← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

١٠٢ - باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض ثنا بندار: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وبهز بن أسد قالوا: نا حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد". قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ. وقد روي عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضًا فليتصدق بصدقة دينار" (١)؛ فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة. وضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد (٢). * الكلام عليه: رواه ابن (٣) ماجه من هذا الوجه وفيه: ". . . أو كاهنًا فصدقه بما يقول. . .". قال الترمذي (٤) في "العلل ": سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضعف هذا الحديث جدًّا.

стр. 1157

وذكر الحافظ أبو (١) عبد الله محمد بن عبد الواحد قال: ورُويَ عن البخاري (٢) أنه قال: حكيم الأثرم بصري عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة: "من أتى كاهنًا. . ." لا يتابع في حديثه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة. انتهى. ففيه ثلاث علل: التفرد الذي أشار إليه وهو عن غير ثقة، وهذا موجب للضعف. الثانية: ضعف راويه. الثالثة: الانقطاع بين أبي تميمة وأبي هريرة. وعلّة رابعة: وهي نكارة متنه لمخالفته ما ثبت من الكفارة في ذلك، وقد أشار إليها الترمذي (٣) ﵀. فأمّا التفرّد والشذوذ فمد تقدم في غير موضع أنه مع الثقة، تقتضي التحسين ومع التستر تقتضي التضعيف، فكيف مع الضعف. وأما ضعف راويه فإن البزار قال: حكيم الأثرم البصري روى عن أبي تميمة والحسن، حدث عنه حماد بن سلمة بحديث منكر. وقال ابن (٤) المديني: لا أدري من هو؟

стр. 1158

وقال محمد (١) بن يحيى: قلت لعلي بن المديني: حكيم الأثرم من هو؟ قال: أعيانا هذا. وقد تقدم قول البخاري لا يتابع على حديثه وما فيه من الانقطاع عن البخاري والنكارة التي أشار إليها الترمذي. وأبو تميمة (٢) الهجيمي طريف بن مجالد البصري كان من بني رشد (٣) فباعه عمه من رجل من هجيم (٤) فلم يرجع إلى قومه. روى عن: عبد الله بن عمر وأبي موسى وأبي هريرة (٥) وجندب بن عبد الله وعمرو البكالي وأبي (٦). . . . النهدي. روى عنه: أبو إسحاق السبيعي وسليمان التيمي وبكر بن عبد الله المزني وقتادة وسعيد الجريري وخالد الحذاء وعقبة بن الأصم وحكيم الأثرم وثابت بن عمارة آخرون.

стр. 1159

قال يحيى (١): هو ثقة. وقال ابن (٢) سعد: هو ثقة إن شاء الله. توفي سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك، قاله الواقدي (٣). وذكر الكلاباذي طريفًا هذا، وقال: كان قد باعه عمه فأغلظت له مولاته، فقال: ويحك، إني رجل من العرب، فلما جاء زوجها قالت: ألا ترى إلى ما يقول طريف؛ فسأله فأخبره، فقال: خذ هذه الناقة فاركبها، وخذ هذه النفقة والْحَقْ بقومك، قال: لا والله، لا ألحق بقوم باعوني أبدًا. فكان ولاءه لبني الهجيم حتى مات (٤). خُرّج له في الصحيح (٥). وأما إتيان المرأة وهي حائض: فمحرم باتفاق العلماء (٦)، ونصّ الشافعي (٧)

стр. 1160

على أنه من الكبائر، وقد تقدم ما يباح منها سوى الوطء. وأما إتيان المرأة في دبرها: فنقل عن بعض السلف إباحته منهم نافع وابن أبي مليكة وزيد بن أسلم (١)، واختلفت الرواية عن ابن عمر (٢) ﵁. والذي استقر عليه بعد ذلك عند الفقهاء الأربعة وغيرهم فيه التحريم. روينا من طريق الدارمي (٣): أنا الحكم بن المبارك، عن سلمة (٤)، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: لقد عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيما أنزلت؟ وفيم كانت؟ فقلت: يا ابن عباس، أرأيت قول الله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. . .﴾ قال من حيث أمركم أن تعتزلوهنّ. وروينا عن عكرمة (٥): ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .﴾، قال: إنما هو الفرج. وروينا عن ابن عباس (٦): ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .﴾، قال: ائتها من بين يديها ومن خلفها بعد أن يكون في المأتي. وروينا عن عوف، عن الحسن (٧)، قال: كيف شئت -يعني إتيانها في الفرج-.

стр. 1161

وعن إبراهيم (١): ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. . .﴾ قال: في الفرج. وعن ابن عباس (٢): أنه كان يكره إتيان المرأة في دبرها ويعيبه عيبًا شديدًا. وروينا عن الدارمي (٣): أنا أبو نعيم: أنا أبو هلال، عن أبي عبد الله الشقري، عن أبي القعقاع الجرمي قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن، آتي امرأتي من حيث شئت؟ قال: نعم، قال: ومن أين شئت؟ قال: نعم، قال: وكيف شئت؟ قال: نعم، فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن هذا يريد السوءة (٤)، قال: لا، محاش النساء عليكم حرام. سئل عبد الله: تقول به؟ قال: نعم. قال الدارمي (٥): أنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أتى امرأته في دبرها لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، وقد روينا قوله ﵊: "إن الله لا يستحي من الحق؛ لا تأتوا النساء في أعجازهنّ أو أدبارهنّ" من طريق علي بن طلق، وخزيمة بن ثابت (٦). وروينا إنكار ذلك وكراهيته عن ابن عمر وعن أبان بن صالح، عن طاوس وسعيد، عن مجاهد وعطاء وغيرهم (٧)، وسيأتي لهذا مزيد بيان في كتاب النكاح إن

