← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال عنه: لم يضع جنبه على الأرض منذ أربعين سنة (١)، فقال قال: مفضّل الغساني: سألت يحيى (٢) بن معين عنه؛ فضعّفه. ومن رواية عباس الدُّوري عن يحيى: شريك أثبت من أبي الأحوص، وأبو الأحوص أثبت من أبي بكر بن عياش. وقال عثمان (٣) بن زائدة: سألت سفيان الثوري عمّن آخذ العلم بالكوفة؟ فقال: عليك بزائدة وسفيان بن عيينة، قلت: فأبو بكر بن عياش؟ قال: ذاك صاحب قرآن. وروى ابن (٤) المديني، عن يحيى القطان قال: لو كان أبو بكر بن عياش بين يديَّ ما ساكته عن شيء. وعن أحمد (٥): كثير الخطأ جدًّا، قيل له: في كتبه؟ قال: لا، إذا حدّث من حفظه. ومع ذلك فقد وثّقه العجلي (٦) وأبو (٧) داود وغيرهما (٨).

стр. 982

قال الترمذي (١): وقد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ أنّه كان يتوضأ قبل أن ينام" (٢). وهذا أصحّ من حديث أبي إسحاق، عن الأسود ... إلى آخره (٢). قلت: من الناس من يحمل الوهم في ذلك على أبي (٣) إسحاق معتمدًا على أنّ عبد الرحمن بن الأسود وإبراهيم النخعي روياه عن الأسود (٤)، فخالفا أبا إسحاق، فذكرا الوضوء قبل النوم فعارضاه، وكذلك من ذكرنا معهما في هذا الباب، وستأتي أحاديثهم في الباب بعد هذا. ومن الناس من جمع بين الروايتين؛ قال الدارقطني (٥): وقال بعض أهل العلم: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، وأنّ عائشة قالت: "ربما كان النبيّ ﷺ قدم الغسل وربّما أخّره". كما حكى ذلك عنها غضيف بن الحارث وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما، وأن الأسود حفظ ذلك عنها، فحفظ عنه أبو إسحاق تأخير الوضوء والغسل، وحفظ عنه عبد الرحمن بن الأسود والنخعي تقديم الوضوء على الغسل.

стр. 983

ويمكن أن يقال في دفع الوهم عن أبي إسحاق أن الثقة كأبي إسحاق إذا روى اعتمدت روايته إلا بعلّة بيّنة، والأحاديث التي ذكرها على قسمين: أحدهما الأمر بالوضوء قبل النوم، والثاني: فعل الرسول ﷺ ، فأما الأمر فيمكن أن يحمل على الاستحباب، ويحمل الفعل على بيان الجواز، ولا تعارض ولا دليل على الوهم. وأما الفعل فليس يدلّ على الوجوب بمجرّده، ويمكن أن يكون الأمران جميعًا وقعا، فالفعل لبيان الاستحباب، والترك لبيان الجواز (١). وقد اعتضدت رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، برواية عبد الملك عن عطاء، عنها. وقد نقل ذلك عن عائشة من فتياها. قال أبو (٢) بكر بن أبي شيبة، نا الفضل بن دكين، نا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر (٣)، عن حذيفة، قال: عائشة قالت: نومة قبل الغسل أوعب لخروجه. وعن حذيفة أيضًا قال: ثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف قال: قال حذيفة: نومة بعد الجنابة أوعب للغسل (٤). وقد روت أم سلمة ﵂: "أنّ النبيّ ﷺ كان يجنب ثم ينام، ثم يجنب، ثم ينام" رواه الإمام أحمد (٥) في مسنده، وهذا مما لم يذكره الترمذي في الباب.

стр. 984

قال أبو (١) عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام فرضًا إلا طائفة من أهل الظاهر، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين. قال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ، ويأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يده قذر فيغسلها. فال: وأما الحائض فتنام قبل أن تتوضأ. وقول الشافعي في هذا كله نحو قول مالك. وقال الليث بن سعد: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحبّ إليهم أن يتوضأ. قال: فإذا أراد أن يأكل مضمض وغسل يديه. وهو قول الخزرجي (٢). وقال الأوزاعي: الحائض والجنب إذا أرادا أن يأكلا (٣) غسلا أيديهما. وقال سعيد بن المسيب: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ (٤). * * *

стр. 985

٨٨ - باب ما جاء في الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام حدثنا محمد بن المثنى: نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر: أنّه سأل النبيّ ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، إذا توضّأ". قال: وفي الباب عن عمار وعائشة وجابر وأبي سعيد وأبي سلمة. قال أبو عيسى: حديث عمر أحسن شيء في هذا الباب وأصحّ، وهو قول غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ (١)، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أراد الجنب أن ينام، توضأ قبل أن ينام (٢). * الكلام عليه: أخرجه مالك (٣) في موطئه، عن قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر. ولفظه: أنّه شكا إلى رسول الله ﷺ أنّه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : "توضأ واغسل ذكرك، ثم نم". أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) والجماعة (٦)، وحديث عمار يأتي في كتاب

стр. 986

الصلاة إن شاء الله. وأما حديث عائشة: فروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂: "أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام" أخرجه مسلم (١) والنسائي (٢). وأخرجه البخاري (٣) من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: سألت عائشة: أكان النبيّ ﷺ يرقد وهو جنب؛ قالت: نعم، ويتوضأ. وأما حديث جابر فروى ابن (٤) خزيمة من حديث محمد بن يحيى والعباس بن أبي طالب قالا: نا إسماعيل بن أبان الورّاق، نا أبو أويس، عن شرحبيل -وهو ابن سعد أبو سعد-، عن جابر بن عبد الله قال: سئل النبيّ ﷺ عن الجنب هل يأكل أو ينام؟ قال: "إذا توضأ وضوءه للصلاة". وأما حديث أبي سعيد فروى الطحاوي (٥) عن ربيع الجيزي، عن ابن أبي مريم، أنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب ونافع بن يزيد نحو ذلك، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّه قال: قلت: يا رسول الله، أصَبْتُ أهلي وأريد النوم، قال: "توضأ وارقد".

