← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال أحمد (١): "أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك -وإن كان مرسلًا- فإن مخرجه حسن". قال الحافظ ضياء الدين، محمد بن عبد الواحد المقدسي: "سماه مرسلًا، لأن عراكًا لم يسمع من عائشة". قال الحافظ أبو الحسين القرشي ﵀ (٢) -: "وفي سماع عراك من عائشة نظر، فإنه إنما يروي عن عروة عن عائشة". وقال موسى بن هارون: "لا نعلم له سماعًا من عائشة، وقد أجرج مسلم (٣) عن عراك بن مالك الغفاري عن عائشة: أنها قالت: "جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات ... " الحديث. قال أبو الفضل الحافظ حفيد أبي سعد الزاهد -في كلامه على هذا الحديث-: "هذا عندنا حديث مرسل"، واستدل بقول أحمد، وموسى بن هارون. ولم يخرج البخاري لعراك عن عائشة، شيئًا. وعراك بن مالك الغفاري المدني (٤) هذا، روى عن: عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، ونوفل بن معاوية، وغيرهم. روى عنه: سليمان بن يسار، وجعفر بن ربيعة، وابنه خُثيم بن عراك وغيرهم. وثقه الرازيان.

стр. 107

وقال عمر بن عبد العزيز: "ما رأيت أكثر صلاة منه". وقال عبد العزيز بن عمر: "ما كان أبي يعدل بعراك أحدًا". وقال الواقدي: "توفي بالمدينة في خلافة زيد بن عبد الله، روى له الجماعة". قال أبو الحسين القرشي الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وحديثه عن رجل عنها، لا يدل على عدم سماعه منها بالكلية، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله، محمول على السماع عند مسلم -رحمه الله تعالى- حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نص عليه في مقدمة كتابه، فسماع عراك من عائشة ﵂ جائز ممكن، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة". وقال ابن أبي حاتم: "ساكت أبي عن حديث حماد، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة ... الحديث. فقال إني لم أزل أقفو أثر هذا الحديث حتى كتبت عن إسحاق بن بكر بن مضر، عن (١) بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروه، عن عائشة موقوف وهذا أشبه". * وقول الإمام أحمد، في حديث عراك عن عائشة: إنه أحسن ما روي في الرخصة، لعله يريد: أحسن في الاستدلال، وأصرح في الرخصة وإلا فحديث ابن عمر مخرج في الكتب الستة -كما قلنا- ولا علة تلحقه فيما نعلم. وفي حديث عراك ما تقدمت الإشارة إليه، من الخلاف في الاتصال، والراجح عدمه. ومما يعلَّل به أيضًا ما ذكره الترمذي في "العلل" (٢): أنه سأل البخاري عنه، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها.

стр. 108

قلت: وقد رواه حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك. وغيره يرويه عن خالد الحذاء،،، عن عراك، فسقط ابن أبي الصلت منه. وذكر الترمذي في كتاب "العلل" -أيضًا- أن حديث جابر، عن أبي قتادة، غير محفوط (١). وقال -في حديث جابر المخرَّج عنده هنا-: "إنه سأل محمدًا عنه، فقال: رواه غير واحد، عن محمد بن إسحاق (١). فلعل غرابته عمن فوق محمد بن إسحاق فيه، وهي غرابة لا تنافي الحسن الذي وصفه به، فإنها ترجع إلى بعض الإسناد، وقد ذكر أن في بعض الحديث الذي وصفه بذلك، أحاديث عن قوم من الصحابة، سماهم، فلا يعترض عليه في وصفه بعد بالحسن، فهو حسن لمحل محمد بن إسحاق. وأما أبان بن صالح (٢): فشيخ مكي، يروي عن: أنس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وغيرهم. روى عنه: ابن عجلان، وابن إسحاق، والحارث بن يعقوب، وابن جريج، وغير واحد. وثقه الرازيان، ويعقوب بن شيبة، ولم يخرج له مسلم، ولا البخاري، في الأصول، ولكن البخاري أخرج له استشهادًا (٣) -في باب هل على من لا يشهد الجمعة غسل، من النساء والصبيان- عن مجاهد (٤).

стр. 109

وفي "الجنائز" عن الحسن بن مسلم (١). توفي سنة تسع عشرة ومئة، بعسقلان، وكان مولده سنة ستين. وقد ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي، فقال: "روى [له] البخاري". وأطلق وذلك في العرف محمول على الاحتجاج، ولم يقع حديثه عند البخاري كذلك، فليعلم. وزعم أبو عمر: أن حديث جابر لا يحتج به، لضعف أبان بن صالح، وعلله أيضًا بما خالف فيه ابن لهيعة، من سنده ومتنه، وليس ذلك بطائل. أما أبان: فليس مضطربًا، فقد قلنا بتوثيقه عن غير واحد، وأما الاضطراب، فقد رجح الترمذي حديث أبان على حديث ابن لهيعة، والله أعلم. وذكر أبو محمد ابن حزم: "أن عبد الرزاق أخطأ فيه، فرواه عن خالد الحذاء، عن كثير بن الصلت، لأن الحذاء لم يدرك كثيرًا قَط" (٢). قد نبهنا على كون الحديث حسنًا، وكونه غريبًا، وعلى أن الجمع بينهما على هذه الصورة لا يتنافى لكن فيما ذكرته، من كونه حسنًا، أنه من رواية محمد بن إسحاق، وليس التحسين من عمل الترمذي في أحاديث ابن إسحاق مطردًا، فإنه تارة يصححها، وتارة يحسنها، فيحتاج إلى التنبيه على ما صححه منها في مواضعه، لم كان صحيحًا؟ وعلى ما حسنه في مواضعه، وهو أولى بالتنبيه، ما الذي قصر به عن التصحيح؟ وهو ربما صحح حديثه في غير ذلك الموضع. فنقول: هنا قد حصل فيه مع رواية ابن إسحاق، تفرد أبان بن صالح به،

стр. 110

الذي كان لأجله غريبًا كما ذكر أبو عيسى، وقد تبين من حال أبان، أن أقصى ما يتفرد به، أن يكون حسنًا على ما سبق بيانه، فانضم إلى رواية ابن إسحاق من تفرد أبان، ما قصر به عن الصحة، وفيه مع ذلك الخلف الواقع في إسناده، هل هو من رواية جابر عن النبي ﷺ -أو من رواية جابر، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ . على أن هذا الخلاف لا يضر؛ لأمرين: * أحدهما: كون رواية أبي قتادة غير محفوظة، كما تقدم. * الثاني: أن كلًّا من جابر وأبي قتادة صحابي، فسواء ثبت الثاني أو سقط. وأما حديث أبي قتادة: فقد أعله بابن لهيعة، وقال: ضعفه يحيى القطان، وغيره. فلنذكر ما حضر من ذكر ابن لهيعة، ليعلم حاله: وهو (١) عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان، أبو عبد الرحمن، الحضرمي الأعدولي -من أنفسهم- ويقال: الغافقي المصري، قاضي مصر. سمع: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن هبيرة السبائي، وأبا الزبير المكي، ومحمد بن المنكدر، وعمارة بن غزية، ويزيد بن أبي حبيب، ومشرح بن هاعان، وعمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب، وأبا قبيل حيي بن هانئ، والحارث بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن عمرو المعافري، وحبان بن واسع، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبا عُشّانة المعافري، وأبا الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، وصالح بن أبي عَريب، وأبا يونس مولى أبي هريرة، وأبا السمح درّاجًا، وسالمًا أبا النضر، وعياش بن عباس، وأبا صخر حميد بن زياد، وخالد بن أبي عمران.

