← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16599

النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي

ابن سيد الناس

Полный текст (2 088 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وإن كان اجتماعهم واشتغالهم كلهم بالعدو فيما يغلب على الظن، يبعد ذلك فيقربه ما سنذكره. الثامنة: قوله: "والله ما صلينا" ذكر فيه معنيان: أحدهما: أن ذلك لفرط أسفه عليها وتذكرها حينئذ. الثاني: أن ذلك كان تطييبًا لقلب عمر ﵁، فإنه شق عليه تأخير العصر إلى قريب الغروب، فأخبره النبي ﷺ أنه لم يصلها بعد ليكون لعمر به أُسوة، وأكد ذلك الخبر باليمين. التاسعة: فيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف، بل هي مستحبة إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم، وذلك كثيرة في الحديث، وكذلك القسم من الله كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، ﴿وَالطُّورِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وما أشبه ذلك. وكل هذا لتفخيم المقسم وتوكيده. العاشرة: وإذا كان هذا هو المقتضي لليمين، ففيه ما كان النبي ﷺ من كرم الأخلاق وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم وما ينبغي من الاقتداء به في ذلك، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. الحادية عشرة: فيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة، وخالف فيه الليث بن سعد وهذا الحديث والحديث في الباب قبل هذا يقتضيانه وقد تقدم. الثانية عشرة: الإقامة للصلاة الفائتة وقد تقدم اختلاف الناس في الإقامة والأذان لذلك في الباب قبل هذا، وحكى أبو عمر عن بعض من يقول يؤذن لها ويقام أنه أجاب عن ما في حديث ابن مسعود وأبي سعيد من الإقامة للصلوات الأربع الفائتة أن من جملتها صلاة العشاء قال: وهي مفعولة في وقتها ليست بفائتة ولابد لها من الأذان، فدل ذلك على أن قوله ثم أقام فصلى العشاء أنه إنما أراد إقامتها

стр. 1402

بما تقام به على سنتها من الأذان والإقامة، قال: فكذلك ساير ما ذكر معها من الصلوات ورد على قائل هذا القول بأنه يحتمل أن تكون العشاء صليت في تلك الليلة بعد نصف الليل لقوله في الحديث: بعد هوي من الليل، وذلك بعد خروج وقتها المختار، فكان حكمها في ذلك حكم صلاة المغرب بعد مغيب الشفق على ما في الأحاديث من ذلك، وإذا احتمل ذلك فهي فائتة حكمها حكم غيرها مما ذكر من الصلوات معها. الثالثة عشرة: قد تمسك به من لا يرى قضاء الفوائت من السنن الرواتب مع الفرائض وقد تقدم في الباب قبل هذا. الرابعة عشرة: فيه الترتيب في قضاء الفوائت وأن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد وفي معناه أيضًا حديث أبي جمعة حبيب بن سباع وله صحبة قال: صلَّى رسول الله ﷺ المغرب يوم الأحزاب فلما سلم، قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر"، قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر ثم صلى المغرب. أخرجه الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في "مسنده" (١). وقد اختلف العلماء في ذلك، قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: فقال مالك وأبو حنيفة وهو معنى قول أحمد وإسحاق: إن الترتيب واجب مع الذكر ساقط مع النسيان ما لم يتكرر ويكثر، وقال الشافعي وأبو ثور: لا ترتيب فيها، ويُروى عن الحسن البصري وطاوس وشريح. قال أصحابنا: وإذا قضى صلوات استحب قضاؤهن مرتبًا، فإن خالف ذلك صحت صلاته عند الشافعي ومن وافقه سواء كانت الصلوات قليلة أو كثيرة.

стр. 1403

الخامسة عشرة: اختلفوا إذا ذكر صلاة فائتة في وقت حاضرة ضيق (١)، هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة، أو يبدأ بالحاضرة أو يتخير فيقدم أيتهما شاء على ثلاثة أقوال، وبالأول قال مالك والليث والزهري، وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وجماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب. وبالثالث قال أشهب. هذا ما لم تكثر الصلوات فإذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة على ما حكاه القاضي عياض. السادسة عشرة: الذين أوجبوا الترتيب هنا مع القليل وأسقطوه مع الكثير، اختلفوا في حده، فعن مالك أن الخمس فدونها من اليسير، وقيل الأربع وحديث الباب فيه الترتيب حتى (٢) أربع صلوات، ولم يختلفوا أن الست كثير. السابعة عشرة: إذا ذكر الفائتة وهو في صلاة حاضرة، قال بعض المالكية: إما أن يكون وحده أو وراء إمام، فإن كان وحده بطلت وصلى الفائتة وأعاد التي كان فيها، وإن كان وراء إمام أتم معه، ثم صلى التي نسي ثم أعاد التي صلى مع الإمام هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وإسحق، وقال الشافعي: يكمل التي هو فيها ثم يعيد التي نسي خاصة وتمسك بما روى الدارقطني (٣) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلى التي نسي".

стр. 1404

وتمسك أحمد وإسحق بما روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام". أخرجه أبو يعلى الموصلي (١) عن إسماعيل بن إبراهيم الترجماني قال: نا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري فيما قرأت عليه بمرج دمشق عن أبي مسلم المؤيد بن الأخوة وعائشة بنت معمر بن الفاخر إجازة قالا أنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي أنا إبراهيم بن محمد بن علي الكسائي أنا أبو بكر بن المقري أنا أبو يعلى. قيل: تفرد به سعيد بن عبد الرحمن، وسعيد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وكلام ابن حبان فيه بعد ذلك ليس بكبير أمر (٢). ورواه البيهقي (٣) وقال: تفرد أبو براهيم الترجماني برواية هذا الحديث مرفوعًا والصحيح موقوف، أنه من قول ابن عمر موقوفًا، كذا رواه غير أبي إبراهيم عن سعيد ثم ذكره من طريق مالك وعبيد الله موقوفًا. انتهى. وقال ابن أبي حاتم: في "العلل" (٤) الصحيح موقوف وقال ابن معين: فعل الله

стр. 1405

بي إن كتبته وحديث ابن عباس الذي تقدم ذكره رواه البيهقي من طريق بقية عن عمر بن أبي عمر عن مكحول عن ابن عباس. بقية مشهور الحال وعمر بن أبي عمر قال ابن عدي: لا أعلم يروي عنه غير بقية فهو مجهول (١). الثامنة عشرة: فيه المبادرة إلى القضاء، قال أصحابنا: ومن فاتته فريضة وجب قضاؤها، فإن فاتته بعد ذا استحب قضاؤها على الفور ويجوز التأخير على الصحيح، وحكى البغوي عن غيره وجهًا أنه لا يجوز. وإن فاتته بغير عذر وجب قضاؤها على الفور على الأصح، وقيل: لا يجب على الفور بل له التأخير وظاهر الأحاديث يقتضي الفورية في حق أصحاب الأعذار أيضًا. التاسعة عشرة: إذا قلنا بتقديم الحاضرة على الفائتة كما ذهبت إليه الشافعي، فقد يؤخذ من حديث جابر أن وقت المغرب يتسع إلى غروب الشفق، لأنه قدم العصر عليه، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضًا. وقد يجاب عنه بأن هذا كان بعد خروج وقت المغرب أيضًا بزمن عند من يرى تضييق وقت المغرب، لا سيما على رواية أبي سعيد التي يقول فيها: حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل. * * *

стр. 1406

١٩ - باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر وقد قيل إنها الظهر حدثنا محمد بن بشار نا معاذ بن هشام ثنا أبي عن يحيى بن أبي كثير نا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قال يوم الخندق: وجعل يسب كفار قريش قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس، فقال رسول الله: "والله إن صليتها". قال: فنزلنا بطحان فتوضأ رسول الله وتوضأنا فصلى رسول الله ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١). حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود الطيالسي وأبو النضر عن محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الوسطى صلاة العصر" (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. حدثنا هنّاد نا عبدة عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر" (٣). قال: وفي الباب عن علي وعائشة وحفصة وأبي هريرة وأبي هاشم بن عتبة.