стр. 987

وحديث أم سلمة: قرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن ساعد: أخبركم يوسف بن خليل الحافظ، أنا محمد بن أبي زيد، أنا محمود بن إسماعيل الصيرفي: أنا أحمد بن محمد بن فاذشاه: أنا الطبراني: ثنا الحضرمي: نا أبو كريب: نا معاوية، عن سفيان، وشيبان عن جابر، عن ابن سابط، عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أردا أن يأكل وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة". وبه إلى الطبراني (١) قال: نا الخلال: ثنا يعقوب بن حميد: نا أنس بن عياض، عن يونس، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أم سلمة: "أنّ النبيّ ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يطعم غسل يديه ثم يأكل". وأما الآثار في ذلك: قال ابن (٢) أبي شيبة: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عليّ: إذا أجنب الرجل فأراد أن يطعم أو ينام توضأ وضوءه للصلاة. وابنُ عُلَيّة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب غسل وجهه ويديه ومسح برأسه. ووكيع عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: إذا أراد أحدكم أن يرقد وهو جنب فليتوضأ، فإنّه لا يدري لعله يصاب في منامه. وابن مهدي، عن خالد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شداد بن

стр. 988

أوس قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف الجنابة (١). وعن محمد بن سيرين: إذا أراد الجنب أن يأكل أو ينام فليتوضأ وضوءه للصلاة. وعن سعيد بن المسيّب: إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ. وعن ابن عمر: إذا أراد الجنب أن يأكل أو يشرب أو ينام توضأ. وعن إبراهيم: إذا أراد الجنب أن يأكل أو ينام توضأ. وعن عائشة في الرجل تصيبه جنابة من الليل فيريد أن ينام، قالت: يتوضأ، أو يتيمم (٢). وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب: فمنهم من حمل الوضوء للجنب عند إرادة النوم، والأكل على الوجوب، يحكى ذلك عن عبد الله بن عمر (٣). ومنهم من فرّق بين الأكل والنوم؛ فأوجبه عند إرادة النوم ولم يوجبه عند إرادة الأكل. قال الشيخ أبو (٤) العباس القرطبي ﵀: هو مذهب (٥) كثير من أهل

стр. 989

الظاهر، وهو رواية (١) عن مالك. ومنهم من (٢) حمله على الندب، وعليه الجمهور (٣)، قال: لحديث الترمذي (٤) عن عائشة ينام وهو جنب ولا يمسُّ ماءً. وقد روت عنه أنّه كان يتوضأ قبل أن ينام (٥) فكان وضوءه كغسله، فإنّه كان ربما يغتسل قبل النوم، وربما يغتسل بعده كما روت عنه، وغسل الجنب قبل النوم ليس بواجب إجماعًا، بل هو مندوب إليه، فيكون الوضوء كذلك (٦). قلت: أما قياسه عدم وجوب الوضوء على عدم وجوب الغسل فليس بمستقيم، لقيام الفارق بينهما نقلًا ونظرًا. أما النقل: فأحاديث الوضوء قبل النوم صحيحة من فعله ﵇، وأمره، وأما الغسل فلم يأت به أمر وأكثر ما فيه: ربما اغتسل قبل النوم وربما اغتسل بعده كما سنذكره. ولذلك اختلف الناس في وجوب الوضوء، ولم يقل أحد بوجوب الغسل. وأما النظر؛ فلأنّ مشقة الغسل أكثر من مشقة الوضوء لقلة الماء في بعض الأحيان، واختلاف أمزجة الناس في استعماله غير مسخن، وتعذر تسخينه على بعض الناس؛ فلا يحسن قياس الوضوء عليه في عدم الوجوب.

стр. 990

وروى ابن (١) خزيمة، عن وكيع من حديث يونس الأيلي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن النبيّ ﷺ كان إذا أراد أن يطعم وهو جنب غسل يديه، ثم يطعم"، وهو حجة لمن فرّق بين الأكل والنوم. ومذهب رابع: وهو التفرقة بين الجنب والحائض: قال القاضي أبو (٢) بكر بن العربي نقلًا عن مذهبه: إن ذلك ليس على الحائض لأن حدثها لازم بخلاف الجنب، فإن حدثه غير لازم. وإذا ذكرنا مذاهب العلماء في هذا المسألة، فلنذكر ما يصلح أن يوجه به كل مذهب: أما مذهب ابن عمر فلحديث الأسود عن عائشة: "إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة. والراجح في صيغة: (كان) في مثل هذا المحلّ اقتضاؤها زيادة على الفعل من مداومة أو تكرار، ولم يعارض حديث عائشة هذا ما يقوى قوته. وأمّا من فرّق بين الأكل والنوم كما حكيناه عن قول لمالك (٣)، وعن بعض أهل الظاهر، فله ما خرج النسائي (٤) من حديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب قالت: غسل يديه". وروى وكيع، عن هشام الدستوائي وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن

