← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وذكر ابن شاش عن مذهب مالك: أن أقل مدّته فيما يرجع إلى العبادات غير محدود فتعتبر الدفعة الواحدة وتكون حيضًا وإن لم تكن حيضة معدودة في العدد والاستبراء، وأكثر مدته محدودة بخمسة عشر يومًا على المنصوص، وأكثر الطهر لا حدّ له. وأقله محدود. لكن اختلف هل يعتبر في تحديث عدد الأيام أو استقراء العادة، تم إذا اعتبرنا الأيام ففي العدد المعتبر أربعة أقوال: فعن محمَّد بن مسلمة خمسة عشر يومًا وهو المشهور. وقال ابن حبيب: عشرة. وقال سحنون: ثمانية. وقال ابن الماجشون: خمسة. وقال أبو (١) عمر: قال ابن الماجشون، عن مالك: أقل الطهر خمسة أيام، وأقل الحيض خمسة أيام. وقال الأوزاعي (٢): أقل الحيض يوم. قال (٣): وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابهما: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، فما نقص عند هؤلاء عن الثلاثة أيام فهو استحاضة، وما زاد على عشرة أيام فهو استحاضة (٤).

стр. 1052

وقال أبو (١) يوسف: تأخذ في الصلاة بالثلاثة أقل الحيض، وفي الأزواج بالعشرة (٢)، ولا تقضي صومًا عليها إلا بعد العشرة، وتصوم العشر (٣) من رمضان، وتقضي سبعًا (٤)، وهذا احتياط للعبادة؛ لأن أقل الحيض عنده ثلاثة، وللعدد لأن أكثرها عشرة. قال ابن (٥) عبد البر: وقد احتج الطحاوي لمذهب الكوفيين بحديث أم سلمة إذ سألت رسول الله ﷺ عن المرأة التي كانت تهراق الدم (٦)، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ من الشهر"، قال: فأجابها بذكر عدد الأيام والليالي من غير مسألة لها عن مقدار حيضها قبل ذلك. قال: وأكثر ما يتناوله أيام عشرة، وأقله ثلاثة. وقال أحمد (٧) بن المعذِّل: الذي كان عليه الجملة (٨) من العلماء في القديم أنّ الحيض يكون خمس عشرة ليلة لا يجاوز ذلك وما جاوزه فهو استحاضة، على هذا كان قول أهل المدينة القديم وأهل الكوفة حتى رجع عنه أبو حنيفة لحديث بلغه عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك: أنه قال في المستحاضة تنتظر عشرًا لا تجاوزها؛ فقال أبو حنيفة: لم أزل أرى أن يكون أقل الطهر أكثر من أكثر الحيض، وكنت أكره خلافهم -يعني فقهاء الكوفة-، حتى سمعت هذا الحديث

стр. 1053

عن أنس، فأنا آخذ به. قلت: الجلد (١) بن أيوب ضعيف عندهم، ضعفه ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما. وذكر أبو عمر (٢) عن يحيى بن أكثم: أن أقل الطهر تسعة عشر، واحتج بأن الله تعالى جعل عدل كل طهر وحيضة شهرًا، والحيض في العادة أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر يومًا، ووجب أن يكون عشرة حيضًا وباقي الشهر طهرًا وهو تسعة عشر؛ لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين. وهذا الكلام وإن سلمت مقدماته من الاعتراض، فليس يقتضي تعيين العشرة للحيض ولا باقي الشهر للطهر؛ لأن الأقل قد يأتي أكثر من ذلك، والأكثر قد يأتي أقل من ذلك، وهو بتعليل ما ذكره أبو (٣) محمَّد، عن سعيد بن جبير: أن أكثر الحيض عنده ثلاثة عشر يومًا أنسب. وقال البخاري (٤): قال عطاء: الحيض يوم إلى خمسة (٥) عشر. وأما مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-: فقال الغزالي: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر خمسة

стр. 1054

عشر يومًا، وأكثره لا حدَّ له، وأغلب الحيض ست أو سبع، وأغلب الطهر بقية الشهر، ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم بالاستقراء، فلو وجدنا امرأة تحيض أقل من ذلك على الاطراد ففي اتباع ذلك خلاف لأن بحث الأولين أوفى. وقال الرافعي (١): نص الشافعي في "المختصر" (٢) على أن أقل الحيض يوم وليلة، وقال فيه في العدة: وأول (٣) ما علمناه من الحيض يوم، وذكر اختلاف طرق الأصحاب في ذلك، وأن منهم من قطع بأنه يوم وليلة، وقال: حيث قال: يوم أراد بليلته، والعرب كثيرًا ما تفعل ذلك، ومنهم من قال بأنه يوم، قال: وحيث قال: أقله يوم وليلة، إنما قال ذلك لأنه لم يجد في النساء من تحيض أقل من ذلك، فلما وجد وعرف رجع إليه. أما قوله: حيث قال: يوم أراد بليلته والعرب كثيرًا ما تفعل ذلك، ففيه نظر، لأن ذلك معروف عنهم في الأيام إذا أطلقت بصيغة الجمع أن تكون بلياليها، وأما اليوم المفرد فقد يُمنع ذلك فيه. وكمذهب الشافعي في أقل الحيض وأكثره مذهب أحمد (٤) بن حنبل وإسحاق (٥) بن راهويه ومحمد (٦) بن جرير الطبري. أما أبو (٧) محمَّد بن حزم فيذهب إلى أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.

стр. 1055

قال (١): وقد روي عن عبد الرحمن بن مهدي أن الثقة أخبره أن امرأةً كانت تحيض سبعة عشر يومًا. قال (٢): ورويناه عن أحمد بن حنبل قال: أكثر ما سمعناه (٣) سبعة عشر يومًا. وعن نساء آل الماجشون أنهن كنّ يحضن سبعة عشر يومًا. وقال ابن نافع: أكثره ثمانية عشر يومًا. وروى الدارقطني (٤) من حديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يكون الحيض للجارية والثيب التي قد يئست من المحيض أقل من ثلاثة أيام، ولا يكون أكثر من عشرة أيام، وإذا رأت الدم فوق عشرة أيام فهي مستحاضة، فما زاد على أيام إقرائها قضت، ودم الحيض أسود خاثر تعلوه حمرة، ودم المستحاضة أصفر رقيق، فإن غلبها فلتحتشِ كرسفًا، فإن غلبها فتغلبها (٥) بأخرى، فإن غلبها في الصلاة فلا تقطع الصلاة، وإن قطر، ويأتيها زوجها وتصوم". في إسناده عبد الملك عن العلاء بن كثير، قال الدارقطني: عبد الملك مجهول، والعلاء ضعيف الحديث (٦). وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "أقل الحيض ثلاثة أيام،

