وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه في الرد على الإصطخري: إذا كمل الصبي والكافر والمجنون والحائض قبل الفجرين بركعة لزمتهم العشاء بلا خلاف، ووافق عليه الإصطخري، فلو لم يكن ذلك وقتًا لهم لم يلزمهم.
قلت: قول الإصطخري هنا مما خالف فيه جمهور الأصحاب كقوله في وقت العصر، لكن الفرق بينهما أنه هناك خالف حديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها". متفق عليه.
وقوله هنا أقرب إلى الصواب و (مَن) من ألفاظ العموم تشمل أصحاب الأعذار وغيرهم، على أن ذلك وقت جواز مع الكراهة ليس وقت أصحاب الأعذار كما سبق عنهم.
والمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء ثلث الليل في السفر والحضر لغير أصحاب الضرورات، ويستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلًا أفضل عنده. وقد روي عنه أن أوائل الأوقات أحب إليه في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر فإنه يبرد بها.
وأما رواية ابن وهب عن مالك قال: وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر، فإن ذلك لمن له الاشتراك من أهل الضرورات.
وقال الثوري والحسن بن حي: أول وقت العشاء مغيب الشفق إلى ثلث الليل النصف بعده آخره.
وقال أبو حنيفة: وأصحابه: المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ويكره تأخيرها إلى بعد نصف الليل، ولا تفوت إلا بطلوع الفجر.
وقال أبو ثور: وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل.
стр. 1367
وقال داود: من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر.
فرع: للعشاء أربعة أوقات: فضيلة واختيار وجواز وعذر.
فالفضيلة أول الوقت والاختيار بعده إلى ثلث الليل في الأصح وفي قول نصفه. والجواز إلى طلوع الفجر الثاني. والعذر وقت المغرب إن جمع بسفر أو مطر. انتهى.
أما وقت الجواز ما بين نصف الليل أو ثلثه إلى طلوع الفجر، فقول لم تأت به سنة صحيحة ولا سقيمة ولا روي عن أحد من السلف إلا عن ابن عباس أنه قال: وقت العتمة إلى صلاة الفجر. وعن أبي هريرة: الإفراط في العتمة إلى صلاة الفجر. فإن نزع من ذهب هذا المذهب بهذين الأثرين فإنهم لم يوفوا العمل بهما لأنه فيما روي عن ابن عباس: ووقت الظهر إلى وقت العصر، ووقت المغرب إلى وقت العشاء، ولم يقولوا به.
ومما نصر به داود الظاهري مذهبه في ذلك قوله ﷺ : "إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاةً حتى يدخل وقت أخرى".
ويرده الإجماع على أن صلاة الصبح لا يمتد وقتها إلى صلاة الظهر.
قال الشافعي ﵀: وأستحب أن لا تسمى العتمة. وأطلق بعض الأصحاب هنا الكراهة. وحجته ما روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل".
وأجاب من قال بذلك عن حديث مالك عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير
стр. 1368
لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" بوجهين:
الأول: أن هذا وما أشبهه ورد لبيان الجواز.
الثاني: خوف الاشتراك في تسميتها والمغرب كل منهما بالعشاء، فيحتاج إلى أن يميزها بالآخرة، وقد لا يتهيأ ذلك أو يشذ عن بعض السامعين فاحتمل ذلك لهذا المعنى، وخوطبوا بما هو معلوم عندهم.
وقد اختلف العلماء هل الأفضل في صلاة العشاء التقديم أو التأخير؛ على مذهبين مشهورين.
للسلف وقولين لمالك والشافعي فأحاديث الباب حجة من فضل التأخير، ومن فضل التقديم زعم أنه العادة الغالبة وأن التأخير إنما كان لبيان الجواز أو لعذر.
قال الخطابي: إنما استحب تأخيرها لتطول مدة انتظارها فإن منتظر الصلاة في صلاة.
* * *
стр. 1369
١١ - باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء والسمر بعدها
حدثنا أحمد بن منيع؛ قال أحمد وثنا عباد بن عباد وإسماعيل بن علية جميعًا، عن عوف، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة، قال: كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.
قال: وفي الباب عن عائشة وعبد الله بن مسعود وأنس.
قال أبو عيسى: حديث أبي برزة حديث حسن صحيح، وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص في ذلك بعضهم.
وقال عبد الله بن المبارك: أكثر الأحاديث على الكراهية، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان.
* الكلام عليه:
حديث أبي برزة هذا قطعة من حديث تقدم ذكره في باب الإسفار بالفجر، وهناك حصل الكلام عليه.
وأما حديث عائشة: فروى ابن حبان من حديث هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: سمعته عائشة وأنا أتكلم بعد العشاء الآخرة، فقالت: يا عري، ألا تريح كاتبك، فإن رسول الله ﷺ لم يكن ينام قبلها ولا يتحدث بعدها. أخرجه عن الحسن بن سفيان، عن حميد بن مسعدة، عن جعفر بن سليمان عنه.
وحديث ابن مسعود: قال: حد (١) لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء. رواه ابن ماجه.
وعن جبير عن رجل من قومه، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا
стр. 1370
سمر بعد الصلاة -يعني العشاء الآخرة- إلا لأحد رجلين: مصل أو مسافر". رواه الإمام أحمد.
وذكر الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀ في كتابه في "الأحكام" حديثًا بسنده أظنه من "فوائد سمويه" إسماعيل بن عبد الله؛ قال: نا عبد الله بن الزبير، نا ابن وهب، عن معاوية، عن أبي عبد الله الأنصاري، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر أو عروس".
وحديث أنس (١): .............
وفي الباب مما لم يذكره عن ابن عباس:
روى القاضي أبو الطاهر الذهلي في الثالث والعشرين من "فوائده" من حديث مجاهد عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن النوم قبلها والحديث بعدها. رواه عن محمد بن عبدوس، عن حجاج بن يوسف وإبراهيم بن سعد، عن أبي أحمد الزبيري.
وكراهة النوم قبلها لئلا يذهب بصاحبه ويستغرق النوم فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، ويترخص في ذلك الناس فيناموا عن إقامة جماعتها. وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه منهم ابن عمر وعمر وابن عباس، وإليه ذهب مالك، ورخص فيه بعضهم منهم علي وأبو موسى، وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها، وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: إن ذلك جائز إن علم من نفسه اليقظة قبل خروج الوقت بعادة أو يكون معه من يوقظه لحديث عبد الله بن عمر
стр. 1371
الصحيح: شغل رسول الله ﷺ عنها ليلة حتى رقدنا في المسجد واستيقظنا. انتهى.
وما أرى هذا من هذا الباب ولا نعاسهم في المسجد وهم في انتظار الصلاة من النوم المنهي عنه وإنما هو من السِّنة التي هي مبادئ النوم كما قال (١):
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في جفنه سنة وليس بنائم
وقال القاضي عياض في الكلام على حديث ابن عمر هذا:
قوله: "رقدتم، استيقظ"؛ معناه -والله أعلم-: نوم الجالس المحتبي وخطرات السنات لا نوم الاستغراق بدليل أنه لم يرو أنهم توضؤوا، وقد احتج بهذا الحديث ومثله من لم ير النوم حدثًا في نفسه يوجب وضوءًا، وكذلك قال غيره في الكلام على هذا الحديث.
