← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ولا يطأ الرجل زوجته الواحدة في نوبة أخرى إلا إن أذنت له فيجوز حينئذٍ الجمع. وفيه ما أعطيه ﵇ من القوة على كثرة الجماع (١) وذلك محمود عند العرب؛ إذ هو دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية (٢)، وإنما في الشرع سنة مأثورة؛ وقد قال ابن (٣) عباس: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء، مشيرُا إليه ﷺ ؛ وقد قال ﵇: "تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم" (٤)، ونهى عن التبتل (٥) مع ما فيه من قمع الشهوة وغض البصر اللذين نبه عليهما ﷺ بقوله: "من كان ذا طولٍ فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" (٦)، حتَّى لم يره العلماء مما يقدح في

стр. 1227

الزهد (١)، وقال سهل بن عبد الله التستري: قد حببن إلى رسول الله ﷺ فكيف نزهد فيهن! ... ونحوه لابن عيينة. وقد كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات والسراري كثيري النِّكَاح، وحكي في ذلك عن علي وابن عمر وغيرهم غير شيء (٢). قال القاضي (٣) عياض ﵀: فإن قلت (٤): كيف يكون النِّكَاح وكثرته من الفضائل وهذا يحيى بن زكريا قد أثنى الله عليه أنَّه كان في حصر (٥)، فكيف يثني الله عليه بالعجز عما تعده فضيلة؛ وهذا عيسى تبتل من النساء، ولو كان كما قررته لنكح! فاعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم إنه كان هيوبًا (٦) أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء وإنما معناه أنَّه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصر عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء، فقد بأن لك من هذا أن عدم القدرة على النِّكَاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها؛ إما بمجاهدة كعيسى ﵇، أو بكفاية من الله كيحيى ﵇، فضيلة زائدة لكونها شاغلة (٧) في كثير من الأوقات حاضةً إلى

стр. 1228

الدنيا، ثم هي في حق من أقدر عليها وملكّها وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا وهي درجة نبينا ﷺ الَّذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن، بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره؛ فقال: "حبب إلي من دنياكم ... " (١) فدل أن حبه لما ذكر من النساء والطيب اللَّذَيْن هما من أمر دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه بل لأخرته، للفوائد التي ذكرناها في التزويج وللقاء الملائكة في طيب، ولأنه مما يحض على الجماع ويعين عليه ويحرك أسبابه، وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره وقمع شهوته، وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه ومناجاته، ولذلك ميز بين الحبين وفصل بين الحالين، فقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، فقد ساوى يحيى وعيسى في كفاية فتنتهن وزاد فضيلة بالقيام بهن. وكان ﷺ ممن أقدر على القوة في هذا وأعطي الكثير منه ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره، وقد روينا عن أنس: أنَّه ﷺ كان يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة (٢). قال أنس: "وكنا نتحدث أنَّه أعطي قوة ثلاثين رجل". خرجه النسائي (٣) وروي نحوه عن أبي رافع (٤).

стр. 1229

وعن طاوس أعطي ﵇ قوة أربعين في الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم. وقد قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، وإنه فعل ذلك. وقال ابن عباس: كان في ظهر سليمان ماء مئة رجل، وكانت له ثلاث مئة امرأة وثلاث مئة سرية. وحكى النقاش (١): سبع مئة وثلاث مئة سرية. وقد كان لداود على زهده وأكله من عمل يده تسعة وتسعون امرأة، وتمت بزوج أوريا مئة. * * *

стр. 1230

١٠٧ - باب ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ حدثنا هناد، نا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا". قال: وفي الباب عن ابن (١) عمر. قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهو قول عمر بن الخطاب، وقال به غير واحد من أهل العلم. قالوا: إذا جامع الرجل امرأته ثم أراد أن يعود فليتوضأ قبل أن يعود. وأبو المتوكل اسمه علي بن داود، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان (٢). * الكلام عليه: أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) وابن ماجة (٦).

стр. 1231

وأما في المعاودة بغير وضوء فروى الإمام أحمد (١) في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا كان (٢) له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء". وقال الترمذي (٣) في كتاب العلل: ثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، نا معتمر بن سليمان؛ قال: سمعت أبي عن عاصم، عن أبي المستهل، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم أهله وأراد أن يعود فليغسل فرجه"، سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو خطأ، ولا أدري من هو أبو (٤) المستهل، وإنما روى عاصم عن أبي عثمان، عن سلمان بن ربيعة، عن عمر قوله، وهو الصحيح، وروى عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ . قال البيهقي (٥): وروينا عن عمر بن الخطاب أنَّه أمر بالوضوء. وذكر أبو (٦) بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن علية، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان بن ربيعة قال لي عمر: يا سلمان! إذا أتيت أهلك ثم أردت أن تعود كيف تصنع؟ قلت: كيف أصنع؟ قال: توضأ بينهما وضوءًا.

