Полный текст (2 437 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
ولا حجة له على ذلك، ولا يجوز تقديم شيء من معمول أفعل التعجب على الفعل، ولا على (ما).
وإن كان يجوز في نحوه من التركيب الذي ليس فيه تعجب نحو زيد عمرًا ضرب بلا خلاف، وعمرًا زيد ضرب بخلاف، ولا يجوز تأكيد المضمر في (أحسن)، ولا في أحسن على مذهب من اعتقد فيه ضميرًا، ومن علل امتناع ذلك بأنه فصل بين العامل والمعمول أجاز تأكيده متأخرًا نحو: ما أحسن زيدًا نفسه.
وإذا اختلف متعلق (ما أفعل) فلا يجوز حذف (ما) لو قلت: ما أحسن زيدًا، وأقبح خالدًا كان قبيحًا، وأفعل مسلوب الدلالة على المضى، وزمانه حال، وحكاه ابن بابشاذ، وابن الدهان عن المبرد.
فإذا أردت الماضي المنقطع قلت: ما كان أحسن زيدًا، وقيل هو بمعنى الماضي المتصل بزمان الحال، فإن أردت الماضي المنقطع أتيت بـ (كان)، وهذا قول الأكثرين، وقال ابن الحاج: يظهر لي أن ما أحسنه، وأحسن به صالح للأزمنة الثلاثة، وجائز أن يقيد بكل واحد منهما كقولك: ما أحسن زيدًا أمس وغدًا، والآن، إلا أنهم يقيدون في (ما أحسن) إذا أرادوا المضي بكان، وفي المستقبل بيكون نحو: ما أحسن ما يكون زيدًا، وقال تعالى: «أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا» فـ (يوم) ظرف مستقبل، واختلفوا في الوصف المتعجب منه هل هو واجب الثبوت وقت التعجب أو جائزه على قولين، ومن قال بالجواز قال منه: ما أطول ما يكون هذا الزرع، وما أحسن ما تكون هذه الجارية، ومذهب أكثر البصريين، والكوفيين أن كان الداخلة بين (ما) وأفعل زائدة لا اسم لها، ولا خبر، واختاره الفارسي.
стр. 2067
وذهب السيرافي، وتبعه خطاب الماردي إلى أنها زائدة، وهي تامة وفاعلها قال السيرافي: ضمير المصدر الدال عليه كان، وقال خطاب: ضميرها عائد على غير (ما)، ولكن يعود على مجهول تقديره: كان الأمر، ومذهب الجرمي أنها كان الناقصة، واسمها ضمير (ما) وخبرها (أفعل)، وعزاه بعضهم إلى البصريين ولا يصح ذلك، وحكى زيادة (يكون) بين (ما) و (أفعل)، قالوا: ما يكون أهون زيدًا، وما يكون أحسن زيدًا.
وذهب الكسائي، والفراء، والأخفش، إلى زيادة (أمسى) و (أصبح) بينهما، حكى من كلامهم: «ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها». وهذا شاذ عند جمهور البصريين، وذهب الفراء إلى جواز ذلك في كل فعل يحتاج إلى اسم وفعل يعني إلى اسم وخبر، وعن الكوفيين أنهم قاسوا على كان سائر أخواتها، ما لم يناقض معنى الفعل المزيد معنى التعجب، وأجاز بعض النحاة زيادة كل فعل لا يتعدى مما لا يناقض نحو: ما قام أحسن زيدًا إذا أردت ما أحسن قيام زيد فيما مضى.
وحكى الكسائي عن العرب: «ما مر أغلظ أصحاب موسى». يعنون موسى الهادي من بني العباس، ومنع هذا الفراء ومعناه ما أغلظ مرور أصحاب موسى، وحكى الكسائي: ما يخرج أطوله، وأجاز الكسائي: ما أظن أظرفك، وما ظننت أظرفك بجعل (أظن) ناصبة في المعنى (لما)، ولأظرف، وتوقع أظرف على الكاف، وأجاز هشام ذلك في الظن وأخواته، ولا يجيز جمهور البصريين أن يفصل بين (ما) والفعل إلا بكان فقط، وتقول: ما أحسن ما كان زيد، وما أحسن ما يكون زيد، ما مصدرية و (زيد) مرفوع على الفاعلية، أوقعت التعجب على
стр. 2068
الكون والمراد ذات زيد تجوزًا، وكان تامة، وأجاز المبرد، وجماعة أن تكون ناقصة، و (ما) بمعنى الذي، ومن منع من وقوع (ما) على شخص من يعقل منع هذه المسألة، ولو قلت: ما أحسن من كان زيدًا جاز، وتقول: ما أحسن ما كانت هند، وأجمله، تعيد الضمير على الكون، عطفت الفعل ومتعلقه على الفعل ومتعلقه، ويجوز أن تقول: وأجملها تعيد الضمير على هند قاله الأخفش، وتقول: ما كان أحسن ما كان زيد، يجوز على التوحيد في رفع زيد ونصبه، ولا يجوز: ما كان أحسن ما يكون زيد للتناقض، وإذا كان المجرور المتعلق بهما فاعلاً من حيث المعنى تعدى (أفعل)، و (أفعل) بـ (إلى) نحو: ما أحب زيدًا إلى عمرو، وما أبغض عمرًا إلى بكر، وما أمقت بكرًا إلى خالد، وأحبب بزيد إلى عمرو، وكذا أبغض وأمقت أصله: أحب عمرو زيدًا، وكذا أبغض وأمقت.
وإن لم يكن فاعلاً في المعنى فإما أن يكون من مفهم علم أو جهل، فيتعدى بالباء نحو: ما أعرف زيدًا بالفقه، وما أبصره بالشعر، وأبصر بزيد بالفقه، وأجهل بخالد بالنحو، وإلا؛ فإن كان متعديًا كان باللام نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو، وما أمقت زيدًا لخالد، وما أبغض زيد لبكر قال ابن مالك: وأضرب بزيد لعمرو، وهذا مشكل، لأن معناه أضرب زيدًا أي: صار ذا ضرب، والهمزة للصيرورة، و (أفعل) الذي للصيرورة لا يتعد فلا يجوز هذا التركيب إلا بسماعه من العرب، وإن كان متعديًا بحرف جر، فيتعدى به نحو: ما أعز زيدًا علي، وما أزهد عمرًا في الدنيا [وأعزز بزيد علي، وأزهد ببكر في الدنيا]، وإن كان فيتعدى إلى اثنين من باب (كسا) اقتصرت على الذي كان فاعلاً فقلت: ما أكسى زيدًا، وما أعطى عمرًا، وجاز أن تعديه بعد ذلك إلى أحد المفعولين باللام نحو: ما أكسى زيدًا لعمرو، وما أكسى بكرًا للثياب.
стр. 2069
فإن جاء من كلامهم: ما أعطى زيدًا لعمرو الدراهم، وما أكسى زيدًا للفقراء الثياب، فمذهب البصريين أنه ينتصب بإضمار فعل تقديره: أعطاه الدراهم، وأكساهم الثياب، ومذهب الكوفيين أنه منصوب بنفس فعل التعجب، وأجاز ابن كيسان ما أعطى زيدًا لعمرو المال، وحكاه ابن الدهان عن الكوفيين، وإن كان من باب ظن اقتصرت على الفاعل فقط: ما أظن زيدًا وما أزعم عمرًا، هذا مذهب البصريين، وأجاز بعض النحاة: ما أعلمني أنك قائم أو بأنك قائم، قال ابن الحاج: ولا أعلم ما يمنع منه انتهى.
وأجاز الكوفيون ذكرهما بشرط دخول اللام على الأول، ونصب الثاني هذا إن أمن اللبس نحو: ما أظن زيدًا لبكر صديقًا، وإن خيف لبس أدخلت اللام على كل من المفعولين نحو: ما أظن زيدًا لأخيك لأبيك أصله: ظن زيد أخاك أباك.
وخلط ابن مالك في النقل في شرحه لما شرح من التسهيل فقال عن البصريين: «إن كان يتعدى إلى اثنين من باب كسا، أو من باب ظن جررت الأول باللام، ونصبت الثاني بإضمار فعل تقول: ما أكسى زيدًا للفقراء الثياب، وما أظن عمرًا لبشر صديقًا، تقديره عندهم: يكسوهم الثياب، ويظنه صديقًا». وقال عن الكوفيين أنهم لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بفعل التعجب، فذكر عن البصريين تساوى الحكم في باب كسا، وظن، ولم يذكر التفصيل عن الكوفيين.
