← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يستقم ولا يثبت (١) فيه شيء، ويحتمل (٢) أن يكون من وراء حائل، قاله الشافعي، ويحتمل أن يكون دون حائل، والملامسة عندنا بغير شهوة لا تنقض الوضوء. انتهى. أما حكم الملامسة فقد سبق في باب الوضوء من القبلة، وليس الغرض الآن حكم الملامسة، ولا المقصود من إيراد هذا الحديث إلا أن المرأة وهي جنب قبل اغتسالها يباح منها ذلك للرجل، فهو في معنى حديث أبي هريرة السابق: "إن المسلم لا ينجس". وعلى ذلك الحديث محمول عندنا وعند السلف ﵏، وقد فسر ذلك قوله (٣) بعد، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس أن يستدفئ بامرأته وينام معها قبل أن تغتسل المرأة. وأما الوضوء بعد ذلك وقبل إرادة الصلاة ففيه خلاف بين السلف. روى وكيع عن سفيان عن بشير، عن إبراهيم التيمي أنّ عمر كان يستدفئ بامرأته بعد الغسل (٤)، وروي أيضًا عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن أم الدرداء قالت: كان أبو الدرداء يغتسل ثم يجيء وله قرقفة يستدفئ بي (٤). وقال ابن (٥) أبي شيبة: نا حفص ووكيع: عن مسعر، عن جبلة، عن ابن عمر قال: إني لأغتسل من الجنابة، ثم أتكوى بالمرأة قبل أن تغتسل. قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس: ذاك عيش قريش في الشتاء.

стр. 1017

حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن حجاج بن أبي عُثمان قال: ثنا يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو كثير قال: قلت لأبي هريرة: الرجل يغتسل من الجنابة ثم يضطجع مع أهله، قال: لا بأس. حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كان الأسود يجنب فيغتسل، ثم يأتي أهله فيضاجعها يستدفيء بها قبل أن تغتسل. حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كان علقمة يغتسل، ثم يستدفئ بالمرأة وهي جنب. حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنّه كان يستدفئ بامرأته، ثم يقوم فيتوضأ وضوءه للصلاة. حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ أنّه كان يغتسل من الجنابة، ثم يجيء فيستدفئ بامرأته قبل أن تغتسل، ثم يصلي ولا يمسُّ ماءً. حدثنا أبو خالد الأحمر (١) عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: إذا اغتسل الجنب ثم أراد أن يباشر امرأته فعل إن شاء. حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: يباشرها، وليس عليه وضوء. حدثنا وكيع عن مبارك، عن الحسن قال: لا بأس أن يستدفيء بامرأته بعد الغسل.

стр. 1018

حدثنا وكيع، عن مسعر، عن حماد: أنّه كان يكرهه حتى يجف (١) فيه طهارة عرق الجنب. وقد بوّب البيهقي (٢) في "سننه الكبير"، على طهارة عرق الحائض والجنب، فذكر هذا الحديث، وحديث عائشة: "كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض". رواه البخاري (٣). وحديث القاسم، عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قال لها: "ناوليني الخمرة"، قالت: إني حائض! قال: "إن حيضتك ليست في يدك". رواه مسلم (٤)، وما في معناهما. * * *

стр. 1019

٩٢ - باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء ثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري: ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر: أنّ رسول الله ﷺ قال: "إن الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فَليمسّهُ بشرته؛ فإن ذلك خير". وقال محمود في حديثه: "إن الصعيد الطيب وضوء المسلم". قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين. قال أبو عيسى: وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذر. وروى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذرّ، ولم يُسَمِّه. وهذا حديث حسن (١)، وهو قول عامة الفقهاء: أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء تيمّما وصلّيا. ويروى عن ابن مسعود أنّه كان لا يرى التيمم للجنب، وإن كان لم يجد الماء، وروي عنه أنّه رجع عن قوله فقال: يتيمم إذا لم يجد الماء. وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق (٢).

стр. 1020

* الكلام عليه: أخرجه أبو (١) داود والنسائي (٢) وابن (٣) حبان في "صحيحه" من طريق عمرو بن بجدان، من رواية خالد الحذاء ثم أتبعها (٤) بطريق أخرى من جهة سفيان الثوري، عن أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن عمرو، عن أبي ذر رادًّا على من زعم أن خالدًا تفرد به. والحاكم (٥) في المستدرك، وقال: صحيح ولم يخرجاه، إذا لم نجد لعمرو راويًا غير أبي قلابة الجرمي (٦). ولا يخلو هذا التبويب من مؤاخذة، فإن الذي ذكره من متن هذا الحديث ليس له تعلق بتيمم الجنب، وهو وإن كان في بعض ألفاظه وأمره بالتيمم عند الجنابة، فيلزمه ذكر هذه القطعة من الحديث لتضمن التبويب إياها، ولا يكفي في ذلك الحوالة على ما هو معلوم من تمام المتن في موضع آخر لاحتمال أن تكون تلك الزيادة بغير هذا الإسناد فلا يلزم الاحتجاج بها. وقد أتبع الترمذي هذا الحديث التصحيح في بعض النسخ والتحسين في بعضها (٧). فأما أبو الحسن (٨) بن القطان فيضعفه وليس عنده من قبيل الصحيح ولا الحسن، وفيما قاله من ذلك نظر.

