← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

سنة وليس بفرض، قالوا: ومن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا شيء عليه. وقال مالك في يسير الدم: لا تعاد منه الصلاة في وقت ولا بعده، وتعاد من يسير البول والغائط، ونحو هذا كله من مذهب مالك قول الليث بن سعد. ومن الحجة (١) لمن جعل غسل النجاسة سنة ما روينا من طريق أبي (٢) داود، نا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة (٣)، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: بينما النبي ﷺ دخل الصلاة ونعلاه في رجليه ثم خلعهما فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال لهم: "لم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: لما رأيناك خلعت خلعنا، قال: "إنما خلعت نعلي لأن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا". ففي هذا الحديث ما يدل على أن غسل القذر ليس بواجب، ولا كونه في الثوب بمفسد للصلاة، لأنه لم يذكر إعادة. وقال الشافعي: قليل الدم والبول والعذرة وكئير ذلك كله سواء، تعاد منه الصلاة أبدًا إلا ما كان نحو دم البراغيث وما يتعافاه الناس؛ فإنها تفسد (٤) الثوب ولا تعاد منه الصلاة. ونحو قول الشافعي في هذا قال أبو ثور وأحمد بن حنبل، إلا أنهما لا يوجبان غسل الدم حتى يتفاحش، وهو قول الطبري، إلا أن الطبري قال: إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة، ولم يَحُدَّ أولئك شيئًا، وكلهم يرى غسل النجاسات فرضًا.

стр. 1192

وقول الطبري في هذا كقول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم من النجاسة. وقال محمد بن الحسن: إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دون جازت الصلاة. وقال مالك في الدم اليسير: إن رآه في ثوبه وهو في الصلاة مضى فيها، وفي الكثير ينزعه ويستأنف الصلاة، وإن رآه بعد فراغه أعاد ما دام في الوقت. وقال في البول والرجيع والمني والودي (١) وخرء الطائر التي تأكل الجيف: إن ذكره وهو في الصلاة في ثوبه قطعها واستقبلها، وإن صلى أعاد في الوقت، فإذا ذهب الوقت لم يعد. قال ابن القاسم: والقيء عند مالك ليس بنجس، إلا أن يكون القيء قد تغير في جوفه، فإن كان كذلك فهو نجس. وقال الشافعي في الدم والقيح: إذا كان قليلًا كدم البراغيث وما يتعافاه الناس لم يعد، ويعيد في الكثير من ذلك. قال: وأما البول والعذرة والخمر فإنه يعيد في القليل والكثير من ذلك، والإعادة عنده واجبة لا يسقطها خروج الوقت. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في الدم والعذرة والبول ونحوه: إن صلى وفي ثوبه من ذلك مقدار الدرهم جازت صلاته. وكذلك قال أبو حنيفة في الروث (٢). وقال أبو يوسف ومحمد: حتى يكون كثيرًا فاحشًا (٢).

стр. 1193

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في بول ما يؤكل لحمه حتى يكون كثيرًا فاحشًا، وذهب محمد بن الحسن إلى أن بول ما يؤكل لحمه طاهر كقول مالك. وفي دم السمك والذباب والقراد قولان لمالك ووجهان في مذهب الشافعي. وقال (١) أبو حنيفة: دم السمك كثر أو قل لا ينجس الثوب ولا الجسد ولا الماء، ودم البراغيث والبق لا ينجس، وأما سائر الدماء فإن قليلها وكثيرها يفسد الماء، وأما في الثوب والجسد فإن كان في أحدهما منه مقدار الدرهم البغلي فأقل فلا ينجس ويصلى به، وما كان أكبر من قدر الدرهم البغلي فإنه ينجس وتبطل به الصلاة، فإن كان في الجسد فلا يزال إلا بالماء، وإذا كان في الثوب فإنه يزال. وقال الشافعي: بول كل ما يؤكل لحمه نجس. وقال زفر في البول قليله وكثيره يفسد الصلاة، وفي الدم حتى يكون أكثر من قدر الدرهم. وقال الحسن بن حي في الدم في الثوب: يعيد إذا كان مقدار الدرهم، وقال في البول والغائط: يفسد الصلاة في القليل والكثير إن كان في الثوب. وقال الثوري يغسل الثوب من الروث والدم، ولم يعرف قدر الدرهم. وقال الأوزاعي في البول في الثوب: إذا لم يجد الماء تيمم وصلى ولا إعادة عليه إن وجد الماء. وروي عن الأوزاعي أنه قال: إن وجد الماء في الوقت أعاد، وقال في القيء يصيب الثوب ولا يعلم به حتى يصلي مضت صلاته؛ قال: وإنما جاءت الإعادة

стр. 1194

في الرجيع. قال: وكذلك في دم الحيض لا يعيد. وقال في البول: يعيد في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه. وقال الليث في البول والروث والدم وبول الدابة والحيض والمني يعيد فات الوقت أو لم يفت. وقال في يسير الدم: لا يعيد في الوقت ولا بعده. قال: وسمعت الناس لا يرون في يسير الدم يصلى به وهو في الثوب بأسًا، ويرون أن تعاد الصلاة في الوقت من الدم الكثير. قال: والقيح مثل الدم. قال (١): وهذا أصح عن الليث مما قدمنا عنه. قال أبو عمر (٢): والذي أقول به أن الاحتياط للصلاة واجب، وليس المرء على يقين من أدائها إلا في ثوب طاهر وبدن طاهر من النجاسة وموضع طاهر على حدودها، فلينظر المؤمن لنفسه ويجتهد. وأما الفتوى بالإعادة لمن صلى (٣) وجاء مستفتيًا فلا، إذا كان ساهيًا ناسيًا، لأن إيجاب الإعادة فرضًا يحتاج إلى دليل لا ينازع فيه، وليس هو موجودًا في هذه المسألة. وقد روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وسالم وعطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري في الذي يصلي بالثوب النجس وهو لا يعلم ثم علم بعد الصلاة أنه لا إعادة عليه، وبهذا قال إسحاق واحتج. بحديث أبي سعيد -يعني المذكور من طريق أبي داود.