وفي البسيط (إن كان من باب (ظن) جاز شرط الاقتصار على الفاعل، فإن كان في موضع المفعولين أن، لأنه يتعدى إليها بحرف جر تقول: ما أعلمني بأنك فاضل.
стр. 2070
فصل
صيغ التعجب تبنى من فعل ثلاثي مجرد تام مثبت متصرف قابل معناه للكثرة غير مبني للمفعول، ولا معبر عن فاعله بأفعل فعلاء.
القيد الأول: كونه يبنى من فعل تنبيه على خطأ من قال من الكلب: ما أكلبه، ومن الحمار: ما أحمره، ومن الجلف: ما أجلفه، فبني ذلك من الاسم، وقال ابن مالك: وقد يبنى من غير فعل قالوا: أقمن به أي أحقق اشتقوه من قولهم: هو قمن بكذا أي حقيق وقالوا: ما أذرع فلانة بمعنى ما أخفها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذراع، وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل، وهذان وما أشبههما شواذ لبنائهما من غير فعل. انتهى.
ودعواه أن ما أذرعها لم يسمع منه فعل غير صحيحة، وقال ابن القطاع: ذرعت المرأة خفت يداها في العمل فهي ذراع.
القيد الثاني: كونه ثلاثيًا احتراز من أن يكون رباعيًا أصلاً أو مزيدًا نحو: دحرج وتدحرج.
القيد الثالث: كونه مجردًا حتراز من أن يكون غير مجرد، بل فيه مزيد، وذكروا مما جاء من ذلك: ما أغناه، وما أفقره، وما أتقاه، وما أقومه، وما أمكنه، وما أملأه، وما آبله، وما أشده، وما أحوله، وما أخصره، وما أشهاه، وما أحياه، وما أرفعه، من (استغنى، وافتقر، واتقى، واستقام، وتمكن، وامتلأ، وتأبل، واشتد، واحتال، واختصر، واشتهى واستحيا، وارتفع). وحكى هشام: ما أحوجه، وذكر أنه قيل: فقر وغنى، وتقى، وشهى، وحيى [وارتفع] بمعنى: اشتهى واستحى ورفع، وقام بمعنى استقام، ومكن بمعنى تمكن، وملأ بمعنى امتلأ،
стр. 2071
وأبل بمعنى تأبل أي كثرت إبله، وشددت.
فإن كان المزيد على وزن أفعل فثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا يجوز البناء للتعجب منه مطلقًا، وهو مذهب أبي الحسن والجرمي، والمازني، والمبرد، وابن السراج، والفارسي في الأغفال.
والثاني: أنه يجوز مطلقًا، ونقل عن الأخفش، ونسب إلى سيبويه، وصححه ابن هشام الخضراوي، وقال ابن مالك: هذا مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه، وهذا مخالف لما حكيناه من المنع عن جمهور البصريين الذين ذكرناهم.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الهمزة في (أفعل) للنقل، فلا يجوز أن يبنى منه صيغة التعجب، أو لا تكون للنقل فيجوز، قال ابن الحاج: هذا التفصيل الذي فصله يعني ابن عصفور شيء لم يذهب إليه أحد، ولا ذهب إليه نحوى انتهى.
ومن المسموع منه مما همزته للنقل قولهم: ما آتاه للمعروف وما أعطاه للدراهم، وما أولاه بالمعروف، وما أضيعه لكذا، ومن المسموع مما همزته ليست للنقل قولهم: ما أنتنه في لغة من قال: أنتن، وما أخطأه، وما أصوبه، وما أيسره، وما أعدمه، وما أسنه، وما أوحش الدار، وما أمتعه، وما أسرفه، وما أفرط جهله، وما أظلمه، وما أضواه.
стр. 2072
وقال خطاب: قد يتعجبون من لفظ الرباعي على غير قياس في قولهم: ما أعطاه، وما أولاه، وما آتاه للمعروف، ولكنها شاذة تحفظ حفظًا، ولا يقاس عليه ثم قال خطاب: وتقول: أعظ بزيد، وأول به، وآت به كما قلت: ما أعطاه، وما أولاه، وما آتاه، انتهى.
القيد الرابع: كونه تامًا احتراز من الناقص نحو: كان، وظل، وكاد، وكرب ونحوهن من النواقص، ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز التعجب منها، وحكى جواز ذلك عن الفراء صاحب البسيط، وأبو مروان عبد الله بن هشام الحضرمي في كتابه الانتخاب، وقال أبو بكر بن الأنباري تقول: ما أ: ون عبد الله قائمًا مرفوعة بما في (أكون)، واسم كان مضمر فيها، وعبد الله منصوب على التعجب، وقائمًا خبر كان، وأكون بعد الله قائمًا، وأكون بعبدي الله قائمين، وأكون بعبيد الله قيامًا، وحكى ابن الدهان: أن الكوفيين يجيزون: ما أكون زيدًا لأخيك، ولا يجيزون لقائم.
القيد الخامس: كونه مثبتًا احتراز من أن يكون منفيًا، فإنه لا يبنى منه.
القيد السادس: كونه متصرفًا احتراز مما لا يتصرف نحو: يذر ويدع، فلا يقال ما أوذره للشر، ولا لو ذر الرجل وشذ قولهم: ما أعساه، وأعسى به، ومعناه ما أحقه وأحقق به، قال ابن مالك: بنوا فعل التعجب من عسى وهو فعل غير متصرف.
القيد السابع: كون معناه قابلاً للكثرة احتراز مما لا يقبل الكثرة والزيادة نحو:
стр. 2073
مات وفنى، وحدث فلا يقال: ما أموت زيدًا، ولا أموت به، قالوا: وشذ من الألفاظ التي لا تقبل الزيادة قولهم: ما أحسنه، وما أقبحه، وما أطوله، وما أقصره، وما أشنعه، وما أحمقه، وما أنوكه.
وقال ابن مالك: وقد يبنى من فعل فهو أفعل إذا أفهم عسرًا، أو جهلاً، فذكر بناءه من حمق، ورعن، وهوج، ونوك، ولذا قال: جرت في التعجب، والتفضيل مجرى جهل وعسر، وإن كان مذكرها على أفعل، والمؤنث على فعلاء وأقول: إن هذه التي عدوها من الشواذ، وأنها لا تقبل الزيادة ليس كما قالوا، بل هذه كلها تقبل الزيادة، وهي من المشكل، قال ابن الحاج: حكى اللغويون، وصاحب المحكم: عاقلت الرجل أي غلبته في العقل، فهذا تصريح بالمفاضلة، والتعجب من ما أهوجه، وشبهه جائز حسن، وأما ما أشنعه فراجع إلى معنى الحمق، ولست أعلم أن أحدًا من النحاة عدد في الشواذ ما عدده يعنى ابن عصفور، ولم يسلم له مثال مما أورده أنه شاذ.
وذكر مكي في المشكل: أن الفراء حكى ما أعماه، وما أعوره بمعنى ما أقبح لا على ظاهر اللفظ، ونص سيبويه على جواز «ما أهوجه وما أرعنه، وما أشغله، وما أنوكه، وما أحمقه» ودل كلامه على أنه لا يعتقد أنها شاذة.
стр. 2074
وكذلك نص السيرافي في تفسير هذا الموضع، ونص سيبويه على جواز: ما أحسنه، وعلى جواز محسنان، وهو ألفاظ المبالغة في حسن.
وصفات الله تعالى لا تقبل الزيادة، فلا يجوز التعجب منها لا يقال: ما أعلم الله، وقالت العرب: (ما أعظم الله وأجله) وقال الشاعر:
ما أقدر الله أن يدني على شحط ... ... ... ... ... ...
وتأول النحاة قول العرب وهذا.
القيد الثامن: كونه غير مبني للمفعول احتراز مما يبنى للمفعول لا يجوز: ما أضرب زيدًا، وأنت تتعجب من الضرب الذي حل به، وعلل خطاب الماردي منع ذلك باللبس قال: فإذا لم يلبس جاز، وقد قال كعب: فلهو أخوف عندي.
وما صح فيه (أفعل من) صح فيه (ما أفعله)، وتبع ابن مالك خطابًا: فقالك وقد يبنيان من فعل المفعول إن أمن اللبس نحو: ما أجنه، وما أنحته، وما أشغفه، وهو من أفعل التفضيل أكثر منه في التعجب: (كأزهى من ديك) و (أشغل من ذات النحيين) وأشهر من غيره، وأعذر، وألوم، وأعرف،
стр. 2075
وأنكر، وأخوف، وأرجى من شهر، وعذر، وليم، وعرف، ونكر، وخيف، ورجى وإذا لم يلبس فلا يقتصر فيه على السماع، بل يحكم باطراده في فعل التعجب وأفعل التفضيل انتهى.
