Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
أي ثويته فيه، فأما «قتل أصحاب الأخدود النار» فاتفقوا على أن (النار) بدل، قال الفارسي: بدل اشتمال، وقال الفراء، وابن الطراوة: بدل كل من كل، وقال ابن خروف: بدل إضراب، وقال ابن هشام: على حذف مضاف أي أخدود النار، ومن النحويين من لا يلتزم في هذين البدلين ضميرًا، ويجوز في هذين البدلين أن يبدل من ضمير المتكلم والمخاطب كما يبدل من ضمير الغائب تقول: ضربني رجلي زيد، و:
... ... ... .... ... وما ألفيتني حلمي مضاعا
стр. 1962
وضربتك رأسك، وأجبتك علمك كما تقول: زيد ضربته رأسه، واستجدته عقله، واختلفوا في المشتمل في بدل الاشتمال، فذهب الفارسي في أحد قوليه، والرماني في أحد قوليه، وخطاب الماردي إلى أن الأول مشتمل على الثاني قال خطاب: ولا يجوز: سرني زيد داره، ولا أعجبني زيد فرسه، ولا رأيت زيدًا فرسه، ويجوز: سرني زيد ثوبه، وسرني زيد قلنسوته، لأن الثوب يتضمنه جسده، وقد ردوا عليه هذه المثل التي أجازها.
وذهب الفارسي في الحجة إلى أن الثاني مشتمل على الأول نحو: سرق زيد ثوبه، وذهب المبرد، والسيرافي، وابن جني، والرماني في أحد قوليه، ومن أصحابنا ابن الباذش، وابن أبي العافية، وابن الأبرش إلى أن المعنى المسند إلى المبدل منه مسند إلى البدل، فيكون إسناده إلى الأول مجازًا، إلى الثاني حقيقة، إذ المسلوب في الحقيقة هو الثوب لا الرجل، والمعجب هو العلم لا زيد، وإذا صح فيما كان بدلاً أن يكون مبتدأ وما بعده خبره، كان الابتداء فيه أقيس من البدل وأكثر، وذلك نحو: علمت زيدًا وجهه حسن، وألفيت زيدًا حلمه مضاع، ومنه «ترى الذين كذبوا على الله وجوهم مسودة» و:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ... ... ... ... ...
стр. 1963
قاله سيبويه وذكر أن البدل جائز، فتنصب وجهه حسنًا وحلمه مضاعًا، وهلك واحد، والعرب إذا أتت بعد البدل بخبر، أو حال، أو غير ذلك إنما تعتمد به على البدل لا على المبدل نحو: إن هندًا حسنها فاتن، وأبصرت هندًا ثغرها باسمًا، وإن زيدًا وجنته موردة، وزعم ابن مالك: أنه قد يكون البدل في حكم الملغي، فيكون الاعتماد على المبدل منه لا على البدل، واستدل بما لا دليل فيه ألبتة.
وهذه الأبدال الثلاثة هي المتفق عليها، وقد رد السهيلي بدل بعض من كل، وبدل اشتمال إلى بدل موافق من موافق فقال: العرب تتكلم بالعام وتريد به الخاص، وتحذف المضاف وتنويه فقولك: أكلت الرغيف ثلثه، فإنما تريد أكلت بعض الرغيف، ثم بينت ذلك البعض فقلت ثلثه، وإذا قلت: أعجبتني الجارية فالإعجاب إنما هو لصفة من صفاتها، فحذفت المضاف ثم بينت ذلك المحذوف فقلت: حسنها.
واختلفوا في بدل الكل من البعض، وفي بدل البداء ويسمى أيضًا بدل الإضراب، فأما الأول فنحو: لقيته غدوة يوم الجمعة، ومنه:
стр. 1964
كأني غداة البين يوم تحملوا ... ... ... ... ... ....
والجمهور على نفي بدل كل من بعض، وأما بدل البداء فأثبته سيبويه، وهو ذكرك المبدل منه والبدل من غير أن يكون الثاني ليس مطابقًا للأول في المعنى، ولا متضمنا المبدل منه بجزئه، ولا بينهما تلازم لوصفية أو غيرها، بل هما متباينان من حيث اللفظ والمعنى وذلك: مررت برجل امرأة أخبرت أولاً أنك مررت برجل ثم بدا لك أن تخبر أنك مررت بامرأة من غير إبطال لمرورك برجل فصار كأنهما إخباران مصرح بهما؛ إذ التقدير: مررت برجل مررت بامرأة، وحكى أبو زيد: (أكلت لحما سمكا تمرا) ومن لم يثبت هذا البدل جعله مما حذف منه حرف العطف أي لحما وسمكا وتمرًا، وبدل الغلط شبيه في اللفظ ببدل البداء، لكن الأول غير مراد، إنما سبق اللسان إلى ذكره غلطًا.
وزعم أبو العباس، وخطاب الماردي أن بدل الغلط لا يوجد في كلام العرب لا نثرها ولا نظمها قال خطاب: وقد عنيت بطلب ذلك في الكلام والشعر فلم أجده فطالبت غيري به فلم يعرفه، وزعم ناس من أهل الأندلس منهم أبو محمد بن السيد أنه وجد في شعر العرب بدل الغلط وما ذكروه تأوله منكرو ذلك.
وفي البسيط: وأما بدل الغلط، فجوزه سيبويه، وجماعة من النحويين،
стр. 1965
واختلفوا في المبدل منه هل ينوي به الطرح لفظًا ومعنى، فقال به المبرد، فتبطل عنده مسائل مما يعرض فيها رجوع ضمير إلى الأول، فإذا طرح لم يكن للضمير ما يعود عليه، وقال الأستاذ أبو علي: معنى قولهم: في نية الطرح أنه يقدر له عامل من جنس الأول يعمل فيه، لأن الأول يطرح ألبتة، لأن في كلام العرب ما يبطل ذلك وهو نحو: زيد ضربته أبا بكر، فلو طرح الضمير لم يبق ما يربط الجملة بالمبتدأ.
وقال ابن مالك: وقد يستغنى في الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه كقولك أحسن إلى الذي وصفت زيدًا بالنصب على البدل من الهاء المقدرة، وبالجر بدلاً من الموصول، وبالرفع على خبر ابتداء مضمر، وخالف في جواز ذلك السيرافي وغيره، وقال تعالى: «ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب» وفي الغرة: (الكذب) بدل من الضمير المحذوف من تصف لا يحسن، لأن الشيء لا يحذف ويبدل منه، لأن حذفه اختصار والبدل إسهاب، وقد أجازه الأخفش انتهى.
وإذا أبدلت من اسم استفهام أو من اسم شرط أعيدت أداة الاستفهام، وهي الهمزة مع البدل من اسم الاستفهام وأداة الشرط، وهي إن مع البدل من اسم الشرط فتقول: كيف زيد أصحيح أم سقيم، ومتى قدمت أيوم الخميس أم يوم الجمعة، وبمن تمرر إن رجل أو امرأة أمرر به، وما تقرأ أنحوًا أم فقها أقرأه، فإذا أتيت
стр. 1966
بـ (هل)، أو بـ (إن) فقلت: هل جاء أحد رجل أو امرأة، وإن تضرب أحدًا أرجلاً أو امرأة أضربه لم تدخل الأداة على البدل.
وأجاز ابن جني والزمخشري، وتبعهما ابن مالك أن تبدل الجملة من المفرد، وفي البديع: قد تبدل الجملة من الجملة إذا اتفقا في المعنى، وما استدلوا به لا تقوم به حجة، وفي النهاية: تبدل الجملة من الجملة وجعل من ذلك «أنهم هم الفائزون» على قراءة الكسر بدلاً من «إني جزيتهم اليوم» ويجوز فيها الاستئناف، وجعل ابن جني في قول ابن عطاء السدي أن قوله:
... ... ... .... ... وقد نهلت ... ... ....
بدلاً من قوله: يخطر بيننا انتهى
ويصح إبدال الفعل من الفعل إذا كان بمعناه كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد ... ... ... ....