стр. 1162

شاء الله تعالى. قال الخطابي (١): الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيًا من الجن وتابعةً تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدّعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، وكان منهم من يسمى عرّافًا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالريبة فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يسمى المنجم كاهنًا. فالحديث قد يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم وتصديقهم على ما يدعونه من هذه الأمور، ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهنًا، وربّما دعوه أيضًا عرّافًا. قال أبو ذؤيب: يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت ... ونبيشة والكهان يكذب قيلها وقال آخر: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني فهذا غير داخل في النهي وإنما هو مغالطة في الأسماء، وقد أثبت رسول الله ﷺ الطب وأباح العلاج والتداوي .. انتهى. وروى أبو (٢) داود هذا الحديث عن موسى بن إسماعيل وعن مسدّد كلاهما

стр. 1163

عن حماد، وقال فيه: قال موسى في حديثه: "فصدّقه بما يقول أو أتى امرأةً". قال مسدد: "امرأته حائضًا، أو أتى امرأةً". قال مسدد: "امرأته في دبرها" "فقد برئ مما أنزل الله على محمد". وحمل مطلق الإتيان على الإتيان بقيد التصديق فيه حسن، إذا المحذور العظيم من ذلك إنما هو تصديق الكاهن لا إتيانه مطلقًا، وأما مطلق الإتيان فإن الكراهية فيه معلومة. وأما هذا التوعّد بالكفر أو بالبراءة مما أنزل على محمد فبعيد. وأما التقييد في حديث مسدد بقوله: "أتى امرأته في الحيض وفي الدبر، أو أتي امرأة" كما في حديث غيره، فلا يختلف الحكم في ذلك بإطلاق ولا تقييد، وإتيان المرأة والوطوءة بملك اليمين في ذلك سواء، كله محرم. وقوله: "فقد كفر بما أنزل على محمد" عائد على من أتى شيئًا من الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث، فأما إتيان الكاهن فذلك واضح بقيد التصديق كما سبق، وأما إتيان الحائض أو الدبر فيحتاج إلى التأويل، إذ هو معصية وارتكاب محرّم لا ينتهي إلى الكفر، فقد يقبل التأويل لن فعل ذلك مستحلًا كما قيل في نظائره.

стр. 1164

١٠٣ - باب ما جاء في الكفارة في ذلك ثنا علي بن حجر: أنا شريك، عن خُصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: "يتصدّق بدينار أو بنصف دينار" (١). حدثنا الحسين بن حريث: أنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السكري، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار". قال أبو عيسى: حديث الكفارة في إتيان الحائض روي عن ابن عباس، رفعه بعضهم وبعضهم موقوف (٢). وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال ابن المبارك: يستغفر ربه ولا كفارة عليه. وقد روي نحو قول ابن المبارك عن بعض التابعين منهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي (٣) (٤).

стр. 1165

* الكلام عليه: ورواه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن (٤) ماجه فيه خصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري (٥). قال عبد (٦) الله بن أحمد عن أبيه: ليس هو بقوي في الحديث. وقال يحيى (٧) بن سعيد: كنا تلك الأيام نجتنب حديث خصيف، وما كتبت عن خصيف بالكوفة شيئًا، وإنما كتبت عنه بأخرة، وكان يحيى يضعف خصيفًا، وعن أحمد ضعيف الحديث (٨). وقال النسائي (٩): ليس بالقوي.

стр. 1166

وذكر إسحاق (١) بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: خصيف صالح. وقال أبو حاتم (٢): صالح يخلط وتكلم في سوء حفظه. وفيل أبو زرعة (٣): ثقة. وقال عثمان (٤) بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: فعبد الكريم أحبُّ إليك أم خصيف؛ قال: عبد الكريم أحبّ إليّ، وخصيف ليس به بأس. وعن ابن (٥) معين أنه قال فيه: ثقة. وقال النسائي (٦): صالح. وقال ابن (٧) سعد: كان ثقة. وقال ابن (٨) عدي: إذا أخذت عنه ثقة، فلا بأس بحديثه. والطريق الثانية من رواية عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس. ورواه أبو داود (٩) أيضًا إلا أنه من رواية أبي داود موقوف من قول ابن عباس، وقد نبه الترمذي (١٠) على الاختلاف في رفعه ووقفه، وعبد الكريم راويه عن مقسم،

стр. 1167

قد اختلف فيه (١)، فعن الوقشي (٢): هو ابن مالك أبو سعيد الجزري، ولو ثبت ذلك لتوجه تصحيحه لثقة عبد الكريم الجزري، لكن في طبقته عبد الكريم بن أبي المخارق (٣)، أبو أمية متكلّم فيه (٤)، وقد سبق ذكرهما في هذا الكتاب بما يغني عن الإعادة ها هنا، وكلاهما يروي عن مقسم (٥)، وقد رواه روح بن عبادة، عن ابن أبي عروبة، فقال: عن عبد الكريم أبي أمية (٦). وكذا رواه ابن (٧) جريج عن عبد الكريم أبي أمية العبدي، فهذه علته. وأيضًا فقد رواه هشام الدستوائي عن عبد الكريم فوقفه، أخرجه البيهقي (٨)،

