← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عاصم بن بهدلة وحمَّاد بن أبي سليمان فوقع التنبيه على هذا الخلف والترجيح لما اقتضى النظر ترجيحه وإن كان من الجائز أن يكون أبو وائل أيضًا سمعه من حذيفة ومن المغيرة فحدَّث به عن حذيفة تارة، وعن المغيرة أخرى، ولم يقع تنبيه من أحد على الخلف الآخر ولا ترجيح لأحد الطرفين منه على الآخر. وإذ قلنا ذلك فلنذكر من حال الأعمش ومنصور وحال حمَّاد وحال عاصم ما يوضح الترجيح الذي ذكرناه. فأمَّا الأعمش: فسليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي وستأتي ترجمته مبسوطة في الباب بعد هذا -إن شاء الله تعالى- ويكفينا من وجوه الترجيح ها هنا أنَّ الجماعة كُلَّهم أخرجوا حديثه، ولم يحتج بحماد، ولا بعاصم البخاري ولا مسلم. وأمَّا منصور: فهو بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، بضم الراء، وفتح الباء ثانية الحروف، بعدها ياء آخر الحروف، مكسورة مشددة -ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله بن ربيعة. سمع: زيد بن وهب، وأبا وائل، ورِبْعي بن حِراش، وأبا حازم الأشجعي، وإبراهيم النخعي، والشعبي والزهري، وأبا الضحى، والمسيب بن رافع، وهلال بن يساف، والحكم بن عتيبة، وسعد بن عبيدة، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن جبير، وعبيد بن نسطاس، وعبد الله بن مرة، ومجاهد بن جبر. روى عنه: سليمان التيمي، وأيوب السختياني، وحصين بن عبد الرحمن، والأعمش، ومسعر، والثوري. وهو أثبت الناس فيه، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وزهير، وإسرائيل، وزائدة، ووهيب، وأبو الأحوص، وشيبان بن عبد الرحمن، وروح بن القاسم، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وأبو عوانة، ومُفَضل بن مهلهل، وحمَّاد بن

стр. 142

زيد، وفضيل بن عياض، وعمَّار بن زريق، وعَبِيدة بن حُميد. سئل علي بن المديني: أيُّ أصحاب إبراهيم أعجبُ إليك؟ قال: إذا حدَّثك عن منصور ثقة فقد ملئت يديك لا تريد غيره (١). وقال عبد الرحمن بن مهدي: منصور أثبت أهل الكوفة (٢). وقال سفيان: كنت لا أُحدِّثُ الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا ردَّه. فإذا قلت: منصور؛ سكت (٣). وقال يحيى بن سعيد: منصور، عن مجاهد أثبت من ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٣). وقال أحمد بن حنبل: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد، وأثبت الناس في إبراهيم الحكم بن [عتيية] ثم منصور (٤). وقال يحيى بن معين: منصور أثبت من الحكم بن عتيبة، إذا اجتمع منصور والأعمش فقدَّم منصورًا (٥). قال ابن معين: وهو ابن عمِّ عتبة بن فرقد السلمي، [ومحمد بن علي السلمي] (٦) أخوه لأمه (٧).

стр. 143

وقال يحيى بن [معين] (١): منصور أحبُّ إليَّ من حبيب، ومن عمرو بن مرة، ومن قتادة. قيل له: فأيوب؟ قال: هو نظير أيوب عندي (٢). وقال أبو حاتم: هو ثقة أتقن من الأعمش، لا يخلط ولا يُدِّلس (٣). وقال الثوري: ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور (٤). وقال أبو زرعة: سمعت إبراهيم بن موسى يقول: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر (٥). وقال سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكلٍّ، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور بن المعتمر (٦). وقال أبو حمزة: دخلت إلى بغداد (٧)، فرأيت جميع من فيها يثني على منصور بن المعتمر، فلمَّا خرجت إلى الكوفة سمعت منه، فلمَّا عدت من مكة أقمت عليه حتى كتبت عنه، فأكثرت (٨). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين، ثنا خلف بن تميم؛ قال:

стр. 144

سمعت زائدة يقول: صام منصور بن المعتمر أربعين (١) سنة؛ صام نهارها وقام ليلها، وكان يبكي اللَّيل؛ فإذا أصبح اكتحل وادَّهن وبرق شفتيه (٢). وقال زائدة أيضًا: كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجل قد أصيب بمصيبة ولقد قالت له أمه: يا هذا ما الذي تصنع بنفسك تبكي الليل عامته لا تكاد تسكت لعلك يا بني أصبت نفسًا فقتلت قتيلًا، قال: يا أمه! أنا أعلم بما صنعت بنفسي (٣). وقال أبو يزيد الواسطي: كان أوَّل ما يبلى من ثياب منصور بن المعتمر ما يلي ركبته من كثرة سجوده (٤). وقال أحمد بن عبد الله: منصور بن المعتمر كوفي ثقة ثبت في الحديث؛ كان أثبت أهل الكوفة، وكأن [حديثه] (٥) القدح لا يختلف فيه أحد، متعبد، رجل صالح، أكره على قضاء الكوفة (٦). وكان فيه تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء صام ستين سنة وقامها توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة (٧).

стр. 145

وقال زائدة: [أخذه] (١) يوسف بن عمر -عامل الكوفة- يريده على القضاء فامتنع وأبى، فدخلت عليه وقد جيء بالقيد ليقيّد. قال: فجاءه خصمان فقعدا بين يديه، فلم يسألمهما، ولم يكلمهما. قال: فقيل ليوسف بن عمر: إنِّك لو نثرت لحمه لم يل لك القضاء، وقال: فخفي عنه (٢). وذكر وكيع عن الثوري، قال: أراد ابن هبيرة أن يستعمل منصور بن المعتمر على القضاء، قال: ما كنت لألي لك بعدما حدَّثني إبراهيم. قال: وما حدَّثك إبراهيم؟ قال: حدثني إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة؟ حتى من يبري لهم قلمًا أو لاق لهم دواة، فيجمعون في تابوت من جديد (٣) ويرمى بهم في جهنم (٤) ". ومنصور بن المعتمر كبير القدر، كثير المناقب؛ وإنَّما ذكرنا طرفًا من مناقبه يُعرف بها حاله وجلالته عند السَّلف ﵀. وأما حمَّاد: فهو حمَّاد بن أبي سليمان، أبو إسماعيل، الأشعري. واسم أبي سليمان: مسلم -مولى إبراهيم بن أبي موسى-. حكى محمد بن يحيى بن منده: أنه من أهل بُرْخُوار، وهي من

