← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال مالك: إذا صار ظله مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر بالاشتراك، وبه قال ابن المبارك، ويستحب مالك لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد هذا قليلًا، فإذا زاد على الليل زيادة بينة خرج وقت الظهر، وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس. وقال أشهب: بل الاشتراك في القامة الأولى فيكون ما قبلها بقدر ما يوقع فيه أحد الصلاتين مشتركًا بينهما، واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي وحكاه القاضي أبو بكر رواية عن مالك. وقال ابن حبيب بالتعاقب ونفى الاشتراك، ورأى أن آخر وقت الظهر إذا كان الظل بعد الفراغ منها تمام القامة؛ يعني: المثل، وأول وقت العصر تمام القامة. قال الشيخ أبو محمد: هذا خلاف قول مالك ﵀. وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثليه. قال أبو عمر: فخالف الآثار والناس بقوله بالمثلين في آخر وقت الظهر، وخالفه أصحابه في ذلك. قال: وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة أنه قال: آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله، وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، فترك بين الظهر والعصر وقتًا منفردًا لا يصلح لأحدهما، وهذا لم يتابع عليه أيضًا. واحتج لمن قال بالاشتراك بحديث ابن عباس المذكور قالوا: فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في الأول. وبحديث ابن عباس: "جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر". رواه البخاري ومسلم: "من غير خوف ولا مطر"، فدل على اشتراكهما.

стр. 1332

واحتج من لم ير الاشتراك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي تقدم، وفيه: "ثم صليتم الظهر فإنه وقت إلى أن يحضر العصر"، رواه مسلم من طرق، وفي بعضها: "ووقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر". وبحديث أبي موسى الذي تقدم ذكره من طريق مسلم أيضًا وفيه في صلاة الظهر في اليوم الثاني ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس وفي آخره: "الوقت ما بين هذين"، وهذا نص في أن آخر وقت الظهر لا يزيد على ذلك فاقتضى نفي الاشتراك. وبحديث أبي قتادة أنه ﵇ قال: "ألا أنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى". وأجابوا عن احتجاج القائلين بالاشتراك بقوله: "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في الأول بأن المراد بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار الظل مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله فلم يحصل اشتراك، ولو حمل على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر ولفات بيانه وقد قال في آخر الحديث: الوقت بين هذين. قال الشيخ أبو حامد: ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله، فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر فتأولناه على أنه ابتدأ حين العصر وبقي وقت الظهر على حقيقته، ونظير هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن﴾، وقال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾، المراد بالبلوغ الأول مقاربته وبالتالي حقيقة انقضاء الأجل، ويقال: بلغ المسافر البلد إذا انتهى إليه وإن لم يدخله، وبلغه إذا دخله. وأجابوا عن الجمع بالمدينة بأنه محمول على أنه صلى الظهر في آخر وقتها،

стр. 1333

والعصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع وليست بجمع. وأما من قال: لعله جمع لعذر إما مطر أو مرض فضعيف؛ لأن السفر ممتنع، إذ الجمع بالمدينة والمطر والخوف كذلك منصوص على بقية الحديث، وأما المرض فقوة الكلام تنفيه لما يفهم من نفي المطر والخوف والسفر أن ما هو في معناها من المرض عند من يقول به منتفٍ أيضًا لأن مراد الراوي أن الجمع كان لغير عذر، وما ذكره من الأعذار فعلى سبيل المثال نفيه يدل على نفيها، وكما تأولناه من تأخير الظهر وتقديم العصر تأوله أبو الشعثاء وعمرو بن دينار صاحبا ابن عباس راويه، وهما أسعد بفهمه عن ابن عباس ممن بعدهم. وأما الإبراد بالصلاة ففيه مسائل. الأولى: قال القاضي عياض ﵀: ذهب قوم من أهل العلم إلى أن حديث الإبراد ناسخ لما جاء بخلافه من صلاة الظهر بالهاجرة وما في معناه، وقال بعضهم: ليس بناسخ وإنما هو رخصة لمن لم يرد الأخذ بالأفضل. الثانية: شروطه: قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهي ثلاثة: الأول: أن يصلي في مسجد جماعة، الثاني: أن يكون في شدة الحر، الثالث: أن يكون المسجد منتابًا من موضع بعيد. وطردوه في جماعة هم في موضع لا يأتيهم إليه أحد، وفيمن يمكنه المشي إلى المسجد في ظل، وفيمن صلى في بيته منفردًا. والأصح المنصوص أنهم كلهم لا يبردون بل يشترط الشروط الأربعة. وقال الأثرم: قلت لأحمد: أي الأوقات أحب إليك في الصلوات كلها؟ قال: أولها، إلا في صلاتين، في العشاء الآخرة، والظهر في شدة الحر.

стр. 1334

قال: وأما في الشتاء فيعجل بها. فهذا (١) لم يشترط إلا شدة الحر كما حكاه الترمذي. وعن ابن المبارك وإسحاق (وذكره)، واستدل عليه بحديث أبي ذر، وإذا لم يثبت نص بهذه الشروط فأكثر ما فيها أنها تخصيص للنص بالمعنى. وقد ذكر أبو عمر عن الشافعي أنه روى عنه: أن أمر رسول الله ﷺ بالإبراد كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنهم لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده يومئذ، وكان ينتاب من بعد فيتأذون لشدة الحر؛ فأمرهم بالإبراد لما في الوقت من السعة، فهذا نظر إلى المعنى الذي نبه عليه في الشروط التي اشترطها، ولم يقف عند عموم قوله ﵇: "إذا اشتد الحر فأبردوا"، ولو سلم له هذا المعنى لكان حسنًا، لكن لقائل أن يقول: لعل المعنى المقتضي للإبراد هو ما يجدونه من حر الرمضاء في جباههم حين السجود، فكان مقتضى الإبراد ذلك، أو يكون كل منهما جزء علة، فلا يستقل الأول بالتعليل، لا سيما وقد وجدنا في الحديث الذي اتفقا على إخراجه (٢) من حديث بكر المزني عن أنس قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر. ورواه أبو عوانة، فقال: فسجدنا، بدل: فجلسنا. وفي حديث جابر: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الأخرى، فإذا سجدت وضعته لجبهتي. أخرجه أبو العباس السراج في "مسنده". وكذلك قول أنس في الحديث الصحيح عنه أيضًا: فإذا لم يستطع أحدنا أن