стр. 1195

قال (١): ففي هذا الحديث ما يدل على جواز صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة إذا كان ساهيًا عنها غير عالم (٢)، وعلى ما ذهب إليه هؤلاء من التابعين وغيرهم. قال: وقد احتج بعض أصحابنا بحديث ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي فلم يقطع لذلك صلاته، كان ذلك دليلًا على أن النجاسة ليس بفرض غسلها. ولو سلم له ظاهر هذا الحديث بأن يكون السلا من جزور غير مذكاة لما كان غسل النجاسة سنة ولا فرضًا، وقد أجمعوا أن من شروط (٣) الصلاة طهارة الثياب والماء والبدن والموضع فدل على نسخ هذا الخبر، وفي (٤) الحديث هذا نظر. وقد روى عن ابن مسعود في ذلك نحو حديث أبي سعيد الخدري. وذكر من طريق ابن (٥) أبي شيبة من حديث علقمة، عن ابن مسعود؛ قال: خلع النبي ﷺ نعليه وهو يصلي، فخلع من خلفه، فقال: "ما حملكم على خلع نعالكم؟ " نحو حديث أبي سعيد، وفي آخره: ". . . فلا تخلعوا نعالكم". وأما من قال بالإعادة: فروى حماد بن زيد، عن هشام بن حسان والأشعث الحمراني أن الحسن كان يقول: إذا رأى في ثوبه دمًا بعد ما صلى أنه يعيد ما كان في الوقت، وإن كان في

стр. 1196

جلده أعاد وإن ذهب الوقت. وقاله أبو قلابة وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور والطبري؛ لأن الإعادة إذا وجبت لم يسقطها خروج الوقت، ولا فرق في القياس بين البدن والثوب (١)، والبدن والثوب موضع الصلاة كله سواء عند أصحابنا في وجوب اجتناب النجاسة. وفيه أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد، بل يكفي الإنقاء، ولأن العدد لو كان واجبًا لوجب بيانه، لأنه ﷺ في معرض التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، خلافًا لن قال باشتراط الثلاث، على أن الثلاث عندنا مستحبة وليست بواجبة (٢). وقال أبو حنيفة (٣): سائر النجاسات في حكم الولوغ تغسل ثلاثًا، فألحق نجاسة الولوغ بغيرها في التثليث، وألحق أحمد (٤) ﵀ غير نجاسة الولوغ بنجاسة الولوغ في التسبيع في رواية، وقال الخرقي (٥): وكل إناء حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب أو بول أو غيره فإنه يغسل سبعًا إحداهن بالتراب. قال القاضي (٦): الظاهر من قول أحمد ما اختاره الخرقي وهو وجوب العدد في

стр. 1197

جميع النجاسات وإيجاب السبع والتثريب قياسًا على الولوغ. وفيه أن بقاء الأثر من النجاسة لتعذره بعد زوال عينها لا يضر، لقوله ﵇ لخولة: "لا يضرك أثره" كما سبق، وقد اختلف في شيء من ذلك كما سنذكره. ولنقدم بين ذلك مقدمة وهي (١): أن الشيء النجس ينقسم إلى نجس العين وغيره، أما نجس العين فلا يطهر بحال إلا الخمر بالتخليل (٢) وجلد الميتة (٣) بالدباغ والعلقة في المضغة والدم من (٤) حشو البيضة إذا نجسناها فاستحالت حيوانًا. وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حكمية وإلى عينية؛ أما الحكمية: فهي التي لا تحس مع تيقن وجودها كالبول إذا جف على المحل ولم توجد له رائحة ولا أثر، فيكفي إجراء الماء على موردها إذليس ثم ما يزال، ولا يجب في الإجراء عدد (٥) عندنا خلافًا لمن اشترطه كما تقدم. وأما العينية: فلا يكفي فيها إجراء الماء بل لا بد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة اللون، والطعم والرائحة وما وجد منها، فإن بقي طعم لم يطهر سواء بقي مع غيره من الصفات أو وحده، لأن الطعم سهل الإزالة، ويظهر تصويره فيما إذا دميت لثته أو تنجس فوه بنجاسة أخرى فغسله فهو غير طاهر ما دام يجد طعمه فيه (٦)، وإن

стр. 1198

لم يبق الطعم نظر إن بقي اللون وحده وكان سهل الإزالة فلا يطهر، وإن كان عسر الإزالة كدم الحيض يصيب الثوب وربما لا يزول بعد المبالغة والاستعانة بالحت والقرص فيطهر لما ذكرناه من حديث خولة وغيره، ولا رويناه في حديث عائشة من طريق الدارمي: "فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران". وكأن المراد -والله أعلم- أن ذلك الأثر لا يضر وأنها إن كرهت لون الدم فلها أن تغيره بالصفرة المشار إليها في الخبر (١)، وإن بقيت الرائحة وحدها وهي عسرة الإزالة كرائحة الخمر، فهل يطهر المحل؟ فيه قولان -وقيل وجهان والأول أصح-: أحدهما: لا؛ لأن بقاء الرائحة يدل على بقاء العين، فصار كالطعم، وهذا هو القياس في اللون، لولا الأخبار التي ذكرناها (٢). الثاني: وهو الأصح يطهر، لأنا إنما احتملنا بقاء اللون للمشقة (٣) في إزالته، وهذا المعنى موجود في الرائحة. ويروى (٤) في اللون أيضًا وجه أنَّه لا يطهر المحل ما دام باقيا، وإن بقي اللون والرائحة معًا فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين، وفي وجه ضعيف (٥). وفيه أن العصر لا يشترط لما قدمناه.