стр. 1407

حدثنا أبو عيسى: قال محمد: قال علي بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح وقد سمع منه. وقال أبو عيسى: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن. وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وقال زيد بن ثابت وعائشة: صلاة الوسطى صلاة الظهر. وقال ابن عباس وابن عمر: صلاة الوسطى صلاة الصبح. حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى نا قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته فقال: سمعته من سمرة بن جندب. قال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيل نا علي بن عبد الله بن المديني عن قريش بن أنس بهذا الحديث. قال محمد: قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح. واحتج بهذا الحديث (١). * الكلام عليه: أما حديث عمر فقد سبق الكلام عليه في الباب قبل هذا، وكذلك هو في بعض نسخ الترمذي داخل في الباب المذكور. وأما حديث ابن مسعود فصحيح أيضًا، رواه مسلم وغيره. وأما حديث الحسن عن سمرة، فقد أخرجه الترمذي وحسنه وفي رواية عنه

стр. 1408

عن البخاري قال: قال علي بن المديني: حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح وقد سمع منه. ورواه الإمام أحمد (١) وفي رواية له: أن النبي ﷺ سئل عن صلاة الوسطى فقال: "هي العصر". وفي لفظ له أن نبي الله ﷺ قال: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" وسمَّاها لنا أنها (٢) هي العصر. وقد أخرج الترمذي هذا الحديث أيضًا في التفسير (٣) من كتابه عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع العيشي عن سعيد بن أبي عروبة به. وقال: حسن صحيح. وقد تقدم الكلام في تصحيح سماع الحسن من سمرة وهي ترجمة احتج بها البخاري في حديث العقيقة وغيره (٤)، وإن كان شعبة لم يثبت سماعه منه فمن أثبت مقدم على من نفى. وأما حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: "شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غربت الشمس ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا" فصحيح، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما في غير موضع (٥). وأما حديث عائشة فهو من (٦) طريق أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال: فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى

стр. 1409

الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﷺ . رواه مسلم (١). وعن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فقال رجل -كان جالسًا عند شقيق- له: هي إذن صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، والله أعلم. رواه مسلم (٢) وليس لمسلم عن شقيق في "صحيحه" إلا هذا الحديث فقط. وأما حديث حفصة فروى مالك (٣) عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ ، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، قال: فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ هكذا رويناه من طريق القعنبي عن مالك. وأما حديث أبي هريرة فذكره الحافظ أبو محمد الدمياطي ﵀ في كتابه في الصلاة الوسطى من طريق ابن أبي داود ثنا أحمد بن جناب ثنا عيسى بن يونس عن محمد بن أبي حميد عن موسى بن وردان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الوسطى صلاة العصر" وهو حديث أبي هاشم بن عتبة فقد ذكرهما الطحاوي (٤) من طريق أبي داود أيضًا عنه ثنا أبو مسهر ثنا صدقة بن خالد حدثني

стр. 1410

خالد بن دهقان قال: أخبرني خالد سبلان عن كهيل بن حرملة النمري عن أبي هريرة أنه أقبل حتى نزل دمشق على آل أبي كلثم الدوسي فأتى المسجد فنزل في غربيه فتذاكروا الصلاة الوسطى فاختلفوا فيها فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فأتى رسول الله ﷺ وكان جريئًا عليه فاستأذن فدخل ثم خرج إلينا فأخبرنا أنها صلاة العصر. خالد بن عبد الله بن الفرج مولى بني عنس -بالنون- شامي يعرف بسبلان لطول كان في لحيته (١)، وأبو كلثم الدوسي يقال فيه أبو كلثوم أيضًا. وفي أحاديث الباب مسائل: الأولى: قد اختلف السلف في الصلاة الوسطى ما هي بعد اتفاقهم على أن الصلاة الوسطى أكد الخمس. فقال الشافعي: هي الصبح نص عليه في "الأم" وغيره، وهو مذهب مالك ونقل عن عمر ومعاذ وابن عباس وابن عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس. وقالت طائفة: هي العصر وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وروي عن علي وابن مسعود وأبي هريرة وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب وسمرة بن جندب وأبي سعيد الخدري وابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم

стр. 1411

سلمة وعبيدة السلماني والنخعي والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم. وقالت طائفة: هي الظهر وهو رواية عن أبي حنيفة ونقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة. ونقله ابن المنذر عن عبد الله بن شداد. وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب قاله الواحدي. وقال بعضهم: هي العشاء الآخرة. وقال بعضهم: هي إحدى الخمس مبهمة، ذكر عن زيد بن ثابت والربيع بن خثيم وسعيد بن المسيب وشريح. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أنها الجمعة وقيل: إنها الجمعة في يوم الجمعة وفي سائر الأيام الظهر، حكاه ابن مقسم في "تفسيره"، وعن بعضهم أن الصلاة الوسطى جميع الصلوات الخمس وقيل: الصلاة الوسطى صلاتان العشاء والصبح ذكره ابن مقسم في "تفسيره" ونسبه إلى أبي الدرداء ﵁ لقوله ﷺ : "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا". وقوله: "من صلى العشاء في جماعة كان له كقيام نصف ليلة، ومن صلاها مع الصبح في جماعة كان له كقيام ليلة". وذهب أبو بكر الأبهري إلى أنها صلاتان: الصبح والعصر. وقيل: إنها الجماعة في جميع الصلوات، حكى عن الإمام أبي الحسن الماوردي في "النكت" ويقال: إنها صلاة الخوف ذكره شيخنا الحافظ الدمياطي ﵀ وقال حكاه لنا من يوثق به من أهل العلم لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ واستدل على ذلك بأوجه ثلاثة من هذه الآية. قال: واختار الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السخاوي