وأما الحديث بعدها فيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1372
١٢ - باب ما جاء في الرخصة في السمر بعد العشاء
ثنا أحمد بن منيع، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما. وقد روي هذا الحديث الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة، عن رجل من جعفى يقال له: قيس أو ابن قيس، عن عمر، عن النبي ﷺ ... هذا الحديث في قصة طويلة.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأوس بن حذيفة.
قال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن، وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء الآخرة، فكره قوم منهم السمر بعد صلاة العشاء، ورخص بعضهم إذا كان في معنى العلم وما لا بد منه من الحوائج، وأكثر الحديث على الرخصة، وقد روي عن النبي ﷺ : "لا سمر إلا لمصل أو مسافر".
* الكلام عليه:
رواه الإمام أحمد والنسائي وحسنه الترمذي ورجاله رجال الصحيح، وإنما قصر به عن التصحيح الانقطاع الذي نبه عليه بين علقمة وعمر بدخول الجعفي من الوجه الذي أشار إليه، فهو لأن يوصف بالانقطاع أقرب منه لأن يوصف بالحسن إلا أن يكون الجعفي الذي بين علقمة وعمر فيه من شرط الحسن عنده.
وأما حديث عبد الله بن عمرو كذا هو في الأصل، وفي صحيحي البخاري
стр. 1373
ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى من هو على الأرض أحد"، فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنما قال رسول الله ﷺ : "لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"؛ يريد بذلك أنها تحرم ذلك القرن. رواه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سالم وأبي بكر بن أبي خيثمة، عن عبد الله بن عمر، ورواه مسلم عن الدارمي عن أبي اليمان.
وأما حديث أوس بن حذيفة؛ قال: كان رسول الله ﷺ يأتينا بعد العشاء يحدثنا، وكان أكثر حديثه تشكيه من قريش. ذكر ابن قانع معناه.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث أبي برزة وعبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه نهى عن السمر والحديث بعد العشاء، وحديث أوس بن حذيفة: كان رسول الله ﷺ يأتينا ....... فقال: حديث أبي برزة أصح من حديث أوس بن حذيفة.
وفيه عن ابن عباس وهو مما لم يذكره الترمذي:
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: رقدت في بيت ميمونة، ولفظ البخاري: بت فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد .... الحديث.
دلت أحاديث الباب قبل هذا على كراهة الحديث بعد العشاء، ولكن ليست الألف واللام فيها للعموم والاستغراق بدليل أحاديث هذا الباب فلا بد من التنبيه على ما يكره من الحديث على مقتضى الباب الأول وما لا يستثنى منه مما لا يكره على مقتضى الباب الثاني فنقول:
المراد بالحديث الذي يكره بعدها ما كان مباحًا في غير ذلك الوقت وأما المكروه في غيره فهو هنا أشد كراهة، فينبغي تقسيم الحديث بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
стр. 1374
مكروه، ومباح، ومندوب إليه.
فالمباح هنا هو القسم الثالث الذي هو المندوب إليه، وإذا كان ذلك فالحرام منه كالغيبة وما أشبه ذلك من باب أولى بالمنع.
وكراهة الحديث بعدها لمعنيين:
الأول: ما قد يؤدي إليه السهر من مخافة غلبة النوم آخر الليل عن القيام لصلاة الصبح في جماعة والإتيان بها في وقت الأفضلية والاختيار، أو القيام للورد من صلاة أو قراءة في حق من عادته ذلك.
الثاني: وإن أمن من ذلك فالحديث والسهر بالليل يوجب الكسل بالنهار عما يجب من الحقوق فيه والطاعات ومصالح الدين والدنيا، وقد جعل الله الليل سكنًا كما قال تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ...﴾، وكما قال تعالى: ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهارلتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضل ...﴾؛ لتسكنوا فيه: يعني الليل، ولتبتغوا من فضله: يعني النهار. فأعاد الأول للأول، والثاني للثاني، ويأتي في الكلام هذا وعكسه كقوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم﴾، ثم قال بعد الفراغ من هذا القسم: ﴿وأما الذي ابيضت وجوههم﴾.
فالكلام إن دعت إليه ضرورة أو اقتضته مصلحة فهو مشروع كما دلت عليه الأحاديث السابقة من المصالح العامة كسهره ﵇ مع أبي بكر وحديثه معه في الأمر من أمر المسلمين، وكما روى البخاري أن النبي ﷺ أخر صلاة العشاء الآخرة إلى شطر الليل ثم خرج فصلى ثم قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يبقى على ظهر ممن هو اليوم على ظهرها أحد".
وفي الحديث الصحيح أن أبا بكر صلى مع النبي ﷺ العشاء ثم تعشى مع النبي ﷺ ثم انصرف بعدما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما
стр. 1375
حبسك عن أضيافك؟ فجرى بينه وبين أهله من المراجعة ما جاء في الحديث، رواه البخاري في كتاب الصلاة والاستدلال بهذا الحديث والحديث الذي قبله على هذا المراد أولى من الاستدلال بحديث عمر لأن هذا الحديث والذي قبله اقتضى أن ذلك كان بعد صلاة العشاء محققًا، وأما حديث عمر فليس فيه أكثر من أنه كان يسمر مع أبي بكر، وكذلك حديث أوس بعد العشاء الحوالة فيه على محذوف مقدر، فإما أن يكون بعد صلاة العشاء فيتم له المراد، وإما أن يكون بعد وقت العشاء، ولكن في هذا كله بعد، والحمل فيه على المعتاد أظهر.
وقوله: وروي عن النبي في أنه قال: "لا سمر إلا لمصلٍّ أو مسافر"، تقدم تخريجه في الباب قبل هذا من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، فكراهة النوم قبل العشاء من باب المحافظة على صلاة العشاء كما سبق، وكراهة الحديث بعدها من باب المحافظة على صلاة الصبح والخشية من نقص يرد على مؤديها من تأخير أو ما أشبه ذلك، والذي صير المباح في هذا الباب مكروهًا المخاطرة وركوب الغرر لغير معنى ولا أجر يرتجي، وذلك أن السهر في قراءة القرآن أو سماع حديث النبي ﷺ أو السلف الصالحين أو مع الضيف المشروع إكرامه بمحادثته ... : إن الحديث جانب من القرى أو ما أشبه ذلك سهر، وحديث يترتب عليه أجر فارتكاب الغرر لأجله قريب، والسهر في غير ذلك من المباح وقوع في مخاطرة لا يترتب عليها شيء فناسب أن يكون مكروهًا ليس المغرِّر محمودًا وإن سلما.
[وأحسن من هذا كله قول من قال في كراهة الحديث بعد العشاء، والصلوات كفارات لما بينهن من الصغائر فاستحسن لمن ختم عمله بما كفر خطايا يومه أن لا ينشئ بعد ذلك حديثًا يمكن أن يوقعه في محذور، ومكفرات يومه من الصلوات قد انقضت ولتكون الصلاة خاتمة لعمل يومه] (١).
стр. 1376
١٣ - باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل
ثنا أبو عمار الحسين بن حريث، ثنا الفضل بن موسى، عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن عمته أم فروة وكانت ممن بايعت النبي ﷺ قالت: سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها".
حدثنا قتيبة، نا عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الله الجهني، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال له: "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤًا".