стр. 1056

وأكثره عشرة أيام". رواه الدارقطني (١) من حديث محمَّد بن أحمد بن أنس عن حماد بن منهال. قال: وحماد مجهول، ومحمد بن أحمد ضعيف. وأما أقل الطهر: فالمحكي عن أحمد (٢) وإسحاق (٢): لا تحديد في ذلك وأنكرا على من وقت في ذلك خمسة عشر يومًا، وقالا: باطل. وذكر أبو (٣) محمَّد: أن ذلك مذهب علي بن أبي طالب وابن عباس، وقال: لا يصح عن أحد من الصحابة خلاف قولهما في ذلك. وقال سفيان الثوري (٤): أقل ما بين الحيضتين من الطهر خمسة عشر يومًا. وذكر أبو ثور: أن ذلك لا يختلفون فيه، وحكاه عن الشافعي وأبي حنيفة (٢)، وأما أكثره فلا حدّ له. قال أبو عمر (٥): وأما اختلاف الفقهاء في أقل النفاس وأكثره فلا أعلمهم يختلفون -أعني فقهاء الحجاز والعراق- أن النفساء إذا رأت الطهر ولو بعد ساعة أنها تغتسل، واختلفوا في أكثر مدته؛ فقال مالك وعبيد الله بن الحسن والشافعي: أكثره ستون يومًا، ثم رجع مالك، فقال: يسأل النساء عن ذلك وأهل المعرفة. وذكر (٦) الليث أن من الناس من يقول: سبعين يومًا.

стр. 1057

وقال الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي: أكثره أربعون يومًا. قال (١): ولا يختلفون أن ما زاد عندهم على أكثر مدة الحيض وأكثر مدة النفاس فهو استحاضة (٢). وإذ تبين ذلك فلنذكر أحوال المستحاضات وأحكامهن إذ هو الغرض المقصود من هذا الباب: قال بعض الفقهاء (٣): والمستحاضات أربع سوى المتحيرة؛ لأن التي جاوز دمها أكثر الحيض إما أن تكون: • مبتدأة: وهي التي لم يسبق لها حيض وطهر. • أو معتادة: وهي التي سبق لها. وعلى التقديرين فإما: أن تكون مميزة أو لا تكون. فالأصناف إذًا أربعة: مبتدأة مميزة، مبتدأة غير مميزة، معتادة مميزة، معتادة غير مميزة. فأما المبتدأة المميزة: وهي التي ترى الدم على نوعين: أحدهما أقوى، أو على ثلاثة أنواع: أحدها أقوى، فترد إلى التمييز، تكون حائضًا في أيام القوي مستحاضة في أيام الضعيف عند مالك والشافعي وداود اعتبار اللون، وأخذًا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش من طريق ابن أبي عدي: أنّ دم الحيض أسود يعرف، وسيأتي بهذا اللفظ في الباب بعد هذا. وخالفهم أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- فقال: ترد إلى أكثر الحيض، وهو عنده عشرة أيام اعتبارًا بالأيام، ولم يُراعِ تلوُّن الدم أخذًا بقوله ﷺ في حديث

стр. 1058

فاطمة بنت أبي جُبيش: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلّي"، فقدر بالأيام لا بتلون الدم. وقد تقدم من طريق البخاري وبقوله ﵇ لابنة جحش: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك"، وقد تقدم من طريق مسلم وتلك إحالة على الأيام. الثانية: المبتدأة غير المميزة: والذي صححه القاضي أبو بكر الأبهري عن مذهب مالك جلوسها خمسة عشر يومًا، ثم يحكم لها بالاستحاضة أبدًا ما بقيت ودمها يجري. وقال الرافعي (١): ينظر في حالها؛ إن لم تعرف وقت ابتداء الدم فحكمها حكم المتحيرة، وإن عرفت ففي القدر الذي تحيض فيه قولان (٢): أصحهما: يوم ليلة؛ لأن سقوط الصلاة عنها في هذا القدر مستقر (٣). والثاني: يرد (٤) إلى عادات (٥) غالب النساء وهو ست أو سبع؛ لأن الظاهر اندراجها في جملة الغالب. وذكر حديث حمنة بنت جحش وقول النبي ﷺ ؛: "تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي". وإلى هذا الثاني ذهب أحمد (٦) بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو (٧) عبيد.

стр. 1059

ومنشأ الخلاف تردد الشافعي في أن حمنة هل كانت معتادة أو مبتدأة؛ إن قلنا: كانت معتادة رددنا المبتدأة إلى الأقل أخذًا باليقين، ومن قال بهذا قال: لعله عرف من عادتها أنها أحد العددين الغالبين الست أو السبع، لكن لم يعرف عينه، فلذلك قال: "تحيضي ستًّا أو سبعًا". وإن قلنا: كانت مبتدأة رددنا المبتدأة إلى الغالب، وقوله: "في علم الله": أي فيما علم الله من عادتك إن كانت معتادة، ومن غالب عادات النساء إن كانت مبتدأة. فإن فرعنا على القول الثاني: فهل الرد إلى الست أو السبع على سبيل التخيير بينهما أم لا فيه وجهان: • أحدهما: أنه على التخيير لظاهر الخبر فتتحيض إن شاءت ستًّا وإن شاءت سبعًا، ويحكى هذا عن ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، وزعم الحناطي أنه أصح الوجهين. • والثاني: وهو الصحيح عند الجمهور، أنه ليس على التخيير، ولكن ينظر في عادات النساء أهن يحضن ستًّا أو سبعًا فتنحوهن (١) كيف ما بن من ذلك، ومَن النسوة المنظور إليهن؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن الاعتبار بنسوة عشيرتها من الأبوين جميعًا؛ لأن طبائعها (٢) إلى طبائعهن أقرب، فإن لم يكن لها عشيرة فالاعتبار بنساء بلدها (٣) وناحيتها, ولا تحيض بنساء العصبة ولا نساء العشيرة.