стр. 1412

المقرئ أنها الوتر متمسكًا بأن المعطوف غير المعطوف عليه في قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وذكر الأحاديث في فضل الوتر. وقيل إنها صلاة الضحى وذهب آخرون إلى أنها صلاة عيد الفطر حكاهما الدمياطي وقال: وذاكرت فيهما أحد شيوخي الفضلاء فقال: أظنني وقفت على قول من ذهب إلى أنها صلاة الضحى تم تردد فيه، وشواهده من السنة ما ورد في فضل صلاة الضحى مع ما تقدم من أن العطف يقتضي المغايرة فإن صح هذا القول فهو تمام سبعة عشر قولًا. الثانية: هذه الإضافة: صلاة الوسطى، قد اختلف الرواة فيها، فبعضهم يقول: عن الصلاة الوسطى وبعضهم يقول: عن صلاة الوسطى، فأما الرواية الأولى فظاهرة، وأما الثانية فمن باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾، فهو عند الكوفيين من باب إضافة الوصوف إلى صفته وأجازوه، ومنعه البصريون وقدَّروا في الكلام محذوفًا تقديره عن صلاة الصلاة الوسطى أي: عن فعلها. الثالثة: الوسطى يحتمل أن يراد به الفضلى ونحوه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي خيارًا، والوسط العدل، ومنه قول العرجي: كأني لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تكن نسبتي في آل عمرو ويحتمل أن يراد به المسافة في البعد لكل واحد من الطرفين فيكون المراد التوسط في العدد أو في الزمان، وعلى ذلك انبنى الخلاف. الرابعة: فإذا قلنا المراد بالوسطى هنا الفضلى، فيكون العطف فيه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ إلى آخره، لأن الملائكة اسم جنس عرف بالإضافة، وكذلك من النبيين معرف بالألف واللام

стр. 1413

فاقتضى العموم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاء يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف؟ قلت: الدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص فجيء بالعام ثم عطف عليه الخاص إيذانًا بفضله كقوله: ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فيؤخذ منه ترجيح قول من قال إنها العصر لما في ذلك من النصوص: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وقوله ﵇ أيضًا: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" وقوله ﵇ أيضًا حين صلاها بالمخمص: "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلنا فضيعوها وتركوها فمن حافظ عليها منكم أوتي أجرها مرتين"، والباب في هذا واسع. الخامسة: وإن قلنا التوسط يرجع إلى العدد فإما أن نريد عدد ركعات الصلوات أو أعداد الصلوات نفسها، فإذا أردنا الأول اقتضى أنها المغرب، لأن أعداد ركعات الصلوات أكثره أربع وأقله ركعتان. فالمتوسط ثلاث وهو المغرب، وإن أردنا الثاني صلح لكل واحد من الخمس لما اقتضاه العدد الفرد وذلك لأنه ما من صلاة إلا وهي بين شفعين. السادسة: وإن أريد بالتوسط التوسط في الزمان، قال بعض المالكية: كان الأبين أنها الصبح، لأنها بين صلاتي نهار محقق وهما الظهر والعصر وبين صلاتي ليل محقق وهما المغرب والعشاء، فأما وقت الصبح فوقت متردد بين الليل والنهار. انتهى. وإنما يتم هذا على القول بأن ما بين الفجر إلى طلوع الشمس ليس من الليل ولا من النهار، بل هو وقت مستقل وهو ضعيف ولو اعتمد في نصرة مذهبه على دعوى أن وقتها أشق الأوقات فكانت أفضل بذلك لكان أقرب، على أنه لا يسلم من

стр. 1414

المنازعة بوقت العصر لما فيه من الاشتغال بالبيع والشراء والأسباب وتوفر الدواعي على ذلك، فالمشقة في تركه ظاهرة، نعم إن قيل: بأن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من وقت النهار ظهر أنها العصر؛ لأن الصبح والظهر متقدمتان وهما صلاتا نهار، والمغرب والعشاء متأخرتان وهما صلاتا ليل. السابعة: وعلى القول بمراعاة الوسط في عدد الصلوات لا في عدد الركعات، يتوجه القول بصلاحيتها لكل واحدة من الخمس كما تقدم، لكنه بعيد جدًّا من وجوه أخر: أولها: أن فيه ذكر الشيء مجملًا بعد ذكره مفصلًا مبينًا وهو عكس ما عليه العادة ولم يقع لك في فصيح من الكلام ولا في غيره، فالصلوات مبين والصلاة الوسطى مجمل. وثانيها: أنه ليس في الكلام أيضًا أن يطلق لفظ الجمع ويعطف عليه أحد مفرداته ويكون المراد بذلك المفرد ذلك الجمع لما في ذلك من العي والإلباس. وثالثها: أنه لو أراد بالصلاة الوسطى الصلوات كما زعم هذا القائل لكان كأنه قال: حافظوا على الصلوات والصلوات، مريدًا بالثاني ما أراد بالأول وهو كلام خال من المعنى ولا يمكن حمله على التأكيد لمجيئه بصيغة العطف إلا إن بعض من قال ذلك، قال: المراد بالصلوات فرضها ونفلها، ثم خص الفرض بالذكر في قوله ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فيسلم من هذه الاعتراضات، لكنه يحتاج إلى توقيف في الأمر بالمحافظة على الصلوات النوافل. الثامنة: اختلف علماء الأصول في القراءة الشاذة، هل يثبت لها حكم السنن الثابتة من أخبار الآحاد أو لا؟ على قولين، وبالأول قال أبو حنيفة وجماعة وإلى الثاني صار الشافعي في آخرين متمسكين بأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن

стр. 1415

والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر. التاسعة: فيما تقدم عن حفصة وعائشة ﵄ فيما أملته كل منهما على كاتب مصحفها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر﴾، فعلى الأول يكون لنا حكم أخبار الآحاد فيقع التعارض بينها وبين من روى أنها العصر وعلى الثاني لا يكون لنا حكمه فلا يقع تعارض. العاشرة: على القول بالتعارض يحتاج إلى الجواب من قال إنها العصر إذ الأصل في باب العطف المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وأجيب بأن الرواية عن حفصة على تقدير ثبوتها وهو بعيد قد ثبت في مصحفها ما يخالف ذلك فيما رويناه من طريق يزيد بن هارون أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عمرو بن رافع قال: كان مكتوبًا في مصحف حفصة عن عمر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وأما الجواب عن حديث عائشة فمن وجهين: أحدهما: أن تكون الواو زائدة في ذلك على حد زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾، حكي عن الخليل: يصدون والواو مقحمة زائدة، ومثله في القرآن كثير، ومنه قول امرؤ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف وعقنقل وقول الآخر: فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمة حالم بخيال

стр. 1416

الثاني: أن لا تكون زائدة، ويكون من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما لشيء واحد نحو قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم وقريب منه قول الآخر: أكر عليهم دعلجًا ولبانة ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما فعطف لبانه وهو صدره على دعلج وهو اسم فرسه، ومعلوم أن الفرس لا يكر إلا ومعه صدره، لما كان الصدر يلتقي به وتقع به المصادمة. وقال مكي بن أبي طالب في "تفسيره": وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى غير العصر، لأن سيبويه حكى: مررت بأخيك وصاحبك والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر وإن عطفت بالواو. انتهى. وتغاير اللفظ قائم مقام تغاير المعنى في جواز العطف ومنه قول أبي داود الإيادي: تسلط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صد المقابر هام وقول عدي بن زيد العبادي: وقدمت الأديم لراهشيه ... فألفى قولها كذبًا ومَينا والرهشان عرقان في باطن الذراع. وقول عنترة: حييتَ من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم وقول الآخر: ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد

стр. 1417

والمنون والموت واحد، وكذلك الكذب والمين، وكذلك قوله: أقوى وأقفر، وكذلك النأي والبعد، ومثله كثير. وقد روينا من طريق المحاملي ثنا عبد الله بن شبيب نا ابن أبي أويس حدثني إسماعيل بن داود عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سمعت السائب بن يزيد تلا هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر﴾. الحادية عشرة؛ اختلفوا فيما إذا روى الراوي حديثًا وخالفه عمله وفتواه؛ فالذي ذهب إليه الجمهور أن الحجة فيما روى لا فيما رأى، وخالف في ذلك الكوفيون واعتدوا ذلك علة في الخبر الذي رواه وعللوه بأنه لم يعدل عن العمل بما روى إلا لاحتمال أن يكون عثر على ناسخ أو مخصص أو غير ذلك مما صرفه عن العمل به. الثانية عشرة: قد صح عن علي بن أبي طالب من طريق مسلم والبخاري وغيرهما: أن الصلاة الوسطى هي العصر. وقد روي عن مالك أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، قال مالك: وذلك رأيي فيحتاج من ذهب مذهب الكوفيين في ذلك إلى الجواب عن ما نقل مالك عن علي وقد أجيب عنه من وجهين: الأول: أن المنقول عن علي في ذلك من روايته صحيح متصل، والمنقول عنه من رأيه بلاغ عند مالك وهو في معنى المرسل فلا يعارضه ولا تقوم به حجة. الثاني: أنه قد روي عن علي أنه كان يرى ذلك ثم رجع عنه. ذكر ابن مهدي نا سفيان عن عاصم عن زر قال: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نُراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو

стр. 1418

بيوتهم نارًا" كذلك روي عنه من غير وجه. الثالثة عثرة: ما ذكره مالك عن علي وابن عباس بلاغًا ورُدّ بالإرسال، قد روي عن ابن عباس مسندًا متصلًا عند النسائي من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس قال: أدلج رسول الله ﷺ ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس فصلى وهي صلاة الوسطى. وذلك ظاهر في صلاة الصبح، ويمكن أن يجاب عنه من وجهين: الأول: أن ما روي من قوله في هذا الخبر وهي صلاة الوسطى يحتمل أن يكون من المدرج وليس من قول ابن عباس. ويحتمل أن يكون من قوله، وقد روى أبو نعيم الفضل ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن رزين بن عبيد العبدي قال: سمعت ابن عباس يقول: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وهذا صريح لا يتطرق إليه من الاحتمال ما يتطرق للأول فلا يعارضه. رزين، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه. الثاني: يرجع إلى القاعدة المتقدمة أن الاعتبار عند مخالفة الراوي روايته بما روى لا بما رأى فقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: قاتل النبي ﷺ عدوًا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: "اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى املأ بيوتهم نارًا أو قبورهم نارًا" أو نحو ذلك. وذكر أبو محمد بن الفرس في كتابه في "أحكام القرآن" (١) أن ابن عباس قرأ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صلاة العصر﴾ على البدل. الرابعة عشرة: تقدم حديث البراء بن عازب قال: نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ... وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم نسخها الله فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الحديث يتجاذب الاستدلال

стр. 1419

به فريقان، أحدهما: القائلون بأنها العصر، والثاني: القائلون بأنها أبهمت في الصلوات الخمس بناء على أن النسخ هنا هل توجه للفظ دون المعنى أو لهما معًا، والأول أولى لأن الأصل عدم النسخ، ونسخ اللفظ دون المعنى أقرب إلى الأصل، وليس هذا من باب نسخ الكتاب بالسنة التي هي أخبار آحاد، لأن قوله: (وصلاة العصر) في هذه الآية لم يصل إلينا قرآنًا وإنما وصل إلينا في هذا الخبر وما جرى مجراه، فهو وناسخه في رتبة واحدة. الخامسة عشرة: الحكمة في إبهامها عند من قال به (١) ما روي أن رجلًا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات تصبها، فهي مخبوءة في جميع الصلوات خبء ساعة الإجابة في ساعات يوم الجمعة وليلة القدر في ليالي شهر رمضان والاسم الأعظم في جميع الأسماء، والكبائر في جملة الذنوب، لأنه أبعث على المحافظة على جميعها، إذ في إبهامها وترك تعيينها حث على الإتيان بجميعها فكان أولى من التعيين المفضي إلى إهمال ما سواها. وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي: بعد ذكره خلاف الناس فيها: وكل هذا الاختلاف يشعر بأنها مما استأثر الله تعالى بعلمه عن خلقه ليحافظ على جميع الصلوات كما استأثر بالعلم بليلة القدر ليحافظ على قيام الشهر أو العشر الأواخر منه، وليس في هذه المذاهب أقوى من مذهب من ذهب إلى أنها العصر أو الصبح، فإن تردد النظر بينهما فما دلت عليه الآثار فيهما أظهر مما سواه. السادسة عشرة: ما قاله أبو الحسن ابن المقدسي من ترجيح مذهب من ذهب إلى أنها الصبح أو العصر شهد له ما روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي

стр. 1420

هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون"، وقوله ﵇: "من صلى البردين دخل الجنة"، وغير ذلك. السابعة عشرة: إذا ثبت اشتراكهما في فضل الوقت وشهود الملائكة وكثرة المشقة، فيمكن ترجيح العصر في الفضل على الصبح من وجه آخر وهو الأفضلية بعدد الركعات، فالمناسب هو أن تكون الرباعية منهما أفضل لأنها أكثر ركعات وأكثر عملًا والقاعدة أن ما كثر عمله كثر ثوابه بعد استوائهما في المزايا المذكورة على غيرهما. الثامنة عشرة: اختلفوا في الوتر هل هو واجب أو سنة مؤكدة وإلى الثاني ذهب الجمهور وبالأول قال أبو حنيفة وعنه رواية أخرى أنها فرض، ويؤخد من هذا الحديث ما ذهب إليه الجمهور، لأنها لو كانت فرضًا لكانت الصلوات ستًّا ولا وسطى لست. التاسعة عشرة: قوله ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا في حديث علي فيه دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا. الموفية عشرين: في حديث ابن مسعود: ملأ الله أو حشا الله قد يتمسك به من لا يرى الرواية بالمعنى حيث لم يقتصر على أحد اللفظين وقد يجاب عنه من وجهين: الأول: منع استوائهما في المعنى والمطلوب الاستواء لا المقارنة وهو ظاهر فإن الحشو يقتضي الملء وزيادة. الثاني: قد يكون ابن مسعود أراد بذلك تحري الأفضل لا أنه لازم له.