وقصر ذلك على السماع قول الجمهور، والمسموع (ما أشغله، وما أجنه، وما أولعه، وما أحبه، وما أخوفه، وما أزهاه، وما أعجبه برأيه. وما أبخته، وما أشغفه، وما أخصره) من شغل، وجن، وأولع، وحب، وخيف، وزهى، وأعجب، وبخت، وشغف، واختصر، وفي (اختصر) شذوذان: بناؤه من المزيد، وكونه من المفعول، وزاد بعضهم في الشاذ: ما أبغضه، وما أمقته من أبغض ومن أمقت.
وقد سمع فيها بغض، ومقت مقاته، فلا يكون ما أبغضه وما أمقته شاذًا، وحكى سيبويه، والنحويون: بغض، وولع الرجل بمعنى أولع حكاه ابن القوطية وغيره.
القيد التاسع: كونه غير معبر عن فاعله بأفعل فعلاء كان عيبًا كـ (برص)، وبرش، وحول، وعمى. وعور ومن المحاسن كـ (شهل)، وكحل، ودعج، ولمى، وشنب.
واختلف في العاهات والألوان، فذهب جمهور البصريين إلى أنه لا يتعجب من العاهات، وأجاز ذلك الأخفش، والكسائي، وهشام نحو: ما أعوره. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز من الألوان، وأجاز ذلك الكسائي، وهشام مطلقًا نحو: ما أحمره، وأجاز بعض الكوفيين ذلك في السواد والبياض خاصة
стр. 2076
دون سائر الألوان، وسمع الكسائي: «ما أسود شعره» ومن كلام أم الهيثم: «هو أسود من حنك الغراب» وفي الحديث في صفة جهنم: «لهي أسود من القار» وفي الشعر:
أبيض من أخت بني إباض
و:
... ... ... ... ... ... ... ... أبيضهم سربال طباخ
وهذا عند البصريين شاذ، لا يقاس عليه، وقال ابن الحاج: عندي جواز اقتياس (ما أفعله) في السواد والبياض، ولا يقتصر على مورد السماع فيها بل أقول: ما أبيض زيدًا، وما أسود فلانًا في الكلام والشعر انتهى.
стр. 2077
وهي نزعة كوفية، وقال ابن عصفور تابعًا لصاحب الغرة: ومن الأفعال ما استوفى شروط ما يتعجب منه، ولكن العرب استغنت عن التعجب منه بغيره، وذلك قام، وقعد، وجلس ضد أقام، وسكرن وقال من القائلة، فتقول: ما أحسن قيامه، وكذا باقيها.
وقال ابن الحاج: أما القيام، والقعود، والجلوس فمعان لا يجوز التعجب منها، لأنها مما لا يتصور فيها الزيادة والنقص، فلا يرجح قيام على قيام فيما يدل عليه لفظ قيام، وكذا القعود والجلوس، فأما ما تكرر فعله وكثر كأن يقوم إنسان مرات عدة، وآخر أقل منها أو أكثر منها، فيمكن التعجب بأكثر أو أقل لا بلفظ الفعل نفسه، فأما قوله:
وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
فمنقول من الانتصاب للقيام بالأمر، والاضطلاع به، وذكروا فيها غضب، وحكى الأخفش عن بعض العرب: ما أغضبه، قال: وسألنا عنه تميمًا وقيسًا فلم يقولوه.
ومن عد (نام) فيها، فليس قوله بصحيح حكى سيبويه: ما أنومه، وقالت العرب: «هو أنوم من فهد»، و «أنوم من غزال»، وذكر ابن الأنباري خلافًا في جواز التعجب من السكر، وما لا يتعجب منه لفقد الشروط أتى بما يتعجب منه، ونصب مصدر ذلك الفعل نحو: ما أحسن حمرة زيد، وأحسن بحمرته، وما أسوأ عور زيد، وأسوئ بعوره،
стр. 2078
وما أبين بلجة عمرو، وأبين ببلجته، وما أحسن استخراج زيد للدراهم، وأحسن باستخراجه، وما أفجع موت زيد، وأفجع بموته، وما أحسن كون هند متجردة، وأحسن بكون هند متجردة، وما أشد دحرجته، وأشدد بدحرجته.
وإن لم يكن له مصدر مشهور، جعلت الفعل في صلة (ما) المصدرية فقلت: ما أكثر ما يذر زيد الشر، وأكثر بما يذر زيد الشر، وكذا إن كان الفعل بني للمفعول تقول: ما أكثر ما ضرب زيد، وأكثر بما ضرب زيد، وإن لم يلبس وكان له مصدر أتيت بالمصدر فقلت: ما أكثر شغل زيد، وأكثر بشغله، وما استوفى الشروط جاز فيه ذلك تقول: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، وأكثر بضرب زيد لعمرو.
فإن كان المانع كونه منفيًا جعلته في صلة أن نحو: ما أقبح أن لا تأمر بالمعروف، وأقبح بأن لا تأمر بالمعروف؛ فإن كن الفعل من باب كان ولزمه النفي، لكونه وضع كذلك، وهو ليس، أو لكونه لا يستعمل إلا مقرونًا به، أو بحرف النهي، أو الدعاء ففيه خلاف: ذهب البغداديون، وابن السراج إلى إجازة: (ما أحسن ما ليس يذكرك زيد)، وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، والجمهور على المنع.
ولا يجوز حذف همزة أفعل، وشذ من كلامهم: ما خير اللبن للصحيح وما شره للمبطون، وفي الشعر:
ما شد أنفسهم وأعلمهم ... .... ... ... ... ... ... ...
стр. 2079
وسمع (ما خيرك، وما حسبك)، وسمع الكسائي (ما خبثه)، قال النحاس والقياس على ما حذفت منه الهمزة خطأ عند البصريين، ولا يجوز حذف نون الوقاية من نحو: ما أظرفني، وما أحسنني، وحكى الكوفيون: ما أحسنى بالحذف، وقال ابن عصفور: يجوز إثباتها وحذفها، فلو كان آخر الفعل نونًا نحو: ما أحسنني، وما ألينني جاز الفك والإدغام، فتقول: ما أليني، فلو لقى ضمير المتكلمين نحو: ما أحسننا، وجب الفك.
فلو كانت (ما) نافية وجب الإدغام، أو استفهامًا جاز الفك، وجاز الإدغام، مشارًا إلى الصفة بالإشمام لزوما، وما شذوا فيه فقالوا: ما أفعله نحو: ما أملأ هذه القربة، وما أمكنه عند الملك لا يقال فيه: فعل في التعجب، لا يقال لملؤت القربة، ولا لمكن زيد، ومن ذهب إلى أنه يجوز التعجب مما كان على أفعل، وهمزته ليست للنقل، وجعل ذلك مقيسًا لا يجيز أن يبنى منه التعجب فلا تقول: (لخطؤ الرجل، ولا لصاب الرجل، وإن كانوا قالوا: ما أخطأه، وما أصوبه، وتقول: ما أحسن زيدًا لا ما أشرفه، وما أحسن زيدًا لا أشرفه، منع الكسائي من إجازتها، وقال أبو جعفر النحاس: هذا جائز على أصول البصريين، وتقول: ما أحسن وأجمل زيدًا، وفيها ثلاثة مذاهب ذكرت في باب الإعمال، وقد انقضى القول في صيغ التعجب المبوب له في النحو.