стр. 1232

حدثنا عبدة بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا أتى أهله ثم أراد أن يعود غسل وجهه وذراعيه. حدثنا وكيع عن مسعر، عن محارب؛ قال: سمعت ابن عمر يقول: إذا أردت أن تعود توضأ. حدثنا عن الحسن: كان لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته ثم يعود قبل أن يتوضأ. قال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا، قال: إنما قيل ذلك لأنه أحرى أن يعود (١). وعن وكيع، عن عمر (٢) بن الوليد الشني؛ قال: سمعت عكرمة يقول: إذا أراد أن يعود توضأ. وعن وكيع، عن عريف بن درهم، عن إبراهيم؛ قال: يتوضأ. (٣) وعن ابن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء؛ قال: إذا أراد أن يعود توضأ (٣). وتقدم الكلام على معنى هذا الوضوء وما المراد منه، وما ينوي الناس فيه من خلاف في باب الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام. وقال القاضي (٤) أبو بكر بن العربي في الكلام على هذا الحديث: ولست أعلم من قال من أصحاب الشافعي، قال في كتاب "الإيضاح" له (٥) وقد رام بعضهم أنَّه

стр. 1233

منسوخ أمر به إذ كان الجنب لا يذكر الله، ذهب إليه الطحاوي (١) وليس لم يكن (٢)، وقد روي عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. ذكره الطحاوي (٣)، وقد ذكرناه من طريقه في الباب قبل هذا في هذا الباب. وقال أحمد: إن توضأ فهو أعجب إلي، وإن لم يفعل فأرجو أن لا يكون به بأس، وكذلك إسحاق إلا أنَّه قال: لا بد من غسل الفرج إن أراد أن يعود. وقال أصحابنا (٤): يستحب الوضوء لا سيما إذا أراد جماع من لم يجامعها، فإنه يتأكد استحباب غسل ذكره، وقد نصوا على أنَّه يكره الأكل والنوم والشرب والجماع قبل الوضوء، ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب، وبهذا قال مالك والجمهور، وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك (٥) فمذهب داود الظاهري، والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل. * * *

стр. 1234

١٠٨ - باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء حدثنا هناد، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم؛ قال (١): أقيصت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه، وكان إمام قومه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء". قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح، هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد وغير واحد من الحفاظ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم. وروى وهيب وغيره عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن الأرقم. وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق؛ قالا: لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئًا من الغائط والبول، وقالا: إن دخل في الصلاة فوجد شيئًا من ذلك فلا ينصرف ما لم يشغله. وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يصلي وبه غائط أو بول ما لم يشغله ذلك عن الصلاة (٢).

стр. 1235

* الكلام عليه: أخرجه النسائي (١) وابن ماجة (٢). وقيل إن عبد الله بن أرقم روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا وليس له في هذه الكتب سوى هذا الحديث (٣). وذكر الترمذي (٤) رواية وهيب بزيادة رجل بين عروة وعبد الله بن الأرقم، وقال (٥): هذا أشبه عندي، وفي هذا الكلام مع تصحيحه هذا الحديث نظر.

стр. 1236

وأخرجه ابن (١) حبان في صحيحه من حديث مالك عن هشام، عن أبيه، أن عبد الله بن الأرقم وقال: قال أبو داود في سننه: روى حديث عبد الله بن الأرقم وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة، عن هشام، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن الأرقم، وأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير عن هشام، عن أبيه، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله. وقال أبو (٢) عمر: اختلف فيه عن هشام؛ فرواه مالك كما ترى -يعني بغير ذكر واسطة بين عروة وعبد الله- وتابعه زهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبو معاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كناسة هم (٣) رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم كما رواه مالك. ورواه وهيب بن خالد وأنس بن عياض وشعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم كما ذكرناه. قال: ورواه أيوب بن موسى عن هشام عن أبيه أنَّه سمعه من عبد الله بن الأرقم، ذكره عبد الرزاق وقال: أنا ابن جريج عن أيوب بن موسى، عن هشام بن عروة، عن عروة؛ قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري فأقام الصلاة، ثم قال: صلوا، وذهب لحاجته، فلما رجع قال: إن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1237

"إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط ... " فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه في هذا الحديث متصلة، وابن جريج وأيوب بن موسى ثقتان حافظان (١). وأما حديث عائشة فعند أبي (٢) داود من طريق عبد الله بن محمد أخي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كنا عند عائشة فجيء بطعامها فقام القاسم يصلي، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصلي بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان". وحديث عائشة هذا عند مسلم (٣) وحديث أبي هريرة عند أبي (٤) داود أيضًا من رواية أبي حي المؤذن عنه عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقِن حتَّى يتخفف ... " الحديث. وحديث ثوبان عند الترمذي (٥) وحسنه، وسيأتي. وذكر حديث يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، وحديث يزيد بن شريح، عن أبي هريرة في ذلك، وقال: وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسنادًا وأشهر (٦).

