← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

عبد (١) الله بن حمَّاد الآملي (٢)، ذكره أبو القاسم بن عساكر (٣)، وعبد الله بن

стр. 1122

حماد هو ابن أيوب بن موسى أبو عبد الرحمن قدم بغداد وحدث بها عن عبد (١) الغفار بن داود الحراني وأبي (٢) الحماد محمد (٣) بن عثمان. روى عنه القاضي المحاملي (٤) والهيثم (٥) بن كليب الشاشي وخلق يطول ذكرهم. وثَّقه ابن (٦) حبان، توفي في ربيع الآخر سنة تسع وستين ومائتين (٧) وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائتين (٨) ومائة. روي له البُخاريّ (٩).

стр. 1123

وهذا الحديث عند الدارقطني (١) عن محمد بن حمدويه المروزي عن عبد الله بن حماد، ومحمد بن حمدويه هذا ذكره الخطيب أبو بكر في "تاريخه" (٢) قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب: أنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا حفص ضيغم الزَّاهد يقول: توفي أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل ليلة الثلاثاء ثالث عشر من صفر (٣) سنة سبع وعشرين وثلاثماثة الخطيب (٤) توثيقه، فالحديث إذًا صحيح الإسناد. وهو عند الدارقطني (٥) أيضًا من طريق أبي معشر عن موسى بن عقبة، لكن ليست كهذه، فإن أبا معشر (٦) مضعَّف، وفي الطَّريق إليه مجهول. قال الدارقطني (٧): ثنا محمد بن مخلد عن محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل، عن أبي معشر. وذكر ابن (٨) أبي حاتم سمعت أبي وذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يقرأ الجنب

стр. 1124

ولا الحائض شيئًا من القرآن". فقال أبي: هذا خطأ؛ إنَّما هو عن ابن عمر قوله (١): وفي كتاب "الكامل" (٢) عن عبد الله وذكر هذا الحديث، قال: أبي هذا باطل أنكر على إسماعيل، يعني أنَّه وهم من إسماعيل بن عياش. ورواه أبو أحمد (٣) بن عدي من حديث أبي إسحاق إبراهيم بن العلاء الزبيدي الحمصي المعروف بابن زبريق عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله -يعني العمري- وموسى بن عقبة، وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه غير ابن عياش وعامة من رواه عن ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، وزاد في هذا الإسناد عن ابن عياش، إبراهيم بن العلاء. وسعيد بن يعقوب الطالقاني فقالا: عبيد الله وموسى بن عقبة. وليس لهذا الحديث أصل، وحديث عبيد الله. انتهى. ورواية سعيد بن يعقوب الطالقاني هذه عند البيهقي (٤). وأمَّا حديث علي فذكره التِّرمذيُّ (٥) وصححه (٦)، وسيأتي في بابه بعد هذا إن

стр. 1125

شاء الله تعالى. وفي الباب ممَّا لم يذكره حديث عبد الله بن رواحة: "نهانا رسول الله ﷺ أن يقرأ أحد منا القرآن وهو جنب". روه يعقوب (١) بن سفيان الحافظ من جهة زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام (٢)، عن عكرمة قال: قال عبد الله بن رواحة: ... فذكره. أخرجه البيهقي (٣) في الخلافيات عنه. وعكرمة عن ابن رواحة منقطع (٤). رواه الدارقطني (٥) أتم منه بقصة، قال: كان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها، ففزعت امرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، ثم خرجت ففزع، ثم قام فلقيها (٦) تحمل الشفرة. قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك

стр. 1126

على الجارية. فقال: ما رأيتني، وقال: قد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، قالت: فاقرأ (١). فقال: أتانا رسول الله يتلو كتابه ... ما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا ما استقرّت (٢) بالمشركين المضاجع فقالت: آمنت بالله، وكذبت النظر (٣). ثم غدًا على رسول الله ﷺ فأخبره فضحك حتَّى بدت (٤) نواجذه ﷺ . وهو أيضًا منقطع (٥). ورواه الدارقطني (٦) من حديث الهيثم بن خلف (٧) بن عمار الموصلي، عن عمار بن رزيق، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام عن عكرمة، عن ابن عباس قال: دخل عبد الله بن رواحة ... فذكر نحوه، وقال: "إن رسول الله ﷺ نهى أن يقرأ أحدنا وهو جنب"، وهذا متصل (٨). قال البيهقي (٩): وروي عن إسماعيل بن عياش، عن زمعة. كذلك موصولًا،