وقد جاء التعجب متضمنًا جملاً لم تكن له في أصل الوضع فمن ذلك قولهم: سبحان الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله من هو؟ ومررت برجل أيما رجل، وزيد ما زيد، ويلمه رجلاً، ولله دره فارسًا، وحسبك به فارسًا، وكفاك بزيد رجلاً، وسبحان الله رجلاً، ولك أن تدخل من في هذه الأربعة، والعظمة لله من رب، ويجوز في: حسبك بزيد حذف الباء وترفع زيدًا، واعجبوا لزيد رجلا، ومن رجل، وكاليوم رجلاً، وكالليلة قمرًا، وكرمًا، وصلفًا، وياللماء، وياللدواهي،
стр. 2080
ويا حسنه رجلاً، ويا طيبها من ليلة، ويا لك فارسًا، وإنك من رجل لعالم، ولا تحذف (من)، وما أنت من رجل، وقيل لا تحذف (من)، وما أنت جارة، خرجوه على أن (جارة) تمييز، وما أنت من جارة، ولله أنت، وواهاً له، ولله لا يؤخر الأجل، (ووا) في أسماء الأفعال، وأي رجل زيد، و «كيف تكفرون بالله» و «لأي يوم أجلت»، و «عم يتساءلون» و:
... ... ... ... ... ... ... ... لا كالعشية زائرًا ومزورًا
стр. 2081
فصل
الفعل لازم ومتعد، والتعدي تجاوز الفعل فاعله إلى مفعول أو أكثر، فإن تعدى إلى غيره من المنصوبات، لم يسم متعديًا، ويبنى منه اسم مفعول نحو: مضروب ومقتول، وقد يكون الفعل الواحد لازمًا ومتعديًا بنفسه نحو (فغرفاه) أي فتحه، و (فغرفوه) أي انفتح، ومتعديًا بنفسه تارة، وبحرف جر أخرى نحو: (شكرت زيدًا وشكرت لزيد) وكذلك نصحت، ولما تساويا في الاستعمال صارا قسمًا برأسه، خلافًا لمن منع هذا القسم وزعم أن الأصل فيه حرف الجر، وكثر فيه الأصل والفرع، وصحح هذا القول ابن عصفور، وردة عليه الشلوبين الصغير، وقيل: أصل هذا القسم أن يتعدى بنفسه، وحرف الجر زائد، وزعم ابن درستويه أن (نصح) يتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، والأصل: نصحت لزيد رأيه، وما زعم لم يسمع في موضع.
وفي كتاب البهي المنسوب للكسائي أنك تقول: شكرت لك ونصحت لك، ولا تقول: شكرتك ولا نصحتك، هذا كلام العرب قال تعالى: «واشكروا لي» «وأنصح لكم» انتهى، وجاء في شعر النابغة (نصحت) معدى بغير اللام قال:
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... وصاتي، ولم تنجح لديهم وسائلي
стр. 2082
وذكروا من هذا: كلت زيدًا، وكلت لزيد، وزنت زيدًا، ووزنت لزيد، ووعدت زيدًا، ووعدت لزيد، وقد يعلق اللازم بمفعول به معنى، فيعدى بحرف الجر مخصوصًا، ومدرك هذا السماع نحو: مررت بزيد، وغضبت على عمرو، ويبنى منه اسم مفعول معدى بالحرف نحو: زيد ممرور به، وعمرو مغضوب عليه، فإن الفعل لا يقتضيه بخصوصه نحو: خرجت إلى زيد، فقال ابن هشام الخضراوي لا يسمى هذا تعديًا بخلاف: خرجت من الدار، فيسمى تعديًا، لضرورة أن الخروج يقتضي مخروجًا منه، والصحيح أنه يسمى متعديًا، وإن كان لا يقتضيه بخصوصه والحكم سواء، وقد ينحذف الحرف شذوذًا نحو: (لقضاني) يريد: لقضى علي، أو لكثرة الاستعمال نحو: دخلت الدار فيقال عليه: دخلت البلد والبيت، وإن لم يكثر قيل: ولم يقس عليه نحو: ذهبت الشام، وتوجهت مكة، ومطرنا السهل والجبل، وضرب زيد الظهر والبطن، أو لتضمن معنى يوجب ذلك نحو قول نصر بن سيار: «أرحبكم الدخول في طاعة ابن الكرماني» أي أوسعكم.
وحكى أن بعض العرب قال في (كاثرناهم): كثرناهم وهو قبيح، وإذا أشربت اللازم معنى فعل متعد فأكثر ما يكون فيما يتعدى بحرف الجر، فيصير يتعدى بنفسه، فمن النحاة من قاس ذلك لكثرته، ومنهم من قصره على السماع.
وقد جاء تضمين ما يتعدى معنى اللازم قال تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره» أي يخرجون وينفصلون، واطرد حذف حرف الجر المتعين مع (أن وأن) نحو: غضبت أن تخرج، وعجبت أنك تقوم، أي من أن تخرج، ومن أنك تقوم، فإن أتيت بصريح المصدر لم يجز الحذف نحو: عجبت من
стр. 2083
قيامك، فإن لم يتعين الحرف لم يجز الحذف، وذلك بأن يكون الفعل يتعدى بحرفين مختلفي المعنى نحو: رغبت في أنك تقوم، ورغبت عن أن تقوم.
وإذا حذف حرف الجر من (أن وأن)، ففي كتاب سيبويه النص عن الخليل أن موضعه نصب، واتفق ابن مالك، وصاحب البسيط على أن مذهب الكسائي أنه جر، وأن الفراء قال: هو في موضع نصب، قال في البسيط: «أكثر النحويين على أنه في موضع نصب»، ووهم ابن مالك، وصاحب البسيط، فنقلاً أن مذهب الخليل أنه في موضع جر، ووهم ابن مالك فنقل أن مذهب سيبويه أنه في موضع نصب كالفراء.
ولم يصرح سيبويه فيه بمذهب، إنما ذكر مذهب الخليل أنه في موضع نصب ثم قال: لو قال إنسان إن (أن) في موضع جر، لكان قولاً قويًا وله نظائر نحو قولهم: لاه أبوك، فإن كان الذي جر بحرف غير (أن وأن) لم يجز حذفه قال الأخفش الأصغر فيما نقل ابن مالك: يجوز الحذف، والنصب فيما لا لبس فيه نحو قوله:
... ... ... ... وأخفى الذي لولا الأسى لقضانى
والصحيح أن يتوقف فيه على السماع، وأورد أصحابنا خلاف الأخفش هذا على غير ما أورده ابن مالك، أوردوه فيما يتعدى إلى اثنين: أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجر، قالوا في هذا: لا يجوز حذف الحرف إلا مع (أن وأن) وفي أفعال مسموعة، وهي: اختار، واستغفر، وأمر، وسمى، وكنى، ودعا، وزوج، وصدق، وعير، وهدى، وفرق، وفزع، وجاء، واشتاق، وراح، وتعرض،
стр. 2084
ونأى، وحل، وخشن تقول: اخترت زيدًا من الرجال، واستغفرت الله من الذنب، وأمرت زيدًا بالخير، وسميت ولدي بأحمد، ودعوت ولدي بزيد، وكنيته بأبي الحسن، وزوجته بامرأة، وصدقت زيدًا في الحديث، أو في القتال، أو في ظني، وعيرت زيدًا في الحديث، أو في القتال، أو في ظني، وعيرت زيدًا بسواده، وهديت زيدًا إلى الطريق، وفرقت من زيد، وفزعت من بكر، وجئت إلى البصرة، واشتقت إلى زيد، ورحت القوم، ورحت إليهم، وتعرضت معروفه، وتعرضت لمعروفه، ونأيتهم، ونأيت عنهم، وحللتهم، وحللت بهم، وخشنت صدره، وخشنت بصدره.
ويجوز حذف الحرف من هذه، وزعم الجرجاني: أن من باب اختار قولهم: كلته كذا وكذا، ووزنته كذا درهمًا أصله كلت له، ووزنت له حذف اللام، كما حذف (من)، والباء في اختار وأمر، فتعدى الفعل إلى مفعولين، وجرى مجرى (أعطيت) في الظاهر قال تعالى: «وإذا كالوهم أو وزنوهم» والمعنى: كالوا لهم، ووزنوا لهم، ولم يذكر المكيل والموزون، وزعم ابن الطراوة وتلميذه السهيلي أن استغفر ليس أصلها التعدية إلى الثاني بحرف الجر، بل الأصل أن يتعدى إليه بنفسه، وتعديته بـ (من) إنما هو بتضمينه طلب التوبة، والخروج من الذنب، وزعم علي بن سليمان الأخفش، وتبعه ابن الطراوة أنه يجوز حذف الحرف إذا تعين، وتعين مكانه قياسًا على تلك الأفعال، فأجاز: (بريت القلم بالسكين)، فإن اختل الشرطان، أو أحدهما منع نحو: رغبت الأمر لا يجوز، لأنه لا يعلم هل أردت رغبت في الأمر، أو رغبت عن الأمر.
وكذلك لا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين، لأن كل منهما يصلح لدخول (من) عليه، والصحيح أنه لا يجوز ذلك، وإن وجد الشرطان فلا يقال: أحببت الرجال زيدًا، ولا اصطفيت الرجال عمرًا تريد من الرجال وقولهم:
стр. 2085
تمرون الديار ... ... ... ... ... ... ... ... ...
و:
... ... ... ... ... ... ... ... ... .... لقضاني
و:
... ... ... .... فرشنني ... هراسا ... ... ... ... ...