стр. 1060

وحكى أبو (١) محمَّد عن الأوزاعي: تجعل لنفسها مقدار حيض أمها وخالتها وعمتها، وتكون فيما زاد في حكم المستحاضة، فإن لم تعرف جعلت حيضتها سبعة أيام من كل شهر، وتكون في باقي الشهر مستحاضة. وقال سفيان الثوري (٢). تجعل لنفسها قدر حيض نسائها. وقال أبو حنيفة: تحيض (٣) عشرة أيام من كل شهر، ثم تكون باقيه مستحاضة. وقال أبو محمَّد (٤): فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، فإن تلوّن (٥) وانقطع إلى سبع (٦) عشرة ليلة فأقل فهو طهر صحيح تغتسل وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها، وإن تمادى أسود تمادت على أنها حائض إلى سبع عشرة ليلة، فإن تمادى بعد ذلك أسود فإنَّها تغتسل ثم تصوم وتصلي ويأتيها زوجها، وهي طاهر أبدًا لا ترجع إلى حكم الحائض إلا أن ينقطع أو يتلون كما ذكرنا (٧). وهذا نحو مما حكيناه عن الأبهري من مذهب مالك؛ لأن البناء هنا على أكثر الحيض عند كل منهما، وقد كان ينبغي لأبي محمَّد أن يحيّض هذه ستة أيام أو سبعة أيام أخذًا بحديث حمنة بنت جحش، غير أنه معلول عنده بما ليس بعلة في

стр. 1061

نفس الأمر، وسيأتي الكلام عليه، وذكر ما أعلّه به أبو محمَّد، والجواب عنه في بابه. وأما احتياطه في ذلك للصلاة المأمور بها الثابتة في الذمة بيقين فمعارض بأن الحائض منتهية عن الصلاة في حال حيضها بيقين، فليس لنا أن نأمرها بإتيان منهي عنه، إلا عن يقين من انتفاء الموانع. وأما تجويزه أن تكون ضهياء (١) وهي التي لا تحيض فمعارض بأن تكون ممن تحيض ولون دم حيضها واستحاضتها واحدًا. الثالثة: المعتادة المميزة. قال ابن شاس: المذهب -يعني مذهب مالك- أنها تعتبر التمييز لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، ولأن العادة قد تختلف، والتمييز لا يختلف، ولأن النظر إلى اللون اجتهاد والنظر إلى العادة تقليد؛ والاجتهاد أولى من التقليد. وقال الغزالي: المعتادة المميزة إن رأت السواد مطابقًا لأيام العادة فهو المراد، وإن أخلفت فإن كانت عادتها خمسة فرأت عشرًا سوادًا ففي وجه الحكم للعادة، وفي وجه الحكم للتمييز، فتُحيّض في عشرة السواد، وفي وجه يجمع بينهما إلا أن يزيد المجموع على خمسة عشر، فتعيّن الاقتصار على العادة أو على التمييز. الرابعة: المعتادة من غير تمييز، فللمالكيين فيها ثلاثة أقوال: قول بأنها تقتصر على عادتها كما ذهب إليه الشافعي، وتثبت العادة عندهم بمرة، وهذا القول محكي عن المغيرة وأبي مصعب من أصحاب مالك.

стр. 1062

وذكر إسماعيل (١) بن إسحاق القاضي قال: نا أبو مصعب قال: سمعت المغيرة بن عبد الرحمن -وكان من أعلى أصحاب مالك- يقول: قولنا في المستحاضة إذا استمر بها الدم بعد انقضاء أيام حيضتها ولا تدري هل ذلك انتقال دم حيضتها إلى أيام أكثر من ذلك أو ذلك دم استحاضة، فنأمرها أن تغتسل إذا مضت أيام حيضتها وتصلي وتصوم ولا يغشاها زوجها احتياطًا، حتى ننظر إلى ما يصير إليه حالها بعد ذلك؛ فإن كانت حيضة انتقلت من أيام إلى أكثر منها عملت فيما يستقبل على الأيام التي انتقلت إليها, ولم يضرها ما كانت احتاطت له من الصلاة والصيام، وإن كان ذلك الدم الذي استمر بها استحاضة كانت قد احتاطت للصلاة والصيام. قال أبو مصعب: وهذا قولنا وبه نفتي (٢). فرَّق في هذا القول: بين الصلاة والصيام في حق المستحاضة وبين الجماع، وسيأتي ما للناس في ذلك من خلاف. القول الثاني: أنها تبلغ خمسة عشر يومًا، قاله مطرف. القول الثالث: القول بالاستظهار على العادة؟ لكن اختلف القائلون به، هل تتجاوز به الخمسة عشر يومًا أم لا؟ فالمشهور أنه لا تتجاوز، وفي كتاب محمَّد: أنها تستظهر على الخمسة عشر يومًا أو يومين، وقال ابن نافع في كتاب سحنون أنها تستظهر عليها بثلاثة أيام وأنكره سحنون.

стр. 1063

قال أبو عمر (١): وحكى عبد (٢) الرزاق عن معمر قال: تستظهر يومًا واحدًا على عادتها (٣)، ثم هي مستحاضة، وذكر مثله عن ابن جريج، عن عطاء وعمرو بن دينار (٤). قال: واحتجّ بعض أصحابنا في الاستظهار بحديث رواه حرام بن عثمان عن ابني (٥) جابر، عن جابر، عن النبي ﵇، ولا يصح، وحرام (٦) بن عثمان ضعيف متروك. وقولنا فيما حكيناه عن الأصحاب تثبت العادة بمرّة. قال أبو حامد الغزالي ﵀: ولو كانت تحيض خمسًا وتطهر خمسًا وعشرين فجاءها دور فحاضت ستًّا ثم استحيضت بعد ذلك في الشهر الآخر رددناها إلى الست؛ لأن الصحيح ثبوت العادة بمرة واحدة. وأما المتحيرة فلها ثلاثة أحوال: أما أن تكون ناسية لعدد الحيض ووقته جميعًا، أو للعدد دون الوقت أو العكس. فأمّا الأول: قال الرافعي (٧): والنسيان المطلق قد يعرض لغفلة وعلة عارضة،

стр. 1064

وقد تكون (١) مجنونة صغيرة، وتستمر لها عادة في الحيض ثم تفيق وهي مستحاضة، فلا تعرف كما (٢) سبق شيئًا. وفي حكمها في هذه الحالة قولان أحدهما أنها مردودة إلى المبتدأة لأن العادة المنسية لا يمكن استفادة الحكم منها فيكون كالمعدوم (٣). الثاني: وهو أصحّهما أنها مأمورة بالاحتياط غير مردودة إلى المبتدأة؛ إذ ما من زمانٍ مرّ (٤) عليها إلا ويحتمل الحيض والطهر والانقطاع، فبحث الأخذ بالاختيار (٥)، وقد نقل أنّ سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبيّ ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة (٦). فحملها حاملون على أنها كانت ناسية فأمرها به احتياطًا. الحالة الثانية: حالة الناسية لقدر الحيض دون وقته كما لو حفظت أن ابتداء الدم كان أول شهر، فيوم وليلة من أول كل شهر حيض بيقين، وبعده يحتمل الانقطاع إلى انقضاء الخامس عشر، فتغتسل لكل صلاة، وتعده إلى آخر الشهر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة، فلو حفظت أن الدم كان ينقطع عند آخر كل شهر، فأول الشهر إلى المنتصف طهر بيقين، ثم بعده يتعارض الاحتمال، ولا يحتمل الانقطاع، لأن في آخره حيضًا بيقين، فتتوضأ وتصلي إلى انقضاء التاسع والعشرين، واليوم الأخير بليلته حيض بيقين. الحالة الثالثة: حالة الناسية لوقته دون قدره.