стр. 1421

الحادية والعشرون: قوله: فصلاها بين العشاءين يحتمل بين وقتي العشاءين ويحتمل بين صلاتي العشاءين، فعلى الأولى لا يلزم الفورية في قضاء الفوائت، وقد ينازع في ذلك، وعلى الثاني لا يلزم الترتيب وقد تقدم في الباب قبل هذا ذكر مذاهب العلماء في ذلك. اهـ. * * *

стр. 1422

٢٠ - باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر ثنا أحمد بن منيع نا هشيم أنا منصور وهو ابن زاذان عن قتادة أنا أبو العالية عن ابن عباس قال: سمعت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب وكان من أحبهم إليّ: أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. قال: وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعقبة بن عامر وأبي هريرة وابن عمر وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو ومعاذ بن عفراء والصُّنابحي وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعائشة وكعب بن مرة وأبي أمامة وعمرو بن عبسة. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس عن عمر حديث حسن صحيح وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أنهم كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس، فأما الصلوات الفوائت فلا بأس أن تقضى بعد العصر وبعد الصبح. قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء: حديث عمر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس. وحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" وحديث علي: "القضاة ثلاثة". * الكلام عليه: حديث عمر أخرجوه أجمعون، وحديث علي من رواية عاصم بن ضمرة عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر

стр. 1423

والعصر. أخرجه أبو داود. وحديث ابن مسعود روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر قال: قال لي عبد الله: كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار، رواه عن سليمان بن الأشعث عن علي بن معبد عنه. وحديث أبي سعيد الخدري روى ابن شهاب قال حدثني عطاء بن يزيد الجندعي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" متفق عليه. وحديث عقبة بن عامر روى مسلم من حديث موسى بن عُلَي عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني ﵁ يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب. وحديث أبي هريرة روى مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. رواه مسلم من حديث مالك، وحديث ابن عمر روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" أخرجاه من حديث مالك. وحديث سمرة بن جندب روى الطحاوي وأبو عمر من حديث شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يحدث عن سمرة قال: قال

стр. 1424

رسول الله ﷺ : "لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها فإنها تطلع بين قرني الشيطان وتغرب بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان". لفظ الطحاوي والآخر نحوه. وحديث عبد الله بن عمرو روى الطبراني في "الأوسط" عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها". أخرجه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أحمد بن يونس عن أبي شهاب عن ابن أبي ليلى. وحديث معاذ بن عفراء رواه غندر وغيره عن شعبة وهذا لفظ غندر قال شعبة: عن سعد بن إبراهيم عن نصر بن عبد الرحمن عن جده معاذ القرشي أنه طاف بالبيت مع جده معاذ بن عفراء بعد العصر وبعد الصبح فلم يصل فسأله فقال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة بعد صلاتين: بعد الغداة حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس". وكذلك رواه ابن المبارك وحفص بن عمر عن شعبة. وحديث الصنابحي روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها فإذا أذنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها"، ونهى رسول الله صلى اله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات، هذه رواية يحيى عن مالك، وتابعه في قوله عن عبد الله الصُّنابحي جمهور الرواة منهم القعنبي وغيره، قاله أبو عمر، قال: وقال فيه مطرف عن مالك بسنده عن أبي

стр. 1425

عبد الله الصُّنابحي وتابعه إسحاق بن عيسى الطباع وجماعة وهو الصواب واسمه عبد الرحمن بن عسيلة من كبار التابعين ولا صحبة له، قصد النبي ﷺ فتوفي وهو في الطريق قبل لقائه إياه بأيام يسيرة. وحديث سلمة بن الأكوع ....... (١). وحديث زيد بن ثابت روى الطبراني من حديث ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر، رواه عن أحمد بن يحيى الحلواني نا محمد بن معاوية النيسابوري عنه. وحديث عائشة روى وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن عائشة أنها قالت: وهم عمر إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. رواه مسلم. وعنده في رواية معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن عائشة قالت: لم يدع رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر، قال: وقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك". وحديث كعب بن مرة روى الطبراني عن الدبري عن عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أهل الشام عن مرة بن كعب بن مرة البهزي قال: قلت: يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر ثم الصلاة مقبولة حتى يطلع الفجر ثم لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح ثم لا صلاة حتى تزول الشمس ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ثم لا صلاة حتى تغرب الشمس". كذا وقع في هذا الإسناد مرة بن كعب بن مرة والصواب كعب بن مرة أو مرة بن كعب وهو خلاف في شخص واحد ذكره أبو عمر قال: وله أحاديث عن أهل

стр. 1426

الكوفة مخرجة عن شرحبيل بن السمط عنه وهي بعينها عند أهل الشام مخرجة عن شرحبيل عن أبي أمامة. قلت: فلعل الرجل الذي لم يسم في هذا الإسناد هو شرحبيل. وحديث أبي أمامة روى موسى بن أعين عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا عند طلوع الشمس فإنها تطلع بين قرني شيطان وكل كافر يسجد لها ولا تصلوا عند غروب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وكل كافر يسجد لها ولا تصلوا وسط النهار فإن جهنم تسجر عند ذلك". وحديث عمرو بن عبسة قد أخرجه الترمذي وصححه وفيه قوله ﵇: "ثم اقصر يعني عن الصلاة حتى تطلع الشمس وكذلك في العصر حتى تغرب الشمس" نحو حديث أبي أمامة. وفي الباب أيضًا عن معاوية وابن عباس وسعد بن أبي وقاص (١). فيه مسائل: الأولى: أوقات الكراهة خمسة على المشهور، وقد ضم إليها سادس سنذكره. وهي على ضربين: فوقتان تعلق النهي فيهما بالفعل، وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ووجه تعلق النهي فيهما بالفعل أن صلاة التطوع فيهما مكروهة لمن صلى الصبح والعصر دون من لم يصلهما، وفي هذا يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر. وثلاثة أوقات يتعلق النهي فيها بالزمان وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح وعند استوائها حتى تزول وعند اصفرارها حتى تغرب على خلاف يأتي في

стр. 1427

تفصيل ذلك، وهذا التقسيم عن بعض العلماء، ومنهم من عبر عن الأول من أوقات الكراهة بأنه ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح ولم يفرق بين التعلق الفعلي والزماني فينقص التقسيم. الثانية: تبويب الترمذي على المعنى الأول في الوقتين بعد الصبح وبعد العصر وحديثه المسند فيه كذلك والأحاديث التي أشار إليها بأسماء رُواتها من الصحابة، منها ما يتعلق بالمعنى الأول ومنها ما يتعلق بالثاني ومنها ما يشملهما فكان التفصيل أشبه بطريقته لما نذكره من اختلاف الناس في ذلك. الثالثة: إذا تعارض خبران فكان كل واحد منهما عامًّا من وجه خاصًّا من وجه كنهيه ﵇ عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، ونهيه من دخل المسجد أن لا يجلس حتى يركع ركعتين، فهناك يقع التنارع، فلقائل أن يقول لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في شيء من هذين الوقتين لدلالة حديث الركعتين على جوازهما عند دخول المسجد، وهو خاص بالنسبة إلى الحديث الأول المانع من الصلاة في الوقتين، ولخصمه أن يقول: إذا دخل أحدكم المسجد عام بالنسبة إلى الأوقات فأخصه بالنهي عن الصلاة في الوقتين وقد اختار بعض المحققين الوقف هنا حتى يقع الترجيح بأمر خارج وعلى هذا انبنى الخلاف في أكثر مسائل هذا الباب. الرابعة: حمل النهي على عمومه قوم منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث وكعب بن عجرة الصحابيان ﵄ فذكر الطحاوي عن ابن أبي بكرة عن أبيه أنه قال: واعدَنَا أبو بكرة إلى أرض له فسبقنا إليها فأتيناه ولم يصل العصر فوضع رأسه فنام ثم استيقظ وقد تغيرت الشمس فقال: أصليتم العصر؟ فقلنا: لا. قال: ما كنت أنتظر غيركم فأمهل عن الصلاة حتى غابت الشمس ثم صلاها، وذكر أبو عمر مثله عنه.