стр. 146

نواحي أصبهان (١). سمع: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وزيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وابن بريدة. روى عنه: الحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق الشيباني، والأعمش، ومسعر، والثوري، وشعبة. سئل أحمد بن حنبل عنه فقال: رواية القدماء عنه مقاربة (٢) كالثوري وشعبة وهشام، وأمَّا غيرهم فجاءوا عنه بأعاجيب (٣). وقال يحيى القطان: هو أحبُّ إلينا من مغيرة (٤)، وحمّادٌ ثقة (٥). وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم، يُروى عن مغيرة: سأل حمادٌ إبراهيمَ، وكان له لسان سؤول، وقلب عقول، وكانت به موتة، وكان ربَّما حدَّثهم بالحديث فيعتريه [ذلك] (٦)، فإذا أفاق أخذ من حيث انتهى (٧). والمُوتة: طرف من الجنون. وقال شعبة: كان صدوق اللسان (٨). وكان يحيى بن معين يُقدِّم حمَّاد بن أبي سليمان على أبي معشر زياد بن كليب (٨).

стр. 147

وقال أبو حاتم: هو صدوق، ولا يحتجُ بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء للآثار شوَّش (١). وقال أبو أحمد بن عدي: حمَّاد بن أبي سليمان كثيرُ الرواية خاصة عن إبراهيم. ويقع في حديثه أفراد وغرائب، وهو متماسك في الحديث لا بأس به (٢). وقال ابنُ الجوزي: كذَّبه مغيرة (٣). وقال محمد بن سعد (٤): كان ضعيفًا في الحديث فاختلط في آخر أمره. وقال يحيى: هو ثقة (٥). وقال شعبة: صدوق اللسان (٦). مات حماد سنة عشرين ومئة (٧). قال الحافظ عبد الغني المقدسي: روى له الجماعة إلَّا البخاري (٨). وهذا الإطلاق يقتضي احتجاج مسلم به. وقال الحافظ أبو الحسين يحيى بن علي القرشي: روى له مسلم مقرونًا

стр. 148

بغيره (١). وهذا مستقيم فإنه أخرج له في الأشربة (٢) مقرونًا بمنصور والأعمش عن إبراهيم النخعي. وأمَّا عاصم: فهو ابن بهدلة أبي النَّجود، أبو بكر المقرئ، الأسدي، الكوفي. قال سفيان وأحمد بن حنبل: بهدلة: أبو النجود (٣). وقال عمرو بن علي: اسم أُمِّه بهدلة (٣). وقال أبو بكر بن أبي داود: زعم بعضُ لا يعلم أنَّ أمَّه بهدلة وليس كذلك (٤). سمع: زر بن حبيش، وأبا وائل شقيق بن سلمة، وأبا رزين مسعود بن مالك، وأبا صالح السَّمان، وغيرهم. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وشعبة والحمَّادان، والسفيانان وغيرهم. روى أبو نعيم عن سفيان: في حديثه اضطراب وهو ثقة (٥). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ساكت أبي عنه، فقال: كان رجلًا صالحًا قارئًا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته.

стр. 149

قال أحمد بن حنبل: وأنا أختار قراءته، وكان ثقة (١). وقال محمد بن سعد: كان ثقة إلَّا إنَّه كان كثير الخطأ في حديثه (٢). قال أبو بكر بن عياش: قال أبو إسحاق: ما رأيت أقرأ من عاصم، قال: فقلت: هذا رجل قد لقي أصحابَ عليٍّ، وأصحابَ عبد الله، فدخلت المسجد من أبواب كِنْدَه، فإذا رجل غلبه جماعة، وعليه كساء، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا عاصم، فأتيته، فدنوت منه، فلما تكلَّم، قلت: حقَّ لأبي إسحاق أن يقول ما قال (٣). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو صاحبُ سنة، وقراءة للقرآن، وكان ثقةً رأسًا في القراءة، ويقال: إن الأعمش قرأ عليه وهو حدث، وكان يختلف عليه في زر وأبي وائل (٤). وقال أحمد بن حنبل: كان الأعمش أحفظ منه، وكان [شعبة] (٥) يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث (٦). وسئل يحيى بن معين عنه فقال: ليس به بأس (٧).

стр. 150

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن حمَّاد بن أبي سليمان، [وعاصم] فقال: عاصم أحب إلينا عاصم صاحب قرآن وحماد صاحب فقه] (١). فقال (٢) [وسألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال] (٣): هو صالح أكثر حديثًا من أبي قيس الأودي، وأشهر منه، وأحبُّ إليَّ من أبي قيس (٤). وسُئل (٥) عن عاصم وعبد الملك بن عمير، فقال: قَدِّم عاصم على عبد الملك، عاصم أقل اختلافًا عندي من عبد الملك (٦). وسألت أبا زرعة عنه، فقال: ثقة، فذكرته لأبي، فقال: ليس محل هذا أن يقال ثقة، وقد تكلَّم فيه ابنُ علية، فقال: كُلُّ من اسمه عاصم سيئ الحفظ (٦). وقال أبو حاتم أيضًا: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ (٦). وقال الدارقطني: في حفظه شيء (٧). وقال يحيى بن سعيد: ما وجدْتُ رجلًا اسمه عاصم إلا وجدته رديء الحفظ (٨).

стр. 151

وقال يحيى بن معين: كُلُّ عاصمٍ فيه ضعف (١). وقال خليفة: مات سنة سبع وعشرين ومئة (٢). وقال القاسم بن سلام: سنة ثمان وعشرين (٣). روى له مسلم مقرونًا بعبدة بن أبي لبابة (٤). وأمَّا عبيدة الذي ذكره متابعًا لمنصور والأعمش: فهو بِضمِّ العين ابن مُعَتَّب بضم الميم وفتح العين المهملة وبعدها تاء ثالثة الحروف مشددة مكسورة، أبو عبد الكريم الكوفي الضبي روى عن إبراهيم وأبي وائل والشعبي روى عنه الثوري وشعبة وعبيدة بفتح العين ابن حميد وغيرهم، ذكر العقيلي عن شعبة قال: أخبرني عبيدة قبل أن يتغير وذكر عن زهير بن معاوية: ما اتهمت إلا عطاء [بن] (٥) عجلان وعبيدة قال: فذكرت ذلك لحفص بن غياث فصدقه في عطاء وكره ما قال لعبيدة. وقال أيضًا عن يحيى وذكر حديث عبيدة الضبي حديث أبي أيوب "من صلى قبل الظهر أربعًا" [فرآني] (٦) أكتبه قال: لا تكتب أما إنه من عتيق حديثه. قال: وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن عبيدة (٧).