стр. 1065

قال الغزالي: إذا كانت أضللت عشرة في عشرين من أول الشهر فالعشرة الأخيرة طهر بيقين، وجمع العشرين من أول الشهر تحتمل الحيض والطهر، نعم لا يحتمل الانقطاع في العشر الأول، فتتوضأ لكل صلاة، ويحتمل في الشر الثاني، فتغتسل لكل صلاة، ولو قالت: أضللت خمسة عشر في عشرين من أول الشهر، فالخمسة الثانية والثالثة من أول الشهر حيض بيقين لأنها تندرج تحت تقدير التقديم والتأخير. قال الرافعي: الحافظة لقدر الحيض إنما تخرج عن التحير المطلق إذا حفظت مع ذلك قدر الدور وابتداؤه، وهو ظاهر. قال: كما لو قالت: كان حيضي خمسة أضللته في دوري، ولا أعرف سوى ذلك، فلا فائدة فيما ذكرت لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في كل زمان. وإذ قد ذكرنا أحوال المستحاضات فلنذكر ما الذي يباح لهن بالانتقال عن الحيض إلى الاستحاضة ممّا منعهن منه الحيض، وما عليهنّ من غسل أو وضوء، وما حكم المستحاضة إذا انقطع عنها دم الاستحاضة هل عليها غسل لانقطاعه أم لا، وما عن السلف في ذلك من خلاف. فأما ما يباح لهنّ فإن ابن سيرين (١) روى عن ابن عباس في المستحاضة قال: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل ولتصل.

стр. 1066

وقال مكحول (١): إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مستحاضة، فلتغتسل وتصلي. وعن سعيد (٢) بن المسيب: إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلّت، وروي عنه: تجلس أيام أقرائها. وروى يونس (٣) عن الحسن قال: الحائض إذا مرّ بها الدم تمسك بعد حيضها يومًا أو يومين وهي مستحاضة. وقال التيمي (٤) عن قتادة: إذا زادت على حيضها خمسة أيام فلتصل. قال التيمي (٥): فجعلت أنقص حتى إذا بلغت يومين، فقال: إذا كان يومين فهو من حيضها. وسئل ابن (٦) سيرين فقال: النساء أعلم. قال أبو عمر (٧): ودم الاستحاضة لا يمنع من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة، وأما وطء الزوج أو السيد للمرأة التي هذه حالها، فذكر المنع من إبراهيم النخعي وسليمان بن يسار والحكم وعامر الشعبي وابن سيرين والزهري، ولم يختلف فيه عن الحسن (٨).

стр. 1067

وروي عن عائشة في المستحاضة أنه لا يأتيها زوجها، وبه قال ابن عليّة (١). وذكر عبد (٢) الرزاق، عن الثوري، عن منصور قال: تصوم ولا يأتيها زوجها ولا تمسّ المصحف. وعن معمر، عن أيوب، قال: سئل سليمان بن يسار: أيصيب المستحاضة زوجها؟ قال: إنما سمعنا بالرخصة لها في الصلاة (٣). قال معمر: وسألت الزهريّ: أيصيب المستحاضة زوجها؟ قال: إنما سمعنا بالصلاة. وقد تقدّم فيما حكيناه عن المغيرة وأبي مصعب: تصلي وتصوم ولا يغشاها زوجها. وأما غسل المستحاضة ووضوءها فإن أبا (٤) عمر قال: أجمعوا على أن عليها إذا كانت ممّن تميَّز دم حيضها من دم استحاضتها أن تغتسل عند إدبار حيضها، وكذلك إذا لم تعرف ذلك، وفقدت ما أمرت به من عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر اغتسلت عند انقضاء ذلك، ثم اختلفوا فيما عليها بعد ذلك من غسل أو وضوء فذهبت طائفة إلى أنّها تغتسل لكلّ صلاة، وحكِيَ ذلك عن أم حبيبة وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وذكره الحافظ أبو (٥) محمَّد عن سعيد بن المسيب.

стр. 1068

وقال آخرون: يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غُسلا واحدًا تصلي به الظهر في آخر وقته، والعصر في أول وقتها، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدًا، وسيأتي الأحاديث في ذلك في بابه بعد هذا وتمسك هؤلاء بحديث سهلة بنت سهيل أيضًا، وسنذكره بسنده وفيه كان يأمرنا بالغسل لكي صلاة، فلما جهدها ذلك أمر أن يجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد ... الحديث. فرأوا أن الناسخ من الحكم في ذلك الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كما سبق، فصار القول بهذا أولى من القول بإيجاب الغسل لكل صلاة. ورُويَ ذلك عن علي وابن عباس وإبراهيم النخعي وعبد الله بن شداد وعطاء بن أبي رباحَ (١). وقال آخرون: تغتسل في كل يوم مرة في أي وقت شاءت، رواه معقل (٢) الخثعمي عن علي، قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها اغتسلت كل يوم مرة. وقال آخرون: تغتسل من ظهر إلى ظهر، روي ذلك عن ابن عمر (٣) وأنس (٣)

стр. 1069

ابن مالك، وهي رواية عن عائشة، وروي أيضًا عن سعيد (١) بن المسيب، وهو قول سالم (١) وعطاء (١) والحسن (١). وروينا عن الدارمي (٢) قال: وهو قول إلَّا وزاعي. وقال آخرون: لا تتوضأ إلا عند الحدث، وهو قول عكرمة ومالك، إلا أن مالكًا يستحب لها الوضوء عند كل صلاة (٣). وقال آخرون: تدع المستحاضة الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والأ وزاعي والليث والشافعي، وعامة فقهاء الأمصار، إلا أن مالكًا يستحبّ للمستحاضة الوضوء لكل صلاة كما يوجبه على صاحب سلس البول، غير أن أبا حنيفة قال: إذا توضأت من الوقت لصلاتها لا يمكنها أن تصلي تلك الصلاة بذلك الوضوء لأن دخول وقت كل صلاة يكون بخروج التي قبلها، وخروج الوقت مبطل إلا صلاة الظهر فإنها إذا توضأت قبل الزوال ثم زالت الشمس لها أن تصلي الظهر نظرًا إلى أن الوضوء لوقت الصلاة وغيره يراه للصلاة. وقد يحتج له بقوله ﵇ في حديث ابنة أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت"، فغيّا بالوقت، فكأنه يرى أن وضوءها للصلاة قبل وقتها وضوء للصلاة التي لم ينفصل وقتها بعد، ولما كان بين الصبح والظهر مسافة خرج فيها وقت الصبح، ولم يدخل وقت الظهر، كان الوضوء بعد انفصال وقت الصبح ليس لها، فسلم للظهر، فليس المعتبر على هذا دخول وقت الصلاة، وأن لا يكون وضوء للصلاة قبل وقتها، كما ذهب إليه بعضهم في مطلق