حدثنا أحمد بن منيع، نا يعقوب بن الوليد المديني، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، الوقت الآخر عفو الله".
وفي الباب عن علي وابن عمر وعائشة وابن مسعود.
قال أبو عيسى: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا في هذا الحديث.
حدثنا قتيبة، نا مروان بن معاوية الفزاري، عن أبي يعفور، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني: أن رجلًا قال لابن مسعود: أي العمل أفضل؛ قال: سألت عنه رسول الله ﷺ فقال: "الصلاة على مواقيتها"، قلت: وماذا يا رسول الله؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: وماذا يا رسول الله؛ قال: "والجهاد في سبيل الله".
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.
стр. 1377
وقد روى المسعودي وشعبة والشيباني وغير واحد عن الوليد هذا الحديث.
حدثنا قتيبة، ثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة قال: ما صلى رسول الله ﷺ صلاةً لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل.
قال الشافعي: والوقت الأول من الصلاة أفضل، ومما يدل على فضل أول الوقت على آخره اختيار النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم يكونوا يختاروا إلا ما هو أفضل، ولم يكونوا يدعون الفضل، وكانوا يصلون في أول الوقت.
قال: ثنا بذلك أبو الوليد المكي عن الشافعي.
* الكلام عليه:
حديث أم فروة سكت عن تصحيحه وتحسينه، ثم حكى كلام يحيى بن سعيد في العمري إشارةً إلى تضعيف الحديث، ومن عادته تحسين حديث العمري، وقد تقدم الكلام على عبد الله العمري وأنه كان عالمًا صالحًا، وإنما طالت إقامته في حبس المنصور لخروجه عليه فتغير حفظه قليلًا ﵀، وهناك ذكرت ما حسن من حديثه وما صحح وما سكت عنه، وليس العمري في هذا الخبر علة الرد؛ وإنما هو جزء علة، والجزء الثاني الانقطاع بين القاسم بن غنام وأم فروة، فقد روي ذلك من غير وجه:
أحدها: عن الإمام أحمد فقد رواه من طريق القاسم بن غنام عن أهل بيته عن جدته أم فروة.
وكذلك عند أبي داود عن القاسم، عن بعض أمهاته عن أم فروة.
стр. 1378
ورواه الدارقطني كرواية الترمذي ثم قال: وقال وكيع عن العمري عن القاسم بن غنام، عن بعض أمهاته، عن أم فروة وأسنده من طريق وكيع كذلك ثم قال: وقال الليث عن عبد الله بن عمر، عن القاسم بن غنام، عن جدته أم أبيه الدنيا عن جدته أم فروة عن النبي ﷺ .
وأما الاضطراب الذي أشار إليه فهو ما ذكرناه أنه قد روي من طريق عبيد الله العمري مصغرًا كما روي من طريق عبد الله المكبر والاختلاف عليه في ثبوت الواسطة بين القاسم وأم فروة كالاختلاف على أخيه، فعند الدارقطني من طريق معتمر بن سليمان، عن عبيد الله العمري، عن القاسم بن غنام عن جدته أم فروة، رواه عن ابن صاعد، عن محمد بن يحيى بن ميمون المكي عن معتمر، وعنده من طريق محمد بن بشر العبدي، عن عبيد الله أيضًا عن القاسم، عن بعض أهله عن أم فروة.
وكذا هو عند الطبراني من طريق قزعة بن سويد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم عن بعض أمهاته، عن أم فروة؛ قال: ولم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا قزعة.
وقد ذكرنا عن الدارقطني رواية معتمر بن سليمان ومحمد بن بشر عن العمري كرواية قزعة، وإن اختلفت الألفاظ في الطرق فليس ذلك مراد الطبراني، وإنما أشار إلى النفي المطلق.
ورواه أيضًا الضحاك بن عثمان، عن القاسم بن غنام، عن امرأة من المبايعات أن رسول الله ﷺ . فقد صار في هذا الحديث علل ثلاث: الأولى: العمري، وهو أقربها. والثانية: الانقطاع، فإن من أثبت حجة على من نفى، والقضاء لمن أتى بالزيادة عن من لم يأت بها، هذا هو المعروف.
الثالثة: الاضطراب الذي أشار إليه. وفيما تقدم ذكري إياه تقسيم الاضطراب
стр. 1379
إلى قادح وغيره، وأن هذا من قسم القادح، وهو ما إذا كان الانتقال فيه من ثقة إلى ضعيف، فإن عبيد الله متفق عليه، وعبد الله مختلف فيه، فلو كان الانتقال فيه من عبيد الله إلى مثله لم يكن الاضطراب ضارًّا.
وأم فروة هذه هي أخت أبي بكر الصديق لأبيه، ومن قال فيها أنها أم فروة الأنصارية فقد وهم، وترجح قول من قال في العمري أنه عبد الله.
قال: وفي الباب عن علي وابن عمر وعائشة وابن مسعود. وقد أخرج عن الأربعة في الباب.
أما حديث علي فرواه الإمام أحمد، [وذكر ابن ماجه (١) منه حديث الجنازة، وفي إسناده سعيد بن عبد الله الجهني، قال أبو حاتم الرازي: مجهول، وقال أبو حاتم بن حبان: ثقة.
سكت عنه الترمذي، ويمكن أن يكون حسنًا] (٢).
وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني من طريق عبد الله العمري ولفظه: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لميقاتها الأول".
ورواه من طريق عبيد الله أخيه ولفظه: "خير الأعمال الصلاة في أول وقتها".
الأول: من طريق الحسن بن علي بن شبيب، عن عبد الله بن عمر بن أبان، عن أبي يحيى التيمي، عن أبي عقيل عبد الله المكبر، والثاني من طريق علي بن معبد، عن يعقوب بن الوليد، عن عبيد الله المصغر، في إسناده يعقوب بن الوليد. وقال أحمد: كان من الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، كان يكذب، والحديث الذي
стр. 1380
رواه موضوع، وهو متروك الحديث.
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فقال: ليس بشيء وترك حديثه ولم يقرأ علينا. اهـ.
وذكر الحاكم حديث ابن عمر: "خير الأعمال الصلاة في أول وقتها"؛ من طريق يعقوب بن الوليد هذا، وقال يعقوب: ليس من هذا الكتاب، إلا أن له شاهدًا عن عبيد الله ثم ساق من طريق محمد بن حميد الحمصي عن عبيد الله العمري.
.............. (١)
ذي مخبر الحبشي وكان يخدم النبي ﷺ في هذا الخبر، قال: فتوضأ يعني النبي ﷺ وضوءًا لم يلتّ منه التراب، ثم أمر بلالًا فأذن ثم قام النبي ﷺ فركع ركعتين غير عجل، ثم قال لبلال: أقم الصلاة، ثم صلى وهو غير عجل. رواهما أبو داود. [وأحكام هذا الحديث تأتي في الباب بعده إن شاء الله].
* * *
стр. 1381
١٧ - باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة
ثنا قتيبة وبشر بن معاذ، قالا: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها".
وفي الباب عن سمرة وأبي قتادة.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح.
ويروى عن علي بن أبي طالب؛ قال في الرجل ينسى الصلاة؛ قال: يصليها متى ذكرها في وقت أو في غير وقت. وهو قول أحمد وإسحاق.
ويروى عن أبي بكرة: أنه نام عن صلاة العصر فاستيقظ عند غروب الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس، وقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى هذا.