أو كان الثاني نوعًا مما قبله نحو: متى تأت تحسن أحسن إليك.
стр. 1967
وفي البسيط: اتفقوا على أن بدل الفعل من الفعل، يكون فيه بدل الشيء من الشيء، ولا يكون فيه بدل بعض من كل، واختلفوا في بدل الاشتمال، ومن أثبته فيه جعل منه: «ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف»، ويجوز فيما فصل به جمع أو عدد الاتباع بدلاً، والقطع إن كان وافيًا بالفصل فتقول: مررت برجال زيد، وعمرو وبكر، ومررت بثلاثة بكر، وجعفر، وخالد، فإن أبدلت اتبعت المبدل منه في الإعراب، وإن شئت قطعت إلى الرفع فقلت: زيد وعمرو وبكر، وكذا فيما أبدل من اسم العدد، وإن لم يف بأن لم ينطلق عليه اسم المفصل قطعت فتقول: مررت برجال زيد وعمرو وبكر، ومررت بثلاثة بكر وجعفر وخالد أي منهم، وليس من شرط القطع التفصيل، بل يجوز في نحو: مررت بزيد أخيك أن تقطع فتقول: أخوك، نص عليه سيبويه، والأخفش وهو قبيح عند بعضهم إلا إن طال الكلام نحو: «بشر من ذلكم» فإن جاء جمع، وتبعه ما ليس موافقًا، فيؤول الجمع على أنه متجوز فيه واقع على الاثنين، أو اعتقد محذوف يفي به، وبالمذكور الإطلاق على الجمع وذلك نحو قوله:
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
стр. 1968
رماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
يروى برفع (رماد) و (نؤى) على القطع من آيات أي منها رماد ونؤى، وبنصبهما على تأويل آيات بمعنى آيتين فيكون قد قطع، أو على إقرار آيات على الجمعية، وتقدير محذوف يصح به الاتباع أي رمادًا ونؤيًا وأثفية.
ولا يجوز أن يتقدم بدل الموافق على المبدل منه، وقد تقول: أكلت ثلث الرغيف، وأعجبني حسنه زيد، لكن الأحسن الإضافة فتقول: أكلت ثلث الرغيف، وأعجبني حسن زيد، والأحسن ألا يفصل بين البدل والمبدل منه، وقد يفصل بالظرف والصفة ومعمول الفعل نحو: أكلت الرغيف في اليوم ثلثه، وقام زيد الظريف فقم، وقال تعالى: «قم الليل إلا قليلا».
стр. 1969
باب عطف النسق
تابع بأحد الحروف، ولا يحتاج إلى حد، والنسق عبارة الكوفيين، وأكثر ما يقول سيبويه باب الشركة، وهذه الحروف على قسمين متفق عليه، ومختلف فيه، المتفق عليه أنه من حروف العطف الواو، والفاء، وثم، وأو، وبل، ولا، ويأتي تفصيل أحكامها إن شاء الله تعالى.
والمختلف فيه (لكن)، و (إما)، و (إلا)، و (ليس)، و (أي)، و (حتى)، و (أم)، و (لولا)، و (هلا)، ومن الأدوات (كيف) و (متى)، و (أين)، أما (لكن) ففيها خمسة مذاهب:
أحدها: أنها ليست بحرف عطف، وهو مذهب يونس، بل هي حرف استدراك والعطف بالواو وتقول: ما قام سعد ولكن سعيد، ولا تزر زيدًا ولكن عمرًا.
الثاني: أنها حرف عطف، وهو مذهب أكثر النحويين منهم الفارسي فتكون عاطفة، ولا تحتاج إلى الواو تقول: ما قام زيد لكن عمرو، وما ضربت زيدًا لكن عمرًا، وما مررت بزيد لكن عمرو.
الثالث: أنها عاطفة بنفسها، ولا بد في العطف بها من الواو قبلها، والواو زائدة قبلها إذا عطفت، وهو اختيار ابن عصفور.
والرابع: أن العطف بها وأنت مخير بين أن تأتي بالواو، وألا تأتي بها وهو قول ابن كيسان.
стр. 1970
والخامس: أن العطف هو من عطف الجمل لا من عطف المفردات، والواو هي العاطفة، فإذا قلت: ما قام سعد ولكن سعيد، فالتقدير: ولكن قام سعيد وكذلك في النصب، وفي الترشيح: ولو قلت ما قام زيد ولكن عمرو لم يجز، لأنه لا يجمع بين حرفي عطف انتهى.
وأما (إما) وهي التي تدخل عليها الواو، فذكر ابن مالك: أن مذهب يونس، وابن كيسان، وأبي علي: على أنها ليست بحرف عطف، وأن العطف بالواو لا بـ (إما) إذا قلت: قام إما زيد، وإما عمرو، وذكر ابن عصفور اتفاق النحويين على أن (إما) ليست من حروف العطف لا الأولى ولا الثانية انتهى.
وقد عد سيبويه (وإما) في حروف العطف، وحمل بعضهم كلام سيبويه على ظاهره فقال: الواو رابطة بين إما الثانية وبين (إما) الأولى، وقال بعض المتأخرين: الواو عطف إما على (إما)، وإما (الثانية) عطفت الاسم على الاسم الذي بعد (إما) الأولى، وقال الرماني (إما) الثانية حرف عطف، وتأول بعض النحاة كلام سيبويه بأنه لما كانت صاحبة المعنى، ومخرجة للواو عن الجمع، والتابع يليها سماها عاطفة مجازًا، وأما (إلا): فذهب الأخفش، والفراء إلى أنها
стр. 1971
قد تكون حرف عطف، وجعل الأخفش من ذلك قوله تعالى: «لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم»، وأجاز الفراء في قوله تعالى: «خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك» أي وما شاء ربك.
وذهب الجمهور إلى أن (إلا) لا تكون حرف عطف، وفي محفوظي أن أحمد بن يحيى ذهب إلى أنها حرف عطف في مثل: ما قام القوم إلا زيد، وما ضربت القوم إلا زيدًا، وما مررت بالقوم إلا زيد.
وأما (ليس) فحكى النحاس، وابن بابشاذ عن الكوفيين أنهم ذهبوا إلى أنها قد تكون حرف عطف، وحكاه ابن عصفور عن البغداديين، وقال أبو جعفر النحاس: قال هشام: ضربت عبد الله ليس زيدًا، وقام عبد الله ليس زيد، ومررت بعبد الله ليس بزيد، لأنك لا تضمر المرور والباء، ولا يجيز حذف الباء، ولا يجيزون: إن زيدًا ليس عمرًا قائم، لأنهم يضمرون العامل بعد الاسم، فيجيزان: زيدًا ليس عمرًا إن قائم، ولو قلت: ظننت زيدًا ليس عمرًا قائم جاز عندهم، لأن ظننت تعمل فيما قبلها، والعطف بـ (ليس) عند البصريين خطأ، وقال ابن كيسان: قال الكسائي: هي على بابها ترفع اسمًا وتنصب خبرًا، وأجريت في النسق مجرى (لا) مضمرًا اسمها فإذا قلت: رأيت زيدًا ليس عمرًا، ففيها اسم مجهول، وهو الأمر، ورأيت محذوفة اكتفاءً بالتي تقدمها، وعمرو محمول على المحذوف لا على العطف على ما قبله. قال ابن كيسان: وهذا الذي أذهب إليه، لأن ليس فعل، ولا بد للفعل من اسم، فإذا عملت في اسم فلا بد من خبر، والخبر حذفه جائز انتهى.
стр. 1972
وفي الحقيقة ليست (ليس) عندهم أداة عطف، لأنهم أضمروا الخبر في قولهم: قام زيد ليس عمرو، وفي النصب والجر جعلوا الاسم ضميرًا لمجهول، وأضمروا الفعل بعدها، وذلك الفعل المضمر في موضع خبر ليس، هذا تحرير مذهبهم، فليس يعطف مفردًا على مفرد على ما يفهم من كلام ابن عصفور، وابن مالك، وهشام، وابن كيسان أعرف بتقدير مذهب الكوفيين منهما.
