو أحد إلا زيد، أن يتبعه المرفوع، فيرفع، وأن يتبعه المجرور فيجر.
وقد يجعل المستثنى متبوعًا والمستثنى منه تابعًا، حكى يونس عن بعض العرب الموثوق بهم: ما لي إلا أبوك أحد، وما مررت بمثله أحد، وقال الفراء: ومن العرب من يرفع الاستثناء المقدم، وأجاز ذلك الكوفيون، والبغداديون ومخرجه على البدل، وعلى ذلك خرجه سيبويه، والفراء وقال ابن أصبغ: لا يجوز فيه عند البصريين إلا النصب خاصة.
وقال بعضهم هو من القلة بحيث لا يقاس عليه، ووجهه أن يكون بدلاً، وقال جماعة: جعله سيبويه من باب الصفة، وإبدال الموصوف منها نحو: جاءني مقبل رجل.
стр. 1515
وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع: الوجه أن يقال هو بدل من الاسم مع (إلا) مجموعين، فيقدر العامل نحو: لم يبق إلا شغر، وهو من بدل الشيء من الشيء لعين واحدة، ومن مسائل هذا: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد، وما أتاني إلا بشر إلا عمرًا أحد.
وتقديم المستثنى أول الكلام لا يجوز عند الجمهور وأجازه الكسائي، والزجاج. وفي النهاية: أجازه الكوفيون نحو: إلا زيدًا قام القوم، ولو تقدمه حرف نفي فالمنع أيضًا، ويقتضى مذهبهما الجواز نحو: ما إلا زيدًا في الدار أحد، والمنع نص ابن الضائع، والجواز ظاهر كلام شيخنا أبي الحسن الأبذي نحو قوله
ولا خلا الجن بها إنسي
стр. 1516
وقال الأخفش: وتقول: ليس إلا زيدًا فيها أحد، ولم يكن إلا زيدًا فيها أحد، ولو قلت: ما إلا زيد فيها أحد، وهل إلا زيدًا فيها أحد لم يجز، وفي النهاية: مذهب البصريين أنه لا يجوز تقديم المستثنى أول الكلام إجراء لأداته مجرى حرف العطف؛ لأن معنى (إلا زيدًا) لا زيد، وفرعوا على هذا مسألتين قالوا: يجوز: كيف إلا زيدًا إخوتك، وأين إلا زيدًا القوم، وقالوا: لا يجوز هل إلا زيدًا عندي أ؛ د، ولا أين إلا زيدًا جلس القوم، وعللوا المنع بأن هل وأين في هذا التركيب فضلة، فلو حذفا وقع المستثنى أو لا، وفي مسألتي الجواز وقع المستثنى بين شطري الجملة، انتهى.
وأجاز الكسائي تقديمه على حرف النفي نحو: إلا زيدًا ما أكل طعامك أحد، وأجازه الفراء إلا مع المرفوع، ومنعه هشام إلا مع الدائم.
ويجوز أن يتوسط المستثنى بين المستثنى منه، والمنسوب إليه الحكم سواء أكان مسندًا غليه الحكم أم واقعًا على المستثنى منه نحو: قام إلا زيدًا القوم، والقوم إلا زيدًا ذاهبون، وفي الدار إلا عمرا أصحابك، وهاهنا إلا زيدًا قومك، وأين إلا زيدًا قومك، وكيف إلا زيدًا قومك، ومثاله واقعًا على المستثنى منه: ضربت إلا زيدًا القوم، فأما إذا تقدم على المستثنى منه وعلى العامل، وتوسط بين جزءى الكلام، ففي ذلك مذاهب:
стр. 1517
أحدها: الجواز على الإطلاق كان العامل متصرفًا أو غير متصرف.
الثاني: المنع على الإطلاق.
الثالث: التفصيل بين أن يكون متصرفًا فيجوز نحو: القوم إلا زيدًا جاء، أو غير متصرف، فلا يجوز نحو: القوم إلا زيدًا في الدار، وهو مذهب الأخفش، وهو الذي نختاره؛ إذ ورد به السماع، ويحتاج جواز: القوم إلا زيدًا في الدار إلى سماع، ولا خلاف في جواز، قام إلا زيدًا القوم.
وفي البسيط: وقع الإجماع على جواز تقديمه على أحد جزءي الجملة من فاعل أو مفعول، وإذا عطفت على المستثنى المقدم المنصوب اسمًا نصبته نحو: قام إلا زيدًا وعمرًا القوم، ولا يجوز غير النصب، فإن أخرت المعطوف بعد المستثنى منه، فالمختار النصب، نحو: قام إلا زيدًا القوم وعمرًا، ويجوز أن يرفع حملاً على المعنى فتقول: قام إلا زيدًا القوم وعمرو؛ لأن معنى الاستثناء لم يقم زيد.
стр. 1518
فصل
لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان، مثال ذلك بالعطف: قام القوم إلا زيدًا وعمرًا، وضربت القوم إلا زيدًا وعمرًا، ومررت بالقوم إلا زيدًا وعمرًا، ومثاله دون عطف أعطيت الناس المال إلا عمرًا الدنانير.
قال ابن السراج: وهذا لا يجوز، فلو قلت: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، وأردت الاستثناء لم يجز، وإن أردت البدل جاز أبدلت عمرًا من أحد ودانقًا من درهم.
وقال الزجاج: البدل ضعيف، لأنه لا يجوز بدل اسمين من اسمين لو قلت: ضرب زيد المرأة أخوك هندًا لم يجز، وقد أجاز قوم: أن يستثنى بأداة دون عطف شيئان نحو: ما أخذ أحد إلا زيدًا درهمًا، وما ضرب القوم إلا بعضهم بعضًا، ومنع ذلك الأخفش، والفارسي. فتصحيحهما عند الأخفش، ما أخذ أحد زيد إلا درهمًا، وما ضرب القوم بعضهم إلا بعضًا، وتصحيحهما عند الفارسي: ما أخذ شيئًا إلا زيد درهمًا، وما ضرب القوم أحد إلا بعضهم بعضًا، ولم يبين تخريجه، فجاز أن يكون على البدل، وجاز أن يكون على إضمار في الثاني أي أحدهما ضرب بعضًا.