стр. 991

المسيب قال: إذا أراد الجنب أن يأكل غسل يديه ومضمض فاه (١). وعن مجاهد في الجنب يأكل، قال: يغسل يديه ويأكل (٢). وعن الزهري مثله (٣)، وإليه ذهب أحمد قال (٤): لأن الأحاديث في الوضوء لمن أراد النوم، وبلغني أنّ شعبة ترك هذا الحكم بأخرة، فلم يحدث به فيمن أراد أن يطعم، وذلك أنّه ليس يقوله غيره، إنّما هو في النوم. وأما المذهب الثالث: وهو حمل ذلك على الندب فيهما، فيرى من ذهب إليه أن الوضوء ثبت عن النبي ﷺ ، وجاء أن النبيّ ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمسّ ماءً، وهو صحيح أيضًا من حيث الإسناد، فيحمل الفعل على الندب، والترك لبيان الجواز، وهو أحد التأويلين لحديث: "ينام وهو جنب من غير أن يمسّ ماء". فقال ابن (٥) سريج: وتبعه البيهقي (٦): أن المراد بقوله: "من غير أن يمسّ ماءً"؛ من غير أن يمسّ ماء للغسل، وقال غيرهما: وهو أيضًا حسن، كان ﵇ يفعل ذلك للأفضلية، ويتركه في بعض الأحيان لبيان الجواز، إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه (٧)، ولا يحسن إلغاء حديث أبي إسحاق بمجرد الظنّ؛ فالخطأ فيه ليس محققًا، وليس فيه أكثر من ترجيح اقتضاه النظر لمعارضه عليه، ولا يلزم من ذلك بطلانه، ولا يحسن رده إذا وجد له محمل.

стр. 992

وممّن ذهب إلى الندب في ذلك من أهل الظاهر أبو (١) محمد بن حزم، ولم يعتبر علّة حديث أبي إسحاق، فإنه قال: فإن قيل هذا (٢) الحديث أخطأ فيه سفيان لأنّ زهير بن معاوية خالفه (٣)، قلنا (٤): أخطأ بلا شك من خطأ سفيان (٥) بلا دليل، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك. انتهى كلامه. وليس علة الحديث مخالفة زهير سفيان، فسفيان كما قال: أجلّ من زهير لا سيّما في أبي إسحاق (٦)، هذا لو كان سفيان منفردًا به عن أبي إسحاق، فكيف وقد تابعه الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد ومطرف بن طريف، وأبو الأحوص وغيرهم (٧). وإنّما علّة هذا الخبر عندهم مخالفة إبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن الأسود أبا إسحاق، وكل واحد منهما أجلّ منه. ثم هل ذلك تعبدًا ومعلل، فمن رآه تعبدًا اقتصر به على محله، ومن اختلف نظره في تعليله، فعلل بالنشاط للاغتسال، ومنهم من علله بقصد البيت على إحدى الطهارتين (٨)، وبنى على ذلك استحباب الوضوء للحائض كما ذكرناه، وإعادته على من أحدث بعده، فإن عللناه بالأول لم يحتج إلى ذلك، وإن عللناه بالثاني، فاستحباب الوضوء للحائض وإعادته على من أحدث بعده مطلوب.

стр. 993

قال بعض المالكية (١): ومن أحدث بعد هذا الوضوء لم ينتقض وضوءه بالحدث، ولا ينتقض إلا بمعاودة الجماع، لأنه لم يشرع لرفع حدث فينقضه الحدث، وإنما شرع عبادة فلا ينقضه إلا ما أوجبه. ومعنى قوله: شرع عبادةً، أي بعد الجماع فليس عنده معللًا برفع حدث ولا تخفيضه، وهذا لا ينبغي التعليل بطلب النشاط للاغتسال، وهذا التعليل بالنشاط راجح لأنّ الشارع قد نصّ عليه. وأمّا حديث الغسل قبل النوم أو بعده فروى مسلم (٢) من حديث معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث: "قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام؟ أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضّأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة". * * *

стр. 994

٨٩ - باب ما جاء في مصافحة الجنب نا إسحاق بن منصور: نا يحيى بن سعيد القطان: نا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ لقيه وهو جنب قال: فانبجست فاغتسلت ثم جئت فقال: "أين كنت؟ وأين ذهبت؟ " قلت: إنّي كنت جنبًا، قال: "إن المسلم لا ينجس". قال: وفي الباب عن حذيفة. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد رخّص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب، ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأسًا، ومعنى قوله: فانبجست، يعني: أي تنحيت عنه (١). * الكلام عليه: أخرجه مسلم (٢) من حديث حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة وهو عنده منقطع بين حميد وأبي رافع بينهما بكر بن عبد الله المزني (٣)، وكذا هو عند

стр. 995

الترمذي كما أوردناه. ورواه مسدّد، عن يحيى بن سعيد وبشر، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، ذكره أبو داود (١) من حديث بشر: حدثني حميد قال: حدثني بكر: وذكره. وذكره البخاري (٢)، عن محمد بن المثنّى، عن يحيى بن سعيد، عن حميد قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع. وذكره ابن (٣) أبي شيبة من رواية إسماعيل بن عُلَيّة عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع. وذكره الحافظ أبو علي بن السكن من رواية عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع (٤). وقيل (٥) إنّما قصر به عن يحيى بن سعيد، زهير بن حرب أسقط منه بكرًا (٦)، وكذا قال الجماعة بدخول بكر فيه. رواه أبو (٧) نعيم أيضًا في مستخرجه. وقد اجتمع فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: حميد

стр. 996

وبكر المزني وأبو رافع، واسم أبي رافع هذا نفيع (١). قال أبو (٢) حاتم الرازي: ليس به بأس. وأما حديث حذيفة فعند مسلم (٣) في "صحيحه": أن رسول الله ﷺ لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل، ثم جاء فقال: كنت جنبًا، قال: "إن المسلم لا ينجس". ورواه النسائي (٤) أيضًا من حديث جرير عن الشيباني، عن أبي بردة، عن حذيفة، ورواه ابن (٥) ماجه بنحوه من حديث حذيفة. يقال: يَنْجُسُ (٦) -بضم الجيم وفتحها- لغتان، وفي ماضيه لغتان: نجِس -بكسرالجيم- ونجُس -بضمّها-. وهذا (٧) الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميّتًا، فأمّا الحيّ فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها. قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين. قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في (٨) رطوبة فرج المرأة ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة طاهر بيض الدجاج ونحوه، فإن فيه وجهين بناءً على رطوبة الفرج.