وأما (أي) فذهب الكوفيون، وتبعهم ابن السكاكي الخوارزمي من أهل المشرق، وأبو جعفر بن صابر من أهل المغرب إلى أنها حرف عطف تقول: رأيت الغضنفر أي الأسد، وضربت بالعضب أي السيف، والصحيح أنها حرف تفسير يتبع بعدها الأجلي للأخفى، وهو عطف بيان يوافق في التعريف والتنكير ما قبله.
وأما (حتى): فذهب الكوفيون إلى أنها ليست بحرف عطف، وإنما يعربون ما بعدها بإضمار، والعطف بها رواه سيبويه، وأبو زيد، وغيرهما عن العرب لكن ذلك لغة ضعيفة، ولذلك قال أبو الحسن في الأوسط له: زعموا أن قومًا يقولون: جاءني القوم حتى أخوك، وضربت القوم حتى أخاك وليس بالمعروف.
وأما (أم): فذكر النحاس فيها خلافًا، وأن أبا عبيدة ذهب إلى أنها بمعنى الهمزة فإذا قال: أقام زيد أم عمرو فالمعنى أعمرو قام، فتصير على مذهبه استفهامين، وقال محمد بن مسعود الغزني في كتابه المسمى البديع: أما (أم)
стр. 1973
فعديل همزة الاستفهام، وليس بحرف العطف، ولذلك تقع بعدها جملة مستفهم عنها كما بعد الهمزة نحو: أضربت زيدًا أم قتلته، وأبكر في الدار أم خالد أي: أم خالد فيها، ولتساوى الجملتين بعدهما في الاستفهام حسن وقوعها بعد سواء، وإذا كان معنى الهمزة معنى [أم] أي: الأمرين، فكيف تكون حرف العطف، لكنه من حيث يتوسط بين محتملي الوجود لتعيين أحدهما بالاستفهام كتوسط (أو) بين اسمين محتملي الوجود قيل أنه حرف عطف انتهى.
وأما (لولا): فحكى أحمد بن يحيى عن الكسائي أنه أجاز: مررت بزيد فلولا عمرو بحذف الباء، وأتى ذلك الفراء، ولولا هذه هي التحضيضية.
وأما (هلا)، فذهب الكوفيون إلى أنها من أدوات العطف قالوا: تقول العرب: جاء زيد فهلا عمرو، وضربت زيدًا فهلا عمرًا، فمجيء الاسم موافقًا للأول في الإعراب دل على العطف، والصحيح أنها ليست من أدوات العطف والرفع، والنصب هو على إضمار الفعل بدليل امتناع الجر في نحو: ما مررت برجل فهلا امرأة.
وأما (كيف) فذهب هشام إلى أنها حرف نسق، وزعم أنه لا ينسق بها إلا بعد نفي وأجاز: مررت بزيد فكيف بعمرو وقال يونس: امرر على أيهم
стр. 1974
أفضل إن زيد وإن عمرو، يعني إن مررت بزيد، وإن مررت بعمرو، قال سيبويه: وهذا يشبه قول النحويين: (ما مررت بزيد فكيف أخيه) قال: وهذا رديء لا تتكلم به العرب، وزعم يونس أن الجر خطأ، ونسب ابن عصفور: العطف بكيف للكوفيين، وقال ابن بابشاذ: لم يذهب إلى العطف بـ (كيف) إلا هشام وحده.
وأما (متى) فحكى ثعلب عن الكسائي أنه أجاز: مررت بزيد فمتى عمرو بالجر ومنع ذلك الفراء كالبصريين، وأما (أين) فذهب الكوفيون إلى أنها من أدوات العطف وقالوا: قالت العرب هذا زيد أين عمرو.
стр. 1975
باب ذكر الحروف المتفق عليها وبعض أحكام من المختلف فيه
فمن ذلك (الواو) وتشرك في الحكم تقول: قام زيد وعمرو، فيحتمل ثلاثة معان:
أحدها: أن يكون قاما معًا في وقت واحد.
والثاني: أن يكون المتقدم قام أولاً.
والثالث: أن يكون المتأخر قوم أولا.
وقال ابن مالك: وتنفرد (الواو) بكون متبعها في الحكم محتملاً للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة، وهذا الذي ذكره مخالف لمذهب سيبويه وغيره، قال سيبويه: وذلك قولك: مررت برجل وحمار كأنك قلت: مررت بهما وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء، ولا شيء مع شيء، وقال ابن كيسان: لما اختلفت هذه الوجوه، ولم يكن فيها أكثر من جمع الأشياء كان أغلب أحوالها أن يكون الكلام على الجمع في كل حال، حتى يكون في الكلام ما يدل على التفرق.
وذهب هشام، وأبو جعفر أحمد بن جعفر الدينوري إلى أن الواو لها معنيان معنى اجتماع فلا تبألى بأيها بدأت نحو: اختصم زيد وعمرو، ورأيت زيدًا وعمرًا إذا اتحد زمان رؤيتهما، ومعنى افترقا بأن يختلف الزمان، فالمتقدم في الزمان متقدم في اللفظ، ولا يجوز أن يتقدم المتأخر.
стр. 1976
وما ذكرناه عن هشام، والدينوري من أن (الواو) التي ليست لمعنى الاجتماعي ترتب، هو منقول عن قطرب، وثعلب، وأبي عمرو الزاهد غلام ثعلب.
وما ذكره السيرافي، والسهيلي من إجماع النحاة بصريهم، وكوفيهم على أن (الواو) لا توجب تقديم ما قدم لفظه، ولا تأخير ما أخر لفظه غير صحيح، لوجود الخلاف في ذلك، وتنفرد (الواو) أيضًا بعدم الاستغناء عنها في عطف ما لا يستغنى عنه مثاله: اختصم زيد وعمرو، وهذان زيد وبكر، وإن إخوتك زيدًا وعمرًا، وبكرًا نجباء، والمال بين زيد وعمرو، وزيد بين أخيك وبكر، وسواء عبد الله وبشر، وأجاز الكسائي [وأصحابه: اختصم زيد مع عمرو، فنابت (مع) مناب الواو، ومنع ذلك الفراء، وأجاز الكسائي] ظننت عبد الله ثم زيدًا مختصمين بـ (ثم)، و (بالفاء)، و (بأو)، ومنع ذلك البصريون، والفراء إلا بالواو، وقال الفراء: لا يجوز أظن عبد الله مختصمًا فزيدًا، ولا يثم، ولا بـ (أو)، وحكى الكسائي: «لأضربن عبد الله، ومحمد على هذه الصفة، وكذا قال الفراء وهشام، وقال الفراء: إذا بدأت بالفعل فقلت: ضربت عبد الله وزيدًا، كان في (زيد) الرفع بالرد على التاء، أو بنسق على التاء بمعنى التكرير والنصب على عبد الله أو بالتكرير، ووجه خامس: أن يرفع زيدًا على الرد على عبد الله، وإن كان نصبا وذلك أن الواو لم يظهر معها الفعل، وجاء بعد تمام الكلام بالاسم فكأنك قلت: وزيد كذلك، وزعم هشام أنه لا يجوز: ضربت عبد الله ورجل، فلو قلت ضربت عبد الله فزيدًا، استقبحه الفراء في الفاء.
стр. 1977
وقال هشام: إذا أردت الاستئناف، فجميع النسق سواء، ولا يجوز شيء من هذا عند البصريين، وقال ابن مالك: وتنفرد بجواز عطف بعض متبوعها عليه تفصيلاً نحو قوله تعالى: «وملائكته ورسله وجبريل وميكال»: و «حفظوا على الصلوات والصلاة الوسطى» فـ (جبريل)، و (ميكائيل) مندرجان تحت وملائكته، والصلاة الوسطى مندرجة تحت الصلوات، وهذا ليس متفقا عليه بل ذهب أبو علي، وأبو الفتح إلى أن ما جاء من ذلك لم يندرج تحت ما قبله، وأنه أريد به غير ما عطف عليه ذهابًا منهما إلى أن المعطوف لا يكون إلا غير المعطوف عليه، وقال ابن مالك: ويجوز عطف عامل مضمر على ظاهر يجمعهما معنى واحد مثاله: «والذين تبوأ الدار والإيمان» أصله: تبوءوا الدار واعتقدوا الإيمان، فاستغنى بمفعول اعتقدوا عنه، وهو معطوف على تبوءوا وجاء ذلك، لأن في اعتقد وتبوأ معنى لازموا.