стр. 1127

وليس بالقوي (١). وهو عند الواقدي (٢) عن عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن عبد الله بن مالك الغافقي (٣). وفيه عن عبد الله بن مالك الغافقي قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ : "إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتَّى أغتسل" (٤). قال: سمعته يقول ذلك عمر بن الخطاب، وفيه عن جابر وأبي موسى، وسيأتي عند ذكر حديث علي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال البيهقي (٥): تابعه عبد الله بن لهيعة، ومتابعة ابن لهيعة هذه التي أشار إليها البيهقي هي عند الطّبرانيّ (٦) في "معجمه الكبير"، عن المقدام بن داود، عن أسد بن موسى، عن ابن لهيعة ... فذكره غير أنَّه لم يذكر القراءة. وكذلك رويناه من طريق ابن (٧) قانع، من حديث ابن وهب: نا ابن لهيعة

стр. 1128

بسنده عن عبد الله بن مالك الغافقي: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول لعمر بن الخطاب: "إذا توضأت وأنت جنب أكلت وشربت، ولا تصلي"، ولم يذكر القراءة أيضًا. وروى البيهقي (١) من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبيدة، قال: كان عمر ﵁ يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. قال (٢): وهذا إسناد صحيح، وعبيدة -بفتح العين- وروي أيضًا من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم: أن عمر كان يكره أن يقرأ الجنب. قال شعبة: وجدت في صحيفتي: والحائض (٣)؛ إبراهيم عن عمر منقطع (٤)، ولم ينبه عليه البيهقي (٥). وروى (٦) من حديث عاصم بن عامر البجلي، عن أبي داود الطهوي، عن عبد الأعلي بن عامر الثعلبي، عن أبي عبد الرحمن قال: سئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ؟ قال: لا، ولا حرف. وروى الدارقطني (٧) من حديث عامر بن السمط: ثنا أبو الغريف الهمداني قال: كُنَّا مع علي ﵁ (٨) -: فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري

стр. 1129

أبولًا أحدث أم غائطًا، ثم جاء فدعا بكوز من ماء فغسل كفَّيه (١) ثم قرأ صدرًا من القرآن، ثم قال: اقرؤوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفًا واحدًا. أبو الغريف (٢) بالغين المعجمة. وروى الدارقطني (٣) من حديث أبي الشعثاء، عن جابر قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب ولا النفساء القرآن. وروى بقية عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهريّ، عن عبد (٤) الله بن عبد الرحمن بن مكمَّل: أنَّه سمع ابن عباس ﵁ يقول: لا بأس بأن يقرأ الرجل الآية ونحوها. أخرجه البيهقي (٥)، وعنه في رواية. الآية والآيتين (٦).

стр. 1130

وقد اختلف النَّاس في ذلك. قال الرافعي (١): كل ما يحرم بالحدث الأصغر يحرم بالجنابة، بطريق الأولى لأنها أغلظ، ويزداد (٢) شيئًا من القرآن قاصدًا به القرآن سواء كان آية أو بعض آية خلافًا لمالك، حيث جوّز قراءة الآيات اليسيرة (٣)، وبه قال أحمد في أصحِّ الروايتين. قال (٤): ولا يستثنى عندنا شيء من الصور إلَّا إذا لم يجد الجنب ماءً ولا ترابًا، وصلى على حسب الحال، ففي جواز قراءة الفاتحة له قولان: أحدهما: يجوز، والترخيص في الصَّلاة تجويز (٥) في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة. والثاني: وهو الأظهر، أنَّه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلًا كالعاجز عن القراءة حقيقيةً. والأول (٦): عند النواوي هو الأولى. أما إذا قرأ شيئًا منه لا على قصد القراءة (٧) فيجوز كما إذا قال: "بسم الله" على قصد التبرك والابتداء، و"الحمد لله" في خاتمة الأمر، أو قال: "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كُنَّا له مقرنين". على قصد إقامة سنة الركوب لأنَّه (٨) لم يقصد

стр. 1131

القرآن لأنَّ فيه إخلال بالتعظيم، ولو جرى على لسانه ولم يقصد هذا ولا ذلك فلا يحرم أيضًا. وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض للحديث السابق، ولأن حدثها أغلظ فيكون الحكم بالتحريم أولى، وعن مالك: أنها يجوز لها قراءة القرآن، وقد رواه أبو ثور عن أبي عبد الله، فمن الأصحاب من قال: أراد به مالكًا، ونفى أن يكون الجواز قولًا للشافعي، ومنهم من قال: أراد الشَّافعي، وهو قول له في القديم. قال الشَّيخ أبو محمد: وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع؛ فقال: قال أبو عبد الله ومالك، فثبت نقل قوله الجواز، وتوجيهه خوف النسيان، وقد تكون معلمة، فلو منعناها عن القراءة، والحيض يعرض في كل شهر غالبًا لانقطعت عن حرفتها بخلاف الجنابة، فإنَّه يمكن إزالتها في الحال. وهذا القول يجري في النِّفاس أيضًا. الثَّاني: المكث في المسجد وهو حرام على الجنب؛ لما روي أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". ولا يحرم العبور؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، والمعنى الفارق بين المكث والعبور أن العبور في المسجد لا قربة فيه، وفي المكث قربة الاعتكاف، فمنع منه الجنب. ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم، ولم يتمكن من الخروج لإغلاق الباب أو للخوف من العسس أو غيره على النَّفس والمال، فليتيمم في هذه الحالة تطهيرًا وتخفيفًا للحدث بقدر الإمكان، هذا إذا وجد توابًا غير تراب المسجد ولا يتيمم بترابه (١).