стр. 1021

ومأخذه أن عمرو (١) بن بُجدان راويه عن أبي ذر لا يعرف له حال، وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه، فيقول عنه خالد الحذاء، عن عمرو بن بجدان، ولا يختلف في ذلك على خالد. وأما أيوب فإنه رواه، عن أبي قلابة، واختلف عليه، فمنهم من يقول: عنه عن أبي قلابة، عن رجل فقط، ومنهم من يقول عن عمرو بن بجدان كقول خالد (٢). ومنهم من يقول عن أبي المهلب، ومنهم من لا يجعل بينهما أحدًا فيجعله عن أبي قلابة، عن أبي ذر. ومنهم من يقول عن أبي قلابة أن رجلًا من بني قشير قال: يا نبيّ الله. هذا كله اختلاف على أيوب (٣)، وذلك ما ذكره الترمذي (٤) عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، وذكرها الدارقطني وقال: ومن أصحاب أيوب من يرويه عنه أبي قلابة، عن رجاء بن عامر، قال: وأحسبه تصحيفًا، وإنما يريد عن رجل من بني عامر. قال الشيخ أبو الحسنن الدارقطني: وقد رواه مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن

стр. 1022

أيوب وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (١)، وأحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد (٢)، فقال فيه: عن عمرو بن بجدان، لأن أيوب يرويه عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه، عن أبي ذر، ورواه عبد (٣) الرزاق، عن الثوري، عنهما، فضبطه وبين قول كل واحد منهما من صاحبه، وأتى بالصواب، وتابعه على ذلك إبراهيم بن خالد، عن الثوري، عن أيوب، وخالد (٤) عن أبي قلابة، وبين كذلك. وطريق الترمذي من جهة خالد الحذاء راجحة على طريق النسائي من حديث أيوب لسلامتها من هذه العلل، وإن كان الاعتلال بعمرو بن بجدان مشتركًا بينهما، فإن الاعتلال بعمرو قد يجاب عنه بما يقتضي الترجيح الذي أشرنا إليه، والاعتراض على أبي الحسن القطان، فيما زعم من تضعيفه حديث أبي ذر وانحطاطه عن درجة الحسن، وذلك أن عمرًا لم ينقل فيه طعنًا من أحد، وإنما رماه بالجهالة، وأنه لم يرو عنه غير أبي قلابة وتصحيح الترمذي حديثه توثيق له؛ إذ من المعلوم أنه لا فرق بين أن يقول فيه ثقة أو عن حديث العمدة عليه فيه أنه صحيح، فكلاهما توثيق. وقد فعل ذلك كما فعله الترمذي وابن حبان (٥)، والحاكم (٦) مع قوله عن الشيخين: ولم يخرجاه، إذ لم يجدا لعمرو راويًا غير أبي قلابة، فهذا أيضًا من الحاكم -مع اعتذاره عن الشيخين بتفرد أبي قلابة بالرواية عنه- توثيق له، ولولا قيام المقتضى عنده لتصحيح حديثه من التوثيق لما أقدم على تصحيح حديثه مع اعترافه بما

стр. 1023

يشبه الجهالة من التفرد المذكور، ولو كان الخلاف على أيوب مترددًا عند بعض أصحابه عن رجل أو عمرو بن بجدان عند آخر منهم لأمكن حمل رواية من رواه عن رجل على أنه عمرو بن بجدان، ولقبل التفسير به كما قاله الحافظ المنذري ﵀، قال: الرجل من بني عامر هو عامر بن بجدان، سماه خالد الحذاء عن أبي قلابة، وسماه الثوري عن أيوب. انتهى. وقد ذكرنا تعليل الدارقطني رواية سفيان عن أيوب وأنه ليس كذلك، ولو لم يكن من الخلف إلا ذلك لكان يسيرًا، ولكنهم اختلفوا اختلافًا كثيرًا كما بيّناه، وهذا اضطراب في طريق أيوب سلمت منه طريق خالد الحذاء، وطريق خالد صحيحة بتصحيح الترمذي وابن حبان إياها، وتوثيق العجلي وابن حبان عمرو بن بجدان. وطريق أيوب لا يقدح فيها ولا يعللها. والله أعلم. وأما حديث أبي هريرة فقال البزار (١): نا مقدم بن محمد المقدمي قال: نا عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم قال: نا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسّه بشرته، فإن ذلك خير". وثّق البزار مقدّمًا شيخه (٢)، وعمه (٣) أخرج له البخاري محتجًا به. ولفظ هذا الحديث وحديث أبي ذر واحد وهو راجح عليه لسلامته مما علل به حديث أبي ذر. وعند أحمد (٤) في "المسند" من طريق أبي هريرة أيضًا عن عبد الرزاق، ثنا

стр. 1024

المثنى بن الصباح، أخبرني عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁: قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: "عليك بالتراب". قال أحمد (١) والرازي (٢): المثنى بن الصباح لا يساوي شيئًا. وقال النسائي (٣): متروك. وأما حديث عبد الله بن عمرو: فروى الإمام أحمد (٤) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب لا يقدر على الماء أيجامع أهله؟ قال: "نعم". رواه الإمام أحمد من طريق حجاج بن أرطاة. وأما حديث عمران بن الحصين: فروى البخاري (٥) من حديث عن أبي رجاء قال: نا عمران بن الحصين الخزاعي: أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لي يصلّ في القوم، فقال: "يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ "، فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". رواه عن عبدان عن عبد الله عن عوف.

стр. 1025

وفي الباب مما لم يذكره حديث عمار بن ياسر وهو عنده مذكور في صفة التيمم مختصرًا، لم يذكر منه موضع تيمم الجنب (١). روى شعبة عن الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أنّ رجلًا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً، فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فقال النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك"، فقال عمر: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به. قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، مثل حديث ذرٍّ قال: حدثني سلمة، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم قال: فقال عمر: نوليك ما توليت. أخرجوه كلهم مطوّلًا ومختصرًا (٢)، وهذا لفظ مسلم (٣)، وسيأتي عند الترمذي (٤) في بابه مختصرًا.