стр. 1168

وقال عقيبه: وهذا أشبه بالصواب، وعبد الكريم أبو أميّة غير محتج به (١). وروى سعيد بن أبي عروبة هذا الحديث عن عبد الكريم، واختلف عليه فيه فقيل عنه عن عبد الكريم عن عكرمة، عن ابن عباس (٢). ورواه البيهقي (٣) من طريق يعقوب بن عطاء، عن مقسم، عن ابن عباس، وقال: يعقوب (٤) بن عطاء لا يحتج به. وقد ذكر ابن (٥) عدي يعقوب فقال: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه. وقد ضعف هذا الحديث قوم منهم الإمام الشافعي ﵀ فإنه قال في "أحكام (٦) القرآن": في من أتى امرأة حائضًا أو بعد تولية الدم ولم تغتسل ليستغفر الله تعالى ولا يعود حتى تطهر، وتحلّ لها الصلاة، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتًا أخذنا به، لكنه لا يثبت مثله. وقال البيهقي (٧): أنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: جملة هذه الأخبار مرفوعها وموقوفها يرجع إلى عطاء العطار، وعبد الحميد وعبد الكريم أبي أمية، وفيهم نظر.

стр. 1169

وقال أبو محمد (١) الظاهري: أما حديث مقسم، فمقسم ليس بالقوي فسقط الاحتجاج به. وقد رواه شعبة عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدّق بدينار أو نصف دينار". أخرجه أبو داود (٢) وأخرجه النسائي (٣) وابن (٤) ماجه، وصححه الحاكم (٥) وأخرجه في مستدركه. وعبد الحميد (٦) هذا هو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب كان عاملًا لعمر بن عبد العزيز على الكوفة، وقد أخرج له الشيخان (٧) في مواضع. وذكر الخلّال عن الميموني (٨) أنه قال: قيل لأبي عبد الله: عبد الحميد بن

стр. 1170

عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب؟ قال: ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز، والناس قدمًا قد حملوا عنه، وليس به بأس وكل من في الإسناد قبله من رجال الصحيحين، ومقسم (١) هو ابن بجرة -بفتح الباء ثاني الحروف، والجيم والراء المهملة- أخرج له البخاري (٢)، ومن هذا الوجه صحح الحديث من صححه. وذكر الخلّال عن أبي داود أن أحمد قال: ما أحسن حديث عبد الحميد فيه، قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم، إنما هو كفارة (٣). وممن ذكر صحة هذا الحديث أيضًا أبو (٤) الحسن بن القطان. وأما الاختلاف في رفعه ووقفه فإن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي، رفعوه عن شعبة (٥)، وكذلك وهب بن جرير وسعيد بن عامر (٦) والنضر بن شميل (٧) وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف (٨)، ولم يرفعه عنه عبد الرحمن ولا بهز (٩).

стр. 1171

وذكر ابن (١) أبي حاتم أنه سأل أباه عن الحديث فقال: اختلفت الرواة فيه، فمنهم من يرويه عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا، ومنهم من يروي عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلًا. واما حديث (٢) شعبة فإن يحيى بن سعيد أسنده، وحكي أن شعبة قال: أسنده الحكم لي مرة ووقفه مرة، وقال أبي: لم يسمع الحكم من مقسم هذا الحديث. وذكر البيهقي (٣) أن شعبة رجع عن رفعه من رواية ابن مهدي عنه أنه رواه موقوفًا، فقيل له: إنك كنت ترفعه، فقال: إني كنت مجنونًا فصححت. انتهى. وأما الاختلاف على شعبة في رفعه ووقفه (٤): فإن من رفعه أجلّ وأكثر وأحفظ ممّن وقفه؛ فيحيى بن سعيد أحفظ أهل عصره، ومحمد بن جعفر أوثق الناس في شعبة (٥). وأما قول شعبة: أسنده لي الحكم مرة ووقفه مرة، فقد أخبرنا عن المرفوع والموقوف أن كلًّا عنده. وأما قول أبي حاتم: لم يسمع الحكم من مقسم فكذا هو عند شعبة عن

стр. 1172

الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم. ثم لو تساوى رافعوه مع واقفيه لم يكن في ذلك ما يقدح فيه. قال أبو بكر (١) بن الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة، ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيحفظ الحديث عنه من (٢) الوجهين جميعًا، فقد كان سفيان بن عيينة (٣) فعل هذا كثيرًا في حديثه فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا ويقفه مرة أخرى قصدًا واعتمادًا، وإنما لم يكن هذا مؤثرًا في الحديث ضعفًا مع ما بينّاه لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولًا ومقطوعًا، وكما قلنا (٤) في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ توجب حكمًا لا يذكره غيره أن ذلك مقبول والعمل به لازم، والله أعلم. انتهى. فمن الجائز أن يكون ابن عباس رواه ورأه فحمله وأفتى به وكلاهما عند شعبة فحدث به على الوجهين، ويعضد هذا أنه قال عن الحكم رواه لي مرة مسندًا ومرة موقوفًا، وحَمْلُ هذا على أن يكون روى ذلك كله عن علم وثبت أولى من حمله على أن يكون وهم في أحدهما. وقد رواه سعيد بن عامر عن شعبة فقال فيه: عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس قوله، ثم قال شعبة: أما حفظي فمرفوع وقال فلان وفلان: إنه كان لا يرفعه، فقال له بعض القوم: يا أبا بسطام، حدِّثْنا بحفظك،