стр. 997

هذا حكم المسلم الحيّ، وأما الميت ففيه خلاف بين العلماء (١)، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غُسِّل، ولقوله ﵇: "إن المؤمن لا ينجس". وذكر البخاري (٢) في "صحيحه": عن ابن عباس تعليقًا: المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميّتًا. ووصله (٣) الحاكم (٤) في المستدرك، فقال: أخبرني إبراهيم بن عصمة (٥) بن إبراهيم العدل، ثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي، ثنا أبو بكر وعثمان: ابنا أبي شيبة قالا: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن (٦) ليس ينجس حيًّا ولا ميتًا". قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (٧). هذا حكم المسلم، وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم

стр. 998

عندنا (١)، وإليه ذهب الجمهور (٢)، وخالف في ذلك أحمد (٣). وأما قول الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾، فالمراد نجاسة الاعتقاد وللاستقذار، وليس المراد أنّ أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما. فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا، فعرف ولعابه ودمعه (٤)؛ كل ذلك منه طاهر سواءً المحدث والجنب والحائض والنفساء في ذلك كله، وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة، فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة، وفيه استحباب احترام أهل الفضل (٥)؛ فإن جليسهم ومصاحبهم يكون على أكمل الهيئات، ومن ذلك (٦) استحبابهم للمصلي أن يكون على أحسن حالاته وأجمل هيئاته (٦)، وكذلك استحبوا لطالب العلم أن يكون في حال طلبه للعلم وحمله إياه عن أشياخه بين أيديهم في هيئة حسنة من إزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقصّ الأظفار وإزالة الرائحة المكروهة وغير ذلك، فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء. وفيه أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وبدأه بقول الصواب فيه (٧).

стр. 999

٩٠ - باب ما جاء في المرأة ترى مثل ما يرى الرجل في المنام ثنا ابن أبي عمر: نا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: "جاءت أم سليم بنت ملحان إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي رأت في المنام مثل ما يرى الرجل؟ قال: "نعم، إذا هي رأت الماء فلتغتسل"، قالت أم سلمة: قلت لها: فضحت النساء يا أم سليم". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهو قول عامة الفقهاء أن المرأة إذا رأت في المنام (١) ما يرى الرجل وأنزلت أن عليها الغسل. وبه يقول سفيان الثوري والشافعي. قال: وفي الباب عن أم سليم وخولة وعائشة وأنس (٢). * الكلام عليه: أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) والنسائي (٥) وابن (٦) ماجه. وأما حديث أم سليم فروى مالك (٧) في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن أمَّ سُلَيْم قالت: يا رسول الله، المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل،

стр. 1000

أتغتسل؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "نعم، فلتغتسل"، فقالت لها عائشة: أفٍّ لك، وهل ترى ذلك المرأة! فقال لها رسول الله ﷺ : "تربت بمينك، ومن أين يكون الشبه؟ ". ذكر أبو (١) عمر أنه يُختلف على مالك في وصله، وكذلك عن ابن شهاب. قال: ومن وصله عن ابن شهاب من أصحابه فإنما رواه عنه، عن عروة، عن عائشة. كذلك رواه مسافع الجهني، عن عروة، عن عائشة (٢). وعندي أنه موصول من الطريقين وسواء قال فيه من رواه من أصحاب مالك عنه، أو من أصحاب ابن شهاب عنه، لأن قول عروة عن عائشة في أثناء الحديث: فقالت عائشة: أُفٍّ لك، وجواب رسول الله ﷺ عائشة عن إنكارها ذلك كله من رواية عروة عن عائشة. فالخبر كله عند عروة، عن عائشة لا سيما، ونصه عن عروة أن أم سليم بهذه الصيغة، ثم أتبع ذلك بتمامه المصرح بروايته عن عائشة. فسياق الخبر يقتضي أن عروة روى القصة عن عائشة، وهي التي ذكرت له ما كان من سؤال أم سليم، ومن جواب النبيّ ﷺ إيّاها، وهذا ظاهر. وقد رواه مالك (٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب. نحوًا من رواية الترمذي، وكذلك سائر من رواه عن هشام بن عروة؛ فإنما رواه عنه، عن أبيه، عن زينب. كما ذكرناه. لا عن عروة، عن عائشة، وهو الصحيح عندهم، أنّه لعروة عن زينب، عن أمّها، لا عن عائشة. قاله أبو عمر (٤). ولست أدري ما المانع من أن يكون في ذلك حديثان: أحدهما: عن عروة عن

стр. 1001

عائشة، والآخر: عن عروة، عن زينب. وروى مسلم (١) عن أنس بن مالك، أنّ أم سليم حدّثت: أنّها سألت نبيّ الله، عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل". قالت أم سلمة: فاستحييت من ذلك، وهل يكون هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه". وفيه من حديث مسلم (٢) من طريق عائشة: "إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه الولد أعمامه". وأما حديث عائشة ﵂ فأخرجه مسلم (٣) وأبو (٤) داود والنسائي (٥)، ولفظه من طريق أبي داود (٦) عن عائشة: أنّ أم سليم الأنصاريّة وهو أم أنس بن مالك قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل، أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة: فقال النبيّ ﷺ : "فلتغتسل إذا وجدت الماء"، قالت عائشة: فأقبلت عليها، فقلت: أُفٍّ لك، وهل ترى ذلك المرأة؟ فأقبل عليّ رسول الله ﷺ فقال: "تربت يمينك يا عائشة، ومن أين يكون الشبه؟ ".