стр. 1026

وفيه حديث عمرو بن العاص: روى أبو (١) داود من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت وصليت بأصحابي (٢)، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ "، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾، فضحك نبي الله ﷺ ولم يقل شيئًا. ورواه أيضًا (٣) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرو بن العاص كان على سرية ... فذكر الحديث نحوه (٤). قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم. قال أبو داود: هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال فيه: فتيمم (٥). وأخرج الحاكم (٦) رواية يزيد هذه بهذا الإسناد، وقال: على شرطهما. قال:

стр. 1027

والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد لم يذكر أبا قيس (١). وقال: حديث جرير لا يعلل حديث عمرو -يعني ابن الحارث- الذي وصله بذكر أبي قيس؛ فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة. وفيه أيضًا عن ابن عباس: روى أبو داود (٢) من جهة الأوزاعي: أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عبد الله بن عباس قال: أصاب رجلًا جرح في عهد رسول الله ﷺ ، ثم احتلم فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "قتلوه، قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال". وهذا منقطع فيما بين الأوزاعي وعطاء (٣). ذكر ابن (٤) أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث عقيل (٥) والوليد بن مسلم وغيرهما، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا أصابته جراحة فأجنب فأمر بالاغتسال فاغتسل، فكزّ، فمات .... ثم قال (٦) بعد كلام: وروى هذا الحديث ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس: وأفسد الحديث (٧). انتهى.

стр. 1028

وقول ابن أبي حاتم: أفسد الحديث، يعني بدخول إسماعيل بن مسلم فيه، بين الأوزاعي وعطاء، لأن هذه الزيادة، وهي تعود بنقص، مبينة نقص الطريق الأول بسقوط إسماعيل منها (١)، وإسماعيل (٢) بن مسلم هذا هو المكي المخزومي أبو ربيعة يروي عن الحسن وعمرو بن دينار وابن سيرين والزهري. ضعفه ابن المبارك (٣)، وقال سفيان (٤): كان يخطئ في الحديث، وقال أحمد (٥): منكر الحديث، وقال يحيى (٦): لم يزل مختلطًا، وليس بشيء، وقال علي (٧): ضعيف الحديث، لا يكتب حديثه، أجمع أصحابنا على ترك حديثه، وقال النسائي (٨) وعلي (٩) ابن الجنيد: متروك الحديث. ذكره ابن (١٠) الجوزي وقال: إسماعيل بن مسلم خمسة؛ هذا أحدهم،

стр. 1029

والثاني: إسماعيل بن مسلم أبو محمد العبدي البصري، سمع أبا المتوكل والحسن، والثالث: مولى بني مخزوم، يروي عن سعيد بن جبير. الرابع: ابن أبي الفُديك، واسم أبي الفُديك دينار مولى بني الدُئل. والخامس: إسماعيل بن مسلم بن يسار مولى رفاعة الزرقي، روى عن محمد بن كعب. لم نعلم في أحد منهم طعنًا إلا في الأول. انتهى. وفي تعريف ابن الجوزي الأول بالمخزومي نظر، وكأنه ليس كذلك، وقد ذكر في الأربعة بعده إسماعيل بن مسلم مولى بني مخزوم، وقد فرّق بينهما غيره، وكنّاه أبا ربيعة (١)، وكنيته عند البخاري ومسلم أبو إسحاق، وعدّهم خمسة غير مطعون عليهم إلا الأول. وذكر الدارقطني (٢) إسماعيل بن مسلم السكوني شامي متروك يضع الحديث، فهذا سادس. وقد ذكر سابع: وإسماعيل بن مسلم المكي، ذكره ابن (٣) عدي، وقال: هو بصري، كان أبوه يتجر ويتكرر إلى مكة فنسب إليها، حكاه عن البخاري (٣)، وقال: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن مهدي، وقال السعدي (٤): هو واه جدًّا، وقال عمرو (٥) بن عليّ: كان ضعيفًا في الحديث؛ يهم فيه، وكان صدوقًا يكثر الغلط، يحدث عنه من لا ينظر في الرجال (٦)، وقال (٧): أحاديثه غير محفوظة إلا أنه

стр. 1030

ممن يكتب حديثه، وقد روى له الترمذي وابن ماجه (١). وروى ابن (٢) الجارود وغيره (٣) من حديث جرير عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ رفعه في قوله [وإنْ كُنْتُم مَرْضى أوْ على سَفَر ...﴾، قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم. عطاء (٤) بن السائب من المختلطين بآخرة، وجرير (٥) عندهم ممن روى عنه بعد الاختلاط، وغيره من أصحاب عطاء يروونه عن موقوفًا (٦)، وهو الصواب عند الرازيين (٧) فيما حكاه عنهما عبد الرحمن بن أبي حاتم. وقد روي من وجه آخر موقوفًا عن ابن عباس: رواه أبو (٨) بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" قال: نا وكيع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن

стр. 1031

عباس: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِري سبيلٍ ...﴾؛ قال: هو المسافر. وذكر ابن أبي شيبة في هذا الباب (١) عن حذيفة، قال: نا ابن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "جعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" يعني: الأرض. وعن عليّ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِري سبيلٍ ...﴾ قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم ويصلي، رواه عن علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر (٢)، عن عليّ. وعن وكيع، عن مسعر، عن بكير بن الأخنس، عن الحسن بن مسلم: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِري سبيلٍ ...﴾؛ إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا (٣). وأما الرواية عن ابن مسعود بخلاف ذلك مما أشار إليها صاحب الكتاب (٤)، وأشار إلى رجوعه عنها. فروى ابن (٥) أبي شيبة: ثنا محمد بن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: إذا كنت في سفر فأجنبت فلا تصلِّ حتى تحد الماء، وإذا أحدثت فتيمم ثم صلِّ. وأما رجوعه عنها فقال: نا سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن الضحاك