وهذا الذي ذكره فيه مذهبان خلطهما ابن مالك، وركب منهما مذهبا ثالثًا، فتقول: ذهب الفارسي في جماعة من البصريين، والفراء في جماعة من الكوفيين إلى أن ما ورد من ذلك، إنما يحمل على إضمار فعل لتعذر العطف، فقدروا: اعتقدوا الإيمان، وذهب أبو عبيدة، والأصمعي، واليزيدي، وغيرهم
стр. 1978
إلى أن ذلك من عطف المفردات، وتضمين العامل معنى ينتظم به المعطوف والمعطوف عليه، فيقدر: آثروا الدار والإيمان، واختار بعض أصحابنا: التضمين على الإضمار، واختلف أيضًا في هذا التضمين، والأكثرون على أنه ينقاس، وضابطه عندهم أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى واحد لهما، والذي أختاره التفصيل، فإن كان العامل الأول يصح نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة، كان الثاني محمولاً على الإضمار، لأن الإضمار أكثر من التضمين نحو: يجدع الله أنفه وعينيه أي: ويفقأ عينيه، فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة.
وإن كان لا يصح كان العامل متضمنًا معنى ما يصح نسبته إليه، لأنه لا يمكن الإضمار نحو قول العرب: علفت الدابة ماء وتبنًا، أي: أطعمتها أو غذوتها ماء وتبنًا، وتقدم الكلام على شيء من هذا في المفعول معه.
وإذا عطفت بالواو على منفي عنه الحكم، وأتيت بـ (لا) بعد الواو نحو: ما قام زيد ولا عمرو كان الفعل منفيًا عنهما حالة الاجتماع وحالة الافتراق، فإن كان الفعل مما يقتضي الاشتراك، فقد تأتي بـ (لا) زائدة لتأكيد المنفي نحو: «وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور» والظاهر أن مثل: ما قام زيد، ولا عمرو هو من عطف المفردات، وبعضهم يزعم أنه من قبيل عطف الجمل، قال: إذا عطفت بالواو ومعها (لا) أفادت المنع من الجميع كقولك: والله لا كلمت زيدًا ولا عمرًا، ولو حذفتها لجاز أن تكلم أحدهما، لأن (الواو) للجمع، وإعادة (لا) كإعادة الفعل فيصير الكلام جملتين، وقال السهيلي: (الواو) قسمان أحدهما: أن تجمع الاسمين في عامل واحد، وتنوب مناب صيغة التثنية، فيكون: قام زيد وعمرو بمنزلة قام هذان، فإن نفى الفعل قلت: ما قام زيد وعمرو.
стр. 1979
الثاني: أن يضمر بعد الواو، فيرتفع المعطوف بذلك المضمر أو ينتصب، فإذا نفيت على هذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو، فالواو عاطفة جملة على جملة، ويتركب على هذين الأصلين مسائل منها: قامت هند وزيد إذا أضمرت، وقام هند وزيد إذا جعلتها جامعة لتغليب المذكر على المؤنث وتقول: طلعت الشمس والقمر، وطلع الشمس والقمر على هذا ولا تقول: في (جمع) إلا جمع الشمس والقمر، ومنها زيد قام عمرو وأبوه إن جعلتها جامعة جاز، أو أضمرت بعدها لم يجز، وكذا في الصلة والصفة.
(الفاء): تشرك في الحكم، والثاني عقب الأول بلا مهلة هذا مذهب الجمهور، وذهب الجرمي إلى أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فلا ترتيب تقول: عفا مكان كذا فمكان كذا (وإن كان عفا وهما في وقت واحد)، ونزل المطر مكان كذا فمكان كذا، وإن كان نزوله فيهما في وقت واحد.
وزعم الفراء أن ما بعد الفاء قد يكون سابقًا إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وجعل من ذلك قوله تعالى: «وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون» ومعلوم أن مجيء البأس سابق للملائكة، وزعم الفراء أيضًا أن الفعلين إذا كان وقوعهما في وقت واحد، ويئولان إلى معنى واحد، فإنك مخير في عطف أيهما شئت على الآخر بالفاء تقول: أحسنت إلي فأعطيتني، وأعطيتني فأحسنت إلي.
стр. 1980
وتغلب السببية في الفاء إذا عطف بها جملة، أو صفة مثال ذلك «فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه» و «ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه» «وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات» [و] «لأكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم».
وقال ابن مالك: وقد تكون بينهما مهلة مثاله: «أنزل من السماء ماء فيصبح الأرض مخضرة» انتهى.
ولا يعتقد أن قوله (فتصبح) معطوف على أنزل بل ثم محذوف [و] فتصبح معطوف عليه أي فأنبتنا به، فطال النبت فتصبح، وتعطف الفاء مفصلاً على مجمل نحو: «فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما» [و] «فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة».
ويسوغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين من صلة أو صفة، أو خبر إذا كان العطف بها نحو: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، ومررت برجل يبكي، فيضحك عمرو، وقد يكون الضمير في الجملة الثانية نحو: الذي تقوم هند، فيغضب عمرو، ومررت بامرأة تبكي زيد فيضحك، وهند يقوم عمرو
стр. 1981
فتضحك، وذكروا أن (الفاء) قد جاءت زائدة قال الأخفش: زعموا أنهم يقولون: أخوك فوجد يريدون: أخوك وجد، وذكروا من زيادتها قوله:
... ... .... ... فثم إذا أصبحت أصبحت غاديًا
وذكروا غير هذا مما يحتمل التأويل، فلا تكون زائدة كما ذكروا زيادة (الواو) وأنشدوا على ذلك أبياتًا، وقال الأخفش: تقول «كنت ومن يأتنا نأته»: الواو زائدة في باب (كان)، ولا يحسن زيادتها إلا في باب كان يعني أنه لا يطرد زيادتها إلا في باب كان.
ويجوز دخول (الفاء) على إذا الفجائية في مثل: خرجت فإذا السبع فمذهب مبرمان، واختاره ابن جني أنها عاطفة، ومذهب الزيادي أنها فاء الجزاء، ومذهب الفارسي أنها زائدة.
стр. 1982
(ثم): تشرك في الحكم وترتب بمهلة، وذهب الفراء فيما حكاه السيرافي عنه والأخفش، وقطرب فيما حكاه (أبو محمد عبد المنعم بن الفرس في مسائله الخلافيات عنه) إلى أن (ثم) بمنزلة الواو، لا ترتب، ومنه عندهما: «ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها» ومعلوم أن هذا الجعل كان قبل خلقنا، وزعم بعضهم أنها تقع موقع الفاء وجعل من ذلك:
... ... ... ... ... ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
أي فاضطرب، كما تقع (الفاء) موقع (ثم) في قول بعضهم، وجعل منه: «ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما» فالفاء في (فخلقنا) (فكسونا) واقعة موقع (ثم)، لما في معناه من المهلة، وكقوله:
إذا مسمع أعطتك يومًا يمينه ... فعدت غدا عادت عليك شمالها
стр. 1983
وزعم بعضهم أنه قد تقع (ثم) في عطف المقدم بالزمان اكتفاءً بترتيب اللفظ، وحكى المهاباذي أن (ثم) قد تكون زائدة، على مذهب أبي الحسن والكوفيين نحو قوله:
... ... ... ... ... ... ... وثم إذا أصبحت أصبحت غاديا
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أنها للترتيب والإيذان أن الثاني بعد الأول بمهلة، ويؤول ما ظاهره خلاف ذلك.