يريد على الديار، ولقضى علي، وفرش لي ضرورة شعر لا يقاس عليه ولا خلاف في شذوذ:
... ... ... ... ... ... ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
و:
... ... ... ... ... ... حتى تبذخ فارتقى الأعلام
يريد إلى كليب، وإلى الأعلام، وذهب السهيلي إلى أنه لا يجوز الحذف إلا إذا تؤول في الفعل معنى فعل يصل بنفسه، وبشرط ألا يفصل بين الذي يحذف منه الحرف فلا تقول أمرتك يوم الجمعة الخير، وبشرط ألا يكون على حذف فلا تقول: أمرتك زيدًا تريد: بزيد، أي: بأمره وشأنه، ولما كان معنى أمرتك، كلفتك جاز، ولم يشترط أصحابنا ما اشترطه السهيلي.
والتعدي تارة يكون بالهمزة، وتارة بالتضعيف، فإن كان الفعل لازمًا صار
стр. 2086
متعديًا إلى واحد، وإن كان يتعدى إلى واحد صار يتعدى إلى اثنين نحو: كفل زيد عمرًا وأكفلت زيدًا عمرًا، وإن كان يتعدى إلى اثنين، وليس من باب علم، لم يتعد إلى ثلاثة نحو: كسوت زيدًا ثوبًا لا بهمزة ولا بتضعيف بإجماع، وفي التعدي بالهمزة مذهب:
أحدها: أنه سماع في اللازم والمتعدي، وهو مذهب المبرد.
الثاني: أنه قياس فيهما، وهو مذهب أبي الحسن، وظاهر مذهب أبي علي.
والثالث: أنه قياس في اللازم، إذا لم تدخل عليه الهمزة لمعنى آخر سماع في المتعدي، وهو ظاهر مذهب سيبويه، وقال السهيلي: وقد ذكر الفعل اللازم النقل بالهمزة مذهب سيبويه أنه مسموع، ومذهب غيره أنه مقيس على الإطلاق.
والرابع: أنه مقيس في كل فعل إلا في باب علم، وهو مذهب أبي عمرو وجماعة، وقال السهيلي: الصحيح التفصيل، فإن كان الفعل يكتسب منه الفاعل صفة في نفسه لم تكن فيه قبل الفعل نحو: قام، وقعد، ففي مثل هذا يقال فيه أفعلته أي جعلته على الصفة نحو: أنمته، وأقمته، وإن كان لا يصير على هيئة لم يكن عليها، ولا حصل في ذاته وصف باق نحو: اشتريت زيدًا ماء، قبح التعدي، وكذلك لا تقول: أذبحته الكبش: أي جعلته يذبحه، لأن الفاعل لم يصر على هيئة لم يكن عليها، وفي التعدي بالتضعيف مذهبان:
أحدهما: أنه سماع من اللازم والمتعدي.
والثاني: أنه قياس، ونقل ابن هشام: أنه لا خلاف أن النقل بالتضعيف لا يقاس، ولا يتعدى ما سمع منه غير صحيح، وقد يتعاقب التضعيف والهمزة نحو: أنزلت الشيء ونزلته، وأبنت الشيء وبينته، والصحيح أن معناهما واحد.
стр. 2087
وذهب الزمخشري، والسهيلي، ومن وافقهما إلى أن التعدية لا تدل على التكرير، وأن التعدية بالتضعيف تدل على تكرار في الفعل وتمهل.
وفي البديع: تضعيف الفعل اللازم، والمتعدي للتكثير، وقد جاء عنهم بالعكس قالوا: مجدت الإبل مخففًا إذا علفتها ملء بطنها، ومجدتها مشددًا، إذا علفتها نصف بطنها، وهذا الباد قد شبعت غنمه إذا أكلت أكل الشبع، وشبعت غنمه إذا أكلت نصف الشبع، وقد تكون التعدية بالتضعيف حيث لا يكون بالهمزة نحو قويت الشيء، وهيأته وحكمت فلانًا، وطهرت الشيء، ما لم تكن عين الكلمة همزة، إلا شاذًا نحو: أنأيت، وأثأيت، والشاذ نحو: ذأبت ومنه:
... ... ... ... .... ... إلى سند مثل الغبيط المذأب
وقل ذلك في غير الهمزة من حروف الحلق عينات نحو: أذهبته وألحمته، وأسعدته، وأوعلته، وأدخلته، وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل، وفعل نحو أوهنه، ووهنه، وأنعمه، ونعمه، وزاد بعض النحاة في المعديات بالحركة: ذهب زيد، وذهبت بزيد أي: أذهبته، وزاد بعضهم تضعيف اللام، وهو غريب، وكذلك صغر خده، وصعررته، والسين والتاء نحو: حسن زيد، واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز، واستطعمته الخبز.
стр. 2088
وألف المفاعلة نحو: سار زيد، وسايرته، والمعتبر بحركة العين، شترت عين الرجل، وشترها الله، وكسى زيد الثوب، وكسى زيد عمرًا ثوبًا، ولا ينقاس شيء من التعدية بهذه، ومن الأفعال ما جاء ثلاثيه متعديًا، وبالهمزة قاصرًا خلاف المعهود من ذلك: أكب الرجل، وكببته أنا، وأقشع الغيم، وقشعته الريح، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا، وأنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأمرت الناقة: در لبنها، ومريتها أنا، وأشنق البعير: رفع رأسه، وشنقته أنا، وأجفل الظليم وجفلته أنا، وتعدى الفعل تارة يكون إلى واحد نحو: ضرب زيد عمرًا، وتارة إلى اثنين، فأصل أحدهما حرف الجر، وهو (اختار) وما ذكر معه، وتارة إلى اثنين بنفسه وذلك نحو: كسا وأعطى، وتارة إلى اثنين وأصلهما مبتدأ وخبر، وتارة إلى ثلاثة مفاعيل وهو (أعلم) وأخواته.
стр. 2089
باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر
مذهب الجمهور أن ظن وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر، ومذهب السهيلي: إلى أنها ليست داخلة عليهما، بل هي مع مفعوليها كأعطيت في أنها استعملت معهما ابتداءً، ومذهب الفراء: أنها لما طلبت اسمين شبهت بما طلب اسمين من الأفعال، أحدهما مفعول به، والثاني حال، فشبه الثاني في هذا الباب بالحال.
وتدخل هذه الأفعال على ما تدخل عليه (كان)، وقد تدخل على ما لا تدخل عليه كان من المبتدأ نحو: أيهم أفضل؟ وغلام من عندك؟، تقول: أيهم ظننت أفضل؟ وغلام من ظننت عندك؟، وحذف مفعوليها إن كان اقتصارًا، فهو حذف لغير دليل، فأربعة مذاهب:
أحدها: مذهب الأخفش والجرمي وهو المنع.
والثاني: الجواز مطلقًا وهو مذهب الأكثرين.
والثالث: مذهب الأعلم، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في ظن وما في معناها، ومنع في علم وما في معناها.
والرابع: المنع قياسًا، والجواز في بعضها سماعًا، وهو اختيار أبي العلا إدريس، وزعم أنه مذهب سيبويه فلا يتعدى الحذف إلى غير ظننت،
стр. 2090
وخلت، وحسبت، وهو مسموع في هذه الثلاث، ومنه ظننت ذاك، إشارة إلى المصدر، وقوله تعالى: «وظننتم ظن السوء»، وإن حذفت أحدهما اقتصارًا فلا يجوز بلا خلاف، وإن حذفتهما اختصارًا، وهو حذف الشيء لدليل عليه جاز، وإن حذفت أحدهما اختصارًا جاز عند الجمهور على قلة.
وذهب ابن ملكون إلى أنه لا يجوز، فإذا قلت: زيدًا ظننته قائمًا، فالتقدير: ظننت زيدًا قائمًا، حذفت ظننت لدلالة ظننته، وقائمًا لدلالة قائمًا، ومن منع حذف أحد المفعولين قدر فعلاً غير ظننت مما يتعدى إلى واحد فتقول: اتهمت زيدًا ظننته قائمًا أو عرفت، أو لابست زيدًا علمته قائمًا، وهو خلاف قول الجمهور.
وأما ظننت ذاك مقتصرًا عليه، فهو إشارة إلى المصدر هذا مذهب سيبويه والبصريين، وقال الفراء وابن كيسان، والمازني، وجماعة من الكوفيين هو إشارة إلى الحديث أجرته العرب مجرى المفعولين، يقول القائل: كان من الأمر كذا وكذا فتقول: ظننت ذاك.
وفائدة هذه الأفعال في الخبر ظن أو يقين، أو كلاهما: أو تحويل، فالذي يفيد الظن (حجا) يحجو، وهي مشتركة بين معان كثيرة، فإذا كانت بمعنى ظن تعدت إلى اثنين، و (زعم) بمعنى ظن، وهي مشتركة.