стр. 1132

والعبور وإن لم يكن حرامًا فهو مكروه إلَّا لغرض كما لو كان المسجد طريقًا إلى مقصده، أو كان أقصر الطريقين إليه، لا فرق في الجواز بين أن يكون له سبيل آخر إلى مقصده أو لا يكون. وفي وجه إنَّما يجوز إذا لم يكن له طريق سواه، وليس له أن يتردد في أكناف المسجد؛ فإن التردد في غير جهة الخروج كالمكث (١). وقال مالك: لا يمرا فيه أصلًا. وقال سفيان: لا يمرا فيه، فإن اضطرا إلى ذلك تيمما ثم مرّا فيه. وعن أحمد: يجوز للجنب المكث إذا توضأ. وعند المزني في الرّواية المشهورة عنده: يجوز له المكث مطلقًا (١)، وإلى ذلك ذهب داود (٢) الظاهري وأبو (٣) محمد بن حزم وغيرهما، جوزا أيضًا للجنب قراءة القرآن، وحكى أبو (٤) محمد ذلك عن بعض الصّحابة. قال (٥): واختلفوا في الجنب والحائض فقالت: طائفة: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن. وهو قول روي عن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄، وعن غيرهما أيضًا، وروي عن الحسن البصري وقتادة والنخعي وغيرهم. وقالت طائفة: أما الحائض فتقرأ ما شاءت من القرآن، وأمَّا الجنب فيقرأ الآيتين ونحوهما. وهو قول مالك. وقال بعضهم: لا يتم الآية. وهو قول أبي حنيفة.

стр. 1133

وذهب آخرون إلى جواز القراءة مطلقًا. ذكره ابن وضاح عن موسى بن معاوية، ثنا ابن وهب: عن يونس بن يزيد، عن ربيعة قال: لا بأس أن يقرأ الجنب القرآن (١). وعن موسى بن معاوية، نا يوسف بن خالد السمتي: نا إدريس: عن حماد قال: سألت سعيد بن المسيب الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: وكيف لا يقرؤه وهو في جوفه (١)! وبه إلى يوسف السمتي عن نصر الباهلي قال: كان ابن عباس يقرأ البقرة وهو جب (١). وروى محمد بن عبد السَّلام الخشني: ثنا محمد بن بشار: ثنا غندر: نا شعبة، عن حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟ فلم يرَ به بأسًا وقال: أليس في جوفه القرآن (٢)؟ وأمَّا مكث الجنب والحائض في المسجد سيأتي في باب الحائض تناول الشيء من المسجد إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 1134

٩٩ - باب ما جاء في مباشرة الحائض ثنا بندار: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا حضت يأمرني أن أتّزر ثم يباشرني. قال: وفي الباب عن أم سلمة وميمونة. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، هو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين وبه يقول الشَّافعي وأحمد وإسحاق (١). * الكلام عليه: أخرجوه أجمعون (٢)، وحديث أم سلمة قالت: بينا أنا مع رسول الله ﷺ مضطجعة في الخميلة حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: "أنَفسْت؟ "، فقلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. أخرجاه في الصحيحين (٣).

стр. 1135

وأخرجاه (١) أيضًا عن ميمونة زوج النَّبيِّ ﷺ قالت: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتّزرت وهي حائض. اللفظ للبخاري. ولمسلم (٢) في الباب ممَّا لم يذكره عن أنس بن مالك: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النَّبيِّ ﷺ النَّبيَّ ﷺ ؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ...﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلَّا النّكاح". وفيه عن عكرمة عن بعض أزواج النَّبيّ ﷺ : أن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا. رواه أبو (٣) داود. وفيه أيضًا عن عمير مولى عمر قال: جاء نفر من أهل العراق إلى عمر، فقال لهم عمر: أبإذن جئتم؟ قالوا: نعم، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نسأل عن ثلاث، قال: وما هنّ؟ قالوا: صلاة الرجل في بيته تطوّعًا، ما هي؟ وما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض؟ وعن الغسل من الجنابة، فقال عمر: أسحرة أنتم؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، ما نحن سحرة. قال: لقد سألتموني عن ثلاثة أشياء ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنهن قبلكم، أما صلاة الرجل في بيته نور (٤)؛ نوّر بيتك ما استطعت، وأمَّا الحائض فما فوق الإزار وليس له ما تحته. وأمَّا الغسل من الجنابة فتفرغ بيمينك على يسارك، ثم تدخل يدك في الإناء فتغسل