وقد تبدل ثاؤها بفاء، فيقال: فم، وقد تلحقها التاء ساكنة فتقول: ثمت ومتحركة فتقول: ثمت، وقال الفراء: العرب تستأنف بـ (ثم)، والفعل الذي بعدها قد مضى قبل الفعل الأول من ذلك أن يقول الرجل (قد أعطيتك ألفًا ثم أعطيتك قبل ذلك مالاً)، فيكون (ثم) عطفًا على خبر المخبر كأنك قلت: أخبرك أني أعطيتك اليوم ثم إني أخبرك أني أعطيتك أمس، وهذا هو الذي ذكرنا أن بعضهم قال: إنه قد تقع (ثم) في عطف المقدم بالزمان اكتفاءً بترتيب اللفظ.
(أو): مذهب الجمهور أن (أو) لأحد الشيئين، أو الأشياء، وأكثر النحاة يجعل (أو) مشركة في اللفظ لا في المعنى، وزعم ابن مالك أن (أو) تشرك في اللفظ والمعنى، ومع كونها لأحد الشيئين، أو الأشياء تأتي على معانٍ: الشك في الخبر، وفي الاستفهام نحو: قام زيد أو عمرو، وأقام زيد أو عمرو، والإبهام
стр. 1984
تعلم من القائم، وتبهم على المخاطب نحو: «عليها آتاها أمرنا ليلا أو نهارا» وقد علم الله تعالى متى يأتيها أمره، والتخيير نحو: «ففدية من صيام أو صدقة أو نسك»، والإباحة نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، وإذا نهيت عن المباح استوعب ما كان مباحًا باتفاق من النحاة، ومنه «ولا تطع منهم آثمًا أو كفورا»، وإذا نهيت عن المخبر فيه، فذهب السيرافي إلى أنه يستوعب الجميع كالنهي.
وذهب ابن كيسان إلى جواز أن يكون النهي عن واحد، وأن يكون عن الجميع والتفصيل وهو أن تأتي عقب أ×بار فتفصله نحو: «وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا»، وتكون لإيجاب أحد الشيئين قال كقولك للشجاع: إنما أنت طعن أو ضرب أي تارة كذا، وتارة كذا، وقال قطري:
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي
أي خضبت مرة من أكناف سرجي وأخرى عنان لجامي، وقال الفراء، وأبو علي: تأتي للإضراب بمعنى (بل)، وحكى الفراء: اذهب إلى زيد أو دع
стр. 1985
ذلك فلا تبرح اليوم، وقرأ أبو السمال: «أو كلما عاهدوا عهدًا» قال ابن جني معنى (أو) هنا معنى (بل)، وقد ذكر سيبويه: الإضراب في النفي، والنهي في مسائل إذا أعدت العامل، منها: لست بشرًا أو لست عمرًا، وزعم بعض النحويين أنها تكون للإضراب على الإطلاق، وذكر ما استدل به، ونازعه غيره في الاستدلال به، وقال ابن مالك: ويعاقب معنى (أو) الواو في الإباحة كثيرًا، وفي عطف المصاحب والمؤكد قليلاً، فمن عطف المصاحب: «ومن يكسب خطيئة أو إثما»، ومن معاقبة الواو في الإباحة: «ولا يبدين زينتهن» الآية، ومنه جالس الحسن أو ابن سيرين، فلو جالسهما معًا لم يخالف ما أبيح له، والاعتماد في فهم ذلك على القرائن.
وذكر أصحابنا فرقًا بينهما أنك إذا قلت: جالس الحسن، وابن سيرين، لم يجز له مجالسة أحدهما دون الآخر، وإذا كان (بأو) جاز له أن يجالسهما أو أحدهما، وأن يجالسهما معًا، وغيرهما ممن هو مثلهما في الفضل.
وذهب الأخفش، والجرمي إلى أن (أو) تأتي بمعنى (الواو) احتجاجًا بقوله تعالى: «أو يزيدون» وهو مذهب جماعة من الكوفيين في الآيات، وذهب الأزهري إلى أن (أو) تستعمل بمعنى (الواو) في النثر والنظم.
стр. 1986
و (إما): تكون للشك نحو: قام إما زيد وإما عمرو، أو للتخيير «إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا» وللإباحة: جالس إما الحسن وإما ابن سيرين والإبهام: «وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم» والتفصيل: «إما شاكرًا وإما كفورا».
ولإيجاب أحد الشيئين في وقت دون وقت نحو قولك للشجاع: إنما أنت طعن وإما ضرب، ولم يذكر ابن مالك هذا المعنى لـ (إما) كما لم يذكره لـ (أو) وذكره غيره من أصحابنا، ولغة الحجاز ومن جاورهم كسر همزة (إما)، ولغة قيس وأسد وتميم فتحها، وحكى إبدال ميمها الأولى ياء مع كسر الهمزة وفتحها فتقول: إيما وأيما، وزعم الزجاج أنه لا يجوز: لا تضرب إما زيدًا وإما عمرًا والجمهور على جوازه.
ونص النحاس على أن البصريين لا يجيزون فيها إلا التكرار، وأجاز الفراء ألا تكرر، وأن تجري مجرى (أو)، وقال الفراء: يقولون: عبد الله يقوم وإما يقعد، وقال أحمد بن يحيى: وأجازوا أن تأتي (إما) بمعنى (أو) انتهى.
وجاءت (أو) معادلة لها في الشعر نحو قوله:
وقد شفني أن لا يزال يروعني ... خيالك إما طارقًا أو مغاديًا
وقال بعض أصحابنا: الوجه فيها أن تستعمل مكررة، وقد تجيء غير مكررة
стр. 1987
إذا اعتاضوا عن تكرارها بإن الشرطية المدغمة في لا النافية أو بـ (أو)، وقد تجيء في الشعر غير مكررة من غير عوض ومن ذلك قول الفرزدق:
تهاض بدار قد تقادم عهدها ... وإما بأموات ... ... ... ....
حذف (إما) بدار للضرورة، ومثال الاستغناء بـ (وإلا):
فإما أن تكون أخي بحق ... وإلا فاطرحني واتخذني
ومذهب سيبويه أن (إما) مركبة من (إن) و (ما)، أدغمت نون (إن) في (ما)، فصارت (إما)، ولما اعتقدوا أن أصلها (إن ما) قالوا قد جاء في الشعر إن دون (ما) وأنشدوا:
قتلت به أخاك بخير عبس ... فإن حربًا حذيف وإن سلاما
قالوا: يريد فإما وإما، وقال غير سيبويه: ليست (إما) مركبة من (إن) و (ما)، ولا معنى لـ (إن) هنا، وهذا المذهب عندي أولى، لأن الأصل البساطة لا التركيب، ولما بنوا على أنها مركبة من (إن)، وما قالوا: وقد يحذفون في
стр. 1988
الشعر، إما الأولى و (ما) من إما الثانية، ومن ذلك عند سيبويه قول الشاعر
سقته الرواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما
قالوا: يريد (إما) من صيف وإما من خريف، وذهب الأصمعي والمبرد إلى أن (إن) شرطية والفاء فاء الجواب، والتقدير: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري، وذهب أبو عبيدة إلى (أن) (إن) زائدة، والتقدير: من صيف ومن خريف، وزعم الكسائي أن (إما) تكون جحدًا تقول: إما زيد قائم تريد: إن زيد قائم، وما صلة، ويجوز إبدال الميم الأولى ياء فتقول: إيما، ويجوز فتح همزتها فتقول: أما وأيما لغتان عن أبي رياش.