وأما أصحابنا فذهبوا إلى قول علي بن أبي طالب.
* الكلام عليه:
حديث أنس أخرجوه أجمعون.
وحديث سمرة من رواية حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب عنه.
وذكر البزار من حديث جعفر بن سعد بن سمرة حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها الذي يصلي فيه أن يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة.
وحديث أبي قتادة: قد ورد بألفاظ أكثرها يخص النوم وحديثه الذي أورده الترمذي في الباب قبل هذا يشمل النوم والنسيان فأغنى ذلك عن ذكر شيء من
стр. 1382
طرقه في هذا الباب.
وفيه مما لم يذكره عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لما قفل من خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرَس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل"، قال: فغلبت بلال عيناه وهو يستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ -أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ فقال: "يا بلال! " فقال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله! بأبي أنت وأمي. فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ النبي ﷺ ، وأمر بلالًا فأقام لهم الصلاة، وصلى لهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: لامن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: ﴿أقم الصلاة للذكري﴾، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك. أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
وفي لفظ لهذا الخبر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة"؛ قال: فأمر بلالًا وأقام وصلى.
وقع في حديث ابن مسعود أن الصلاة المنسية كانت عند قفولهم من الحديبية. وعند الباقين عند قفولهم من خيبر. وقال الأصيلي: خيبر غلط، وإنما هو من حنين، ولم يعتر ذلك النبي ﷺ إلا مرة واحدة حين قفل من حنين إلى مكة.
وقال أبو عمر بن عبد البر وأبو الوليد الباجي: قول ابن شهاب من خيبر أصح، وهو قول أهل السنن.
وأما من رواه من طريق ابن مسعود وقال فيه: زمن الحديبية فهو أقرب إلى الجمع بين الأخبار لأن زمن الحديبية وخيبر قريب بعضه من بعض، وهذا كله إن كان الواقع من ذلك مرة واحدة كما ذكر الأصيلي وأبو عمر، وإن كان أكثر من ذلك فلا تنافي بين الأحاديث.
стр. 1383
قال القاضي عياض: أما حديث أبي قتادة فلا مرية أنه غير حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عمران بن حصين.
وما قاله الأصيلي وأبو عمر عندي أولى؛ لأن النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه فهو لا ينسى مثل هذا ولا تنام عينه، وإنما هذا من باب أنسى لأسُنّ، وذلك يحصل بالمرة الواحدة، ودعوى القاضي التباين بين حديثي أبي قتادة وعمران بن حصين يرده أنه من تمام خبر أبي قتادة من طريق ابن رباح عنه قال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني أحد الركب في تلك الليلة. قلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: حدث فأنتم أعلم بحديثكم. قال: فحدثت القوم. فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته. كذلك رواه مسلم وغيره.
وإذا ترجح من حيث النقل بكثرة الرواة، وما ذكره أهل المغازي أن هذه الواقعة كانت حين قفولهم من خيبر فأبو هريرة كان معهم، فالأحاديث الثلاثة إذًا خبر واحد، وإن اختلفت الألفاظ والعبارات عما وقع فمما لا يحصى من الأحاديث كذلك. وقد قيل في حديث: "إن عيني تنامان .. " أن ذلك غالبًا وقد يقع منه النوم نادرًا كحديث الوادي، وقيل لا يحصل الاستغراق في النوم حتى يكون منه الحدث، وقد قيل بظاهره فإن النوم يوم الوادي عن طلوع الفجر من نوم العين لا من نوم القلب، فإن الفجر بالعين يدرك، وما تقدم من ذلك للتشريع أولى لقوله ﵇: "إنما أرواحنا بيد الله ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا"، وقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. فالمراد به كله حقيقة النوم المستغرف حتى خروج وقت الصلاة، وقد وقع ذلك صريحًا في قوله ﵇: "لو شاء الله لأيقظنا" ولكن أراد أن يكون سنة لمن بعدكم" في حديث العلاء بن خباب (١).
стр. 1384
والكرى: النوم، والتعريس: النزول من آخر الليل، قاله الخليل.
وقال أبو زيد: التعريس النزول أي وقت كان من ليل أو نهار. وفي الحديث: يعرسون في نحر الظهيرة.
واكلأ: أي احفظ، قال ابن هرمة:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بأمر ما كان يرزؤها
أي: يحفظها.
وفي الحديث عند البخاري أنهم طلبوا التعريس منه فقال: "أخاف أن تناموا"، فقال بلال: أنا أوقظكم. فحينئذ عرس ووكل بلالًا بحفظ الفجر، فكان من حسن فراسته وصدق ظنه أن وقع ذلك.
وفيه: ففزع رسول الله ﷺ : اختلف في هذا الفزع وفي سببه، فقال الأصيلي: كان لأجل عدوهم أن يكون اتبعهم فيجدهم على غرة. ورده أبو عمر، وقيل: لما فاتهم من أمر الصلاة، ولم يكن عندهم حكم من ذلك، ويدل على هذا قولهم: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا؟ وهذا بين في حقهم، وقد يكون الفزع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة كما قال: "فافزعوا إلى الصلاة" أي: بادروا إليها.
وقد يكون فزع النبي ﷺ إجابة الفزعين من أصحابه وإغاثتهم فيما نزل بهم، يقال: فزعت: استغثت، وفزعت: أغثت.
وقول بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك؛ في معرض الاعتذار مما كان التزمه ولم يقم به، والنفس هنا هي التي تتوفى بالنوم والموت كما قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾، وهي المناداة في قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾، وقد وقعت العبارة عنها في بعض ألفاظ الحديث
стр. 1385
بالروح، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا". فكلا العبارتين عن شيء واحد، وإن اختلفت حقيقتاهما عند قوم، وقد قيل: كل ذلك شيء واحد يعبر به عن لطيفة مودعة في الأجساد مشاركة لجميع أجزائها التي تحلها الحياة يتأتى إخراجها من الجسد وإدخالها فيه أجرى الله العادة بخلق الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة وهي القابلة للعلوم، والإنسان هو مجموع الجسد وتلك اللطيفة.
وأما قول علماء الطبيعة في حقيقة الروح وماهيتها وهل هي متحيزة أو حالة في المتحيز أو لا متحيزة ولا حالة في المتحيز كما قال الغزالي؛ فأقول: لم يأت نص بشيء منها، ومن حيث النظر يدفع بعضها بعضًا، فالأولى الإضراب عنها، ولا سيما وقد قال الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾.
وقوله: فاقتادوا، فاقتادوا شيئًا، وهذا لفظ مسلم، وعند أبي داود: ارتحلوا، ومعناهما واحد.
وفيه فوائد:
الأولى: اختلف العلماء في قضاء الفائتة، هل هي على الفور أو لا؟ وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الباب بعد هذا.
الثانية: اختلفوا في هذا الوقت بخصوصه هل تقضي فيه الفوائد أم لا؟ فمنعه العراقيون استدلالًا بهذا الحديث وحملوا تأخيره ﵇ الصلاة حتى خرج من الوادي على ذلك، واستدلوا أيضًا بعموم نهيه ﵇ عن الصلاة في ذلك الوقت كما سيأتي، وأجازه غيرهم، فإن ذلك العموم مخصوص بقوله ﵇: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك"، الحديث وما
стр. 1386
في معناه، وقد يقال على هذا أنه يحتمل في الاستدامة ما لا يحتمل في الابتداء.