стр. 1199

وقد اختلف (١) الأصحاب في حصول الطهارة بدونه على وجهين بنوهما على أن الغسالة هل هي طاهرة أو (٢) نجسة؟ إن قلنا: إنها طاهرة، فلا حاجة إلى العصر وهو الأصح، وإلا فالغسالة فيه قبل العصر فلا يطهر، وعلى هذا فهل يكتفي بالجفاف؛ فيه وجهان: أصحهما: نعم، لأن زوال الغسالة بالجفاف أبلغ منه بالعصر. والثاني: لا؛ لأنا بالعصر نتوهم انتقال أجزاء النجاسة في صحبة الماء، وعند الجفاف لا يزول إلا بلل الماء وتبقى أجزاء النجاسة (٣). وفي حديث الباب أن الكثير واليسير من الدم سواء في النجاسة يجب اجتنابه في الصلاة إلا ما استثناه الإجماع وقد تقدم. وفيه أن الماء متعين لإزالة النجاسة. وقد اختلف العلماء في إزالة النجس ورفع الحديث بغير الماء من المائعات على ثلاثة مذاهب. فحكي عن ابن أبي (٤) ليلى والأصم (٤) أنَّه طاهر مطهر يجوز استعماله في الحديث والنجس. وقال أبو حنيفة: يجوز استعماله في إزالة النجس دون الحديث. والذي ذهب إليه الجمهور أنَّه لا يزيل خبثًا ولا يرفع حدثًا. فأما ابن أبي ليلى والأصم فاستدلا بأنه مائع طاهر يوجب أن يكون

стр. 1200

مطهرًا كالماء. وأما أبو حنيفة فاستدل على إزالة النجاسة به وبكل ماخ طاهر بما روي عن أم سلمة (١) أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أطيل ذيلي وأجره في المكان القذر، فقال ﵇: "يطهره ما بعده"، ومعلوم أن ليس بعده إلا التراب، فدل على أن لغير الماء مدخلًا في تطهير النجاسة. ولما ذكرناه أن عائشة ﵂ أصاب ثوبها دم فبلته بريقها وقصعته فدل على أن الريق مزيل للنجاسة. وقالوا: ذكر الماء في قوله: "حتيه ثم اغسليه بالماء" تقييد باللقب لا يدل على نفي الحكم عما عداه. وذكروا عدة من الأقيسة الشبهية لا حاجة بنا لذكرها وتكلف عنها لضعف ذلك كله. فأما حديث أم سلمة وقوله فيه: "يطهره ما بعده"؛ فالجواب عنه: أن ذلك إشارة إلى غير النجاسة أو إلى نجاسة يابسة بدلالة أن النجاسة الرطبة لا تطهر بالدلك اتفاقًا. وأما حديث عائشة فمحمول على أحد أمرين: إما أنها فعلت ذلك لتلين النجاسة بريقها ثم تغسلها بدليل أن الريق لا يزيل النجاسة. وإما محمول على نجاسة يسيرة يعفى عن مثلها، وهو الأظهر بدليل أن فيه: "ثم ترى فيه قطرة من دم"، وكذلك لفظ حديث أم سلمة في معناه أيضًا: "إن إحداهن تسبقها القطرة من الدم" فالدم في كلا الحديثين موصوف بأنه قطرة، وهذا

стр. 1201

مقدار يسير، والقائلون بالفرق بين اليسير منه والكثير لم يحدوا في ذلك حدًّا وإنما أحالوا على العرف، وأما من حدّ بقدر الدرهم البغلي قياسًا على محل النجو ففي غاية الضعف إذ هو قياس على رخصة، والقياس على الرخص لا يجوز عند الأكثرين وسيزيد هذا بيانًا إذا انتهى هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وحجة من رأى تعين الماء لإزالة النجاسة حديث الباب، وقد تضمن تعين الماء للإزالة، ولا يقع الامتثال بغير المعين مع ما فيه من الرقة واللطافة التي قد لا يساويه فيها غيره، وهي مسألة من مسائل الخلاف المشهورة يقف عليها من أرادها في موضعها. وأما قوله (١): "ولتنضحه"، فيحتمل أن يكون المراد به ها هنا الغسل كما سبق بيانه، ويحتمل أن يراد به الرش لما يشك فيه ولا يرى، فيقطع بذلك الوسوسة، إذ الأصل في الثوب الطهارة حتَّى تتيقن النجاسة، فإذا استوقنت وجب الغسل والتطهير. وأما الرش فلا يزيل نجاسة في النظر، وقد جاء عن عمر (٢) حين أجنب في ثوبه: "اغسل ما رأيت وانضح ما لم أر". وعن أبي هريرة (٣) وغيره (٤) مثل ذلك.