стр. 1238

واختلف العلماء فيمن صلى وهو حقِن (١): فقال الشافعي وأبو حنيفة وعبيد الله بن الحسن: تكره صلاته وهي جائزة مع ذلك إن لم يترك شيئًا من فرضها. وقال ابن القاسم عن مالك: إذا شغله ذلك فصلى كذلك فإني أحب أن يعيد في الوقت وبعده. وقال الثوري: إذا خاف أن يسبقه البول قدم رجلًا وانصرف. وقال الطحاوي: لا يختلفون أنَّه لو شغل قلبه بشيء من أمر الدنيا لم يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول (٢). قال أبو (٣) عمر: قد أجمعوا أنَّه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزئة عنه، فكذلك إذا صلى حاقنًا فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة وتركه إقامتها على حدودها فإذا أقامها على حدودها فقد خرج من المعنى الخوف عليه وأجزته لذلك صلاته، وذكر حديثي أبي هريرة وثوبان اللذين ذكرناهما، وقال: مثل هذا لا تقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث، ولو صح كان معناه إذا كان حاقنًا جدًّا لم يتهيأ له إكمال صلاته على وجهها. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: من استطاع منكم فلا يصلي وهو

стр. 1239

مؤجج (١) من خلاء أو بول. وروي عنه أنَّه قال: لا يدافعن أحدكم الخبث في الصلاة. وروى ابن المبارك عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لأن أصلي وهو في ناحية ثوبي أحب إلي من أن أصلي وأنا أدافعه. وجاءت فيه رخصة عن إبراهيم النخعي وطاوس اليماني. قال أبو (٢) عمر: الَّذي نقول فيه (٣) أنَّه لا ينبغي لأحد أن يفعله، فإن فعله وسلمت له صلاته أجزأت عنه صلاته وبئس ما صنع. وقد اختلف العلماء في تعليل هذه الكراهة: فمنهم من علله بالشغل المؤدي إلى شرود القلب وإسقاط الخشوع، وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: العلة فيه انتقال الحديث، وعنده أن انتقال الحديث يوجب الوضوء، وانتقال المني يوجب الغسل وإن لم يظهرا. وتعلق أحمد بأن الشهوة حصلت بانتقال المني وإن لم ينزل (٤) فكان كالتقاء الختانين، وبأن انتقال الحديث سبب لخروجه فلا يكون أقل من مس الذكر (٥)، فإن كان محتاجًا بدأ بالعشاء للحديث. وإن لم يكن محتاجًا بدأ بالصلاة للمعنى الَّذي ذكرناه، هذا في صلاة الجماعة، أما إن كان وحده بدأ بأكله على كل حال (.....) إلا أن يرغب في الفضل فيبدأ بالصلاة، إلا أن يكون محتاجًا (...). ويلحق بمدافعة الأخبثين

стр. 1240

والصلاة بحضرة الطعام عند أصحابنا (١) ما في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، وهذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم، إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن (٢) ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج وقت الصلاة صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها. وحكى أبو سعيد (٣) المتولي وجهًا لبعض الأصحاب أنَّه لا يصلي بحاله بل يأكل ويتوضأ وإن خرج الوقت لأن مقصود الصلاة الخشوع وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب. ونقل (٤) عن أهل الظاهر أنها باطلة. وفي قوله: "ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء" ما كان ﵇ من مجانبة الفحش والبعد عن دناءة القول، وكذلك كانت العرب تكنوا عن موضع الحاجة بالخلاء والغائط والمذهب والمخرج (٥) والكنيف والحش والمرحاض والمرفق للفرار عن التصريح بما يستقبح من ذكر ذلك بخاص اسمه (٦). * * *

стр. 1241

١٠٩ - باب ما جاء في الوضوء من الموطئ (١) ثنا أبو رجاء قتيبة، نا مالك بن أنس عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف؛ قالت: قلت لأم سلمة: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله ﷺ : "يطهره ما بعده". قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ لا نتوضأ من الموطئ. قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا وطئ الرجل على المكان القذر أنه لا يجب عليه غسل القدم إلا أن يكون رطبًا فيغسل ما أصابه. قال أبو عيسى: وروى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك بن أنس، عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لهود بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة، وهو وهم (٢) وإنما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة، وهذا الصحيح (٣). * الكلام عليه: أخرجه أبو داود (٤) وابن (٥) ماجة، وهو عند مالك (٦) في موطئه.