стр. 1335

يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. فهذا وما أشبهه هو المنقول عنهم، فناسب أن يكون هو العلة، ولم نجد عنهم أنهم شكوا مشقة المسافة، ولا بعد الطريق فيقال به. وإذا لم يصلح ذلك للتعليل كان ما رواه البويطي أولى. ولو علل بفتح جهنم في ذلك الوقت كما جاء منصوصًا عليه في الخبر، منسوقًا بفاء التعليل: "فأبردوا؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم"، ومثله حديث عمرو بن عبسة في الساعات المنهي عن الصلاة فيها، وفيه: "فإذا اعتدل النهار قصر ... (١) عن الصلاة فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" لكان أولى من كل ما سبق إذ هي العلة المنصوص عليها من صاحب الشرع. فإن قيل: كان يلزم التأخير في شدة البرد أيضًا، إذ هو من تنفس جهنم؟ فالجواب: إن شدة البرد في زمن الشتاء ليست وقت الظهر بل وقتها أقل الأوقات بردًا، وإنما مظنة البرد السحر، ثم هو يقوى مع الإسفار حتى ترتفع الشمس، ويخرج الوقت ولا ينتهي الأمر بالإبراد إلى هذا الحد. وأما أصحاب مالك فاشترطوا الجماعة، واختلفوا في المنفرد؛ هل يبرد أو لا؟ وهذا أيضًا تخصيص بالمعنى، عند من لا يرى للمنفرد أن يبرد، إذ من المعلوم أن العادة حينئذ عندهم ... صلاتهم ... إقامتها في الجماعة، إلا لضرورة ... ، والائتمام بالنبي ﷺ إلا لمن تعذر عليه ذلك. الثالثة: هل يختص الإبراد بالظهر أو لا؟ قال القاضي عياض: ولم يقل أحد بالإبراد في غير صلاة الظهر إلا أشهب،

стр. 1336

فقال به في العصر، وقال: تؤخر ربع القامة، وأحمد بن حنبل رأى تأخير العشاء الآخرة في الصيف بالليل كما تؤخر الظهر، وعكس ابن حبيب رأى تأخيرها في الشتاء لطول الليل وتعجيلها في الصيف لقصره. الرابعة: صلاة الجمعة هل لها مدخل في الإبراد أم لا؟ وفيها وجهان للشافعية؛ قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ في "المهذب": أحدهما: أنها كالظهر لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا اشتد البرد بكر بها، وإذا اشتد الحر أبرد بها. والثاني: تقديمها أفضل بكل حال، لأن الناس لا يتأخرون عنها لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها فلم يكن للتأخير وجه. انتهى. والقول بالإبراد في الجمعة يقبل التعليل بالنص والمعنى بخلاف العصر، أما النص فحديث أنس المذكور وهو عند البخاري ولم يأت نص في الإبراد بالعصر. وأما المعنى فلوجهين: الأول: أن الجمعة نابت عن الظهر وقامت مقامها فناسب أن تعطى حكمها. الثاني: أن العلة الموجبة للإبراد في الظهر وهي شدة الحر موجودة في وقتها لا في وقت العصر لا سيما عند من لا يرى التبكير إلى الجمعة من المندوب إليه. الخامسة: في الوقت الذي ينتهي إليه الإبراد وحقيقته عندهم أن تؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة بحيث لا يؤخر عن النصف الأول من الوقت، هكذا قال بعض أصحابنا.

стр. 1337

وقال القاضي عياض: وقد تقدم قول جمهور العلماء بالإبراد في الظهر وهو زائد على ربع القامة إلى وسط الوقت، وهذا نحو من الأول. وقال أشهب: لا ينتهي بالإبراد إلى آخر الوقت. وقال ابن عبد الحكم: ينتهي بالإبراد إليه، والأول أولى لأن النبي ﷺ إنما أخره إلى أن كان للتلول والجدران فيء يستظل به وذلك في وسط الوقت. * * *

стр. 1338

٦ - باب ما جاء في تعجيل العصر ثنا قتيبة، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء من حجرتها. قال: وفي الباب عن أنس وأبي أروى وجابر ورافع بن خديج. قال: ويروى عن رافع أيضًا عن النبي ﷺ في تأخير العصر ولا يصح. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو الذي اختاره بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة وأنس وغير واحد من التابعين التعجيل بصلاة العصر، وكرهوا تأخيرها، وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. حدثنا علي بن حجر، نا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن: أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد فقال: قوموا فصلوا العصر، فقمنا فصلينا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. * الكلام عليه: حديث عائشة أخرجوه جميعًا. وحديث أنس بن مالك أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وأخرج البخاري ومسلم من حديث مالك عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵃ قال:

стр. 1339

كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة. وروى عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف؛ قال: سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم! ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه. أخرجه مسلم من هذا الوجه، وأخرجه النسائي، وعند مسلم أيضًا من طريق عمرو بن الحارث إلى أنس بن مالك قال: صلى لنا رسول الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا ونحب أن تحضرها، قال: "نعم"، فانطلق وانطلقنا فوجدنا الجزور لم ينحر، فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل مغيب الشمس. وروى محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: سمعته يقول: ما كان أحدًا أشد تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله ﷺ إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول الله ﷺ لأبو لبابة بن عبد المنذر، أخو بني عمرو بن عوف وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة دار أبي لبابة بقباء ودار أبي عبس في بني حارثة ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله ﷺ ثم يأتيان قومهما وما صلوهما لتبكير رسول الله ﷺ بها. وعند النسائي من حديث منصور عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، عن أنس بن مالك؛ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة. ومحلقة: بالحاء المهملة والقاف؛ مرتفعة. وأما حديث أبي أروى فروى البغوي في معجمه: نا أبو خيثمة، ثنا أحمد بن

стр. 1340

إسحاق، نا وهيب، ثنا أبو واقد، ثنا أبو أروى؛ قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ العصر بالمدينة ثم آتي الشجر -يعني ذا الحليفة- قبل أن تغيب الشمس. قال البغوي: حدثني أحمد بن زهير؛ قال: سئل يحيى بن معين عن حديث أبي أروى فكتب فوق أبي واقد ضعيف. وقال يحيى: واسم أبي واقد: صالح بن محمد بن زائدة. وأما حديث جابر قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كانوا -أو قال: كان النبي ﷺ يصليها بغلس. فعند البخاري ومسلم. وأما حديث رافع بن خديج فعندهما أيضًا قال: كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ننحر الجزور فتقسم عشر قسم ثم تطبخ فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس. وروى مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري أن صل العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ، وأن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل فإن أخرت فإلى شطر الليل ولا تكن من الغافلين. قوله: صلى العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها. قوله: لم يظهر الفيء أي لم يعلو السطح، وقيل: معنى يظهر يزول عنها فمن الظهور يستعمل فيهما: فمن الأول قوله تعالى: ﴿ومعارج عليها يظهرون﴾، ومن الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"؛ أي: عالين عليه، ومنه قوله النابغة:

стр. 1341

بلغنا السماء مجدنا وحدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا أي: علوًا، ومن الزوال قول الشاعر: وعيّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وكله راجع إلى معنى واحد، والحجرة: الدار وكل ما حجر وأحيط به بالبناء فهو حجرة. ومعناه التبكير بالعصر في أول وقتها، وهو حين يصير ظل كل شيء مثله، وكانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث يكون طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله دخل وقت العصر وتكون العصر بعد في أواخر العرصة لم يرتفع الفيء في الجدار الشرقي. وقد روي الحديث بألفاظ كثيرة يرجع كلها إلى هذا المعنى. وحديث العلاء بن عبد الرحمن قد وقع في صحيح مسلم ولفظه: أنه دخل على أنس بن مالك في داره حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد، فما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا، وذكر نحو ما تقدم. وهذا أيضًا صريح في فضل التبكير بصلاة العصر في أول وقتها كما ذكرناه، وإنما أخرها عمر بن عبد العزيز على عادة الأمراء قبله، قبل أن تبلغه السنة في تقديمها، فلما بلغته صار إلى التقديم، ويحتمل أنه أخرها لعذر عرض له، والظاهر الأول، وهذا في زمن نيابته لا في خلافته، لأن أنسًا توفي قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بسنتين. وقوله ﷺ : تلك صلاة المنافق، صريح في ذم تأخير صلاة العصر لغير عذر،