стр. 111

وقال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًّا. روى عنه: الأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعثمان بن حكيم الجذامي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن صالح -كاتب الليث-، والوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد. وسمع منه قبل احتراق كتبه: منصور بن عمار وقتيبة بن سعيد، وعمرو بن خالد الحراني، وأسد بن موسى، ومحمد بن رمح، ومحمد بن الحارث المصري المعروف بـ "صُدْرة"، وأشهب بن عبد العزيز، وزيد بن الحباب، وعثمان بن صالح السهمي، ومروان بن محمد الطاطري، ومُجّاعة بن ثابت، ومحمد بن معاوية النيسابوري، وكامل بن طلحة الجحدري، وحجاج بن سليمان الرعيني، وسعيد بن كثير بن عفير. ذكر الحسن بن رشيق: عن الثوري أنه قال: عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع. وقال سفيان: حججت حججًا لألقى ابن لهيعة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: وددت أني سمعت من ابن لهيعة خمس مئة حديث، وأني غرمت مادا (١). وقال ابن مهدي: ما أعتد بشيء سمعته من ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك، ونحوه. وحدث ابن وهب بحديث، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني به -والله- الصادق البار، عبد الله بن لهيعة.

стр. 112

وقال عثمان بن سعيد: "قلت ليحيى بن معين: كيف رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير، عن جابر؟ قال: ابن لهيعة ضعيف الحديث" (١). وقال ابن أبي مريم: "رأيت ابن لهيعة يعرض عليه ناس من الناس أحاديث من أحاديث العراقيين، فأجازه لهم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن هذه الأحاديث ليست من أحاديثك، فقال: هي أحاديث قد مرّت على مسامعي" (٢). وقال أبو حاتم: سألت أبا الأسود، قلت: كان ابن لهيعة يقرأ ما يدفع إليه؟ قال: كنا نرى أنه لم يفته من حديث مصر كثير شيء، وكنا نتتبع أحاديث من حديث غيره، عن الشيوخ الذين يروي عنهم، فكنا ندفعها إليه فيقرؤها. وقيل لابن مهدي: تحمل عن عبد الله بن يزيد القصير عن ابن لهيعة؟ قال: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلًا ولا كثيرًا، ثم قال عبد الرحمن: كتب إليّ ابن لهيعة كتابًا فيه: ثنا عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرج إليّ ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، فإذا حدثني إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب. وروى ابن عدي من طريق عثمان بن سعيد، ومن طريق معاوية عن يحيى تضعيفه (٣). وروى عنه من طريق عباس الدوري: "لا يحتج به" (٤).

стр. 113

وذكر علي ابن المديني؛ قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال لي بِشر بن السَّري: لو رأيت ابن لهيعة لم تحمل عنه حرفًا". وقال الحميدي: عن يحيى بن سعيد، كان لا يراه شيئًا (١). وذكر عن يحيى بن معين، أنه قيل له: أنكر أهل مصر احتراق كتب ابن لهيعة، فقال: "هو ضعيف قبل الاحتراق وبعده" (٢). وذكر عن السعدي: ابن لهيعة لا يوقف على حديثه، ولا ينبغي أو يحتج أو يعتد (٣) بروايته. وقال ابن بكير: "احتراق منزل ابن لهيعة وكتبه سنة تسع وستين ومئة" (٤). وقال البخاري .. نحوه (٥). وقال أحمد بن حنبل: ثنا إسحاق بن عيسى؛ قال: احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين، ولقيته أنا سنة أربع وسبعين ومئة، وأظنه قال: ومات سنة أربع (٦). وقال أبو أحمد بن عدي: وأحاديثه حسان، وما قد ضعفه السلف، وهو حسن الحديث، يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث.

стр. 114

وحديثه حسن، كأنه بستان (١) عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: احترقت كتبه، ومن كتب عنه قبل ذلك مثل: ابن المبارك، والمقري، أصح ممن كتب بعد الاحتراق. وقال النسائي: "هو ضعيف" (٢). وقال مروان: قلت لليث بن سعد -ورأيته نام بعد العصر-: أتنام بعد العصر، وقد حدثنا ابن لهيعة، عن عقيل، عن مكحول، عن النبي ﷺ : "من نام بعد العصر فاختلس عقله، فلا يلومن إلا نفسه"، فقال الليث: لا أدع ما ينفعني لحديث ابن لهيعة عن عقيل (٣). وقال محمد بن سعد: كان ضعيفًا، وعنده حديث كثير، ومن سمع منه في أول أمره أحسن حالًا ممن سمع منه بأخرة. وأما أهل مصر، فيذكرون أنه لم يختلط، ولم يزل أول أمره وآخره واحدًا، ولكن كان يُقْرأ عليه ما ليس من حديثه، فقيل له في ذلك، فقال: وما ذنبي؟ إنما يجيئوني بكتاب يقرؤونه، ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي (٤). وقال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء " إلا أن ابن المبارك, وابن وهب، كانا يتتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به (٥). وقال ابن حبان: سبرت أخبار ابن لهيعة، فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء، على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي؛ ما دفع إليه، قرأه سواء كان من حديثه

стр. 115

أو لم يكن من حديثه، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه، قبل احتراق كتبه، لا فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين، بعد احتراق كتبه، لا فيها مما ليس من حديثه (١). وقال أبو بكر الخطيب: حدث عن ابن لهيعة: سفيان الثوري، ومحمد بن رمح، وبين وفاتيهما أربع وتسعون سنة (٢). ومات ابن لهيعة سنة أربع وسبعين ومئة، في خلافة هارون، وصلى عليه داود بن يزيد الأمير، وكان مولده في سنة سبع وتسعين. وقال ابن أبي خيثمة: "سمعت ابن معين يقول: ليس بذاك". قال: "وقال -مرة-: ليس حديثه بالقوي". وقال الآجري: قال أبو داود: أنكر ابن أبي مريم احتراق كتبه، وقال: لم يحترق له ولا كتاب، إنما أراد أن يوقفوا (٣) عليه أمير مصر، فأرسل إليه خمس مئة دينار. قال أبو داود (٤): سمعت أحمد يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر، في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه؟ وحدث عنه أحمد بحديث كثير. قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد، يقول لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن وهب، أو ابن أخيه -يعني ابن أخي ابن لهيعة- إلا ما كان من حديث الأعرج.