стр. 1242

وروى أبو داود (١) من حديث زهير عن عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل؛ قالت: قلت: يا رسول الله! إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: "أليس بعدها طريق أطيب منها؟ "، قالت: قلت: بلى، قال: "فهذه بهذه". وأخرجه ابن (٢) ماجة. قال الخطابي (٣): في إسناد الحديثين معًا مقال؛ لأن الأول عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة، والحديث الآخر عن امرأة من بني عبد الأشهل، والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث. قال الحافظ المنذري (٤): وأما ما قاله في الحديث الثاني ففيه نظر؛ فإن جهالة ابنة (٥) الصحابي غير مؤثرة (٦). انتهى. وذكر ابن (٧) القطان أن عبد الله بن عيسى الَّذي روى الحديث الثاني لا يعرف،

стр. 1243

وليس بابن أبي ليلى. وأما حديث عبد الله بن مسعود فقد ذكره أبو (١) عمر مشيرًا إليه كما ذكره الترمذي (٢) ولم يسنده. قلت: حديث عبد الله بن مسعود قد رواه أبو داود (٣) في سننه. وفي معنى حديث الباب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور"، وفي رواية: "إذا وطن الأذى بخفيه فطهورهما التراب". رواه الإمام أحمد (٤) وأبو داود (٥). وعن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذىً فليمسحه وليصل فيهما". رواه أحمد (٦) وأبو (٧) داود. وحديث أبي هريرة؛ أخرجه الحاكم (٨) في مستدركه وقال: صحيح على شرط مسلم، فإن محمد بن كثير وقد (٩) حفظ في إسناده ذكر ابن عجلان. انتهى.

стр. 1244

محمد بن كثير الصنعاني روى هذا الحديث عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. وكذلك ذكر عن ابن (١) خزيمة، أخرجه إياه في صحيحه من طريق محمد بن كثير. وأما أبو الحسن (٢) بن القطان فضعف هذا الحديث بمحمد بن كثير، وقال: الصنعاني الأصل المصيصي الدار أبو يوسف يروي عن الأوزاعي وغيره وهو ضعيف، وأضعف ما هو في الأوزاعي. قال عبد الله بن أحمد: ذكر أبي محمد بن كثير فضعفه جدًّا وضعف حديثه عن معمر جدًّا، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: لم يكن عندي بثقة، وقال عبد الله عن أبيه: منكر الحديث. وقال يونس بن حبيب: ذكرت لابن المديني محمد بن كثير المصيصي وأنه حدث عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس: رأى النبي أبا بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنهَ، فقال علي: كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحب أن أراه. قال ابن القطان: فعلى هذا لا ينبغي أن نظن بهذا الحديث أنَّه صحيح من هذا الوجه (٣). وقال أبو (٤) عمر: هو حديث لا يثبت اختلف في إسناده على الأوزاعي، وعلى

стр. 1245

سعيد بن أبي سعيد اختلافًا يسقط الاحتجاج به. انتهى. والعجب من ابن القطان (١) في رده هذا الحديث بمحمد بن كثير وقوله فيه ما قال، وقد رد على أبي (٢) محمد عبد الحق في باب (٣) ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها منها وهي ضعيفة منها صحيحة وحسنة من طرق أخر (٤)، فذكر من ذلك حديث عائشة: "إنما النساء شقائق الرجال"، وقال (٥): قد روي فيما مر حديث أنس بإسناد صحيح، وذكر عن البزار: نا عمر بن الخطاب، نا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن أنس: "جاءت أم سليم ... " وذكر الحديث. ومحمد بن كثير عن الأوزاعي في الموضعين واحد. وأما البيهقي (٦) فإنه أعل رواية ابن كثير برواية الوليد بن مزيد البيروتي عن الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد قال. وكذلك رواه عبد القدوس بن الحجاج وعمر بن عبد الواحد وهما أعلم بالأوزاعي، وليس هذا من الاعتلال بكبير أمر؛ فأكثر ما فيه عن محمد بن كثير تسمية مسكوت عن اسمه عند غيره، ولذلك ما قال الحاكم (٧) عند تصحيحه إياه: وقد حفظ في إسناده ذكر ابن عجلان يريد حفظ من غير طريق محمد بن كثير وإلا لم يكن له معنى.