والسابق بالاستثناء منه أولى من المتأخر عند توسط المستثنى نحو قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا نصفه﴾، فـ (إلا قليلا) مستثنى من الليل، فإن تأخر عنهما، فاستثناؤه من الثاني أولى نحو: غلب مائة مؤمن مائتي كافر إلا اثنين، وسواء أكان الثاني فاعلاً، أو مفعولاً، فإن تقدم على ما يصلح الاستثناء منهما، فإما
стр. 1519
أن يكون أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى أو لا، إن لم يكن فمن الأول أولى مطلقًا نحو: استبدلت إلا زيدًا من أصحابنا بأصحابكم.
وإن كان أحدهما مرفوعًا لفظًا، أو معنى فهو أولى مطلقًا نحو: ضرب إلا زيدًا أصحابنا أصحابكم، وملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا، ما لم يمنع مانع نحو: استبدلت إلا زيدًا من إمائنا بعبيدنا، ولا يعتبر إذ ذاك لا تقديم، ولا تأخير، ولا توسط فتقول: طلق نساؤهم الزيدون إلا الحسنيات، وأصبى الزيدين نساؤهم إلا ذوي النهي.
وإذا [كان] عقب الاستثناء معمولات والعامل فيها واحد نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح، كان الاستثناء راجعًا إلى تلك المعمولات، وكذا لو تكرر العامل توكيدًا نحو: اهجر بني فلان، واهجر بني فلان إلا من كان صالحًا، فإن اختلف العامل والمعمول واحد، كقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ في آية قذف المحصنات. فقال ابن مالك: الحكم كالحكم فيما اتحد فيه العامل، وقال المهاباذي في شرح اللمع: لا يكون الاستثناء إلا من الجملة التي تليه.
стр. 1520
فقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ مستثنى من قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ لا غير، وحمله على أنه مستثنى من الجميع خطأ، وفي هذه المسألة خلاف، وتفصيل مذكور في علم أصول الفقه.
وإذا كررت (إلا) بعد المستثنى بها توكيدًا أبدل ما يليها مما يليه، إن كان مغنيًا عنه مثاله: قام القوم إلا محمدًا إلا أبا بكر، وأبو بكر كنية محمد، وما قام القوم إلا زيد إلا أخوك، وإن لم يغن عطف بالواو، نحو: قام القوم إلا زيدًا وإلا جعفرًا.
وأجاز الصيمري طرح حرف العطف، وهما مستثنيان من القوم، وقال (إلا) قامت مقام العاطف، وتقول: ما أتاني أحد إلا زيد وإلا عمرو ولا يجوز رفعهما جميعًا إلا بحرف العطف فتقول: وإلا عمرو، ويجوز (عمرو) دون إلا، وأجازت جماعة رفعهما بغير حرف العطف، ولو أظهرت أحدًا لم ترفع اثنين، قال ابن هشام: الأجود أن يحمل على حذف حرف العطف، وقد أجازه ابن الطراوة على غير هذا: حمل الثاني على المعنى، لأن معناه كمعنى الأول وهو مستثنى منه ألا ترى أنه يجوز عطفه عليه بإلا، وبغير إلا، والحمل على المعنى في هذا الباب قوي.
стр. 1521
وإن كررت (إلا) لغير توكيد، ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعضها، إن كان مفرغًا، ونصب ما سواه مثال ذلك: ما قام إلا زيد إلا عمرًا إلا بكرًا.
والذي يلي العامل من هذه الأسماء أولى أن يفرغ له العامل، ويجوز أن يفرغ الأخير، وينصب المتقدمين، والمتوسط فتقول: قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكر، وما قام إلا زيدًا إلا عمرو إلا بكرًا، فإذا رفعت الأول جاز فيما بعده الرفع على البدل بدل البداء، والنصب على الاستثناء، وإن رفعت الآخر نصبت ما تقدم على الاستثناء.
وإن رفعت المتوسط لم يجز فيما قبله إلا النصب على الاستثناء، ويجوز فيما بعده النصب على الاستثناء والرفع على بدل البداء.
وحكم ما فرغ له العامل من المنصوبات، حكم ما فرغ له العامل من المرفوع، نحو: ما ضربت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا، إن جعلت الأول معمولاً لضربت انتصبت الباقي على الاستثناء. أو على البدل، أو الأخير انتصب ما قبله على الاستثناء، أو المتوسط كان ما قبله منصوبًا على الاستثناء، وما بعده كذلك أو بدل.
والمجرور المفرغ له العامل كذلك تقول: ما مررت إلا بزيد إلا عمرًا إلا خالدًا، وإلا عمرو وإلا خالد، وما مررت إلا زيدًا إلا بعمرو إلا خالدًا وإلا خالد، وما مررت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بخالد، وإن لم يكن العامل مفرغًا، فالنصب على الاستثناء لجميعها إن تقدمت نحو: ما قام إلا زيدًا غلا عمرًا إلا خالدًا أحد، وقام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا القوم، وما لي إلا زيدًا إلا عمرًا ناصر.
стр. 1522
وزعم ابن السيد أنه يجوز في هذا أربعة أوجه:
الأول: النصب على الاستثناء كما ذكر النحاة.
والثاني: النصب على الحال.
والثالث: أن يجعل الأول حالاً والباقي على الاستثناء.