стр. 116

وقال البيهقي: كان مالك يحسن القول في ابن لهيعة، ويقال: إنه روى عنه حديث العُربان في "الموطأ"، عن الثقة -عنده- عن عمرو بن شعيب، ويقال: ابن وهب، حدثه عن ابن لهيعة. رقي (١) إلي الشيء: بكسر القاف، ورُقيًّا، ورُقُوًّا: صعد، وارتقى، وترقى، مثله، ورقى غيره، والمَرْقاة، والمِرْقاة: الدرجة، ونظيره: مَسْقاة، مِسْقاة، ومَثْناة، ومِثْناة، للحبل. ومَبْناة، ومِبْناة: للعيبة أو النِّطع -يعني: بفتح الميم وكسرها فيها- عن ابن سيدة (٢). وحكى القاضي عياض: رقيت بفتح القاف، بغير همز، وبالهمز أيضًا، وقال: هي لغة قليلة. وفي بعض ألفاظ الحديث -وليس مما في كتاب الترمذي- على لبنتين، يقال: لَبِنَة، ولَبِن، مثل: كَلِمة وكَلِم، ويقال لِبْنة، ولِبَن، مثل: لِبْدة، ولِبَدْ. قد تقدم فيما حكيناه: أن من ذهب إلى النسخ في حديث أبي أيوب، وما في معناه، تمسك بهذه الأحاديث، وأن الراجح من هذه المذاهب، القول بالتخصيص، والتفرقة بين الصحاري، وما يتخذ في البيوت من الكُنُف، وروى أبو داود من حديث مروان الأصفر؛ قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته، مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (٣). ورواه أبو داود عن محمد بن يحيى الذهلي، عن صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان عنه (٣). وأما الحديث الذي رواه عبد الرزاق عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام؛

стр. 117

قال: سمعت طاوسًا يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم البراز، فليكرم قبلة الله فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها". رواه الدارقطني مسندًا، ومرسلًا، وكرواية عبد الرزاق، رواه وكيع عن زمعة، وكذلك رواه عبد الله بن وهب عن زمعة، عن سلمة، وابن طاوس، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا. ورواه سفيان بن عيينة: أنه سمع طاوسًا ولم يرفعه. وقال ابن المديني: قلت لسفيان: أكان زمعة يرفعه؟ قال: نعم، وسألت سلمة عنه، فلم يعرفه، -يعني: لم يرفعه-. وذكر عبد الحق: أن أحمد بن الحسن الضري، أسنده، وهو متروك، فقدح في مسنده، لا في مرسله. وقال ابن القطان (١): إن مرسله يدور على زمعة بن صالح، ضعفه أحمد، وأبو حاتم. فالعمل فيه متروك اتفاقًا فهذه مقدمة على علة الإرسال لأن تلك مختلف فيها، وهذه متفق عليها (٢). وقال الشافعي -في رواية الربيع عنه-: حديث طاوس هذا مرسل وأهل الحديث لا يثبتونه، ولو ثبت كان كحديث أبي أيوب، وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ مسند حسن الإسناد، وأولى أن يثبت منه -لو خالفه-، وإن كان قال طاوس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها، فإنما سمع -والله أعلم- حديث أبي أيوب عن رسول الله ﷺ فأنزل ذلك على إكرام القبلة؛ وهي أهل أن تكرم،

стр. 118

والحال في الصحارى، كما حدث أبو أيوب، وفي البيوت، كما حدث ابن عمر، لا أنهما مختلفان. قال الشيخ أبو العباس القرطبي: وقد ذهب بعض من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا: إلى أن حديث ابن عمر، لا يصلح لتخصيص حديث أبي أيوب، لأنه فِعْل في خلوة، وهو محتمل للخصوص، وحديث أبي أيوب قول، قُعِّدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى. والجواب: أما فعله ﵇، فأقل مراتبه أن يحمل على الجواز بدليل مطلق اقتداء فعل الصحابة به، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وبدليل قوله ﷺ لعائشة حين سألتها المرأة عن قبلة الصائم: "ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ "، وقالت عائشة: [فعلته] أنا ورسول الله ﷺ - فاغتسلنا؛ تعني: التقاء الختانين. وقبل ذلك الصحابة، وعملوا عليه، وأما كون هذا الفعل في خلوة فالحدث كله كذلك؛ لا يفعل إلا في خلوة، ويمنع أن يفعل في الملأ ومع ذلك، فقد نقل وتحدث به، سيما وأهل بيته كان ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة. وأما دعوى الخصوص: فقال أبو العباس: لو سمعها النبي ﷺ لغضب على مدعيها، كما قد غضب على من ادعى تخصيصه بجواز القُبلة، حتى قال: "والله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده"، في كلام كثير، ذكره أبو العباس. ويكفينا في رد دعوى الخصوصية: أن الأصل عدمها، ولعل ما قد يتطرق إلى حديث ابن عمر، وحديث جابر، من هذه الاحتمالات -وإن كانت ضعيفة- هو

стр. 119

المقتضي لقول الإمام أحمد في حديث عراك الغفاري: إنه أحسن ما في هذا الباب، مع إرساله- وقد تقدم. وأما حديث ابن عمر: فيصلح دليلًا على المذهب الرابع الذي يفرق فيه بين الاستقبال والاستدبار، فيمنع الاستقبال، ويباح الاستدبار، وذلك أن حديث أبي أيوب عام فيهما معًا، والعام إذا ثبت تخصيصه في صورة، كان فيما عداها باقيًا على عمومه، ولم يخص حديث ابن عمر، مما تناوله حديث أبي أيوب، إلا الاستدبار فقط، فبقي الاستقبال المنهي عنه في حديث أبي أيوب بحاله، ولا يحسن في الاستقبال، أن يقاس عليه لأمرين: أحدهما: أنه أفحش من الاستدبار على كلا التعليلين: من حرمة القبلة -كما هو الراجح عند أصحاب الإمام مالك ﵀ أو من حرمة المصلين، -كما اختاره أصحابنا-. الثاني: أنّه تقديم للقياس، على مقتضى العموم، وفيه ما فيه كما هو معروف في أصول الفقه، فهذا ما في حديث ابن عمر. وأمَّا حديث جابر: "فرأيته قبل أَن يُقبض بعام يستقبلها" تضمن أيضًا ذكر الاستقبال، فاستفيد الحكمان مِن الحديثين معًا، ولذلك أَودعهما الترمذي كتابه، وقدم حديث الاستقبال، إذ هو الأهم، كما أشرنا إِليه وأخَّر حديث الاستدبار -وإن كان أَقوى سندًا وأَصح مخرجًا- ولم يذكر حديث عائشة إلَّا بطرف منه، لمحل الإِرسال والاستفتاء عنه بما ذكره وإِذا قلنا بالتخصيص، كما ذهب إليه الشافعي ﵀ ومن حكينا ذلك عنه، فالختار عند أَصحابنا أنه إِنما يجوز الاستقبال، والاستدبار في البنيان إذا كان قريبًا مِن ساتر -جدارٍ أو نحوه- بحيث يكون بينه وبينه ثلاثةَ أذرع فما دونها، وبشرط آخر، وهو: أَن يكون الحائل مرتفعًا، بحيث يستر