стр. 2091
وذكر صاحب العين: أن الأحسن في (زعم) أن توقع على (أن) قال: وقد توقع في الشعر على الاسم، قال السيرافي: والزعم قول يقترن به اعتقاد صح، أو لم يصح.
و (جعل) بمعنى اعتقد، وهي مشتركة، ومما فيه خلاف (عد) مذهب الكوفيين أنها من أفعال هذا الباب، وهو اختيار ابن مالك، وأبي الحسين بن أبي الربيع، وقيل هي بمعنى ظن بالتضمين، أو من حسب الشيء وعده مجدًا وسؤددا، وقد حسبه مجدًا وسؤددًا.
وقال ابن هشام: قالت الجماعة لا يصح أن يتعدى (عدّ) إلى اثنين لا لغة، ولا استعمالاً انتهى.
و (هب) غير متصرف ذهب ابن مالك إلى أنها بمعنى ظن ولا تتصرف فلا يستعمل منها ماضٍ، ولا مضارع، ولا اسم فاعل، ولا أمر باللام، ويتصل بها الضمير لمؤنث ومثنى ومجموع.
والذي يفيد اليقين علم وهي مشتركة، ووجد بمعنى علم اليقينية قال تعالى: «وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين».
стр. 2092
و (تعلم) قال ابن مالك: بمعنى اعلم، ولا يتصرف، وهو شيء قاله الأعلم، وحكى يعقوب: «تعلمت أن فلانًا خارج»، بمعنى علمت، فالصحيح أنها تتصرف، وتقدم ذلك في الأفعال التي لا تتصرف.
والذي فيه خلاف في هذا القسم: (درى)، ذهب الكوفيون إلى أنها من هذا الباب، وتبعهم ابن مالك، ولم يذكر أصحابنا (درى) فيما يتعدى إلى اثنين، فإن كان سمع ذلك فيها فلعله بالتضمين، والمحفوظ في (درى) أنه يتعدى لواحد بحرف الجر نحو: ما دريت به، ولذلك حين عدى بالهمزة بقى الثاني مصحوبًا بالباء، قال تعالى: «ولا أدراكم به».
والذي يفيد الظن أو اليقين (ظن)، فالمشهور استعمالها في غير المتقين، وهو ترجيح أحد الجائزين، وتستعمل أيضًا قالوا في المتيقن، ومنه: «الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم».
وزعم بعض النحاة أن الظن بمعنى اليقين مجاز، ولا يجوز أن يؤكد إذ ذاك بالمصدر، كما لا يقال: قال الحائط قولاً، وذهب الأستاذ أبو بكر محمد بن ميمون في كتابه المسمى: (نقع الغلل) إلى أن الظن بمعنى العلم غير مشهور في لسان العرب، ولا معول عليه في حكاية من حكاه عن العرب، وتأول ما أوهم ظاهره ورود ذلك، وزعم الفراء أن الظن يكون شكًا ويقينًا، وكذبًا، وأكثر البصريين أن الظن لا يكون كذبًا، إنما يكون عندهم شكًا ويقينًا، ومن الكذب عند الفراء قول
стр. 2093
الكفار: (إن نظن إلا ظنا) وعند البصريين هو الشك، وفرق بعضهم بين الشك والظن واليقين، فقال: الشك استواء الأمرين عندك، فإن ترجح أحدهما فظن، أو اعتقدته بدليل فيقين.
وتجيء ظن بمعنى اتهم فيتعدى إلى واحد، وحسب أكثر استعمالها في غير المتيقن كقوله تعالى: «ويحسبون أنهم على شيء» ونقل استعمالها في المتقين، ومنه قول الشاعر:
حسبت التقى والحمد خير تجارة ... رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
ومصدر حسب: حسبان، وقد جاءت حسب لازمة قالوا: (حسب الرجل) إذا احمر لونه وابيض كالبرص وكذا إذا كان ذا شقرة، و (خال) يخال وأكثر استعمالها في غير المتقين، وقد تستعمل في معنى علمت، قال الشاعر: (الطويل)
إذا الناس قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
ومصدر خال: خيل، وخال، وخيلة، ومخيلة، ومخالة، وخيلان، وخيلولة، والاشتقاق من الخيال، وهو الذي لا يتحقق، ويكون خال أيضًا بمعنى تكبر، وخال الفرس: ظلع ومضارعها يخال، وقيل: تأتي بمعنى نظر، ومضارعها يخيل، قال:
стр. 2094
فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ... ... ... ... ...
أي انظر إليه، فأما خال يخول بمعنى عهد فمن ذوات الواو.
ورأى بمعنى علم وبمعنى ظن قال: يقال: «إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا» أي يظنونه ونعلمه؛ فإن كانت بمعنى أبصر، أو بمعنى أصاب الرئة، تعدت إلى واحد، وإن كانت بمعنى اعتقد، فمذهب الفارسي أنها تتعدى إلى واحد، ومذهب غيره أنها تتعدى إلى اثنين.
والذي يفيد التحويل: (صير)، و (أصار)، وهما منقولان من صار أخت كان، فقلت: صير بالتضعيف، وأصار بالهمزة، وفي البسيط: إذا كانت صير بمعنى انتقل تعدت إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر نحو: صيرتك إلى موضعك، ومثال تعديها إلى اثنين قوله:
فصيروا مثل كعصف مأكول
وابن مالك هو الذي ذكر أصار بمعنى صير، ولم يذكر شاهدًا، وجعل
стр. 2095
بمعنى صير، قال تعالى: «فجعلناه هباء منثورا» وقال تعالى: «وجعلنا ذريته هم الباقين» وقال النابغة الجعدي: (الطويل).
وذو التاج من غسان ينظر جاهدًا ... ليجعل فينا جدنا هو أسفلا
فهي في هذا داخلة على المبتدأ والخبر، ولذلك جاء الفصل بينهما، وفي البسيط: وهذه إما تصيير لما له نسبة إليه، أو إلى ما يكون له ذاتًا، أو كالذات فالأول لا بد فيه من أحد حروف النسبة كقوله تعالى: «ويجعلون لله ما يكرهون» والثاني: تصييره في الفعل بالذات نحو: جعلت الطين خزفًا، وقد تدخل فيه من كقوله تعالى: «وجعل منهم القردة والخنازير» أو بالصفة: جعلته عالمًا، وإما في الاعتقاد: «وجعلوا الملائكة الذين هم عبد الرحمن إناثا» وإما في النيابة عن الشيء: جعلت البصرة بغداد، والكتاب خزا، وإما في التسمية: جعلت حسنى قبيحًا، وهي إذا كانت بهذه المعاني لم تؤثر إلا في المفعول الأول، لأنه وقع به ذلك، ولا يستغنى عن الثاني، لأنه كالابتداء والخبر في الأصل، أو ما هو منزل منزلته، انتهى ملخصًا، وفي البديع: وتكون بمعنى ظن كقولهم: «اجعل الأسد ثعلبا واهجم عليه» انتهى.
و (وهب) غير متصرف، حكى ابن الأعرابي: وهبني الله فداك، أي صيرني فداك، و (رد)، قال تعالى: «يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا»
стр. 2096
أي يصيرونكم، و (اتخذ) يتعدى إلى اثنين بمعنى صير، قال تعالى: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه»، وإلى واحد قال تعالى: «كمثل العنكبوت اتخذت بيتا» هذا مذهب الفارسي، وذهب ابن برهان إلى أن (اتخذ) لا يتعدى إلى واحد، وأنه لا يعلمها إلا تتعدى إلى اثنين، الثاني فيهما بمعنى الأول. و (تخذ) مثل اتخذ، قال تعالى: «لتخذت عليه أجرا» وقال الشاعر
تخذت غران إثرهم دليلاً ... وفروا في الحجاز ليعجزوني
غران اسم جبل انتهى، وفي البسيط: اتخذ يتعدى إلى واحد بمعان: «ما اتخذ الله من ولد»، [و] «لو أردنا أن نتخذ لهوا» واتخذت خاتمًا أي لبست، واتخذت مالاً أي كسبت، ويجمع ذلك كله معنى الملابسة وبمعنى جعل المصيرة «لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء»، والفرق بين تصيير (جعل)، وتصيير (اتخذ) أنه في اتخذ لا يتغير المفعول به تغييرًا في نفسه، ويتعدى إليك منه شيء وفي (جعل) قد لا يلزم أن يكون ذلك فيه، نحو: جعلت الرجل عالمًا، وإذا قلت اتخذته حبيبًا أو صاحبًا عاد عليك منه شيء ولا تقول: اتخذت الطين خزفًا.