стр. 152

وقال أحمد بن حنبل (١): ترك الناس حديثه. وسئل أحمد بن حنبل عنه، وعن جويبر، ومحمد بن سالم، فقال: ما أقرب بعضهم من بعض في الضعف (٢). وقال عمرو بن علي: كان عبيدة الضَّبْي سيئ الحفظ ضريرًا متروك الحديث (٣). وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث (٤). وقال أبو زرعة: ليس بقوي (٥). وقال ابن عدي: فهو مع ضعفه يكتب حديثه (٦). وقال يحيى: ليس بشيء (٧)، وقال مرة: ضعيف (٨). وقال محمد بن سعد: كان ضعيفًا جدًّا (٩). وقال النسائي: ضعيف، وكان قد تغير (١٠). وقال ابن حبان: اختلط بأخرة فبطل الاحتجاج به (١١).

стр. 153

روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (١). السباطة: ملقى التراب والأوساخ ونحو ذلك، يكون بفناء الدُّور مَرفقًا للقوم، ويكون ذلك في الأغلب سهلًا منثنًا (٢)، لا يجد فيه البول ولا يرتد على البائل. وقيل السباطة: الكناسة نفسها وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك لأنها كانت مواتًا مباحة. وأما سبب بوله ﷺ : * فروى: عن الشافعي: أنَّ العرب كان تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا" قال: فيُرى أنَّه كان ﷺ وجع الصلب إذ ذاك (٣). وروي نحوه عن أحمد (٤). * وقولٌ ثانٍ: روى البيهقي وغيره أنَّه ﷺ بال قائمًا لعلة بمأبضه (٥). والمأبض: بهمزة ساكنة بعد الميم، ثم باء موحدة وهو باطن الركبة. وقال البيهقي عن هذا الحديث: لا يثبت مثله (٦). ورواه من طريق يحيى بن عبد الله بن ماهان الكرابيسي (٧)، ولا يعرف عن حمَّاد بن غسان الجعفي، وقد ضعَّفه الدارقطني (٨).

стр. 154

* قول ثالث: إنه لم يجد مكانًا للقعود واضَّطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا مرتفعًا (١). * وذكر الإمام أبو عبد الله المازري (٢) والقاضي عياض (٣) وجهًا رابعًا وهو: أنَّه بال قائمًا، لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحديث من السبيل الآخر، بخلاف القعود، ومنه قول عمر ﵁: "البول قائمًا أحصن للدبر" (٤). * وقال الشيخ محيي الدين ﵀: ويجوز وجه خامس: أنَّه ﷺ فعله بيانًا للجواز في هذه المرة (٥). وقال الحافظ المنذري: أو لعلَّه كان فيها نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه كذا قال (٦). ولعلَّ القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد. وأمَّا فعله ﷺ ذلك في سباطة القوم يحتمل أوجهًا: * أظهرها: أنَّهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه. * الثاني: أنَّها لم تكن مختصة بهم بل كانت بفناء دورهم فأضيفت إليهم لقربها منهم وقد سبقت الإشارة إليه.

стр. 155

* الثالث: أن يكونوا أذنوا لمنْ أراد قضاء الحاجة إمَّا بصريح الإذن أو بما في معناه. وأمَّا بوله ﷺ في السباطة التي بقرب الدور مع أن المعروف من عادته ﷺ التباعد في المذهب: فقد ذكر القاضي عياض (١) أنَّ سببه: أنَّه ﷺ كان من الشغل بأمور المسلمين، والنَّظر في مصالحهم بالمحلِّ المعروف، فلعلَّه طال عليه فجلس حتى حفزه البول ولم يمكنه التباعد ولو بعد لتضرَّرَ، وارتاد السباطة لدمثها، وقام حذيفة بقربه يستره عن الناس. وهذا حسن. قلت: وقد يكون ذلك لبيان الجواز في هذه الحالة وإن كان التباعد أولى. فقوله: فأتيته بوضوء؛ بفتح الواو، وهو الماء المتوضأ به في الأكثر، والمصدر بضمِّها، هذا هو الأشهر فيهما. وقال الخليل (٢): الفتح في الوجهين ولم يعرف الضم. وقال ابن الأنباري: والوجه الأول وهو التفريق بينهما وهو الذي عليه أهل اللغة. وقوله: "فذهبت لأتأخَّر عنه، فدعاني؛ حتى كنت عند عقبيه": قال العلماء: إنَّما استدناه ﷺ ليستتر به عن أعين الناس من المارِّين وغيرهم فتأخَّر حذيفةُ ﵁، تأدبًا معه ﷺ لكونها حالة يُستخفى بها ويُستحيى منها، واستدناه النبي ﷺ للمعنى الذي أشرنا إليه من الاستتار ولأنه بول من قيام يؤمن معه خروج الحديث الآخر وغيره، ولم يفعل في هذا كما جاء في الحديث الآخر لما أراد قضاء الحاجة؛ قال: "تنحَّ"؛ لكونه كان يقضيها قاعدًا، ويحتاج إلى الحدثين جميعًا ولهذا قال بعض العلماء في هذا الحديث: السنة القرب من البائل إذا كان