стр. 1070

الوضوء لكل صلاة، وإنما المعتبر أن لا يكون الوضوء لصلاة في وقت غيرها، فليتأمل. هذا قول أبي (١) عمر عن مذهب الإِمام أبي حنيفة، وسنذكر من مذهبه ما يأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقد قال عكرمة (٢) وأيوب وغيرهما: سواء دم الاستحاضة أو دم جرح، لا يوجب شيء من ذلك وضوءًا. وممن قال بذلك ربيعة. قال القرطبي (٣): واختلف في المستحاضة هل عليها غسل إذا انقطع دمها، واختلف فيه قول مالك. قال (٤): وقوله ﵇: "إنما ذلك عرق"؛ دليل على العراقيين في أن الدم السائل من الجسد لا ينقض الوضوء، فإنه قال بعد هذا: "فاغسلي عنك الدم وصلّي"؛ وهذا أصح من رواية من روى: "فتوضئي وصلي" باتفاق أهل الصحيح، وهو قول عامة الفقهاء، وقد بقي عليه أن يقول: وجه لمالك على الشافعي وغيره في عدم إيجاري الوضوء لكل صلاة على المستحاضة، ولا يصلح الحديث أن يكون حجة على العراقيين ولا على الشافعي، ومن قال بقوله في الوضوء لما سنذكره. قال أبو عمر (٥): وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكلّ صلاة وفي

стр. 1071

الجمع بين الصلاتين بغسل واحد وفي (١) الوضوء لكل صلاة على المستحاضة فكلها مضطرب (٢) لا يجب بمثلها حجة. قلت: دعوى الاضطراب في هذه الأحاديث تحوجنا إلى ذكر قاعدة توضح لنا المضطرب من الحديث من غيره سوى ما تقدم، وبذلك يتبيّن هل هي مضطربة كما زعم أم لا؟ فنقول: الحديث الواحد المتحد المخرج إما أن تتفق ألفاظ رواته أو تختلف، فإن اتفقت فالمعنى واحد بيقين، فلا كلام فيه لاتحاد اللفظ والمعنى، وإن اختلفت فإما أن يتحد المعنى أو لا، فإن اتحد المعنى حملنا الأمر في ذلك على أن بعض الرواة وقف عند اللفظ، وبعضهم حدّث بالمعنى ولم يعتبر اللفظ، وكلّهم روى بالمعنى واللفظ غير ما جاءوا به، والأمر في ذلك كله واسع عند الجمهور، وإن اختلف المعنى، فإما أن يكون المخالف أتى بأمر زائد على ما أتى به غيره، أو مباين له من غير زيادة، فإن أتى بأمر زائد فلا تنافي، ثم هذه الزيادة هل تقبل الوصف بالصحة والضعف والحسن بحسب حال رواتها أو يسقط منها قسم الحسن ويكون ملحقا بالضعف، فلا يقبل إلا عن معروف الثقة فيه نظر، وليس الثاني ببعيد؛ لأن المتفرد عن الموثوق بحفظهم وثقتهم بين الرواة يحتاج إلى مزيد من الثقة عما يحتاج إليه الراوي حيث لا خلف ولا انفراد. وأقرب من هذا أن يعتبر حاله بحال من انفرد عنه من رواة هذا الخبر فيقبل حيث ساواه في العدالة والستر أو الضعف فتجري فيه على ذلك الأحوال الثلاثة، ولا فرق في هذه الزيادة اللفظية بين أن يقتضي إثبات معنىً لم يكن في الأول

стр. 1072

كاقتضائها إنشاء حكم لم يكن فيه أو إسقاط بعض ما تضمنه اللفظ أول من حيث المعنى بأن يكون مخصصة لعمومه أو مقيدة لإطلاقه أو ما أشبه ذلك، فلسنا نعتدّها إلا زيادة وإن تضمنت نقصًا للوقوف في ذلك عند اللفظ. وإن أتى الاختلاف بلفظ مباين لغيره من الرواة من غير زيادة فإما أن تستوي أحوال الرواة عند هذا الاختلاف أو تتفاوت، فإن تفاوتت فالترجيح، وله وجوه، وإن تعذر تساوي الترجيح فالحديث حينئذٍ مضطرب لا يقوم له حجة. هذا إذا تبين أو غلب على الظنّ أن الواقعة التي ورد فيها ذلك الحكم واحدة، وإن لم يظهر ذلك، ولا مانع من أن يجعلهما واقعتين تفاوتا، واختلف الجواب عن حكمهما، وكان السائل عنهما واحدًا، أو كان الخبر بحكمهما عند واحد، ثم نقل الرواة عنه أو عمّن نقل عنه الحكمين مختلفين، فأوقع ذلك في النفس أنه اختلاف في واقعة واحدة وليس كذلك، وقد نحتاج إلى النظر في مدلول الألفاظ، وما تقتضيه من الجمع والتفريق. إذا تبيّن ذلك فنقول: أما أحاديث الوضوء فإن كان كلام أبي (١) عمر وأبي العباس (٢) يقتضي ردًّا، وقد اختلف مأخذهما؛ فأبو عمر عللها بالاضطراب، وأبو العباس يدعي الترجيح، ويأخذ على زعمه بالراجح، ومما حكاه أبو العباس (٣) عن النسائي (٤) أنه قال: ولا نعلم أحدًا قال في حديث هشام: "وتوضئي". غير حماد (٥). انتهى.

стр. 1073

وليس الحديث في ذلك مضطربًا ولا مختلفًا اختلافًا يحتاج معه إلى الترجيح، وإنما ذكر الوضوء فيه عند من ذكره زيادة فيه على من لم يذكره فقط، فينظر إن جاءت عن ثقة ثبت ولا تعارض. وقول أبي (١) العباس عن النسائي: لم يأت بهذه الزيادة عن هشام إلا حماد، صحيح عن النسائي وهو حماد بن زيد، ولو سلمنا ذلك في نفس الأمر لكان كافيًا لثقة حماد بن زيد وحفظه لا سيما في هشام بن عروة، فكيف وقد ثبتت هذه الزيادة عن هشام عند أبي معاوية الضرير وعبده ووكيع وأبي حنيفة الفقيه ويحيى بن هاشم ويحيى بن سليم الطائفي وحماد بن سلمة، وليس في هؤلاء مردود غير يحيى (٢) بن هاشم، أما طريق أبي معاوية وعباس ووكيع فرواها الترمذي (٣) وصححها ورواتها عنده متفق عليهم في الصحيحين. وأما رواية أبي حنيفة فذكرها أبو (٤) عمر بطرقها ولم يسندها (٥) فإن صحّت الطريق إليه فهي جيدة (٦).