стр. 1246

١١٠ - باب ما جاء في التيمم وأما ما وقع في حديث أبي (١) داود الذي ذكرناه أن رسول الله ﷺ مسح إلى أنصاف ذراعيه؛ فلم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم. وأما اختلافهم في استيعاب الوجه والكفين فقال بعضهم: يجزئ المسح وإن لم يصب إلا بعض اليدين، وإليه ذهب أبو أيوب (٢) سليمان بن داود الهاشمي وغيره وهو مذهب أهل الظاهر (٢)، واستدل بعض القائلين بذلك بقوله تعالى: ﴿وامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، على أنه يجزئ مسح البعض في ذلك، ورأى أن الباء في هذه الآية كالباء في قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، وأنها للتبعيض، وهذا غير صحيح؛ فإن الباء هنا لا تدل على شيء من ذلك؛ وقد قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾، ولو طاف أحد ببعض البيت لم يجز بإجماع. وقال الشافعي (٣): وإن ترك من وجهه أو من ذراعيه شيئًا لم يصل الغبار إليه وإن قلّ لم يجزئه. وقال أبو حنيفة: إن ترك أقل من قدر الدرهم أجزأه وكان معفوًا عنه، وإن ترك قدر الدرهم فصاعدًا لم يجزه، وبنى ذلك على أصله في أن قدر الدرهم حد للعفو (٤) عنه في النجاسة فصار أصلًا للعفو (٥) في التيمم، ثم استدل بأن الغسل إذا أبدل

стр. 1247

بالمسح جاز أن لا يشترط فيه الاستيعاب كالمسح على الخفين، أما القياس هنا على المسح على الخفين فلا يستقيم لوجهين: الأول: أنه ينتقض بالمسح على اللصوق والجبائر إذ هو بدل من الغسل ويلزم فيه الاستيعاب فيه. الثاني: أن البدل في الخفين بدل رخصة يجوز مع القدرة على الغسل فجاز فيه الاقتصار على البعض ترفيهًا، والتيمم بدل ضرورة فلا يجوز مع القدرة على الماء فوجب الاستيعاب فيه تغليظًا (١). وأما اختلافهم فيما يستباح بالتيمم من الصلوات: فقال الشافعي (٢): لا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرض، ويجدد لكل فريضة طلبًا للماء، وتيممًا بعد الطلب الأول، وهذا (٣) كما قال لا يجوز أن يصلي فرضين بتيمم واحد. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من فرض ونفل ما لم يحدث كالوضوء. وقال أبو ثور: يجوز أن يجمع بين الفوائت ولا يجوز أن يجمع بين المؤقتات. ودليلنا (٤) قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ....﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، فكان الطاهر موجبًا أن يتوضأ لكل صلاة،

стр. 1248

فإن لم يجد الماء تيمم لها، فلما جاز (١) الجمع بين الصلوات بالوضوء الواحد بدليله بقي حكم التيمم على موجب الظاهر. وقد تقدم كثير مما يصلح للاستدلال في هذه المسألة لكل من الفريقين في مسألة أن التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح للصلاة فأغنى ذلك عن الإعادة ها هنا. وقد اختلفوا أيضًا في ترتيبه: فقال الأعمش (٢): يقدم في التيمم اليدان قبل الوجه. وقال الشافعي: يقدم الوجه على الكفين ولا بد. وأباح أبو حنيفة تقديم كل واحد منهما على الآخر. واختلفوا في إمامة المتيمم للمتوضئين والماسح للغاسلين (٣): فأجازه الشافعي وأبو حنيفة وسفيان وأحمد وأبو يوسف وزفر وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وروي ذلك عن ابن عباس وعمار بن ياسر وجماعة من الصحابة، وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري وحماد بن أبي سليمان. وروي المنع من (٤) ذلك عن علي بن أبي طالب قال: لا يؤم المتيمم المتوضئين، ولا المقيد المطلقين. وقال ربيعة: لا يؤم المتيمم من جنابة إلا من هو مثله.

стр. 1249

وبه قال (١) يحيى بن سعيد الأنصاري. وقال محمد بن الحسن والحسن بن حي: لا يؤمهم. وكره مالك وعبيد الله بن الحسن أن يؤمهم، فإن فعل أجزأ. وقال الأوزاعي: لا يؤمهم إلا إن كان أميرًا. ومسائل التيمم كثيرة وإن كانت الأحاديث في ذلك في جامع الترمذي قليلة، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بكتب الفقه الموضوعة لذلك. * * *

стр. 1250

١١١ - باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا ثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، ثنا حفص بن غياث وعقبة بن خالد، قالا: ثنا الأعمش وابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي؛ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا". قال أبو عيسى: حديث علي حديث حسن صحيح. وبه قال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين قالوا: يقرأ الرجل القرآن على غير وضوء، ولا يقرأ في المصحف إلا وهو طاهر. وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق (١). * الكلام (٢) عليه: أخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن (٥) ماجه مختصرًا. وأخرجه الحافظ أبو (٦) بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث شعبة عن عمرو بن مرة وقال (٧): سمعت أحمد بن المقدام العجلي يقول: ثنا سعد بن الربيع، عن

стр. 1251

شعبة بهذا الحديث. قال شعبة: هذا ثلث رأس مالي. وأخرجه الحاكم (١) في المستدرك وقال: لم يحتجا بعبد الله بن سلمة ومدار الحديث عليه. وذكر أبو (٢) بكر البزار: أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة. وحكى البخاري (٣) عن عمرو بن مرة: كان عبد الله -يعني ابن سلمة- يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه. ورواه ابن الجارود (٤) من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة وفي آخره: قال يحيى: وكان شعبة يقول: في هذا الحديث تعرف (٥) وتنكر -يعني عبد الله بن سلمة- كان كبر حيث أدركه عمرو. قال الحافظ المنذري (٦): وذكر الشافعي هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه.