стр. 120

أَسافل الإنسان، وقدروه بأخرة الرَّحل، وهي نحو ثُلثي ذراع فإنْ زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أَذرع، أو قَصُر الحائل عن أُخرة الرحل، فهو حرام كالصحراء، إلا إِذا كان في بيت بُني كذلك فلا حجر فيه كيف كان، قالوا: ولو كان في الصحراء، وتستر بشيء -على الشرط المذكور-، زال التحريم، فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيَحِلُّ في الصحراء والبنيان، بوجوده، ويَحرُم فيهما بعدمه، هذا هو الصحيح، المشهور عند أَصحابنا. ومن الأصحاب من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقًا، ولم يعتبر الحائل؛ فأباح في البنيان بكل حائل، وحرّم في الصحراء بكل حائل، والصحيح الأول وفرعوا عليه، فقالوا: لا فرق بين أن يكون الساتر: دابة أو جدارًا أو وهدة أو كثيب رمل أو جبلًا، أو أرخى ذيله مقابل القبلة، ففي حصول الستر وجهان لأصحابنا أصحهما -عندهم-، وأشهرهما: أنه ساتر، لحصول الحائل، والله أعلم. قال ابن عمر: "رقيت يومًا على بيت حفصة"، قال بعض أهل العلم: هذا الرقي من ابن عمر، الظاهر منه، أنه لم يكن عن قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجة غير ذلك. ويحتمل أن يكون ليطلع على كيفية جلوس النبي ﷺ للحدث، على تقدير أن يكون قد استشعر ذلك وأنه تحفظ من أن يطلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بعد، والله أعلم. * * *

стр. 121

٨ - باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا حدثنا علي بن حجر: أنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا، فلا تصدقوه؛ ما كان يبول إلا قاعدًا. قال: وفي الباب عن عمر، وبريدة. قال: وحديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر؛ قال: رآني النبي ﷺ وأنا أبول قائمًا، فقال: "يا عمر! لا تبل قائمًا" فما بلت قائمًا بعد. قال أبو عيسى: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم ابن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه. روى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: قال عمر: "ما بلت قائمًا منذ أسلمت". وهذا أصح من حديث عبد الكريم. وحديث بريدة في هذا غير محفوظ. ومعنى النهي عن البول قائمًا: على التأدب، لا على التحريم. وقد روي عن عبد الله بن مسعود؛ قال: "إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم". حديث عائشة: رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه (١)، ولم يذكر الترمذي من حكمه أكثر من أنه: "أحسن شيء في الباب وأصح"، وذلك لا يفيده في نفسه صحة ولا حسنًا.

стр. 122

فنقول: المقدام، وأبوه شريح، وُثِّقا، وانفرد بإخراجهما مسلم دون البخاري (١). وشريك (٢) لم يخرجا له؛ إلا أن مسلمًا أخرج له في المتابعات وكان ذا جلالة، وقدر، وعلم. وهو شريك بن عبد الله بن أنس، ويقال: ابن عبد الله بن أبي شريك، وهو أوس (٣) بن الحارث بن الأدهل بن وهبيل، وقيل: هبل بن سعد بن مالك بن النخع الكوفي، أبو عبد الله النخعي، ولد بخراسان (٤) نيسابور، ويقال: ولد ببخارى؛ مقتل قتيبة بن مسلم، سنة خمس وتسعين، أدرك عمر بن عبد العزيز، وسمع أبا إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وسماك بن حرب، وإسماعيل بن أبي خالد، وسلمة بن كهيل، والأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور بن المعتمر، في آخرين. روى عنه: يحيى القطان، ووكيع، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد السلام بن حرب الملائي (٥)، وجماعة يطول ذكرهم. قال أبو بكر الخطيب: وقال عبد الله بن محمود: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى الحماني يقول: قال لي عبد الله بن المبارك: أما يكفيك علم شريك؟! وقال شريك -في قصة-: فكنت أضرب اللبن، وأبيعه وأشتري دفاتر

стр. 123

وطروسًا، فأكتب فيها العلم والحديث، ثم طلبت الفقه، فبلغت ما ترى. وقال أبو أحمد الزبيري: "كنت إذا جلست إلى الحسن بن صالح، رجعت وقد نغَّص علي ليلتي، وكنت إذا جلست إلى سفيان الثوري، رجعت وقد هممت أن أعمل عملًا صالحًا، وكنت إذا جلست إلى شريك بن عبد الله، رجعت وقد استفدت أدبًا حسنًا". وقال حفصُ بن غياث: قال الأعمش -يومًا-: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، قال: فقدمنا شريكًا، وأبا حفص الأبار". وقال البغوي: ثنا داود بن رشيد: ثنا محمد بن معاوية النيسابوري؛ قال: سمعت عبادًا يقول: "قدم علينا معمر وشريك واسطًا، وكان شريك أرجح عندنا منه" (١). وقال العجلي (٢): شريك بن عبد الله النخعي القاضي، كوفيٌّ ثقة، وكان حسن الحديث، وكان أروى الناس عنه: إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي، سمع منه تسعة آلاف حديث". وقال سعدويه: سمعت ابن المبارك يقول: "كان شريك أحفظ لحديث الكوفيين من سفيان" -يعني: الثوري-. قال الخطيب: أنا الأزهري: أنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى: أنا مكرم بن أحمد: حدثني يزيد بن الهيثم البادا؛ قال: قلت ليحيى بن معين: زعم إسحاق بن أبي إسرائيل أن شريكًا أروى عن الكوفيين من سفيان, وأعرف بحديثهم، فقال: ليس يقاس بسفيان أحد، ولكن شريك أروى منه في بعض المشايخ: الرّكين،

стр. 124

والعباس بن ذريح، وبعض مشايخ الكوفيين -يعني: أكثر كتابًا- (١). قلت ليحيى: فروى يحيى بن سعيد القطان عن شريك؟ قال: لم يكن شريك عند يحيى بشيء وهو ثقة ثقة (٢). قال يزيد بن الهيثم: وسمعت يحيى يقول: "شريك ثقة، وهو أحب إلي من أبي الأحوص وجرير، ليس يقاس هؤلاء بشريك، وهو يروي عن قوم لم يرو عنهم سفيان" (٣). وقال عباس: قلت ليحيى: شريك أثبت أو أبو الأحوص؟ [قال: شريك. وروى أبو يعلى الموصلي عن يحيى مثله، وقال عئمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: فشريك أحب إليك منه يعني في أبي إسحاق أو إسرائيل؟] (٤) قال: شريك أحب إلي، وهو أقدم، وإسرائيل صدوق. قلت: فشريك أحب إليك في منصور أو أبو الأحوص؟ فقال: شريك أعلم به. قال عثمان: وأراه قال: وكم روى أبو الأحوص عن منصور. وذكر أبو بشر الدولابي: ثنا أبو عبد الله معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين؛ قال: "شريك بن عبد الله هو صدوق ثقة، إلا أنه إذا خولف مغيره أحب إلينا منه". قال أبو عبيد الله: وسمعت من أحمد شبيهًا بذلك.