стр. 1202

وروى الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: إذا حاضت المرأة في الثوب ثم طهرت فلتتبع ما أصاب ثوبها من الدم فلتغسله وتنضح باقيه ثم تصلي فيه. (١) ومن حجة من فرق بين القليل من الدم والكثير ما ذكر نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: أن النبي ﷺ كان يقتل القمل في الصلاة، أو قتل القمل في الصلاة. قال نعيم: هذا أول حديث سمعته من ابن المبارك، ومعلوم أن في قتل القمل نيل يسير من الدم (٢). وروى أبو بكر (٣) الأثرم قال: ثنا عقبة بن مكرم؛ قال: ثنا يونس بن بكير؛ قال: أنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري؛ قال: أدركت فقهاءنا يقولون: ما أذهب الحك من الدم فلا يضر، وما أذهب الفتل مما يخرج من الأنف فلا يضر. قال (٤): وثنا أبو بكر (٥) بن أبي شيبة؛ قال: ثنا شريك، عن عمران بن مسلم، عن مجاهد، عن أبي هريرة: أنَّه لم يكن بالقطرة ولا القطرتين من الدم في الصلاة بأسًا. قال (٦): وقيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل إلى أي شيء تذهب في الدم؟

стр. 1203

فقال: إذا كان فاحشًا، قيل له: في الثوب؟ فقال: في الثوب، وإذا خرج من الجرح، قيل له: السائل أو القاطر؟ فقال: إذا فحش، أذهب إلى الفاحش على حديث ابن عباس. قال: وقال أبو عبد الله: عدة من أصحاب النبي ﷺ تكلموا فيه؛ أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه، وابن عمر عصر بثرة، وابن أبي أوفى تنخم دمًا، وجابر أدخل أصابعه في أنفه، وابن عباس قال: إذا كان فاحشًا. قال (١): أنا معاوية بن عمرو، عن سفيان، عن عطاء بن السائب أنَّه رأى عبد الله بن أبي أوفى يتنخم دمًا غليظًا وهو يصلي. قال: وثنا موسى بن إسماعيل؛ قال: نا حماد، قال: أنا حميد، عن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج منها شيء من دم وقيح فمسحه بيده ولم يتوضأ وصلى. قال أبو بكر: وسمعت أبا عبد الله يقول: البول والغائط غير الدم؛ كثير (٢) البول والعذرة تعاد منهما الصلاة، ويغسل قليلهما وكثيرهما. قال: والدم إذا فحش تعاد منه الصلاة في الوقت وغيره كما تعاد من قليل البول والعذرة (٣). قال ابن أبي (٤) شيبة: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنَّه أدخل أصابعه في أنفه فخرج دم فمسحه فصلى ولم يتوضأ. ثم ذكر بأسانيده عن أبي هريرة أنَّه لم يكن يرى بالقطرة والقطرتين من الدم في الصلاة بأسًا.

стр. 1204

وعن أبي قلابة أنَّه كان لا يرى بأسًا بالشقاق يخرج منه الدم (١). وعن مكحول (٢) أنَّه كان لا يرى بأسًا بالدم إذا خرج من أنف الرجل إن استطاع أن يفتله بأصبعه إلا أن يسيل أو يقطر. وعن أبي الزبير، عن جابر أنَّه أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليها دم فمسحه بالأرض أو بالتراب ثم صلى (٣). وعن أبي (٤) خلدة؛ قال: رأيت أبا السوار العدوي عصر بثرة ثم صلى ولم يتوضأ وقال (٥): نا أبو خالد الأحمر عن سيف؛ قال: كان بمجاهد قرحة تمصل فكان لا يتوضأ منها وتصيب ثوبه فلا يغسله (٦). قال أبو (٧) عمر: وفي هذا الحديث دليل على أن قليل الماء يطهر النجاسة إذا غلب عليها واستهلكها ومعلوم أن دم الحيض هنالك قد طهره من الماء ما هو دون القلتين. انتهى. وهذا معنى كلامه وهو يشير إلى أنَّه لورود الماء على النجاسة قوة ليست كما إذا وردت النجاسة على الماء. قال أبو (٨) الحسن الماوردي بعد كلام: فعلى هذا لو أن ثوبًا نجسًا طرح في إناء

стр. 1205

ثم صب عليه من الماء ما أزال أثر النجاسة منه كان الثوب وما احتمله من الماء وما فضل عنه في الإناء طاهران (١)، ولو (٢) عصر الثوب في الإناء كان الماء المنفصل قبل العصر وبعده طاهرًا مستعملًا، ولو ابتدأ بصب الماء في الإناء ثم ألقى الثوب (٣) فيه صار الثوب والماء والإناء نجسًا كله، لأنها نجاسة وردت على ماء، وفي الأول ماء ورد على نجاسة، فلو ربط الثوب على رأس الإناء ثم أراق الماء عليه فوقع على الثوب، ثم نزل في الإناء طهر الماء والثوب إذا لم يبق للنجاسة أثر. انتهى. أما (٤) إذا أدخل المحل النجس في الإناء فغسل فيه فإما أن يتغير الماء أو لا. فإن تغير لم يطهر الماء إجماعًا، وإن لم يتغير الماء فاختلف العلماء في طهارته، فمنهم من قال: لا يطهر لأن النجاسة وردت على الماء؛ ذكر عن أبي علي الصيدلاني، وقال غيره: يطهر؛ لأنها نجاسة كوثرت بالماء فأزالها حكمًا وعينًا، وبه قال ابن (٥) سريج، هذا إذا كان الماء يسيرًا، فإن كان كثيرًا طهر المحل إجماعًا. قاله القاضي (٦) أبو بكر بن العربي، وقال في فوائد هذا الحديث: قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: لا يطهر الثوب حتَّى يعصر، ولا الإناء حتَّى تستقصى إزالة الرطوبة عنه. وقال علماؤنا: يطهر، وهو الأصح؛ لأنه نجاسة كأثرها بالماء فحكم بطهارتها،

стр. 1206

ولأن المنفصل من الماء عن المحل جزء من المتصل، والمنفصل طاهر فالمتصل مثله، فأي فرق بين أن يتصل كله أو بعضه؟ قال بعض أشياخنا (١): إنما تنبني هذه المسألة على طهارة الغسالة، وأبو حنيفة يرى أن الغسالة نجسة انفصلت متغيرة أو غير متغيرة، والمحل طاهر، ولابد عنده من العصر، والله أعلم. * * *

стр. 1207

١٠٥ - باب ما جاء في كم تمكث النفساء ثنا نصر بن علي الجهضمي، نا شجاع بن الوليد أبو بدر، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مُسَّة الأزدية، عن أم سلمة؛ قالت: "كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ : أربعين يومًا، فكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكَلَف". قال أبو عيسى: هذا حديث (١) لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مسّه، عن أم سلمة، واسم أبي سهل كثير بن زياد. قال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل. وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. ويروى عن الحسن البصري أنَّه قال: تدع الصلاة خمسين يومًا إذا لم تر الطهر (٢). ويروى عن عطاء بن أبي رباح والشعبي ستين يومًا (٣).