стр. 1032

قال: رجع عبد الله عن قوله في التيمم (١). وقد روي عن عمر في ذلك أيضًا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر قال: لا يتيمم الجنب وإن لم يجد الماء شهرًا (٢). وعن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن زبيد قال: أجنبت فلم أجد الماء؛ فسألت أبا عطية فقال: لا تصلّ. وسألت سعيد بن جبير فقال: تيمم وصلِّ (٣). وعن أبي معاوية عن الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا كيف يصنع بالصلاة؟ قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فإن لم تجِدوا ماءً فتيمَّموا صعيدًا طَيِّبًا ...﴾؛ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا الأمر لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمّموا بالصعيد (٤). وروى مالك (٥)، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي: أنّ رجلًا سأل سعيد بن المسيب، عن الرجل يتيمم، ثم يدرك الماء، فقال سعيد: إذا أدرك الماء فعليه الغسل لما يستقبل. قال أبو (٦) عمر: أجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم

стр. 1033

بالصعيد عند عدم الماء وطهور كل مسلم مريض أو مسافر (١) سواءً كان جنبًا أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان: إن الجنب لا يطهر إلا بالماء (٢)، وأنّه لا يستبيح بالتيمم صلاة أبدًا لقول (٣) الله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُم جُنُبًا فاطَّهَّروا ...﴾، وقوله : ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِري سبيلٍ حتى تغتسلوا ...﴾، وخفيت عليهما السنة في ذلك، ولم يصل إليهما من ذلك إلا قول عمار، وكان عمر حاضرًا معه فأنسي قصة عمار، وارتاب في ذلك لحضوره (٤) معه ونسيانه لذلك، فلم يقنع بقوله، فذهب هو وابن مسعود إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله : ﴿وإنْ كُنْتُم مَرْضى أو على سَفَرٍ أو جاءَ أحدٌ مِنْكُم مِنَ الغائطِ أو لامَسْتُم النِّساءَ فلمْ تجِدوا ماءً فتيَمَّموا صعيدًا طيِّبًا ...﴾. وكانا يذهبان إلى أنّ الملامسة ما دون الجماع. ولم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار، من قال: إن الملامسة الجماع، ومن قال: إنها ما دون الجماع من دواعي الجماع (٥) بقول عمر وابن مسعود في ذلك. وقد غلط بعض الناس في هذا (٦) على ابن مسعود فزعم أنّه كان يرى أن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء لم يغتسل ولا وضوء عليه (٧)، وهذا لا يقوله أحد من علماء المسلمين، ولا روي عن أحد من السلف، ولا الخلف فيما علمت إلا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ولا يصح عنه (٨). والمحفوظ عن ابن مسعود ما وصفنا عنه.

стр. 1034

وفي قول رسول الله ﷺ لأبي ذر وغيره: "التراب كافيك ما لم تجد الماء، ولو أقمت عشر سنين (١)، فإذا وجدته فاغتسل". وفي بعض الروايات: "فأمسّه بشرتك". دليل واضح على أن الجنب إذا وجد الماء يلزمه (٢) استعماله، وأن تيممه ليس بطهارة كاملة، وإنما هو استباحة للصلاة، ثم هو على حاله جنبًا (٣) عند وجود الماء (٤). وأما قول أبي عمر إنه لم يخالف في تيمم الجنب إلا عمر وابن مسعود، فقد روي ذلك أيضًا عن بعض التابعين كما ذكرنا. وقال الحكم: سألت إبراهيم النخعي: إذا لم تجد الماء وأنت جنب؟ قال: لا أصلي (٥). قال شعبة: وقلت: لأبي إسحاق: أقال ابن مسعود: إن لم أجد الماء شهرًا لم أصلّ -يعني الجنب-، فقال أبو إسحاق: نعم. وللأسود. واحتج من ذهب إلى قول ابن مسعود بقوله تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُم جُنُبًا فاطَّهَّروا ...﴾، قالوا: فلم يجعل للجنب إلا الغسل. ولما روى محمد بن عبد السلام الخشني: ثنا محمد بن بشار: نا محمد بن أبي عدي نا شعبة، عن المخارق بن عبد الله، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أجنبت فلم أصلّ؟ قال: "أحسنت"،

стр. 1035

وجاءه آخر فقال: إنّي أجنبت فتيمصت فصليت، قال: "أحسنت". المخارق (١) بن عبد الله تابعي ثقة، وطارق (٢) بن شهاب معروف الصحبة. ولا حجة في شيء من ذلك؛ أما الآية فإن الطهور هو ما يتطهر به، وهو ينطلق على الماء والتراب، خلق الله الماء طهورًا، وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا، فلا خصوصية للماء بذلك. وأما الحديث ففيه تحسين النبي ﷺ فعل المتيمم من الجنابة، وذلك كافٍ، ولعل تحسينه ﵇ فعل الآخر لتوقفه عما لم يعلم من ذلك. واختلف الناس في التيمم هل هو مبيح للصلاة أو رافع للحدث، ولهم في ذلك اعتلالات كثيرة وأقيسة شبهية وغيرهما، وممن قال أنه مبيح للصلاة مالك والشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنه رافع للحدث، وسيأتي في باب التيمم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وإذا كان (٣) على بعض أعضاء المحدث نجاسة فأراد التيمم بدلًا عنها، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز. وقال أحمد بن حنبل ﵀: يجوز أن يتيمم إذا كانت النجاسة على بدنه ولم يجز إذا كانت على ثوبه، واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة. وقال ابن المنذر: كان الثوري والأوزاعي وأبو ثور يقولون بمسح موضع النجاسة