стр. 1136

فرجك وما أصابك ثم توضأ وضوءك للصلاة ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرَّة، ثم تغسل سائر جسدك. رواه أبو (١) يعلى الموصلي في "مسنده"، والبيهقيّ (٢) في "سننه". وفيه أيضًا ما روى أبو داود (٣) في "السنن" عن عبد الله بن سعد الأنصاري: أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار". وفيه عن معاذ بن جبل: سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل". رواه أبو داود (٤) عن هشام بن عبد الملك اليزني، عن بقية، عن سعد بن عبد الله الأغطش، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن معاذ. وفيه عن ابن عباس: قال أبو (٥) محمد:

стр. 1137

روينا من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن كريب، عن ابن عباس أنَّه سئل عن ما يحل من المرأة وهي حائض لزوجها؟ قال: سمعنا -والله أعلم- إن كان قاله رسول الله ﷺ فهو كذلك: "يحل له ما فوق الإزار". وفيه عن أم حبيبة: روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج (١)، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أم حبيبة زوج النَّبيِّ ﷺ قال: سألتها كيف كنت تصنعين مع رسول الله ﷺ في الحيض؟ قالت: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها ثم تضطجع مع رسول الله ﷺ ". والاتزار (٢): أن تشد إزارًا تستر سرتها. (٣) وما تحتها إلى الركبة، والمباشرة (٤) فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس وغير ذلك حلال باتفاق. نقل الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني وجماعة الإجماع على هذا، وأمَّا ما حكي عن عبيدة السلماني، وغيره من أنَّه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة (٥) في مباشرة النَّبيِّ ﷺ فوق الإزار وإذنه في ذلك (٦)، ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به شيء من الدَّم أو لا يكون. هذا هو الصواب -إن شاء الله تعالى-

стр. 1138

الذي قطع به جمهور الأصحاب وغيرهم من العلماء، وحكى المحاملي وجهًا لبعض الأصحاب أنَّه يحرم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة إذا كان عليه شيء من دم الحيض. قال النووي ﵀: وهذا الوجه باطل لا شك فيه. وأمَّا المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحّها: عند الجمهور (١) وأشهرها في المذهب أنَّه حرام. والثاني: أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل (٢). الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته وأمَّا لشدة ورعه جاز، وإلا فلا، وهذا الوجه حسن، قاله أبو الفياض (٣) البصري من منتحلي مذهب الشَّافعي ﵀، وممن ذهب إلى الوجه الأول وهو التحريم مطلقًا مالك وأبو حنيفة، وقبلهما (٤) سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة. وممن ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن الحسن وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود (٥) واحتجوا بحديث أنس الذي ذكرناه: "اصنعوا كل شيء إلَّا النكاح".

стр. 1139

قالوا: وأمَّا اقتصار النَّبيِّ ﷺ في مباشرته على ما فوق الإزار فمحمول على الاستحباب (١)، والفرق بين الدلالة القولية والفعلية ظاهر فلا خفاء برجحان هذا المذهب. وتحريم الوطء والمباشرة حيث هي محرمة يكون في مدة الحيض وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء بشرطه عند مالك والشّافعيّ وأحمد وجمهور السلف. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدَّم لأكثر الحيض حل وطؤها في الحال. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ...﴾، وقوله: "يَطْهُرْنَ" معناه حتَّى يحصل لهنَّ الطهر الذي هو عدم المحيض، وقوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْن" هو صفة فعلهن. وأمَّا ما ذهب إليه أبو حنيفة فقال: أبو محمد علي بن أحمد الفارسي: لم في عن أحد من الصّحابة ﵃ في هذه المسألة شيء، ولا نعلمه أيضًا عن أحد من التّابعين إلَّا عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة، وروينا من طريق الدَّارميِّ عن عطاء الترخيص فيه للشبق. وأمَّا الدبر فحرام في كل وقت. * * *

стр. 1140

١٠٠ - باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها حدَّثنا عباس العنبري ومحمد بن عبد الأعلى قالا: نا عبد الرحمن بن مهدي: ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمه عبد الله بن سعد قال: سألت النَّبيَّ ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: "واكلها". قال: وفي الباب عن عائشة وأنس. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب وهو قول عامة أهل العلم لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسًا. واختلفوا في فضل وضوئها، فرخص في ذلك بعضهم، وكره بعضهم فضل طهورها (١). * الكلام عليه: أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣).

стр. 1141

وحرام (١) هذا ينسب إلى معاوية، وينسب أيضًا حرام بن حكيم بن خالد بن سعد بن حكم الأنصاري، وسبب ذلك الاختلاف على معاوية بن صالح في حديثه فيقول عنه ابن وهب ويكرر سهل حرام بن حكيم، ويروي عنه ابن مهدي بن معاوية كما ذكرناه. وقد جعل هذا له ترجمتين ابن (٢) أبي حاتم وتبع في هذا التَّفريق البُخاريّ (٣) فإنَّه جعله كذلك، وتبعهما الدَّارميُّ. ونبه على صواب ذلك الخطيب (٤)، رأيته بخطه. روى عن أبي هريرة وعمه عبد الله بن سعد وأبي ذر الغفاري وأنس بن مالك وأبي مسلم الخولاني ونافع بن محمود بن ربيعة.