و (ترك) فيها خلاف، منهم من قال يتعدى إلى اثنين بمعنى (صير)، ومنهم من قال: لا يتعدى إلا إلى واحد، وإن وجد بعدها منصوب كان حالاً.
стр. 2097
و (أكان) قال ابن مالك: ألحق ابن أفلح بأصار (أكان) المنقول من (كان) بمعنى (صار)، ولا أعلمه مسموعًا انتهى، ولا أدري من ابن أفلح، وزعم جماعة من المتأخرين منهم خطاب الماردي: أنه قد يجوز أن يضمن الفعل الذي يتعدى إلى واحد معنى صير، ويجعل من هذا الباب، فيجوز أن يقال حفرت وسط الدار بئرًا، بمعنى صيرت، قال خطاب: ولا يكون (بئرًا) تمييزًا، لأنه لا يحسن فيه من وكذلك أجاز: بنيت الدار مسجدًا، وقطعت الثوب قميصًا، وقطعت الجلد نعلاً، وصبغت الثوب غماميًا، لأن المعنى فيها صيرت، قال ابن مالك: وألحقوا قال: يعني (العرب) برأي العلمية: الحلمية، قال فأدخلتهما على المبتدأ والخبر ونصبتهما مفعولين، واستدل بما لا يقطع بادعاء ما ادعاه، وتأولناه.
وأما (سمع)، فإن دخلت على مسموع تعدت إلى واحد نحو: سمعت كلام زيد، وإن دخلت على غير مسموع، فمذهب الجمهور أنها تتعدى إلى واحد، ويكون ما بعده حالاً نحو: سمعت زيدًا يتكلم، أي في حال تكلم، وهو على حذف مضاف أي صوت زيد في حال تكلمه.
стр. 2098
وذهب الأخفش، والفارسي إلى أن الثاني في موضع المفعول الثاني وقد يضمن (سمع) معنى أصغى فيتعدى بإلى قال تعالى: «لا يسمعون إلى الملأ الأعلى» وبمعنى استجاب نحو: سمع الله لمن حمده، وأما (ضرب) فذهب قوم إلى أنها بمعنى صير مع المثل، قال تعالى: «أن يضرب مثلاً ما بعوضة» وذهب قوم إلى أنه لا يجوز، وأجاز بعضهم كونها بمعنى صير مع غير المثل في نحو: ضربت الفضة خاتمًا، وضربت الطين خزفًا، وذهب هشام إلى جعل عرف، وأبصر من هذا الباب، وابن درستويه إلى جعل أصاب، وصادف، وغادر، وألفى من هذا الباب، والصحيح أنها ليست من هذا الباب، وقال بعض الناس: يصح أن يكون خلق بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى اثنين، فيكون قوله ضعيفًا من قوله تعالى: «وخلق الإنسان ضعيفا» مفعولاً ثانيًا انتهى، ولا أعلم نحويًا ذهب إلى أن خلق يتعدى إلى اثنين فيكون من هذا الباب، وذكر في المفتاح فيما يتعدى إلى اثنين (توهمت، وتيقنت، وشعرت، ودريت، وتبينت، وأصبت، واعتقدت، وتمنيت، وودت، وهب بمعنى حسب) ويحتاج في جعل هذه من الباب إلى صحة نقل عن العرب.
وهذه الأفعال نوعان، قلبية وغير قلبية، فالقلبية تختص بالإلغاء والتعليق، والإلغاء ترك العمل لغير موجب، وحيث يكون الإلغاء والإعمال اختلفوا، فذهب
стр. 2099
الجمهور إلى أنك مخير بين الإلغاء والإعمال، وذهب الأخفش إلى أنه ليس على التخيير، وإنما هو لازم إذا ابتدأت، لتخبر بمدلول ذلك الفعل من شك، أو غيره، فتعمل الفعل على كل حال سواء قدمته أو وسطته، أم أخرته؛ فإن ابتدأت، وأردت جعل الخبر في شك، أو غيره ألغيت وابتدأت، وذهب ابن درستويه، وابن كيسان إلى نحو ما ذهب إليه أبو الحسن، لكن إذا وسطت؛ فإن قدمت الاسم لم تلغ، وأعملت الفعل في ضميره، ونصبت ما بعده فقلت: زيدًا ظننته قائمًا، وإن قدمت الخبر، وظهر فيه الرفع، ألغيته أيضًا نحو: قائم ظننت زيدًا، فإن كان مجرورًا، أو جملة أعملت، ونويت في موضع المجرور، والجملة نصبًا نحو: في الدار ظننت زيدًا، وأخوه منطلق ظننت عمرًا، ولا يجوز الرفع عنده هنا وقوله:
... ... ... ... ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
من أقبح الضرورات، وذهب بعض النحويين إلى أنك إذا ابتدأت معتمدًا على ما دل عليه الفعل من شك، أو يقين ألغيت على كل حال سواء وسطت أو أخرت، وإن ابتدأت لا معتمدًا على ذلك، ولم تقدم الفعل كنت مخيرًا، والتفريع على مذهب الجمهور في أن الإلغاء والإعمال على سبيل التخيير فنقول: الفعل إن وقع صدر كلام فلا يجوز عند جمهور البصريين إلا الإعمال، وذهب الأخفش، ومحمد بن الوليد، وأبو بكر الزبيدي، وابن الطراوة، والكوفيون في نقل
стр. 2100
أصحابنا عن الكوفيين إلى أنه يجوز الإلغاء والإعمال عندهم أحسن، وعن الفراء كقول جمهور البصريين لا تلغى متقدمة، واختلفوا من هذا الأصل في مسائل:
إحداها: ظننت يقوم زيدًا، وظننت قام زيدًا، ذهب الكوفيون، والأخفش إلى أنه لا يجوز النصب، وأجاز ذلك سائر البصريين.
الثانية: أظن نعم الرجل زيدًا، ووجدت نعم الرجل زيدًا ذهب الفراء إلى جواز ذلك، وهو مقتضى قول البصريين، ولم يجز الكسائي ذلك في أظن، وأجاز ذلك في وجدت.
الثالثة: ظننت قائمًا زيدًا أجازها البصريون، ومنعها الكوفيون إن أردت بقائم الفعل، وإن أردت به الحلف جازت عند أكثرهم، وقال ابن كيسان هي قبيحة.
الرابعة: أظن آكلاً زيدًا طعامك، أجازها البصريون، ومنعها الكوفيون.
الخامسة: طعامك أظن آكلاً زيدًا، أجازها البصريون والكسائي، وقال الكسائي النية فيه: أظن زيدًا آكلاً طعامك، وقال الفراء: لا يجوز، وإن لم تتصدر، وتقدمت على الاسمين نحو: متى ظننت زيدًا منطلقًا، فلم يذكر سيبويه فيه إلا الإعمال، وذكر غيره فيه الإلغاء على قلة على تفصيل في ذلك، وهو إما أن تكون متى معمولة للخبر، فيجوز الإلغاء والإعمال، أو معمولة لظننت فلا يجوز إلا الإعمال، ولو تقدمت على ظننت المتقدمة على الاسمين ما لا يكون معمولاً لا لها ولا للخبر، فالإعمال نحو: أتظن زيدًا منطلقًا، ولا يجوز الإلغاء ولو دخل على ظننت المتقدمة عليهما لام (إن) وجب الإلغاء، وهو مقابلة الصورة التي قبلها، وذلك نحو: إن زيدًا لظننت أبوه منطلق حكاها الأخفش.
стр. 2101
وإن تقدم الاسمان على الفعل نحو: زيد قائم ظننت، أو توسط هو بينهما، نحو: زيد ظننت منطلق، فإما أن تدخل على الاسم لام الابتداء، فيجب في مسألة لام الابتداء الإلغاء نحو: لزيد ظننت منطلق، ولزيد منطلق ظننت أو ينفى الفعل، فيجب في مسألة النفي الإعمال، نحو: زيدًا منطلقًا لما أظن، وزيد لم أظن منطلقًا، أو لا تدخل، ولا ينفي فيجوز الإعمال، والإلغاء نحو: زيدًا ظننت منطلقًا، وزيدًا منطلقًا ظننت، وإن شئت ألغيت فرفعت الاسمين، فأما قوله: (وما إخال لدينا منك تنويل) فالنفي دخل على جملة الابتداء، ثم اعترض (بإخال) فنبى أولاً على نفي التنويل، ثم اعترض بإخال، ولو كان الخبر جملة اسمية، أو جملة شرطية، وتقدمت جملة الابتداء على الفعل نحو: زيد أبوه منطلق ظننت، وزيدًا ظننت أبوه منطلق، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرًا جاز الإعمال والإلغاء، وحيث جاز الإعمال والإلغاء، وتوسطت، فقيل الأرجح الإعمال وقيل هما سواء، وإن تأخرت، فالإلغاء أولى عند الجميع.