стр. 1252

قال البيهقي (١): وإنما توقف الشافعي في ثبوت الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. انتهى. وسَلِمة (٢) بكسر اللام. وقال أحمد (٣): لم يرو هذا الحديث أحد عن عمرو عن شعبة، وذكر ابن (٤) عدي أنه رواه عن عمرو الأعمش وشعبة ومسعر وابن أبي ليلى ويحيى بن سعيد ورقية (٥) أو بقية لست أدري أيهما هو. وفي الباب حديث نافع عن ابن عمر: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة عنه. وقد تقدم عند الترمذي (٦) وذكر هناك ما في معناه من الأحاديث. وفي الباب مما لم يذكره ما روى الدارقطني (٧) من حديث أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي، إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره

стр. 1253

لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب". وفيه المشهور الذي عليه الجمهور أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن، وقد اختلف العلماء في ذلك، وفي اليسير منه الآية والآيتين، وفي الفرق بين الحائض والجنب، ومن كان تعليم القرآن شغله من النساء وغيرهم اختلافًا ذكرناه فيما سبق من هذا الكتاب. وذهب قوم من السلف إلى جواز القراءة للجنب، وقد نقلنا ذلك عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وربيعة بن أبي عبد الرحمن وغيرهم، وإليه ذهب أهل الظاهر. وزعم أبو (١) محمد بن حزم أن الأحاديث الرادة على من ذهب مذهبه في ذلك لا تصح، ولست أدري ما المانع من صحة هذا الحديث من طريق عبد الله بن سلمة عن علي، فقد صححه الترمذي (٢) وابن (٣) خزيمة، وأخرجه الحاكم (٤) في المستدرك وقال: صحيح الإسناد وصححه البغوي (٥)، وكل من ذكر في إسناده متفق عليه إلا عبد الله بن سلمة، فقد ذكرنا فيه قول من قال (٦): تعرف وتنكر، وليس في هذا كبير جرح، وقد قال العجلي (٧): ثقة. وقال ابن (٨) عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال

стр. 1254

الحاكم (١): غير مطعون فيه. وذكره ابن حبان (٢) في الثقات وقال: كان يخطئ. وقال شعبة (٣): ليس بحديث أجود من ذا يعني هذا الحديث والله لأخرجنه من عنقي وألقينه في أعناقكم. وقال ابن (٤) عيينة: لا يروى أحسن منه عن عمرو بن مرة. وله أحاديث تعضده وتشهد له منها حديث ابن (٥) عمر: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن". وحديث ابن رواحة، وحديث عبد الله بن مالك الغافقي وقد تقدمت في باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن. وتشبث أبو (٦) محمد في رد حديث علي هذا أيضًا بأن قال: ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن وإنما هو فعل منه ﵇ لا يلزم، ولا بين ﵇ أنه إنما يمتنع من قراءة القرآن من أجل الجنابة، وقد يتفق له ﵇ أن ترك القراءة في تلك الحال ليس من أجل الجنابة، وهذا أيضًا ليس بشيء لأن الأحكام مستنبطة من أفعاله ﵇ ومن أقواله وفهم الصحابة ﵃ الذي فهموا عنه ﵇ أن الجنابة هي سبب الإمساك عن القراءة أولى أن يصار إليه من فهم من بعدهم، وإنما كان يقرب مثل هذا أن يرد نص صريح صحيح بأن يقرأ القرآن، فنعم هناك يحتاج إلى التأويل وإلى ترجيح الدلالة القولية على الفعلية، وليس بشيء من ذلك هنا.