والجواب عن الأول بأن ما جعلوه علة للخروج من الوادي ليس علة في نفس الأمر، بل العلة ما نص عليه الشارع من قوله: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" كراهة تتعلق بالمكان لا بالزمان، وليس ذلك عندهم من باب الطيرة، بل من باب الكراهة له، ويزيد ذلك وضوحًا ما في رواية زيد بن أسلم: فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي. وفي رواية ابن جريج عن عطاء أنه ﵇ ركع ركعتين في معرسه، ثم سار ساعة، ثم صلى الصبح. فليس المكروه إلا إقامة فريضة الصبح فيه وهو بهذه المثابة، وإلا فالزمان الذي تحل فيه النافلة أحرى أن تحل فيه الفريضة.
الثالثة: اختلف المعللون بأن الوادي به شيطان، فقال بعضهم: من نام عن الصلاة في سفره ثم انتبه بعد خروج الوقت لزمه الزوال عن ذلك الموضع، وان كان واديًا خرج عنه، لقوله ﵇: "اركبوا واخرجوا من هذا الوادي إن به شيطانًا"؛ قالوا: فكل موضع وقع فيه مثل ذلك فينبغي الخروج عنه وإقامة الصلاة في غيره، فإنه موضع ملعون كما روي عن علي قال: "نهاني رسول الله ﷺ أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه لما أتى أرض ثمود أمر الناس فأسرعوا، وقال: "هذا واد ملعون"، وأمر بالعجين المعجون بماء ذلك الوادي فطرح.
وقال آخرون: أما ذلك الوادي وحده إن علم وعرض فيه مثل ذلك العارض فواجب الخروج منه على ما صنع رسول الله ﷺ ، وأما سائر المواضع فلا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، ولقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها"، ولم يخص موضعًا من موضع إلا ما جاء في ذلك الموضع خاصة.
وقال آخرون: كل من انتبه من نوم أو ذكر بعد نسيان، أو ترك صلاة عامدًا ثم ثاب إلى أدائها فواجب على كل واحد منهم أن يقيم صلاته تلك في أعجل ما يمكنه
стр. 1387
في أي موضع ذكرها فيه واديًا كان أو غيره، إذا كان الموضع طاهرًا، وسواء كان ذلك الوادي أو غيره، لأن قوله ﷺ : "إن هذا واد به شيطان" خصوص له لا يشركه في علمه غيره، ولعل ذلك الوادي لم يحضره ذلك الشيطان إلا ذلك الوقت، وذكر إسماعيل القاضي عن محمد بن مسلمة نحوه، قال: ولا يعلم الناس من ذلك الوادي ولا من غيره ما علم من ذلك رسول الله ﷺ .
قال أبو عمر: الذي عليه العمل عندي، وفيه الحجة لمن اعتصم به قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، ولم يخص ذلك الوادي من غيره في هذا الحديث. وقوله: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ناسخ لما خالفه.
ولا يجوز عليه أن ينسخ بغيره، لأن ذلك من فضائله ﷺ ، وفضائله لا يجوز عليها النسخ، لأنها لم تزل تتزايد حتى مات، ولم يسلب منها شيئًا ﷺ .
الرابعة: الأذان والإقامة للفوائت: وقد ثبتا معًا في حديث أبي قتادة، وحديث عمران بن حصين، وقد اختلف العلماء في ذلك، قال ابن عبد البر: قال مالك والشافعي والأوزاعي: من فاتته صلاة أو صلوات حتى خرج وقتها أقام لكل صلاة إقامة ولم يؤذن. وقال أحمد بن حنبل وأبو ثور: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة، وقال أبو حنيفة: من فاتته صلاة واحدة صلاها بأذان وإقامة، فإن لم يفعل فصلاته تامة. وقال محمد بن الحسن: إذا فاتته صلوات فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي ﵇ يوم الخندق فحسن، وإن أذن وأقام لكل صلاة فحسن.
قال الشيخ محيي الدين: والأصح عندنا إثبات الأذان.
ومن حجة من لم ير الأذان حديث أبي سعيد الخدري وغيره في قضاء فوائت يوم الخندق.
стр. 1388
والقول بالأذان راجح لأنه زيادة في خبر من أخبر به من الثقات يجب قبوله والرجوع إليه.
الخامسة: فيه استحباب الجماعة في قضاء الفائتة، واليه ذهب أصحابنا.
السادسة: قضاء الفوائت؛ فذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبيدة بن حميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن تميم بن سلمة، عن مسروق، عن ابن عباس؛ قال: ما يسرني أن لي الدنيا بما فيها بصلاة النبي ﷺ الصبح بعد طلوع الشمس. ورواه ابن الأصبهاني عن عبيدة قال فيه: كان رسول الله ﷺ في سفر، فذكر الحديث، وفيه قال ابن عباس: فما يسرني بها الدنيا وما فيها، يعني الرخصة، وكان مسروق يقول ذلك.
وإلى القول بوجوب القضاء في حق المعذور وغيره، -قلت الصلوات المقضية أو كثرت- ذهب العلماء -إلا خلافًا شاذًا لا يعرج عليه في مسألة القضاء لغير المعذور، وخلافًا آخر نحوه في الشذوذ- في أن من زاد على خمس صلوات لم يلزمه قضاؤها.
فأما الأول فمذكور عن أبي محمد بن حزم.
وأما الثاني فحكاه المازري، قال: ويصح أن يكون وجه هذا القول أن القضاء يسقط في الكثير للمشقة، ولا يسقط فيما لا يشق كما أن الحائض يسقط عنها، قضاء الصلاة لكثرة ذلك وتكرر الحيض، ولم يسقط الصوم إذ ليس ذلك موجودًا فيه.
وأما الاحتجاج لما ذكره أبو محمد بن حزم بدليل الخطاب في قوله: "من نسي أو نام فليقض"، فاقتضى أن العامد بخلاف ذلك، فيمكن أن يقال في الجواب عنه
стр. 1389
ليس انتفاء القضاء بدليل الخطاب بأولى من إيجابه بمفهوم الخطاب، ويكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه فأولى أن يجب على العامد.
وقد ذكر في الاحتجاج لمن قال بوجوب القضاء على العامد وجوه منها: التمسك بعموم قوله: "من نسي صلاة"؛ أي: من حصل منه نسيان، قالوا: والنسيان هو الترك سواء اقترن به ذهول أو لم يقترن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾؛ أي: تركوا معرفة الله وأمره فتركهم في العذاب.
ومنها قوله: "فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها"، والكفارة إنما تكون عن الذنب غالبًا، والنائم والناسي بمعنى الذاهل ليس بآثم، فيتعين العامد لأن يكون هو المراد.
ومنها: "أقم الصلاة لذكري"، أي: لتذكرني على أحد التأويلات.
ومنها: وهو أقوى ما سبق؛ أن القضاء يجب بالخطاب الأول، فإن خرج وقت العبادة لا يسقط وجوبها إذ هي لازمة في ذمة المكلف كالديون، وإنما يسقط العبادة فعلها أو فقد شرطها، ولم يحصل شيء من ذلك، وهو أحد القولين لأهل الأصول.