стр. 1428

وعن كعب بن عجرة في صلاتي الصبح والعصر. وفي هذا رد على من فرق بين صلاتي الصبح والعصر في ذلك على ما يأتي. الخامسة: وخصه الأكثرون ثم اختلفوا في جهة التخصيص على وجوه: الأول: التخصيص المتعلق بالأمكنة وسيأتي في الباب بعد هذا. الثاني: المتعلق بالأزمنة. الثالث: المتعلق ببعض الصلوات دون بعض في كل مكان وزمان. الرابع: القول بالتحريم في بعض الأحيان والكراهة في بعضها وهو غير الثاني كما يأتي بيانه. السادسة: ذكر عبد الرزاق عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: تكره الصلاة في ثلاث ساعات وتحرم في ساعتين، تكره بعد الصبح وبعد العصر ونصف النهار في شدة الحر وتحرم حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها وحين تصفر حتى يستوي غروبها. السابعة: ذهب أبو حنيفة إلى أن الوقتين الذين تعلق النهي فيهما بالفعل يكره فيهما التطوع ولا يكره فيهما الفرض ولا بأس أن يصلي فيهما على الجنازة ويقضي فوائت الفرائض ويسجد للسهو وللتلاوة ولكن لا يصلي المنذورة ولا ركعتي الطواف ولا يصلي شيئًا من التطوعات، وأما في الأوقات الثلاثة فلا تجوز صلاة ما إلا عصر اليوم عند غروب الشمس، فلو دخل في تطوع قال يقطعه ويقضيه في الوقت المأمور بعد، فلو مضى فيه أساء وأجزأه وإن صلى فيها فرضًا أو واجبًا أعاد إلا عصر يومه. الثامنة: فرق مالك بين وقت الاستواء وغيره، فمنع من الصلاة في غير وقت

стр. 1429

الاستواء من الأوقات المذكورة ولم يمنع منها في الاستواء وحكى ابن القاسم عنه أنه لم يعرف النهي في ذلك وحديث الصُّنابحي في الكراهة وقت الاستواء عنده في "الموطأ" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه، ومثل هذا من المراسيل عنده حجة ويشبه أن يكون عدل عنه لعمل رأى أهل المدينة عليه في يوم الجمعة، فقد روى عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر. ومعلوم أن خروج عمر كان بعد الزوال وهذا جارٍ على قاعدته في تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد إن كان اتصل العمل بذلك إلى زمنه، وإلا فكلا الأثرين خبر واحد، ولكنه لم يخص يوم الجمعة بذلك وكمذهبه في ذلك مذهب الحسن البصري وهي رواية عن طاوس وعن الأوزاعي أيضًا. التاسعة: ذهب الشافعي وأصحابنا وأبو يوسف إلى أنه لا بأس بالتطوع نصف النهار يوم الجمعة خاصة وهي أيضًا رواية عن الأوزاعي وأهل الشام وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة. وابراهيم هو ابن أبي يحيى، وإسحاق هو ابن أبي فروة متروكان لا تقوم الحجة بخبرهما وليس اعتماد الشافعي على هذا الخبر فقط، وإن كان ابن أبي يحيى ليس عنده بالواهي، لكنه يحتج أيضًا بحديث ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك، فإنه قال: والنهي عن الصلاة عند استواء الشمس صحيح، إلا أنه خص منه يوم الجمعة بما روي من العمل المستفيض في زمن عمر. قال: والعمل في ذلك لا يكون إلا توقيفًا وإن كان حديث ابن أبي يحيى ضعيفًا فإنه يقويه صحة العمل به، فهذا مذهب الشافعي في وقت الاستواء يوم الجمعة. وهل يستثني باقي الأوقات الخمسة

стр. 1430

في يوم الجمعة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كوقت الاستواء تخصيصًا ليوم الجمعة وتفضيلًا له وأصحهما لا، لأن الرخصة قد وردت في وقت الاستواء وقد روى مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة تكره نصف النهار إلا يوم الجمعة، فإن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". ومن رواة هذا الخبر من يقفه على أبي قتادة ولو وُقف عليه فمثل هذا لا يقال إلا بتوقيف. قال الغزالي: وقيل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس عند الجمعة. العاشرة: كان عطاء بن أبي رباح يكره الصلاة نصف النهار في الصيف دون الشتاء وقد تقدم عن ابن سيرين مثله. انتهى ما يتعلق بالأزمنة. [الحادية عشرة: الوقت السادس الذي تقدمت الإشارة إليه هو أنه بعد طلوع الفجر هل يكره ما سوى ركعتي الفجر أو لا؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: نعم وبه قال أبو حنيفة. والثاني: لا وبه قال مالك، وللأصحاب فيه وجهان وسيأتي في بابه]. الثانية عشرة: خص قوم من عموم النهي قضاء الفوائت من الفرائض خاصة، منهم مالك وأحمد وإسحاق إلا أن أحمد وإسحاق يريان الجواز في صلاة الجنازة وركعتي الطواف، وقد اختلفت الرواية عن مالك في صلاة "الجنازة وتمسك هؤلاء في تخصيصهم بقوله ﵇: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس" الحديث وبعموم قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها" وهذا الثاني قد يقبل النزاع بمنع دخول النافلة بحسب ما قصد إليه بالصلاة المنسية وهو تخصيص من

стр. 1431

غير مخصص ويرد عليه قضاء رسول الله ﷺ سنة الظهر بعد العصر في بيت أم سلمة، ويجاب عنه من وجهين: الأول: أن مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم في حديث وسواء كان هو الراوي أو لا هل يكون ذلك تخصيصًا للعموم؟ أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين. فالمنقول عن الحنفية والحنابلة وعيسى بن أبان أنه يكون مخصصًا والجديد من قولي الشافعي على خلاف ذلك. وقد كان عمر بن الخطاب وأبو هريرة وابن عباس وأبو سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن عفراء وهم رواة تلك الأحاديث يذهبون إلى تخصيص الفريضة بذلك الحكم فقط، وأبو هريرة هو راوي حديث: "من أدرك من الصبح ركعة" فهو أعلم بما روى. الثاني: الصلاة في بيت أم سلمة لا يقوى بمعارضة "من نام عن صلاة أو نسيها" لأن تلك الصلاة فعل وهذا قول والفعل إذا عارض القول فإما أن يجهل التاريخ أو لا؟ فإن جهل كما في مسألتنا فالعمل بالقول أقوى. الثالثة عشرة: وخص الشافعي من هذا العموم قضاء الفوائت كلها من الفرائض والنوافل وتحية المسجد وما له سبب متقدم أو مقارن كسجود التلاوة وصلاة الجنازة وما أشبه ذلك. أما الفرائض فلما ذكرناه وأما النوافل فلدخولها تحت عموم الصلاة في قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها" ولقضائه ﵇ ركعتي الظهر بعد العصر ولقضاء قيس بن قهد بين يديه ﵇ ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح وإقراره إياه على ذلك، وتحية المسجد لقوله ﵇: "إذا دخل أحدكم المسجد" والصلاة على الجنازة لقوله ﵇: "يا علي ثلاث لا تؤخرها الصلاة إذا أتت والجنازة إذا