стр. 1342

لقوله: يجلس يرقب الشمس. وقوله ﷺ : "بين قرني شيطان"؛ اختلف فيه: هل هو على حقيقته وظاهره، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها لأن الكفار يسجدون لها حينئذٍ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنه وقرنيه علوه وارتفاعه وسلطانه، وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس. وقال الخطابي: هو تمثيل، ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه. وقوله ﷺ : "فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا"؛ تصريح بذم من صلى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار، والمراد بالنقر: سرعة الحركات كنقر الطائر. قال الشاعر: لا أذوق النوم إلا غرارًا ... مثل حسو الطير ماء الثماد وفي حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة، لم يختلف الرواة عن مالك أنه قال فيه: إلى قباء، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحاب ابن شهاب، وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون فيه: ثم يذهب الذاهب إلى العوالي، وهو الصواب عند أهل الحديث، والمعنى في ذلك متقارب، والعوالي مختلفة المسافة فأقربها إلى المدينة ميلان وثلاثة، وأبعدها ثمانية، وأما قبا فيمد ويقصر، ويصرف ولا يصرف، ويذكر ويؤنث، والأفصح فيه الصرف والتذكير والمد، وهو على نحو ثلاثة أميال من المدينة.

стр. 1343

قوله: "والشمس مرتفعة حية". قال الخطابي: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير، وهو مثل قوله: بيضاء نقية. وقال هو أيضًا وغيره: حياتها وجود حرّها، وكذلك قوله: "كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر"، منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وكانت صلاة بني عمرو بن عوف في وسط الوقت، ولولا هذا لم يكن فيه حجة، ولعل تأخير بني عمرو بن عوف لكونهم كانوا أهل أعمال في حرثهم وزرعهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتباح صلاتهم بسبب ذلك الوقت. وقول أنس: صلينا مع رسول الله ﷺ العصر فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحر جزورًا. بنو سلمة بكسر اللام. فيه إجابة الدعوة، وأن الدعوة إلى الطعام مستحبة في كل وقت سواء أول النهار وآخره. وفي هذه الأحاديث كلها دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور أو وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة، والمراد بتلك الزيادة هو ما كان عليه بعد الزوال مما أظهره لأعين الناس خلافًا لأبي حنيفة. وهذه الأحاديث حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس في بيان المواقيت وحديث جابر وغير ذلك. وفيها استحباب تعجيل الصلاة في أول وقتها وفيها سعة الوقت، فإن الذاهب من المدينة إلى قباء يجدهم يصلون مع بعد المسافة كما ذكرنا، ولا خلاف في أوائل

стр. 1344

أوقات الصلوات على ما تقرر عن جماعة المسلمين إلا في أول وقت العصر والعشاء الآخرة، فأبو حنيفة يقول: إن أول وقتها بعد القامتين بعد طرح ظل الزوال، وخالفه الناس وأصحابه. وكذلك خالف في أول وقت العشاء الآخرة مع اتفاقهم أنها بعد مغيب الشفق، لكن اختلفوا في الشفق فجمهورهم على أنه الحمرة، وأبو حنيفة والمزني يقولان: هو البياض. وإنما الاختلاف في آخر الأوقات. وأما قولهم في أول وقت العصر: وزاد أدنى زيادة يعني على المثل، فكذا نص عليه الشافعي في مختصر المزني وكثير من أصحابه بعده. وقال صاحب الذخائر: اختلف أصحابنا في هذه الزيادة على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان انتهاء الظل إلى المثل، وإلا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول الميل، فعلى هذا تكون الزيادة وقت العصر. والثاني: أنها من وقت الظهر، وإنما يدخل العصر عقيبها، قال: وهذا ظاهر كلام الشافعي والعراقيين وعليه كثير من الأصحاب. والثالث: أنها ليست وقت الظهر ولا من وقت العصر؛ بل هي فاصل بين الوقتين. قال النووي: وهذا الثالث ليس بشيء لقوله ﷺ : "وقت الظهر ما لم يحضر العصر" فدل على أنه لا فاصل بينهما، والأصح أنها من وقت العصر، وبه قطع القاضي حسين وآخرون. ونقل الشافعي الاتفاق عليه. اهـ. * * *

стр. 1345

٧ - باب ما جاء في تأخير صلاة العصر ثنا علي بن حجر، أنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة؛ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه. قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة نحوه. * الكلام عليه: انفرد أبو عيسى بإخراجه، وقد رواه ابن جريج عن ابن أبي مليكة كرواية أيوب، ورجاله رجال الصحيح. ورواه الإمام أحمد في مسنده. ورويناه من طريق الطبراني في المعجم الكبير عن عبيد بن غنام، نا أبو بكر بن أبي شيبة، ح. قال: ونا الحسين بن إسحاق التستري، نا عثمان بن أبي شيبة؛ قالا: نا إسماعيل بن علية، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة فذكره. وقد سكت الترمذي عنه فلم يحكم عليه بتصحيح ولا تحسين، وهو كما ترى رجاله رجال الصحيح، والاختلاف على ابن علية برواية ابن حجر له عنه غير أيوب، ورواية ابني أبي شيبة إياه عن ابن جريج ليس بضار، إذ الكل ثقات، ولا يمتنع أن يكون ابن علية رواه عنهما فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا. وفي الباب مما لم يذكره عن رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ كان يأمرهم بتأخير العصر. رواه الدارقطني، وقال: لا يصح عن رافع ولا عن غيره من الصحابة،

стр. 1346

والصحيح عن رافع وعن غير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ التعجيل بصلاة العصر. قال الأثرم بعد الإشارة إلى أحاديث التعجيل والتأخير: فهذه الأحاديث إنما وجهها إن كانت محفوظة أن يكون ذلك على غير تعمد، ولكن للعذر والأمر يكون. وأما آخر وقت العصر فهو غروب الشمس، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب. وقال أبو سعيد الإصطخري: آخره إذا صار ظل الشيء مثليه؛ فإن أخّر عن ذلك أثم، وكانت قضاءً. قال الشيخ أبو حامد: هذا الذي قاله الإصطخري لم يخرجه على قواعد الشافعي لأن الشافعي في القديم والجديد أن وقتها يمتد حتى تغرب الشمس، وإنما هو اختيار لنفسه، وهو خلاف نص الشافعي والأصحاب واستدل بحديث إمامة جبريل. ودليل الجمهور حديث أبي قتادة السابق وحديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". وحديث أبي موسى: أنه ﵇ أخَر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرّت الشمس. وكلها صحيحة ومتأخرة، فالأخذ بها أولى، وأيضًا فليس حديث إمامة جبريل في الثبوت والصحة كهذه عندهم، وإن شملها اسم الصحيح على رأي، على أنه إن حملنا أحاديث إمامة جبريل في الوقتين على أنه كله وقت للاختيار، وهذه الأحاديث على بيان وقت الجواز لم يقع تعارض. وألزم إمام الحرمين وغيره الإصطخري أن الحائض وغيرها من أهل الأعذار إذا