السابعة: قضاء النوافل، لأنه ﵇ ركع ركعتي الفجر في الوادي وركعهما أصحابه كما في أحاديث الباب قبل هذا.
وقد اختلف العلماء في ذلك ففيه قولان للشافعي:
أحدهما: يستحب قضاؤها؛ لعموم الأمر بقضاء الصلاة المنسية، ولفعله ﵇ ذلك غير مرة في سنة الظهر التي قضاها بعد العصر وفي سنة الصبح.
والثاني: لا يستحب.
وإلى الأول ذهب أحمد وداود وهو قول أشهب وعلي بن زيد وأصحاب مالك.
стр. 1390
وإلى الثاني ذهب الثوري والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب مالك؛ قالوا: لأن فعلها قبل الفائتة تزيدها فواتًا، ولأنها ليس في الذمة منها شيء فيجب قضاؤه، فإن أراد أن يقضي فليصل مستأنفًا.
وعن أبي حنيفة: إن فاتت الرواتب مع الفرائض قضيت، وإن فاتت وحدها فلا. ونقل بعض الأصحاب عن مذهبه أنه لا يقضي منها إلا ركعتا الفجر إذا فاتت مع الفرض. وحكى صاحب "النهاية" قولًا ثالثًا أن ما استقل منها ولم يتبع غيره كالعيدين والضحى قضى لمشابهته الفرائض، وما كان تابعًا لغيره كالرواتب لا تقضى.
الثامنة: قوله: "لا كفارة لها إلا ذلك"، فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها، ولا يجوز تركها إلى بدل آخر.
والثاني: أنه لا يلزمه في نسيانه شيء ولا كفارة لها من مال ولا غيره، وإنما يلزمه أداؤها.
التاسعة: الكفارة والتكفير: الستر والتغطية، قال لبيد:
في ليلة كفر النجوم غمامها ...
فحقيقته الشرعية في التغطية على الإثم وستره، فأما في حق العامد فهي على بابها، وأما في حق غير العامد الذي لا إثم عليه فمن باب مجاز التشبيه، ولما كان التارك عمدًا يشبه التارك سهوًا في الصورة بجامع الترك أطلق على القضاء في حقه كفارة، كما أطلق عليه في حق الأول، وإذا أطلقت الكفارة في حقهما على السواء ففيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾؛ خرج مخرج الاحتجاج على
стр. 1391
الاحتجاج به حتى يكون شرع من قبلنا شرعًا لنا، وفيه اختلاف، والمختار أنه كذلك ما لم يرد ناسخ.
الحادية عشرة: المصدر قد يضاف إلى الفاعل وقد يضاف إلى المفعول، وعلى حسب ذلك اختلف المفسرون في معنى (لذكري)؛ فقال بعضهم: لتذكرني فيها، روي عن مجاهد، وقيل لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتها، فمعناه لتذكيري لك إياها وهو أولى لسياق الحديث، ويعضده للذكرى، وهو قول أكثر العلماء والمفسرين.
وقال النخعي: اللام للظرف أي إذا ذكرتني أي: ذكرت أمري بعدما نسيت، ومنه الحديث، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرًا لذكري، وقيل: اللام للسببية، وهو حسن، وقريب منه قول النخعي.
الثانية عشرة: قوله: "افعلوا كما تفعلون كل يوم"، فيه دليل على أن صفة قضاء الفائتة مثل صفة أدائها، ولا خلاف عندنا في الصبح المقضية، وإنما اختلف أصحابنا في الجهر في الصبح المقضية بعد طلوع الشمس على وجهين: أصحهما أنه يسر بها، فيحتاج قائل هذا إلى الجواب عن هذا الحديث، وقد نحا بعضهم في الجواب عنه إلى أن ذلك لا يندرج تحت مسمى الأفعال.
الثالثة عشرة: قوله: "ليس في النوم تفريط"؛ يريد أن حكم التفريط مرفوع عن النائم، لارتفاع التكليف عنه كما في الحديث الآخر: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ... " الحديث، وإنما يجب عليه قضاء الفائتة إذا استيقظ إما بأمر جديد كما هو المختار عندهم، أو بالأمر السابق كما ذهب إليه بعضهم لتمكنه من الفعل.
الرابعة عشرة: فلو أتلف النائم برجله أو بيده أو غيرهما من أعضائه شيئًا في حال نومه، فالضمان واجب عليه بالاتفاق، والفرق بينه وبين ما سبق أن غرامة
стр. 1392
حال نومه، فالضمان واجب عليه بالاتفاق، والفرق بينه وبين ما سبق أن غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، بل لو أتلف الصبي أو المجنون أو غيرهما ممن لا تكليف عليه شيئًا وجب ضمانه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، فرتب سبحانه على القاتل خطأً الدية والكفار مع أنه غير آثم.
الخامسة عشرة: قوله: "إنما التفريط في اليقظة"، هذا لفظ حديث أبي قتادة عند الترمذي وهو ظاهر، وعند مسلم: "إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حشى يجيء وقت الأخرى".
فيه دليل على امتداد وقت كل صلاة من الخمس حتى يدخل وقت التي تليها، ويستثنى من ذلك الصبح لمفهوم قوله ﵊: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" وأما المغرب فقد سبق الكلام في وقتها والظاهر أنه تمتد إلى العشاء.
السادسة عشرة: تمسك من لم يفرق بين وقت الاختيار ووقت الجواز ووجهه أن الشارع سوى بين الوقتين في رفع حكم التفريط عن المصلي في كل منهما، وإليه ذهب داود الظاهري، ولا يلزم من استوائهما في رفع الحرج أن يثبت له استواؤهما في غير ذلك.
السابعة عشرة: قوله: "فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها" وهذه اللفظة هي التي أنكرت على عبد الله بن رباح ووهمه فيها بعضهم، وقال البخاري: لا يتابع عليها.
ولا ينبغي أن تنكر عليه فإن لها شاهدًا في حديث عمران بن حصين حيث ذكر الحديث وفيه: "قالوا: يا رسول الله، ألا نصليها لميقاتها من الغد، قال: لا إن
стр. 1393
حصل الشك في معناها، فكأن المراد من قوله: "فإذا كان من الغد فليصليها عند وقتها"، أنها من الغد تعود لميقاتها الأول على حالها، فلما فهم من فهم عنه أن إعادتها في اليوم الثاني لازمة لهم استثبتوا رسول الله ﷺ في ذلك، فقال لهم: "إن الله ينهاكم عن الربا"؛ أي: تفوتكم صلاة فتقضوا صلاتين، وبهذه المراجعة والجواب في حديث ابن حصين تدل على صحة هذه اللفظة في خبر أبي قتادة.
الثامنة عشرة: ذكر أبو محمد بن حزم حديث أبي قتادة هذا من طريق الأسود بن يزيد (١)، ثنا خالد بن شمير نا عبد الله بن رباح ثنا أبو قتادة ... فذكره.
ثم قال: فإن قيل: فقد روي في بعض ألفاظ هذا الخبر أنه ﵇ قال لهم حينئذ: "من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها"؟
قلنا: نعم، قد روي هذا اللفظ، وروي: "ليصلها من الغداة لوقتها"، وروي: "فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها إذا ذكرها من الغد للوقت" وروي: أنهم قالوا: يا رسول الله! أنقضيها لميقاتها من الغد، وأنهم قالوا: ألا نصلي كذا وكذا صلاة؟ قال: "أينهاكم (٢) الله عن الربا ويقبله منكم". وكل هذا صحيح، ومتفق المعنى، وإنما يشكل من هذه الألفاظ: "من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها".