стр. 1036

بتراب ويصلي. وأما إعادة الصلاة التي يفعلها بالتيمم فمذهبنا أنه لا يعيد إذا تيمم للمرض أو الجراحة ونحوهما، وأما إذا تيمم للعجز عن الماء فإن كان في موضع يعدم فيه الماء غالبًا كالسفر لم تجب الإعادة، وإن كان في موضع لا يعدم فيه الماء إلا نادرًا وجبت الإعادة على المذهب الصحيح (١)، وإذا (٢) وجد الجنب من الماء ما لا يكفي لغسله، أو المحدث ما لا يكفيه لوضوئه، ففيه من الآراء: * أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك، واختاره المزني: لا يجب استعماله، بل يتيمم، كما لو وجد بعض الرقبة لا يجب إعتاقه عن الكفارة بل يعدل إلى الصوم. * وأصحهما: أنه يجب استعماله ويتيمم للباقي لأنه قدر على غسل بعض أعضائه (٣) صحيحًا والبعض جريحًا يجب غسل الصحيح، وقيل: الثاني قوله الجديد، والأول قوله القديم. وذكر الشيخ أبو علي والمسعودي أن له في الجديد قولين: أحدهما: مثل القديم، ورواية المزني في "المختصر" تدل على ما قالاه (٤). وإذا أوصى (٥) بمائه لأولى الناس به أو وكل رجلًا بصرف مائه إلى أولى الناس

стр. 1037

به، فحضر محتاجون إلى ذلك الماء كالجنب والحائض والميت ومن على بدنه نجاسة، فمن يقدم منهم فالميت ومن على بدنه نجاسة أولى من غيرهما؛ أما الميت فلمعنيين: قال الشافعي: إن أمره يفوت، فليختم بأكمل الطهارتين، والأحياء يقدرون عليه في ثاني الحال. والثاني: قال بعض الأصحاب: القصد من غسل الميت تنظيفه وتكميل حاله، والتراب لا يفيد ذلك، وغرض الحي استباحة الصلاة وإسقاط الفرض، وهذا الغرض يحصل بالتيمم حصوله بالغسل. وأما من على بدنه نجاسة فلأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وللطهارة بدل وهو التيمم، ولو اجتمعا فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان: أصحهما أن الميت أولى. قال المحاملي والصيدلاني: الوجهان مبنيان على المعنيين في الميت إن قلنا بالتعليل الأول، فالميت أولى. وإن قلنا بالتعليل الثاني فالنجس أولى؛ لأن فرضه لا يسقط بالتيمم بخلاف غسل الميت. ولا خلاف أنه إذا كان على بدن الميت نجاسة فهو أولى، ولا يشترط في استحقاق الميت أن يكون له ثَمَّ وارث يقبل عنه، كما لو تطوع إنسان بتكفين ميّت لا حاجة إلى قابل، وفي المسألة وجه ضعيف. وإن اجتمع ميّتان والماء لا يكفي إلا لأحدهما، فإن كان الماء موجودًا قبل موتهما (١) فالأول أولى، وإن كانا ماتا معًا أو وجد الماء بعد موتهما فأفضلهما أولى، فإن استويا أُقرع بينهما.

стр. 1038

هذا كله في الميت ومن عليه نجاسة. أما غيرهما ففي الحائض مع الجنب ثلاثة أوجه: * أصحها: الحائض أولى، لأن حدثها أغلظ؛ ألا ترى أن الحيض يحرم الوطء، ويسقط إيجاب الصلاة. * والثاني: الجنب أولى، لأنه أحق بالاغتسال؛ لأن الصحابة ﵃ اختلفوا في تيمم الجنب، ولم يختلفوا في تيمم الحائض. * والثالث: هما سواء لتعارض المعنيين. وإذا حضر جنب ومحدث نظر إن كان ذلك الماء كافيًا للوضوء دون الغسل، فالمحدث أولى، وإن لم نوجب استعمال الماء الناقص، وإن أوجبناه فثلاثة أوجه: * أصحها: أن المحدث أولى أيضًا لأنه يرتفع حدثه بكماله. * والثاني: الجنب أولى لغلظ حدثه. * والثالث: يتساويان. وإذا لم يكن الماء كافيًا لواحد منهما، فالجنب أولى إن أوجبنا استعماله لغلظ حدثه، وإلا فهو كالمعدوم. وإن كان كافيًا لكل واحد منهما، فينظر إن فضل شيء من الوضوء ولم يفضل من الغسل، فالجنب أولى إن لم نوجب استعمال الناقص، لأنه لو استعمله الحدث لضاع الباقي. وإن أوجبنا استعمال الناقص فثلاثة أوجه: * أصحها: أن الجنب أولى لغلظ حدثه.

стр. 1039

* والثاني: المحدث أولى بقدر الوضوء، والباقي للجنب مراعاة للجانبين. * والثالث: أيهما سبق أولى (١). وفروع هذا الباب كثيرة، وأما جنس ما يقع التيمم به فيأتي في باب التيمم إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 1040

٩٣ - باب في المستحاضة ثنا هناد، نا وكيع وعبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي جبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: "لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". قال أبو معاوية في حديثه: "وتوضئي لكل صلاة حشى يجيء ذلك الوقت". قال: وفي الباب عن أم سلمة. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي: إنّ المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة (١). * الكلام عليه: أخرجوه أجمعون (٢).

стр. 1041

وقد روي من حديث عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش (١)، ومن حديثه عن عائشة عن فاطمة (٢). رواه كذلك ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة (٣)، قال أبو (٤) عمر: وهو الصواب يعني: حديث عائشة، وقال أبو (٥) محمد: رواه عروة عنهما، وقد أدركهما معًا فعائشة خالته، وفاطمة ابنة عمه، ووقع في صحيح مسلم (٦): بنت أبي حبيش بن عبد المطلب وليس بشيء، من روايته عن قتيبة، عن جرير. قال: وفي الباب عن أم سلمة. أما حديث أم سلمة فروينا من طريق أبي العباس الثقفي السراج (٧) قال: نا إسحاق بن إبراهيم: أنا روح: نا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أنّ امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول

стр. 1042

الله ﷺ فقال: "لتنظر قدر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض قدرها من الشهر، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل وتصلي". اختلف فيه أصحاب نافع؛ فمنهم من يرويه عنه عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة كما ذكرنا (١). وروينا من طريق السراج (٢) أيضًا: أنا إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي قرة موسى بن طارق: أَذكَر موسى بن عقبة عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ ... فقرأت عليه الحديث، وذكر فيه: "فإذا خلّفت ذلك وحضرت الصلاة فلتغتسل وتصلي"؟ فأقرّ به وقال: نعم. ومنهم من يرويه عن نافع، عن سليمان بن يسار: أن رجلًا أخبره عن أم سلمة (٣). روينا من طريق الدارمي (٤): أنا أحمد بن عبد الله بن يونس: نا الليث عن نافع، عن سليمان بن يسار: أن رجلًا أخبره عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ بمعناه. قال أبو (٥) عمر: ذكر حماد بن زيد، عن أيوب في هذا الحديث أن المرأة التي

стр. 1043

استفتت لها أم سلمة فاطمة بنت أبي حبيش، وذكره سفيان بن عيينة، عن أيوب. وذكر أبو داود (١): عن الإمام أحمد أنه سمعه يقول في الحيض حديثان. والآخر في النفس منه شيء. قال أبو داود (٢): يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث هي أصول هذا الباب، أحدها: حديث مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار. والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والثالث: الذي في النفس منه شيء: حديث حمنة بنت جحش الذي يرويه ابن عقيل، وهو عند الترمذي (٣) [وسنذكره] في بابه بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولهذه الأحاديت طرق تختلف ألفاظها اختلافًا ينبني عليه من اختلاف

стр. 1044

العلماء في مسائل هذا الباب ما نحن ذاكروه بعون الله ومشيئته: فمن ذلك ما روينا من طريق البخاري (١): ثنا أحمد بن أبي رجاء: ثنا أبو أسامة: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة: أنّ فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبيّ ﷺ فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي. وروينا من طريق السراج (٢): نا محمد بن الصباح: نا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش فسألت النبي ﷺ فقال: "إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة وإذا أدبرت فلتغتسل ولتصلي". ورويناه من طريق سفيان وعبدة ووكيع وأبي معاوية ويحيى بن سليم الطائفي وأبي أسامة وزهير ومعمر وجعفر بن عون ومحمد بن إسحاق وحماد بن سلمة وغيرهم عن هشام بن عروة. وروينا من طريق أبي داود (٣): نا يوسف بن موسى نا جرير عن سهيل ابن أبي صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير: حدثتني بنت أبي حبيش: أنها أمرت أسماء، أو أسماء فحدثتني أنها أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله ﷺ فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل. في هذا الخبر شيئان: الأول: أنه من رواية عروة عن فاطمة، وهو مشهور من رواية عروة عن عائشة

стр. 1045

عن فاطمة، كذلك رويناه من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، من رواية ابن جريج وأبي أسامة وسفيان بن عيينة، ومالك وشعبة وحماد بن زيد، وزائدة بن قدامة، وزهير وأبي حنيفة والحجاج بن أرطاة ومسلمة بن قعنب، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأيوب السختياني ويحيى بن سعيد، كلهم عن هشام. وزعم أبو عمر أن الصواب فيه: عروة عن عائشة عن فاطمة، وأن رواية من أثبت عائشة فيه راجحة على رواية من أسقطها، وهو الذي رجحه أبو الحسن القطان. وقال أبو محمد بن حزم: إن عروة أدرك فاطمة بنت أبي حبيش، ولم يستبعد أن يسمعه من خالته عائشة ومن ابنة عمه فاطمة. كذا قال: (ابنة عمه) وإنما هي ابنة عم أبيه. هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى. وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. فهي في (قُعْدُد) أبيه. ويشهد لما قاله أبو محمد قول عروة في هذا الخبر: حدثتني فاطمة. الثاني: قال ابن القطان: قيل: إن هذا الحديث مما أنكر على سهيل، وعد مما ساء حفظه فيه، وظهر أنه تغير عليه، وكان قد تغير، وذلك أنه أحال فيه على الأيام، وأنه قال: أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد. والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم والقَرء لا على الأيام، انتهى. والاعتراض عليه من وجهين: الأول: أن الإحالة على الأيام في حديث فاطمة ليس مما تفرد به سهيل، فقد رويناه من طريق البخاري من حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن

стр. 1046

عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فذكره وفيه: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها". فهذه إحالة على الأيام، وكذلك هو عند شعبة عن هشام؛ "فإذا أقبلت الحيضة فدعيها قدرها". وعند أبي حنيفة: "فدعي الصلاة أيام حيضك". الثاني: أنه لو لم يأت كذلك إلا عن سهيل وحده لما كانت العهدة فيه على سهيل، حتى يتفق أصحابه على روايته عنه كذلك، وإن اختلفوا عليه فسهيل حينئذ بريء من عهدته، والحمل فيه على من جاء به عن سهيل من بين أصحابه كذلك، لا على سهيل. وقد قرأت على محمَّد بن ساعد: أخبركم يوسف بن خليل ثنا محمَّد بن أبي زيد أنا محمود بن إسماعيل أنا أحمد بن محمَّد بن فاذشاه أنا سليمان بن أحمد نا محمود بن أحمد الواسطي نا وهب بن بقية نا خالد عن سهيل بن أبي صالح عن الزهريّ عن عروة عن الزبير عن أسماء بنت عميس؛ أنها قالت: قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! هذا من الشيطان، لتجلس في مركن فإذا رأت صفارة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدًا، ثم توضأ فيما بين ذلك". فهذه إحالة على الدم في حديث سهيل من رواية خالد الطحان وهو ثقة حافظ، فلو كان كما حكى أبو الحسن لكان العمل فيه على جرير لا على سهيل؛ لأن من روى عن سهيل ما وافق فيه سهيل الجماعة أولى بالقبول ممن روى عنه ما لم يوافق عليه.