стр. 1208

* الكلام عليه: أخرجه أبو (١) داود وابن ماجة (٢). ورواه الإمام أحمد (٣) أيضًا بهذا اللفظ، وفي رواية للإمام أحمد (٤) وأبي داود (٥): "كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا أو أربعين ليلة. وعند أبي داود (٦) عن الأزدية وهي مُسّة قالت: حججت فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين! إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء النفاس. وروى الدارقطني (٧) عن أم سلمة، عن النبي ﷺ أنها سألته: كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال: "تجلس أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك"؛ رواه من طريق عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه. ومحمد (٨) بن عبيد الله بن ميسرة العرزمي قال غير (٩) واحد: متروك الحديث؛ تركه ابن المبارك ويحيى القطان

стр. 1209

وابن مهدي (١) وابن معين، وروى عنه شعبة وسفيان (٢) ومُسّة (٣) -بضم الميم- تكنى أم بُسّة -بضم الباء ثاني الحروف-. سكت (٤) الترمذي عن هذا الحديث فلم يحكم عليه بشيء. وقد أخرج الحاكم (٥) في المستدرك هذا الحديث من الطريق التي فيها ذكر سمرة بن جندب التي ذكرناها من جهة أبي (٦) داود وهي من حديث يونس بن نافع، عن كثير بن زياد؛ قال: حدثتني الأزدية. رواه أبو (٧) داود، عن الحسن بن يحيى، عن محمد بن حاتم، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس. قال الحاكم (٨) بعد إخراجه في مستدركه: صحيح الإسناد (٩)، ولا أعرف في معناه غير هذا. انتهى. والحكم بصحة إسناده لا يلزم منه الحكم بصحته ولا سيما وقد قال: إنه لا يعرف في الباب غيره، فلا يحسن إيراده فيما يستدرك على صاحبي الصحيح حتَّى يستكمل ما شرطاه.

стр. 1210

وقال البيهقي (١): أبو سهل كثير بن زياد البرساني ليس له ذكر في الكتابين الصحيحين، وأورده أبو حاتم في كتاب المجروحين (٢) واستحب مجانبة ما انفرد به، وقد وثقه البخاري (٣). وأما ابن (٤) القطان فإنه قال ت وعلة الخبر المذكور مُسَّة المذكورة وهي تكنى أم بُسّة ولا تعرف حالها ولا عينها، ولا تعرف في غير هذا الحديث، قاله الترمذي (٥) في علله، فخبرها هذا ضعيف الإسناد ومنكر المتن؛ فإن أزواج النبي ﷺ ما منهن من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة، وزوجيّتها كانت قبل الهجرة؛ فإذًا لا معنى لقولها: قد كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس، إلا أن تريد بنسائه غير أزواجه من بناته وقراباته وسريته مارية، وكذا قال أبو (٦) محمد بن حزم في مسَّة إنها مجهولة. وأما قول ابن القطان: ولا تعرف عينها، فإنما ذلك عنده لانفراد أبي سهل بالرواية عنها الَّذي حكاه الترمذي عن البخاري، وقد روى عنها الحكم بن عتيبة: وهو الحديث الَّذي ذكرناه عن الدارقطني (٧) من طريق العرزمي، وقد روى عنها زيد بن علي بن الحسين، وهو عند البيهقي (٨) عن الحاكم بسنده.

стр. 1211

وروى (١) أيضًا محمد بن كناسة، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي الحسن (٢)، عن مسة، فهذا أبو سهل وابن عتيبة وزيد وأبو الحسن، لكن كلها من طريق العرزمي، وقد تقدم الكلام عليه. وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن أنس وأبي هريرة وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل وعائشة. أما حديث أنس فرواه الدارقطني (٣) من حديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن سلام بن سلم، عن حميد، عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "وقت للنفساء أربعون يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك". وهو عند ابن (٤) ماجة. قال الدارقطني (٥): لم يروه عن حميد غير سلام الطويل وهو ضعيف. انتهى. سلّام (٦) -مشدد اللام-. وقد رواه سفيان، عن زيد العمي، عن أبي أياس، عن أنس، عن النبي ﷺ ذكره البيهقي (٧) وضعف زيد العمي. وحديث أبي الدرداء وأبي هريرة؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : "تنتظر النفساء

стр. 1212

أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإن بلغت أربعين يومًا ولم تر الطهر فلتغتسل وهي بمنزلة المستحاضة". ذكره أبو (١) أحمد بن عدي من حديث العلاء بن كثير، عن مكحول عنهما. والعلاء؛ قال ابن (٢) المديني: ضعيف الحديث جدًّا، وضعفه النسائي (٣)، وقال يحيى (٤): ليس بشيء. وقال أبو (٥) بكر الفقيه: خبر مكحول عن أبي هريرة وأبي الدرداء مرسل. وحديث عثمان بن أبي العاص: روى الدارقطني (٦) عن أحمد بن محمد بن

стр. 1213

سعيد، أنا أبو شيبة، ثنا أبو بلال، نا أبو شهاب، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص؛ قال: وقت رسول الله ﷺ للنفساء في نفاسهن أربعين يومًا. وحديث عائشة: قال الدارقطني (١): نا أحمد، ثنا أبو شيبة، نا أبو بلال، نا حبان، عن عطاء، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ مثله. قال الدارقطني (٢): أبو بلال الأشعري هذا ضعيف، وعطاء (٣) هو ابن عجلان متروك الحديث. وقد اختلف (٤) في رفع حديث عثمان بن أبي العاص ووقفه. وحديث عبد الله بن عمرو: روى الدارقطني (٥) من حديث عمرو بن الحصين، نا محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة".