стр. 156

قائمًا، فإن كان قاعدًا فالسنة الإبعاد عنه، والله أعلم. قال معناه الشيخ محيي الدين (١). وقال: واعلم أنَّ هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد: * ففيه: إثبات المسح على الخف. * وفيه: جواز المسح في الحضر؛ خلافًا لمالك ومن يقوله وسيأتي في موضعه إن شاء الله. * وفيه: جواز البول قائمًا. * وفيه: جواز قرب الإنسان من البائل. * وفيه: جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه ليستره. * وفيه: استحباب الستر. * وفيه: جواز البول بقرب الديار. * وفيه: غير ذلك. انتهى ما ذكره. قلت: وفيه أيضًا: كراهة مدافعة البول لأنَّ النبي ﷺ بال في السباطة قائمًا ولم يؤخره. ومما يستفاد منه أيضًا كراهة الوسواس، والتنطع في الدين وبيان ذلك: أنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديث من طريق، فقال في بعضها: حدثنا يحيى بن يحيى؛ قال: أنا جرير عن منصور، عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول: إنَّ بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض،

стр. 157

فقال حذيفة: لوددت أنَّ صاحبكم لا يشدد هذا التشدد؛ ولقد رأيتني أنا ورسول الله ﷺ تتماشى فأتى سباطةً خلفَ حائطٍ، فقام كما يقوم أحدكم؛ قال: فانتبذت منه فأشار إليَّ فجئت فقمت عند عقبيه حتى فرغ (١). فظهر من هذا أن مقصود حذيفة ﵁ أن هذا التشدد خلاف السنة؛ فإنَّ النبي ﷺ بال قائمًا ولا شكَّ في بول القائم معرضًا للترشيش، ولم يلتفت النبي ﷺ إلى هذا الاحتمال ولم يتكلف البول في قارورة كما فعل أبو موسى. ومما يستفاد منه أيضًا: أنَّه إذا تعارضت مفسدتان، ولم يمكن دفعهما دفع أعظمهما، أو مصلحتان ولم يمكن الإتيان بهما أتي بأعظمهما، وذلك أنَّ مصلحة تقدم حذيفة لِيستْرَ النبيَّ ﷺ من المارة مرجحة على مصلحة تأخره عنه، لما يقتضيه التأدب معه ﷺ تعظيم محلِّه من الدنو منه في تلك الحالة، فقُدِّمت المصلحة العظمى، وكذلك تجنب مدافعة البول أهمُّ من تجنب البول في السباطة؛ فروعي الأهم في ذلك. وقول أبي موسى: "كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه" يعني: الجلود التي كانوا يلبسونها، قاله أبو العباس القرطبي (٢)، قال: وقد سمعت بعض أشياخي يحمل هذا على ظاهره ويقول: إن ذلك كان من الإصر الذي حُمِّلوه (٣). قلت: وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الفتح القشيري يذكر ذلك في تعظيم أمر النجاسة مشيرًا إلى المعنى الثاني، والله أعلم. * * *

стр. 158

١٠ - باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة حدثنا قتيبة: ثنا عبد السلام بن حرب عن الأعمش، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. قال [أبو عيسى] (١): هكذا روى محمد بن ربيعة، عن الأعمش، عن أنس بن مالك هذا الحديث. وروى وكيع والحماني، عن الأعمش، قال: قال ابن عمر: كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. وكلا الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب النبي ﷺ . وقد نظر إلى أنس بن مالك؛ قال: رأيته يصلي فذكر عنه حكاية في الصلاة. والأعمش اسمه: سليمان بن مهران (٢) أبو محمد الكاهلي وهو مولى لهم؛ قال الأعمش: كان أبي حميلًا فورَّثه مسروق (٣). * الكلام عليه: الحديث عند الترمذي منقطع لأنَّ الأعمشَ عنده لم يسمع من أنس وهذا هو المشهور. وقد ذكر أبو نعيم الأصبهاني: أنَّ الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى

стр. 159

وسمع منهما (١). وقال البزار: سمع الأعمش من أنس وأورد حديثًا ذكر فيه سماعه منه؛ قال: فلا ينكر ما أرسل عنه (٢). وقال أبو داود: عبد السلام بن حرب رواه عن الأعمش، عن أنس بن مالك وهو ضعيف (٣). يعني بذلك: رواية الأعمش عن أنس، وإلَّا فليس فيمن ذكر من يُضعف، ورواية الأعمش من طريق ابن عمر التي أشار إليها مخرَّجة عند أبي داود (٤) من طريق رجل لم يسمه عن ابن عمر (٥) فهي منقطعة أيضًا، غير أنَّ الحافظ أبا بكر البيهقي ﵀، قال: ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الخسروجردي: أنا أبو بكر الإسماعيلي: نا عبد الله بن محمد بن مسلم -من أصل كتابه-: ثنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي -شيخ جليل-: ثنا وكيع: ثنا الأعمش، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر؛ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة تنحَّى ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (٦).

стр. 160

فسمَّى الرجلَ الذي لم يُسمْ: القاسم بن محمد، فإنْ لم يكنْ ابن أبي بكر، فهو أعرف أنْ من نُعرِّف به، وأشهر من أن ننبِّه عليه. ومحمد بن ربيعة: الراوي عن الأعمش، هو: أبو عبد الله الكِلابي الرَّؤاسي، ابن عم وكيع بن الجراح. سمع: هشام بن عروة، وابن جريج، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن أبي ليلى، وإسماعيل الأزرق، وكامل بن العلاء. روى عنه: محمد بن الوليد الفحام، وعبد الرحمن بن الأسود، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وسريج بن يونس، ويحيى بن معين، وزياد بن أيوب، وأبو كريب، وابن أبي شيبة وآخرون (١). قال يحيى بن معين: ليس به بأس (٢)، وفي رواية: صدوق، ثقة (٣). وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث (٤). وقال الدارقطني: ثقة (٥). روى له: أبو داود والترمذي وابن ماجه (٦). ووكيع والحماني؛ يأتي ذكر كل منهما في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما الأعمش: فهو سليمان بن مهران، أبو محمد، الأسدي الكاهلي الكوفي.