стр. 1347

زال عذرهم قبل غروب الشمس بركعة لزمهم العصر بلا خلاف، فإن كان الوقت قد خرج لم تلزمهم، هذا معنى ما ذكروه. قال إمام الحرمين: وهذا إلزام حسن. وقد ذكر عن الغزالي أنه قال في درسه: إن الإصطخري يحمل حديث من أدرك ركعة من العصر على أصحاب الأعذار. فرع: قال القاضي حسين وغيره: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز بلا كراهة، ووقت جواز مع الكراهة، ووقت عذر. فالفضيلة؛ من أول الوقت إلى مصير ظل الشخص مثله ونصف مثله، ووقت الاختيار إلى أن يصير مثليه، ووقت الجواز بلا كراهة إلى اصفرار الشمس، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار حتى تغرب، والعذر وقت الظهر لمن جمع بسفر أو مطر. فرع: وقد ذكرنا أن مذهبنا أن وقت الاختيار للعصر يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: يمتد إلى اصفرار الشمس، وقال ابن القاسم عن مالك آخر وقت العصر اصفرار الشمس، وقال ابن وهب، عن مالك: الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس. وهذا كله لأهل الضرورات كالحائض والمغمى عليه ومن يلزمه في الوقت خاصة كالصبي يحتلم والكافر يسلم، فهؤلاء لا تلزمهم صلاة خرج وقتها، وهذا على مذهبه في القول باشتراك وقت الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وسيأتي الكلام عليه في باب من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك إن شاء الله تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد: وقت العصر إذا كان ظل كل شيء قامته فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس.

стр. 1348

وقال أبو ثور: أول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وزاد على الظل زيادة تتبين إلى أن تصفر الشمس، وهو قول أحمد بن حنبل: آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس، وحجة من قال هذا القول حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﵇ قال: وقت العصر ما لم تصفر الشمس. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب. وهو قول داود لكل الناس معذور وغير معذور، صاحب ضرورة وصاحب رفاهية، إلا أن الأفضل عنده وعند إسحاق أول الوقت. وقال الأوزاعي: إن ركع ركعةً قبل غروبها وركعة بعده فقد أدرك صلاة العصر في وقتها، وحجته حديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك". * * *

стр. 1349

٨ - باب ما جاء في وقت المغرب ثنا قتيبة، نا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع؛ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. قال: وفي الباب عن جابر وزيد بن خالد وأنس ورافع بن خديج وأبي أيوب وأم حبيبة وعباس بن عبد المطلب وحديث العباس قد روي موقوفًا عنه وهو أصح. قال أبو عيسى: حديث سلمة بن الأكوع حديث حسن صحيح، وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين اختاروا تعجيل صلاة المغرب، وكرهوا تأخيرها حتى قال بعض أهل العلم: ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد، وذهبوا إلى حديث النبي ﷺ حيث صلى به جبريل، وهو قول ابن المبارك والشافعي. * الكلام عليه: حديث سلمة رواه البخاري ومسلم وحديث جابر: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب ثم نأتي بني سلمة ونحن نبصر مواقع النبل. رواه الإمام أحمد. وحديث زيد بن خالد أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من حديث صالح مولى التوأمة عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب ثم ننصرف حتى نأتي السوق وإنه ليري مواقع نبله. وعن أحمد بن داود المكي عن علي بن قتيبة ثنا ابن أبي ذئب عنه. وحديث أنس قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ثم نرمي فيري أحدنا موضع نبله. رواه الإمام أحمد وأبو داود.

стр. 1350

وحديث رافع بن خديج قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله. رواه البخاري ومسلم. وحديث أبي أيوب: روى مرثد بن عبد الله اليزني قال: قدم علينا أبو أيوب غازيًا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ قال: شُغلنا. قال: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير أو قال على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم". رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك. وحديث أم حبيبة .......... وحديث العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم". رواه ابن ماجه من حديث عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب وأخرجه الحاكم وابن خزيمة في صحيحه فرواه عن محمد بن يحيى، عن إبراهيم بن موسى، عن عباد بن العوام، وقال عقيبه: سمعت محمد بن يحيى يقول: اضطرب الناس في هذا الحديث ببغداد، فذهبت أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عباد بن العوام فأخرج إلينا أصل أبيه فإذا الحديث فيه. وأخرجه أبو بكر البزار من حديث إبراهيم بن موسى، عن عباد بن العوام بسنده قال: ثناه إبراهيم بن عبد الله بن الحسين، ثنا العوام بن عبد الله بن العوام، عن أبيه فذكر نحو ما تقدم، ثم قال: لا نعلمه روي -يعني عن العباس- إلا من هذا الوجه ولا نعلمه رواه إلا عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن، ورواه غير واحد عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن العباس مرسلًا، وإلى هذا أشار الترمذي بقوله: وحديث العباس قد روي عنه موقوفًا وهو أصح، ومراد البزار بالمرسل

стр. 1351

هنا الموقوف لأنه متصل الإسناد إلى العباس كما سبق، وإنما هو موقوف عليه، والمتقدمون لا يشاححون في هذه الإطلاقات. وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث: قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر، وإبراهيم بن موسى من أهل ..................... وفي الباب مما لم يذكره عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه؛ قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عن حديث ثنا به أحمد بن عثمان الأودي، ثنا بكر بن عبد الرحمن، ثنا عيسى بن المختار، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم يعني الزهري، عن ابن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يصلي المغرب ثم يرجع الناس إلى أهلهم وهم يبصرون مواقع النبل حيث رمي بها. قال أبي: هذا "خطأ، إنما يروى عن الزهري عن ابن كعب أن النبي ﷺ ، مرسل به. وفيه عن رجل من أسلم روى أبو بشر قال: سمعت حسان بن بلال عن رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ : أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ المغرب ثم يرجعون إلى أهليهم يرمون [و] يبصرون مواقع نبلهم. أخرجه النسائي (١) ثم البغوي في معجمه. وفيه عن السائب بن يزيد أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم". رواه الإمام أحمد. المغرب: مفعل، من غَرَبَ وهو عبارة عن زمن الغروب، وقولهم: صلاة المغرب إضافة إلى الزمان، ثم يحذف فيقال: المغرب. وفي صحيح البخاري: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، إنهما المغرب وهم يسمونها العشاء".