стр. 1047

والاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه من عرق يقال له: العاذل، بفتح العين المهملة، وكسر الذال المعجمة. والحيض هو خروج الدم من قعر الرحم، واختار بعضهم في قوله: (وليست الحيضة) كسر الحاء من الحيضة؛ أي: الحالة المألوفة المعتادة. والحيضة، بفتح الحاء: المسندة من الحيض، يقال: حاضت وتحيضت تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضًا، إذا سأل الدم منها في نوبة معلومة، فإذا استمر قيل: استحيضت، فهي مستحاضة، وكأن هذه الزيادة في البنية، للزيادة في الفعل من باب مَرّ واستقرّ وأعشب الوادي، واعشوشب، إذا أكثر ذلك. وروينا من طريق مسلم (١): ثنا محمَّد بن رمح وقتيبة كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ : "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي". ورويناه من طريق السراج (٢): ثنا قتيبة، عن الليث. به. وروينا عنه أيضًا قال: نا الحسن بن عبد العزيز الجروي: ثنا عبد الله بن يوسف: نا بكر بن مضر: نا جعفر بن ربيعة، عن عراك، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبي ﷺ الدم، فقال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي"، قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة (٣).

стр. 1048

وروينا من طريق مسلم (١): نا قتيبة ومحمد بن رمح. ومن طريق السراج (٢): نا قتيبة: نا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ قالت: إنّي استحاض فقال: "إنما ذلك عرق فاغتسلي وصلي"، فكانت تغتسل عن كل صلاة. زاد مسلم (٣): قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أنّ رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي. ورويناه من طريق الأوزاعي وابن أبي كثير المهري، عن عروة وعمرة وعائشة، وفيه أنها مكثت كذلك سبع سنين. ورويناه أيضًا من حديث سفيان وإبراهيم بن سعد وعمرو بن الحارث كلهم عن الزهريّ. ومن أصحاب الزهريّ من يقول: عنه، عن عروة، ومنهم من يجمع بينهما (٤). قال الدارقطني: وهو صحيح من رواية الزهريّ، عن عروة، وعمرة جميعًا عن عائشة. ورويناه من طريق الدارمي (٥): نا يزيد بن هارون: أنا محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: "أنَّ ابنة جحش استحيضت على عهد رسول الله ﷺ ؛ فأمرها رسول الله ﷺ بالغسل لكل صلاة".

стр. 1049

رواه أيضًا عن أحمد بن خالد، عن ابن إسحاق (١). وروينا من طريق الدارمي (٢): أنا يزيد بن هارون، ووهب بن جرير، عن هشام صاحب الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "أنَّ أم حبيب بنت جحش كانت تهراق الدم، وأنَها سألت النبي ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وتصلي". كذا وقع في هذه الرواية, عن وهب: (أم حبيب) (٣)، وكذلك كان شيخنا الإِمام الحافظ أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ﵀ يقول: وهي أخت زينب وحمنة وعبد الله وعبيد الله (٤). وعند أبي (٥) أحمد الأعمى: بني جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. ثم رأيت الدراقطني (٦) حكى عن إبراهيم الحربي أن الصحيح قول من قال: أم حبيب -بغير هاء-، وأن اسمها حبيبة، وأن من قال: أم حبيبة بنت جحش، أو زينت بنت جحش، فقد وهم، وقد وقع زينب في "الموطأ" (٧)، عن مالك. قال الدارقطني (٨): وقول إبراهيم الحربي صحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن. وذكر أبو عمر (٩): أن بنات جحش الثلاث استحضن زينب وأم حبيبة وحمنة.

стр. 1050

وذكر القاضي (١) يونس بن مغيث في كتابه: "الموعب شرح الموطأ" مثل هذا وزاد: وإن اسم كل واحدة منهن زينب ولقبت إحداهن بحمنة، وكنيت الأخرى بأم حبيبة. وكان شيخنا الدمياطي ﵀ يقول: هن زينب وحمنة وأم حبيب حبيبة، وينكر ما عدا ذلك، والذي رأيته بعد ذلك عند ابن عساكر، وقبله عند الحافظ أبي محمَّد بن حزم في كتاب "الجمهرة" له: زينب وأم حبيبة حمنة ثنتان، وأم حبيبة كنية حمنة، وكذلك ألفيته في كتاب "الجمهرة" لابن الكلبي بغير زيادة. ومما يحتاج إليه في هذا الباب معرفة مدة الحيض أقلها وأكثرها، وأقل طهر يفصل بين الحيضتين كم مدته، لما ينبني على ذلك من الانتقال من الحيض إلى الاستحاضة، وهو مما اختلف العلماء فيه اختلافًا كثيرًا، فمنهم من لم يوقت لقليل مدة الحيض ولا لكثيرها توقيتًا. حكى أبو عمر (٢) عن مالك أنه قال: لا وقت لقليل الحيض، ولا لكثيره والدفعة عندي من الدم وإن قلت تمنع من الصلاة، وأكثر الحيض عند مالك خمسة عشر يومًا، قال: إلا أن توجد (٣) في النساء أكثر من ذلك. قال أبو عمر (٤): فكأنه ترك قوله خمسة عشر يومًا ورده إلى غرف النساء في الأكثر.

стр. 1051

وذكر ابن شاش عن مذهب مالك: أن أقل مدّته فيما يرجع إلى العبادات غير محدود فتعتبر الدفعة الواحدة وتكون حيضًا وإن لم تكن حيضة معدودة في العدد والاستبراء، وأكثر مدته محدودة بخمسة عشر يومًا على المنصوص، وأكثر الطهر لا حدّ له. وأقله محدود. لكن اختلف هل يعتبر في تحديث عدد الأيام أو استقراء العادة، تم إذا اعتبرنا الأيام ففي العدد المعتبر أربعة أقوال: فعن محمَّد بن مسلمة خمسة عشر يومًا وهو المشهور. وقال ابن حبيب: عشرة. وقال سحنون: ثمانية. وقال ابن الماجشون: خمسة. وقال أبو (١) عمر: قال ابن الماجشون، عن مالك: أقل الطهر خمسة أيام، وأقل الحيض خمسة أيام. وقال الأوزاعي (٢): أقل الحيض يوم. قال (٣): وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابهما: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، فما نقص عند هؤلاء عن الثلاثة أيام فهو استحاضة، وما زاد على عشرة أيام فهو استحاضة (٤).