стр. 1173

ودعنا من فلان وفلان، فقال: والله ما أحب أني حدثت به أو سئلت أو أني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه. رويناه من طريق الدارمي (١)، عن سعيد. فهذا غاية التثبت، وهبك أن أوثق أهل الأرض خالفه فيه فوقفه على ابن عباس فكان ماذا؟ وإذا جاز أن يكون الخبران المرفوع والموقوف عند شعبة فحين أكثر عليه في المرفوع اكتفى بالتحديث بالموقوف فليس في ذلك ما يقدح في المرفوع. وأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شكَّ في رفعه في ثاني حال فوقفه. فإن كان هذا وهو بعيد فلا تباله أيضًا، بل لو نسي الحديث بعد أن حدث به وحفظه عنه ثقة لم يضره (٢)، فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه فقد كان عمرو بن قيس الملاني يرفعه عن الحكم وهو ثقة (٣) روينا حديثه بذلك عن طريق النسائي (٤) عن الحسن الزعفراني عن محمد بن الصباح عن إسماعيل بن زكريا عنه. ورفعه أيضًا عن عبد الحميد قتادة روينا حديثه من طريق النسائي (٥) عن

стр. 1174

خشيش بن أصرم، عن روح وعبد الله بن بكر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة (١). وأما الزادون لهذا الحديث باضطراب متنه في الجملة لا بالنسبة إلى راوٍ معين فقد قال أبو الحسن (٢) بن القطان: هذا عندي خطأ من الاعتلال. والصواب أن ينظر (٣) إلى رواية كل راوٍ بحسبه، ويعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قبل ولا يضره أن يروى من طرق أخر ضعيفة فيما إذا ذكر الراوي فيه بدينار وروي: بنصف دينار، وروي باعتبار صفات الدم، وروي دون اعتبارها، وروي باعتبار أول الحيض وآخره، وروي دون ذلك، وروي بخمسي دينار، وروي بعتق نسمة؛ قامت من هنا (٤) في الذهن صورة سواء وهو عند التبين والتحقيق لا يضره، ثم أخذ في تصحيح حديث عبد الحميد، عن مقسم فقال: كما تقدم وهو صحيح من حيث الإسناد كما بيناه. وأما المتن فقد قال أبو داود (٥): هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار، ويحتمل في لفظة (أو) أن تكون شكًّا من الراوي، وأحسن منه أن تكون للتنويع، فيكون في معنى حديث عبد الكريم، عن مقسم في مبدأ الدم كما جاء أو في حمرته بدينار، وبعد ذلك في ثاني حاله بنصف دينار، ويتفق بذلك كثير من ألفاظ هذا الحديث. وأما ما روي فيه من (خمسي دينار) أو من (عتق نسمة) فما منها شيء يعتمد عليه ولا يطعن به على حديث مقسم قاله ابن القطان (٦).

стр. 1175

وقد اختلف العلماء في الذي يأتي امرأته وهي حائض: فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة، يستغفر الله ولا شيء عليه ولا يعود، وبه قال داود، وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد (١)، ورويناه أيضًا عن عامر الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير وإبراهيم والقاسم بن محمد وابن أبي مليكة وابن سيرين (٢). وروينا عن الدارمي (٣)، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة: أن رجلًا أتى أبا بكر فقال: رأيت في المنام كأني أبول دمًا. قال: تأتي امرأتك وهي حائض؟ قال: نعم. قال: اتق الله، ولا تعد. وروي عن محمد (٤) بن الحسن: أنه قال: يتصدق بنصف دينار، وروينا عن عطاء نحوه (٥). وقال أحمد (٦) بن حنبل: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، وقال: ما أحسن حديث عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "يتصدق بدينار أو بنصف دينار". وقد تقدم. وقال قتادة (٧): إن كان واجدًا فدينار، وإن لم يجد فنصف دينار. وقال الطبري (٨): استحب له أن يتصدق بدينار أو نصف دينار، فإن لم يفعل

стр. 1176

فلا شيء عليه، وهو قول الشافعي ببغداد. وقال الأوزاعي (١): يتصدق بدينار. وقال الحسن (٢) البصري: يعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. وروينا عن الدارمي (٣): أنا مسلم بن إبراهيم، ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن يقول في الذي يفطر يومًا من رمضان قال: عليه عتق رقبة أو بدنة أو عشرون صاعًا لأربعين مسكينًا، وفي الذي يغشى امرأته وهي حائض مثل ذلك. قال أبو عمر (٤): وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار. وحكى أبوعمر (٥) عن الأوزاعي: يتصدق بخمسي دينار، ورواه عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ أنه أمره أن يتصدق بخمسي دينار كذا عند أبي عمر. وقد روينا من طريق الدارمي (٦)، أنا محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، عن