стр. 1352

وقوله: توارت حتى استترت: هو تفاعلت من الوراء، وقوله: حتى توارت بالحجاب: ولم يجر للشمس ذكر إحالة على فهم السامع وما تعطيه قوة الكلام كما قال تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ أيضًا وإن لم يجر للشمس ذكر. وقال تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة﴾؛ ولم يتقدم للأرض ذكر، وكذلك قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾؛ ولم يتقدم للقرآن ذكر. قال الخطابي: قد قيل: إن الصحابة لما جمعوا القرآن وضعوا سورة القدر عقيب سورة العلق ليدلوا بذلك على أن المراد بالكناية في قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ الإشارة إلى قوله: ﴿اقرأ﴾. وأما لفظ الترمذي: "إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب" فجملتان إحداهما تفسر الأخرى. وقوله: كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله: معناه أنه يبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف ويرى أحدنا النبل يرميه عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء. وفيه أن المغرب تعجل عقيب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه. وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير، فإنها كانت جواب السائل عن جميع الوقت، وهذه الأحاديث إخبار عن عادة رسول الله ﷺ المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر. وقد اختلف السلف فيها بحسب ذلك، هل هي ذات وقت أو وقتين كما نذكره. وأما أول وقتها فبغروب الشمس وبكامل غروبها، وهذا مجمع عليه، والاعتبار بسقوط قرصها بكماله، وهذا ظاهر في الصحراء، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب:

стр. 1353

ولا يضر بعد تكامل الغروب بقاء شعاعها، بل يدخل وقتها مع بقائه. وأما في العمران وقلل الجبال فالاعتبار بأن لا يرى شيء من شعاعها على الجدران وقلل الجبال، ويقبل الظلام من المشرق. وأما آخر وقت المغرب فقد نص الشافعي في كتبه المشهورة قديمها وجديدها أنه ليس له إلا وقت واحد وهو أول وقت، ونقل أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق. قال الماوردي: وأنكر هذا القول جمهور الأصحاب لأن الزعفراني وهو أثبت أصحاب القديم حكى عن الشافعي أن للمغرب وقتًا واحدًا، ثم اختلف المصنفون من الأصحاب في المسألة على طريقين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق، وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان. قال الشيخ محيي الدين: وهو الصحيح، لأن أبا ثور ثقة إمام، ونقل الثقة مقبول، فعلى هذا الطريق اختلف في أصح القولين، فصحح جمهور الأصحاب القول الجديد وهو أنه ليس لها إلا وقت واحد، وصحح جماعة القديم أن لها وقتين، ممن صححه ابن خزيمة والخطابي والبيهقي وجماعة، والأحاديث الصحيحة تشهد له، ففي حديث ابن العاص وأبي موسى وابن بريدة: "ووقت المغرب ما لم يغب الشفق" هذا أو معناه، وكلها عند مسلم، ومن تمسك بقول الشافعي ﵁: إذا صح الحديث فهو مذهبي، صحح هذا القول من مذهبه بالأخذ بهذه الأحاديث أولى من حديث إمامة جبريل لوجوه: الأول: أنها أصح منه. الثاني: أنها متأخرة عنه، وقد تقدم ذلك. الثالث: يمكن أن يقال: الواقع في حديث جبريل وقت الاختيار لا وقت

стр. 1354

الجواز، كذا وقع في العصر والعشاء والصبح، فليكن كذلك في المغرب. فقد تحصّل من هذا أن للمغرب وقتين يمتد ثانيهما إلى مغيب الشفق، ويجوز ابتداؤها في كل جزء منه فعلى هذا له ثلاثة أوقات: وقت فضيلة واختيار، وهو أول الوقت. والثاني: وقت جواز وهو ما لم يغب الشفق. والثالث: وقت عذر، وهو وقت العشاء في حق من يجمع لسفر أو مطر. وعلى هذا قال القاضي حسين والبغوي: يكون النصف الأول مما بين أول الوقت ومغيب الشفق وقت اختيار، والنصف الثاني: وقت جواز. وأنكر الشيخ محيي الدين ما حكاه عن القاضي والبغوي، وقال: وهذا ليس بشيء، ويكفي في رده حديث جبريل ﵇. قال: وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم كراهة تأخير المغرب. انتهى. ولا أرى هذا الإنكار يتوجه إلا إن أنكر القول بالوقتين، وليس ذلك مذهبه. وقد سبق الجواب عن إمامة جبريل. وأما ما حكاه عن الترمذي فإن احتمل كلامه ما حمله وفيه نظر فالمراد التأخير الذي لم تأت به الأحاديث، والله أعلم. وأما إذا قلنا أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، فهو إذا غربت الشمس ومضى قدر طهارة وستر العورة وأذان وإقامة وخمس ركعات. وقيل يعتبر ثلاثة ركعات للفرض فقط. وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه وجهًا: أنه لا يتقدر بالصلاة بل بالعرف، فمتى أخر عن المتعارف في العادة خرج الوقت. وهذا قوي، لكن المشهور اعتبار خمس ركعات منها ركعتان للسنة، وما يمكن تقديمه على الغروب كالطهارة والستر لا يجب تقديمه، لكن يستحب، وفيه وجه أنه يجب تقديم ما يمكن تقديمه،

стр. 1355

وهو الوضوء والستر دون التيمم والأذان والإقامة ووضوء المستحاضة ومن في معناها. قال القفال: تعتبر هذه الأمور متوسطة لا طويلة ولا قصيرة لكن يعتبر في حق كل إنسان فعل نفسه لأنهم يختلفون في ذلك. وقال جماعة من الخراسانيين: ويحتمل مع ذلك لقم يكسر بها الجوع، كذا قالوا. والصواب أنه لا ينحصر (١) الجواز في لقم؛ ففي الصحيحين عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قدم العَشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم". فإن أخر الدخول فيها عن هذا القدر المذكور أثم، وصارت قضاءً. وإن لم يؤخر بل دخل فيها في هذا الوقت فهل له أن يمدها ويستديمها؟ فيه ثلاثة أوجه مشهورة: أحدها: لا يجوز، والثاني: يجوز استدامتها القدر الذي يتمادى إليه فضيلة أول الوقت في سائر الصلوات. والثالث: وهو الصحيح، يجوز استدامتها إلى مغيب الشفق، وقد صح أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف، وفي رواية النسائي: فرقها في الركعتين، وهذا يمنع تأويل من قال: قرأ ببعضها. وممن قال بأن للمغرب وقتين: أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق وداود وابن المنذر. وممن قال بوقت واحد: الأوزاعي ونقل عن أبي يوسف ومحمد وجماعة، عن مالك ثلاث روايات، الصحيح منها وهو المشهورة في كتبه وكتب أصحابنا: أنه ليس لها إلا وقت واحد، والثانية: وقتان إلى مغيب الشفق، والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر، ونقله ابن المنذر عن طاوس وعطاء. ويكره تسمية المغرب عشاءً؛ لحديث البخاري الذي تقدم ذكره.

стр. 1356

٩ - باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشير، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير؛ قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة. قال أبو عيسى: روى هذا الحديث هشيم عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، ولم يذكر فيه هشيم عن بشير بن ثابت، وحديث أبي عوانة أصح عندنا لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة بهذا الإسناد نحوه. * الكلام عليه: رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، وهو عند أحمد من طريق يزيد بن هارون التي أشار إليها الترمذي. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وحديث النعمان بن بشير صحيح وإن لم يخرجه الإمامان، فإن أبا داود أخرجه عن مسدد، ونقل عن أبي حاتم الرازي توثيق حبيب بن سالم، وعن يحيى بن معين توثيق بشير بن ثابت. قال: ولا كلام فيمن دونهما. وإن كان هشيم قد أسقط منه بشير بن ثابت فقد أثبته أبو عوانة وغيره، وخطأ من أخطأ في الحديث لا يخرجه عن الصحة. والعِشاء بكسر العين: أول ظلام الليل وذلك إلى العتمة. والعَشاء بفتح العين: طعام ذلك الوقت.