стр. 1432

حضرت" الحديث أخرجه الترمذي وقد تقدم، وصلاة الخسوف والكسوف لقوله ﵇: "فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة" وركعتي الطواف لقوله ﵇: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار"، والركعتين عقيب التطهر لقوله ﵇ لبلال: "ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي"، فقال: يا رسول الله ما أحدثت قط إلا توضأت عندها ولا توضأت إلا رأيت أن لله علي ركعتين. الرابعة عشرة: أجرى أصحاب الشافعي الخلاف في صلاة الاستسقاء على وجهين: أحدهما: تكره، قالوا لأن الغرض منها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير فأشبهت صلاة الاستخارة. الثاني: لا تكره، لأن الحاجة الداعية إليها موجودة في الوقت، قال الرافعي: ومن قال بهذا قد يمنع الكراهة في صلاة الاستخارة أيضًا. قلت: ينبغي على ما سبق من قواعدهم أن تكون صلاة الاستخارة أيضًا مما خص من ذلك لما يقتضيه النص والمعنى، أما النص فقوله ﵇: "إذا هم أحدكم بالحاجة فليركع" فنسق جواب الشرط بالفاء المقتضية للتعقيب، وأما المعنى فلأن سببها متقدم عليها. وكذلك أجروا الخلاف في ركعتي الإحرام على وجهين أصحهما أنها لا تلتحق (١) بهذه الصلوات لأن سببها وهو الإحرام متأخر عنها. الخامسة عشرة: مذهب الشافعي أن المحرّم بوصفه مضاد لوجوب أصله خلافًا لأبي حنيفة مثاله: إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد، فيقول الشافعي: المحرم هو الصوم الواقع وألحقه بالمحرم باعتبار أصله فكان تحريمه مضادًا لوجوبه. وأبو

стр. 1433

حنيفة يرى أن المحرم نفس الوقوع لا الواقع وهما غيران فلا تضاد إلحاقًا له بالمحرم باعتبار غيره، وأورد على الشافعي لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريمًا للفعل الواقع لزم أن يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريمًا لنفس الطلاق ولو كان الطلاق نفسه محرمًا لما كان معتبرًا، وكذلك وقوع الصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عن إيقاعها فيها. وأجيب: أما الطلاق في زمن الحيض فإنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف العلة عنده عن أصل الطلاق وصفته إلى أمر خارج وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة لدليل دل عليه، وأما الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي عنها، فقد منع بعض أصحابنا صحتها في الأوقات دون الأماكن ويحتاج إلى الفرق. السادسة عشرة: وعلى هذه القاعدة ينبني خلافهم فيما إذا أحرم بالصلاة في وقت الكراهة، هل ينعقد إحرامه أم لا فيه وجهان: أحدهما: نعم كالصلاة في الحمام لا خلاف في انعقادها مع ورود النهي. وأظهرهما لا كما لو صام يوم العيد لا يصح. السابعة عشرة: وعلى هذين الوجهين يخرج ما لو نذر أن يصلي في أوقات الكراهة، إن قلنا تصح الصلاة فيما يصح النذر وإن قلنا لا تصح فلا يصح النذر، كما لو نذر صوم يوم العيد فإن صححنا النذر فالأولى أن يصلي في وقت آخر كمن نذر أن يضحي بشاة بسكين مغصوب فصح نذره ويذبحها بسكين غير مغصوب، وأما إذا نذر صلاة مطلقًا فله أن يفعلها في الأوقات المكروهة فإنها من الصلوات التي لها سبب متقدم كالفائتة. الثامنة عشرة: في قول ابن عباس عن عمر: وكان من أحبهم إليَّ، رد على الروافض فيما يدَّعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر الصحابة ﵃.

стр. 1434

التاسعة عشرة: في حديث ابن مسعود وقوله: كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس. هذا محمول على الاتصال عندهم خلافًا للكرخي لأن قول أتباع الرئيس كالسلطان أمرنا بكذا ينصرف إليه ولأن غرض الصحابي تعليمنا الشرع فيحمل على من صدر الشرع عنه لا على أمر الله لأنه ظاهر للكل ولا على الأمة لأنه أحدهم فلا يأمر نفسه. الموفية عشرين: حديث أبي سعيد اقتضى مد وقت الكراهة إلى طلوع الشمس وإلى غروبها وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق بل الارتفاع الذي تزول عنه صفرة الشمس أو حمرتها، وأكثر العلماء على تقييد الارتفاع بقيد رمح أو رمحين ومن أصحاب الشافعي من قال تخرج الكراهة بطلوع القرص بتمامه ولم يعتبر الارتفاع قدرًا، والأول أولى، لأن حديث عمرو بن عبسة فيه التقييد ثابت بقيد رمح أو رمحين عند الطبراني وغيره، فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيد. الحادية والعشرون: وفي حديث ابن عمر: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" يحتمل وجهين: أحدهما: لا يترك أحد صلاته ذاكرًا لها إلى حين طلوع الشمس أو غروبها فيصلي، وهذا على الفرائض. الثاني: أن يكون القصد بذلك إلى التطوع فيتضمن الرد على من منع من قضاء الفريضة -في ذلك الوقت- المنسية أو التي حصل النوم عنها لأنه ليس يقال لمن نام فلم ينتبه أو نسي فلم يذكر إلى ذلك الوقت أنه تحراه وقصده والنهي إنما توجه هنا لمن تحرى ذلك. الثانية والعشرون: وفي حديث سمرة تعليل الحكم بطلوع الشمس بين قرني الشيطان، فمنهم من حمله على الحقيقة من غير تكييف لأنه لا يكيف ما لا يرى

стр. 1435

ذكر ابن أبي شيبة نا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ صَدَّقَ أمية بن أبي الصلت في بيتين من شعره: رَجُل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد فقال النبي ﵇: "صدق". قال: والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد فقال النبي ﷺ : "صدق". وفي خبر عكرمة أن ابن عباس قال لهم: ما أنكرتم من ذلك؟ قالوا: فما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون لها: اطلعي اطلعي فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني دون الله، فيأتيها ملك عن الله يأمرها بالطلوع فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها وذلك قول رسول الله ﷺ : "ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان". وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: حملة العرش أحدهم على صورة إنسان والثاني على صورة ثور والثالث على صورة نسر والرابع على صورة أسد (١). الثاني: ومنهم من حمله على المجاز ويكون المراد أنها تطلع على أمة تعبد الشمس من دون الله فتسجد لها عند الطلوع والغروب فكره النبي ﷺ التشبه بهم، وإضافتهم إلى الشيطان كقوله في الكفار: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ وتسمية الأمة