(بل) إن وقع بعدها جملة كانت إضرابًا عما قبلها على جهة الإبطال له، وإثبات ذلك لما بعدها كقوله تعالى: «أم يقولون به جنة بل جاءهم
стр. 1989
بالحق» أو على جهة الترك من غير إبطال كقوله تعالى: «ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا»، ولا تكون إذ ذاك عاطفة، وإن وقع بعدها مفرد، فإن كان ما قبلها أمرًا نحو: اضرب زيدًا بل عمرًا، أو نهيًا نحو: لا تضرب زيدًا بل عمرًا فالمعنى فيهما: بل اضرب عمرًا، أو نفيًا نحو: ما قام زيد بل عمرو فمعناه الإيجاب أي: بل قام عمرو، ووافق المبرد في هذا الحكم، وأجاز أن يكون التقدير في النهي: بل لا تضرب عمرًا، وفي النفي: بل ما قام عمرو، ووافقه على ذلك أبو الحسين بن عبد الوارث، أو موجبًا نحو: قام زيد بل عمرو، فهو إضراب عن الأول، وإيجاب ذلك للثاني أي: بل قام عمرو.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا يكون (بل) نسقًا إلا بعد نفي، أو ما جرى مجراه قال هشام: ومحال: ضربت عبد الله بل أباك، واختار هذا المذهب أبو جعفر بن صابر، وكون الكوفيين، وهم أوسع من البصريين في اتباع كلام شواذ العرب يذهبون إلى أن (بل) لا تجيء في النسق بعد إيجاب دليل على عدم سماعه من العرب أو على قلة سماعه، ولا يعطف بها بعد استفهام، لا يقال هل: جاء زيد بل عمرو، ولا: أضربت زيدًا بل عمرًا، وقد تكرر (بل) في الجمل قال تعالى: «بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر»، «وما يشعرون أيان يبعثون بل أدارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون».
وإذا زيدت (لا) بعد إيجاب أو أمر نحو: قام زيد لا بل عمرو، واضرب زيدًا لا بل عمرًا و (لا) زائدة لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم للأول، أو بعد
стр. 1990
نفي، أو نهي نحو: ما قام زيد لا بل عمرو، ولا تضرب خالدًا لا بل بشرًا، فهي زائدة لتأكيد بقاء النفي والنهي، وزعم ابن درستويه أنها لا تزاد بعد النفي، وذهب الجزولي إلى أنها بعد الإيجاب والأمر نفي، وبعد النفي والنهي تأكيد وقال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه من زيادة (لا) على (بل) في النفي والنهي، لا ينبغي أن يقال به إلا أن يشهد له بالسماع، وما ذهب إليه ابن درستويه واستبعده ابن عصفور مسموع من كلام العرب، ويقال في لا بل: نابن ونابل ولابن.
(لا): يعطف بها بعد الأمر نحو: اضرب زيدًا لا عمرًا، وفي معنى الأمر التحضيض والدعاء نحو: هلا تضرب زيدًا لا عمرًا، وغفر الله لزيد لا لبكر. ومن كلامهم: به لا بظبي أعفر، وأمت في حجر لا فيك، أو نداء نحو: يا زيد لا عمرو نص على ذلك سيبويه.
وزعم ابن سعدان: أن العطف بـ (لا) على منادي ليس من كلام العرب، وأجاز الفراء العطف بها على اسم لعل تقول: لعل عمرًا لا زيدًا منطلق كما جاز في اسم (إن) نحو: إن زيدًا لا بكرًا قائم، وبعد خبر مثبت إن كان في جملة اسمية، فيعطف على الخبر: هذا رزق الله لا كدك، وعلى المبتدأ نحو: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، أو كان في جملة فعلية مصدرة بمضارع قلت: يقوم زيد لا عمرو: أو بماض نحو: قام زيد لا عمرو، فالجمهور على جواز ذلك.
стр. 1991
وقال الكسائي لا يكادون يقولون: مررت بزيد لا عمرو حتى تكرر، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز، وما جاء من نفي لا للماضي قليل يحفظ ولا يقاس عليه، وممن منع ذلك الزجاج، وأجاز بعض النحويين: قام زيد لا قعد إذا اقترنت به قرينة تدل على أنه إخبار لادعاء، وأجاز هشام: ضربت بكرًا لا ضربت عمرًا، إذا لم يكن دعاء، وأردت معنى لم تضرب عمرًا، ولا يجوز عند البصريين ضربت بكرًا لا ضربت عمرًا إلا على الدعاء.
وشرط عطف الاسم بـ (لا) أن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها عليه، فلذلك لا يجوز: قام رجل لا زيد، ولا امرر برجل لا عاقل، وتقول: هذا رجل لا امرأة، ورأيت طويلاً لا قصيرًا، ولا يجوز: هذا زيد غير امرأة، ولا رأيت طويلاً غير قصير، فإن كانا علمين جاز فيه (لا) و (غير) تقول: مررت بزيد غير عمرو وهذا زيد غير عمرو.
و (لا) لا يعطف بها إلا المفرد، أو الجمل التي لها موضع من الإعراب نحو: زيد يقوم لا يقعد، فإن كان الفعل منفيًا نحو: زيد ما يقوم لما يجلس لم يجز، فإن لم يكن لها موضع من الإعراب لم يكن حر فعطف، ولذلك يجوز الابتداء بها، ولا يجوز الابتداء بالواو، والفاء، و (ثم) و (أو) ونحوها فإذا قلت: زيد قائم لا عمرو قائم، ولا بشر، فلابد من تكرارها كحالها إذا ابتدئ بها، وتقول: لن يقوم زيد لا يقعد، فلا يجوز نصب (يقعد) عطفًا على المنصوب، بل ترفع على القطع كما نرفع في نحو قوله تعالى: «لا تضار والدة بولدها» في قراءة الرفع،
стр. 1992
وأجاز الكسائي والفراء عطف (لا تضار) نسقًا على «لا تكلف نفس إلا وسعها»، وفي النهاية: وتعطف (لا) الجملة على الجملة نحو: (زيد قائم لا عمرو جالس) انتهى. وقد يجوز حذف المعطوف عليه نحو: أعطيتك لا لتظلم، أي: لتعدل لا لتظلم.
(لكن): تقدم الخلاف فيها، وكونها مركبة من (لا) النافية، وكاف الخطاب وأن، ومذهب الكوفيين، وتبعهم السهيلي، وهو لا ينبغي أن يحكى باللفظ فضلاً عن أن يسطر، وتقع قبل المفرد في نفي نحو: ما قام زيد لكن عمرو أو نهي نحو: لا تضرب زيدًا لكن عمرًا لا لإيجاب، وأجاز ذلك الكوفيون نحو: أتاني زيد لكن عمرو، وقيل: جملة فيكون إيجابًا، ونفيًا، أو نهيًا، وأمرًا لا استفهامًا، فلا يقال هل قام زيد لكن عمرو لم يقم، وتكون إذا ذاك حرف ابتداء لا عاطفة هذا قول أكثر أصحابنا وقال ابن أبي الربيع: يظهر لي أنها عاطفة وقعت بعدها جملة أو مفرد إذا كانت بغير واو، وهو ظاهر كلام سيبويه.
وفي البديع: قيل إنها مع الموجب حرف ابتداء كقوله تعالى: «لكن الله يشهد بما أنزل إليك» وإن شئت جعلتها عاطفة جملة على جملة، وتقدم لنا الكلام على (لكن) في باب (إن)، وأن وقوعها بين نقيضين أو ضدين لا بين متماثلين، فإن كانا خلافين ففي وقوعها بينهما خلاف، والصحيح جواز ذلك، وقال ابن هشام الخضراوي لا تكون بين خلافين.
(حتى): تقدم من مذهب الكوفيين أنها لا تكون عاطفة، ونحن نفرع على مذهب البصريين فنقول: المعطوف بها يكون بعض متبوع الأول، فيكون واحدًا من جمع أو جزء من أجزائه مثاله: مات الناس حتى خيارهم، وأكلت السمكة حتى رأسها فلو قلت: ضربت الرجلين حتى أفضلهما لم يجز، لأنه ليس جزءًا من أجزاء
стр. 1993
المعطوف لا واحدًا من جمع، وقد يختلط بالمتبوع ما يتنزل منزلة البعض في ذلك نحو: خرج الصيادون حتى كلابهم.