стр. 1357

والعشاءان: المغرب والعشاء. وأول وقت العشاء مغيب الشفق عندهم، ولكنهم اختلفوا في تفسيره، فذهب الأكثرون إلى أنه الشفق الأحمر، وذهب آخرون إلى أنه البياض. وقال أحمد بن حنبل: أما في الحضر فأحب إلي أن لا يصلي حتى يذهب البياض، وأما في السفر فيجزئ أن يصلي إذا ذهبت الحمرة. وإذ قد اختلفوا في تفسير الشفق فلنقدم بين يدي مسائل هذا الباب الكلام في الشفق المراد هنا ما هو؟ قال أبو محمد اليزيدي: والشفق شفقان، فأحدهما البياض والآخر الحمرة، فوقت المغرب عند ابن أبي ليلى وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن حي وداود وغيرهم يخرج ويدخل وقت العشاء الآخرة بمغيب الحمرة وهو المروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ومكحول أن الشفق هو الحمرة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، إلا أن أحمد يستحب التفرقة بين الحضر والسفر كما ذكرنا ليكون المقيم على يقين من وقت الحمرة، فقد تواريها الجدران يعني وليس كذلك المسافر. وقال أبو حنيفة وعبد الله بن المبارك والمزني وأبو ثور: لا يخرج وقت المغرب ولا يدخل وقت العتمة إلا بمغيب البياض. قال أبو محمد: قد صح أن رسول الله ﷺ حدَّ خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء بمغيب الشفق الأحمر، والشفق يقع في اللغة على الحمرة وعلى البياض، فوجب أنه إذا غاب ما يسمى شفقًا فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العتمة، ولم يقل كل ما يسمى شفقًا، وأيضًا فقد ثبت أن النبي ﷺ حدّ وقت

стр. 1358

العتمة بأن أوله إذا غاب الشفق وآخره ثلث الليل الأول، وروي أيضًا نصف الليل، وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب ودوران الشمس أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي ... (١) ﵇ خروج أكثر الوقت به فصح يقينًا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض فتبين بذلك يقينًا أن الوقت إنما دخل بالشفق الذي هو الحمرة للفرق بين أول الوقت وآخره، وفي حديث عبد الله بن عمر: وقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ونور الشفق ثورانه وقوته وهذه صفة الأحمر لا الأبيض. وقد رواه ابن خزيمة (٢) فقال إلى أن تذهب حمرة الشفق رواه من حديث محمد بن يزيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو إلا أنه قال: لو صحت هذه اللفظة (لكان في هذا الخبر) بيان أن الشفق الحمرة لكن تفرد بها محمد بن يزيد. واحتج من قلد أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض فنحن على يقين بإجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل ذلك فلم نصل بيقين إجماع في الوقت، وهذا ينتقض بما لا يحصى من المسائل في الصلاة وغيرها كالبينة في الوضوء وقراءة القرآن والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه مما يبطل الصوم والحج وغير ذلك. وذكروا حديث النعمان بن بشير حديث الباب هذا أنه ﵇ كان يصلي العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة، وهذا أعظم حجة لنا لأن الشفق الأبيض يبقى بعد هذا مدة طويلة كما سنذكره. وروى هارون بن سفيان المستملي حدثني عتيق بن يعقوب، حدثني مالك،

стр. 1359

عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة" ذكره الدارقطني في الغرائب فقال: قرأت في أصل أبي بكر أحمد بن عمرو بن جابر بخط يده ثنا علي بن عبد الصمد الطيالسي، نا هارون بن سفيان المستملي ثم قال: هذا حديث غريب وكل رواته ثقات، وأما حديث الباب فلا يصلح للاحتجاج به على شيء من هذين القولين ذلك أن القمر يغيب في الثالثة في كل زمان ومكان بعد ذهاب ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من ساعات تلك الليلة المجزأة على ثنتي عشرة ساعة، والشفق الذي هو الحمرة يغيب قبل سقوط القمر في الليلة الثالثة قل ذلك بحين كبير، والشفق الذي هو البياض يغيب بعد سقوط القمر ليلة ثالثة فساعة .... تلك الليلة. وأما صلاته ﵇ في ذلك الوقت فواقعة في الوقت المختار بعد تمكنه لما فيه من استحباب تأخير العشاء عن أول الوقت ومراعاة مصلحة المصلين عمومًا في عدم التأخير إلى ثلث الليل، ... فكل صلاة في أول الوقت دائمًا ولا في آخره دائمًا، وقد علم أول الوقت وآخره من غير هذا الحديث. والمختار في (كان) إذا اتصلت بالمضارع اقتضاؤها الدوام والاستمرار. وأما الصفرة التي بعد الحمرة وقبل البياض فاختلف كلام الأصحاب فيها؛ فقال الغزالي في البسيط: الشفق الحمرة دون الصفرة والبياض. وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: يدخل وقت العشاء بزوال الحمرة والصفرة، وقد استدل لهما بما نقله صاحب جمع الجوامع عن نص الشافعي فهذا لفظه وهو محتمل لما قاله إمام الحرمين، لأن الحمرة برق يستحيل لونًا آخر بحيث تعد بقية اللون الحمرة وفي حكم جزء منها، ولكن نص الشافعي في مختصر المزني: الشفق الحمرة، وهذا ظاهر في أنه يدخل الوقت بمغيب الحمرة وإن بقيت الصفرة، وهو المذهب.

стр. 1360

١٠ - باب ما جاء في تأخير صلاة العشاء الآخرة ثنا هناد، نا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه". قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة وجابر بن عبد الله وأبي برزة وابن عباس وأبي سعيد وزيد بن خالد وابن عمر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وهذا الذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين رأوا تأخير صلاة العشاء الآخرة، وبه يقول أحمد وإسحاق. * الكلام عليه: أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه. وحديث جابر بن سمرة رواه مسلم من حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله يؤخر صلاة العشاء الآخرة. وروي أيضًا من جهة أبي عوانة عن سماك، عن جابر بن سمرة؛ قال: كان رسول الله ﷺ صلى الصلوات نحوًا من صلاتكم وكان يؤخر العتمة بعد صلاكم شيئًا، وكان يخف في الصلاة. وفي رواية: "يخفف". وحديث جابر بن عبد الله: إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر. وحديث أبي برزة: "وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة" تقدما.