стр. 161

وكاهل هو: ابن أسد بن خزيمة، يقال: أصله من طبرستان من قرية يقال لها: دُنْباوَنْد، جاء به أبوه حميلًا إلى الكوفة فاشتراه رجل من بني أسد فأعتقه كذا، قال عبد الغني. رأيت بخط شيخنا الحافظ أبي محمد الدمياطي ﵀: الصحيح أن الحميل كان أبوه (١). والحميل: الذي يولد بأرض العدو. وقال أبو بكر الخطيب (٢): رأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئًا مرفوعًا. وروى عن عبد الله بن أبي أوفى مرسلًا، وسمع المعرور بن سويد وأبا وائل شقيق بن سلمة، وزيد بن وهب، وعمارة بن عمير، وإبراهيم التيمي، وأبا صالح ذكوان، وسعيد بن جبير، ومجاهدًا، وإبراهيم النخعي. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وسليمان التيمي، والحكم بن عتيبة، وزبيد اليامي، وسهيل بن أبي صالح، وسفيان الثوري، وشعبة، وزائدة، وشيبان بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن زياد، وسفيان بن عيينة، وعلي بن مسهر، وأبو معاوية، وحفص بن غياث، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن إدريس، [وعيسى] (٣) بن يونس، وعبد الرحمن المحاربي، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وعمر، ويعلى، ومحمد بنو عبيد الطنافسي، وأبو أسامة، وعبد الله بن عمر (٤) وغيرهم.

стр. 162

وكان من أقرأ الناس للقرآن وأعرفهم بالفرائض وأحفظهم للحديث". قال ابن المنادي: قد رأى سليمان الأعمش أنس بن مالك؛ إلا أنه لم يسمع منه، ولكنه قد رأى أبا بكرة الثقفي وأخذ له بركابه، فقال له: يابني! إنما أكرمت ربك " (١). وروى وكيع عن الأعمش؛ قال: رأيت أنس بن مالك وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي (٢). وقال أبو يحيى الحِمّاني، عن الأعمش؛ قال: سمعت أنسًا يقرأ: (إن ناشثة الليل هي أشد وطئًا وأصوب قيلًا)، فقيل له يا أبا حمزة: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ فقال: أقوم وأصوب واحد (٣). وروى ابن فضيل، عن الأعمش، قال: رأيت أنسًا بال، فغسل ذكره غسلًا شديدًا، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم صلى (٤). وقال يحيى بن معين: كل ما روي عن الأعمش عن أنس فهو مرسل (٥)، وقد رأى الأعمش أنسًا (٦). وقال ابن المديني: الأعمش لم يحمل عن أنس إنما رآه يخضب، وإنما سمعها عن يزيد الرقاشي وأبان عن أنس (٧).

стр. 163

وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو عبد الله: بلغني أن الأعمش ولد مقتل الحسين. (١) (٢). وقال الخطيب: أنا البرقاني، قال: قرأت على أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن [علّك] (٣) المروزي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد الذهلي يقول: ولد عمر بن عبد العزيز، وهشام بن عروة، والزهري، وقتادة، والأعمش، ليالي قتل الحسين بن علي، وقيل سنة إحدى وستين (٤). وقال حنبل: قال أبو عبد الله: قال يحيى: قال الأعمش: إنما كان بيننا وبين أصحاب محمد ﷺ ستر (٥). قال أبو عبد الله: صدق، هكذا كان قد رأى أصحاب النبي ﷺ (٦). وقال العجلي: الأعمش سليمان بن مهران أبو محمد: ثقة كوفي وكان محدث أهل الكوفة في زمانه، يقال: إنه ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب وكان يقرئ القرآن رأس فيه. قرأ على يحيى بن وثاب وكان فصيحًا وكان [أبوه من سبي] (٧) الديلم وكان مولى لبني كاهل فخذ من بني أسد وكان عسرًا سيئ الخلق (٨). وقال -في موضع آخر-: كان لا يلحن حرفًا، وكان عالمًا بالفرائض، ولم يكن

стр. 164

في زمانه من طبقته أكثر حديثًا منه وكان فيه تشيع، ولم يختم على الأعمش إلا ثلاثة نفر: طلحة بن مصرف، اليامي وكان أفضل من الأعمش وأرفع سنًّا منه، وأبان بن تغلب النحوي، وأبو عبيدة بن معن بن عبد الرحمن، بن عبد الله بن مسعود روى عن أنس بن مالك حديثًا واحدًا: "أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء" (١). وذكروا أن أبا الأعمش مهران شهد مقتل الحسين، وأن الأعمش ولد يوم قتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وراح الأعمش إلى الجمعة وعليه فروة، وقد قلب جلدها على جلده وصوفها إلى الخارج وعلى كتفه منديل الخوان مكان الرداء (٢). وقال يحيى بن يمان: قال الأعمش: إني لأرى الشيخ يخضب لا يروى شيئًا من الحديث فأشتهي أن ألطمه (٣). وعن طلحة بن مصرف قال: كنا نختلف إلى يحيى بن وثاب نقرأ عليه، والأعمش ساكت ما يقرأ، فلما مات يحيى بن وثاب فتشنا أصحابنا فإذا الأعمش أقرأنا (٤). وقال زياد بن أيوب: سمعت هشيمًا يقول: ما رأيت بالكوفة أحدًا أقرأ لكتاب الله من الأعمش، ولا أجود حديثًا ولا أفهم ولا أسرع إجابة لما يسأل عنه (٥). وقال زهير: سمعت أبا إسحاق يقول: ما بالكوفة منذ كذا وكذا سنة أقرأ من رجلين في بني أسد: عاصم والأعمش؛ أحدهما لقراءة عبد الله، والآخر لقراءة زيد (٦).

стр. 165

وقال شعبة: سليمان الأعمش أحبُّ إليَّ من عاصم. وفي حديث [الجوهري] (١): أحبُّ إلينا حديثًا من عاصم. وذكر العجلي (٢)؛ قال: أمر عيسى بن موسى للقراء بصلة، فأتوا وقد لبسوا وجاء الأعمش وعليه ثياب قصار إلى أنصاف ساقيه، ورجل يقوده، فلما دخل الدار؛ قال: ها هنا ابن أبي ليلى؟ ها هنا ابن شبرمة؟ أريحونا من هذه الحيطان الطوال. قال عيسى: ما دخل علينا اليوم قارئ غير هذا عجلوا له. وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن ولا القرن الذي كانوا قبلنا مثل الأعمش (٣). وقال: ما رأينا نحن والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته (٤). وقال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء، قال: فجمعهم، فجاء الأعمش في جبة فرو، قد ربط وسطه بشريط، فأبطؤوا، فقام الأعمش وقال: إن أردتم أن تعطونا شيئًا وإلا فخلوا سبيلنا، فقال: يا ابن أبي ليلى! قلت لك تأتي بالفقهاء، تجيء بهذا، قال: هذا سيدنا هذا الأعمش (٥). وقال يوسف بن موسى: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقوله: مات الأعمش يوم مات وما خلف أحدًا من الناس أعبد منه، قال: وكان صاحب سنة (٥). وكان يحيى القطان إذا ذكر الأعمش؛ قال: كان من النساك، وكان محافظًا على الصلاة في جماعة وعلى الصف الأول، قال يحيى: وهو علامة الإسلام (٥).