стр. 125

وسئل أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن شريك وإسرائيل عن أبي إسحاق: أيهما أحب إليك؟ فقال: شريك أحب إلي؛ لأن شريكًا أقدم سماعًا من أبي إسحاق، وأما المشايخ فإسرائيل. قال: وشريك أكبر من سفيان. وقال يعقوب: قال أبو طالب: قال أبو عبد الله: "شريك أقدم من إسرائيل وزهير، وذاك أنه أسنهم". وقال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد بن حنبل: يحيى القطان إيش كان يقول في شريك؟ قال: كان لا يرضاه، وما ذكر عنه إلا شيئًا على المذاكرة حديثين. وقال أبو يعلى الموصلي: "وسئل يحيى بن معين: روى يحيى القطان عن شريك؟ فقال: لا، لم يرو يحيى عن شريك، ولا عن إسرائيل. ثم قال: شريك ثقة؛ إلا أنه كان لا يتقن، ويغلط، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة. وقال علي بن المديني: شريك أعلم من إسرائيل، [وإسرائيل] أقل خطأ منه، وذكر عن شريك؛ قال: كان عسرًا في الحديث، وإنما كان [شريك أعلم] حديث شريك وقع بواسط، قدم عليهم في حَفْرِ نَهْرٍ، فحمل عليه إسحاق الأزرق وغيره، قال علي: إن شريكًا قال: صليت مع أبي إسحاق ألف غداة. قال علي: وكان يحيى بن سعيد حمل عن شريك قديمًا، وكان لا يحدث عنه، وكان ربما ذكرها على التعجب، فكان بعضهم يحملها عنه. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن إسرائيل، ولا عن شريك، وكان عبد الرحمن يحدث عنهما. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قدم شريك مكة فقيل لي: لو أتيته، فقلت: لو كان بين يدي ما ساكته عن شيء، وضعف حديثه جدًّا. قال يحيى: "أتيته بالكوفة فإذا هو لا يدري".

стр. 126

وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: شريك ثقة، يخطئ على الأعمش، زهير وإسرائيل فوقه. وقال -مرة-: "أبو بكر بن عياش بعد شريك". وقال أبو حاتم الرازي: "شريك لا يحتج بحديثه". وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: شريك بن عبد الله سيئ الحفظ، مضطرب الحديث مائل. وقال محمد بن يحيى: سمعت أبا الوليد يقول: كان شريك يحدث بشيء، ويسبق إلى نفسه لا يرجع إلى كتاب. وقال يعقوب بن شيبة: شريك بن عبد الله ثقة صدوق، صحيح الكتاب، رديء الحفظ مضطربه. وقال أبو علي (١) صالح بن محمد: "شريك صدوق، ولما ولي القضاء اضطرب حفظه. وقل ما يحتاج إليه في الحديث الذي يحتج به. وقال عباس الدوري (٢): سمعت يحيى بن معين يقول: قال أبو عبيد الله -وزير المهدي- لشريك القاضي: أردت أن أسمع منك أحاديث. فقال: قد اختلطت علي أحاديثي، وما أدري كيف هي؟ فألحَّ عليه أبو عبيد الله، فقال: حدثنا مما تحفظ، [ودع ما لا تحفظ] فقال: أخاف أن تخرج (٣) أحاديثي ويضرب بها وجهي. وقال أبو كريب: سمعت يحيى بن يمان يقول: لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك، وأقعد معه جماعة من الشرط يحفظونه، ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه،

стр. 127

فبلغ الثوري أنه قعد من نفسه، فجاء فترايا له، فلما رأى الثوري قام إليه، فعظمه وأكرمه، ثم قال: يا أبا عبد الله هل من حاجة؟ قال: نعم، مسألة. قال: أوليس عندك من العلم ما يجزيك؟ قال: أحببت أن أذكرك بها، قال: قل، قال: ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رجل، ففتح الرجل الباب، فاحتملها ففجر بها، لمن تحد منهما؟ قال: له دونها لأنها مغصوبة، قال: فإنه لا كان من الغد جاءت فتزينت وتبخرت، وجلست على ذلك الباب، ففتح الرجل الباب، فرآها فاحتملها، ففجر بها، لمن تحد منهما؟ قال: أحدهما جميعًا لأنها جاءت من نفسها، وقد عرفت الخبر بالأمس، قال: أنت كان عذرك حيث كان الشرط يحفظونك، إيش عذرك اليوم؟ قال: يا أبا عبد الله أكلمك، قال: ما كان الله ليراني أكلمك، أو تتوب، قال: ووثب فلم يكلمه حتى مات، وكان إذا ذكره قال: أي رجل كان لو لم يفسدوه. وقال ابن أبي شيخ: وحدثني عبد الله بن صالح بن مسلم؛ قال: كان شريك على قضاء الكوفة فخرج يتلقى الخيزران، فبلغ شاهي، وأبطأت الخيزران، فأقام ينتظرها ثلاثًا، ويبس خبزه، فجعل يبله بالماء ويأكله، فقال العلاء بن المنهال شعرًا: فإن كان الذي قد قلت حقًّا ... بأن قد أكرهوك على القضاء فما لك موضعًا في كل يوم ... تلقى من يحج من النساء مقيم في قرى شاهي ثلاثًا ... بلا زاد سوى كسر وماء وقال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: قال المهدي لشريك: كأني أرى رأس زنديق يضرب الساعة، فقال شريك: يا أمير المؤمنين! إن للزنادقة علامات؛ تركهم الجماعات، وشربهم القهوات، وتخلفهم عن الجمعات، فقال المهدي: يا أبا عبد الله! لم نعنك بهذا. قال يحيى بن معين: وجده حاضر الجواب. وقال عبد الجبار بن محمد الخطابي: قلت ليحيى بن سعيد: إن شريكًا إنما

стр. 128

خلط بآخره، قال: ما زال مخلطًا. وقال أبو زرعة: كان كثير الغلط، صاحب وَهْم يغلط أحيانًا. وقال فضل بن الصايغ: إن شريكًا حدث بواسط أحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل بواطيل. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: سمعت بعض الكوفيين يقول: قال شريك: قدم علينا سالم الأفطس، فأتيته ومعي قرطاس فيه مئة حديث فسألته عنها، فحدثني بها وسفيان يسمع فلما فرغ، قال سفيان: أرني قرطاسك. قال: فأعطيته إياه، فخرقه. فرجعت إلى منزلي فاستلقيت على قفاي حفظت منها سبعة وتسعين وذهبت علي ثلاثة. وقال أبو أحمد بن عدي: ولشريك حديث كثير من المقطوع، والمسند، وأصناف، وفي بعض ما لم أتكلم عليه من حديثه مما أمليت بعض الإنكار، والغالب على حديثه الصحة، والذي يقع في حديثه من النكرة إنما أتي فيه من سوء حفظه، لا أنه يتعمد شيئًا مما يستحق أن ينسب فيه إلى شيء من الضعف. وقال الحافظ عبد الغني: روى له مسلم، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. فأطلق القول في رواية مسلم له، وذلك الإطلاق يقتضي الاحتجاج به، وليس كذلك، فإن مسلمًا إنما روى له في المتابعات والشواهد. وقال ابن سعد: شريك بن عبد الله القاضي، توفي في مستهل ذي القعدة، سنة سبع وسبعين ومئة، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث، وكان يغلط. وقال ابن حبان -في كتابه "الثقات"-: كان في آخر أمره يخطئ فيما يروي تغير عليه حفظه، فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط

стр. 129

مثل يزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق، وسماع المتأخرين عنه بالكوفة فيه أوهام كثيرة (١). وحديث عمر ﵁: رواه ابن ماجه وضعفه الترمذي بعبد الكريم ابن أبي المخارق (٢)، وقال: إنما روى من حديث عبد الكريم -يعني: مرفوعًا- ورجح الموقوف، من رواية عبيد الله، ولو تساويا في الثقة لترجح المرفوع من حيث النظر، لكن عبد الكريم لا يعدل بعبيد الله بن عمر ليس مثله، ولا قريبًا منه. واسم أبي المخارق: قيس، وقال عبد الرحمن: طارق أبو أمية البصري نزل مكة. روى عن: أنس بن مالك، وطاووس بن كيسان، ومجاهد، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. روى عنه: أبو سعد البقال، وابن جريج، والثوري، ومالك، وسعيد بن أبي عروبة، وابن عيينة، وإسرائيل بن يونس وغيرهم. قال أيوب: هو غير ثقة، سألني عن حديث لعكرمة فحدثته، ثم قال: حدثني عكرمة. قال معمر: سألني حماد عن فقهائنا، فذكرتهم، فقال: قد تركت أفقههم، يعني: عبد الكريم أبا أمية. قال أحمد: كان يوافقه على الإرجاء.