стр. 1436

قرنًا والأمم قرونًا كثير، ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾، ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. وقال ﵇: "خير القرون قرني". الثالثة والعشرون: وفي حديث عمرو بن عبسة: "فإنها تطلع على قرن الشيطان ويصلي إليها الكفار" قيل فيه أن للشيطان فيه ولشيعته تسلطًا ظاهرًا فيمكن أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشياطين. الرابعة والعشرون: وكذلك في حديث أبي أمامة، وهذا مما يقتضي ترجيح الحمل في قرن الشيطان على الحقيقة لأن العطف يقتضي المغايرة وإذا قلنا بالمجاز اقتضى شيئًا واحدًا وهو غلبة حزب الشيطان في ذلك الوقت بسجودهم للشمس وقيل الكراهة لأن الشيطان يوهم شيعته في الساجدين لله ذلك الوقت أنهم أتباعه الساجدين للشمس. وفيه: فإن جهنم تسجر ومعناه يوقد عليها وقيل: تملأ، ومنه البحر المسجور أي المملوء. * * *

стр. 1437

٢١ - باب ما جاء في الصلاة بعد العصر نا قتيبة نا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يَعُدْ لَهُمَا. وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن وقد روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين هذا خلاف ما روي أنه ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. وحديث ابن عباس أصح حيث قال: لم يعد لهما، وقد روي عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس. وقد روي عن عائشة في هذا الباب روايات: روي عنها أن النبي ﷺ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين. ووي عنها عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس. والذي أجمع عليه أكثر أهل العلم على كراهة الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا ما استثني من ذلك مثل الصلاة بمكة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس بعد الطواف، فقد روي عن النبي ﷺ رخصة في ذلك. وقد قال به قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم الصلاة بمكة أيضًا بعد العصر وبعد الصبح وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وبعض أهل الكوفة.

стр. 1438

* الكلام عليه: في إسناده عطاء بن السائب وكان من الحفاظ ثم اختلط بأخرة فمن روى عنه قبل الاختلاط كشعبة وسفيان فحديثه صحيح إلا ما استثني منه، ومن روى عنه بعد الاختلاط كجرير وخالد بن عبد الله وإسماعيل بن علية وعلي بن عاصم فليس حديثه كذلك، ويلتحق بهذا القسم الثاني من روى عنه قبل الاختلاط وبعده حتى يتبين، ذكر عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: عطاء بن السائب اختلط فمن سمع منه قديمًا فهو صحيح. وذكر أحمد ويحيى أن جرير سمع منه أخيرًا. قال أحمد: فليس بشيء وقال يحيى: وقد سمع منه أبو عوانة في الصحة والاختلاط جميعًا ولا نحتج به. وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال: كتبت عن عبيدة ثلاثين حديثًا. ولم يسمع من عبيدة شيئًا فهذا اختلاط شديد وأما حديثه عن سعيد بن جبير فقال: قال أحمد: كان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها يعني قبل الاختلاط. وقال أبو حاتم: وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب رفع أشياء كان يرويها عن التابعين فرفعها إلى الصحابة. فلهذا عدل الترمذي عن تصحيح حديثه هنا لكنه قد أخرج حديثه في مواضع من كتابه وصحح منها جملة وحسن بعضها وسكت عن بعضها وسيأتي الكلام عليها في مواضعها لاختلاف الحكم باختلاف الرواة عن عطاء. والذي يورد عليه هنا حديثه عن قتيبة عن جرير عنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة". وحديث: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن" بهذا الإسناد بعينه، وقد صححها ولم يصحح حديث الباب وإسناد الثلاثة واحد.

стр. 1439

وتلخيص الجواب عن ذلك أن التصحيح قد يتعلق بأمور خارجة عن المسند الذي خرج به الحديث عند من أخرجه به من متابعة ثقة أو يكون مشهور المتن معروف الأصل في الجملة كما ذكر مسلم في جواب من اعتراض عليه في تخريج حديث أسباط بن نصر وأحمد بن عيسى التستري وقطن بن نسير في الصحيح بأنه ما خرج في كتابه من حديث هؤلاء وأمثالهم إلا ما عرف صحته من خارج فكذلك هنا. أما حديث: "إذا أكل أحدكم طعامًا" فقد رواه شعبة عن عطاء، رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة عنه. وما كان من رواية شعبة وسفيان عنه فهو صحيح عندهم كما تقدم. وأما حديث: "نزل الحجر الأسود من الجنة" فمن رواية حماد بن سلمة عن عطاء رواه من حديثه النسائي. وقد ألحق يحيى بن معين حديث حماد عن عطاء بحديث شعبة وسفيان عنه، فقال مرة: وجميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان وذكر مرة معهما حماد بن سلمة. والمستثنى من حديث شعبة عنه ما ذكر علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ما سمعت أحدًا من الناس يقول في عطاء بن السائب شيئًا قط في حديثه القديم إلا حديثين كان شعبة يقول لسمعتهما منه بآخرة عن زاذان. قلتُ: وليس شيء من هذا عن زاذان. وأما حديث الباب في الركعتين بعد العصر فلم نجده من رواية أحد من متقدمي أصحاب عطاء بعد عن عطاء فلذلك لم يحكم بصحته، وأما التحسين في مثل هذا فهو جار على رسمه في الحسن لوجود الشواهد له من حديث عائشة وأم سلمة وميمونة وأبي موسى كما ذكر، وأما لو لم يكن له شواهد ففيه نظر على أن ابن

стр. 1440

عدي قال في ترجمة عطاء: ومن سمع منه بعد الاختلاط فأحاديثه (١) فيها بعض النكرة. وأما حديث عائشة فعند مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها. وروى أبو دواد عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر تعني ركعتين وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال. وحديث أم سلمة قال البخاري: وقال كريب عن أم سلمة: صلى النبي ﷺ بعد العصر ركعتين وقال: "شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر". وروينا من طريق الطبراني (٢): نا مصعب: قال: نا أبي، نا عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عبيدة بن نشيط عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ انصرف إلى بيتها فصلى به ركعتين بعد العصر، فأرسلت عائشة إلى أم سلمة، فقالت: أرى النبي ﷺ كان يصلي بعد الظهر ركعتين فقدم عليه وفد بني المصطلق في شأن ما صنع بهم عاملهم الوليد بن عقبة، فلم يزالوا يعتذرون إلى النبي ﷺ حتى جاء المؤذن يدعوه إلى صلاة العصر، فصلى المكتوبة ثم صلى في بيتي تلك الركعتين، ما صلاهما قبل ولا بعد، الحديث، وهو طويل، وأنا اختصرته، ولعله الذي أشار إليه الترمذي. هكذا أورده تعليقًا باللفظ الجازم عن كريب وقد أورده مسلم متصلًا.
следующие страницы →