стр. 1074

وأما طريق يحيى بن سُليم وهو ممن خرج له في الصحيحين (١)، فقد روينا من طريق السراج ثنا القاسم بن بشر بن معروف، ثنا يحيى بن سليم الطائفي، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن المستحاضة فقال رسول الله ﷺ : "إنما ذلك عرق، لتنظر قدر أقرائها، ثم لتكفّ عن الصلاة، فإذا ذهب أقراؤها فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة". فلا انفراد ولا تعارض واضطراب، ثم يقال لأبي عمر: لو أخذتم بالاحتياط هنا فأوجبتم الوضوء لكل صلاة، لكان أولى من قولكم بالاستظهار على أكثر مدّة الحيض احتياطًا للعبادة لأمرين: أحدهما: أن دعوى الاحتياط هناك متجاذبة بينكم وبين من يمنع الاستظهار، بل الاحتياط هناك لإتيان الصلاة المأمور بها بيقين راجح على احتياط المحرك حتى يرتفع ما يشك فيه من الدم الخارج هل هو مانع أم لا؟ الثاني: أن الحديث الذي ثبت فيه الأمر بالوضوء من بعض الطرق، ولم يثبت من بعضها ثابت الأصل والزيادة فيه عن حماد (٢) لو انفرد ثابتة أيضًا لاعترافكم بثقة حماد. والحديث المقتضي للاستظهار من حديث حرام بن عثمان شبه لا شيء لسقوط حرام عندهم.

стр. 1075

وأما أحاديث الاغتسال لكل صلاة أو صلاتين وقول أبي عمر إنها مضطربة لا تقوم بها حجة فنقول: المأمورة بذلك من المستحاضات فاطمة بنت أبي حبيش كما جاء في حديث سهيل بن أبي صالح وأم حبيبة بنت جحش كما جاء في خبر الزهريّ من طريق ابن إسحاق، وفي حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وحمنة بنت جحش كما جاء في حديث ابن عقيل، وهذه الأحاديث الثلاثة هي أصول هذا الباب كما تقدم عن أحمد، وما عداها فليس بشيء، وثبت الاغتسال الذي بعض طرقها كما ذكرناه، ولم يثبت في البعض، فمن رأى ذلك فيها اضطرابًا يقتضي الترك وردها به فمن أين يأخذ أحكام هذا الباب؟ لكنّا نقول: ليست مضطربة، ثم لنا في الجواب عن ما وقع من اختلاف هذه الألفاظ طريقان: الأول: أن نقول لعلّ الأمر بذلك الغسل حيث جاء ليس على الوجوب لثبوته في بعض الأحيان وسقوطه في بعضها, ولو كان واجبًا لثبت في كل حين، ويعضد هذا التأويل قوله ﵇ في حديث حمنة: "سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزأ عنك؛ فإن قويت عليهما فأنت أعلم"، وذكر الاغتسال لكل صلاتين، ثم قال عند تمامه: "وكذلك فافعلي وصومي إن قويت على ذلك"، فقال رسول الله ﷺ : "هو أعجب الأمرين إليّ"، ولا يخلو الحديث من محذوف، وهو قولها: إنها قويت، وبذلك يتوجه أن يكون قوله ﵇: "هو أعجب إلي"؛ جوابًا عن قولها: إنها قويت، ولو كان الاغتسال واجبًا لما حصل فيه تخيير ولتوجه الأمر به على الجزم، وفي كون الاغتسال هو المقدم في الذكر والأعجب إلى رسول الله ﷺ ما يشير إلى أن الثاني من الأمرين وإن لم يذكر هو عدم ذلك الاغتسال، والاقتصار على الوضوء، والله أعلم.

стр. 1076

الطريق الثاني: وهو الأظهر، أن يحمل الأمر في ذلك حيث جاء على الوجوب، غير أنا نقول: لعلّ أحوال هؤلاء المستحاضات اختلفت، فحيث أمرن بالاغتسال لإدبار الحيض فقط كن ذوات تمييز أو اعتياد، فانقطع اللبس بالردّ إلى ذلك. وحيث أمرن بالاغتسال لكلّ صلاة أو صلاتين كانت حلة الحيض من الاستحاضة مجهولة عندهنّ ولم تتبيّن إما لنسيان مدة الحيض أو قدره أو غير ذلك، فيكون السؤال قد وقع منهن حيث يمكن الردَ إلى التمييز أو العادة فرددن إلى ذلك، ووقع منهنّ حيث لم يمكن فأُمرن بذلك الاغتسال وروي لنا ما وقع من ذلك في أوقات مختلفة في وقت واحد بألفاظ مختلفة، ويعضد هذا التأويل من حيث النقل أن ما سقناه من خبري فاطمة وأم حبيبة من طريقي ابن إسحاق وسُهيل بن أبي صالح تضمّن الأمر بالغسل لكل صلاة أو صلاتين، ولم يتضمَّن الرد إلى عادة ولا إلى تمييزٍ، وما أوردناه من غير هذين الطريقين مما يقتضي الرد إلى تمييزٍ أو عادة، ولم نر فيه للأمر بالاغتسال للصلوات ذكرًا فتبيّن لنا بذلك اختلاف الحال، وحتى لو اجتمع لنا ذلك كله في خبر واحد ولم نر ذلك بعد لحملناه على أنه تخليط من الراوي وإدخال منه للفظ حديث في لفظ حديث آخر يشبهه لما ذكرناه من التفصيل. ويعضده من حيث المعنى أن هذا الاغتسال إنما ينبغي أن يؤمر به حيث يجهل الحال في الدم الخارج، هل هو دم حيض أو استحاضة، فمتى علمنا أنّه دم استحاضة كان حكمها بالطهارة بيقين، ولا غسل على طاهر، والله أعلم. * * *

стр. 1077

٩٤ - باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكلّ صلاة ثنا قتيبة: نا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ أنَّه قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي". حدثنا علي بن حُجْر أنا شريك نحوه بمعناه. قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرّد به شريك عن أبي اليقظان قال: وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: عديّ بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه، جد عدي بن ثابت ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به. وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها، وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل أجزأها (١). * الكلام عليه: أخرجه أبو (٢) داود وابن (٣) ماجه، وسكت الترمذي عن هذا الحديث فلم يحكم عليه بشيء، وليس من باب الصحيح، ولا ينبغي أن يكون من باب الحسن لضعف راويه عن عديّ بن ثابت وهو أبو اليقظان (٤)، واسمه عثمان بن عمير بن قيس