стр. 166

وعن محمود بن غيلان: ثنا وكيع؛ قال: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريبًا من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة (١). وذكر أبو عبيد محمد بن علي الآجري: قال أبو داود: وسمعت يحيى بن معين يقول: كان الأعمش جليلًا جدًّا (٢). وروى ابن نمير عن الأعمش؛ قال: كنت آتي مجاهدًا فيقول: لو كنت أطيق المشي لجئتك (٣). وقال أحمد: كان أبو إسحاق والأعمش رجلي أهل الكوفة (٣). وقال زهير بن معاوية: ما أدركت أحدًا أعقل من الأعمش والمغيرة (٣). وقال أبو بكر بن عياش. ثنا مغيرة، قال: لما مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعمش في الفرائض (٣). وقال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، ونسيت أنا واحدة (٣). وقال علي بن المديني: حفظ العلم على أمة محمد ﷺ ستة، فلأهل مكة: عمرو بن دينار، ولأهل المدينة: محمد بن مسلم -وهو ابن شهاب الزهري-، ولأهل الكوفة: أبو إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش ولأهل البصرة: يحيى ابن أبي كثير نافلة، وقتادة (٣). وروى يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عاصم الأحول؛ قال: مرَّ الأعمش بالقاسم بن عبد الرحمن فقال: هذا الشيخ -يعني: الأعمش- أعلم الناس بقول عبد الله بن مسعود (٣).

стр. 167

وعن شعبة: ما شفاني أحد من الحديث ما شفاني الأعمش (١). وقال العباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: كان جريرًا إذا حدَّث عن الأعمش؛ قال: هذا الديباج الخسرواني (٢). وروى عبيد الله بن [عمرو] (٣) عن إسحاق بن راشد؛ قال: قال لي (٤) الزهري: بالعراق أحد يحدث؟ قلت: نعم، قلت له: هل لك بعدُ أن آتيك بحديث بعضهم؟ فقال لي: نعم، فجئته بحديث سليمان الأعمش، فجعل ينظر فيها ويقول: ما ظننت أن بالعراق من يحدث مثل هذا! قال: قلت: وأزيدك! هو من مواليهم (٥). وقال عبد الله بن داود: سمعت شعبة يقول: إذا ذكر الأعمش؛ قال: المصحف المصحف (٥). وقال أبو حفص عمرو بن علي: كان الأعمش يُسمَّى المصحف من صدقه (٦). وقال الحسين بن إدريس: سمعت ابن عمار يقول: ليس في المحدثين أحد أثبت من الأعمش، ومنصور بن المعتمر -وهو أفضل من الأعمش- إلا أن الأعمش أعرف بالمسند منه وأكثر مسندًا (٦). وقال أبو بكر بن عياش: كنا نُسمِّي الأعمش سيد المحدثين، وكنا نجئ إليه إذا فرغنا من الدوران -وذكر كلامًا- ثم قال: وكان يُخرجُ إلينا شيئًا فنأكله، قال: فقلنا يومًا: لا يخرج إليكم الأعمش شيئًا إلا أكلتموه، قال: فأخرج إلينا شيئًا فأكلناه،

стр. 168

وأخرج فأكلناه، فدخل فأخرج فتيتًا فشربناه، فدخل فأخرج إجانة صغيرة وفتًا. فقال: فعل الله بكم وفعل، أكلتم قوتي وقوت امرأتي وشربتم فتيتها، هذا كلوا علف الشاة -وذكر تمام الحكاية- (١). وحكى الترمذي أن الأعمش ذكر عن أنس حكاية في الصلاة، وقد ذكر الحافظ أبو محمد عبد الغني بسند له إلى السري بن عاصم، قال: كنا عند محمد بن فضيل فسأله ابن حنبل أو سألته: يا أبا عبد الرحمن؟ الأعمش رأى أنس بن مالك؟ فوقف فقال: ما أدري، فقلت له: حدثني عيسى بن يونس، عن الأعمش أنه رأى أنس بن مالك يصلي فلما رفع رأسه من الركوع استوى قائمًا فرأيت محمد بن فضيل أعجبه ذلك وسُرَّ به (٢). قال أبو نعيم: مات الأعمش وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وولد سنة ستين، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة في شهر ربيع الأول، بعد منصور بست عشرة سنة (٣) وقال العجلي: مات سنة تسع وأربعين ومئة، وكان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال في موضع آخر: سنة ثمان (٤). قال الخطيب: الصحيح أنه مات سنة ثمان وأربعين ومئة (٥). روى له الجماعة. قلت: لم يذكر في باب الاستتار عند الحاجة إلا حديث الأعمش (٦) من

стр. 169

طريقيه المنقطعين عن ابن عمر معلقًا وعن أنس مسنده إليه. وهذا الانقطاع ليس متفقًا عليه، قد خالف فيه البزار وأبو نعيم (١). وفي كلام العجلي ما يشعر به (١) (٢). وقال عبد الحق (٣): وقد روى حديث الترمذي هذا أبو جعفر العقيلي (٤) من حديث الحسين بن عبيد الله التميمي، عن شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ولم يتَابع الحسين على هذا. وقد ذكر في الباب حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل؛ فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. من فعل هذا فقد أحسن ومن لا فلا حرج". رواه الإمام أحمد (٥) وهذا لفظه وابن ماجه (٦)، وذكره البيهقي (٧) أيضًا كلهم من طريق أبي سعيد الخير وبعضهم يقول الحبراني، عن أبي هريرة وبعضهم يقول أبو سعيد، كذلك قال الدارمي في مسنده (٨). وقال أبو زرعة: لا نعرفه (٩).