والرابع: أن يكون السابق على الاستثناء، والباقي حالاً، وإن تأخرت، فلأحدهما ماله مفردًا، وللبواقي النصب مثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا خالدًا، وما جاء أ؛ د إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا، وقال شيخنا أبو الحسن الأبذي: يجوز في الإيجاب الرفع في الجميع على النعت، ونصب الجميع على الاستثناء، ورفع أحدهما على الصفة، ونصب الباقي على الاستثناء، واتبع في جعل المكرر صفة ابن السيد، ومنع ذلك شيخنا أبو الحسن بن الضائع، قال الأبذي: ويجوز في النفي الرفع على البدل فيها، والنصب على الاستثناء فيها، والرفع فيها على النعت، ورفع أحدهما على البدل أو النعت والباقي على الاستثناء، وقد ذكرنا عن ابن الضائع: أنه لا يجيز في المكرر الصفة.
وحكم ما استثنى من المكرر مساو في الدخول للأول، إن كان الاستثناء من غير موجب وفي الخروج إن كان من موجب.
وإن أمكن استثناء بعضها من بعض استثنى كل من متلوه، وجعل كل وتر خارجًا، وكل شفع داخلاً، وما اجتمع فهو الحاصل، وفي هذه المسألة أربعة مذاهب.
أحدها: أنها كلها راجعة إلى الاسم المستثنى منه فإذا قال: له على مائة درهم إلا عشرة إلا اثنين لزمه ثمانية وثمانون.
стр. 1523
والمذهب الثاني: أن الأخير مستثنى من الذي قبله، والذي قبله مستثنى من الذي قبله إلى أن ينتهي إلى الأول، ويكون المقر به على هذا اثنين وتسعين درهمًا وهذا مذهب أهل البصرة والكسائي.
المذهب الثالث: أن الاستثناء الثاني منقطع، والمقر به على اثنين وتسعين، فيتحد هذان المذهبان، وإن اختلفا في التخريج، وهو مذهب الفراء.
المذهب الرابع: أنه يجوز أن تعود كلها إلى الاسم الأول، وأن يعود بعضها إلى بعض حتى ينتهي إلى الاسم الأول.
وفرعوا من العدد مسائل كالاستثناء من عدد عددًا، يليه ثم منه عددًا يليه إلى أن ينتهي إلى الأول مبدأ العدد، وذكروا لاستخراج ذلك طرقًا في الحساب، وليس ذلك من غرض النحو، ولا نطقت العرب بتلك التراكيب وهو مخرج على مذهب من أجاز استثناء الأكثر، ومذهب من أجاز الاستثناء من العدد، ومذهب الفراء إذا لم يمكن الاستثناء من عدد يليه نحو: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، أنه يستثنى الثلاثة من الشعرة فيبقى سبعة، فتزيد عليها أربعة، فيكون المقر به أحد عشر، ومذهب غيره أنه يستثنى من العشرة الأربعة بعد استثناء الثلاثة فيكون المقر به ثلاثة، وإذا كانت إلا صفة نحو قولك: له عندي مائة إلا درهمان فهو إقرار بالمائة، فإن قال: إلا درهمين، فهو إقرار بثمانية وتسعين درهمًا.
стр. 1524
فصل
أصل (غير) أن تكون صفة، وأصل (إلا) أن تكون استثناء، ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيما هو أصل فيها، وقد اضطرب كلام النحاة في الوصف بـ (إلا)، والمتفهم من كلام الأكثرين أنه يراد به الوصف الصناعي.
وهؤلاء اختلفوا، فقال الأخفش: (إلا) وما بعدها تكون صفة لنكرة، أو فيه (ألف ولام) نحو: مررت بالقوم إلا أخيك، وجاءني القوم إلا أخوك، وقال (صاحب الضوابط): يوصف بها إذا كان المستثنى منه نكرة نحو: قام كل أحد إلا زيد، فإن قلت: قام إخوتك إلا زيدًا تعين النصب، ولا يجوز الرفع على الصفة.
ونص ابن السراج وغيره على أن الذي يكون فيه (أل)، وتكون (إلا) فيه وصفًا لا بد أن تكون (أل) الجنسية.
وقال بعض أصحابنا: يوصف بها الظاهر، والمضمر، والمعرفة، والنكرة، وهو وصف يخالف سائر الأوصاف.
стр. 1525
وقال بعضهم: قول النحويين إنه يوصف بها إنما يعنون عطف البيان ألا ترى أنها جاءت بعد المضمر، والمضمر لا ينعت، وقال:
... ... ... .... ... عاف تغير إلا النؤى والوتد
(فإلا النؤى) عطف بيان من الضمير المستكن في تغير، وفي البسيط: جمهور النحويين على جواز كون (غير) تجرى على المعرفة، فكذلك (إلا)، والظاهر أنها تقع فيما تقع فيه (غير)، إلا في الموضع الذي لا يتقدمها موصوف، سواء أكان في النفي أم الإثبات منفردًا، أو مجموعًا منكرًا أم معرفًا على ما تفيده من التعريف.
ولما كانت (غير) من أخوات (مثل) يصح فيها التعريف صح جريها على المعرفة، والنكرة فكذلك (إلا) بمعنها تجرى على النكرة، والمعرفة، ويجوز فيها البدل كما جاز في (غير)، وهل يجوز فيها الحال كما جاز في (غير)؟ فيه نظر، وأجازه ابن السيد، انتهى.
وشرط الوصف بـ (إلا) أن يتقدمها موصوف فلا يحذف، وتبقى هي بخلاف (غير) فلا يجوز في قام القوم إلا زيد: قام إلا زيد، ويجوز في قام القوم
стр. 1526
غير زيد أن تقول: قام غير زيد، ويجوز الوصف بها حيث يجوز البدل وحيث لا يجوز وزعم المبرد: أنه لا يجوز الوصف بها غلا حيث يجوز البدل، وكون (إلا) لا تكون صفة غلا حيث يصح الاستثناء كالمجمع عليه من النحويين.
وفي كلام سيبويه ما يقتضي ظاهره خلاف ذلك؛ فإنه جعل: ﴿إلا الله﴾ صفة لآلهة من قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ومن قوله: لو كان معنا رجل إلا زيد [لغلبنا] ولا يجوز الاستثناء فيهما.