стр. 1255

وكذلك أجاز الظاهري (١) للجنب والحائض والنفساء دخول المسجد ورد الأحاديث الواردة في المنع من ذلك، وقد تقدم الكلام معه في ذلك في باب الحائض تناول الشيء من المسجد (٢). وقد اختلف العلماء في حمل المحدث للمصحف ومسه على مذاهب: فأجازه قوم، ومنعه آخرون، وفرق قوم بين حمله بحائل فرأوه جائزًا أو دون حائل فرأوه ممنوعًا. أما من أجازه: فعن داود بن علي: يجوز حمله بغير طهارة، وبه قال حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة. قال أبو (٢) محمد بن حزم: وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب والحائض، ثم قال (٣): وأما مس المصحف فإن الأخبار (٤) التي احتج بها من لم يجز مس المصحف للجنب فإنه لا يصح منها شيء لأنها إما مرسلة وإما [صحيفة] لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف. واحتج من نحا إلى الجواز بكتاب النبي ﷺ إلى هرقل وفيه: ﴿ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ...﴾ الآية. وتعلق أنه موجه إلى النصارى وأنهم يمسونه، وأما قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، فالمراد بهم الملائكة. كذلك رواه بسند صحيح عن سلمان الفارسي، وعن سعيد بن جبير، وسيأتي له مزيد بيان. وروى (٥) من طريق محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن

стр. 1256

بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، نا منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس: أنه كان إذا أراد أن يتخذ مصحفًا أمر نصرانيًّا فنسخه له. وأما من منعه مطلقًا كما ذهب إليه الشافعي وجماعة فيحتجون بما روى مالك (١) في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر وهو أبو محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"؛ هذا مرسل. وأخرج أبو (٢) عمر في التمهيد من حديث معتمر عن حماد (٣) المروزي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه قال: في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم: "ألا تمس القرآن إلا على طهور". وروى البيهقي (٤) في بعض تصانيفه عن أبي بكر بن الحارث، عن أبي محمد بن حيان، عن محمد بن سهل، عن أبي مسعود، عن عبد الرزاق (٥)، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ كتب في عهده: "ولا يمس القرآن إلا طاهر". قال (٦): كذا في كتابي عن جده ولم يذكرها غيره عن عبد الرزاق. ورواه البيهقي (٧) وأبو عمر (٨) من حديث الحكم بن

стр. 1257

موسى، عن يحيى بن حمزة، ثنا سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده فذكره، كلهم ثقات إلا سليمان (١) بن داود. وقال أبو (٢) عمر: كتاب عمرو بن حزم مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد. لأنه أشبه التواتر في صحته لتلقي الناس له بالقبول، في كلام ذكره. وروى الدارقطني (٣) من حديث سعيد بن محمد بن ثواب المصري، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري (٤)؛ قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر". أخرجه عن حسين بن إسماعيل عنه. وروى (٥) أيضًا من حديث إسماعيل بن إبراهيم المنقري قال: سمعت أبي، نا سويد أبو حاتم، ثنا مطر الوراق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ قال له: "لا تمس القرآن إلا وأنت على طهور" (٦). رواه عن محمد بن مخلد عن

стр. 1258

جعفر بن أبي عثمان، عن إسماعيل. وروى علي (١) بن عبد العزيز، نا إسماعيل (٢) بن إسحاق، نا مسعدة المصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر". حديث ثوبان هذا ضعيف الإسناد (٣). وروى مالك (٤) في الموطأ عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم، قال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت. وروى جماعة عن الأعمش منهم وكيع، واللفظ له قال: الأعمش عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: كنا مع سليمان (٥) فخرج فقضى حاجته ثم جاء، فقلت: يا أبا عبد الله لو توضأت لعلنا أن نسألك عن آيات؛ قال: إني لست أمسه، إنما (٦) يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا. أخرجه الدارقطني (٧) من جهة

стр. 1259

وكيع. قال الحاكم (١): صحيح على شرط الشيخين. وذكر ابن (٢) إسحاق في قصة إسلام عمر ﵁ أن أخته قالت له: إنك جنب (٣)، ولا يمسه إلا المطهرون. وأما التفرقة بين الحدثين؛ فإن ابن الفرس ذكر في كتاب أحكام القرآن له قال: وجوز داود والحكم مسه هنا، ورخص بعضهم في مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر. وأما التفرقة بين حمله ومسه فإن أبا (٤) حنيفة لم يجز مسه لهما، وأجاز حمله لهما في غلاف أو بعلاقة. وقال مالك (٤): لا يحمل الجنب ولا غير المتوضئ المصحف إلا بعلاقة ولا على وسادة فإن كان في خرج أو تابوت فلا بأس أن يحمله اليهودي والنصراني والجنب وغير الطاهر. قال ابن الفرس من المالكية: وكذلك اختلف في الحائض هل تمس المصحف أم لا؟ فعندنا لا تمسه لظاهر الآية وأما المعلم والصبيان فيجوز لهم مس المصحف وإن كانوا محدثين للمشقة الداخلة عليهم في ذلك، فهم مخصوصون من عموم الآية. وأما قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، فقد اختلف في الكتاب ما هو؟