стр. 170

وفي ذلك أيضًا حديث عبد الله بن جعفر؛ قال: "أردفني النبيّ ﷺ خلفه (١)؛ وكان أحبَّ ما استتر به لحاجةٍ [هدفٌ] (٢)؛ أو حايشُ نخلٍ". صحيح أخرجه مسلم (٣). وأخرج أيضًا في الباب (٤) من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر: "فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم يجد شيئًا يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما يعني جمعهما؛ قال جابر: فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا برسول الله ﷺ مقبل، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت (٥) كل واحدة منهما على ساق" (٦) وذكر باقي الحديث. ورواه البيهقي (٧)، وهذا لفظه إلا أن البيهقي فرَّق في التبويب، فبوَّبَ على حديث الأعمش المذكور من طريقيه، كما ثوب أبو داود: باب كيف التكشف عند الحاجة، وعلى الأحاديث الأخر: بابٌ الاستتار عند قضاء الحاجة، وغيرهما لم يفرَّق

стр. 171

ولم يُبوب سوى بالاستتار كما فعل الترمذي، لكن زاد عليه بتلك الأحاديث. والحكم المذكور في الحديث مستحب للنصوص الواردة فيه؛ ويوضح ذلك قوله في حديث أبي هريرة: "من فعل هذا فقد (١) أحسن، ومن لا فلا حرج" وهذا من حديث أبي هريرة ظاهر في أن الأمر للوجوب ولولا ذلك لم يحتج ﷺ إلى قوله: "ومن لا فلا حرج"، وقوله فيه: "فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم". قال الإمام أبو سليمان الخطابي (٢): "معناه أن الشيطان يحضر تلك الأمكنة ويرصدها بالأذى والفساد، لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى، وتكشف فيها العورات وهو معنى قوله: "إن هذه الحشوش محتضرة" فأمر ﷺ بالتستر مهما أمكن وأن لا يكون قعود الإنسان (٣) في براح من الأرض يقع عليه اختلاف الناظرين؛ فيتعرض لانتهاك التستر أو تهبُّ الريح عليه فيصيبه نشر البول فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من فعل الشيطان وقصده إياه بالأذى والفساد". والهدف بفتح الهاء والدال: ما ارتفع من الأرض. وحايش النخل بالحاء المهملة والشين المعجمة، ويقال فيه أيضًا: حَش وحُش بفتح الحاء وضمها. قال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: "فيه استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط أو وهدة أو هدف أو نحو ذلك؛ بحيث يغيب [شخص (٤)] الإنسان جيدًا عن أعين الناظرين، وهذه سنة متأكدة" (٥).

стр. 172

وفي حديث جابر "الإداوة" آنية الماء تشبه المطهرة؛ قاله القاضي عياض (١) قال: والبعير المخشوش هو الذي جُعل في أنفه خشاش وهو عود يربط عليه حبل يدلك به لينقاد. وفي انقياد النخلتين ثم وجمعهما علم عظيم من أعمال (٢) النبوة. ١١ - باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين حدثنا محمد بن أبي عمر العدني المكي: ثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه. وفي الباب: عن عائشة، وسلمان، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف. قال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي والعمل على هذا عند أهل العلم كراهة الاستنجاء باليمين (٣). * الكلام عليه: أما حديث أبي قتادة: فمتفق عليه، وحيث قلنا: متفق عليه أو مخرج في الكتب الستة؛ فالمراد منه: أنه عند البخاري (٤)، ومسلم (٥)، وأبي داود (٦)،

стр. 173

والترمذي (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣). وحديث عائشة: رواه الإمام أحمد (٤) وأبو داود (٥)، من حديث إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي، عن عائشة؛ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلافه وما كان من أذى". قال العباس بن محمد الدوري عن ابن معين: لم يسمع إبراهيم من عائشة، ومراسيله صحيحة؛ إلا حديث تاجر البحرين (٦). وقد رواه أبو داود أيضًا (٧)، حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فاتصل من هذا الوجه وظهر الواسطة بين إبراهيم وعاثشة. وقد خرج في الكتب الستة من حديث مسروق عن عائشة بمعناه (٨).

стр. 174

وحديث سلمان: قيل له: "قد علَّمكم نَبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءةَ؛ قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن يستنجي أحدُنا برجيع أو عظم". رواه مسلم (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) وسيأتي عند الترمذي (٤). وحديث أبي هريرة: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلِّمكم؛ فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطبَّ بيمينه". الحديث أخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) مختصرًا. وأخرجه النسائي (٧) وابن ماجه (٨) تامًّا. وحديث سهل بن حنيف (٩).

стр. 175

وفي الباب مما لم يذكره حديث حفصة: "أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لا سوى ذلك". رواه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢)، وعند أحمد فيه: "لطعامه وطهوره وصلاته" الحديث في إسناده أبو أيوب الإفريقي عبد الله بن علي، وفيه مقال، وفيه أبو الزبير عن جابر لكنه معلل. قال ابن أبي حاتم (٣): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه مصعب بن المقدام، عن الثوري، عن أبي الزبير، فقالا: خطأ إنما هو الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قتادة، عن أبيه والوهم من مصعب". وحديث أبي قتادة أورده مختصرًا ذكره ما يقتضيه التبويب. ولفظه عند مسلم (٤) عن أبي قتادة الأنصاري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء". قال: وأبو قتادة الحارث بن ربعي (٥). قال أبو عمر (٦): هكذا يقول ابن شهاب وجماعة أهل الحديث: قال ابن إسحاق وأهله يقولون: إن اسمه النعمان بن عمرو بن بلدمة". قال أبو عمر (٧): وقيل بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم

стр. 176

ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: النعمان بن عمرو بن بلدمة وقيل: عمرو بن ربعي بن بلدمة. واختلف في تقييدها؛ فقيل: مهملة الدال وأولها باء (١) ثاني الحروف مفتوحتان، وقيل: مضمومتان، وقيل: بالذال المعجمة مضمومة. قال ابن دريد (٢): البلدمة لحم الصدر ونحوه وهو أيضًا الرجل الثقيل حلّه (!) بالمهملة. وقال أبو عبيد: البلذم بالمعجمة الحلقوم. وقال ابن دريد (٣): هو ما اضطرب من المريء. وقال الأصمعي (٤) في "الفرس": البلدم: هو ما اضطرب من حلقومه ومريئه. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، اخُتلف في شهوده بدرًا فلم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد كُلِّها. وذكر الواقدي (٥) قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن أبي قتادة؛ قال: "أدركني رسول الله ﷺ يوم ذي قرد، فنظر إلي، فقال: اللهم بارك في شعره وبشره، وقال: أفلح وجهك، قلت: ووجهك يا رسول الله؛ قال قتلت