ومنع سيبويه الاستثناء المفرغ فيه، فكذلك الاستثناء غير المفرغ، وقيل قولهم لا يصلح فيه الاستثناء، إنما يعنون الاستثناء المتصل، وأما المنقطع فيصلح وهو سائغ في الآية، فالوصف سائغ.
وقد أجاز الجرمي، والمبرد في قوله تعالى: «إلا قليلاً ممن» أن يرتفع على الوصف لقوله تعالى: ﴿أولو بقية﴾ وهو لا شك استثناء منقطع، ولو قرئ به كان حسنًا، فحيث جاز الاستثناء بوجه ما حسن الوصف، وأجاز المبرد، وتبعه دريود في الآية البدل وتقول: جاءني رجل غير زيد، ورجلان غير زيد، ورجال غير زيد، ولا تدخل إلا مكان غير.
وما جاءني إخوتك إلا زيدًا، صلحت فيه غير، ولا أقوم إلا أن تقوم لا تكون فيه (غير)، ولا يلي (غلا) نعت ما قبلها لا يجوز: قام رجل إلا
стр. 1527
راكب، ولا ما مررت بأحد غلا قائم، والحال كالصفة لا يجوز عندي أصحابك إلا جلوسًا بل هذه يصلح فيه (غير) لا (إلا)، فإن جاء ما يوهم ذلك، فيكون حالاً، نحو: ما مررت بأحد إلا قائمًا، أو يكون صفة بدل محذوف، قال الأخفش: ما جاءني رجل إلا راكب تقديره: إلا رجل راكب، وفيه قبح وتقول: ما ضربت أحدًا غلا عمرو خير منه، (إلا) مفرغة للحال معناه إلا مفضلاً عليه عمرو.
وقال الزمخشري: ما بعد (إلا) صفة لما قبلها وهو أحد، وإلا لغو في الكلام معطية في المعنى فائدتها: جاعلة عمرًا خيرًا ممن ضربت، وإذا جاز أن تدخل على الجملة التي هي صفة، جاز أن تدخل الصفة المفردة فتقول: ما مررت برجل إلا صالح، فتكون (إلا) إيجابًا في العمد وفي الفضلات وفي التتمات.
ولا تدخل في البدل الذي هو عين الأول، ولا في عطف البيان، ولا في كل تابع هو الأول، وتابع الزمخشري صاحب البديع، وابن هشام، ويلي (إلا) في النفي فعل مضارع بلا شرط سواء أتقدم اسم نحو: ما زيد إلا يفعل كذا أم فعل نحو: ما كان زيد إلا يضرب عمرًا.
стр. 1528
ولا خرج زيد إلا يجر ثوبه، ويليها ماض مسبوق بفعل نحو قوله تعالى: ﴿وما يأيتهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون﴾ أو ماض مصحوب بقد.
وقال أبو بكر بن طاهر: ما زيد إلا قام لا يجوز، وما زيد إلا يقوم جاز، ولم يقل به من تقدم النحاة، وأجاز المبرد: ما زيد إلا قد قام.
وفي البيدع: ما زيد إلا قام لم يجز، فإن أدخلت قد أجازها قوم، انتهى.
وأما قول الشاعر:
وكلهم حاشاك إلا وجدته ... كعين الكذوب جهدها واحتقالها
فزعموا، أن (كلهم) في تأويل الجحد، والمعنى: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته، فهو نظير: أنشدك بالله إلا فعلت معناه: ما أنشدك إلا فعلك، صورته صورة واجب، ومعناه النفي، وقدرت (فعلت) بالمصدر، وليس مع فعلت سابك، فهو كلام يعنون به النفي المصحور في المفعول وقولهم: بالله إلا ما فعلت كلام مختصر من قولهم: بالله لا تفعل إلا كذا، حذف جواب القسم وترك ما يدل عليه، لأن الإيجاب لا بد أن يتقدمه نفي، وصرح في قولهم: إلا ما فعلت بما المصدرية كما صرح بها في قوله:
стр. 1529
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... ... ... ....
ومعنى (عمرتك الله): ذكرتك، وسالتك به، وهومثبت معناه النفي أي: ما أسألك بالله إلا ذكرك لنا.
وفي البديع: أوقعوا الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: أقسمت عليك بالله إلا فعلت، ونشدتك بالله إلا أجبت، وعزمت عليك إلا أجبتني ومنه قول ابن عباس للأنصار، وقد نهضوا له بالإيواء والنصر: «إلا جلستم» التقدير: ما أطلب إلا فعلك، ولا أريد إلا جلوسكم.
وإذا صح ما حكوا من قول ابن عباس، وأنه لفظه كان في ذلك حجة على أنه قد يحذف عامل المستثنى منه المتروك كما قال الفارسي في قول الشاعر:
تنوط التميم وتأبى الغبو ... ق من سنة النوم إلا نهارًا
стр. 1530
تقديره: لا تغتذى (إلا نهارًا) أي لا تغتذى وقتًا من الأوقات إلا نهارًا، حذف لا تغتدى وهو العامل في المستثنى المتروك، وإذا جاء بعد (إلا) فعل، أو جملة اسمية لم يقع موقعها (غير) ولو قلت: ما جاءني أحد غير زيد خير منه بخفض (زيد) على الإضافة، ورفع (غير)، على أنه خبر مبتدأ محذوف جاز. واختلف مدلول (إلا) وغير؛ لأن في مسألة (إلا) زيد خير من كل من جاءك، وفي مسألة (غير) نفيت أن يكون غير زيد خيرًا منه.