стр. 1078

البجلي الكوفي، وهو الذي يقال له عثمان بن أبي حميد، ويقال له: عثمان بن أبي زرعة، وعثمان أبو اليقظان، وأعشى ثقيف فكلّه واحد. وقال مسلم (١) في "الكنى": عثمان بن عمير، ويقال له: عثمان بن قيس، روى عن أنس بن مالك، وزيد بن وهب، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وزاذان الكندي، وأبي حرب بن أبي الأسود، وعديَ بن ثابت. روى عنه: الأعمش، وشريك بن عبد الله، وحجاج بن أرطاة، وليث بن أبي سليم، وسفيان الثوري. قال يحيى (٢) بن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو (٣) حاتم: ترك ابن مهدي حديثه. وسئل عنه أبو خيثمة فضعفه. وقال ابن (٤) أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وذكر أنه مرة (٥) روى عن شيخ، فقال له شعبة: كم سنّك؟ قال: كذا، فإذا قد مات الشيخ وهو ابن سنتين. وقال أبو (٦) أحمد الحاكم في كتابه "الكنى": ليس بالقوي عندهم، وسمعت

стр. 1079

أبا الحسين محمَّد بن إبراهيم بن شعيب المغازي يقول: سمعت أبا حفص -يعني عمرو بن علي- يقول: حدثت يحيى بن سعيد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عثمان بن قيس، عن زاذان، عن علي في قوله: ﴿إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾، قال: هم أطفال المسلمين فاستحسنه، ثم قال: هذا عثمان بن عمير ولم يرضه. وقال ابن (١) أبي حاتم: كان ضريرًا، وقال أيضًا: لم يرضه يحيى بن سعيد ولا عبد الرحمن بن مهدي. وقال النسائي (٢): ليس بالقوي. وقال الدارقطني (٣): ضعيف. وقال ابن (٤) حبّان: اختلط (٥) حتى لا يدري ما يقول (٦)، لا يجوز الاحتجاج به (٧). روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (٨)، وقد قال أبو داود (٩): وأما حديث عديّ بن ثابت وحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت وحديث أيوب عن العلاء

стр. 1080

يعني في ..... فهي كلّها ضعيفة لا تصحّ. وذكر الترمذي (١) في كتاب "العلل": أنّه سأل محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، ثم ذكر في اسمه نحو ما حكيناه عنه. وسمعت شيخنا الإِمام الحافظ أبا محمَّد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي -رحمه الله تعالى- عند ما قرأت عليه "صحيح مسلم"، ومر بنا حديث من رواية عدي بن ثابت هذا، فقال: هو عدي بن أبان بن ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري، وذكر أن الترمذي (٢) سأل ابن معين عنه فقال: اسمه دينار، وهو وهم. انتهى. وعديّ (٣) هذا من الثقات المخرج لهم في الصحيح (٤)، وثقه أحمد (٥) بن حنبل، وقال أبو (٦) حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم. روينا من طريق أبي (٧) داود: ثنا وهب بن بقيّة: أنا خالد -هو الطحان (٨) - عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا،

стр. 1081

فلم تصلِّ، فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! هذا من الشيطان، لتجلس في مركن، فإذا رأت الصفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا، وتوضّأ فيما بين ذلك". قال أبو داود: رواه مجاهد عن ابن عباس قال: لما اشتدّ عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين. وفي الباب مما لم يورده حديث عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّي امرأة استحاض فلا أطهر, أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنَّما ذلك عرق، وليست بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وإن قطر الدم على الحصير". رواه الدارقطني (١) من حديث الأعمش، وأبو داود (٢) من حديث وكيع عن الأعمش (٣) عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عنها، وكذلك روته قمير امرأة مسروق عن عائشة، وقد اختلف في رفعه، وهو عند الدارقطني. وأما حديث حماد بن سلمة الذي سبقت الإشارة إليه في الباب قبل هذا فروينا من طريق الدارمي (٤): أنا حجاج بن منهال: نا حماد بن سلمة: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إنِّي امرأة استحاض أفأترك الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي".

стр. 1082

وأما حديث حمّاد بن زيد فروينا من طريق أبي عبد الرحمن النسائي (١): أنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبي ﷺ ، فذكر نحو ما تقدّم: "فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي وصلّي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة". قال الترمذي (٢): وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكلّ صلاة هو أحوط ولها الفضل (٣). وتوجيه هذا المذهب حمل الأمر بالاغتسال حيث جاء على الندب، وقد تقدّم في الباب قبل هذا، والاقتصار على ذكر الصوم والصلاة في هذا الحديث قد يتمسّك به من يمنع من وطء المستحاضة كما حكيناه عن جماعة من السلف؛ لأنّه لو أبيح كما أبيح غيره لذكر كما ذكر غيره. وأما من أباح ذلك كما ذهب إليه الجمهور فيقول: لا يلزم من عدم ذكره هنا عدم إباحته؛ لأن المراد أنّها تغتسل، ثم حكمها الطهارة، وعبر عت ذلك بأنها تصوم وتصلي كأنه قال: وبفعل ما منعها منه الحيض. وأما الوضوء فإنّها تتوضأ لكلّ فريضة ولا تصلي فريضتين بطهارة واحدة، ولا بدّ أن يكون ذلك للصلاة بعد دخول وقتها كالتيمم، ذكره الرافعي (٤)، وحكي عن الشيخ أبي (٥) محمَّد: أنه يجوز أن يقع طهارتها قبل الوقت بحيث ينطبق آخرها على

стр. 1083

أول الوقت، وتصلي به الصلاة. والمذهب الأول لا بد أن يتقدمه من التلجُّم والاستثفار ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا. قال (١): وينبغي أن تبادر إلى الصلاة عقيب احتياطها وطهارتها، فلو أخرت بأن توضأت في أول الوقت وصلّت في آخره أو بعد خروج الوقت نظر إلى علة (٢) هذا التأخير، فإن كان بسبب من أسباب الصلاة كستر العورة أو (٣) الاجتهاد في القبلة والأذان والإقامة وانتظار الجمعة والجماعة ونحوها فيجوز، وإلا فثلاثة أوجه: أصحّها: المنع؛ لأن الحدث متكرر عليها وهي مستغنية عن احتمال ذلك قادرة على المبادرة. والثاني: الجواز كما في التيمم، ولو أنها لو أمرت بالمبادرة لأمرت بتخفيف الصلاة والاقتصار على الأقل. الثالث: أنّ لها التأخير ما لم يخرج وقت الصلاة، فإذا خرج فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة، وذلك لأن جميع ذلك (٤) الوقت في حق تلك الصلاة كالشيء الواحد، والوجوب فيه موسع (٥). قال الحافظ أبو (٦) محمَّد: وممن قال بإيجاب الوضوء لكل صلاة على التي يتمادى بها الدم من فرجها متصلًا بدم الحيض (٧) عائشة وعلي وابن عباس وفقهاء