стр. 1260

فقيل: الكتاب الذي في السماء، قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: التوراة والإنجيل، قاله عكرمة. فالمراد بالآية على هذا الكتب المنزلة، وقيل: هي مصاحف المسلمين، واختلف في المطهرين فمن قال في الكتاب إنه الذي في السماء، قال: هم الملائكة. قال قتادة: فأما ما عندكم فقد يمسه المشرك النجس والمنافق. وقال الطبري (١): المطهرون الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له، وليس في الآية على هذا القول حكم مس المصحف لسائر بني آدم. ومن قال: إنها مصاحف المسلمين؛ قال: إن قوله: "لا يمسه ... " إخبار معناه النهي: لا يمسه إلا طاهر، وهو أظهر الأقوال. قال أصحابنا (٢): وإذا (٣) ثبت أن الطهارة مستحقة في حمل المصحف فلا يجوز للجنب والمحدث والنفساء والحائض حمله، فأما الذي على بدنه نجاسة فلا يجوز أن يحمله ولا (٤) يمسه بالعضو النجس من بدنه، فأما بأعضائه التي لا نجاسة عليها، فوجهان (٥): أحدهما: لا يجوز لأنه ممنوع من الصلاة كالمحدث. والثاني: وهو قول أبي إسحاق بجواز (٦) الفرق (٦) بين الحدث والنجاسة؛ لأن الحدث يتعدى إلى سائر

стр. 1261

الأعضاء والنجاسة لا تتعدى إلى غير ما هي عليه من أعضاء. وكذلك عندنا لا يجوز لمن ذكرنا مسه ولا مس ما لا كتابة فيه من جلده وورقه. وأجاز أبو حنيفة للمحدث ذلك دون الجنب أن يمس من المصحف ما لا كتابة فيه من جلد وورق وأن يحمله (١) استدلالًا بأن الحرمة إنما تختص بالكتابة المتلوة دون الجلد والورق. وقال من خالفه: الجلد والورق الذي لا كتابة فيه من جملة المصحف بدليل أن من حلف لا يمس مصحفًا حنث بمس جلده وبياضه كما يحنث بمس كتابته (٢). ولله در القائل: من عاشر الأشراف صار مشرفًا ... ومعاشر الأنذال غير مشرف أو ما ترى الجلد الحقير مقبلًا ... بالشغر لما صار جار المصحف * * *

стр. 1262

١١٢ - باب ما جاء في البول يصيب الأرض ثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن؛ قالا: نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: دخل أعرابي المسجد والنبي ﷺ جالس، فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: "لقد تحجرت واسعًا". فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي ﷺ : "أهريقوا عليه سجلًا من ماء، أو دلوًا من ماء"، ثم قال: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك نحو هذا. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وواثلة بن الأسقع. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. وقد روى يونس هذا الحديث عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة (١). * الكلام عليه: أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) وأخرجه ابن (٤) ماجه من حديث أبي سلمة بن

стр. 1263

عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وأخرجه البخاري (١) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث أنس بن مالك بنحوه، وفي رواية أبي (٤) داود: "سجلًا من ماء أو ذنوبًا". وروى ابن (٥) صاعد في حديث أنس عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس أن أعرابيًّا بال في المسجد فقال النبي ﷺ : "احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء". قال الدارقطني (٦) فيما حكاه بعض الحفاظ (٧) عنه: وهم عبد الجبار على ابن عيينة لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه (٨) عن يحيى بن سعيد فلم يذكر أحد منهم الحفر، وإنما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار، عن طاوس أن النبي ﷺ قال: "احفروا مكانه" (٩)، فاختلط على عبد الجبار المتنان، وعبد الجبار هذا قال أبو (١٠) حاتم: مكي صالح. وأما حديث (١١) ابن مسعود فمن رواية أبي بكر بن عياش، عن سمعان بن

стр. 1264

مالك الأزدي، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: بال أعرابي في المسجد، فأمر به النبي ﷺ فصب عليه دلوًا من ماء، ثم أمر به فحفر مكانه. قال أبو زرعة (١): الحديث منكر، وسمعان ليس بالقوي. وأما حديث واثلة بن الأسقع فقرأت على أبي عبد الله محمد (٢) بن علي بن ساعد أخبركم ابن (٣) خليل، أنا أبو عبد الله محمد (٤) بن أبي زيد الكراني وأبو جعفر

стр. 1265

محمد (١) بن إسماعيل الطرسوسي؛ قالا: نا أبو منصور محمود (٢) بن إسماعيل بن محمد، أنا أبو الحسين أحمد (٣)؛ قال: نا سليمان بن أحمد الطبراني (٤)، نا ابن إسحاق، نا أبو الربيع، نا علي بن غراب ثنا عبيد الله بن أبي حميد، قال: ثنا أبو المليح عن واثلة بن الأسقع قال: كنا مع رسول الله ﷺ فدخل أعرابي فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقالوا له: ويحك أو ويلك لقد حصرت
следующие страницы →