ولا يجوز تقديم معمول ما بعد (إلا) عليها نحو: ما قومك زيدًا إلا ضاربون، فإن وقع ففي الشعر، ولا معمول معمولها عليه وبعدها نحو: ما قومك إلا زيدًا ضاربين أي إلا ضاربين زيدًا، وسواء في ذلك فرغ العامل لما بعد (إلا) أم لم يفرغ هذا مذهب السيرافي، والفارسي، فلا يجيزون: ما زيد طعامك إلا آكل، وأجاز ذلك الأخفش ذكره في المسائل الكبار، ولا يعمل ما قبلها فيما بعدها إلا إن كان مستثنى، نحو: ما قام إلا زيد، أو مستثنى منه نحو: ما قام إلا زيدًا أ؛ د، أو تابعًا نحو: ما مررت بأحد إلا زيدًا خير من عمرو.
فأما مثل: ما ضرب إلا زيد عمرًا، وما ضرب إلا زيدًا عمرو، وما مر إلا زيد بعمرو، فتقدم الكلام في ذلك في الفصل الذي بذيل المفعول الذي لم يسم فاعله. ووافق الأخفش الكسائي في الحال، والظرف، والجار نحو: ما جاء إلا زيد ضاحكًا، وما آوى إلا عمرو إليك، وما حسن إلا زيد عندك.
ويستثنى (بحاشا)، ومذهب سيبويه وأكثر البصريين أنها حرف خافض دال على الاستثناء كـ (إلا) وأنشد الجوهري:
стр. 1531
في فتية جعلوا الصليب إلههم ... حاشاى إني مسلم معذور
وذهب بعض الكوفيين، والمبرد، والفراء إلى أنها فعل ناصب للاسم بعدها بمنزلة: عدا زيدًا، وخلا زيدًا، وجوز المبرد في الاستثناء الوجهين، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها فعل، استعملت استعمال الحروف فحذف فاعلها.
والذي يظهر أن سيبويه لا ينكر أن ينطق بها فعلاً في غير الاستثناء، ففي الاستثناء حرف، وفي غيره فعل تقول: حاشا له أن يفعل كذا؛ ومعناه جانب لك السوء، ويتعدى بنفسه، وباللام حكى الجوهري حاشاك السوء، وحاشا لك السوء.
وحكى ابن سيده: أن حاشيت بمعنى استثنيت، وحاشا بمعنى استثنى، وقال ابن حبيب: حاشا فلانًا الأكثر فيه النصب، وهو فاعل من الحشى الذي هو الناحية، وزعم الفراء: أن الخبر بعد (حاشا) بلام مضمرة.
стр. 1532
ومذهب سيبويه، والأكثر أن (خلا وعدا) فعلان ضمنا معنى الاستثناء، ولم يعرف سيبويه الجر بـ (عدا). و (خلا) وإنما نقل الجر بهما الأخفش. وثبت بالنقل الصحيح عن العرب أن (حاشا وعدا وخلا) ينتصب الاسم بعدها في الاستثناء، وينجر فإذا انجر كن حروفًا، وإذا انتصب كن أفعالاً، وإذا جاء قبلها (ما)، فالجمهور على وجوب النصب بعدها قال الفراء: إذا استثنيت بـ (ما عدا وما خلا) ضمير المتكلم قلت: ما عداني، وما خلاني، ومن نصب بحاشا قال: حاشاني. انتهى.
وزيادة (ما) قبل حاشا قليلة: وأجاز الكسائي: قام القوم ما حاشا زيد، وأجاز: قام القوم إلا حاشا زيد، وتدخل إلا على حاشا، وقيل فيها (حشا) وموضع (ما والفعل) نصب لا خلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين موضوع موضع الحال قاله السيرافي، وذهب ابن خروف إلى أن انتصابه على الاستثناء انتصاب
стр. 1533
غير، وقيل مصدرية ظرفية أي وقت خلوهم، ودخله معنى الاستثناء، وذهب الكسائي، والجرمي والفارسي في كتاب الشعر له، والربعي إلى إجازة الجر بعد (ما عدا وما خلا)، فتكون (ما) زائدة، وحكاه الجرمي عن العرب في باب الجر من كتاب الفرخ.
وإذا ولى (حاشا) مجرور باللام فلا خلاف في انتفاء حرفيتها، وزعم المبرد أنها إذ ذاك فعل، وزعم الفراء أنها أيضًا فعل، وأن الأصل حاشا لزيد، فكثر الكلام بها فأسقطوا اللام، وخفضوا بها، وزعم غيرهما أنها اسم، إذ نونوها (وحاشًا لزيد) ليس معناه الاستثناء، بل معناه التنزيه عما لا يليق بالمذكور، وقد يراد به تنزيه الاسم من السوء، فيبتدئون بتنزيه اسم الله تعالى على جهة التعجب والإنكار على من ذكر السوء ممن لم يرده لقوله تعالى: ﴿قلن حاش لله﴾ كمعاذ الله، وسبحان الله، في ذلك المعنى، والصحيح في هذا أنها اسم انتصب انتصاب المصدر الواقع بدلاً من اللفظ بالفعل، فمن قال: حاشا لله، فكأنه قال:
стр. 1534
تنزيهًا لله، ومن نونه كقراءة أبي السمال فهو مثل رعيًا لزيد، ومن قال: حاش الله كقراءة ابن مسعود، فهو مثل سبحان الله، ولم يستثن بحاش. واستثنى بحاشا، وحيش.
واختلف في دخول (ما) على حاشى في الاستثناء، فمنع من ذلك سيبويه وأجاز ذلك بعضهم على قلة، وهو مسموع من كلامهم، واختلفوا في دخول (إلا) على حاشا، فذهب الكسائي إلى جواز ذلك إذا جرت حاشا نحو: قام القوم إلا حاشا زيد، وحكى ذلك أبو الحسن عن العرب، ومنع ذلك إذا نصبت، ومنع ذلك البصريون مطلقًا، وحملوا ما حكى من ذلك على الشذوذ، وإذا جرت هذه الكلمات، فقيل تتعلق بالفعل أو معنى الفعل فموضعها نصب، وقيل: في موضع نصب عن تمام الكلام، وإذا نصبت، فذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى أن فاعلها مضمر مستكن في الفعل لا يظهر، وهو عائد على البعض المفهوم من الكلام لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث.