стр. 1177

يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب؛ قال: كان لعمر بن الخطاب ﵁ امرأة تكره الجماع، فكان إذا أراد أن يأتيها اعتلت عليه بالحيض، فوقع عليها فإذا هي صادقة، فأتى النبي ﷺ فأمره أن يتصدق بخمس دينار. وهذا منقطع بين عبد الحميد وعمر. وعن ابن عباس (١): إذا أصابها في الدم فدينار، وإن أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار. وأما مذهب الشافعي؛ فقال الرافعي (٢) رحمهما الله: ومهما جامع في الحيض (٣) وهو عالم بالتحريم ففيه قولان: الجديد أنه لا غرم عليه لكنه يستغفر ويتوب مما فعل (٤)، لكنا نستحب له أن يتصدق بدينار إن جامع في إقبال الدم، وبنصف دينار إن جامع في إدباره لورود الخبر بذلك (٥)، والقديم: أنه يلزمه غرامة كفارة لما فعل ثم فيها قولان: أحدهما يلزمه تحرير رقبة بكل حال لمذهب عمر ﵁ وأشهرهما أنه إن وطئ في إقبال الدم فعليه أن يتصدق بدينار، وإن كان في إدباره فعليه أن يتصدق بنصف دينار (٦)، ثم الدينار الواجب أو المستحب مثقال الإسلام من الذهب الخالص يصرف إلى الفقراء والمساكين، ويجوز أن يصرف إلى واحد، وعلى قول الوجوب إنما يجب ذلك على الزوج دون الزوجة.

стр. 1178

وما المراد بإقبال الدم وإدباره؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني أنه ما لم ينقطع الدم فهو مدبر (١)، وإدباره أن ينقطع ولم تغتسل بعد (٢)، وأشهرهما أن إقباله أوله وشدته، وإدباره ضعفه وقربه من الانقطاع (٣). وقد اختلف (٤) العلماء أيضًا في وطء الحائض بعد الطهر وقبل الغسل وقد تقدم في باب ما جاء في مباشرة الحائض شيء منه. قال مالك (٤) وأكثر أهل المدينة: إذا انقطع عنها الدم لم يجز وطؤها حتى تغتسل، وبه قال الشافعي الطبري محمد بن مسلمة (٥)، ورويناه عن مجاهد وعطاء وميمون بن مهران وإبراهيم والحسن (٦). وروينا (٧) عن عقبة بن عامر: والله إني لا أجامع امرأتي في اليوم التي تطهر فيه حتى يمر يوم. وروينا (٨) عن محمد بن يوسف: سئل سفيان الثوري: أيجامع الرجل امرأته إذا انقطع عنها الدم قبل أن تغتسل، فقال: لا. فقيل: أرأيت إن تركت الغسل يومين أو أيامًا؟ قال: تستتاب.

стр. 1179

وقال (١) أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز لها أن يطأها قبل الغسل، وإن كان قبل ذلك لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة. وحكى ابن (٢) شاس عن أبي (٣) بكر قال: لا يحرم الوطء بعد انقطاع الدم، ولكن يكره للخلاف فيه. وفي جواز وطئها عندهم إذا تيممت قولان حكاهما الشيخ أبو الطاهر ثم بناهما على الخلاف في كون التيمم يرفع الحدث أم لا. وأما أصحابنا فقال الرافعي (٤): ولو لم تجد ماءًا ولا ترابًا لم يجز وطؤها على أصح الوجهين بخلاف الصلاة فإنها تأتي بها.

стр. 1180

١٠٤ - باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب ثنا ابن أبي عمر، نا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر: أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة، فقال رسول الله: "حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه". قال: وفي الباب عن أبي هريرة وأم قيس بنت محصن. قال أبو عيسى: حديث أسماء في غسل الدم حديث حسن صحيح. وقد اختلف أهل العلم في الدم يكون على الثوب فيصلي فيه قبل أن يغسله. بعض أهل العلم من التابعين إذا كان الدم مقدار الدرهم فلم يغسله وصلى فيه، أعاد الصلاة. وقال بعضهم: إذا كان أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة، وهو قول سفيان الثوري وابن مبارك، ولم يوجب بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم عليه الإعادة وإن كان أكثر من قدر الدرهم، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال الشافعي: يجب عليه الغسل وإن كان أقل من الدرهم وشدد في ذلك (١). * الكلام عليه: أخرجوه أجمعون (٢)، وحديث أبي هريرة أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ

стр. 1181

فقالت: يا رسول الله! ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه. قال: "فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه"، قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره قال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره". رواه الإمام أحمد (١) وقد رواه الطبراني (٢) من حديث خولة بنت حكيم الأنصارية وهي غير خولة بنت حكيم السلمية. قرأت على أبي (٣) عبد الله محمد بن علي بن ساعد أخبركم الحافظ أبو (٤) الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قراءة عليه وأنتم تسمعون بحلب فأقر به؛ قال: أنا الشيخان أبو جعفر (٥) محمد بن إسماعيل الطرسوسي وأبو

стр. 1182

عبد (١) الله محمد بن أبي زيد بن محمد الكراني سماعًا؛ قالا: أنا محمود (٢) بن إسماعيل الصيرفى، أنا أبو (٣) الحسين أحمد بن محمد بن فاذشاه، أنا الطبراني (٤)، ثنا الحسين بن إسحاق؛ قال: نا عثمان بن أبي شيبة؛ قال: ثنا علي بن ثابت الجذري، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن خولة بنت

стр. 1183

حكيم؛ قالت: قلت: يا رسول الله! إني أحيض وليس لي إلا ثوب واحد. قال: "اغسليه وصلي فيه". قلت: يا رسول الله! إنه يبقى فيه أثر الدم. قال: "لا يضرك". الوازع بن نافع؛ قال أحمد (١) ويحيى (٢): ليس بثقة، وقال البخاري (٣): منكر الحديث، وقال النسائي (٤): متروك. وأما حديث أم قيس بنت محصن فروى سفيان، قال: حدثني أبو المقدام ثابت الحداد عن عدي بن دينار؛ قال: سمعت أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال: "حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر". رواه الإمام أحمد (٥)، وأخرجه أبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨).