وأجاز الفراء: إن كلبي ليصيد الأرانب حتى الظباء، وإن زيدًا ليقتل الرجالة حتى الفرسان، وهذا خطأ عند البصريين، وشرط المعطوف بـ (حتى) ألا يكون نكرة، فلا يجوز: قام القوم حتى رجل، فإن خصصته جاز نحو: ضربت القوم حتى رجلاً جلدًا فيهم، ويخالف العطف (بحتى) العطف (بالواو) في أن ما بعد (حتى) لا بد أن يكون عظيمًا، أو حقيرًا، أو قويًا، أو ضعيفًا، ومن كلامهم استنت الفصال حتى القرعى، وقد اجتمعت غاية القوة والضعف في قول الشاعر
قهرناكم حتى الكماة فأنتم ... لتخشوننا حتى بنينا الأصاغرا
وقد يقدر المباين بعضًا بالتأويل نحو:
... ... ... ... ... والزاد حتى نعله ألقاها
стр. 1994
كأنه قال: وما يشغله حتى نعله، وإذا عطفت على مجرور فقال ابن الخباز الموصلي، وأبو عبد الله الجليس مؤلف كتاب الثمار (لزم إعادة الجار) فرقًا بينها وبين الجارة، وقال ابن عصفور: الأحسن إعادة الخافض ليقع الفرق بين العاطفة والجارة، وإذا عطفت على مجرور أعدت الجار نحو: مررت بهم حتى بزيد، فإن كانت الجارة لم تحتج للباء.
وإن كانت العاطفة أعدت الباء كما تعيدها مع الواو، وقال ابن هشام الخضراوي: لا يجوز العطف إلا حيث يجوز الجر يعني مع الشروط المتقدمة قال: ولذلك لا يعطف المضمر على المظهر، ولا على المضمر لا يجوز: ضربت القوم حتى إياك، ولا قاموا حتى أنت، لأن (حتى) لا تجر المضمر، ولا تعطفه، وهذا الذي ذكره على مذهب جمهور البصريين، وأجاز المبرد، والكوفيون أن تجر (حتى) المضمر نحو: ضربت القوم حتاك، ولكن الكوفيون لا يرون العطف بـ (حتى) بل ذاك على الجر، واتفق الفريقان على أنه لا يجوز: مررت بالقوم حتاك، وتصحيحها حتى بك، وأجاز الفراء فيما يكون بعدها من المكنى إذا أتبعت: قال القوم حتى أنت، وضربت القوم حتى إياك، وقال: لا يجوز: حتاك في النصب
стр. 1995
إلا إذا اتبعت محفوظًا نحو: مررت بالقوم حتاك، وقال: إذا أردت النسق كان من بعدها داخلاً، وإذا جررت جاز أن يدخل وأن لا يدخل، قال: وإن جعلت (حتى) معترضة بعد الأسماء وقبل الفعل الذي عليه نسقت، فقلت: القوم حتى عبد الله قاموا، والقوم حتى عبد الله قيام، فلك العطف، والأحسن الجر، وكذا يفعل فيما جرى مجراها من كان وظن وأخواتها، وإذا استوفيت (حتى) ما شرط في كونها عاطفة، فإن اقترن بالكلام قرينة تدل على أن الاسم بعدها غير شريك لما قبلها في الحكم فلا يجوز فيه العطف نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر، أو شريك لم يجز إلا العطف نحو: ضربت القوم حتى زيدًا أيضًا.
فلو لم تذكر المحكوم عليه قبل (حتى) فقلت: ضربت حتى أخاك أو زيادة، فالكوفيون لا يجيزون إلا النصب، وأجاز البصريون الجزاء ولا قرينة على دخول ولا خروج جاز العطف والخفض أحسن، وتقول: ضربت القوم حتى زيدًا، وأوجعت بنصب (زيد) إن قدرت الإيجاع لزيد، فإن قدرته للقوم جاز الخفض والنصب أحسن، وزعم الفراء: أن قولك: ضربت القوم حتى أخاك وأوجعت وأعطيت القوم حتى أخاك فأكثرت لم يكن بد من الفاء؛ لأن المعنى حتى ضربت أخاك فأوجعت، وكذا عنده إن خفضت الأخ، وحذف الفاء جائز في هذا عند البصريين.
ويكون الفعل الثاني توكيدًا لا عطفًا وتقول: ضربت القوم حتى أخاك في ما أظن وأحسب وأرى ونحوه، قال الفراء: إن قدرتها داخلة للأخ كان منسوقًا، وإن قدرته راجعًا لما قبل جاز في الاسم ما جاز قبل دخولها وتقول: ضربت القوم حتى أخاك ضربته، تنصب أخاك بفعل مضمر يدل عليه ما بعد (حتى) ولا يبعد النسق، ويجوز الخفض وأكره الرفع، وأجاز الكسائي الرفع فيما بعدها على الاستئناف حملاً على الواو، فإن قوى الاستئناف بما بعدها جاز، وذلك إذا كان الفعل للمستقبل نحو: ضربت القوم حتى عبد الله اضربه.
стр. 1996
وأما (ألقى الصحيفة) البيت، فالنصب كلام العرب الذي سمعناه، والخفض جائز، وأما (الرفع) فلم يسمع من العرب؛ لكونه غير مستقبل، وجوزه الكسائي ومثله ما كان الفعل يطلب فاعلاً، فإن كالمستقبل نحو: سبني الناس حتى زيد سبني، لا يكون الرفع إلا إذا كان مستقبلاً، وإذا جرت على العادة أو عطفت، فالفعل في موضع نصب على الحال، ولك أن توقع موقعه اسمًا منصوبًا فتقول: حتى عبد الله شابا، وجملة اسمية: حتى عبد الله شاب، والأحسن دخول الفاء في الفعل، والجملة الاسمية.
وإذا وقع الاسم جاز الرفع في الاسم بعدها نحو: ضربت القوم حتى زيد مضروب، وحتى زيدًا مضروبًا، وحتى زيد مضروب، وإذا رفعت ما بعدها، ونصب الاسم بعد الاسم دخل في الكلام معنى صار لكنها لم تقو في معناها حتى تنصب، وقد غلط قوم فنصبوا الاسم بمعنى صار، ولا يجوز أن تعطف الجمل، ولا الأفعال، فإذا وقع بعدها الماضي فهي حرف ابتداء نحو: سرت حتى دخلت المدينة، وأجاز أبو الحسن: أن تكون كالفاء إذا كانت سببًا فتعطف الفعل على الفعل نحو: ما تأتينا حتى تحدثنا، وكذلك أجاز بعضهم أن يكون العطف في سرت حتى دخلت المدينة، وقال خطاب الماردي: تقول: ضربت زيدًا حتى قتلته، وضربته حتى هو مقتول لا تعمل شيئًا، ولا يكون ما بعدها إلا شيئًا يؤديه الأول ويبدله منه تقول: قام حتى أعيا وبكى حتى عمى، ولو قلت: أكل حتى بكى، وسار حتى طلعت الشمس لم يجز، فإن وقعت على مستقبل بمعنى الماضي، أو بمعنى الحال كان مرفوعًا نحو: سرت حتى أدخل المدينة انتهى.
وحتى لا تقتضي في العطف ترتيبًا فهي كالواو، ويجوز كون العطف بها مصاحبًا نحو: قدم الحجاج حتى المشاة في ساعة كذا، وسابقًا نحو: قدموا حتى المشاة متقدمين ومن ادعى أنها تقتضي الترتيب في الزمان، فقد ادعى ما لا دليل عليه.
стр. 1997
وقال الزمخشري (الفاء) و (ثم) و (حتى) تقتضي الترتيب، وحيث جاز الجر والعطف، فالجر أحسن إلا في باب (ضربت القوم حتى زيدًا ضربته)، فالنصب أحسن عند من اعتقد أنها للعطف، فجعل (ضربته) توكيدًا وعند من لم يعتقد أنها للعطف، وقد يجتمع غايات في الزمان وغيره، فيكون قبلها وبعدها مواقيت وغير مواقيت فتقول: إن فلانًا ليشتري الرقيق الأيام كلها حتى الخميس حتى الليل، فلك أن تخفض لعدم الدخول، ولك أن تتبع أحدهما على شكله قدمت أو أخرت، وتجعل الآخر غاية، والأحسن أن تجعل أحدهما عطفًا والآخر غاية، فيختلفا في المعنى.