стр. 130

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عبد الكريم أبي أمية، فقال: بصري، نزل مكة، وكان معلمًا، وكان ابن عيينة يستضعفه، فقلت له: فهو ضعيف؟ قال: نعم. وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد لا يحدثان عن عبد الكريم أبي أمية المعلم، فذكروا أمره عند يحيى في المسجد الجامع يوم الجمعة الترويح (١) في الصلاة، فقال: يذكرون عن مسلم بن يسار وأبي العالية، فقال له عفان: مِن حديث مَن؟ فقال: حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن عبد الكريم، عن عمر (٢) بن أبي يزيد فيما بينه وبينه. وكذا رأيت هذا الخبر بخط شيخنا الحافظ الدمياطي في كتاب "الكمال"، ورأيت فيه زيادة في كتاب "الكنى" للحاكم، قال: وأما عبد الرحمن، فإني سألته في المجلس عن حديث من حديث محمد بن راشد، عن عبد الكريم المعلم، فقال. دعه. فلما قام ظننت أنه يحدثني به فسألته؛ فقال: فأين التقوى؟ وقال ابن عدي (٣): والضعف بيّن على كل ما يرويه. وقال يحيى: هو بصري ضعيف. وقال أيوب بن أبي تميمة لمعمر: عبد الكريم أبو أمية غير ثقة، فلا تحملن عنه. مات سنة سبع وعشرين ومئة. وقال أحمد: ليس هو بشيء، وقد ضربت على حديثه، وهو شبيه المتروك (٤).

стр. 131

وقال يحيى: ليس بشيء (١). وقال السعدي (٢): غير ثقة. وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: كثير الوهم، فاحش الحفظ (٣)، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال النسائي (٤) والدارقطني (٥): متروك. قال الحافظ عبد الغني: روى له مسلم، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. وذكره ابن طاهر في من اتفق عليه الشيخان (٦)؛ قال: وهو حديث واحد عندهما. وذكر حديثًا عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي؛ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه ... الحديث، من رواية ابن عيينة عنه. لكن البخاري أورده تعليقًا عن سفيان، فقال: قال سفيان: حدثني عبد الكريم. وأخرجه مسلم عن زهير والناقد وأبي بكر، عن سفيان مخرجًا (٧). انتهى كلامه (٨).

стр. 132

ويحتاج إلى تعقب: فأما ما تضمن من أن البخاري أخرج له أصلًا، فقد استدرك هو وبين أنه عنده معلق عن سفيان، لكنه تضمن من غير استدراك، أن ليس له من هذا اللفظ في "صحيح البخاري" إلا ذلك الموضع، واستدرك عليه بعض المتأخرين فقال: وقد ذكر البخاري (١) في "باب التهجد بالليل"، وقال سفيان -يعني: ابن عيينة-: وزاد عبد الكريم أبو أمية "لا حول ولا قوة إلا بالله". وأما ما ذكره غير (٢) مسلم، فقد ذكر مثله الحافظ عبد الغني المقدسي أيضًا، وزعم أن مسلمًا أخرج له أصلًا -يعني: الحديث المذكور- وإن لم يصرح به. وزعم بعض الحفاظ أن مسلمًا لم يخرج لابن أبي المخارق، وأن عبد الكريم في ذلك الحديث هو الجزري؛ وهو الصواب إن شاء الله، فإن مسلمًا صرح به أولًا، ثم أحال على ما سبق عنده، فقال: ثنا يحيى بن يحيى؛ قال: ثنا أبو خيثمة زهير بن معاوية، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد. وثنا أبو بكر والناقد وزهير، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن مجاهد. لم يزد على ذلك، ثم ساق الحديث بعد ذلك من طريق: ابن أبي نجيح

стр. 133

والحسن بن مسلم كلاهما عن مجاهد، كرواية عبد الكريم الجزري. وأما البخاري: فساق الحديث من طريق: ابن أبي نجيح والحسن بن مسلم، وسيف بن [أبي] سليمان وعبد الكريم، عن مجاهد -أصلًا وتعليقًا- مصرحًا في كلا الموضعين بأنه الجزري، فهذا كما ترى مقرونًا بابن أبي نجيح وغيره، وعندهما مصرحًا فيه بالنسبة المفرقة بينهما عند البخاري في طريقي التعليق والاتصال، وعند مسلم في السند الأول الذي يحسن حوالة ما يأتي بعده عليه. وأما ما استدرك على ابن طاهر بما وقع عند البخاري في قيام الليل فصحيح فابن أبي المخارق هو الذي يكنى أبا أمية، وليس الجزري، لذلك يستقيم الفرق بينهما. ووجه آخر -في الرد على من زعم أن مسلمًا انفرد بإخراج حديثه في الأصول- وهو أنه ليس له عنده إلا هذا الحديث الواحد، وقد ساقه مقرونًا بابن أبي نجيح، والحسن بن مسلم؛ ولا يكون محتجًا به حتى ينفرد. وأما المقرون به غيره: فالاحتجاج بقرينه لا به، فقد تبين الوجه في ذلك من وجوه: * أولها: أنه الجزري وليس غيره. * والثاني: لو كان هو لكان في الشواهد والمتابعات. * والثالث: أنه لم يأت إلا مقرونًا بغيره فلا يكون الحمل عليه ولا الاحتجاج به. نعم، الذي أخرج حديثه مع انتقائه الرجال وأنه ليس من شأنه أن يخرج إلا عن ثقة الإمام مالك ﵀ ورضي عنه- لكنه لم يخرج عنه إلا اليسير الثابت