стр. 1142

قال أحمد (١) بن عبد الله العجلي: مصري ثقة. كذا قال، وهو دمشقي (٢). روي له أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه (٣)، وذكره ابن حبان (٤) في "الثقات" (٥). والعلاء بن الحارث أخرج له مسلم (٦)، وإلى العلاء عن حرام عن عمه ترجع طرق هذا الحديث، وهو حديث طويل، هذه قطعة منه. روى منه أبو داود (٧): سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: "ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذاك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة". وفي لفظ له (٨): أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لك ما فوق الإزار"، وذكر مؤاكلة الحائض وساق الحديث. وأخرج التِّرمذيُّ (٩) هذه القطعة هنا وأخرج طرفًا منه في الشَّمائل (١٠).

стр. 1143

وأخرجه ابن (١) ماجه مختصرًا في موضعين من كتابه. فأما أبو داود (٢) فرواه عن إبراهيم بن موسى، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد به. وعن هارون (٣) بن محمد بن بكار، عن مروان بن محمد الطاطري، عن الهيثم بن حميد، عن العلاء به. وحديث الهيثم فيه زيادة: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ وذكر مؤاكلة الحائض. وروى التِّرمذيُّ (٤) هذه القطعة منه هنا بهذا السند، وروى منه في الشَّمائل (٥): عن عباس خاصّة، عن ابن مهدي به. قصة الصَّلاة: سألت رسول الله ﷺ : أيّما أفضل الصَّلاة في بيتي، أو الصَّلاة في المسجد؟ سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. وروى ابن (٦) ماجه بعضه عن أبي بشر بكر بن خلف، عن ابن مهدي، وقصة الصَّلاة منه في الصَّلاة (٧) عن بكر بن خلف، به. فالغرابة التي أشار إليها التِّرمذيُّ هي ما ذكرناه من جهة العلاء فمن فوقه، وبها صار الحديث حسنًا؛ إذ رواته كلهم ثقات، كما ذكرنا من حال العلاء وحرام

стр. 1144

ومن عداهما في الإسناد لا يُسْأل عنه، وإن كان معاوية (١) بن صالح قد مُسّ بجرح يسير، لكن من وثقه أكثر ممن جرحه، ولم يتبين فيه جرح، وقد أخرج له مسلم (٢) في "صحيحه" محتجًا به. وقد ذكر شيخنا الإمام الحافظ أبو (٣) الفتح القشيري -رحمه الله تعالى- منه من طريق أبي داود عن الهيثم بن حميد، ثنا العلاء عن حرام، عن عمه: أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لك ما فوق الإزار". قال (٤): وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا، وساق الحديث، ثم قال (٥): وذكر أبو القاسم البغوي (٦) في "معجمه" عبد الله بن سعيد، وأخرج له حديثًا من رواية العلاء بن الحارث، فذكر: سألت رسول الله ﷺ عن الصَّلاة في بيتي والصلاة في المسجد ... الحديث. قال: ولا أعلم روي عنه غير هذا الحديث (٧). قال القشيري (٨): وهذا الحديث الذي ذكرناه يعني: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ مستدرك على ما قال، ثم قال: وعند التِّرمذيِّ (٩) مؤاكلة الحائض، وذكره. وعند ابن قانع (١٠) في معجمه: سألت رسول الله ﷺ عمّا يوجب الغسل؟

стр. 1145

قال: "إذا استبطنتها فتوضأ واغتسل"، يشير إلى أنها أحاديث متعددة وكلها مستدرك على البغوي، وليس كذلك؛ وإنَّما كله حديث واحد يتضمن أجوبة متعددة، فذكر البغوي طرفًا منه مشيرًا إليه كما هو المعروف من عوايدهم في ذلك. قال (١): وفي الباب عن عائشة. وهو حديث عائشة قالت: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النَّبيَّ ﷺ فيضع فاه على فيّ" وأتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله النَّبيَّ ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ". أخرجه مسلم (٢)، فاقتضى هذا الحديث مؤاكلة الحائض وهو صحيحٌ بتصحيح مسلم إياه، فاعتضد به حديث الباب وارتقى به في مراتب التحسين إلى مرتبة لم تكن له لولاه. وقد تقدمت الإشارة إلى أن كلام الصَّحيح والحسن والضعيف تتفاوت رتبه في ذلك. وكذلك حديث أنس الذي أشار إليه وهو عند مسلم (٣) أيضًا: "أن اليهود كانوا إذا حاضت فيهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النَّبيِّ ﷺ النَّبيَّ ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ...﴾ إلى آخر الآية. فقال: رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيءٍ إلَّا النكاح" (٤). وهذا ممَّا أجمع (٥) النَّاس عليه، وقد تقدم في الباب قبل هذا الخلاف فيما يباح

стр. 1146

للرجل من امرأته وهي حائض. قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض ولا قبلتها ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، وقد قدّمنا ما في ذلك. قالو: ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره طبخها ولا عجنها، ولا غير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران، وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو (١) جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله. وأما قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ. . .﴾ الآية: فالمراد: اعتزلوا وطئهن (٢).