стр. 1002

رواه النسائي (١) من حديث الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأما حديث خولة فروينا عن الدارمي (٢) بالسند المتقدّم قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي: أنا شعبة، عن عطاء الخراساني قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: سألت خالتي خولة بنت حكيم السلمية رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم فأمرها أن تغتسل. ورواه النسائي (٣) وابن (٤) ماجه، وعطاء الخراساني أخرج له مسلم في صحيحه (٥)، ووثّقه يحيى (٦) بن معين، وأبو (٧) حاتم الرازي، وتكلّم فيه غيرهما (٨).

стр. 1003

وأما حديث أنس فروى مسلم (١) من حديث عكرمة بن عمار قال: قال إسحاق بن أبي طلحة: حدثني أنس بن مالك قال: جاءت أم سليم -وهي جدة إسحاق- إلى رسول الله ﷺ فقالت له -وعائشة عنده-: يا رسول الله، المرأة ترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة: فضحت النساء، تربت يمينك. فقال لعائشة: "بل أنت، فتربت يمينك، نعم، فلتغتسل يا أمّ سليم إذا رأت ذلك". وروى مسلم (٢) أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أنس بن مالك قال: سألت امرأة رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه، فقال: "إذا كان منها ما يكون من الرجل، فلتغتسل". وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه أن السائلة بُسْرة. قال أبو (٣) بكر بن أبي شيبة: ثنا محمد بن بشر العبدي قال: نا عبد الله بن عامر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاءت امرأة يقال لها بسرة إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إحدانا ترى أنّه (٤) يجامعها زوجها في المنام، فقال: "إذا وَجَدْتِ بللًا فاغتسلي يا بُسرة". وقد رويناه من طريق الطبراني (٥)، وفيه أنّ السائلة أم سلمة: أخبرنا أبو عبد

стр. 1004

الله ابن سلمان الحلبي بقراءتي عليه: أنا ابن خليل: أنا ابن أبي زيد: أنا أبو منصور الصيرفي: أنا أبو الحسين بن ملك فاذشاه: أنا الطبراني: أنا الحسين بن إسحاق قال: نا رزق الله بن موسى: نا شبابة: نا شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا سلمة: أنّ أم سلمة سألت النبيّ ﷺ عن المرأة تحتلم؟ فقال: "تجد شهوة؟ " قالت: نعم، قال: "فلتغتسل". وبه إلى الطبراني (١): نا الحسن بن سهل المجوز البصري: نا أبو عاصم: نا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الله بن طرفة، عن أم سلمة قالت: قالت أم سليم: يا رسول الله، المرأة تحتلم؟ قال: "إذا رأت الماء الأصفر فلتغتسل". في حديث عائشة قولها: أفٍّ لك. أفّ تجرّ وترفع وتنصب بتنوين وبغير تنوين. وإف بكسر الهمزة وفتح الفاء، وأُفْ بضم الهمزة وإسكان الفاء، وأُفِّى بضم الهمزة، وبالياء، وأُفَّه بالهاء. وهي كلمة تستعمل في الاحتقار والاستقذار (٢). قالوا: والأَفّ وسخ الأذن، والتّف وسخ الأظفار (٣)، وقوله ﵇: "تربت يداك"، و"تربت يمينك"، فيه قولان (٤): • أحدهما أن يكون أراد استغنت يداك أو يمينك، كأنه يعرض لها بالجهل

стр. 1005

كما أنكرت ما لا ينبغي أن تنكره، فخاطبها بضد المعنى تأنيبًا (١) كما قيل في قوله : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، وكما تقول فيمن كفّ عن السؤال فيما جهله: أمَّا أنت فاستغنيت أن تسأل عن مثل هذا، أي لو أنصفت نفسك ونصحت لها لسألت. وقال غيره: هو كما يقال للشاعر إذا أجاد: قاتله الله ما أشعره، وأخزاه الله لقد أجاد، ومنه الحديث: "ويل أمه مسعِّر حرب" (٢). قال أبو (٣) عمر: وهذا كله عندي فرار من الدعاء على عائشة صريحًا (٤)، فإن ذلك غير ممكن من النبيّ ﷺ عندهم. وأنكر أكثر أهل العلم باللغة والمعاني أن تكون هذه اللفظة بمعنى الاستغناء، وقالوا: لو كانت (٥) بمعنى الاستغناء لقال (٦): أتربت يمينك، أي: افتقرت من العلم. انتهى. وعلى تقدير هذا القول الأخير: أي افتقرت من العلم، فيكون المراد الخبر لا الدعاء، ويكون معنى افتقرت: أي افتقرت من معرفة هذه المسألة الخاصة. والله أعلم. وقول أم سليم (٧): إن الله لا يستحيي من الحق؛ ممهد لبسط عذرها، فيما تريد

стр. 1006

أن تسأل عنه لا فيه من ذكر ما يستحيي النساء من ذكره، وهوأصل فيما يستعمله الكتاب والأدباء في ابتداء مكاتباتهم من التمهيد (١)، لا يأتون به بعد ذلك، والذي يحسّنه في مثل هذا أن الذي يعتذر به إن جاء (٢) متقدّمًا على المعتذر عنه (٣) أدركته النفس سالمًا (٤) من العيب، وإن جاء متأخرًا أثار النفس بقبيح ما يأتي به، ثم يأتي العذر بعد ذلك فيكون رافعًا لما وقع، وعلى الأول يكون دافعًا عن الوقوع، وبينهما فرق كبير (٥). ومعنى: لا يستحيي من الحق: أي لا يأمر بالحياء فيه (٦)، أو لا يمنع (٧) من ذكره، أو لا يبيح البقاء على الجهل به، وأصل الحياء الامتناع أو ما يقاربه من معنى الانقباض، فكأن المستحيي يمتنع من فعل أو ذكر ما يستحيي منه، فصار الامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء على الامتناع إطلاق اسم الملزوم على اللازم (٨). وفي الحديث دليل على وجوب الغسل على المرأة بإنزالها الماء، ويكون الدليل على وجوبه على الرجل بقوله: "إنما الماء من الماء"، ويحتمل أن تكون أم سليم لم تسمع قوله ﵇: "إنما الماء من الماء"، وسألت عن حال المرأة لمسيس حاجتها إلى ذلك، ويحتمل أن تكون سمعته ولكنها سألت عن حال المرأة لقيام مانع فيها