وإذا تؤمل (٣) فلا إشكال فيه لأن الضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب [مذكور والضمير في (معها) راجع إلي (٤) الغداة لا إلى الصلاة؛
стр. 1394
[أي] (١): فليقض مع الغداة مثل [هذه الصلاة التي يصلي بلا زيادة عليها؛ أي: فليؤد ما عليه من الصلاة مثلما فعل كل يوم؛ فتتفق الألفاظ كلها على معنى واحد، لا يجوز غير ذلك، وبالله تعالى التوفيق] (١).
* * *
стр. 1395
١٨ - باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ
ثنا هناد، نا هشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي عبيدة بن عبد الله قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء (١).
قال: وفي الباب عن أبي سعيد وجابر.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، وهو الذي اختاره بعض أهل العلم في الفوائت أن يقيم الرجل لكل صلاة إذا قضاها وإذا لم يقم أجزأه وهو قول الشافعي.
* الكلام عليه:
رواه النسائي، وحديث أبي سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله : ﴿وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًّا عزيزا﴾، قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالًا فأقام صلاة الظهر فصلاها وأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها وأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]. رواه الإمام أحمد وهذا لفظه
стр. 1396
وبهذا اللفظ والنسائي (١).
وحديث جابر بن عبد الله: أن عمر جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : "والله ما صليتها"، قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. رواه البخاري ومسلم (٢).
بُطحان: بضم أوله وإسكان ثانيه بالمدينة، وذكر أبو عبيد البكري وغيره أنه بفتح أوله وكسر ثانيه وأنشد:
عفا بَطِحان [من قريش فيثرب ... فملقى الرحال] (٣) من منى فالمحصب
وقوله: بهُوي من الليل، قال ابن سيده: ومعنى هَوي من الليل وهُوي يعني بفتح الهاء وضمها وكسر الواو وتشديد الياء وتهواء (٤) بكسر التاء أي: ساعة.
اختلفت الروايات في الصلاة المنسية يوم الخندق، ففي صحيحي البخاري ومسلم من حديث جابر وغيره أنها العصر، وعند غيرهما الصلوات الأربع كما تقدم،
стр. 1397
والذي عند مالك ﵀ في "موطئه" (١) أنها الظهر والعصر، فمن الناس من اعتمد على ما في الصحيح، قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصحيح -إن شاء الله- أن الصلاة التي شغل عنها رسول الله ﷺ واحدة وهي العصر.
ومنهم من جمع بين الأحاديث في ذلك بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك كله في أوقات مختلفة في تلك الأيام وهذا أولى من الأول؛ لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي (٢): ثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، وهذا إسناد صحيح جليل (٣).
الثانية: فيه إطلاق لفظ العشاءين على المغرب والعشاء، قال النووي (٤): وقد أنكره بعضهم، لأن المغرب لا تسمى عشاء وهذا غلط، لأن التثنية هاهنا للتغليب كالأبوين والعمرين والقمرين ونظائرهما، انتهى.
وما رأى هذا من باب التغليب، فإن أبا بكر لم يطلق عليه عمر ولا الشمس أطلق عليها القمر إلا في ذلك الموضع وكذلك ما أشبههما، وأما المغرب فقد يطلق عليها العشاء بدليل تقييدهم العتمة بالعشاء الآخرة، ففي حديث جابر: كان رسول الله ﷺ يؤخر صلاة العشاء الآخرة (٥)، وفي حديث ابن عمر: مكثنا ننتظر رسول
стр. 1398
الله ﷺ ذات ليلة لصلاة العشاء الآخرة (١)، كلاهما عند مسلم، والثاني عند البخاري، وجابر هو ابن سمرة.
وكذلك في حديث علي: أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل". أخرجه البزار (٢).
وعند البخاري (٣) من حديث عبد الله المزني أن رسول الله ﷺ قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، فإن الأعراب تقول هي العشاء".
فلفظة العشاء على هذا مسموعة فيها.
والجواب عن حديث المزني على هذا كالجواب عن قوله ﵇ (٤): "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل"، مع قوله: "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" (٥) فقالوا: التسمية بالعتمة هنا متقدم على النهي، أو لبيان الجواز وليدل على أن ذلك النهي ليس للتحريم، أو
стр. 1399
خاطبهم بما علموه وما هو مشهور عندهم.
الثالثة: اشتغال النبي ﷺ عن الصلاة ذلك اليوم، قالوا: يحتمل أن يكون نسيانًا لشغله بالعدو، ويحتمل أن يكونوا لم يمكنوه منها ولم يفرغوه لها، ويحتمل أن يكون أخّرها قصدًا لاشتغاله بالعدو.
والأول عندي بعيد، لأن أبا سعيد الخدري يقول: حتى كفينا وذلك قول الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١) [الأحزاب: ٢٥].
الرابعة: فيؤخذ منه على هذا جواز التأخير في مثل هذه الحالة من الخوف، وقد اختلف الناس في ذلك، هل هو منسوخ بصلاة الخوف أم لا؟
فالجمهور على النسخ، وذهب مكحول وغيره من الشاميين إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يُتمكن من أدائها في الوقت إلى وقت الأمر، والصحيح الأول لأن أبا سعيد يقول في حديثه: وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الخامسة: لفظة كاد وهي من أفعال المقاربة، فإذا قلنا: كاد زيد يقوم، فالمفهوم منها أنه قارب القيام ولم يقم، حتى قال فيها المعري ملغزًا:
أنحوي هذا العصر أية كلمة ... جرت بلساني جرهم وثمود
إذا نُفِيَت والله أعلم أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود
وقد تدل على النفي إذا وردت بصيغته وهو قليل كقول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
معناه لم يبرح ولم يكد يبرح، فنفى الفعل ومقاربته، ولذي الرمة في هذا
стр. 1400
البيت خبر مذكور في كتب الأدب (١). وقد تقترن بها لفظة (أن) وهو قليل، قال:
قد كان من طول البلى أن يمصحا (٢)
وهي في ذلك مخالفة للفظة عسى، فالأصح في عسى اقتران أن بها، قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، وقد تخلوا عنها وهو قليل، قال (٣):
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
السادسة: إذا ثبت في لفظة كاد أنها تستعمل كذلك فقد روي عن عمر في الصحيح في لفظة كاد اقترانها (بأن) عند مسلم ورويت فيه غير مقترنة بها كما أوردته في أول الباب: "ما كدت أصلي حتى كادت الشمس تغرب". ومعلوم أن الواقعة واحدة، فهو من باب الرواية بالمعنى، وإذا كان كذلك فهل تسع الرواية بالمعنى مثل هذا أو لا؟ والأولى هنا أن تسع، لأن المقصود الإخبار عن صلاة العصر كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر كيف تكلم باللغة الراجحة المشهورة أو اللغة المرجوحة القليلة في الاستعمال.
السابعة: وإذا ثبت من معنى كاد ما ذكرناه من المقاربة فقول عمر: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. معناه أنه صلى العصر وما غربت الشمس، لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة ولم يثبت الغروب.