стр. 134

من غير طريقه: "إذا لم تستح فافعل ما شئت"، "ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة"، ومع ذلك فقد اعتذر لما بين أمره. وقال: غرني بكثرة بكائه في المسجد أو نحو هذا. وفي عذر من اشتبه عليه بعبد الكريم الجزري لاشتراكهما في الاسم والعصر؛ فقد ماتا معًا في سنة سبع وعشرين، وفي الشيوخ والرواة فكلاهما روى عن: الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وروى عن كليهما: الثوري، وابن جريج، ومالك، ومن في طبقتهم. وقد ضعف عبد الكريم الجزري (١) أيضًا سيما، قال أبو أحمد الحاكم: لم يكن بالحافظ عندهم. وذكر أن ابن المديني: قال ليحيى بن سعيد: حديثه عن عطاء، عن جابر في لحم البغل؛ فقال: قد سمعته وأنكره يحيى وأبي أن يحدثني عنه أعني عبد الكريم الجزري. لكن قد وثقه غير واحد. وقال أبو عمر (٢) -في ابن أبي المخارق عبد الكريم-: بصري، ضعيف، متروك، لا يختلف العلماء بالحديث في ضعفه إلا أن منهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ولا يحتج به على كل حال، ومن أجل من جرحه (٣)، وطرحه: أبو العالية وأيوب مع ورعه ثم شعبة والقطان وأحمد وعلي وابن معين. وكان مؤدب كتاب حسن السمت غر مالكًا منه سجيته ولم يكن من أهل بلده فيعرفه، كما غر الشافعي من إبراهيم بن أبي يحيى حذقه ونباهته؛ فروى عنه وهو أيضًا مجتمع على تجريحه وضعفه ولم يخرج مالك عن عبد الكريم حكمًا في "موطئه" وإنما ذكر فيه عنه ترغيبًا وفضلًا،

стр. 135

وكذلك الشافعي لم يحتج بابن أبي يحيى في حكم أفرده به. انتهى كلامه. أما قوله: أن مالكًا لم يخرج عنه في الأحكام فقد ذكرنا وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. وقال أبو جعفر العقيلي (١) عن معمر: ما رأيت أيوب اغتاب أحدًا قط إلا عبد الكريم؛ فإنه ذكره فقال: ﵀ كان غير ثقة. وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: لم يحدث مالك عن أحد أضعف من عبد الكريم. فحديث عمر إذن ضعيف لمحل عبد الكريم وهو منحط عن درجة حديث عائشة وكذلك حديث جابر. وقد رواه (٢) ابن ماجه، وضعفه ابن عدي في "الكامل" في ترجمة عدي بن الفضل، من طريقه أخرجه ابن ماجه. وأما حديث بريدة: فقال البزار: ثنا نصر بن علي: ثنا عبد الله بن داود: ثنا سعيد بن عبيد الله: ثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده". ثم قال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله. قلت: إن لم يكن لهذا الحديث علة، فهو أقوى من حديث عائشة؛ فإن سعيد بن عبيد الله احتج به البخاري ووثقه أحمد ويحيى وابو زرعة (٣).

стр. 136

وحديث جابر الذي تقدم ذكره ليس مما أشار إليه الترمذي، وقد ذكره البيهقي (١) أيضًا، وضعف عدي بن الفضل، فقال: وروى عدي بن الفضل وهو ضعيف عن علي بن الحكم، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائمًا. أخبرناه أبو سعد الماليني: أنا أبو أحمد بن عدي: ثنا ابن صاعد: ثنا محمد بن عبد الله المخرمي وأبو الفضل الخرقي؛ قالا: ثنا أبو عامر العقدي: ثنا عدي بن الفضل ... فذكره. وذكر أيضًا: من حديث عبد الرحمن بن حسنة وعمرو بن العاص وليس مما أشار إليه الترمذي: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل الماسرجسي: نا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري: ثنا محمد بن عبد الوهاب أبو أحمد: أنا يعلى بن عبيد: ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة؛ قال: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين فخرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده درقة فبال وهو جالس ... الحديث (٢). قال الترمذي: ومعنى النهي عن البول قائمًا: على التأدب لا على التحريم. قال النووي (٣) ﵀ وقد ذكر حديث عائشة في الباب وأنه ثابت؛ قال: ولهذا قال العلماء: يكره البول قائمًا إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم. قال ابن المنذر في "الإشراف": اختلفوا في البول قائمًا فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد ﵃ أنهم بالوا قيامًا.

стр. 137

قال: وروي ذلك عن علي وأنس وأبي هريرة، وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير. وكرهه ابن مسعود والشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائمًا. قال: وفيه قول ثالث؛ إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء؛ فهو مكروه وإن كان لا يتطاير فلا بأس به، وهذا قول مالك. قال ابن المنذر: البول جالسًا أحب إلي، وقائمًا مباح؛ وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﷺ . فحجة من منع أحاديث هذا الباب وحجة من أجاز حديث حذيفة الآتي بعده. وقال المانعون: ذلك لمقتضى (١) يخصه من وجع صلب، كما قال الشافعي (٢) وجرح بمأبضة، كما روي من طريق ضعيفة (٣) أو غير ذلك مما سيأتي في الباب بعده. وانفصل عن ذلك المجيزون؛ بأن هذه الأوجه وإن كانت محتملة إلا أن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا من على نزل النهي في التحرز من النجاسة؛ فلو كان هناك شيء من تلك الاحتمالات لما استدل به، ولنقل ذلك المعنى، ومن فصل بين أن يتطاير لمن يبول شيء من البول أو لا فللجمع بين الحديثين واستعمال كل منهما في مورده. * * *

стр. 138

٩ - باب الرخصة في ذلك حدثنا هناد، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة: أنَّ النبيَّ ﷺ أتى سباطة قوم فبال عليها قائمًا، فأتيته بوضوء فذهبت لأتأخَّر عنه، فدعاني، حتى كنت عند عقبيه، فتوضَّأ ومسح على خفيه. [قال أبو عيسى: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يحدِّث بهذا الحديث عن الأعمش، ثم قال وكيع: هذا أصحّ حديث روي عن النبي ﷺ في المسح وسمعت أبا عمار الحسين بن حريث يقول: سمعت وكيعًا فذكر نحوه]. [قال أبو عيسى] (١): وهكذا روى منصور وعبيدة الضبي، عن أبي وائل، عن حذيفة مثل رواية الأعمش. وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ . وحديث أبي وائل، عن حذيفة أصح. وقد رخَّص قوم من أهل العلم في البول قائمًا (٢). * الكلام عليه: هذا حديث سكت عنه الترمذي وهو صحيع اتفق الشيخان البخاري ومسلم على إخراجه من حديث أبي وائل، عن حذيفة فرواه البخاري في "الطهارة" (٣): ثنا آدم؛ قال: ثنا شعبة عن الأعمش.

стр. 139

وفي "المظالم" (١): ثنا سليمان بن حرب؛ قال: ثنا شعبة عن منصور كلاهما عن أبي وائل. وفي "الطهارة" (٢): أنا ابن عرعرة: ثنا شعبة. وثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا جرير، كلاهما عن منصور، عن أبي وائل (٣). ومسلم: ثنا يحيى بن يحيى: ثنا أبو خيثمة؛ قال: ثنا الأعمش (٤). وثنا يحيى بن يحيى؛ قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل (٥). ورواه أيضًا (٦) عن أبي داود، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل. وألفاظهم مختلفة. وحديث المغيرة رواه ابن ماجه، عن إسحاق بن منصور، عن أبي داود، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل (٧). وعن إسحاق بن منصور، عن أبي داود، عن سفيان، عن عاصم، عن المغيرة؛ ولم يذكر أبا وائل (٨). قال ابن عساكر: خالفه الأعمش ومنصور بن المغيرة فروياه عن أبي وائل،