وذهب المبرد إلى أن الضمير فيها عائد على (من) المفهوم من معنى الكلام، فإذا قلت: قام القوم عدا زيدًا، فالتقدير: عدا هو أي عدا من قام زيدًا، وقيل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيقدر: قاموا عدا زيدًا، جاوز قيامهم
стр. 1535
زيدًا، وقاله ابن مالك ولا يطرد إذ ينتقض في نحو: القوم إخوتك عدا زيدًا لم يتقدم فعل، ولا ما جرى مجرى الفعل، وذهب الفراء: إلى أن حاشا فعل، ولا فاعل له والنصب بعدها، إنما هو بالحمل على إلا، والتزم فيها النصب، واختلفوا في هذه الجمل، فأجاز السيرافي أن تكون في موضع نصب على الحال كأنك قلت: خالين زيدًا، وعادين زيدًا، ومحاشين زيدًا، وأجاز أيضًا أن تكون لا موضع لها من الإعراب، وإن كانت مفتقرة من حيث المعنى إلى ما قبلها من حيث كان معناها معنى (إلا)، قال ابن عصفور وهو الصحيح: ولا يجوز حذف كلمة الاستثناء، وإبقاء المستثنى.
وقالت العرب: كل شيء مهة ما النساء وذكرهن، قال ابن مالك: مهة: يسير وقال غيره المهه: الطراوة والنضارة واختلفوا في تخريج هذا، فقال الفراء، وعلي بن المبارك الأحمر: العرب تستثنى (بما) وحكيا هذا الكلام، فجعلا (ما) أداة استثناء، فلا حذف بعدها، وذهب إلى ذلك السهيلي أيضًا قال: ليس ما تدخل فيه ليس يدخل فيه (ما)، فيستثنى بليس دون (ما) إلا في كلمة جاءت مثلاً، وذكر ذلك الكلام أي ليس النساء، وذكرهن فعلى قول هؤلاء (ما) نافية قد استثنى بها، وخرج بعض أصحابنا ذلك على جعل (ما) مصدرية، والفعل
стр. 1536
بعدها محذوف تقديره ما خلا زيدًا، وقدره ابن مالك ما عدا زيدًا، وقال بعضهم (ما) بمعنى إلا، ولم يثبت هذا المعنى في أقسام (ما)، وفي البديع: لا يجوز الجمع بين آلتين من آلات الاستثناء فلو قلت: قام القوم إلا خلا زيدًا، لم يجز، وقد أجازوا إلا ما خلا زيدًا، للفصل، وأجاز الأخفش: غلا حاشا زيد، بالجر. انتهى. وتقدمت إجازة هذا عن الكسائي، ويستثنى (بليس) (ولا يكون) تقول: قام القوم ليس زيدًا، وقام القوم لا يكون زيدًا، و (تكون) هنا ناقصة، والمنصوب خبر ليس، ولا يكون خبرها جملة، ولا تدخل عليهما الواو، كما لا تدخل على إلا، وأما اسمها، فقال ابن مالك، وصاحب البسيط: هو محذوف حذف الاسم؛ لقوة دلالة الكلام عليه، وهذا القول مخالف لما اتفق عليه الكوفيون، والبصريون من أن الفاعل مضمر لا محذوف، فقدره الكوفيون عائدًا على الفعل المفهوم من الكلام السابق، فإذا قلت: قام القوم ليس زيدًا، فالمعنى ليس هو زيدًا «أي ليس فعلهم فعل زيد» حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقدره البصريون ضميرًا عائدًا على البعض المفهوم المعنى ليس هو؛ أي بعضهم زيدًا.
وقدره بعض النحاة باسم الفاعل الدال عليه الجملة فإذا قال: قام القوم ليس زيدًا قدره ليس القائم زيدًا، ولما جعلت ليس في الاستثناء بمعنى (إلا) انفصل الضمير الواقع خبرًا لها تقول: زيد قام القوم ليس أنا، ولم يجز العطف على
стр. 1537
خبرها بـ (ولا)، لا تقول: جاء القوم ليس زيدًا ولا عمرًا، بل تقول: وعمرًا، فخرجت عن معنى الجحد الذي بسببه يكون العطف بـ (ولا).
والخلاف فيهما: هل لهما موضع من الإعراب، فيكونا حالين، أو لا موضع لهما من الإعراب، كالخلاف في عدا، وخلا، وحاشا إذا كن أفعالا.
ومن أجاز تقديم خبر ليس عليها ينبغي ألا يجيز ذلك هنا، لأنها جرت مجرى (إلا)، فكما لا يجوز قام القوم زيدًا إلا: لا يجوز قام القوم زيدًا ليس. ومن أحكام (لي) و (لا يكون) أنه لا يجوز تقديمهما على الجملة الأولى لا تقول: ليس زيدًا قام القوم، ولا يكون زيدًا قام القوم.
والمستثنى منه مع (إلا) مصرح به، وغير مصرح نحو: ما قام إلا زيد، وتتوسط (إلا) بين شيئين أحدهما مقتض للآخر نحو: ما زيد إلا قائم، وما مررت بأحد إلا زيد خير منه، ويعتقب الإعراب على ما بعد (إلا) رفعًا ونصبًا وجرًا.