стр. 1147

١٠١ - باب ما جاء في الحائض تناول الشيء من المسجد ثنا قتيبة: ثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : "ناوليني الخمرة من المسجد"، قالت: قلت إني حائض. قال: "إن حيضتك ليست في يدك". قال: وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن، وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك. قال: لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد (١). * الكلام عليه: ثابت (٢) بن عبيد: أنصاري معدود من أفراد مسلم (٣)، وثقه أحمد (٤) ويحيى (٥). وعبيدة (٦) بن حميد الضبي (٧) احتج به البخاري (٨) ومات بعد التسعين ومائة.

стр. 1148

وقد حسّن الترمذي (١) هذا الحديث وهو صحيح بتصحيح مسلم إيّاه، وإخراجه في كتابه (٢)؛ فقد رواه عن أبي بكر وأبي كريب ويحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم، عن عائشة. قال: وثنا أبو كريب، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج وابن أبي غنية كليهما، عن ثابت بن عبيد (٣). ورواه أبو داود (٤) عن مسدد، عن أبي معاوية. والنسائي (٥) عن قتيبة، وإسحاق عن إبراهيم، عن جرير. وأبي معاوية، عن الأعمش، به. فأما رواية النسائي عن قتيبة، عن جرير وأبي معاوية، أو عن أحدهما، ورواية الترمذي عن قتيبة، عن عبيدة بن حميد، فلا مانع أن يكون ذلك كله عند قتيبة وحدث به تارة عن عبيدة وتارة عن غيره. وأما الشيخ أبو الحسن الدارقطني فإنه ذكر على الأعمش اختلافًا في هذا الحديث، وصوّب رواية من رواه عنه، عن ثابت، عن القاسم، عن عائشة، كما ذكرناه في غير موضع من كلامه. وليس هذا الاختلاف الذي ذكره الدارقطني مانعًا من القول بصحته بعد أن بيّن وجه الصواب.

стр. 1149

فإن قيل: تفرد ثابت به، وهو وإن كان ثقة فليس في مرتبة الحفظ والإتقان الذي يقبل معه تفرده، قد يكون فيمكن أن يجاب عنه بأن من جملة الطرق التي هي عند الدارقطني، وإن كان صوّب حديث ثابت. أخرجه من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن السائب، عن محمد بن أبي بكر، عن عائشة. وزعم الدارقطني أن محمد بن فضيل وهم فيه على قلة وهمه، ومنها عبد الوارث بن سعيد، وعبد الرحمن المحاربي كلاهما عن ليت بن أبي سليم، عن القاسم، عن عائشة، وخالفهما جرير فرواه عن ليث، عن ثابت، عن القاسم، فأدخل ثابتًا. ومنها أبو عمر الحوضي عن شعبة، عن سليمان الشيباني، عن القاسم، عن عائشة. فحصل من هذا الاختلاف رواية لسليمان الشيباني وليث بن أبي سليم، والرواية التي من طريق محمد بن أبي بكر، عن عائشة. وهذه متابعات لطريق ثابت بن عبيد، وهي وإن لم تثبت يُحصّل تقوية الحديث في الاصطلاح. وأما حديث ابن عمر. وأما حديث أبي هريرة فعند مسلم (١) عنه قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: "يا عائشة، ناوليني الثوب! " قالت: إني حائض، فقال: "إن حيضتك ليست في يدك". فناولته.

стр. 1150

الحيضة: قيدها الخطابي (١) بكسر الحاء: يعني الحالة والهيئة، وأما المحدثون فيفتحون الحاء، وهو خطأ (٢). وصوّب القاضي عياض (٣) الفتح، وزعم أن كسر الحاء هو الخطأ، لأن المراد الدم وهو الحيض بالفتح لا غير. وقال الخطابي (٤): الخمرة: هي السجادة التي يسجد عليها المصلي (٤)، وهي عند بعضهم قدر ما يضع عليه المصلي وجهه فقط، وقد يكون عند بعضهم أكبر من ذلك (٥). وروى أبو داود (٦) في سننه من حديث ابن عباس قال: "جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها مثل موضع درهم"، ففي هذا إطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، وسميت خُمْرة من التخمير وهو التغطية ومنه خمار المرأة، والخَمرة لأنها تغطي العقل (٧). وقولها: من المسجد: قال القاضي (٨) عياض ﵀ معناه أن النبي