стр. 1401
وإن كان اجتماعهم واشتغالهم كلهم بالعدو فيما يغلب على الظن، يبعد ذلك فيقربه ما سنذكره.
الثامنة: قوله: "والله ما صلينا" ذكر فيه معنيان:
أحدهما: أن ذلك لفرط أسفه عليها وتذكرها حينئذ.
الثاني: أن ذلك كان تطييبًا لقلب عمر ﵁، فإنه شق عليه تأخير العصر إلى قريب الغروب، فأخبره النبي ﷺ أنه لم يصلها بعد ليكون لعمر به أُسوة، وأكد ذلك الخبر باليمين.
التاسعة: فيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف، بل هي مستحبة إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم، وذلك كثيرة في الحديث، وكذلك القسم من الله كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، ﴿وَالطُّورِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وما أشبه ذلك. وكل هذا لتفخيم المقسم وتوكيده.
العاشرة: وإذا كان هذا هو المقتضي لليمين، ففيه ما كان النبي ﷺ من كرم الأخلاق وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم وما ينبغي من الاقتداء به في ذلك، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
الحادية عشرة: فيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة، وخالف فيه الليث بن سعد وهذا الحديث والحديث في الباب قبل هذا يقتضيانه وقد تقدم.
الثانية عشرة: الإقامة للصلاة الفائتة وقد تقدم اختلاف الناس في الإقامة والأذان لذلك في الباب قبل هذا، وحكى أبو عمر عن بعض من يقول يؤذن لها ويقام أنه أجاب عن ما في حديث ابن مسعود وأبي سعيد من الإقامة للصلوات الأربع الفائتة أن من جملتها صلاة العشاء قال: وهي مفعولة في وقتها ليست بفائتة ولابد لها من الأذان، فدل ذلك على أن قوله ثم أقام فصلى العشاء أنه إنما أراد إقامتها
стр. 1402
بما تقام به على سنتها من الأذان والإقامة، قال: فكذلك ساير ما ذكر معها من الصلوات ورد على قائل هذا القول بأنه يحتمل أن تكون العشاء صليت في تلك الليلة بعد نصف الليل لقوله في الحديث: بعد هوي من الليل، وذلك بعد خروج وقتها المختار، فكان حكمها في ذلك حكم صلاة المغرب بعد مغيب الشفق على ما في الأحاديث من ذلك، وإذا احتمل ذلك فهي فائتة حكمها حكم غيرها مما ذكر من الصلوات معها.
الثالثة عشرة: قد تمسك به من لا يرى قضاء الفوائت من السنن الرواتب مع الفرائض وقد تقدم في الباب قبل هذا.
الرابعة عشرة: فيه الترتيب في قضاء الفوائت وأن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد وفي معناه أيضًا حديث أبي جمعة حبيب بن سباع وله صحبة قال: صلَّى رسول الله ﷺ المغرب يوم الأحزاب فلما سلم، قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر"، قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر ثم صلى المغرب. أخرجه الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في "مسنده" (١).
وقد اختلف العلماء في ذلك، قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: فقال مالك وأبو حنيفة وهو معنى قول أحمد وإسحاق: إن الترتيب واجب مع الذكر ساقط مع النسيان ما لم يتكرر ويكثر، وقال الشافعي وأبو ثور: لا ترتيب فيها، ويُروى عن الحسن البصري وطاوس وشريح.
قال أصحابنا: وإذا قضى صلوات استحب قضاؤهن مرتبًا، فإن خالف ذلك صحت صلاته عند الشافعي ومن وافقه سواء كانت الصلوات قليلة أو كثيرة.
стр. 1403
الخامسة عشرة: اختلفوا إذا ذكر صلاة فائتة في وقت حاضرة ضيق (١)، هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة، أو يبدأ بالحاضرة أو يتخير فيقدم أيتهما شاء على ثلاثة أقوال، وبالأول قال مالك والليث والزهري، وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وجماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب.
وبالثالث قال أشهب.
هذا ما لم تكثر الصلوات فإذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة على ما حكاه القاضي عياض.
السادسة عشرة: الذين أوجبوا الترتيب هنا مع القليل وأسقطوه مع الكثير، اختلفوا في حده، فعن مالك أن الخمس فدونها من اليسير، وقيل الأربع وحديث الباب فيه الترتيب حتى (٢) أربع صلوات، ولم يختلفوا أن الست كثير.
السابعة عشرة: إذا ذكر الفائتة وهو في صلاة حاضرة، قال بعض المالكية: إما أن يكون وحده أو وراء إمام، فإن كان وحده بطلت وصلى الفائتة وأعاد التي كان فيها، وإن كان وراء إمام أتم معه، ثم صلى التي نسي ثم أعاد التي صلى مع الإمام هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحق، وقال الشافعي: يكمل التي هو فيها ثم يعيد التي نسي خاصة وتمسك بما روى الدارقطني (٣) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلى التي نسي".
стр. 1404
وتمسك أحمد وإسحق بما روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام". أخرجه أبو يعلى الموصلي (١) عن إسماعيل بن إبراهيم الترجماني قال: نا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر.
أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري فيما قرأت عليه بمرج دمشق عن أبي مسلم المؤيد بن الأخوة وعائشة بنت معمر بن الفاخر إجازة قالا أنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي أنا إبراهيم بن محمد بن علي الكسائي أنا أبو بكر بن المقري أنا أبو يعلى.
قيل: تفرد به سعيد بن عبد الرحمن، وسعيد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وكلام ابن حبان فيه بعد ذلك ليس بكبير أمر (٢).
ورواه البيهقي (٣) وقال: تفرد أبو براهيم الترجماني برواية هذا الحديث مرفوعًا والصحيح موقوف، أنه من قول ابن عمر موقوفًا، كذا رواه غير أبي إبراهيم عن سعيد ثم ذكره من طريق مالك وعبيد الله موقوفًا. انتهى.
وقال ابن أبي حاتم: في "العلل" (٤) الصحيح موقوف وقال ابن معين: فعل الله
стр. 1405
بي إن كتبته وحديث ابن عباس الذي تقدم ذكره رواه البيهقي من طريق بقية عن عمر بن أبي عمر عن مكحول عن ابن عباس.
بقية مشهور الحال وعمر بن أبي عمر قال ابن عدي: لا أعلم يروي عنه غير بقية فهو مجهول (١).
الثامنة عشرة: فيه المبادرة إلى القضاء، قال أصحابنا: ومن فاتته فريضة وجب قضاؤها، فإن فاتته بعد ذا استحب قضاؤها على الفور ويجوز التأخير على الصحيح، وحكى البغوي عن غيره وجهًا أنه لا يجوز.
وإن فاتته بغير عذر وجب قضاؤها على الفور على الأصح، وقيل: لا يجب على الفور بل له التأخير وظاهر الأحاديث يقتضي الفورية في حق أصحاب الأعذار أيضًا.
التاسعة عشرة: إذا قلنا بتقديم الحاضرة على الفائتة كما ذهبت إليه الشافعي، فقد يؤخذ من حديث جابر أن وقت المغرب يتسع إلى غروب الشفق، لأنه قدم العصر عليه، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضًا.
وقد يجاب عنه بأن هذا كان بعد خروج وقت المغرب أيضًا بزمن عند من يرى تضييق وقت المغرب، لا سيما على رواية أبي سعيد التي يقول فيها: حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل.
* * *