وللفراء كلام فيه تفصيل وطول، وملخصه أنها إذا توسطت، أو تأخرت جاز الإعمال مع التوسط، وينبغي إذا تأخرت أن تلغى، ولا يقدم على الإعمال إلا بسماع، وإن كان القياس يقتضيه وتقول: زيد ظننت ماله كثير، يجوز فيه الإعمال والإلغاء، وزعم الفراء أن الإلغاء قبيح، وإذا قلت ظننت زيد منطلق، فخرجه سيبويه على حذف لام الابتداء، كأنه قال: لزيد منطلق، وكانت (ظننت) معلقة، والجملة في موضع نصب، وخرجه غيره على إضمار الأمر، كأنه قال: ظننته أي الظن والجملة في موضع المفعول الثاني لظننت، وقد تنازع ابن هشام وابن عصفور في هذا التركيب، فقال ابن عصفور: لا يحفظ إلغاء
стр. 2102
ظننت، أو شيء من أخواتها إذا وقعت صدرًا، وقال ابن هشام: جاء عنهم مثل: علمت زيد قائم، وقد علمت أن زيدًا ذاهب، وقد أجاز سيبويه في كتابه على التأويل الذي ذكرناه عنه، وجوازه لا يدل على سماعه، وقد يقع الملغي بين معمولي (إن) نحو قوله:
إن المحب علمت مصطبر ... ... ... ... ....
وبين سوف ومصحوبها نحو قوله:
وما أدري وسوف إخال أدري ... ... ... ... ... ...
يريد وسوف أدري، وبين متعاطفين نحو قوله:
... ... ... ... ... ... ولكن دعاك الخبز أحسب والتمر
стр. 2103
ومن الإلغاء قول الآخر:
وما خلت يجذبني الشقاق ولا الحذر
برفع الشقاق، وإذا وقع الفعل بين فعل ومرفوع نحو: قام أظن زيد، فالبصريون على جواز الإلغاء والإعمال.
وقال الكوفيون: لا يكون إلا الإلغاء، والاسم مرفوع على الفاعلية لا على الابتداء، وقال بعض المتأخرين: المسألة من باب الإعمال، فلك أن تعمل ظن ولك أن تعمل قام، أو يقوم، وقال ابن هشام: الصحيح ما رآه الكوفيون، وتوكيد الملغي يكون بصريح المصدر. وبضمير المصدر، وبإشارة إلى المصدر، فإذا أكدته بالمصدر غير مضاف إلى ضمير المتكلم نحو: زيد ظننت ظنًا، فهو قبيح أو مضافًا إلى الياء فضعيف، وإن أكدته بضمير المصدر نحو: زيد ظننته قائم، وهو أحسن من تأكيده بصريح المصدر.
وضمير المصدر يكون مفردًا مذكرًا وأجاز هشام، وأصحاب سيبويه تأنيث الضمير نحو: زيد أظنها قائم، أي أظن الظنة، ومنع الفراء تأنيث الضمير إلا مع المؤنث نحو: هند أظنها قائمة، والهاء للظنة، وأجاز هشام تثنية الضمير وجمعه، فتقول: زيد أظنها ذاهبين، أي أظن الظنين، وزيدًا أظن ذاهب، أي أظن الظانات، وأجاز أيضًا: زيد ظان أنا قائم، وزيد أنا ظان قائم، تلغي الظن، وإن كان في جملة اسمية كما تلغيه في جملة فعلية، فإن أراد المصدر جاء بالهاء فقال: زيد ظانه أنك قائم، وإن شاء قال أنا ظانها يريد: الظن، وظانهن يريد: الظانات، وقال الفراء: كلام العرب: زيد ظانًا أنا قائم بالنصب، لأن الظن معلق بالجملة، وقال النحاس: جعل الفراء ظانًا مصدرًا مثل: عائذًا بك أي عوذًا، وفاعل مصدر لا يقاس عليه، والذي أجازه هشام لا يحسن إلا أن يكون من كلامين، فتقول: زيد ظان أنا قائم، أي زيد قائم أنا ظان ذلك، وإن أكدته بإشارة إلى المصدر: زيد
стр. 2104
ظننت ذلك منطلق فقد ذكره سيبويه وباتفاق هو أحسن في الإلغاء من لفظ المصدر، عند من يجيز إلغاءه، وهو ظاهر كلام سيبويه أنه أضعف في الإلغاء من الضمير.
وقال الزجاج: الهاء أضعف، وتوكيد الجملة بمصدر الفعل بدلاً من لفظه منصوبًا، فيلغى وجوبًا نحو: زيد منطلق ظنك، وزيد ظنك منطلق ناب ظنك مناب ظننت، ونصبه نصب المصدر المؤكد للجمل فإلغاؤه واجب، فلا يجوز: زيدًا أظنك منطلقًا، ولا يجوز تقديمه، وأجاز ذلك الأخفش إذا ألغيت الظن، ونصبت ظنك بالفعل.
وملخص هذا الكلام في المصدر أنه لا يخلو أن تأتي بالفعل معه أو لا، إن أتيت بالفعل كان مؤكدًا للفعل، ثم الفعل إن كان متقدمًا، فالإعمال نحو: ظننت ظنا زيدًا قائمًا، وسواء أتيت بصريح المصدر أم بضميره أم باسم إشارة إليه، وإن توسط أو تأخر فالفصيح الإعمال، ويجوز الإلغاء، وهو قليل جدًا، فإن أتيت بصريح المصدر كان جائزًا على قبح، أو بالضمير أو اسم الإشارة كان دون صريح المصدر في القبح، وإن لم تأت بالفعل، فإما أن يتقدم المصدر أو يتوسط أو يتأخر ولا يكون إذ ذاك إلا صريح المصدر لا ضميره، ولا اسم إشارة إليه، فإن توسط أو تأخر، فالإلغاء، وهو إذ ذاك بدل من الفعل الملغي فلا يجتمع معه، وإنما يجتمع مع الفعل العامل، ولا يكون بدلاً من الفعل العامل فيعمل لكونه بدلاً منه.
وذهب المبرد، والزجاج، وابن السراج إلى جواز إعماله، فتقول على
стр. 2105
مذهبهم: زيدًا ظنك منطلقًا، وزيدًا منطلقًا أظنك فتعمله، لأنه عندهم بدل من الفعل العامل، وإن تقدم فالصحيح أنه لا يجوز التقديم، وأجاز الأخفش وغيره التقديم، واختلف مجيزوه في جواز إعماله، فمنهم من أجاز ذلك فتقول: ظنك زيدًا قائمًا، والصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال، وهذا التفريع كله على مذهب من يرى أنك مجيز في الإلغاء، وتقدم أنه مذهب الجمهور.
وأما على مذهب الأخفش، ففيه ذلك التفصيل السابق، ويقل القبح في (متى ظنك زيد ذاهب) كما يقل في: (متى تظن زيد ذاهب)، ومن أجاز الإعمال في (ظنك زيدًا ذاهبًا) كان عنده هنا أجوز، وتقول: متى ظنك زيدًا ذاهبًا، وممن ذهب إلى إجازة ذلك مع متى ومنعه إذا لم تكن متى ابن عصفور، وإذا كانت متى خبر المصدر ظن نصبت فقلت: متى ظنك زيدًا قائمًا، وأجاز الأخفش، والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام نحو: ظنك زيدًا منطلقًا، وكما تقول: ضربًا زيدًا، وأظنك زيدًا منطلقًا وكما تقول:
أعلاقة أم الوليد ... .... ... ... ... ... ... ....
قال صاحب الملخص: وكذا لو وسطت ظنا أو أخرته فالإعمال، ولا يجوز الإلغاء، فإن بنيت الكلام على الإخبار بلا عمل لظن جاز كما تقول: زيد منطلق ظن تريد: ظن هذا موجودًا وتقول: أظنا زيدًا منطلقًا ليس إلا الإعمال، فإن توسطت أو تأخرت جاز الإلغاء والإعمال، كما جاز في الخبر انتهى.
وما ذكر من الإعمال والإلغاء في هذه الأفعال، ذكر ابن مالك أنه لا يكون
следующие страницы →