стр. 1007

يوهم خروجه (١) عن ذلك العموم وهو (٢) ندرة بروز (٣) الماء منها. وفيه أنّ إنزال الماء في حالة النوم موجب للغسل كإنزاله في حالة اليقظة، وفي قوله ﵇: "إذا رأت الماء"، ما يردّ على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، ويمكن من يقول: إن ماء المرأة لا يبرز، أن يحمل الرؤية هنا على العلم؛ أي إذا علمت نزول الماء وعرفته بالشهوة التي تجدها، وجب عليها الغسل، ولا يوقف الحكم حينئذ على البروز الممتنع عند كثير من الناس (٤). وقد أجمع (٥) العلماء (٦) على وجوب الغسل على (٧) المرأة بخروج المنيّ (٨) وإيلاج الحشفة في الفرج (٩)، وكذلك الحيضة والنفاس (١٠). واختلفوا في وجوبه على من ولدت ولم تر دمًا أصلًا، والأصح عند أصحابنا وجوب الغسل، ومن لا يوجب الغسل يوجب الوضوء. والمراد عندهم بخروج المني أن يخرج إلى الظاهر، أمّا ما لم يخرج فلا يجب الغسل، وذلك بأن يرى النائم بأنه يجامع وأنّه قد أنزل، ثم يستيقظ فلا يرى شيئًا فلا غسل عليه (١١).

стр. 1008

وكذلك (١) لو اضطرب بدنه كمبادئ (٢) خروج المني ولم يخرج، وكذا لو نزل إلى أصل الذكر، ثم لم يخرج فلا غسل، وكذا لو صار المني في وسط الذكر، وهو في صلاة فأمسك بيده على ذكره فوق حائل، فلم يخرج المني حتى سلم من صلاته صحّت صلاته، فإنّه ما زال متطهّرًا حتى خرج. والمرأة كالرجل في كل ذلك، إلا أنها إذا كانت ثيّبًا فنزل المني إلى فرجها، ووصل الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء، وهو الذي يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة، وجب عليها الغسل بوصول المنيّ إلى ذلك الموضع لأنه في حكم الظاهر، وإن كانت بكرًا لم يلزمها ما لم يخرج من فرجها، لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل. والله أعلم (٣). وقوله ﵇: "فمن أين يكون الشبه؟ "، فيه لغتان: كسر الشين، وسكون الباء، وفتحهما معًا (٤). وقد اختلفت العبارات عن هذا المعنى في حديث أم سلمة وحديث عائشة وحديث ثوبان، وما وقع في الأحاديث من وصف الماءين ماء الرجل بالغلظ والبياض، وماء المرأة بالرقة والصفرة، هو الغالب مع سلامة المزاج وصحة القوى، وقد يتخلف هذا العرض أو في نادر من الصور كما سبق. وقوله: "فمن أيّهما علا أو سبق يكون منه الشبه" أي: فمن أجل علو وسبق أحدهما يكون الشبه، ويحتمل أن يقال: إن من زائدة على مذهب من يزيدها في الواجب من الكوفيين، ومنه قوله تعالى: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾؛ فتقديره:

стр. 1009

أيهما سبق، ويحتمل أن تكون (أو) في قوله سبق أو علا للشك من أحد الرواة، ويحتمل أن تكون للتنويع؛ أي: أي نوع كان منهما كان منه الشبه. ونحو قول الشاعر: فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدر ورماح أشرعت أو سلاسل يريد أن أحد النوعين لا بد منه. وسبق؛ أي بادر بالخروج، وقد جاء في رواية: سبق إلى الرحم، ويحتمل أن يكون بمعنى (غلبته) من قولهم: سابقني فلان فسبقته؛ أي غلبته، ومنه قوله تعالى: ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ أي بمغلوبين، ويكون معناه يكبر (١). وقوله في الرواية الأخرى: "إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماؤها أشبه الرجل أعمامه"؛ يقتضي هذا أن العلو يقتضي الشبه. وقد جعل العلو في الحديث الآخر من رواية ثوبان تقتضي الذكورة (٢)، وهو من المرأة الأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه بالأعمام بالذكورة بعلو ماء الرجل، وكذلك يلزم إذا علا ماء المرأة اقترن الشبه للأخوال بالأنوثة، وليس الأمر كذلك في الخارج مطردًا، بل قد يكون شبه الخؤولة مع الإذكار، وشبه العمومة مع الإيناث. فلا بد من التأويل، والذي يمكن أن يقال في تأويله: أن المراد بالعلو السبق؛ أي: سبق الماء إلى الرحم، ووجهه أن العلو لما كان معناه الغلبة والسبق، قد يستعمل في الجلبة، كما قال تعالى: ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ أي: بمغلوبين، كان أحدهما مستعملًا في موضع الآخر، والسابق غالب [في ابتدائه بـ] (٣) الخروج، قيل فيه

стр. 1010

(علا)، ويؤيد هذا التأويل رواية من رواه: "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنّثا" (١). وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على اختلاف هذه الألفاظ في هذا الحديث تقسيمًا ذكره، فقال: "إن الماء بين أربعة أحوال: الأول: أن يخرج ماء الرجل أولًا. الثاني: أن يخرج ماء المرأة أولًا. الثالث: أن يخرج ماء الرجل أولًا ويكون أكثر. الرابع: أن يخرج ماء المرأة أولًا فيكون أكثر. ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أولًا، ثم يخرج ماء المرأة بعده فيكون أكثر وبالعكس. فإذا خرج ماء الرجل أولًا وكان أكثر جاء الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة. وإن خرج ماء المرأة أولًا وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق، وأشبه الولد أخواله بحكم الكثرة. وإن خرج ماء الرجل أولًا، ولكن لا خرج ماء المرأة بعده كان أكثر، كان الولد ذكرًا بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة. وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. قال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام ويرتفع التعارض عن الأحاديث.