стр. 1084

المدينة عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله ومحمد بن علي بن الحسين وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري، وذكره (١) أيضًا عن هشام (١) بن عروة. وقد تقدّم في الباب قبل هذا حكايتنا عن مالك أنه يستحبّه ولا يوجبه؛ فهو على هذا مما خالف فيه مالك فقهاء المدينة، وتقدّم أيضًا ما حكيناه عن أبي حنيفة أنَّ الوضوء عنده لوقت الصلاة، فلها أن تصلي بالوضوء الذي توضأته للصلاة فريضة وقتها وما شاءت من النوافل والصلاة المقضية ما دام وقت تلك الصلاة التي توضأت لها باقيًا. واختلف القائلون بذلك في انتقاص طهارة ذوي الأعذار، هل هو عند خروج الوقت أو دخوله أو عند أيهما وجد؟ قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: عند خروج الوقت لا غير. وقال زفر: عند دخوله لا غير. وقال أبو يوسف: عند أيّهما وجد. وثمرة الخلاف تظهر في موضعين: أحدهما: أن يوجد الخروج بغير دخول كما إذا توضؤوا قبل الزوال ثم زالت الشمس لا ينتقض عند أبي حنيفة ومحمد، هذا هو المعروف في كتبهم، وقال القدوري: عند أصحابنا يصلي به الظهر لعدم الخروج. وقال زفر: لا يجوز لوجود الدخول، ووجه قول زفر أنه لا ضرورة قبل الوقت لعدم وجود المكتوبة حتى لو صلاها لا يجوز. وأبو يوسف يقول: الضرورة مقصورة على الوقت، فلا يبقى إذا وجد خروج أو

стр. 1085

دخول، وهما يقولان: وقت الأداء شرعًا أقيم مقام الأداء فعلًا، فلا بدّ من تقديم وقت الطهارة على وقت الأداء حقيقة، فكذا لا بد من تقديمه شرعًا حتى يتمكن من شغل جميع الوقت بالأداء وهذه الحاجة تندفع بخروج الوقت، فيظهر حكم الجنب السابق، ولما رأى مشايخهم الخلاف على دخول الوقت وخروجه قالوا: ينتقض طهارتهم بخروج الوقت وبدخوله ليسهل الحفظ على المتعلّمين، لا أنّ للخروج والدخول تأثيرًا في انتقاضها والله أعلم. * * *

стр. 1086

٩٥ - باب ما جاء في المستحاضة أنّها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد حدثنا محمَّد بن بشار: نا أبو عامر العقدي: ثنا زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أُسْتحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله، إني أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها، قد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: "أنعت لك الكُرْسُف، فإنّه يذهب الدم". قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "فتلجّمي". قالت: هو أكثر من ذلك، قال: "فاتخذي ثوبًا". قالت: هو أكثر من ذلك، إنّما أثجّ ثجًّا. فقال النبي ﷺ : "سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويت عليهما فأنتِ أعلم، فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي أربعة (١) وعشرين ليلة، أو ثلاثة (٢) وعشرين ليلة وأيامها فصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن فإن قويت على أن تؤخرين (٣) الظهر وتعجلي (٣) العصر، ثم تغتسلين حتى (٤) تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين الغرب وتعجلين العشاء،

стр. 1087

ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي وصومي إن قويت على ذلك"، فقال رسول الله ﷺ : "هو أعجب الأمرين إليّ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد (١) الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمَّد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة -إلا أنّ ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح عمران بن طلحة-. وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن (٢)، وهكذا قال أحمد (٣) بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، وإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفرة، فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض، فإنّها تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وإذا استمرّ بها

стр. 1088

الدم ولم يكن لها أيام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش (١). وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمرّ بها الدم في أول ما رأت فدامت على ذلك فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يومًا، فإذا طهرت في خمسة عشر يومًا (٢) فإنا تقضي صلاة أربع عشر يوما، ثم تدع الصلاة بعد ذلك أقل ما تحيض النساء وهو يوم وليلة. قال أبو عيسى: واختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره؛ فقال بعض أهل العلم: أقلّ الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك، وروي عنه خلاف هذا. وقال بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح: أقلّ الحيض يوم، وأكثره خمس عشرة، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد (٣). * الكلام عليه: أخرجه أبو داود (٤) وابن (٥) ماجه وصححه الترمذي (٦)، ونقل عن البخاري (٧)

стр. 1089

وأحمد (١) من التصحيح والتحسين ما ذكرناه. وقال البيهقي (٢): تفرّد به عبد الله بن محمَّد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به. وأما ابن (٣) منده فقال: لا يصحّ عندهم بوجه من الوجوه لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه، ذكر ذلك عنه شيخنا الإِمام الحافظ أبو (٤) الفتح القشيري -رحمه الله تعالى- وتعقبه بالردّ عليه وإنكار هذا الإطلاق (٥) على ابن عقيل، ولم يَعْدُ القشيري منهج الصواب. وذكر الترمذي (٦) في كتاب "العلل": أنَّه سأل البخاري عن هذا الحديث

стр. 1090

فقال: هو حديث حسن إلا أنّ إبراهيم بن محمَّد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمَّد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح. انتهى. وهذا القول عن البخاري لا أعلم له وجهًا (١)؛ إبراهيم بن محمَّد بن طلحة مات سنة عشر ومائة، فيما قاله أبو عبيد (٢) القاسم بن سلام وعلي (٢) بن المديني وخليفة (٣) بن خياط، وهو تابعي (٤) سمع أبا أسيد الساعدي وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة وعائشة ﵃ (٥). وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك والرُّبيِّع بنت معوّذ ﵃، فكيف ينكر سماعه من إبراهيم بن محمَّد بن طلحة لقدمه، وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم؟ وهم نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة، ولو توقف عن القول بسماعه من ابن طلحة معلّلًا ذلك بعلّة غير القدم، أو غير معلّل له بعلة لما توجه إنكاره، وفي صحة هذا عن البخاري عندي نظر (٦). والطريق الثاني التي ساق الترمذي (٧) منها هذا الحديث هي أسلم طرقه من العلل، وأبعدها عن المطاعن، وليس فيها من ينظر في أمره غير ابن عقيل، وقد تقدّم
следующие страницы →