وأسماء الأفعال بمنزلة الأفعال فيما ذكر من الواجب والأمر تقول: هيهات القوم إلا زيدًا، ويا قوم هلم إلا زيدًا، ويجوز أن يكون ليس، ولا يكون في موضع الصفة، فيضمر فيهما ضمير الموصوف، ويطابقه في الإفراد، والتثنية والجمع، والتأنيث وذلك لا يكون إلا حيث يصلح فيه الاستثناء، ولا يكونان إذ ذاك استثناء، ولا يقع عدا وخلا وحاشا صفة لا تقول: ما أتتني امرأة عدت هندًا وتقول: ما أتتني امرأة ليست هندًا، ولا تكون هندًا، وما جاءني رجال ليسوا
стр. 1538
الزيدين، ولا يكونون الزيدين وما جاءني نساء لسن الهندات، ولا يكن الهندات، وما جاءني رجلان ليسا أخويك، ولا يكونان أخويك، وما جاءني رجل ليس زيدًا ولا يكون زيدًا، فيكون إذا وقعتا صفة يكون خبرهما بعدد الموصوف كما مثلنا. وقال بعضهم: يجوز ألا يكون بعدد الموصوف فتقول: ما جاءني القوم ليس زيدًا، ولا يكون عمرًا، ومثل ابن عصفور وغيره ذلك بما لا يصلح فيه الاستثناء نحو: جاءني رجال ليسوا الزيدين، وجاءني نساء لسن الهندات.
والموصوف بهما نكرة كما مثلنا، وأجاز ابن مالك أن يكون الموصوف مصحوب (أل) الجنسية، وقال: وقد يوصف بها على رأي، فأشعر أنه لا يجوز الوصف بها إلا على رأي من يرى ذلك.
ولم يذكر أحد ممن طالعنا كلامه في جواز ذلك خلافًا، ولو كان قبلهما معرفة مما يصلح أن يستثنى منه فالقياس يقضتي أن يكون في موضع نصب على الحال نحو: جاء القوم ليسوا إخوتك، وجاءتني النساء لسن الهندات نص على ذلك أبو الحسن الأبذي شيخنا، وتقولك قام القوم إلا أن يكون زيد، وما جاءني أحد إلا أن يكون زيد، ترفع زيدًا على أن «يكون» تامة وهو قول الجمهور، وأجازه الأخفش، وأجاز أن تكون ناقصة على حذف خبر يكون أي إلا أن يكونه زيد.
ولا يجيز أصحابنا حذف خبر كان وأخواتها، وإذا نصب (كان) في يكون ضمير مفرد مذكر لا يبرز في تثنية، ولا جمع، كما في لا يكون إذا استثنى بها والتقدير إلا أن يكون هو أي بعضهم زيدًا، والرفع في زيد أكثر من النصب.
стр. 1539
فأما قراءة من قرأ: ﴿إلا أن تكون تجارة﴾ بالتاء فالقياس يكون بالياء على التذكير، وغلا أن تكون استثناء منقطع، فهو في موضع نصب على لغة الحجاز، وفي موضع رفع على البدل على لغة تميم، إن كان تقدمه ما يصلح فيه البدل، وقد تكلف بعض أصحابنا في جعله استثناء متصلاً بما يعسر تقديره.
ويستثنى (بغير)، فينجر ما بعدها بالإضافة، وحكمها هي حكم الاسم الذي بعد (إلا) تقول: ما قام غير زيد، وجاءوني غير زيد، تنصب، وترفع على النعت للضمير على مذهب من أجاز ذلك، أو على عطف البيان على ما مر، وما جاءني أحد غير زيد ترفع، وهو أرجح من النصب، وما لأحد علم غير ظن، فتجيء فيه لغة الحجاز، ولغة تميم، وإذا انتصب (غير) على الاستثناء نحو: قاموا غير زيد، فالناصب له عند أصحابنا كونه جاء فضلة بعد تمام الكلام، كقولهم في المنصوب بعد (إلا).
وذهب السيرافي، وابن الباذش إلى أنها منصوبة بالفعل السابق، وهي عند ابن الباذش مشبهة بالظرف المبهم، فكما يصل الفعل إليه بنفسه، كذلك يصل إلى غير.
وذهب الفارسي في التذكرة على أنها منصوبة على الحال، وفيها معنى الاستثناء، ولما كانت (غير) يفرغ لها العامل في الإيجاب فتقول: قام غير زيد، فهل يجوز في نحو: قام القوم غير زيد، أن يكون بدلاً، كما جاز في ما قام القوم
стр. 1540
إلا زيد، لجواز التفريغ فيها، وقبول تكرار العامل في ذلك نظر، وأجاز الفراء فتح (غير) مطلقًا قال: لتضمنها معنى (إلا) فتقول: ما جاء غير زيد، وما جاءني غيرك بالنصب.
قال بعض بني أسد، وقضاعة: إذا كانت (غير) في معنى (إلا) ينصبونها تم الكلام قبلها، أو لم يتم فتقول: ما جاءني غيرك، وما جاءني أحد غيرك، ولم يمثل إلا بالإضافة إلى مبني، وأجاز ابن مالك بناءها إذا أضيفت إلى مبني صلح مكانها (إلا)، أو لم يصلح فمثال ما صلح مكانها (إلا) قوله:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة ... ... ...
стр. 1541
ومثال ما لا يصلح فيه (إلا):
لذ بقيس حين يأبى غيره ... ... ... ....
وتقول: ما أتاني غير زيد وعمرو، وما جاءني القوم غير زيد وعمرو، بالجر عطفًا على زيد، ويجوز في المعطوف الرفع، فتقول: وعمرو؛ لأن معنى (غير) زيد: غلا زيد، فكما لو صرحت بـ (إلا) زيد جاز الرفع فكذلك هذا.
وهذا العطف عند بعضهم عطفًا على الموضع، وعند الأستاذ أبي علي عطفًا على التوهم، والمعطوف، وإن أعرب إعراب غير، ليس معطوفًا على غير نفسها مع إرادة معنى إلا زيد؛ فإن عطفت على غير نفسها اختلف المعنى.
وتقول: جاء القوم غير زيد وعمرًا بالنصب على المعنى؛ إذ يصلح مراعاته، إذ تقول: إلا زيدًا وعمرًا.