وهذا الاختلاف فيه ما ليس من الجنس ويجانسه، ومما ليس منه، وينوب عن الزمان: المصدر المقارن للزمان تقول: أقم عندنا حتى طلوع الشمس، وقيام زيد، وهو خفض قال الفراء: ولا يصح أن يقع هنا بدل المصدر ما ينسبك به وهو (أن) و (ما) لا تقول: أقم عندنا حتى أن يقوم زيد، ولا حتى ما يقوم زيد.
ويجوز في أن المشددة نحو: أقم حتى أن الناس يفطرون، ولا يجوز أن يكون بعد (حتى) نكرة لو قلت: أقم عندنا حتى شهر أو يوم لم يجز، إلا أن تريد مقدار ذلك، فإنك لو قلت: أقم عندنا حتى إلى تمام اثنتي عشرة ساعة، [فإنه يجوز].
ومنه قوله تعالى: «ليسجننه حتى حين» كأنه أراد الموت، أو زمانًا يحصر، وتقول: أقم عندنا حتى قليل تقضي حاجتك فيها، وأجاز الكسائي (أقم عندنا حتى شهر وحتى عصر)، فخفض وهو غير جائز.
стр. 1998
ولو قلت: أتينا كل وقت حتى ظهرًا جاز، ولو قلت: كن عندنا حتى غدوة يا هذا، وحتى سحر جاز، ولو قلت: حتى غداة لم يجز، ولو قلت: حتى عشية جاز على قبح إذا جعل العشية من الظهر إلى الليل، فإن لم يرد ذلك كان محالاً وتقول: لا آتيك حتى عشر، فتضع حتى مكان (إلى)، ولو قلت (آتيك) لم يجز، ولو قلت: آتيك فأواظب إلى عشر. جازت حتى كقولك: أرعى الشتاء حتى شهر. انتهت هذه المسائل وهي من كلام الفراء.
(أم) تكون متصلة ومنقطعة، فالمتصلة لا يستغنى ما بعدها عما قبلها، ولا تكون إلا فيما يستعمل لفظ الاستفهام فيه سواء أكان الكلام على معنى الاستفهام أم لا نحو: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وليت شعري أزيد قائم أم خالد، وما أبالي أقام زيد أم قعد، وسواء علي أقمت أم قعدت، ووقعت في هذه النسب من حيث كان المعنى على التسوية في ظن المخاطب في جهالة أيهما ادعيت العلم بكونه عنده، والتسوية في ظن المتكلم فيما جاء بعد ليت، والتسوية بين قعود زيد، وقيامه في مسألة: ما أبالي، ومسألة سوى، كما أنك إذا استفهمت فقلت: أزيد عندك أم عمرو استوى في ظنك في كينونة من عندك منهما، ولا يجوز أن تقدم: أقمت أم قعدت على (سواء على)، وأغلب ما يكون الفعلان ماضيين، وقد يجوز على ضعف: سواء على أتقوم أم تقعد.
والجملة الواقعة بعد أفعال القلوب والتسوية لا يجوز تقديمها فلا تقول: أقمت أم قعدت علمت، ولا أضربت زيدًا أم عمرًا تبين لي، وإذا عطفت اسمًا بعد (أم) على اسم مخبر عنه بأفعل التفضيل فلا يجوز الإتيان بـ (من) لا في الأول، ولا في الثاني فتقول: ما أبالي أزيد أفضل أم عمرو، ولا يجوز: (زيد) أفضل من عمرو أم بكر، ولا أفضل أم عمرو من بكر.
стр. 1999
ويجوز العطف على الاسم المضمر في أفعل، ويتضح ذلك في (ما أبالي أرأيت زيدًا أفضل أم عمرًا) فإن حملت على المضمر قلت: أم عمرو، ومن يؤكد الضمير المرفوع لمكان العطف لا يؤكد هنا، ومن الناس من لا يجيز العطف عليه فإن قلت: أزيدا ضربت أكثر أم عمرًا لم يجز رفعه على الحمل على الضمير، ويجوز رفع هذا الاسم على الابتداء فتقول: أزيد أفضل أم عمرو تريد (أم الأفضل عمرو) ورفعه على هذا أحسن من حمله على الأول، وهو كلام العرب الفصيح، تقول العرب: أرأيت زيدًا أفضل أم عمرو، كثيرًا أكثر من أم عمرًا.
والمعادلة لا تكون إلا بين اسمين، أو فعلين، أو جملتين، إما اسميتين وإما فعليتين، ولا تعادل بين اسمية وفعلية إلا إن كانت في معنى الاسمية أو الاسمية في معنى الفعلية نحو: «أدعوتموهم أم أنتم صامتون» أي أم صمتم ونحو: «أفلا تبصرون أم أنا خير» المعنى أم أنتم بصراء، والموجبتان تقدم أيا شئت منهما.
وإن كانت إحداهما منفية أخرتها، نحو: أقام زيدًا أم لم يقم، ولا يجوز ألم يقم زيدًا أم لا، ولا سواء على ألم يقم أم قمت، فـ (أم) لا يتقدمها إلا الاستفهام أو التسوية، و (أو) يتقدمها كل كلام إلا التسوية، فلا يجوز سواء علي أقمت أو قعدت، وكذلك ما أبالي أقمت أم قعدت إذا أردت التسوية.
وإن أردت: ما أبالي فعلك جازت (أو) و (أم)، وتقول: أتقوم أم لا، وأم هذه المتصلة لا بد أن يتقدمها الهمزة، ومع الهمزة أفعال القلوب، أو ما جرى مجراها وهي التسوية أو عدم المساواة، أو ضد ذلك نحو: ما أشد علي وما أشق علي أقمت أم قعدت.
وإذا عادلت بين جملتين جاز أن تكون إحداهما الاسمية والأخرى فعلية إلا في التسوية، فإنه لا يذكر بعدها إلا الفعلية، ولا يجوز (سواء علي أزيد قائم أم عمرو
стр. 2000
منطلق) هذا ما لا تقوله العرب، وأجازه أبو الحسن قياسًا على الجملة الفعلية، و (سواء) خبر مقدم، و (أقمت أم قعدت) في موضع المبتدأ، وقال أبو الحسن: (أقمت أم قعدت) في موضع الفاعل بسواء، ومما عودل فيه بين الجملة والمفرد قوله
سواء عليك النفر أم بت ليلة ... ... ... ... ... ... ...
والمتصلة تسبقها همزة، ويصلح موضعها لأي: ولذلك يبدل ما دخلت عليه من (أي)، تقول: أيهم ضربت أزيدًا أم عمرًا أم خالدًا، وأيهما ضربت أزيدًا أم عمرًا، وجواب (أم) المتصلة التعيين، ويجرى مجرى التسوية: ما أدري، وليت شعري، وسواء علي، وتقع بعدهما الجملة الاسمية والفعلية، وما أبالي فلا يكون بعد الاستفهام فيها إلا الفعل لا الجملة الاسمية كذا قال بعضهم، والصحيح وقوع الجملة الاسمية بعدها قال:
ولست أبالي بعد فقدى مالكا ... أموتى ناء أم هو الآن واقع
وكان أبو الحسن يستقبح وقوع الجملة الاسمية بين ما أدري وبين علمت أزيد عندك أم عمرو، وإن أدرى تستعمل في النفي والإيجاب، والتمني بمنزلة النفي، وعلمت لا تكون إلا في النفي لا تقول: ما علمت أزيد عندك أم عمرو، لأن التعليق جرى في الإثبات، وقد يكون السؤال بـ (أم)، والهمزة مبنيًا على توهم السائل حصول ما يسأل عنه فلإيجاب بالتعيين لفساد الوضع، فيكون الجواب كلاهما عندي أولا واحد منهما عندي.
следующие страницы →