стр. 1361

وحديث ابن عباس قال: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب فقال: الصلاة، فخرج رسول الله ﷺ كأني أنظر إليه يقطر رأسه ماءً واضعًا يده على رأسه فقال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا". رواه البخاري ومسلم. وحديث جابر بن عبد الله أيضًا سوى ما تقدم. قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن حديث رواه أبو معاوية الضرير، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁؛ قال: خرج النبي ﷺ ذات ليلة وأصحابه ينتظرونه لصلاة العشاء فقال: "نام الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون الصلاة، أما إنكم في صلاة منذ انتظرتموها، ولولا ضعف الضعيف وكبر الكبير لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل"، فقال أبو زرعة: هذا حديث وهم فيه أبو معاوية، والذي عندي الصحيح ما رواه وهيب وخالد الواسطي، عن داود على أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ . وحديث أبي سعيد: روى عبد الوارث بن سعيد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ المغرب ثم لم يخرج حتى ذهب شطر الليل فخرج يصلي بهم، ثم قال: "إن الناس قد صلوا وناموا وأنتم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا الضعيف والسقيم أحببت أن أؤخر هذه الصلاة إلى شطر الليل". أخرجه ابن ماجه. ولحديث أبي سعيد وجه آخر: قال ابن أبي حاتم سمعت أبي وذكر حديثًا رواه مروان الفزاري عن محمد بن عبد الرحمن بن مهران، عن سعيد المقبري، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن يثقل على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل". قال أبي: إنما هو عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . محمد بن

стр. 1362

عبد الرحمن بن مهران المزني؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه: محله الصدق ... وحديث ابن عمر: روى منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا أدري أي شيء شغله في أهله أو غير ذلك، وقال حين خرج: "إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى". لفظ مسلم. وفي الباب مما لم يذكره عن أنس بن مالك؛ قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلي نصف الليل ثم صلى، ثم قال: "صلى الناس وناموا، وإنكم في صلاة ما انتظرتموها". أخرجه البخاري ومسلم. وفيه عن عائشة قالت: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان. فخرج فقال: "ما ينتظرها من أهل الإسلام أحد غيركم"، ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة. قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. رواه البخاري وهذا لفظه، وزاد مسلم: وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس، وفي لفظ له: أعتم رسول الله ﷺ حتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي"، ولم يذكر مسلم قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. وروى النسائي الحديث وعنده بعد قوله بالمدينة: ثم قال: "صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل". وفيه عن معاذ بن جبل: روى أبو داود من حديث حريز عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني أنه سمع معاذ بن جبل يقول: أتينا النبي ﷺ في صلاة العتمة فتأخر حتى ظن الظان أنه ليس بخارج، والقائل منا يقول: قد صلى،

стр. 1363

فإنا لكذلك حتى خرج النبي ﷺ وقالوا له كما قالوا؛ فقال: "أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم". حريز -بالحاء المهملة وبالزاي- بن عثمان بن حيي. وفيه عن أبي بكرة: روي الخلال عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، ثنا روح وأبو داود، قالا: نا حماد بن سلمة، قال أبو داود: حدثنيه ثنا علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: أخر رسول الله ﷺ تسع ليال العشاء -قال أبو داود: ثمان ليال- إلى ثلث الليل، فقال أبو بكر: يا رسول الله! لو أنك عجلت لكان أمثل لقيامنا من الليل، فعجل بعد ذلك. قال أبي: وثنا عبد الصمد؛ قال: قال سبع ليال. وقال عفان: تسع ليال. قال الدارقطني: اختلف في سماع الحسن من عمران، فقال مبارك بن فضالة عن الحسن أنه سمع عمران، وقال يحيى القطان: لم يسمعه، لأنه يدخل بينهما ابن عمران البرحي وسمع من أنس وأبي بكرة وعثمان بن عفان، ولم يسمع من علي ﵃. وفيه عن علي بن أبي طالب: روى ابن إسحاق حدثني عبد الرحمن بن بشار، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول يهبط الرب ﵎ إلى سماء الدنيا فلم يزل هنالك حتى يطلع الفجر فيقول: ألا سائل فيعطى، ألا داع يجاب، ألا مستشفع فيشفع، ألا تائب يستغفر فيغفر له". أخرجه البزار عن سليمان بن سيف الحراني عن سعيد بن بزيع. قال: وهذا الحديث قد روي عن النبي ﷺ من وجوه، ولا نعلم روي عن علي إلا من هذا الوجه.

стр. 1364

وقد تقدم في باب السواك عند الكلام على قوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" كثير من فوائد هذا الحديث. وفي حديث ابن عباس: حين رقد الناس واستيقظوا ..... الحديث. فيه أن نوم الجالس الممكن مقعدته لا ينقض الوضوء، وقد تقدم في الوضوء من النوم من هذه المسائل ما فيه مغنى. قال العلماء: والتأخير المذكور في هذه الأحاديث تأخير لم يخرج عن وقت الاختيار وهو النصف أو الثلث كما يأتي، وقوله ﵇ لهم حين خرج عليهم: "إنه للوقت لولا أن أشق عليكم"، وإعلامه إياهم أنهم في صلاة ما انتظروا الصلاة. فيه ما كان عليه من الرفق بالمؤمنين حيث أعلمهم أنه الوقت وبشرهم بحكم منتظر الصلاة مشيرًا إلى الاعتذار من تأخره عنهم وإلى الرفق بهم في التقديم عن ذلك الوقت خشية المشقة عليهم بالداومة عليه، ... يستحب لإمام القوم وكبيرهم إذا تأخر عليهم أو وقع منه ما يظن أنه يشق عليهم من الإتيان بما يشرح به صدورهم ويسر نفوسهم من السلامن (١) عن المصلحة التي خفيت عنهم على سبيل التعليم والبشرى، فالاعتذار كرم أخلاق يشهد بها قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. وتقدم في الباب قبل هذا الكلام في الشفق ما هو؛ وفي أول وقت العشاء، والذي بقي علينا أن نتكلم فيه هنا آخر وقت العشاء المختار، وفيه قولان مشهوران: أحدهما: وهو المشهور في الجديد أنه يمتد إلى ثلث الليل. والثاني: وهو نص الشافعي في القديم، والإملاء من الجديد يمتد إلى نصف الليل. أما الأول فلما روي أن جبريل ﵇ صلى في المرة الآخرة العشاء حين

стр. 1365

ذهب ثلث الليل. وأما الثاني فلحديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل". لفظ مسلم، وقد تقدم. واختلف المصنفون في أصح القولين، فقال القاضي أبو الطيب: صحح أبو إسحاق المروزي كونه نصف الليل، وصحح أصحابنا ثلث الليل، وممن صحح ثلث الليل البغوي والرافعي وغيرهما، وممن صحح كونه نصف الليل الشيخ أبو حامد والمحاملي وسليم في "رؤوس المسائل" وغيرهم، هذه طريقة جمهور الأصحاب في وقت الاختيار أن فيه قولين كما ذكرنا. وانفرد صاحب "الحاوي" فقال: فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان كما سبق وهذه طريقة الجمهور، والثانية: هي طريقة ابن سريج ليست على قولين، بل الأحاديث واردة بالأمرين والنصان للشافعي محمولان على حال الابتداء والانتهاء، فالمراد بالثلث أنه آخر وقت الابتداء، والمراد بالنصف أنه آخر وقت الانتهاء. وهذا الطريق غريب، والمختار ثلث الليل، فإذا ذهب وقت الاختيار بقي وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني، هذا هو المذهب نص عليه الشافعي. وقال أبو سعيد الإصطخري: إذا ذهب وقت الاختيار فاتت العشاء ويأثم بتركها وتصير قضاءً. وهذا الذي قاله أحد احتمالين حكاهما القفال في "شرح التلخيص" عن أبي بكر الفارسي. وقال الشافعي في باب استقبال القبلة: إذا مضى ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة. فمن الأصحاب من وافق الإصطخري لظاهر هذا النص وتأوله الجمهور. وقال القاضي أبو الطيب: قال أصحابنا: أراد الشافعي أن وقت الاختيار فات دون وقت الجواز، لأن الشافعي قال في هذا الكتاب: إن المعذورين إذا زالت أعذارهم قبل الفجر بتكبيرة لزمتهم الغرب والعشاء، فلو لم يكن وقتًا لهم لما لزمتهم.