стр. 1214

قال الدارقطني (١): عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان. وحديث معاذ بن جبل: عند الدارقطني (٢) أيضًا من طريق عبد السلام بن محمد الحمصي لقبه سليم، ثنا بقية بن الوليد، نا علي (٣) بن علي، عن الأسود، عن عبادة بن نسى، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا مضى للنفساء سبع ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصل". قال سليم: فلقيت علي بن علي فحدثني عن الأسود، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ (٤). قال الدارقطني (٥): الأسود هو ابن ثعلبة، شامي (٦). وأما الآثار: فروى الدارقطني (٧) من حديث إسرائيل، عن جابر عن عبد الله بن يسار، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، قال: تجلس النفساء أربعين يومًا.

стр. 1215

جابر الجعفي: لا يحتج به (١). ومن حديث عمرو (٢) بن يعلى الثقفي، عن عرفجة السلمي، عن علي؛ قال: لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي (٣). وعن أنس (٤): تجلس النفساء أربعين يوما. في إسناده جابر الجعفي عند الدارقطني. وقد رواه البيهقي (٥) من غير طريقه، وروى البيهقي (٦) بطريق جيد عن ابن عباس نحو ذلك. وروى الدارقطني (٧) نحوه أيضًا عن عائذ بن عمرو؛ وقال: كان ممن بايع تحت الشجرة، وفي إسناده الجلد بن أيوب وهو ضعيف. وروى البيهقي (٨) من حديث حماد بن زيد، عن ليث، عن عطاء والشعبي كانا يقولان: إذا طال بها الدم تربصت ما بينها وبين شهرين (٩) ثم تغتسل وتصلي. وروى أيضًا من حديث سفيان عن الليث، عن الشعبي، قال: تجلس النفساء

стр. 1216

ستين يومًا (١). وروي أيضًا من حديث حماد، عن أشعث، عن الحسن (٢): إذا رأت النفساء أقامت خمسين ليلة. قال (٣): وكذلك رواه يونس بن عبيد (٤). وقال البخاري (٥) في تاريخه: سالم (٦) مولى بن سليم أن مولاته أم يوسف، ولدت بمكة فلم تر دمًا، فلقيت عائشة ﵂ فقالت: أنت امرأة طهرك الله فلما نفرت رأته. قال البخاري: قاله لنا موسى بن إسماعيل. وقال الأوزاعي (٧): عندنا امرأة تنفس ستين يومًا. وحكى الطحاوي عن الليث عن بعضهم سبعين يومًا. والنفساء اسم الوالدة، يقال: نُفِست -بضم النون وكسر الفاء وبفتح النون وكسر الفاء- فإذا حاضت قيل بفتح النون وكسر الفاء لا غير. والورس: نبات يزرع باليمن، ولا يكون بغير اليمن، نباته مثل السمسم، فإذا

стр. 1217

جف ينتقض (١) من خرائطه الورس، وهو أحمر يزرع سنة فيقيم في الأرض عشر سنين ينبت ويثمر، وأجوده حديثه. يقال: أورس فهو وارس ومورس (٢). وفي الحديث (٣): "أتى بملحفة ورسية"، نسبة إلى الورس لأنها صبغت به، ويقال: وريسة ومورسة. والكلف تغير يكون في الوجه، ومنه كلفة البذرة. وأكثر النفاس عند أصحابنا (٤) ستون يومًا، وأغلبه أربعون يومًا وأقله لحظة. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: أكثره أربعون يومًا، ورووا عن مالك فيه روايتين، إحداهما مثل مذهبنا، والأخرى أنَّه لا حد له، ويرجع إلى أهل الخبرة من النساء. وعن ربيعة: أدركت الناس يقولون: أكثر ما تنفس المرأة ستون يومًا. فما جاء في هذا الحديث محمول على الغالب، وأما ما ذكره الترمذي (٥) عن

стр. 1218

الشافعي فقد حكاه الرافعي (١) عن الترمذي قولًا للشافعي. وأما أول النفاس فلا حد له، ويثبت حكم النفاس لما وجدته قل أو كثر، والمعنى فيه الرجوع إلى الوجود. وروي عن أبي حنيفة في أول النقاس ثلاث روايات: إحداها مثل مذهبنا وهي الأظهر، والثانية: أحد عشر يومًا، والثالثة: خمسة وعشرون يومًا. وقال المزني: أقله أربعة أيام، لأن النفاس (٢) مثل أكثر الحيض أربع مرات، فليكن أوله (٣) مع أوله كذلك، ولا فرق في حكم النفاس بين أن يكون الولد حيًّا أو ميتًا، كامل الخلقة أو ناقصها، ولو ألقت علقة أو مضغة. وقالت القوابل: إنه مبتدأ (٤) خلق الآدمي، فالدم الَّذي تجده نفاس، ذكره صاحب "التتمة". وقال القاضي أبو (٥) بكر بن العربي: وقد يستحيل فتلد دون دم، فقد روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ دون دم، فسميت ذات الجفوف، فلا جرم لا حد لأقله على هذا، وقال الثوري: أقله ثلاثة أيام كأقل الحيض، وأقل الحيض عنده دفعة من دم ولو ولدت ولم تر دمًا ولا بللًا ففي وجوب الغسل عليها وجهان: أحدهما لا يجب؛ لظاهر قوله ﵇: "الماء من الماء"، فإنه ينفي وجوب الغسل بغير إنزال. وأظهرهما الوجوب؛ لأنه لا يخلو عن بلل وإن قل غالبًا فيقام الولد مقامه كالتوأم يقام مقام الخروج غالبًا، ولأنه يجب الغسل بخروج المني الَّذي يخلق الولد