стр. 1184

قال أبو (١) الحسن بن القطان في كلام له: وهذا في غاية الصحة، فإن أبا المقدام ثابت بن هرمز الحداد والد عمرو بن أبي المقدام وثقه أحمد ويحيى (٢) والنسائي ولا أعلم أحدًا ضعفه (٣)، وعدي بن دينار هو مولى أم قيس المذكورة، قال فيه النسائي: ثقة، ولا أعلم لهذا الإسناد علة. والحت -بالتاء المثناة من فوق- الحك والقشر، وفي الحديث أنه قال لسعد: "احتتهم يا سعد"، أي: ارددهم مأخوذ من حت الشيء وهو حكه وقشره (٤)، والقرص (٥) أن يغمزه بأطراف الأصابع كما يقال: قرصت فلانًا، لأنه أبلغ في إذهاب الدم عن الثوب. وقوله في حديث أم قيس: "بضلع"، مكسور الضاد المعجمة مفتوح اللام، قاله بعض أهل العلم؛ ولعله تصحيف (٦)، لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الضلع وأما الحجر فيحتمل أن يذكر استعماله في الحك.

стр. 1185

وفي الباب مما لم يذكره: عند أحمد (١) وأبي داود (٢): عن امرأة من بني غفار؛ قالت: أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، وفيه: فأناخ ونزل عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم؛ قال: "ما لك لعلك نفست" قلت: نعم، قال: "فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناءً من ماء واطرحي فيه ملحًا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك"، قالت: فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء، قالت: وكانت لا تطهر إلا جعلت في طهورها ملحًا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. وفيه عن معاذة قالت: سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم؛ قالت: تغسله، إن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا، أخرجه أبو داود (٣). وعن مجاهد قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابها شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته، لفظ أبي داود (٤) وأخرجه البخاري (٥). وقال يحيى (٦) بن سعيد القطان وغير (٧) واحد من الحفاظ: لم يسمع مجاهد

стр. 1186

من عائشة. وروى أبو داود (١) من طريق بكار بن يحيى قال: حدثتني جدتي؛ قالت:

стр. 1187

دخلت على أم سلمة فسألتها امرأة من قريش عن الصلاة في ثوب الحائض، فقالت أم سلمة: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله ﷺ فتلبث إحدانا أيام حيضها ثم تطهر، فتنظر الثوب الذي كانت تقلب فيه فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه، وإن لم يكن أصابه شيء تركناه ولم يمنعنا ذلك أن نصلي فيه، وأما الممتشطة فقد كانت إحدانا تكون ممتشطة فإذا اغتسلت لم تنقض ذلك ولكنها تحفن على رأسها ثلاث حفنات، فإذا رأت البلل في أصول الشعر دلكته ثم أفاضت على سائر جسدها. وروى أبو داود (١) أيضًا من حديث سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء، عن عائشة ﵂، قالت: كان يكون لإحدانا درع فيه تحيض وفيها تصيبها الجنابة ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها. رواه عن النفيلي عن سفيان، ورواه الدارمي (٢) في مسنده عن محمد بن يوسف عن سفيان، وكلهم ثقات. وروى الدارمي (٣) في مسنده عن سهل بن حماد، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة ﵂: إن إحداكن تسبقها القطرة من الدم، فإذا أصابت إحداكن ذلك فلتقصعه بريقها. أبو بكر (٤) الهذلي مستضعف، وقيل فيه: متروك.

стр. 1188

وروي الدارمي (١) عن أبي النعمان، ثنا ثابت بن زيد (٢)، ثنا عاصم، عن معاذة العدوية، عن عائشة ﵂؛ قالت: إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران. الحيضة (٣)؛ بفتح الحاء أي الحيض وقد تقدم معنى تحته وتقرصه، وقد روي بفتح التاء وضم الراء، وروي أيضًا على التكثير بضم التاء وتشديد الراء وكسرها. وهذا (٤) الحديث أصل في غسل النجاسات من الثياب وعليه اعتمد العلماء في ذلك إلا أنهم اختلفوا في وجوب غسل النجاسات كالدماء والعذرات والأبوال ونحوها من الثياب والأبدان فقال منهم قائلون: غسلها فرض واجب ولا تجزئ صلاة من صلى بثوب نجس عالمًا كان بذلك أو ساهيًا عنه، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٥) حملًا على ما هو معروف من الثياب، وإن كان قد يكنى عن القلب وطهارته وطهارة الجنب وطهارة الثوب كذلك فهذه استعارة. وقد روي عن ابن عباس (٦) وابن سيرين (٧) في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ قالوا: اغسلها بالماء ونقها من الدرن ومن القذر. واحتجوا بأن النبي ﷺ أمر بغسلها (٨) من الثياب والأرض والبدن في