стр. 1052

وقال أبو (١) يوسف: تأخذ في الصلاة بالثلاثة أقل الحيض، وفي الأزواج بالعشرة (٢)، ولا تقضي صومًا عليها إلا بعد العشرة، وتصوم العشر (٣) من رمضان، وتقضي سبعًا (٤)، وهذا احتياط للعبادة؛ لأن أقل الحيض عنده ثلاثة، وللعدد لأن أكثرها عشرة. قال ابن (٥) عبد البر: وقد احتج الطحاوي لمذهب الكوفيين بحديث أم سلمة إذ سألت رسول الله ﷺ عن المرأة التي كانت تهراق الدم (٦)، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ من الشهر"، قال: فأجابها بذكر عدد الأيام والليالي من غير مسألة لها عن مقدار حيضها قبل ذلك. قال: وأكثر ما يتناوله أيام عشرة، وأقله ثلاثة. وقال أحمد (٧) بن المعذِّل: الذي كان عليه الجملة (٨) من العلماء في القديم أنّ الحيض يكون خمس عشرة ليلة لا يجاوز ذلك وما جاوزه فهو استحاضة، على هذا كان قول أهل المدينة القديم وأهل الكوفة حتى رجع عنه أبو حنيفة لحديث بلغه عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك: أنه قال في المستحاضة تنتظر عشرًا لا تجاوزها؛ فقال أبو حنيفة: لم أزل أرى أن يكون أقل الطهر أكثر من أكثر الحيض، وكنت أكره خلافهم -يعني فقهاء الكوفة-، حتى سمعت هذا الحديث

стр. 1053

عن أنس، فأنا آخذ به. قلت: الجلد (١) بن أيوب ضعيف عندهم، ضعفه ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما. وذكر أبو عمر (٢) عن يحيى بن أكثم: أن أقل الطهر تسعة عشر، واحتج بأن الله تعالى جعل عدل كل طهر وحيضة شهرًا، والحيض في العادة أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر يومًا، ووجب أن يكون عشرة حيضًا وباقي الشهر طهرًا وهو تسعة عشر؛ لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين. وهذا الكلام وإن سلمت مقدماته من الاعتراض، فليس يقتضي تعيين العشرة للحيض ولا باقي الشهر للطهر؛ لأن الأقل قد يأتي أكثر من ذلك، والأكثر قد يأتي أقل من ذلك، وهو بتعليل ما ذكره أبو (٣) محمَّد، عن سعيد بن جبير: أن أكثر الحيض عنده ثلاثة عشر يومًا أنسب. وقال البخاري (٤): قال عطاء: الحيض يوم إلى خمسة (٥) عشر. وأما مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-: فقال الغزالي: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر خمسة

стр. 1054

عشر يومًا، وأكثره لا حدَّ له، وأغلب الحيض ست أو سبع، وأغلب الطهر بقية الشهر، ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم بالاستقراء، فلو وجدنا امرأة تحيض أقل من ذلك على الاطراد ففي اتباع ذلك خلاف لأن بحث الأولين أوفى. وقال الرافعي (١): نص الشافعي في "المختصر" (٢) على أن أقل الحيض يوم وليلة، وقال فيه في العدة: وأول (٣) ما علمناه من الحيض يوم، وذكر اختلاف طرق الأصحاب في ذلك، وأن منهم من قطع بأنه يوم وليلة، وقال: حيث قال: يوم أراد بليلته، والعرب كثيرًا ما تفعل ذلك، ومنهم من قال بأنه يوم، قال: وحيث قال: أقله يوم وليلة، إنما قال ذلك لأنه لم يجد في النساء من تحيض أقل من ذلك، فلما وجد وعرف رجع إليه. أما قوله: حيث قال: يوم أراد بليلته والعرب كثيرًا ما تفعل ذلك، ففيه نظر، لأن ذلك معروف عنهم في الأيام إذا أطلقت بصيغة الجمع أن تكون بلياليها، وأما اليوم المفرد فقد يُمنع ذلك فيه. وكمذهب الشافعي في أقل الحيض وأكثره مذهب أحمد (٤) بن حنبل وإسحاق (٥) بن راهويه ومحمد (٦) بن جرير الطبري. أما أبو (٧) محمَّد بن حزم فيذهب إلى أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.

стр. 1055

قال (١): وقد روي عن عبد الرحمن بن مهدي أن الثقة أخبره أن امرأةً كانت تحيض سبعة عشر يومًا. قال (٢): ورويناه عن أحمد بن حنبل قال: أكثر ما سمعناه (٣) سبعة عشر يومًا. وعن نساء آل الماجشون أنهن كنّ يحضن سبعة عشر يومًا. وقال ابن نافع: أكثره ثمانية عشر يومًا. وروى الدارقطني (٤) من حديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكون الحيض للجارية والثيب التي قد يئست من المحيض أقل من ثلاثة أيام، ولا يكون أكثر من عشرة أيام، وإذا رأت الدم فوق عشرة أيام فهي مستحاضة، فما زاد على أيام إقرائها قضت، ودم الحيض أسود خاثر تعلوه حمرة، ودم المستحاضة أصفر رقيق، فإن غلبها فلتحتشِ كرسفًا، فإن غلبها فتغلبها (٥) بأخرى، فإن غلبها في الصلاة فلا تقطع الصلاة، وإن قطر، ويأتيها زوجها وتصوم". في إسناده عبد الملك عن العلاء بن كثير، قال الدارقطني: عبد الملك مجهول، والعلاء ضعيف الحديث (٦). وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "أقل الحيض ثلاثة أيام،
следующие страницы →