стр. 1219

منه، فبخروج الولد أولى. ويجري الوجهان في إلقاء العلقة والمضغة. وقال مالك في العتبية: لا يأتي الغسل إلا بخير (١). وأما (٢) ما تراه الحامل من الدم على ترتيب أدوار الحيض فهل هو حيض أم لا؟ قال في القديم: لا، بل (٣) دم فساد. ذهب (٤) أبو حنيفة وأحمد لقوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتَّى تضع ولا حائل حتَّى تحيض" (٥)؛ جعل الحيض دليلا على براءة الرحم، فلو قلنا الحامل تحيض لبطلت دلالته، ولأن فم الرحم ينسد بالحمل، فيمتنع خروج دم الحيض، فإن الحيض يخرج من أقصى الرحم. وقال في الجديد: هو حيض، وبه قال مالك لقوله ﷺ : "دم الحيض أسود يعرف" (٦)، فأطلق ولم يفصل بين الحائل والحامل، ولأنه دم في أيام العادة بصفة الحيض وعلى قدره فجاز أن يكون حيضًا كدم الحامل والمرضع. ولا فرق على القولين بين (٧) ما تراه قبل حركة الحمل وما تراه بعده.

стр. 1220

ومنهم من قال: القولان فيما بعد حركة الحمل. أما من وقت العلوق إلى الحركة فهو كحال الحبال. فإن قلنا: إنه ليس بحيض، فهو حدث دائم كسلس البول. وإن قلنا: إنه حيض حرم فيه الصلاة والصوم (١)، ويثبت جميع أحكام الحيض، إلا أنَّه لا يحرم فيه الطلاق ولا تنقضي به العدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). وأما الدم الَّذي تراه المرأة بين التوأمين، فهل هو دم نفاس أو لا؟ فيه وجهان مختلف في الصحيح منهما (٣). فالذي صححه الغزالي (٤) وقبله إمام الحرمين وجماعة أنَّه دم نفاس، والذي صححه الشيخ أبو حامد والعراقيون أنَّه ليس بدم نفاس. فإن قلنا: إنه ليس بنفاس، فقال الأكثرون: إنه ينبني على دم الحامل وان جعلناه حيضًا فهو أولى، وإلا ففيه قولان، والفرق أنها إذا وضعت أحد (٥) التوأمين كان استرخاء الدم قريبًا بخلاف ما قبل الولادة، فإن فم الرحم منسد حينئذٍ، وقيل إنه كدم الحامل، ويحكى عن مالك أنَّه نفاس، وفي كلام بعض الأصحاب ما يقتضي كونه دم فساد. فإن قلنا: إنه نفاس فما بعد الثاني معه نفاس واحد أو نفاسان؟ فيه وجهان: أظهرهما نفاسان لانفصال كل واحدة من الولادتين عن الأخرى،

стр. 1221

وعلى هذا لا يبالي بمجاوزة الدم الستين من الولادة الأولى. والثاني: أنهما نفاس واحد لأنهما في حكم الولد الواحد؛ ألا ترى أن العدة لا تنقضي بوضع أحدهما، فعلى هذا إذا زاد الدم على ستين من الولادة الأولى فهي مستحاضة (١). * * * *

стр. 1222

١٠٦ - باب ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد ثنا بندار محمد بن بشار، نا أبو أحمد، نا سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد. قال: وفي الباب عن أبي رافع. قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، منهم الحسن البصري: أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ. وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان فقال: عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس. وأبو عروة هو معمر بن راشد، وأبو الخطاب: قتادة بن دعامة (١). * الكلام عليه: أخرجه النسائي (٢) وابن (٣) ماجة من حديث قتادة عن أنس، وأخرج مسلم (٤) من حديث هشام بن زيد، عن أنس أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد. وأخرج البخاري (٥) من حديث قتادة عن أنس قال: كان النبي ﷺ يدور على

стр. 1223

نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؛ قال: كنا نتحدث أنَّه أعطي قوة ثلاثين. هشام الدستوائي يقول: عن قتادة: إحدى عشرة. وسعيد بن أبي عروبة يقول عنه تسع نسوة (١). وحديث أبي رافع أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؛ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر". رواه الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) وابن ماجة (٤) والنسائي (٥). قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي: لفظ أبي داود. قلت: والله أعلم ليس بينه وبين حديث أنس اختلاف بل كان يفعل هذا مرة

стр. 1224

وذاك أخرى، انتهى (١). قال أبو (٢) داود: حديث أنس أصح من هذا يريد الحديث الَّذي تقدم في الباب قبله. قال بعض (٣) أهل العلم: وأما طوافه ﷺ على نسائه بغسل واحد، فيحتمل أنَّه ﷺ كان يتوضأ بينهما، أو يكون المراد بيان جواز ترك الوضوء. وقد اختلف العلماء في وطء النبي ﷺ النسوة التسع أو الإحدى عشر كما جاء في وقت واحد كيف كان؟ وسئل مالك (٤) عن رجل له نسوة جوار (٥): أله أن يطأهن جميعًا قبل أن يغتسل؟ قال: لا بأس أن يصيب الرجل جاريته (٦) قبل أن يغتسل، فأما النساء الحرائر فإنا نكره أن يصيب الرجل المرأة الحرة في يوم الأخرى قبل أن يغتسل، فأما أن يصيب الرجل الجارية ثم يصيب الأخرى وهو جنب فلا بأس بذلك.