стр. 1189

أحاديث منها حديث أسماء هذا وهو الأصل فيما يتعلق بالثياب، وحديث الصب على بول الأعرابي وهو الأصل في تطهير الأرض، ومنها الصب والنضح على الثوب الذي بال عليه الصبي، وقوله ﷺ : "أكثر عذاب القبر في البول"؛ قال ذلك في الذي كان لا يتنزه عنه ولا يستتر من بوله، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا. قالوا (١): ولما أجمعوا على أن الكثير من النجاسة واجب غسله من الثوب والبدن، وجب أن يكون القليل منها في حكم الكثير كالحدث قياسًا ونظرًا، لإجماعهم على أن قليل الحدث مثل كثيره في نقض الطهارة وإيجاب الوضوء. وممن ذهب إلى إيجاب غسل النجاسات وإزالتها من الثوب والأرض والبدن فرضًا الشافعي وأحمد وأبو ثور، وإليه مال أبو الفرج المالكي. وقال آخرون: هو سنة، وذكروا عن سعيد بن جبير أنه قال لمن خالف في ذلك: اقرأ عليّ آية تأمر بغسل الثياب. قالوا: وأما قوله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، فهذه كناية عن الكفر وتطهير القلب لله، ألا ترى أنه عطف على ذلك قوله: "والرجز فاهجر"؛ يعني: الأوثان فكيف يأمره بتطهير الثياب قبل ترك عبادة الأوثان! قالوا: والعرب تقول: فلان نقي الثوب وطاهر الجيب، إذا كان مسلمًا عفيفًا؛ يكنون بذلك عن سلامته ولا يريدون بذلك غسل ثوبه من النجاسات. قالوا: ودليل ذلك أن هذه السورة نزلت قبل نزول الشرائع من وضوء وصلاة وغير ذلك، وإنما أريد به الطهارة من أوثان الجاهلية وشركها ومن الأعمال الخبيثة. وروى جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن أبي رزين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: عملك أصلحه، قال: كان الرجل إذا كان حسن العمل قيل: فلان طاهر الثياب.

стр. 1190

وروى ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ قال: في كلام العرب أنقها. وروى وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ قال من الإثم. وعن عكرمة قال: لا تلبسها على معصية. وذكر معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كلمة تقولها العرب؛ طهر ثيابك، أي: من الذنب. وذكر حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد: "وثيابك فطهر"؛ قال: لست بساحر ولا كاهن فأعرض عما قالوا. وقال ابن جريج: أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه سمعه يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ قال: من الإثم، يقول: هي من كلام العرب. وذكر أبو أسامة عن الأجلح؛ قال: سمعت عكرمة سئل عن قول الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ قال: أمر أن لا يلبس ثوبه على غدرة، أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: إني (١) بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع (٢) قال أبو (٣) عمر: وأما حكاية أقوال الفقهاء في هذا: فجملة مذهب مالك وأصحابه إلا أبا الفرج أن إزالة النجاسة من الثياب والأبدان واجب بالسنة وجوب

стр. 1191

سنة وليس بفرض، قالوا: ومن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا شيء عليه. وقال مالك في يسير الدم: لا تعاد منه الصلاة في وقت ولا بعده، وتعاد من يسير البول والغائط، ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث بن سعد. ومن الحجة (١) لمن جعل غسل النجاسة سنة ما روينا من طريق أبي (٢) داود، نا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة (٣)، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: بينما النبي ﷺ دخل الصلاة ونعلاه في رجليه ثم خلعهما فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال لهم: "لم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: لما رأيناك خلعت خلعنا، قال: "إنما خلعت نعلي لأن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا". ففي هذا الحديث ما يدل على أن غسل القذر ليس بواجب، ولا كونه في الثوب بمفسد للصلاة، لأنه لم يذكر إعادة. وقال الشافعي: قليل الدم والبول والعذرة وكئير ذلك كله سواء، تعاد منه الصلاة أبدًا إلا ما كان نحو دم البراغيث وما يتعافاه الناس؛ فإنها تفسد (٤) الثوب ولا تعاد منه الصلاة. ونحو قول الشافعي في هذا قال أبو ثور وأحمد بن حنبل، إلا أنهما لا يوجبان غسل الدم حتى يتفاحش، وهو قول الطبري، إلا أن الطبري قال: إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة، ولم يَحُدَّ أولئك شيئًا، وكلهم يرى غسل النجاسات فرضًا.

стр. 1192

وقول الطبري في هذا كقول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم من النجاسة. وقال محمد بن الحسن: إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دون جازت الصلاة. وقال مالك في الدم اليسير: إن رآه في ثوبه وهو في الصلاة مضى فيها، وفي الكثير ينزعه ويستأنف الصلاة، وإن رآه بعد فراغه أعاد ما دام في الوقت. وقال في البول والرجيع والمني والودي (١) وخرء الطائر التي تأكل الجيف: إن ذكره وهو في الصلاة في ثوبه قطعها واستقبلها، وإن صلى أعاد في الوقت، فإذا ذهب الوقت لم يعد. قال ابن القاسم: والقيء عند مالك ليس بنجس، إلا أن يكون القيء قد تغير في جوفه، فإن كان كذلك فهو نجس. وقال الشافعي في الدم والقيح: إذا كان قليلًا كدم البراغيث وما يتعافاه الناس لم يعد، ويعيد في الكثير من ذلك. قال: وأما البول والعذرة والخمر فإنه يعيد في القليل والكثير من ذلك، والإعادة عنده واجبة لا يسقطها خروج الوقت. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في الدم والعذرة والبول ونحوه: إن صلى وفي ثوبه من ذلك مقدار الدرهم جازت صلاته. وكذلك قال أبو حنيفة في الروث (٢). وقال أبو يوسف ومحمد: حتى يكون كثيرًا فاحشًا (٢).