стр. 1151

- ﷺ قال لها ذلك من المسجد وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد، لأنه ﵇ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض. قد اختلف في هذا المجرور الذي هو من المسجد بماذا يتعلّق؟ فعلّقته طائفة بقوله: "ناوليني"، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تعرض لها إذا لم يكن على جسدها نجاسة، وأنها لا تمتنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وعلقته طائفة أخرى بقولها: قال لي رسول الله ﷺ من المسجد: "ناوليني الخمرة"، على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء أنها لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة لقوله ﵇: "لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جنب"، وسيأتي الكلام عليه، قالوا: ولأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، والجنب لا يمكث فيه، وإنما اختلفوا في عبوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء منعه فالحائض أولى بالمنع، ويحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنقّل فيه فيسقط الاحتجاج به في هذا الباب جملة، ويكون من باب طهارة ما لم تمسّه النجاسة من أعضاء الحائض كما سبق قال القاضي (١) عياض فيه: إن جسد الحائض طاهر ما لم يصب نجاسة، وكذلك ريقها وإن ما تلتمسه من ذلك لا يتنجس، وأنها لا تمتنع (٢) من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإليه ذهب زيد بن ثابت وحكاه الخطابي عن مالك والشافعي وأحمد. وأهل الظاهر يجيزون للجنب دخوله إلا أن أحمد يستحب له الوضوء لدخوله. ومنع سفيان وأصحاب الرأي دخول المسجد جملة، وهو مشهور قول مالك،

стр. 1152

وذهب بعض المتأخرين إلى جواز ذلك للحائض إذا استثفرت (١) بثوب. قال: كما جاء في المستحاضة في الصلوات (٢). قال: وليس هذا عندي صواب (٣)، لأنها متى استثفرت بثوب وخرج منها في الذي استثفرت به شيء، وإن أمن من تنجيسه المسجد فإنها نجاسة في الثوب ينزه المسجد عن كونها فيه. والمستحاضة في الطواف معذورة من وجهين: من الاستحاضة التي لزمتها، ومن تمام عقد العبادة التي دخلت فيها فلم يكن لها بد من ذلك، والحائض فلا ضرورة لها لدخول المسجد (٤). وقال أبو محمد (٥) بن حزم: وجائز للحائض وللنفساء أن تمر (٦) وجاز أن يدخلا المسجد وكذلك الجنب، لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وذكر حديث أبي داود (٧) من طريق أفلت به خليفة عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإن لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". رواه البخاري (٨) في "تاريخه الكبير" وفيه زيادة.

стр. 1153

وذكر (١) بعده حديث عائشة ﵂: "سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر". ثم قال (٢): وهذا أصح، روى هذا الحديث عن جسرة أفلت بن خليفة، وروى عنها قدامة بن عبد الله العامري الهذلي الكوفي في ترديد النبي ﷺ : "إن تعذبهم فإنهم عبادك". وهو عند النسائي (٣). وقال البزار (٤): ولا نعلم حدث عنها غير قدامة. وقد تبين أن أفلت حدّث عنها. وقال الخطابي (٥): ضعفوا هذا الحديث، أفلت راويه مجهول لا يصح الاحتجاج به. وقال أبو (٦) محمد -بعد أن ذكر حديث أفلت المذكور وحديث أم سلمة في معناه من طريق جسرة أيضًا-: هذا كله باطل، أما أفلت فغير مشهور ولا معروف بالثقة (٦). وليس ذلك من نظرهما (٧) بسديد في رد أخبار أفلت هذا، ولا في رد خبر جسرة، فأما جسرة فقال البخاري (٨): عندها عجائب. انتهى.

стр. 1154

ودجاجة -بكسر الدال- لا كواحدة الدجاج، فتلك بالفتح. أما جسرة: فقال أحمد (١) بن عبد الله العجلي: جسرة بنت دجاجة تابعية ثقة، وذكرها أبو حاتم (٢) بن حبان في كتاب "الثقات" له. وقال: روى عنها أفلت بن خليفة، وقدامة بن عبد الله العامري. وأما أفلت فوثّقه ابن (٣) حبان أيضًا، وقال أبو (٤) حاتم: هو شيخ، وقال أحمد (٥) بن حنبل: لا بأس به (٦). انتهى. يكنى أفلت أبا (٧) حيان. روى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد. قال: قال ابن (٨) القطان: وقول البخاري في جسرة عندها عجائب؛ لا يكفي في ردّ أخبارها. وحسن ابن (٩) القطان حديث جسرة عن عائشة الذي ذكرناه. ولعمري إن التحسين لأقل مرابته لثقة رواته ووجود الشواهد له من خارج، فلا حجة لأبي محمد ﵀ في رده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح ما رواه في ذلك، لأن هذا الحديث

стр. 1155

كافٍ في الردّ عليه، وفي الحديث (١): أن مسّ المرأة زوجها بغير لذة لا يضر في الاعتكاف، وثبت في الصحيح (٢) عن عائشة ﵂ قولها: "إن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد وأنا في حجرتي فأرجله، وكان لا يدخل البجت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا"، وفي بعض طرقه (٣): "فأغسله وأنا حائض". وفيه أن من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا فإنه لا يحنث بإدخال يده أو بعض جسده فيه ما لم يدخل كل بدنه.