стр. 1225

قال ابن عبد البر: وجه ذلك أن الجواري لا قسمة لهن عليه، فله أن يطأ جميعهن إن قدر في اليوم والليلة، وقد روي عن النبي ﷺ أنَّه طاف على نسائه في غسل واحد وهذا معناه في حين قدومه من سفر ونحوه، في وقت ليس لواحدة منهن يوم معين معلوم، فجمعهن يومئذ، ثم دار بالقسم عليهن بعد، والله أعلم؛ لأنهن كن حرائر وسنته ﷺ فيهن العدل في القسم بينهن، وألا يمس الواحدة في يوم الأخرى، وهذا قول جماعة الفقهاء، وهو مروي عن ابن عباس وعطاء، وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ وضوءه للصلاة، وسيأتي في الباب بعد هذا. وقال القاضي أبو (١) بكر بن العربي -رحمه الله تعالى-: كان الله سبحانه قد خص نبيه ﷺ في النِّكاح بأشياء لم يعطها غيره، منها تسع زوجات في ملك، ثم أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق تكون مقتطعة له من زمانه يدخل فيها على جميع أزواجه فيطؤهن أو بعضهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها، ففي كتاب مسلم عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر، فلو اشتغل عنها لكانت بعد المغرب أو غيره، فلذلك قال في الحديث (٢): في الساعة الواحدة من ليل أو نهار، وقد روي عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ؛ ذكره الطحاوي (٣): ثنا إبراهيم بن مرزوق، نا معاذ بن فضالة، نا يحيى بن أيوب، عن أبي حنيفة، وموسى بن عقبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود بن يزيد عن عائشة فذكره.

стр. 1226

ولا يطأ الرجل زوجته الواحدة في نوبة أخرى إلا إن أذنت له فيجوز حينئذٍ الجمع. وفيه ما أعطيه ﵇ من القوة على كثرة الجماع (١) وذلك محمود عند العرب؛ إذ هو دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية (٢)، وإنما في الشرع سنة مأثورة؛ وقد قال ابن (٣) عباس: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء، مشيرُا إليه ﷺ ؛ وقد قال ﵇: "تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم" (٤)، ونهى عن التبتل (٥) مع ما فيه من قمع الشهوة وغض البصر اللذين نبه عليهما ﷺ بقوله: "من كان ذا طولٍ فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" (٦)، حتَّى لم يره العلماء مما يقدح في

стр. 1227

الزهد (١)، وقال سهل بن عبد الله التستري: قد حببن إلى رسول الله ﷺ فكيف نزهد فيهن! ... ونحوه لابن عيينة. وقد كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات والسراري كثيري النِّكَاح، وحكي في ذلك عن علي وابن عمر وغيرهم غير شيء (٢). قال القاضي (٣) عياض ﵀: فإن قلت (٤): كيف يكون النِّكَاح وكثرته من الفضائل وهذا يحيى بن زكريا قد أثنى الله عليه أنَّه كان في حصر (٥)، فكيف يثني الله عليه بالعجز عما تعده فضيلة؛ وهذا عيسى تبتل من النساء، ولو كان كما قررته لنكح! فاعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم إنه كان هيوبًا (٦) أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء وإنما معناه أنَّه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصر عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء، فقد بأن لك من هذا أن عدم القدرة على النِّكَاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها؛ إما بمجاهدة كعيسى ﵇، أو بكفاية من الله كيحيى ﵇، فضيلة زائدة لكونها شاغلة (٧) في كثير من الأوقات حاضةً إلى

стр. 1228

الدنيا، ثم هي في حق من أقدر عليها وملكّها وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا وهي درجة نبينا ﷺ الَّذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن، بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره؛ فقال: "حبب إلي من دنياكم ... " (١) فدل أن حبه لما ذكر من النساء والطيب اللَّذَيْن هما من أمر دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه بل لأخرته، للفوائد التي ذكرناها في التزويج وللقاء الملائكة في طيب، ولأنه مما يحض على الجماع ويعين عليه ويحرك أسبابه، وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره وقمع شهوته، وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه ومناجاته، ولذلك ميز بين الحبين وفصل بين الحالين، فقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، فقد ساوى يحيى وعيسى في كفاية فتنتهن وزاد فضيلة بالقيام بهن. وكان ﷺ ممن أقدر على القوة في هذا وأعطي الكثير منه ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره، وقد روينا عن أنس: أنَّه ﷺ كان يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة (٢). قال أنس: "وكنا نتحدث أنَّه أعطي قوة ثلاثين رجل". خرجه النسائي (٣) وروي نحوه عن أبي رافع (٤).

стр. 1229

وعن طاوس أعطي ﵇ قوة أربعين في الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم. وقد قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، وإنه فعل ذلك. وقال ابن عباس: كان في ظهر سليمان ماء مئة رجل، وكانت له ثلاث مئة امرأة وثلاث مئة سرية. وحكى النقاش (١): سبع مئة وثلاث مئة سرية. وقد كان لداود على زهده وأكله من عمل يده تسعة وتسعون امرأة، وتمت بزوج أوريا مئة. * * *

стр. 1230

١٠٧ - باب ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ حدثنا هناد، نا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا". قال: وفي الباب عن ابن (١) عمر. قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهو قول عمر بن الخطاب، وقال به غير واحد من أهل العلم. قالوا: إذا جامع الرجل امرأته ثم أراد أن يعود فليتوضأ قبل أن يعود. وأبو المتوكل اسمه علي بن داود، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان (٢). * الكلام عليه: أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) وابن ماجة (٦).
следующие страницы →