стр. 1193

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في بول ما يؤكل لحمه حتى يكون كثيرًا فاحشًا، وذهب محمد بن الحسن إلى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر كقول مالك. وفي دم السمك والذباب والقراد قولان لمالك ووجهان في مذهب الشافعي. وقال (١) أبو حنيفة: دم السمك كثر أو قل لا ينجس الثوب ولا الجسد ولا الماء، ودم البراغيث والبق لا ينجس، وأما سائر الدماء فإن قليلها وكثيرها يفسد الماء، وأما في الثوب والجسد فإن كان في أحدهما منه مقدار الدرهم البغلي فأقل فلا ينجس ويصلى به، وما كان أكبر من قدر الدرهم البغلي فإنه ينجس وتبطل به الصلاة، فإن كان في الجسد فلا يزال إلا بالماء، وإذا كان في الثوب فإنه يزال. وقال الشافعي: بول كل ما يؤكل لحمه نجس. وقال زفر في البول قليله وكثيره يفسد الصلاة، وفي الدم حتى يكون أكثر من قدر الدرهم. وقال الحسن بن حي في الدم في الثوب: يعيد إذا كان مقدار الدرهم، وقال في البول والغائط: يفسد الصلاة في القليل والكثير إن كان في الثوب. وقال الثوري يغسل الثوب من الروث والدم، ولم يعرف قدر الدرهم. وقال الأوزاعي في البول في الثوب: إذا لم يجد الماء تيمم وصلى ولا إعادة عليه إن وجد الماء. وروي عن الأوزاعي أنه قال: إن وجد الماء في الوقت أعاد، وقال في القيء يصيب الثوب ولا يعلم به حتى يصلي مضت صلاته؛ قال: وإنما جاءت الإعادة

стр. 1194

في الرجيع. قال: وكذلك في دم الحيض لا يعيد. وقال في البول: يعيد في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه. وقال الليث في البول والروث والدم وبول الدابة والحيض والمني يعيد فات الوقت أو لم يفت. وقال في يسير الدم: لا يعيد في الوقت ولا بعده. قال: وسمعت الناس لا يرون في يسير الدم يصلى به وهو في الثوب بأسًا، ويرون أن تعاد الصلاة في الوقت من الدم الكثير. قال: والقيح مثل الدم. قال (١): وهذا أصح عن الليث مما قدمنا عنه. قال أبو عمر (٢): والذي أقول به أن الاحتياط للصلاة واجب، وليس المرء على يقين من أدائها إلا في ثوب طاهر وبدن طاهر من النجاسة وموضع طاهر على حدودها، فلينظر المؤمن لنفسه ويجتهد. وأما الفتوى بالإعادة لمن صلى (٣) وجاء مستفتيًا فلا، إذا كان ساهيًا ناسيًا، لأن إيجاب الإعادة فرضًا يحتاج إلى دليل لا ينازع فيه، وليس هو موجودًا في هذه المسألة. وقد روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وسالم وعطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في الذي يصلي بالثوب النجس وهو لا يعلم ثم علم بعد الصلاة أنه لا إعادة عليه، وبهذا قال إسحاق واحتج. بحديث أبي سعيد -يعني المذكور من طريق أبي داود.

стр. 1195

قال (١): ففي هذا الحديث ما يدل على جواز صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة إذا كان ساهيًا عنها غير عالم (٢)، وعلى ما ذهب إليه هؤلاء من التابعين وغيرهم. قال: وقد احتج بعض أصحابنا بحديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي فلم يقطع لذلك صلاته، كان ذلك دليلًا على أن النجاسة ليس بفرض غسلها. ولو سلم له ظاهر هذا الحديث بأن يكون السلا من جزور غير مذكاة لما كان غسل النجاسة سنة ولا فرضًا، وقد أجمعوا أن من شروط (٣) الصلاة طهارة الثياب والماء والبدن والموضع فدل على نسخ هذا الخبر، وفي (٤) الحديث هذا نظر. وقد روى عن ابن مسعود في ذلك نحو حديث أبي سعيد الخدري. وذكر من طريق ابن (٥) أبي شيبة من حديث علقمة، عن ابن مسعود؛ قال: خلع النبي ﷺ نعليه وهو يصلي، فخلع من خلفه، فقال: "ما حملكم على خلع نعالكم؟ " نحو حديث أبي سعيد، وفي آخره: ". . . فلا تخلعوا نعالكم". وأما من قال بالإعادة: فروى حماد بن زيد، عن هشام بن حسان والأشعث الحمراني أن الحسن كان يقول: إذا رأى في ثوبه دمًا بعد ما صلى أنه يعيد ما كان في الوقت، وإن كان في
следующие страницы →