стр. 1011

وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الغسل في الاحتلام إنما هو من رؤية الماء لا من رؤية الفعل. وعلى أن الولد يكون من مجموع ماء الرجل والمرأة معًا، خلافًا لمن ذهب إلى أن الولد إنما هو من ماء المرأة، وأن ماء الرجل له عاقد، كالأنفحة للبن. وقول أم سلمة: (فضحت النساء)؛ أي: قلت ما يستحيى من مثله، وما يستحيين من وصفهن به ويكتمنه، وذلك أن مثل ذلك منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال. وأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، يقال لها: الغميصاء والرميصاء، وقد قيل في اسمها غير ما ذكرنا. كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها وعرضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك، ثم خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري، خطبها مشركًا فلما علم أنه لا سبيل له إليها إلا بالإسلام أسلم وتزوجها، وحسن إسلامه، فولد له منها غلام كان قد أعجب به، فمات صغيرًا، فأسف عليه، ويقال إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم ولد له منها عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وأخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنهم العلم. وروت أم سليم عن النبي ﷺ أحاديث، وكانت من عقلاء النساء. روى عنها ابنها أنس بن مالك وعبد الله بن عباس.

стр. 1012

روي لها عن النبي ﷺ أربعة عشر حديثًا اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديث واحد منها، وانفرد (١) البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديثين. روى سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: أتيت أبا طلحة وهو يضرب أمي، فقلت: تضرب هذه العجوز ... في حديث ذكره. وروي عن أم سليم أنها قالت: لقد دعا لي رسول الله ﷺ حتى ما أريد زيادة. * * *

стр. 1013

٩١ - باب ما جاء في الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل ثنا هناد ثنا وكيع عن حريث عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ربما اغتسل النبي ﷺ من الجنابة ثم جاء فاستدفأ بي، فضممته إلي، ولم أغتسل (١). قال أبو عيسى: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس أن يستدفئ بامرأته، وينام معها قبل أن تغتسل المرأة. وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. * الكلام عليه: أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن شريك عن حريث به. وأخرجه الحاكم (٢) في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم. وأما الترمذي، فقال: ليس بإسناده بأس، وما ارتفع البأس عنه ينبغي أن يدخل تحته قسما الصحيح والحسن، فأقل مرتبته أن يكون من باب الحسن. وفي إسناد هذا الحديث حريث بن أبي مطر، راويه عن الشعبي، واسم أبي مطر عمرو بن أبي عمرو الفزاري كوفي، روى عن الشعبي ومدرك بن عمارة.

стр. 1014

روى عنه الثوري وشريك ويزيد بن عطاء وغيرهم. قال يحيى: حديثه لا شيء. وقال مرة: ضعيف، وكذلك قال الفلاس وأبو حاتم الرازي وأبو أحمد بن عدي. وقال النسائي وعلي بن الجنيد والأزدي: متروك. وقال عمرو بن علي: لم أسمع يحيى، ولا عبد الرحمن بن مهدي يحدثان عنه بشيء قط. وقال البخاري: فيه نظر. وهو أبو عمرو الحناط؛ بالحاء المهملة والنون. ومن كان بهذه المثابة من الجرح من غير تعديل يعارضه ففي ارتفاع البأس عنه نظر. وأما تصحيح الحاكم إياه وقوله: إنه على شرط مسلم؛ فغريب جدًّا، وقد قال البيهقي بعد تخريجه: تفرد به حريث بن أبي مطر، وفيه نظر. وروي من وجه آخر ضعيف عن علقمة عن عائشة مختصرًا. وفي الباب مما لم يذكره: عن ميمونة بنت الحارث: أنا أبو عبد الله بن الفتح الصوري سماعًا، أنا أبو مسلم الوليد بن عبد الرحيم بن الأخوة، وأبو الغنائم محمد بن أبي طالب بن شهريان قالا: أنا غانم بن خالد بن عبد الواحد التاجر أنا أبو الطيب عبد الرزاق بن عمر بن موسى بن شهر (١)، أنا أبو بكر بن المقرئ ثنا محمد بن زبان ثنا زكريا يعني

стр. 1015

ابن يحيى كاتب العمري ثنا المفضل يعني ابن فضالة عن عمرو بن يزيد عن مسروق: أن ابن عباس ﵄ دخل على خالته ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: ما لك يا ابن أختي شعثًا؟ فقال: قد كانت مرجلتي أم عمارة حائضًا. قالت: فما بال الحيضة من اليد؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ يستدفئ في حجر المرأة من نسائه ثم يقعد هو في حجرها، ولقد رأيته تعطيه المرأة الخمرة وهي حائض (١). قول الترمذي (٢) فيه: ليس بإسناده بأس، حكم على السند دون المتن، وظاهر هذا أنه لم يرتق عنده إلى درجة التحسين وأن يحكم على الحديث بالحسن بذلك، وإن كان الإسناد عنده قابلًا لأن يوصف الحديث المروي به بالحسن إذا استكملت فيه الشروط التي ذكرها في الحسن، لكنه لما لم يذكر في بابه شيئًا عن أحد من الصحابة، ولا نبه على شاهد له ولا متابع بقي كالحديث الفرد في باب عن متكلم فيه غير موثق، فلم يبلغ الحديث درجة الحسن، وإن كان راويه عنده غير مردود من كل وجه لأنه لم يستكمل الشروط لتفرده به. قال القاضي أبو (٣) بكر بن العربي ﵀: هذا حديث لم يصح ولم