стр. 140

عن حذيفة (١). وذكره البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة (٢). وقال: والصحيح ما روى الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن حذيفة؛ كذا قال الترمذي وغير واحد من الحفاظ (٢). وحديث حذيفة قد سمعه شعبة من الأعمش ومنصور فحدَّث به تارة، عن الأعمش وتارة عن منصور (٣) كما رواه البخاري (٤) لا يُعدُّ ذلك خلفًا يوجب وهنًا. قلت: هذا الترجيح لرواية الأعمش ومنصور على رواية حمَّاد وعاصم ترجيح بالأحفظ، وليس القول فيه كالقول في الخلف قبله على شعبة؛ فإن آدم بن أبي إياس رواه عنه عن الأعمش. وسليمان بن حرب رواه عنه عن منصور. وهما ثبتان أو متقاربان في الثقة والحفظ وليس كذلك الأعمش ومنصور مع

стр. 141

عاصم بن بهدلة وحمَّاد بن أبي سليمان فوقع التنبيه على هذا الخلف والترجيح لما اقتضى النظر ترجيحه وإن كان من الجائز أن يكون أبو وائل أيضًا سمعه من حذيفة ومن المغيرة فحدَّث به عن حذيفة تارة، وعن المغيرة أخرى، ولم يقع تنبيه من أحد على الخلف الآخر ولا ترجيح لأحد الطرفين منه على الآخر. وإذ قلنا ذلك فلنذكر من حال الأعمش ومنصور وحال حمَّاد وحال عاصم ما يوضح الترجيح الذي ذكرناه. فأمَّا الأعمش: فسليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي وستأتي ترجمته مبسوطة في الباب بعد هذا -إن شاء الله تعالى- ويكفينا من وجوه الترجيح ها هنا أنَّ الجماعة كُلَّهم أخرجوا حديثه، ولم يحتج بحماد، ولا بعاصم البخاري ولا مسلم. وأمَّا منصور: فهو بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، بضم الراء، وفتح الباء ثانية الحروف، بعدها ياء آخر الحروف، مكسورة مشددة -ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله بن ربيعة. سمع: زيد بن وهب، وأبا وائل، ورِبْعي بن حِراش، وأبا حازم الأشجعي، وإبراهيم النخعي، والشعبي والزهري، وأبا الضحى، والمسيب بن رافع، وهلال بن يساف، والحكم بن عتيبة، وسعد بن عبيدة، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن جبير، وعبيد بن نسطاس، وعبد الله بن مرة، ومجاهد بن جبر. روى عنه: سليمان التيمي، وأيوب السختياني، وحصين بن عبد الرحمن، والأعمش، ومسعر، والثوري. وهو أثبت الناس فيه، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وزهير، وإسرائيل، وزائدة، ووهيب، وأبو الأحوص، وشيبان بن عبد الرحمن، وروح بن القاسم، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وأبو عوانة، ومُفَضل بن مهلهل، وحمَّاد بن

стр. 142

زيد، وفضيل بن عياض، وعمَّار بن زريق، وعَبِيدة بن حُميد. سئل علي بن المديني: أيُّ أصحاب إبراهيم أعجبُ إليك؟ قال: إذا حدَّثك عن منصور ثقة فقد ملئت يديك لا تريد غيره (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي: منصور أثبت أهل الكوفة (٢). وقال سفيان: كنت لا أُحدِّثُ الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا ردَّه. فإذا قلت: منصور؛ سكت (٣). وقال يحيى بن سعيد: منصور، عن مجاهد أثبت من ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٣). وقال أحمد بن حنبل: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد، وأثبت الناس في إبراهيم الحكم بن [عتيية] ثم منصور (٤). وقال يحيى بن معين: منصور أثبت من الحكم بن عتيبة، إذا اجتمع منصور والأعمش فقدَّم منصورًا (٥). قال ابن معين: وهو ابن عمِّ عتبة بن فرقد السلمي، [ومحمد بن علي السلمي] (٦) أخوه لأمه (٧).

стр. 143

وقال يحيى بن [معين] (١): منصور أحبُّ إليَّ من حبيب، ومن عمرو بن مرة، ومن قتادة. قيل له: فأيوب؟ قال: هو نظير أيوب عندي (٢). وقال أبو حاتم: هو ثقة أتقن من الأعمش، لا يخلط ولا يُدِّلس (٣). وقال الثوري: ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور (٤). وقال أبو زرعة: سمعت إبراهيم بن موسى يقول: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر (٥). وقال سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكلٍّ، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور بن المعتمر (٦). وقال أبو حمزة: دخلت إلى بغداد (٧)، فرأيت جميع من فيها يثني على منصور بن المعتمر، فلمَّا خرجت إلى الكوفة سمعت منه، فلمَّا عدت من مكة أقمت عليه حتى كتبت عنه، فأكثرت (٨). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين، ثنا خلف بن تميم؛ قال:

стр. 144

سمعت زائدة يقول: صام منصور بن المعتمر أربعين (١) سنة؛ صام نهارها وقام ليلها، وكان يبكي اللَّيل؛ فإذا أصبح اكتحل وادَّهن وبرق شفتيه (٢). وقال زائدة أيضًا: كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجل قد أصيب بمصيبة ولقد قالت له أمه: يا هذا ما الذي تصنع بنفسك تبكي الليل عامته لا تكاد تسكت لعلك يا بني أصبت نفسًا فقتلت قتيلًا، قال: يا أمه! أنا أعلم بما صنعت بنفسي (٣). وقال أبو يزيد الواسطي: كان أوَّل ما يبلى من ثياب منصور بن المعتمر ما يلي ركبته من كثرة سجوده (٤). وقال أحمد بن عبد الله: منصور بن المعتمر كوفي ثقة ثبت في الحديث؛ كان أثبت أهل الكوفة، وكأن [حديثه] (٥) القدح لا يختلف فيه أحد، متعبد، رجل صالح، أكره على قضاء الكوفة (٦). وكان فيه تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء صام ستين سنة وقامها توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة (٧).

стр. 145

وقال زائدة: [أخذه] (١) يوسف بن عمر -عامل الكوفة- يريده على القضاء فامتنع وأبى، فدخلت عليه وقد جيء بالقيد ليقيّد. قال: فجاءه خصمان فقعدا بين يديه، فلم يسألمهما، ولم يكلمهما. قال: فقيل ليوسف بن عمر: إنِّك لو نثرت لحمه لم يل لك القضاء، وقال: فخفي عنه (٢). وذكر وكيع عن الثوري، قال: أراد ابن هبيرة أن يستعمل منصور بن المعتمر على القضاء، قال: ما كنت لألي لك بعدما حدَّثني إبراهيم. قال: وما حدَّثك إبراهيم؟ قال: حدثني إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة؟ حتى من يبري لهم قلمًا أو لاق لهم دواة، فيجمعون في تابوت من جديد (٣) ويرمى بهم في جهنم (٤) ". ومنصور بن المعتمر كبير القدر، كثير المناقب؛ وإنَّما ذكرنا طرفًا من مناقبه يُعرف بها حاله وجلالته عند السَّلف ﵀. وأما حمَّاد: فهو حمَّاد بن أبي سليمان، أبو إسماعيل، الأشعري. واسم أبي سليمان: مسلم -مولى إبراهيم بن أبي موسى-. حكى محمد بن يحيى بن منده: أنه من أهل بُرْخُوار، وهي من
следующие страницы →