وهل تختص هذه المراعاة، إذا كانت (غير) استثناء فقط، أم يجوز ذلك إذا كانت غير صفة لا استثناء نحو: ما جاءني أحد غير زيد وعمرو، فغير زيد صالح لـ «إلا زيد»، والظاهر جوازه، قيل: ويجوز فيه وجه آخر، وهو القطع على الابتداء، وهل يراعى العطف وحده من التوابع في هذا المعنى، أم يكون باقي
стр. 1542
التوابع، كالعطف في ذلك القياس، يقتضيه، لكنهم لم ينصوا إلا على المعطوف فتقول على المراعاة: ما جاءني غير زيد نفسه، وغير زيد العاقل، وغير زيد أبو حفص، وغير زيد أخوك.
وقد خرج ابن خروف الصفة على مراعاة المعنى في قوله:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنت على خضراء سمر قيودها
فجعل (سمر) صفة لحمامة المرفوع بعد (إلا) فكذلك بعد غير، والصحيح أنه لا يراعى المعنى في إلا زيد على تقدير: غير زيد، فلا يجوز ما قام القوم إلا زيد وعمرو بالخفض حملاً لـ (إلا) زيد على غير زيد، وقد أجازه ابن خروف كما ذكرنا، ويجوز ما جاءني غير زيد وإلا عمرو بالرفع، كما جاز رفع عمرو دون إلا، وفي النهاية: ما أتاني أحد إلا غير زيد بالرفع، لأنه يصح أن تقول: ما أتاني غير زيد، ولا يجوز قام القوم إلا غير زيد لا على الاستثناء، ولا على الحال. انتهى.
وإذا كانت (غير) استثناء، ففي العطف بعدها (بلا) خلاف، ذهب الفراء وثعلب إلى أنه لا يجوز فلا تقول: جاءني القوم غير زيد ولا عمرو، كما لا تقول: جاءني القوم إلا زيدًا ولا عمرًا.
стр. 1543
وذهب أبو عبيدة، والأخفش، والزجاج، وابن السراج، والفارسي، والرماني إلى جواز ذلك على زيادة (لا)، أو على الحمل على المعنى، إذ المعنى في قام القوم إلا زيدًا: قام القوم لا زيد. كما تقول: أنت غير القائم ولا القاعد معناه أنت لا القائم ولا القاعد.
وأجاز النحويون عندي غير زيد، ولا عبد الله، ولم يجيزوا ذلك في سوى، وأجاز بعضهم: أنت زيدًا غير ضارب، ولم يجيزوا: أنت زيدًا مثل ضارب، لجعلهم غيرًا بمعنى (لا)، وتقول: ما لي إلا زيدًا صديق وعمرا، عطفًا على إلا زيدًا، وعمرو، بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف كأنه قال: وعمرو لي صديق، إذ معنى مالي إلا زيدًا صديق، زيد صديقي قاله الخليل.
وقال غيره: (إلا زيدًا) كان يجوز فيه الرفع على أن تبدل منه صديق، فحمل عمرو عليه عطفًا على التوهم، ولا يجوز: ما أتاني صديق إلا زيدًا وعمرو بالرفع على توهم الرفع في قوله: إلا زيدًا، بل ترفع على الابتداء.
وتساوى (بيد) غير، وتضاف إلى (أن) وصلتها وتقع في الاستثناء المنقطع، وفي الحديث: «أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنى من قريش، واسترضعت في بني سعد».
وتقول: ذهب الناس بيد أني لم أذهب، ومعناها معنى غير هذا هو المشهور، وقال الأموي: معناها معنى (علي). وذكر الحديث.
стр. 1544
وفي البديع: وقد تكون بمعنى (على)، وقد يبدل من بائها ميم وفي الحديث: «أنا أفصح العرب ميد أني من قريش واسترضعت في بني سعد» وفسر (بيد) من أجل وقال الراجز:
عمدًا فعلت ذاك بيد أني ... أخاف إن هلكت أن ترني
والمشهور أن (بيد) بمعنى (غير)، والغالب أنه يجيء بعدها (أن) وقد جاء بعدها الفعل قال الشاعر:
بيد لا يعثر بالردف ولا ... يسلم الحي إذا الحي طرد
يريد (بيد) أنه لا يعثر، وهي لازمة النصب ولا تتصرف بوجوه الإعراب تصرف (غير).
و (سوى) بكسر السين وضمها مقصورتين، وبفتح السين وكسرها ممدودتين، ويستثنى بها في الاتصال والانقطاع، وكونها ظرفًا كالمجمع عليه إلا ما ذهب إليه الزجاجي أنها اسم لا ظرف، وتابعه ابن مالك فزعم أنها بمعنى (غير).
وقال الكوفيون: وقد يكونان اسمين بمعنى غير وهي عند سيبويه،
стр. 1545
والفراء، وأكثر النحاة لازمة الظرفية لا تتصرف، وذهب بعضهم إلى أنها تستعمل ظرفًا كثيرًا، وغير ظرف قليلاً، وهو قول الرماني، والعكبري، وابن عصفور، فيما حكاه عنه ابن الضائع، والذي في تآليف ابن عصفور أنه ظرف لا يتصرف كقول الجمهور، قال تقول: مررت برجل سواك بمعنى مكانك الذي يدخله معنى عوضك وبدلك، ولما كانت الظرفية فيها مجازًا لم يتصرفوا فيها فلا يقال: قام سوى زيد، ولا قام سواء زيد، ولا ما ضربت سواك، ولا مررت بسواك ولا ينتصبان على غير الظرفية، غلا إن جاء شيء من ذلك في ضرورة الشعر، قيل: ولم يشرب معنى الاستثناء فيها إلا سوى المكسورة السين، ولم يمثل سيبويه في الاستثناء إلا بها، فإن استثنى بالآخر فبالقياس عليها، وظاهر كلام الأخفش أنه يستثنى بالثلاثة.
ويضاف إلى المعرفة والنكرة كـ (غير) وزعم بعضهم أنها لا تضاف إلا إلى
следующие страницы →