стр. 1016

يستقم ولا يثبت (١) فيه شيء، ويحتمل (٢) أن يكون من وراء حائل، قاله الشافعي، ويحتمل أن يكون دون حائل، والملامسة عندنا بغير شهوة لا تنقض الوضوء. انتهى. أما حكم الملامسة فقد سبق في باب الوضوء من القبلة، وليس الغرض الآن حكم الملامسة، ولا المقصود من إيراد هذا الحديث إلا أن المرأة وهي جنب قبل اغتسالها يباح منها ذلك للرجل، فهو في معنى حديث أبي هريرة السابق: "إن المسلم لا ينجس". وعلى ذلك الحديث محمول عندنا وعند السلف ﵏، وقد فسر ذلك قوله (٣) بعد، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس أن يستدفئ بامرأته وينام معها قبل أن تغتسل المرأة. وأما الوضوء بعد ذلك وقبل إرادة الصلاة ففيه خلاف بين السلف. روى وكيع عن سفيان عن بشير، عن إبراهيم التيمي أنّ عمر كان يستدفئ بامرأته بعد الغسل (٤)، وروي أيضًا عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن أم الدرداء قالت: كان أبو الدرداء يغتسل ثم يجيء وله قرقفة يستدفئ بي (٤). وقال ابن (٥) أبي شيبة: نا حفص ووكيع: عن مسعر، عن جبلة، عن ابن عمر قال: إني لأغتسل من الجنابة، ثم أتكوى بالمرأة قبل أن تغتسل. قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس: ذاك عيش قريش في الشتاء.

стр. 1017

حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن حجاج بن أبي عُثمان قال: ثنا يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو كثير قال: قلت لأبي هريرة: الرجل يغتسل من الجنابة ثم يضطجع مع أهله، قال: لا بأس. حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كان الأسود يجنب فيغتسل، ثم يأتي أهله فيضاجعها يستدفيء بها قبل أن تغتسل. حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كان علقمة يغتسل، ثم يستدفئ بالمرأة وهي جنب. حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنّه كان يستدفئ بامرأته، ثم يقوم فيتوضأ وضوءه للصلاة. حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ أنّه كان يغتسل من الجنابة، ثم يجيء فيستدفئ بامرأته قبل أن تغتسل، ثم يصلي ولا يمسُّ ماءً. حدثنا أبو خالد الأحمر (١) عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: إذا اغتسل الجنب ثم أراد أن يباشر امرأته فعل إن شاء. حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: يباشرها، وليس عليه وضوء. حدثنا وكيع عن مبارك، عن الحسن قال: لا بأس أن يستدفيء بامرأته بعد الغسل.

стр. 1018

حدثنا وكيع، عن مسعر، عن حماد: أنّه كان يكرهه حتى يجف (١) فيه طهارة عرق الجنب. وقد بوّب البيهقي (٢) في "سننه الكبير"، على طهارة عرق الحائض والجنب، فذكر هذا الحديث، وحديث عائشة: "كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض". رواه البخاري (٣). وحديث القاسم، عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قال لها: "ناوليني الخمرة"، قالت: إني حائض! قال: "إن حيضتك ليست في يدك". رواه مسلم (٤)، وما في معناهما. * * *

стр. 1019

٩٢ - باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء ثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري: ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر: أنّ رسول الله ﷺ قال: "إن الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فَليمسّهُ بشرته؛ فإن ذلك خير". وقال محمود في حديثه: "إن الصعيد الطيب وضوء المسلم". قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين. قال أبو عيسى: وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذر. وروى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذرّ، ولم يُسَمِّه. وهذا حديث حسن (١)، وهو قول عامة الفقهاء: أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء تيمّما وصلّيا. ويروى عن ابن مسعود أنّه كان لا يرى التيمم للجنب، وإن كان لم يجد الماء، وروي عنه أنّه رجع عن قوله فقال: يتيمم إذا لم يجد الماء. وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق (٢).

стр. 1020

* الكلام عليه: أخرجه أبو (١) داود والنسائي (٢) وابن (٣) حبان في "صحيحه" من طريق عمرو بن بجدان، من رواية خالد الحذاء ثم أتبعها (٤) بطريق أخرى من جهة سفيان الثوري، عن أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن عمرو، عن أبي ذر رادًّا على من زعم أن خالدًا تفرد به. والحاكم (٥) في المستدرك، وقال: صحيح ولم يخرجاه، إذا لم نجد لعمرو راويًا غير أبي قلابة الجرمي (٦). ولا يخلو هذا التبويب من مؤاخذة، فإن الذي ذكره من متن هذا الحديث ليس له تعلق بتيمم الجنب، وهو وإن كان في بعض ألفاظه وأمره بالتيمم عند الجنابة، فيلزمه ذكر هذه القطعة من الحديث لتضمن التبويب إياها، ولا يكفي في ذلك الحوالة على ما هو معلوم من تمام المتن في موضع آخر لاحتمال أن تكون تلك الزيادة بغير هذا الإسناد فلا يلزم الاحتجاج بها. وقد أتبع الترمذي هذا الحديث التصحيح في بعض النسخ والتحسين في بعضها (٧). فأما أبو الحسن (٨) بن القطان فيضعفه وليس عنده من قبيل الصحيح ولا الحسن، وفيما قاله من ذلك نظر.
следующие страницы →