стр. 177

مسعدة؛ قلت: نعم، قال: فما هذا الذي بوجهك، قلت: سهم قد رميت به يا رسول الله! قال: فادن، فدنوت منه فبصق عليه فما ضرب عليَّ قطٌ ولا قاح". وروى من مرسل محمد بن المنكدر (١) ومرسل عطاء (٢) ومرسل عروة: أن رسول الله ﷺ قال لأبي قتادة: "من اتخذ شعرًا فليحسن إليه أو ليحلقه"، وقال له: "أكرم جُمَّتك وأحسن إليها (٣). فكان يرجلها غبًّا" وكان يُقال لأبي قتادة: فارسُ رسول الله [روينا عن النبي] أنه قال: "خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع" (٤). روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وسبعون حديثًا اتفقا منها على أحد عشر حديثًا وانفرد البخاري بحديثين وانفرد مسلم بثمانية أحاديث. روى عنه ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن كعب بن نافع، وأبو الجليل صالح بن أبي مريم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن سليم، ومعبد بن كعب بن مالك، وأبو محمد بن نافع مولاه، وعبد الله بن رباح الأنصاري، وعبد الله بن معبد الرماني، وعلي بن رباح وعطاء بن يسار، وعمار مولى بني هاشم. واختلف في وفاته قال أبو عمر: "فقيل: مات بالمدينة سنة أربع وخمسين" وقيل: بل مات في خلافة علي ﵁ بالكوفة وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه علي ﵁ وكبر عليه سبعًا. قال الشعبي: وكان بدريًّا.

стр. 178

وقال الحسن بن عثمان: مات سنة أربعين وشهد أبو قتادة مع علي ﵄ مشاهده كلها (١). وقال الواقدي: لم أر بين ولد أبي قتادة وأهل البلد عندنا اختلافًا: أنَّ أبا قتادة توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين، وروى أهل الكوفة أنه توفي بالكوفة وعلي بن أبي طالب بها وهو صلى عليه، فالله أعلم (٢). وقوله: "نهى أنْ يمسَّ الرجلُ ذكره بيمينه" ظاهُر النهي التحريم، وعليه حمله الظاهري فإنه قال: من استنجى بيمينه لا يجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه، وعند الجمهور لا يقتضيه وأيضًا فإن الجمهور صرفوا هذا النهي إلى غير ذات المنهي (٣) عنه وهو احترام المطعوم واليمين والمطلوب الذي هو الإنقاء قد حصل، فيجزئ عندهم لكنه أساء، واللفظ الذي ذكره الترمذي يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين مطلقًا، فمن الناس من أخذ بهذا العام. ولفظ مسلم: "لا يمسكنَّ أحدُكم ذكره بيمينه وهو يبول" فقد سبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص، فيختص النهي بهذه الحالة، وهذا هو الظاهر في هذه الصورة؛ فإن الحديثَ واحدٌ والمخرج واحد وكله راجع إلى حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه؛ فزيادة الثقة فيه مقبولة مقيدة بمطلق من لم يزد، وأما إذا اختلف الحديثان فقد يتوجه ذلك في بعض الصور وقد لا يتوجه كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. قال الخطابي (٤): "إنما كره مس الذكر باليمين تنزيهًا له عن مباشرة العضو الذي

стр. 179

يكون منه [الأذى والحديث، وكان ﷺ يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه ويسراه لما عداها من بقية البدن"] (١). وقد تعرض ها هنا شبهة وتشكل مسألة؛ فيقال: قد نهى عن الاستنجاء باليمين، ونهى عن مس الذكر باليمين، فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول؟ فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وإن أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بشماله، فقد دخل في النهي؟ والجواب: أن الصواب في هذا أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو بالجدار، أو بالوضع الثاني، ومن وجه الأرض، وبنحوها من الأشياء؛ فإن أدت الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة والنبل ونحوها، فالوجه أن يأتي لذلك بأن يلصق مقعدته إلى الأرض ويمسك الممسوح بين عقبيه، ويتناول عضوه بشماله فيمسحه به وينزه عنه يمينه. وسمعت ابن أبي هريرة يقول: حضرت مجلس المحاملي وقد حضره شيخ من أهل أصفهان نبيل الهيئة، قدم أيام الموسم حاجًّا، فأقبلت عليه وسألته عن مسألة في الطهارة، فتضجر وقال: مثلي يسأل عن مسائل الطهارة؟! فقلت: لا والله، إن سألتك إلا عن الاستنجاء نفسه. فألقيت عليه هذه المسألة فبقي متحيرًا لا يحسن الخروج منها إلى أن فهمته (٢). قوله: "بالحجارة والنبل"، النبل: حجارة صغار بعد الاستنجاء، وفي الحديث: "اتقوا اللاعن وأعدوا النبل" (٣).

стр. 180

قال أبو العباس القرطبي (١): في النهي عن إمساك الذكر باليمين وعن التمسح في الخلاء باليمين يلزم منهما تعذر، اختلف علماؤنا في كيفية التخلص منه. فقال المازري (٢): يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرًا ليسلم على مقتضى الحديثين. قال: هذا إن أمكنه حجر ثابت أو أمكنه أن يسترخي فيتمسح بالأرض، فإذا لم يمكنه شيء من ذلك، فقال الخطابي (٣): وذكر عنه ما حكيناه، ثم قال: وقد يكون موضع لا يآتى له فيه الجلوس. فقال عياض (٤): أولى ذلك أن يأخذ ذكره بشماله ثم يأخذ الحجر بيمينه فيمسكه أمامه، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره ويمسحه بذلك دون أن يستعمل اليمين، في غير إمساك على ما يتمسح به. قال أبو العباس (٥): وهذه الكيفية أحسنها لقلة تكلفها ولتأتيها ولسلامتها على ارتكاب منهي عنه، إذ لم يمسك ذكره باليمين ولا تمسَّح به وإنما أمسك ما يتمسَّح به. وسيأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على الحديث الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى. وقوله: "ولا يتنفس في الإناء" وهو نهي تنزيه كما سبق من باب التأدب
следующие страницы →