стр. 1156

١٠٢ - باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض ثنا بندار: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وبهز بن أسد قالوا: نا حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد". قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ. وقد روي عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضًا فليتصدق بصدقة دينار" (١)؛ فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة. وضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد (٢). * الكلام عليه: رواه ابن (٣) ماجه من هذا الوجه وفيه: ". . . أو كاهنًا فصدقه بما يقول. . .". قال الترمذي (٤) في "العلل ": سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضعف هذا الحديث جدًّا.

стр. 1157

وذكر الحافظ أبو (١) عبد الله محمد بن عبد الواحد قال: ورُويَ عن البخاري (٢) أنه قال: حكيم الأثرم بصري عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة: "من أتى كاهنًا. . ." لا يتابع في حديثه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة. انتهى. ففيه ثلاث علل: التفرد الذي أشار إليه وهو عن غير ثقة، وهذا موجب للضعف. الثانية: ضعف راويه. الثالثة: الانقطاع بين أبي تميمة وأبي هريرة. وعلّة رابعة: وهي نكارة متنه لمخالفته ما ثبت من الكفارة في ذلك، وقد أشار إليها الترمذي (٣) ﵀. فأمّا التفرّد والشذوذ فمد تقدم في غير موضع أنه مع الثقة، تقتضي التحسين ومع التستر تقتضي التضعيف، فكيف مع الضعف. وأما ضعف راويه فإن البزار قال: حكيم الأثرم البصري روى عن أبي تميمة والحسن، حدث عنه حماد بن سلمة بحديث منكر. وقال ابن (٤) المديني: لا أدري من هو؟

стр. 1158

وقال محمد (١) بن يحيى: قلت لعلي بن المديني: حكيم الأثرم من هو؟ قال: أعيانا هذا. وقد تقدم قول البخاري لا يتابع على حديثه وما فيه من الانقطاع عن البخاري والنكارة التي أشار إليها الترمذي. وأبو تميمة (٢) الهجيمي طريف بن مجالد البصري كان من بني رشد (٣) فباعه عمه من رجل من هجيم (٤) فلم يرجع إلى قومه. روى عن: عبد الله بن عمر وأبي موسى وأبي هريرة (٥) وجندب بن عبد الله وعمرو البكالي وأبي (٦). . . . النهدي. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي وسليمان التيمي وبكر بن عبد الله المزني وقتادة وسعيد الجريري وخالد الحذاء وعقبة بن الأصم وحكيم الأثرم وثابت بن عمارة آخرون.

стр. 1159

قال يحيى (١): هو ثقة. وقال ابن (٢) سعد: هو ثقة إن شاء الله. توفي سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك، قاله الواقدي (٣). وذكر الكلاباذي طريفًا هذا، وقال: كان قد باعه عمه فأغلظت له مولاته، فقال: ويحك، إني رجل من العرب، فلما جاء زوجها قالت: ألا ترى إلى ما يقول طريف؛ فسأله فأخبره، فقال: خذ هذه الناقة فاركبها، وخذ هذه النفقة والْحَقْ بقومك، قال: لا والله، لا ألحق بقوم باعوني أبدًا. فكان ولاءه لبني الهجيم حتى مات (٤). خُرّج له في الصحيح (٥). وأما إتيان المرأة وهي حائض: فمحرم باتفاق العلماء (٦)، ونصّ الشافعي (٧)

стр. 1160

على أنه من الكبائر، وقد تقدم ما يباح منها سوى الوطء. وأما إتيان المرأة في دبرها: فنقل عن بعض السلف إباحته منهم نافع وابن أبي مليكة وزيد بن أسلم (١)، واختلفت الرواية عن ابن عمر (٢) ﵁. والذي استقر عليه بعد ذلك عند الفقهاء الأربعة وغيرهم فيه التحريم. روينا من طريق الدارمي (٣): أنا الحكم بن المبارك، عن سلمة (٤)، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: لقد عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيما أنزلت؟ وفيم كانت؟ فقلت: يا ابن عباس، أرأيت قول الله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. . .﴾ قال من حيث أمركم أن تعتزلوهنّ. وروينا عن عكرمة (٥): ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .﴾، قال: إنما هو الفرج. وروينا عن ابن عباس (٦): ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .﴾، قال: ائتها من بين يديها ومن خلفها بعد أن يكون في المأتي. وروينا عن عوف، عن الحسن (٧)، قال: كيف شئت -يعني إتيانها في الفرج-.
следующие страницы →