стр. 1366

وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه في الرد على الإصطخري: إذا كمل الصبي والكافر والمجنون والحائض قبل الفجرين بركعة لزمتهم العشاء بلا خلاف، ووافق عليه الإصطخري، فلو لم يكن ذلك وقتًا لهم لم يلزمهم. قلت: قول الإصطخري هنا مما خالف فيه جمهور الأصحاب كقوله في وقت العصر، لكن الفرق بينهما أنه هناك خالف حديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها". متفق عليه. وقوله هنا أقرب إلى الصواب و (مَن) من ألفاظ العموم تشمل أصحاب الأعذار وغيرهم، على أن ذلك وقت جواز مع الكراهة ليس وقت أصحاب الأعذار كما سبق عنهم. والمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء ثلث الليل في السفر والحضر لغير أصحاب الضرورات، ويستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلًا أفضل عنده. وقد روي عنه أن أوائل الأوقات أحب إليه في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر فإنه يبرد بها. وأما رواية ابن وهب عن مالك قال: وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر، فإن ذلك لمن له الاشتراك من أهل الضرورات. وقال الثوري والحسن بن حي: أول وقت العشاء مغيب الشفق إلى ثلث الليل النصف بعده آخره. وقال أبو حنيفة: وأصحابه: المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ويكره تأخيرها إلى بعد نصف الليل، ولا تفوت إلا بطلوع الفجر. وقال أبو ثور: وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل.

стр. 1367

وقال داود: من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر. فرع: للعشاء أربعة أوقات: فضيلة واختيار وجواز وعذر. فالفضيلة أول الوقت والاختيار بعده إلى ثلث الليل في الأصح وفي قول نصفه. والجواز إلى طلوع الفجر الثاني. والعذر وقت المغرب إن جمع بسفر أو مطر. انتهى. أما وقت الجواز ما بين نصف الليل أو ثلثه إلى طلوع الفجر، فقول لم تأت به سنة صحيحة ولا سقيمة ولا روي عن أحد من السلف إلا عن ابن عباس أنه قال: وقت العتمة إلى صلاة الفجر. وعن أبي هريرة: الإفراط في العتمة إلى صلاة الفجر. فإن نزع من ذهب هذا المذهب بهذين الأثرين فإنهم لم يوفوا العمل بهما لأنه فيما روي عن ابن عباس: ووقت الظهر إلى وقت العصر، ووقت المغرب إلى وقت العشاء، ولم يقولوا به. ومما نصر به داود الظاهري مذهبه في ذلك قوله ﷺ : "إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاةً حتى يدخل وقت أخرى". ويرده الإجماع على أن صلاة الصبح لا يمتد وقتها إلى صلاة الظهر. قال الشافعي ﵀: وأستحب أن لا تسمى العتمة. وأطلق بعض الأصحاب هنا الكراهة. وحجته ما روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل". وأجاب من قال بذلك عن حديث مالك عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير

стр. 1368

لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" بوجهين: الأول: أن هذا وما أشبهه ورد لبيان الجواز. الثاني: خوف الاشتراك في تسميتها والمغرب كل منهما بالعشاء، فيحتاج إلى أن يميزها بالآخرة، وقد لا يتهيأ ذلك أو يشذ عن بعض السامعين فاحتمل ذلك لهذا المعنى، وخوطبوا بما هو معلوم عندهم. وقد اختلف العلماء هل الأفضل في صلاة العشاء التقديم أو التأخير؛ على مذهبين مشهورين. للسلف وقولين لمالك والشافعي فأحاديث الباب حجة من فضل التأخير، ومن فضل التقديم زعم أنه العادة الغالبة وأن التأخير إنما كان لبيان الجواز أو لعذر. قال الخطابي: إنما استحب تأخيرها لتطول مدة انتظارها فإن منتظر الصلاة في صلاة. * * *

стр. 1369

١١ - باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء والسمر بعدها حدثنا أحمد بن منيع؛ قال أحمد وثنا عباد بن عباد وإسماعيل بن علية جميعًا، عن عوف، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة، قال: كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها. قال: وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن مسعود وأنس. قال أبو عيسى: حديث أبي برزة حديث حسن صحيح، وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص في ذلك بعضهم. وقال عبد الله بن المبارك: أكثر الأحاديث على الكراهية، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان. * الكلام عليه: حديث أبي برزة هذا قطعة من حديث تقدم ذكره في باب الإسفار بالفجر، وهناك حصل الكلام عليه. وأما حديث عائشة: فروى ابن حبان من حديث هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: سمعته عائشة وأنا أتكلم بعد العشاء الآخرة، فقالت: يا عري، ألا تريح كاتبك، فإن رسول الله ﷺ لم يكن ينام قبلها ولا يتحدث بعدها. أخرجه عن الحسن بن سفيان، عن حميد بن مسعدة، عن جعفر بن سليمان عنه. وحديث ابن مسعود: قال: حد (١) لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء. رواه ابن ماجه. وعن جبير عن رجل من قومه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا

стр. 1370

سمر بعد الصلاة -يعني العشاء الآخرة- إلا لأحد رجلين: مصل أو مسافر". رواه الإمام أحمد. وذكر الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀ في كتابه في "الأحكام" حديثًا بسنده أظنه من "فوائد سمويه" إسماعيل بن عبد الله؛ قال: نا عبد الله بن الزبير، نا ابن وهب، عن معاوية، عن أبي عبد الله الأنصاري، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر أو عروس". وحديث أنس (١): ............. وفي الباب مما لم يذكره عن ابن عباس: روى القاضي أبو الطاهر الذهلي في الثالث والعشرين من "فوائده" من حديث مجاهد عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن النوم قبلها والحديث بعدها. رواه عن محمد بن عبدوس، عن حجاج بن يوسف وإبراهيم بن سعد، عن أبي أحمد الزبيري. وكراهة النوم قبلها لئلا يذهب بصاحبه ويستغرق النوم فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، ويترخص في ذلك الناس فيناموا عن إقامة جماعتها. وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه منهم ابن عمر وعمر وابن عباس، وإليه ذهب مالك، ورخص فيه بعضهم منهم علي وأبو موسى، وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها، وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: إن ذلك جائز إن علم من نفسه اليقظة قبل خروج الوقت بعادة أو يكون معه من يوقظه لحديث عبد الله بن عمر
следующие страницы →